← Язык

Язык · id 14443

تصحيح الفصيح وشرحه

ابن درستويه

Полный текст (518 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مصدرا كالحيض، ويكون اسما لمكان الحيض، ولوقت الحيض. ومن ذلك قول الله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ). ويقال: قد تحيضت المرأة، إذا تفقدت ذلك منها. والطالق: اسم الفاعل الجاري على فعله، تقول: طلقت المرأة، وهي تطلق طلاقا، بفتح اللام من الماضي، وضمها من المستقبل، وهو فعل لازم لا يتعدى إلى مفعول، مثل الحيض. والموقع للطلاق عليها غيرها، يقال: طلقها زوجها وهو يطلقها تطليقا، بتشديد اللام من الفعل، فهو مطلق، وهو فعل متعد إلى المرأة. وقد مضى تفسير هذه الكلمة فيما تقدم. والطاهر أيضا فعله غير متعد تقول: طهرت المرأة، وهي تطهر طهرا، بضم الهاء، وتطهرت فهي تتطهر تطهرا وطهارة. فأما قولك: طهرت على فعلت، فبمعنى نقيت من الحيض، وانقطع عنها. وأما قولك: تطهرت، بالتشديد والتاء بفمعنى تغسلت بالماء، ومن ذلك قول الله تعالى: (ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ) كأنه أراد فلا تقربوهن حتى يطهرن من الحيض، ويتطهرن بالماء، والتطهر: التنظف بالماء الذي لا نجاسة فيه، ولا خلط ولا مزاج. ويقال: ماء طاهر لذلك. وقد طهر الماء إذا برئ من النجس. ومنه قول الله تعالى: (وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا). وقد يستعار ذلك لأشياء كثيرة، فيقال: طاهر العرض، وطاهر الخلق، كما يقال: طاهر الثوب، وطاهر البدن، وإن كان مما لا يمسه الماء ولا يغسل، ولكنه يكون نقيا من العيب، بعيدا من الأذى، ويشبه بما قد طهر بالماء وغسل؛ فالمرأة الطاهر ضد الحائض والمحدث. والرجل الطاهر ضد الجنب والمحدث وغيرهما، مستعارة له ذلك على التوسع والتشبيه. وأما قوله: وكذلك تقول: كف خضيب، وامرأة قتيل، وعين كحيل، ولحية دهين يعني بغير تأنيث، كأنها لم تدخل فيها الهاء؛ لأنها على وزن فعيل بمعنى المفعول وهي منقولة من اسمها الجاري على الفعل، إلى ما يجري عليه، وذلك أن اسم الفاعل على فعله

стр. 387

بوزن فاعل. واسم المفعول الجاري على فعله بوزن مفعول. فأما فعيل فإنما هو موضوع للفاعلين، بمعنى المبالغة، وليست المبالغة في فعل الفاعل، وهو موضوع للمفعول أيضا بمثل ذلك المعنى، ولم يجز فعيل للمفعول بمعنى هو في فعله، ولكنهما مثل قولك في باب النسب الذي لا يجري على الفعل: ذو فعل، وذت فعال، إذا أضفتهما إلى فعلهما، وثبته لهما، إما بالتمليك، وإما بالاستحقاق، فلما كان فعيل على هذا المعنى جاء ألا يلحق به علم التأنيث؛ لأنه ليس بجار على فعل قد لحقه أيضا علم تأنيث، فاشترك في ذلك المذكر والمؤنث، كما اشترك الفاعل والمفعول في المثال؛ فإن جاء فعيل في المؤنث بمعنى الفاعل جاز دخول التأنيث فيه؛ لأنه حينئذ للمبالغة، وليس/ بمنقول عن باب الفاعل إلى باب المفعول، بل هو على الأصل، كقولك: امرأة رحيمة وكريمة وعليمة لأنك تريد المبالغة في الفعل لا الفعل وحده، بغير مبالغة، كما تريد ذلك بعالم وراحم فهذه حجة وصف المؤنث الحقيقي. فأما ما كان تأنيثه مستعارا، ولم يكن من الحيوان، فحذف الهاء منه أسهل جدا من حذفه من المؤنث الحقيق؛ وذلك مثل الكف واللحية والعين. وإنما كانت امرأة قتيل منقولة من باب مفعول؛ لأن حقها أن يقال: قتلت فهي مقتولة، تلحق بهاء التأنيث في وصفها، كما ألحقته بفعلها، وتصفها بصفتها على وزنه الذي هو لها. فوضعت قتيلا موضع مقتولة، كما يفعل ذلك بالمذكر فتقول: رجل قتيل، ولا تريد إجراء الصفتين على فعليهما. فأما قوله: وإن قلت رأيت قتيلة، ولم تذكر امرأة أدخلت فيها الهاء، فالعلة في قتيلة، إذا لم تذكر قبلها اسم الموصوف بها، أنه إنما أدخلت فيها الهاء؛ لئلا يلتبس المذكر [بالمؤنث] إذا انفردت الصفة دون الموصوف، كما قال الله تعالى: (والْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ والْمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ) فأتى بالهاء في النطيحة، لما لم يذكر قبلها الميتة.

стр. 388

وأما الميتة للذكر والأنثى، فأراد كل ميتة، ولم يخصص بالنطيحة الأنثى دون الذكر بالتحريم، ولكن عملهما، وأتت الصفة على إرادة النفس التي ماتت بغير تذكية. وقد قالت العرب: "بئس الرمية الأرنب" ولم يخصوا بذلك الأنثى دون الذكر، بل عموهما، ولكن الأرنب اسم يقع على الأنثى والذكر، مثل العقرب والشاة. وقد تسمى الشاة ذبيحة قبل أن تذبح، إذا كانت معدة لذلك أو مقدرة له، كما يقال للناقة: جزور قبل أن تجزر. وكذلك يقال: أكيلة السبع وفريسة الأسد، إذا عرض/ لذلك. ويقال: ذبيحة العيد، وضحية العيد، ألا ترى أنه قد حرم الميتة التي لم تمت بعد علينا. والمنخنقة التي لم تنخنق، والمتردية التي لم تترد، والنطيحة التي لم تنطح. وإنما بين لنا أنها إذا كانت فهي محرمة. وأما إذا كانت الصفة بعد الموصوف فإنه يستغنى عن العلامة، لا يلتبس بالمذكر؛ لأن الموصوف يدل على تأنيث الصفة. وقوله: كف خضيب، معناه: ذات خضاب. والكف قد يذكره قوم ويؤنثه آخرون؛ لأنها يد، فخضيب فعيل منقول من مفعولة؛ لأنها خضبت، وهي تخضب وهي مخضوبة خضبا وخضابا. والخضب مصدر فعل الخاضب؛ لأنه متعد، والخضاب اسم ما يخضب به من الحناء أو غيره، ويوضع موضع المصدر أيضا، فإن جعلت الفعل للمرأة قلت: اختضبت تختضب اختضابا، وهي مختضب. ومنه قولهم: خضبته بالدم تخضيبا، وتخضب به تخضبا، وامرأة خاضبة وخاضب، على ما فسرنا، وهي التي تخضب النساء، ولحية خضيب، بمعنى كف خضيب في جميع الوجوه. ودهين أيضا فعيل منقول عن مفعولة؛ لأنها دهنت تدهن دهنا ودهنا. والدهن: اسم لما يدهن به، وقد يوضع موضع المصدر، قال الله تعالى: (وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ) ومعنى لحية دهين: ذات دهن على ما شرحنا في خضيب.

стр. 389

وكذلك عين كحيل، أي [ذات] كحل أي فيها كحل، وهو فعيل منقولة من مفعولة؛ لأنها كحلت تحكل كحلا وكحلا، وهي مكحولة ومنه قولهم لما يجعل فيه الكحل: مكحلة، على مفعلة، بضم الميم والحاء. والأصل المكحلة والمكحال. وإذا كان خلقة العين السواد، فهي كحلاء، والمرأة كحلى، والرجل أكحل. والفعل منه: كحل يكحل كحلا. وكحلت المرأة والعين تكحل كحلا. وأما قوله: وكذلك امرأة صبور/ وشكرو ونحو ذلك؛ فإنما استوى فيه لفظ المذكر والمؤنث؛ لأنه بناء وضع للمبالغة والمدح والذم، وليس بجار ايضا على فعل، وهو وصف للفاعل أيض، وليس بمنقول من مفعول، ولكن صار بمنزلة النسب والإضافة لا بمعنى الفعل، فلذلك اشترك فيه المذكر والمؤنث على لفظ واحد بغير تأنيث. وإنما اسمه الجاري على الفعل: فاعل، مثل قولك: صابر وصابرة، وشاكر وشاكرة لغير المبالغة، على ما شرحنا. فإذا أردت المبالغة جئت بفعول، فقلت: صبور وشكور وقد تجري الصفة التي للمبالغة على الفعل، وذلك مثل: فعل يفعل وهو مفعل، بتشديد العين، كقولك: ضرب يضرب، فهو مضرب، وقتل يقتل وهو مقتل. وربما جاء منه شيء على فعال نحو قتال وضراب. وليس هذا بجار على قتل وضرب، ولكنه بناء وضع للمبالغة على غير فعل، ألا ترى أنه يقال: صبار وشكار وحماد ونحو ذلك. ولا يستعمل منها فعل مشدد، ولكن هذا يلحقه الهاء للتأنيث. ويقال: صبارة وشكارة لأنه يشبه ما جرى على الفعل المشدد كقولك: مقتل وقتال، ومضرب وضراب، ومتصبر ومتشكر، فيقال فيهما: متصبرة ومتشكرة، ونحو ذلك. وهذا متفعل من صابر وشاكر. والصبر: احتمال المكروه، ونفى الجزع منه. وفعله: صبر يصبر صبرا فهو صابر. ويقال في المبالغة: صبور، ولا يستعمل فيه فعيل، خوف الالتباس. وكذلك يستعمل في شارك "فعول" في المبالغة،

стр. 390

ولا يستعمل فعيل؛ يقال: شكر يشكر شكرا، بضم الشين من المصدر. والشكرك اسم الثناء الذي يقع مكافأة ومجازاة، على إحسان، فلا يكون إلا جزاء، وليس مثل الحمد الذي يقع جزاء وغير جزاء. وأما/ قوله: وكذلك امرأة معطار ومذكار ومئناث ومرضع ومطفل، فإن هذين مثالان مختلفان. أما مفعال فبناء وضع للمبالغة، غير جاء على فعل، وهو لمن كثر منه الفعل وتتابع. والميم والألف فيه زائدتان يدلان على ذلك، فلما كان كذلك شورك بين المذكر والمؤنث فيه بلفظ واحد، بغير علامة تأنيث، إذ لم يكن له فعل يلحقه علامة التأنيث، فيجري عليه. والمعطار: التي تكثر من استعمال الطيب والعطر ولو جرى على الفعل لقيل: متعطر ومتعطرة، كما يقال في الفعل: تعطر وتعطرت. والمذكار التي تكثر ولادة الذكور، وكذلك هو من الرجال، ولو جرى على الفعل لقيل فيه: مذكر كما يقال في الفعل: أذكر يذكر إذكارا. وقيل في المؤنث: مذكرة، كما يقال في فعلها: أذكرت بعلامة التأنيث. والمئناث: التي تكثر ولادة الإناث، وكذلك هو من الرجال، ولو جاء على الفعل لقيل: أنث الرجل يؤنث إيناثا. ولقيل للمؤنث: آنثت، وفي صفتيهما مؤنث ومؤنثة، والذكر من كل شيء: الصلب الشديد. والأنثى: اللين المسترخي ولذلك قيل للفولاذ: ذكر، وللنرماهن أنيث، وقالوا للحسام: ذكر. وأما مرضع ومطفل، فلم يوضع للمبالغة على غير فعل يقول: أرضعت ترضع وهي مرضعة ومرضع، وأطفلت تطفل وهي مطفلة ومطفل؛ لأنه من أسماء الفاعلين قال الله عز ذكره: (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) وقال لبيد:

стр. 391

رزقت مرابيع النجوم وصابها وقد الرواعد جودها فرهامها فعلا فروع الأيهقان وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها فهو بمنزلة فاعل في بابه، فإذا أريد به النسب استوى لفظ المذكر والمؤنث. منه تقول: هي مرضعة غدا، ومطفلة بعد أيام ونحو ذلك. ومعنى مرضع ترضع ولدها، أي تسقيه لبنها. ومعنى مطفل: أن تسوق ولدها أو تحمله، إذا أردت الفعل، وإلا فإن معناهما ذات رضاع، وذات طفل. والطفل بسكر الطاء: الولد أول ما يرضع، وليس ترك التأنيث فيهما من أجل أنه لا يوصف به المذكر؛ لأنا قد بينا في أول الباب أن ذلك لا يصح. وإنما هو على ما شرطنا. وأما قوله: امرأة حامل، إذا أردت حبى، وإذا كانت تحمل شيئا ظاهرا قلت حاملة، فليس كما قال. فإن الحبلى بمنزلة غير الحبلى، وقد تحمل الحبلى القرآن، كما تحمله غير الحبلى، فيقال فيهما: حامل كتاب الله للذكر، وحاملة للأنثى، وإنما تحذف علامة التأنيث منه إذا أردت النسب، فإن أردت أنها ستحبل لم يكن إلا بالتأنيث، ولا يجوز أن يقال: هي حامل غدا، من الحبل، ولكن تقول: حاملة غدا- إن شاء الله- وقوله: فإن أردت أنها

стр. 392

تحمل شيئا ظاهرا، قلت: حاملة، فليس كما زعم؛ لأن الظاهر والباطن في هذا شيء واحد، ألا تراه يحمل المصحف ظاهرا، كما يحمله في قلبه باطنا، ويحمل الشيء تحت ثيابه كما يحمله مكشوفا، ولا يتغير لذلك الوصف، ألا ترى أن النخلة حملها ظاهر، والشجرة كذلك، وحذف الهاء من صفتهما جائز على الشرط الذي بينا. وإنما العلة فيه إرادة الفعل أو النسب، لا غير ذلك. وأما قوله: وامرأة خود، وضناك، وامرأة سرح ونحو ذلك؛ فإن هذه صفات كالأسماء، لم تؤخذ من أفعال مستعملة، ولكنها موضوعة للإناث خاصة، لا يوصف بها المذكر، لا يقال: رجل خود ولا ضناك، ولا يقال للجمل: رسح؛ فلما لم يشاركها بها المذكر، استغنى فيها/ عن علامة التأنيث بإلقاء تأنيثها. ولا يتصرف شيء من ذلك على الفعل أيضا. وليست هذه من باب: طالق وطاهر، ولا من باب: قتيل وحكيل، ولا من باب معطار ومذكار في شيء، ولكنها بمنزلة رجل وامرأة وكبش ونعجة وتيس وغير ذلك، [وهي] من النساء الشابة ما لم تصر نصفا. والضناك: المكتنزة اللحم من النساء. وقد يقال من الرجال، وقد تهمز ألفها وهي ساكنة، فيكون بمعنى الصلب المعصوب اللحم من الرجال والنساء، وهو مأخوذ من الضنك، وهو الضيق. ومنه قول الله تعالى: (فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا). والسرح من النوق: السريعة السير المنسرحة، وهو مأخوذ من السراح، والأمر السريح، والأمر السرح: السهل، وقال الأعشى: بجلالة سرح كأن بغرزها هرا إذا انتعل المطي ظلالها وهي مثل قولهم: امرأة فنق، وشعر حبك، وناقة أجد.

стр. 393

وأما قوله: ملحفة جديدة وخلف، فهما مما يوصف به المذكر والمؤنث، وهما من بابين مختلفين لأن الجديد منقول من مفعول إلى فعيل؛ لأن الجديد إنما هو بمعنى المجدود، أي المقطوع من قولهم: جددته إذا قطعته. ومنه قيل: جددت النخل، إذا صرمتها. وهذا وقت الجداد. وقال أبو ذؤيب: وما هي إلا صحفة بارقية جديد حديث نحتها وصقالها وإنما سبيل هذا كسبيل ما فسرناه، ولا تكاد العرب تقوله إلا بالهاء، إلا نادرا قليلا، وإن كان لمؤنث؛ لأن الموصوف يدل على الصفة. وربما قال بعضهم: جديدة وخلقة، على ذلك. قال "سيبويه": وليس بالجيد عندهم. وأما الخلق ففي معنى الفاعل ولكن قد سمي الوصف فيه بالمصدر. وبابه أن يقال: قد أخلق الشيء فهو مخلق إخلاقا. وقد يقال في لغة أخرى: خلق / يخلق خلوقة، وهما لغتان؛ فلذلك قال أبو الأسود: نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا وقال الشاعر: لقد علمت ربيعة أن ن حبلك واهن خلق

стр. 394

وأما قوله: عجوز وأتان، وثلاث آتن، والكثيرة أتن؛ فإن هذين اسمان، لا يسمى بهما الذكورة، لا يقال للرجل: عجوز، وإنما يقال له: شيخ، كما لا يقال للمرأة: شيخة. ولا يقال للعير: أتان؛ فلذلك استغني فيهما عن الهاء. وليس للأتان فعل من لفظه يجري عليه، وكذلك قوله: رخل للأنثى من ولد الضأن، لا يجري على فعل. والذكر يسمى حملا. وقد يسمى الشعراء العجوز: شيخة على الضرورة، كما قال عبد يغوث الحارثي: وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا وأما قوله: هذه فرس؛ فإن الفرس يسمى به الذكر والأنثى، بحذف علامة التأنيث ويستغنى عنها. فإذا صغرت الأنثى، قيل: فريسة بالهاء، كأنهم استغنوا في التكثير بما يتقدم الاسم، أو يصحبه، من خطاب أو إشارة أو حال، أو بما يتأخر عنه من الوصف وليس من الأسماء الجارية على الفعل أيضا. وأما قوله: وهكذا جميع ماكان من الإناث خاصة، فلا تدخلن فيه الهاء، وهو كثير فقس عليه، فقد بينا الصواب والسقيم. فأما ما وصفه فتقليد لا يجوز العمل به، ولا القياس عليه، وليس قوله بحجة على العرب، ولا على النحويين، ولا على القياس. وهذا آخر تفسير هذا الباب. * * *

стр. 395

تصحيح الباب الخامس والعشرين وهو باب ما أدخلت فيه الهاء من وصف المذكر / أما قوله في ترجمة هذا الباب: "ما أدخلت فيه الهاء من وصف المذكر" فغلط فيه؛ لأن الهاء ليست وصفا لشيء من الأسماء في شيء من الكلام، لا لمذكر ولا لمؤنث وإنما تدخل في الاسم والصفة بدلا من علامة التأنيث فيهما. وإنما هي حرف معنى، تزاد في الوقف. وقد شرحنا ذلك في مواضع. ونحن نفسر جميع ما ذكر في هذا الباب، كما فسرنا ما سواه: أما قوله: تقول رجل راوية للشعر، ورجل علامة، ونسابة، ومجذامة، ومطرابة ومعزابة؛ وذلك إذا ما مدحوه، كأنهم أرادوا به داهية. وكذلك إذا ذموه فقالوا: رجل هلباجة، ورجل فقاقة وجخابة، في حروف كثيرة، كأنهم أرادوا به: بهمية؛ فإن الراوية: اسم من أسماء الفاعلين الجارية على أفعاليها، على غير معنى المبالغة، تقول: روى الحديث والشعر وغير ذلك، يرويها فهو راو، ولكن أدخلت فيه الهاء، علامة التأنيث للبالغة في النعت، لا لغير ذلك؛ ولهذا اشترك المذكر والمؤنث فيه، وليس هذا للمذكر خاصة دون المؤنث كما زعم. بل هو لهما جميعا؛ لأن المرأة قد تكون رواية، لما يروي الرجل، وتكون أيضا أروى منه، إلا أنه في المؤنث على ضربين: أحدهما على معنى المبالغة في النعت، كالمذكر. والآخر على تأنيث المرأة لا على المبالغة في الرواية كقولك: روت تروي فهي رواية، والأصل في هذا من الري من الماء، يقال: روى فلان من الماء ونحوه، يروي ريا، وأرويته أنا أرويه. وقيل للجمل: راوية؛ لما يحمل عليه من الماء، ويروى به الناس وغيرهم. وشبه راوية الأخبار والشعر براوية الماء فيقال: روى فلان الشعر، ورويته إياه. فأما علامة ونسابة؛ فمن أسماء أبنية المبالغة في النعت، التي لم تجر على أفعالها وإن كان لها في/ الاشتقاق أصل منها، وزيدت عليها علامة التأنيث للزيادة في المبالغة، والمذكر والمؤنث

стр. 396

يشتركان فيهما، على ما فسرنا في الرواية. والعلامة الكثير العلم، والنسابة: العالم بالأنساب، واسمهما الجاري على الأفعال: عالم وناسب؛ لأنك تقول فيهما: علم يعلم، ونسب ينسب. وأما قوله: مجذامة ومطرابة ومعزابة فإن مفعالا من أبنية المبالغة، بغير هاء. وذكر "الخليل" أن هذا البناء لا يدخله علامة التأنيث؛ لأنه للمبالغة، وأنه لم يجئ عن العرب منه غلا معزابة. وقد زاد "ثعلب" معه: مجذامة ومطرابة، والذي أراد "الخليل" في هذا؛ أنه يجب أن يكون لفظ المؤنث في هذا المثال كلفظ المذكر، مثل المرأة: مذكار ومئناث. ولا تلحق به تاء التأنيث للأنثى. وهذا الذي روي عن العرب في هؤلاء الكلمات إنما زيدت فيه الهاء توكيدا للمبالغة، لا فرقا بين الأنثى والذكر؛ ألا ترى أنهم قالوا: رجل مجذامة، ورجل معزابة، فجاء وصفا للاسم المذكر خاصة. والمجذام: هو الشديد السير القطاع للسفر. والجذم: القطع، يقال: جذمته أجذمه جذما. والمعزابة: الرجل الذي يطيل العزوب عن أهله، أي يغيب عنهم في الرعي أو غيره. وقد عزب يعزب عزوبا، وهو عازب، كما قال النابغة: وصدر أراح الليل عازب همه تضاعف في الحزن من كل جانب ولا توصف النساء أيضا بالعزوب، ولا القطع للسير. والمطراب: الذي يكثر الطرب يقال: طرب يطرب طربا، وهو طرب، وللمبالغة: طروب ومطراب.

стр. 397

فأما قوله: وذلك إذا مدحوه، فليس كما قال؛ لأنه قد يذم الرجل بكثرة السير وسرعة السفر،/ ويذم بالعزوب عن أهله، ويذم بالطرب، إذا كان على غير جهته. ولكن إذا أرادوا المبالغة في فعله، والتكثير، مدحا كان ذلك أو ذما بني على هذا المثل، وشورك بين المؤنث والمذكر فيه. وأما قولهم: كأنهم أرادوا به الداهية فإن الداهية نفسها لم توضع للمدح خاصة، ولكن يسمى بها الخير والشر جميعا، إذا جاوز الحد والمقدار في الدهى، كما قال الله تعالى: (والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) وقال الشاعر: لكل أخي عيش وإن طال عمره دويهية تصفر منها الأنامل يعني الموت، وهو مكروه إلى كل نفس، مذموم عندها. وإنما الداهية بمنزلة الرواية اسم من أسماء الفاعلين، الجارية على الفعل، يقال: دهاه الشيء يدهاه فهو داه. والأنثى: داهية. ثم تلحق هاء التأنيث، على ما يراد به المبالغة، فيستوي الذكر والأنثى، مثل الراوية، فيقال للرجل: داهية، وللمرأة: داهية. وأما قوله: وكذلك إذا ذموه، فقالوا: رجل لحانة، ورجل هلباجة، ورجل فقاقة وجخابة في حروف كثيرة، كأنهم أرادوا به بهيمة. فليس في قولهم: رجل لحانة شيء من شبه البهيمة؛ لأن البهيمة لا تلحن، وإنما يلحن من ينطق، والبهيمة لا تنطق. وأما الهلباجة [فـ] الكسلان النوام الثقيل، ويقال: الأحمق المائق. وليس شيء من ذلك بوصف البهيمة. والفقاقة: الأحمق، وهي تخفف وتشدد. فأما الجخابة أيضا، بالتخفيف والتشديد، فهو الأحمق، وليس مما يوصف به البهيمة، وقال الشعر في الهلباجة:

стр. 398

ألا أبلغا هاروت عني رسالة وماروت أن قد جاء ما تريان وأن عتاق الطير يسقط نورها على علبة الهلباجة الأليان/ فهؤلاء وإن أشبهوا البهيمة في أخلاقهم، أو خلقهم؛ فإن سبيلهم في دخول الهاء على أسمائهم سبيل البهيمة نفسها في دخول الهاء فيها للمبالغة؛ وذلك لأن البهيمة من الحيوان ما أبيهم عن العقل والمعرفة والمنطق، ولم يعرف إلا الأكل والنكاح والنوم. والبهيمة بالهاء إنما لحقها الهاء لما ذكرنا، أو علامة للواحدة، كأنها بهيمة من بهيم، مثل تمرة وتمر، أو كما وصفنا من المبالغة؛ فالذكر والأنثى فيها سواء. قال الله عز ذكره: (لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فعم بذلك الذكران والإناث. وكذلك دخول الهاء في هذه الأسماء؛ إنما هي للمبالغة في نعوتهم، لا على التشبيه بالبهيمة، ولو كان على التشبيه بها، لاشتق لها أوصاف من لفظ البهيمة. واللحانة مثل النسابة سواء. وقد مضى شرح ذلك. وإنما ذكرنا في هذا الباب؛ لأن العامة تغلط فيه؛ فتتوهم أن الهاء للمؤنث، وحذفها للمذكر في كل شيء. وهذا آخر هذا الباب. * * *

стр. 399

تصحيح الباب السادس والعشرين وهو باب ما يقال للمذكر وللمونث بالهاء اعلموا أن المذكر والمؤنث إنما يشتركان في الهاء، إذا لم تكن الهاء للتأنيث المحض، ولكن للمبالغة والعوض، أو الفرق بين الواحد والجمع، أو للمرة من المصدر، أو كان مصدرا قد وصف به، أو لمعنى من ذلك. فمن ذلك قوله: رجل ربعة، وامرأة ربعة، والتاء فيها للمبالغة، مثل الهلباجة والجخابة والداهية والبهيمة، فهذا بمنزلة الباب الذي قبله، ولولا ذلك لما اشترك فيه المذكر والمؤنث وقد كان يجب أن يدخل هذا الباب في الأول، ففصله/ منه؛ ليكثر أبوابه، أو من أجل ذكره الربعة؛ لأنه ليس مما جرى على الفعل، ولا مما بني مثاله للمبالغة، وإن كانت التاء فيه للمبالغة. والربعة من الرجال: من كانت قامته بين القصير والطويل. ويروى في حديث: أن النبي ﷺ كان فوق الربعة". وأنشدنا المبرد عن المازني لبعض الأعراب يقول لجار له، عيرته القصر، تسمى جعفرا: يا جعفر يا جعفر يا جعفر أراك ربعة وأنت أقصر وقد يقال للربعة: الربع، بغير هاء، والمربوع على معنى ربع يربع، وهو مربوع ومنه قولهم للحبل، إذا فتل على أربع قوى: مربوع، ورمح مربوع، أي غير طويل وقال لبيد:

стр. 400

رابط الجأش على فرجهم أعطف الجون بمربوع متل وسميت ربعة الطيب أيضا: ربعة؛ لأنها فوق اللاطية، ودون المرتفعة. وأما قوله: رجل ملولة وامرأة ملولة، ورجل فروقة، وامرأة فروقة، فهذا ليس من هذا الباب؛ لأن فعولا من أبنية المبالغة بغير تأنيث، مثل صبور وشكور. وإنما لحقها التأنيث زيادة في المبالغة وتوكيدا لها، فاشترك المذكر والمؤنث في هائها، كما اشتركا في بنائها. وليس فعول بجار على فعل؛ لأن فعله إنما هو على فعل يفعل، فهو فعل، كقولك: مل يمل مللا وملا، وملالا وملالة، فهو مال. ويقال: رجل مل وملة بالهاء على المبالغة، كما قال الشاعر: إنك ما أعرف ذو ملة يقطعك الأدنى عن الأبعد وفرق يفرق فرقا، فهو فرق، مثل سئم يسأم سأما، وهو سئم وسائم، وضجر/ يضجر وهو ضجر، وفي المبالغة سئوم وضجور، ولا تقول: هو ملل على مثال فرق وضجر وسئم كراهية إظهار التضعيف مع الكسر، قال الشاعر: أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ترقي الذين يلقون منا لملت وقد جاء فروق في المؤنث، بغير هاء، قال الشاعر:

стр. 401

أنورا سَرْعَ ماذا يا فروقُ وحبلُ الوصل منتكث حذيق وأما قوله: رجل صرورة، وامرأة صرورة للذي لم يحج، فهو أيضا على فعول، وهو من أبنية المبالغة، وليس يستعمل منه في هذا المعنى فعل ولا اسم فاعل، جار على فعل ولكن يقال للذي لم يحج الفريضة: صرورة بالهاء للزيادة في معنى المبالغة، وللذي لم يتزوج، ولا يريد النساء، وللمرأة التي لا تريد التزوج: صرورة أيضا، كما قال النابغة في الراهب: ولو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد كأنه في المعنى من صر خلف الناقة، ومنع لبنها من الحلب والرضاع، مثل الشاة المصراة وهي المحفلة. وأما قوله: رجل هذرة، للكثير الكلام، وامرأة هذرة للكثيرة الكلام؛ فمن أبنية المبالغة على غير مثال فعول، ولكن على فعل، مثل قولهم: رجل حطم، أي شديد الحطم ودليل ختع، أي جيد الدلالة، ولكن قد ألحقت فيه علامة التأنيث أيضا؛ لتوكيد المبالغة، فقيل: هذرة، واصله: هذر، كما قال الراجز: قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم ومثل هذا قولهم: رجل ضحكة، أي كثير الضحك، وهزأة، أي كثير الهزء، ولعنة للكثير اللعن./ وقد مضى بعض هذا قبل هذا الموضع.

стр. 402

والهذر: الإسقاط في الكلام، وليس الهذر كثرة الكلام، حتى يكون معه سقط، فإذا كان فيه سقط فهو الهذر، قل أو كثر، يقال: هذر يهذر هذرا، وهو هاذر، هذور، هذار، مهذار، هذارة، هذر، هذرة أيضا. وأما قوله: ورجل همزة لمزة، وامرأة كذلك، وهو الذي يعيب الناس في حروف كثيرة، فإنهما مثل ما فسرنا، ولهما فعل متصرف، وفاعل يجري عليهن يقال: همزه يهمزه همزا، فهو هامز، إذا غمز فيه، بالمغيب. ويقال إن اللمز في المواجهة، يقال: لمزه يلمزه فهو لامز، كما قال الله تعالى: (ومِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) أي غمزه فهو غامز. وقال [تعالى]: (هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) وقال [تعالى]: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ)، وقال الشاعر: تدلي بود إذا عاينتني كذبا وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه ومنه فيه للعصا، التي في رأسها حديدة كالمسمار ينخس بها الدواب: المهمزة. وجمعها: المهامز، وهي أيضا حديدة يشدها الرائض في عقب خفه، فيركض بها جنب الدابة إذا شمست، ومنه قول الشماخ: أقام الثقاف والوليدان درأها كما قومت ضغن الشموس المهامز ومن هذا سميت "الهمزة" من الحروف؛ لأنها تهمز بالحلق، أي تغمر. والسنورة تهمز الفأرة بأنيابها، أي تعمزها. وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ قال: الهرة تهمزها.

стр. 403

تصحيح الباب السابع والعشرين وهو باب ما الهاء فيه أصلية / اعلموا أن هذه الباب ليس من باب المذكر والمؤنث في شيء، وإن كانت العامة تخطئ فيه. ونحن مفسروه على نحو ما فسرنا غيره، إن شاء الله [تعالى]: أما قوله: يقال: جمع الماء: مياه، والقليلة: أمواه؛ فلأن الماء قد أبدلت من الهاء التي في آخره همزة. وأصله: ماه، بإظهار الهاء، فأما الألف فيه فمنقلبة من واو مفتوحة. وكان في الأصل موه، على وزن فعل؛ ولذلك كان أدنى العدد منه على أمواه؛ وزن أفعال، كما قال الشاعر: سقى الله أمواها عرفت مكانها جرابا وملكوما وبذر والغمرا والجميع الكثير منه على مياه، بوزن فعال، وصارت الواو في مياه ياء، من أجل كسرة الميم. والعامة تجمع الماء على الأمياء، تتبع لفظ الماء بغير هاء، وتأتي بالياء بدلا من الواو، كما يقال في مياه. والماء: اسم للمطر وغيره مما يغتسل به ويتطهر، وتطهر به الأشياء، ويشرب ويحيا به الحيوان والنبات وكل شيء، كما قال الله تعالى: (وجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ). وماء الوجه: حياؤه وجاهه وحسنه وطرأته، ويقال له: الموهة على فعلة. يقال: ما أحسن موهة وجهه، ويقال: رجل ماه القلب بالهاء، أي ليس بذكي القلب وتصغير الماء: مويه. ويقال: سيف مموه، وسكين مموهة، أي مطلي بالذهب

стр. 404

أو الفضة، ولهذا قيل لكل مدلس: مموه؛ لأنه حمل على ظاهر أمره موهة. وصناعته التمويه. وتصغير الموهة: مويهة. والمموه بمعنى الموهة، قال العجاج: لما رأتني خلق المموه براق أصلاد الجبين الأجله والنسب إلى الماء: ماهي. ويقال للماء: ماه على تأنيث البئر والعين. ويقال: قد ماهت السفينة إذا دخل فيها الماء، وهي تموه موها. وفي لغة: أماهت، وهي تميه، إماهة. وأماهت الأرض، إذا ظهر فيها/ النز والندى. وأماه الزرع، إذا غرقه الماء. وأما قوله: وجمع الشفة: شفاه؛ فلأن الشفة اسم ناقص قد حذفت منه لام الفعل وهي هاء، فهذه الهاء التي فيها بدل من تاء التأنيث. وأصلها: شفهة، فإذا صغرت أو جمعت عادت فيها الهاء المحذوفة، فظهرت في اللفظ، مثل قولك: شفيهة وشفاه وكذلك إذا صرف فيها الفعل، يقال: شافهته مشافهة وشفاها، أي خاطبته بشفتي وواجهته بخطابي. ومنه قولهم: المال مشفوه، أي مطلوب بالشفاه. وهذا ماء مشفوه؛ أي يكثر الشراب أو السقاة على شربه؛ وذلك إذا قل من كثرة من يرده. وطعام مشفوه مثله. ويقال في أدنى عدد الشفة: شفهات وشفوات، كما يقال سنوات بالواو، وهي من الهاء. وأما قوله: وجمع الشاة شياه، فلأن الشاة وزنها: شاه على وزن فعلة، ولكن حذفت منها الهاء الأصلية فصارت شاه، فإذا صغرت أو جمعت عادت الهاء فيها، فقيل: شويهة وشياه، والألف التي في شياه مبدلة من الواو، لانكسار الشين. وقد يقولون في الجميع: الشاء؛ ممدودا على مذهب تمرة وتمر، ولكن الهمزة في الشاء بدل من الهاء ولو لم تبدل لقيل في الجمع: الشياه بالهاء، على تقدير: شوهة وشوه مثل تمرة وتمر.

стр. 405

ومن العرب يقول في الجمع: الشوي، على فعيل مثل معين وضئين، فتبدل من الهاء ياء في فعيل، كما أبدل منها همزة في فعل. والشوي جمع مثل الشاء. وأما قوله: والعضاه سجر، والواحدة عضة؛ فلأن العضة أيضا اسم منقوص منه الهاء، وأصلها: عضهة بهائين، فلما حذفت الأصلية بقيت الزائدة، فإذا صغرت أو جمعت عادت هاؤه المحذوفة فيها، فقيل: عضيهة وعضاه، بإظهار الهاء في الوصل/ والقطع. والعضة: كل شجر له شوك من أشجار أم غيلان كالطلح والسمر والعرفط. ويقال: بعير عاضه وعضه، إذا أكل العضة، قال الراجز: وقربوا كل جمالي عضه أبقى السناف أشرا بأنهضه ومن العرب من يقول في جمعها: عضوات بالواو بدل الهاء، كما قال الراجز: هذا طريق، يأزم المآزما وعضوات تقطع اللهازما وتصغيرها: عضية بالياء. وأما قوله: وجمع الاست: أستاه، بفتح الألف؛ فإن الاست من الأسماء الناقصة قد ذهبت منها هاء أصلية، وأسكن أولها وأدخل فيها ألف الوصل، وأصلها: سته، بفتح السين وآخرها هاء، فإذا صغرت أو جمعت عادت الهاء المحذوفة فيها فقيل: ستيهة وأستاه، على أفعال. والعامة تقول: استاه، بكسر الألف، على نحو كسر ألف الوصل في واحدها، وهو خطأ. ويقال للرجل العظيم الاست: أسته، كما يقال للمرأة: عجزاء، ولا يقال لها: ستهاء، إلا في الشتم. وربما قالوا: ستهم، بزيادة الميم عوضا من حذف ألف، أفعل وفعلاء، كما يقال: زرقم للأزرق والزرقاء. والسته على فعل

стр. 406

بتحريك الثاني مصدر الأسته. وفعله: سته يسته ستها، ولا نعلم فعلا آخر ولا اسما مشتقا منه مستعملا، فنرده إليه. ومن العرب من يقول للاست: السه بالهاء على حذف الهاء. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "العين وكاء السه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء ... ". وهذا حجة الطهارة من النوم، وقال الراجز: ادع بحيحا باسمه لا تنسه إن بحيحا هي صئبان السه/ وقال الشاعر: شأتك قعي نغثها وسمينها وأنت السه السفلى إذا دعيت نصر فأما قول: وينشد هذا البيت: وليس لعيشنا هذا مهاه وليست دارنا الدنيا بدار يعني: أن المهاه ههنا بالهاء، وليست كهاء التأنيث، التي تصير في الوصل تاء. وقال "المبرد": المه: الرفق واللين بالإبل في الرعي، يقال: سرت سيرا مهها، أي رفيقا، ويقال: مههت يا رجل، أي لنت. ومنه قول الشاعر: وليس لعيشنا هذا مهاه أي: لا لين فيه ولا خفض. والعامة وأكثر اللغويين يروونه بالتأنيث.

стр. 407

وأما قوله في آخر هذا الباب: إن الهاء في كل هذا صحيحة، فخطأ؛ لأن الهاءات كلها في المؤنث وغير المؤنث كلها صحيحة، أصليها وزائدها، وليس فيها شيء معتل وإنما كان يجب أن يقول: هي أصلية؛ لأن الهاء التي هب بدل من تاء التأنيث أيضا صحيحة، إلا أنها غير أصلية. * * *

стр. 408

تصحيح الباب الثامن والعشرين وهو المترجم بباب آخر، مما تلحن فيه العامة اعلموا أن هذا باب لا معنى لإفراده؛ لأنه مما كان يجب أن يرفق في سائر الأبواب المتقدمة فتجعل كل كلمة منه في بابها. ونحن مفسروه على ما فسرنا غيره، إن شاء الله [تعالى]: أما قوله: في صدره عليه غمر، أي حقد، بكسر الأول وسكون الثاني، فإنما كسر لمضارعته الحقد في المعنى، وهو اسم ما يغشى القلب من العدواة، ويغمره، أي يغطيه،/ ولا يعرف له فعل مستعمل، إلا أن يقاس، فيقال: قد عمر قلبه يغمر غمرا، فيكون الغمر اسما في موضع مصدره. ولا أعلم العامة تلحن في هذه الكلمة، بل تقولها كما يقولها الخاصة. وأما قوله: هو منديل الغمر؛ فإنه يعني بالمنديل الذي يبسط على المائدة، أو تحتها، ليتمسح به الآكل. والغمر ما يغشاه من زهومة ووسخ من الأيدي والطعام. وقد غمر المنديل يغمر غمرا. ويقال لليد الزهمة أيضا: غمرة. وقد غمرت تغمر غمرا. وأما قوله: والغمر من الرجال: الذي لم يجرب الأمور، وهو المغمر، فإن الغمر بضم الأول وسكون الثاني. وجمعه: الأغماء. ومعناه: الذي تغمره الأمور، ويغرق فيها، ولا يهتدي لوجهها. وإنما قيل له: مغمر؛ لأن الناس غمروه، أي وصفوه بأنه غمر، يغمرونه تغميرا، أو أو الله خلقه غمرا، فهو الذي غمره. وقال الشاعر: فطعنة لاغس ولا بمغمر

стр. 409

وقال الآخر: دع المعمر لا تسأل بمصرعه واسأل بمصقلة البكري ما فعلا والعامة لا تلحن في هذا الحرف ايضا، وإنما يسمونه: الغمر. وأما قوله: الغمر من الماء: الكثير، يعني بفتح الأول وسكون الثاني. قال: ومن الرجال: الكثير العطاء، فإن الماء الكثير إنما سمى غمرا بمصدر فعله؛ لأنه يغمر الأشياء غمرا، أي يغطيها. يقال: غمره الماء يغمره، وهو غامره، كما قال الأعشى في الغواص في البحر: نصف النهار الماء غامره وشريكه بالغيب ما يدري وشبه الرجل الكثير العطاء به، لأنه يغمر السؤال بعطائه. ويقال: إنه لغمر النائل،/ وغمر الخلق، وغمر الرداء، كما قال الشاعر: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال وهذا أيضا لا تلحن فيه العامة، بل يسمونه الرجل الغمر. ويسمون الكثير من المال: الغمر، ويقولون: طبخته بغمرة من الماء، ويعرفون تفسيره. وأما قوله: والغمر: القدح الكبير، فإن يعني أنه مضموم الأول مفتوح الثاني وفيه يقول أعشى باهلة: تكفيه حزة فلذ إن ألم بها من الشواء ويروي شربه الغمر

стр. 410

وكانوا إذا عز بهم الماء في سفر تقاسموا ما معهم من الماء بالغمر، ليكفيهم. ويروى أن رسول الله- ﷺ قال في بعض أسفاره: "أطلقوا لي غمري" وإنما سمي هذا غمرا؛ لأن القليل من الماء يغمره. وبنى على فعل للمبالغة. والعامة لا تعرف هذه الكلمة، ولا تستعمله صواب ولا لحنا. وأما قوله: والغمرات: الشدائد؛ فإن الغمرات جمع غمرة، بسكون الميم، وهي مما يغمر ويغطى، وهي مبنية على فعلة، بسكون، المرة الواحدة، كغمرة الموت وغمرة النوم وغمرة السكر، وغمرة الدنيا. ومنه قول الله تعالى: (فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ) ومن أمثال العرب: "غمرات ثم ينجلين" والحروب والفتن والخصومات وما أشبه ذلك تسمى: الغمرات. والعامة تستعمل هذه الكلمة على هذا بعينه بغير لحن ولا خطأ. وأما قوله: رجل مغامر، إذا كان يلقي نفسه في المهالك، فإنما معناه أنه يداخل الغمرات من الحروب والفتن والشدائد؛ لجرأته ولا يحيد عنها. ومن هذا قيل: دخل في غمار الناس، أي في زحمتهم/ وجماعتهم. وكان يجب أن يسمى هذا الباب: باب مما لا تلحن فيه العامة؛ إذ كانت مصيبة في جميعه. وهذا آخر تفسير هذا الباب. * * *

стр. 411

تصحيح الباب التاسع والعشرين وهو المترجم بباب ما جرى مثلا أو كالمثل هذا الباب مما كان يجب تفريقه في الأبواب المتقدمة، التي تلحن فيها العامة، مع ما تشبه كل كلمة منه، ويستغنى بذلك عن إفراده هذا الباب لغير معنى. ونحن مفسرون ذلك، على حسب ما فسره، إن شاء الله [تعالى]: أما قوله: تقول: "إذا عز أخوك فهن" فإنه مثل للعرب تضربه على وجوه، وتضعه على مواضع كثيرة، وتفسيره أيضا يتصرف على معان، يقال: إن معنى قولهم: "فهن" من الهوان، مأخوذ على الاستعارة لا على الحقيقة؛ لأنه ليس يراد به: كن هينا، ولكن يراد به: إذا اشتد أخوك فلن له، أي إذا صعب وتعسر، فتسهل له؛ لتدوم الأخوة بينكما. ويجوز أن يكون معناه: إذا صار عزيزا، أي ملكا غالبا قويا عليك فأطعه وتذلل عليه، تسلم عليه، ولا يطلمك بعزه. ويجوز أن يكون من العون، وهو السكون والهدو، من قول الله تعالى: (وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) أي يمشون على هينتهم وسكونهم، يقول: إذا تجبر أخوك عليك وتكبر فتواضع أنت: لتكون أفضل منه، ولا يكون هذا من الوهن والضعف؛ لأن فعل الوه: وهن يهن، بكسر الهاء من المستقبل، والأمر منه: فهن، بكسر الهاء مثل: عد وزن. وهذا إنما هو: فهن، بضم الهاء، أي إذا أساء أخوك خلقه فحسن أنت خلقك والعامة تقول: إذا/ عز أخوك فأهنه، وهو خطأ وضد المعنى./

стр. 412

وأما قوله: "وعند حفينة الخبر اليقين" فإن أكثر الناس يقولون والعامة: جهينة بالهاء، قال "أبو العباس"﵀: وقال "أبو عبد الله- يعني ابن الأعرابي-: حفينة، وأما جهينة فاسم قبيلة، والنسبة إليها: جهني، وأما "جفينة" فاسم رجل قتل رجلا كان سافر معه، فانصرف جفينة ولم ينصرف رفيه، فكانت أخته تتلقى الركبان، تسألهم عن أخيها واسمه "خصيل"، فقال بعض الشعراء: تسائل عن خصيل كل راكب وعند جفينة الخبر اليقين فضرب به المثل. وقبيلة من اليمن كان يقال لها: بنو جفنة الغسانيون، وفيهم يقول حسان ابن ثابت: أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل وأما قوله: "افعل ذاك وخلاك ذم" فمعناه: خلا منك دم، أي ولا تكون مذموما، ولكن حذف الجار، وعدي الفعل بنفسه إلى الكاف، كما قال الله تعالى: (وإذَا كَالُوهُمْ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) يعني: كالوا لهم ووزنوا لهم. والعامة تقول: وخلاك ذنب، ومعناه صحيح غير فاسد؛ لأنه في معنى خلا منك ذم. ولكن العرب إنما تضربه مثلا بالذم لا بالذنب.

стр. 413

وأما قوله: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها" أي: لا تكون ظئرا لقوم، فليس معنى الحرة ههنا ضد الأمة، ولكن الحرة الكريمة الحسيبة، أي الكريمة تصبر على الجوع والضر ولا تلتمس المكاسب الدنية، ولا ترضع بالأجرة، فتأكل ببيع لبنها، فكأنها إنما باعت ثدييها. والعامة تقول: ولا تأكل ثدييها، وهو جائز على المبالغة في المعنى، ولكن المثل ليس هكذا. والظئر: المرضعة غير ولدها من الناس والإبل. وأما قوله: "تحسبها حمقاء وهي باخس"/ هكذا جرى المثل وإن شئت قلت بالهاء، فإنما يعني: أن العرب تقول: باخس، بغير هاء، وأن الهاء جائز فيها، كما تقول العرب: باخسة، وحذفها أجود؛ لأن المثل يحذف منه للتخفيف. ومعنى باخس، أي ذات بخس، ومعنى باخسة، أنها تبخس. وهو مثل يضرب لمن تظنه أبله أو غمرا مغفلا، فتجده خبيثا في المعاملة، يبخسك أي ينقسك. قال الله تعالى: (ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) وقال [تعالى]: (وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي ناقص عن قيمته. وأما قوله: وتقول: "الكلاب على البقر" فتنصبها وترفعها، فإنه يعني أن النصب والرفع جائزان في الكلاب، فالرفع فيها على الابتداء، وما بعدها خبر المبتدأ. وأما النصب، وهو الأكثر فعلى إضمار فعل، كأنك قلت: دع الكلاب على البقر. وقال غيره: إنما المثل أن يقال: الكراب على البقر، وتنصب إن شئت الكراب، وإن شئت ترفعه. والكراب: شق

стр. 414

الأرض للزراعة، أي دع الحرث على البقر، إذا نصبت وإن رفعت فهو أيضا مثل "الكلاب" وهو على المبتدأ والخبر. وأما قوله: وتقول: "أحمق من رجلة" والأحمق: الضعيف الرأي والعقل. والرجلة بقلة لينة القصب والورق، وفضيبها يتثنى إلى الأرض، ويتمحق، أي يسقط؛ ولذلك سميت رجلة، والمعنى: رجلة، بفتح الراء وكسر الجيم، على فعلة، ولكن قد خفف فأسكن الثاني منه، ونقلت حركة الثاني منه إلى الأول. وإنما قيل له رجلة؛ لسقوطها وسقوط ورقها، كما يقال: شعر رجل، إذا لم يكن جعدا. والعامة تسميها الحمقاء لذلك. وأما قولهم: "أحشفا وسوء كيلة" أي تطفف في الكيف. والحشف: ما يبس من ثمرة النخل قبل أن تدرك ففسد، والكيلة: النوع من الكيل. والعامة تقول: حشفا وسوء كيل، بفتح الكاف/بغير تأنيث، والصواب كيلة، بالكسر والتأنيث؛ لأنه ليس المعنى ههناجمع الكيل، ولا يجوز الواحدة. وإنما أنكروا نوعا من الكيل سيئا، ونصبوا حشفا بفعل مضمر، يريد: أتجمع حشفا. وعطف الكيلة عليه. وأما قوله: "ما اسمك اذكر" برفع الاسم، وجزم اذكر، فإنما معناه: عرفني ما اسمك، لأذكره، ولكن الاستفهام كلام غير واجب، مضارع للأمر والنهي، كأنك قلت: أعلمني ما اسمك، والأمر في موضع جزم. وقوله: اذكر، جزم؛ لأنه جواب الاستفهام، كأنه قال: افعل أفعل، أو إن تفعل أفعل. وأما قوله: همك ما أهمك، وأهمني الشيء: حزنني، وهمني: أذابني، فهمك اسم

стр. 415

مرفوع بالابتداء، وخبره قولك: ما أهمك وأهمك فعل ماض وهو صلة لما، ومعنى ما: معنى الذي كأنه قال همك الذي أهمك والذي أهمك، هو الذي عناك من الأمر، تقول: عناني الشيء يعنيني، وأهمني يهمني، وهو لي مهم، أي: محزن. وأما قوله: همني؛ أذابني فهو فعل ماض من قولك: هممت الألية والشحم، أي أذبتها، فانهمت هي، أي: ذابت، ومنه قول الراجز: وانهم هاموم السديف الواري والهاموم: ما انهم من الشحم الكثير الدسم. وأما قوله: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"؛ فإن العامة تقول: يسمع بالمعيدي خير من أن تراه، ومعناه صحيح، ولكن ليس هذا اللفظ بالمثل المضروب. إنما هو رجل من معد نسب إليهم بالياء، وصغر فقيل: المعيدي. والأصل فيه تشديد الدال؛ لأنه في تقدير المعيدي، فكره إظهار التضعيف فأدغم الدال الأولى في الثانية، ثم استثقل تشديد الدال وتشديدها الياء بعدها، فخففت الدال فقيل: المعيدي، وبقيت الياء / مشددة. وأصل هذا المثل للنعمان بن المنذر وكان وصف له رجل ببأس ونجدة. وعارضة وغير ذلك، ثم رآه فوجده قصيرا حقيرا، فازدراه فقال: "تسمع بالمعيدي لا أن تراه" يعني: السماع بالمعيدي غير رؤيته، أي مخبره أكبر من منظره، كما يقال: ليس الخبر كالمعاينة، فقوله: أن والفعل مصدر، وهما في موضع رفع بخبر المبتدأ فجرى هذاا لكلام مثلا، فقيل: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". ويقال: إن هذا الرجل، ضمرة بن ضمرة.

стр. 416

وأما قوله: "الصيف ضيعت اللبن" مثل يضرب لمن فرط في طلب ما يحتاج إليه، حتى فاته ثم يطلبه: وأصله: أن امرأة شابة كانت عند رجل شيخ مكثر، فسألته طلاقها، فأشار عليها أن تصبر معه ولا تسله ذلك، فأبت فطلقها، وكان ذلك في الصيف، فتزوجت شابا مقترا، فلما حضر الشتاء، وقلت الألبان، سألت الشيخ لبنا، فقال لها: "الصيف ضيعت اللبن"، أي: في الصيف، ولكن حذف "في" ونصب "الصيف"، على الظرف بضيعت، ونصب اللبن بضيعت، على المفعول يريد أنك سألتني الطلاق في الصيف، فضيعت ما كان لك من اللبن. والعامة تقول: "في الصيف ضيعت اللبن" وهو خطأ. وأهنأ الضياح من اللبن: الخاثر، الذي يمزج بالماء حتى يرق، ومنه قول الراجز: حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بضيح هل رأيت الذئب قط يقول: ضيحت اللبن فهو مضيح. وأما قوله: "تقول فعل ذاك عودا وبدءا" و"رجع عوده" على بدئه، إذا رجع في الطريق الذي جاء منه، فإن العود تثنية الأمر، وهو مصدر عاد يعود عودا وعودة واحدة. والبدء مصدر بدأ يبدأ بدءا وبدوءا، وبدأة واحدة،/ فإذا بدأ الرجل بمجيء أو ذهاب أوعمل، ثم عاد له، فقد فعله عودا على بدء، أي جاء بالعود في أثر البدء، وتابع المجيء وثناه. وإذا جاء ثم رجع على المكان من حيث جاء، فقد رجع عوده على بدئه،

стр. 417

وأضاف الفاعل إلى ضمير فاعله. ومن هذا قول الله عز ذكره: (والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ولكنه كلام فيه إيجاز واختصار وحذف، والمعنى: ثم يعودون إلى ما ظاهروا؛ لأن الذي قالوا إنما هو الظهار والتحريم، فكأنهم حرموا النساء على أنفسهم ثم عادوا إلى ما حرموا، وليس معناه أنهم يعودون إلى اللقول؛ لأن العود إلى ما قالوا أن يقوله ثانية، وهو إذا قال ذلك ثانية، فإنما ظاهر مرة أخرى، وليس في ذلك كفارة. وقد بين الله تعالى ذلك في قوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) أي من قبل أن يتماسا، أي من قبل العود إلى المسيس، وليس المسيس بالظهار ثانية. وأما قوله: شتان زيد وعمرو، وشتان ما هما، نون "شتان" مفتوحة وقال: قد قال الفراء بخفض النون، وإن شئت: قلت شتان ما بينهما؛ فإن "شتان" مصدر على فعلان، من قولك: شت القوم يشتون شتاتا. وشت شعبهم، إذا تفرقوا، وتشتتوا يتشتتون. ومنه قول الطرماح: شت شعب الحي بعد التئام وشجاك الربع ربع المقام وقال الراجز: من يك ذابت فهذا بتي مقيظ مصيف مشتي جمعتها من نعجات شت وجمع الشت: أشتات. وإنما يجمع إذا نقل عن المصدر إلى الاسم أو الوصف، كما قال

стр. 418

الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا) ويقال: أمور شتى للجماعة. وقال الله تعالى: (إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) على وزن فعلى، أي مختلف، فمنه السعي في الخير، ومنه السعي في الباطل. ومن هذا قيل للثغر/ المفلج: الشتيت. فإذا قلت: شتان زيد وعمرو، فكأنك قلت: شت زيد وعمرو، أي اختلفا، فأقمت المصدر مقام الفعل، وأضمرت الفعل، ورفعت زيدا وعمرا بذلك المضمر. ومن قال: شتان ما زيد وعمرو؛ فإنه جعل قوله: "ما" توكيدا والمعنى واحد، كما قال الأعشى: شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر وكذلك قولك: شتان ما هما. والعامة تقول: شتان ما بينهما، وقد أجازه "ثعلب"- حمه الله- وكثير من النحويين يخطئون ربيعة الرقي في قوله: لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والأغر بن حاتم وإنما اضطره الشعر إلى قوله: "بين اليزيدين" وكذلك: شتان ما بين فلان وما بين فلان لأن "ما" ههنا اسم بمعنى الذي، و"بين" صلته، وموضعه رفع. وشتان لا يكون إلا لاثنين أوجماعة، ولا يقال: شتان الرجل؛ لأن الواحد لا يتشتت، وقال الشاعر:

стр. 419

شتان هذا والعناق والنوم والمشرب البارد والظل الدوم وقول "الفراء" في كسر نون شتان، إنما ذهب إلى المعنى، لما كان للاثنين، ظن أن "شتان" مثنى، فكسره، والعرب كلها تفتحه، ولم يسمع بمصدر مثنى، إلا إذا اختلف، فصار جنسين، وذلك أيضا قليل في كلامهم. ويلزم الفراء إن كان اثنين أن يقول فيه في موضع النصب والجر: شتين بالياء، وهذا لا يجيزه عربي ولا نحوي. وأما قوله: قول: ما هو بضربة لازب، وبالميم إن شئت؛ فإن العامة تقوله بالميم. ومعناه: ليس بفرض لازم، ولا حق واجب. ومن قاله بالباء، فمعناه اللازق بالشيء اليابس، كما قال الله عز ذكره: (إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ) وهو اللازق الشديد، الذي فيه غراوة ولزوجة. ومنه سميت اللزبة، وهي الشدة والجدب، والسنة القحطة وضيق العيش. وليس هذا بمثل، ولكنه كلام معناه كقول النابغة: ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازب والضربة ههنا ليس يراد بها الضرب، ولكن وجوب الحق، وهي مضافة إلى صفة قد أقيمت مقام الموصوف، كأن معناه: بضربة حق لازب. وأما قوله: "هو أخوه بلبان أمه" فمعناه أنه رضع لبن أمه، يقال: لبن ولبان. ويجوز أن يكون اللبان جمع لبن، وأن يكون مصدر لابنته ملابنة ولبانا، إذا شاركته في الرضاع. وقال أبو الأسود الدؤلي يصف الخمر والنبيذ: فإلا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها

стр. 420

وأما قوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وما رابك من بني فلان، وما أربك إلى هذا، أي ما حاجتك. وقد أراب الرجل إذا جاء بريبة؛ فإن قوله: ما يريبك، من الريبة، ومعناه: دع ما فيه ريبة، وما ترتاب به، أي لا ظنة فيه ولاشبهة. وهو كلام مختصر، يقول: رابني الشيء فهو يريبني، على فعل يفعل. والمصدر: الريبة: وكذلك قوله: ما رابك من بني فلان، معناه: أي شيء رابك، من الريبة أيضا، أي ما هذا الذي كرهته منهم. وأما قوله: وما أربك إلى هذا، فليس من هذا الباب ولا هو من الريب، ولكنه مهموز الأول، بهمزة أصلية. والأرب: الحاجة، يقول: لي فيه أرب، ولا أرب لي فيه. ومنه قول الله عز ذكره: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ). وليس هذا موضع ذكر هذه الكلمة. فأما قوله: قد أراب الرجل، إذا جاء بريبة، وهو على/ أفعل، من راب يريب غيره، وأراب هو، أي دخل في الريبة. وقال الشاعر: أخوك الذي إن ربته قال إنما أربت وإن لاينته لان جانبه أنشدناه أبو العباس "المبرد" وقال: روى البصريون عن "شبيل بن عزرة الضبعي"- وكان عالما بشعر المتلمس الضبعي- أنه روى هذا البيت للمتلمس، وزعم "بشار الأعمى" أنه قاله، وأن "شبيلا" كذب عليه. وقد حكى أربته، متعديا إلى الهاء، بمعنى ربته، وهو لغة رديئة، ويروى لأبي ذؤيب الهذلي:

стр. 421

يمس رأسي ويجس ثوبي كأنما أربته بريب ويروى: كأنني قد ربته بريب. وأما قوله: ألام الرجل، إذا جاء بما يلام عليه، وهو مثل قوله: أراب الرجل، إذا جاء بريبة، وهو أفعل من اللوم، تقول: لامني يلومني لوما، فتعديه إلى مفعول وألام هو غير متعد إذا دخل فيما يلام عليه، فهو مليم، كما قال الله تعالى: (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ وهُوَ مُلِيمٌ). وأما قوله: "ويل للشجي من الخلي" ياء الشجي خفيفة، وياء الخلي مشددة، فإن هذا المثل جرى كما ذكره. ويقال: كانوا يسمون الزوج الشجي بالتخفيف، والخلم وهو الصديق: الخلي بالتشديد. والأصل في فعل هذا قولهم: شجي يشجى شجي إذا نشب في خلقه عود أو عظم أن نحوهما، ويسمونه: الشجي، وعود الشجى، كما قال الشاعر: كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا وقال سويد بن أبي كاهل: ويراني كالشجى في حلقه عسيرا مخرجه ما ينتزع

стр. 422

وهو شج، بالتخفيف مثل عم، ونظيره من الصحيح: شرق يشرق شرقا، وهو شرق. وليس الشجي بالتشديد بخطأ./ ولكنه من قولك: شجاه الهم يشجوه شجوا، فهو مشجو وشجي، على فعيل بمعنى مفعول. وأما قوله: "هو أحر من القرع"، وهو جدري الفصال، فإن القرع مصدر لقولهم: قرع يقرع قرعا، وهو بثر يخرج بالفصال، فيسقط منه وبرها، ولا يبرأ حتى يجر على سبخة، أو مكان مالح، وفصيل أقرع وقرعى. ومن أمثالهم: "استنت الفصال حتى القرعى"، والفصال: أولاد الإبل. والعامة تقول: هو أحر من القرع بسكون الراء، وهو خطأ. وأما قوله: "افعل ذاك آثرا ما"أي: أول كل شيء، من قولهم: آثرت أن أفعل كذا وكذا، أي: اخترت، فأنا آثر، على بناء فاعل. وآثرا منصوب على الحال منون و"ما" توكيد وعوض من الكلام المحذوف؛ لأن المعنى: اختره على كل شيء وقدمه وافعل هذا إن لم تفعل غيره. ويقال أيضا: فعلته آثر ذي أثير، وأثر ذي يدين، وقال الشاعر: وقالوا ما تشاء فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير والاسم منه وهو المصدر: الأثرة، بفتح الثاني. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 423

للأنصار: "إنكم سترون بعدي أثرة" أي سيؤثر عليكم غيركم. ومنه قولهم: آثرت الشيء أوثره إيثارا، مثل: اخترته اختيارا، وقدمته على غيره. وأما قوله: ما يحلى وما يمر، فإنه من الحلو والمر، تقول: حلا الشيء نفسه وأحره غيره إحلاء، أي: جعله جلو. وحلاه يحليه أيضا. وقد مر الشيء نفسه وأمره غيره إمرارا، أي صيره مرا. ومرره أيضا يمرره تمريرا. قال زهير: وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا على صير أمر ما يمر وما يحلو فقال "يحلو" لأنه جعل الفعل لازما، ولم يعده ضرورة، ويستعار هذا في غير الحلو/ والمر. ويقال: كلمته، فما أمر وما أحلى، أي ما أجابني بحلوة ولا مرة. وأما قوله: خذ ما صفا ودع ما كدر، فإن يريد بكسر الدال من الماضي. والعامة تقول ذلك بفتح الدال، كأنه إتباع، وهو خطأ؛ لأن فعله على فعل يفعل فعلا ومصدره مفتوح الدال، يقال: كدر عليه عيشه يكدر كدرا وكدورة على فعولة أيضا والشيء كدر وأكدر. وكذلك الماء واللون وغيرهما. والكدرة في اللون خاصة على فعلة، كالصفرة والحمرة. وأما قوله: ما هم عندنا إلا أكلة رأس؛ فإن هذا يقال عند استقلال عدد القوم, والأكلة جمع: الآكل؛ فإن هذا يقال، مثل كاتب وكتبة، وفاعل وفعلة. والرأس أكثر ما يجمع على أكله ثلاثة، وقد يأكله الاثنان والواحد، والعامة تقول: أكلة رأس، بسكون الكاف، وهو خطأ؛ لأن الأكلة: الأكل نفسه مرة واحدة.

стр. 424

وأما قوله: "أساء سمعا، فأساء إجابة"؛ فإن الجابة اسم للجواب، كالطاعة والطاقة، وليس واحد منهما بمصدر. وإنما المصدر من ذلك كله: الإجابة والإطاعة والإطاقة. والجواب أيض اسم يوضع موضع الإجابة. وينشد في ذلك قول الشاعر: وما من تعتفين له بنصر بأسرع جابة لك من هديل والعامة تقول: أسرع إجابة، وهو صواب أيضا. وأصل هذا من قولهم: جاب يجوب البلاد، أي: قطعها طوافا، وذلك أن الجواب، هو ما يرجع من المجيب إلى السائل. ومنه: جوائب الأخبار. ويقال: هل عندك من جائبة خبر؛ وهي الواحدة من الجوائب التي تئوب وترجع. وقال أبو زبيد الطائي:/ واصدقوني وقد خبرتم وقد ثا بت إليكم جوائب الأخبار وهذا آخر تفسير هذا الباب. * * *

стр. 425

تصحيح الباب الثلاثين وهو المترجم بباب ما جاء بلغتين هذا باب كثر به أبواب الكتاب، ولم تكن به إلى إفراده حاجة؛ لأن عامة ما في كتابه قد جاء بلغتين أيضا، وأكثر من لغتين، وقد فرق الكثير منه في سائر الأبواب. وكان من حق التأليف، أن يلحق ما في هذا الباب بما فرقه هناك أو يجمع ما فرقه إلى هذا الباب؛ ليكون الجميع على منهاج واحد ونحو مصحح من ذلك ما يجب تصحيحه. ونفسره على نحو ما سلف إن شاء الله [تعالى]: أما قوله: تقول: هي بغداد وبغدان، ويذكر ويؤنث؛ فإنه يعني اسم البلدة المشهورة بمدينة السلام. وهو اسم أعجمي، عربته العرب، فغيرت حروفه العجمية، على ألفاظ مختلفة، لتقارب ِأسماء العرب. فقال بعضهم: بغداد، بدالين غير معجمتين، على وزن فعلال، بفتح أوله. وليس هذا البناء بمعروف في أبنية كلام العرب، ولكن جعلت الذال المعجمة التي في آخره "دالا" لتشبه كلام العرب. وقال بعضهم: بغدان؛ فأبدل من الدال النون، ليكون على مثال فعلان، فتوافق حروف العرب، وأمثلة أسمائها، فهذان الوجهان اللذان حكاهما "ثعلب"﵀ فيه. وقد حكى لنا فيه "محمد بن يزيد" أيضا: "مغدان" بإبدال الباء ميما، وهو أيضا على فعلان، وهو أشبه هذه الحروف بكلام العرب؛ لن "المغد" معروف في كلامهم، و"البغد" غير معروف. والعامة/ على خلاف هذا كله، ولكنها تابعت العجم في الحروف فقالت: "بغداد" بالباء في أوله، والذال المعجمة في آخره. وتفسير هذا الاسم في لسان العجم، أنهم يسمون البستان: "باغ" و"داذ" اسم رجل، كأنهم أرادوا بستان هذا الرجل، ونسبوه
следующие страницы →