Полный текст (518 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
يمس رأسي ويجس ثوبي كأنما أربته بريب
ويروى: كأنني قد ربته بريب.
وأما قوله: ألام الرجل، إذا جاء بما يلام عليه، وهو مثل قوله: أراب الرجل، إذا جاء بريبة، وهو أفعل من اللوم، تقول: لامني يلومني لوما، فتعديه إلى مفعول وألام هو غير متعد إذا دخل فيما يلام عليه، فهو مليم، كما قال الله تعالى: (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ وهُوَ مُلِيمٌ).
وأما قوله: "ويل للشجي من الخلي" ياء الشجي خفيفة، وياء الخلي مشددة، فإن هذا المثل جرى كما ذكره. ويقال: كانوا يسمون الزوج الشجي بالتخفيف، والخلم وهو الصديق: الخلي بالتشديد. والأصل في فعل هذا قولهم: شجي يشجى شجي إذا نشب في خلقه عود أو عظم أن نحوهما، ويسمونه: الشجي، وعود الشجى، كما قال الشاعر:
كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
وقال سويد بن أبي كاهل:
ويراني كالشجى في حلقه عسيرا مخرجه ما ينتزع
стр. 422
وهو شج، بالتخفيف مثل عم، ونظيره من الصحيح: شرق يشرق شرقا، وهو شرق. وليس الشجي بالتشديد بخطأ./ ولكنه من قولك: شجاه الهم يشجوه شجوا، فهو مشجو وشجي، على فعيل بمعنى مفعول.
وأما قوله: "هو أحر من القرع"، وهو جدري الفصال، فإن القرع مصدر لقولهم: قرع يقرع قرعا، وهو بثر يخرج بالفصال، فيسقط منه وبرها، ولا يبرأ حتى يجر على سبخة، أو مكان مالح، وفصيل أقرع وقرعى. ومن أمثالهم: "استنت الفصال حتى القرعى"، والفصال: أولاد الإبل. والعامة تقول: هو أحر من القرع بسكون الراء، وهو خطأ.
وأما قوله: "افعل ذاك آثرا ما"أي: أول كل شيء، من قولهم: آثرت أن أفعل كذا وكذا، أي: اخترت، فأنا آثر، على بناء فاعل. وآثرا منصوب على الحال منون و"ما" توكيد وعوض من الكلام المحذوف؛ لأن المعنى: اختره على كل شيء وقدمه وافعل هذا إن لم تفعل غيره. ويقال أيضا: فعلته آثر ذي أثير، وأثر ذي يدين، وقال الشاعر:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير
والاسم منه وهو المصدر: الأثرة، بفتح الثاني. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 423
للأنصار: "إنكم سترون بعدي أثرة" أي سيؤثر عليكم غيركم. ومنه قولهم: آثرت الشيء أوثره إيثارا، مثل: اخترته اختيارا، وقدمته على غيره.
وأما قوله: ما يحلى وما يمر، فإنه من الحلو والمر، تقول: حلا الشيء نفسه وأحره غيره إحلاء، أي: جعله جلو. وحلاه يحليه أيضا. وقد مر الشيء نفسه وأمره غيره إمرارا، أي صيره مرا. ومرره أيضا يمرره تمريرا. قال زهير:
وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا على صير أمر ما يمر وما يحلو
فقال "يحلو" لأنه جعل الفعل لازما، ولم يعده ضرورة، ويستعار هذا في غير الحلو/ والمر. ويقال: كلمته، فما أمر وما أحلى، أي ما أجابني بحلوة ولا مرة.
وأما قوله: خذ ما صفا ودع ما كدر، فإن يريد بكسر الدال من الماضي. والعامة تقول ذلك بفتح الدال، كأنه إتباع، وهو خطأ؛ لأن فعله على فعل يفعل فعلا ومصدره مفتوح الدال، يقال: كدر عليه عيشه يكدر كدرا وكدورة على فعولة أيضا والشيء كدر وأكدر. وكذلك الماء واللون وغيرهما. والكدرة في اللون خاصة على فعلة، كالصفرة والحمرة.
وأما قوله: ما هم عندنا إلا أكلة رأس؛ فإن هذا يقال عند استقلال عدد القوم, والأكلة جمع: الآكل؛ فإن هذا يقال، مثل كاتب وكتبة، وفاعل وفعلة. والرأس أكثر ما يجمع على أكله ثلاثة، وقد يأكله الاثنان والواحد، والعامة تقول: أكلة رأس، بسكون الكاف، وهو خطأ؛ لأن الأكلة: الأكل نفسه مرة واحدة.
стр. 424
وأما قوله: "أساء سمعا، فأساء إجابة"؛ فإن الجابة اسم للجواب، كالطاعة والطاقة، وليس واحد منهما بمصدر. وإنما المصدر من ذلك كله: الإجابة والإطاعة والإطاقة. والجواب أيض اسم يوضع موضع الإجابة. وينشد في ذلك قول الشاعر:
وما من تعتفين له بنصر بأسرع جابة لك من هديل
والعامة تقول: أسرع إجابة، وهو صواب أيضا. وأصل هذا من قولهم: جاب يجوب البلاد، أي: قطعها طوافا، وذلك أن الجواب، هو ما يرجع من المجيب إلى السائل. ومنه: جوائب الأخبار. ويقال: هل عندك من جائبة خبر؛ وهي الواحدة من الجوائب التي تئوب وترجع. وقال أبو زبيد الطائي:/
واصدقوني وقد خبرتم وقد ثا بت إليكم جوائب الأخبار
وهذا آخر تفسير هذا الباب.
* * *
стр. 425
تصحيح الباب الثلاثين
وهو المترجم بباب ما جاء بلغتين
هذا باب كثر به أبواب الكتاب، ولم تكن به إلى إفراده حاجة؛ لأن عامة ما في كتابه قد جاء بلغتين أيضا، وأكثر من لغتين، وقد فرق الكثير منه في سائر الأبواب. وكان من حق التأليف، أن يلحق ما في هذا الباب بما فرقه هناك أو يجمع ما فرقه إلى هذا الباب؛ ليكون الجميع على منهاج واحد ونحو مصحح من ذلك ما يجب تصحيحه.
ونفسره على نحو ما سلف إن شاء الله [تعالى]:
أما قوله: تقول: هي بغداد وبغدان، ويذكر ويؤنث؛ فإنه يعني اسم البلدة المشهورة بمدينة السلام. وهو اسم أعجمي، عربته العرب، فغيرت حروفه العجمية، على ألفاظ مختلفة، لتقارب ِأسماء العرب. فقال بعضهم: بغداد، بدالين غير معجمتين، على وزن فعلال، بفتح أوله. وليس هذا البناء بمعروف في أبنية كلام العرب، ولكن جعلت الذال المعجمة التي في آخره "دالا" لتشبه كلام العرب. وقال بعضهم: بغدان؛ فأبدل من الدال النون، ليكون على مثال فعلان، فتوافق حروف العرب، وأمثلة أسمائها، فهذان الوجهان اللذان حكاهما "ثعلب"﵀ فيه. وقد حكى لنا فيه "محمد بن يزيد" أيضا: "مغدان" بإبدال الباء ميما، وهو أيضا على فعلان، وهو أشبه هذه الحروف بكلام العرب؛ لن "المغد" معروف في كلامهم، و"البغد" غير معروف. والعامة/ على خلاف هذا كله، ولكنها تابعت العجم في الحروف فقالت: "بغداد" بالباء في أوله، والذال المعجمة في آخره. وتفسير هذا الاسم في لسان العجم، أنهم يسمون البستان: "باغ" و"داذ" اسم رجل، كأنهم أرادوا بستان هذا الرجل، ونسبوه
стр. 426
إليه، فلما عرب حذفت الألف من "باغ" فبقي "بغداذ" وهو اسمان جعلا اسما واحدا. والعرب لا تصرفه؛ لأنه أعجمي ومعرفة. وروى أصحابنا عن الأصمعي أنه لم يكن يقول: "بغداذ"، وكان يسميها: مدينة السلام"، وأنه زعم أن "بغ" اسم صنم، وأن "داذ" بالفارسية: العطية فمعنى "بغداذ" عطية الصنم، فتورع عن هذه اللفظة، وهذا قبيح من الأصمعي؛ لأنه يتكلم بعبد يغوث، وعبد العزى، وعبدود، ونحو ذلك من أصنام العرب، وليس يتورع عن هذا أحد، وقد غلط أيضا؛ لأن الفرس ما عبدت الأصنام قد، وهم يدعون أن لهم كتابا ونبيا، وإنما "مدينة السلام" مدينة بأبي جعفر، الذي بناها خاصة. وبغداذ اسم لخارج المدينةكله، وقد تكلمت العرب في بالذال المعجمة، فقال شاعرهم:
لما رأيت أنه الإغذاذ وأنه السير إلى بغداذ
وقد آخر في النون، أنشدناه "ثعلب"- رحمه اللهك
وأضحت ببغدان في منزل له شرفات ديون السماء
وأما قوله: هم صحابي بالكسر، وصحابتي بالفتح، فهذان حكاهما "ثعلب" ويقال أيضا: صحبي، وأصحابي، وصحبتي، وصحابي، بالضم والتشديد، ولكل واحد من ذلك معنى غير معنى سائره، مع اشتراكهما في الأصل، وهو الصاحب، الواحد منهم. وأما الصحب، فجمع الصاحب، مثل: راكب وركب، وتاجر وتجر، وساكن وسكن، وأما الصحبة فمثل: الرفقة والصحبة. وأما الصحاب فجمع الصحبة،/ مثل: الرفاق جمع الرفقة، وإن شئت فجمع الصحب وجمع الصاحب أيضا. وأما الصحابة بالفتح والتأنيث، فمثل الجماعة والزرافة. وأما الصحاب فجمع للصاحب، مثل راكب وركاب. وقد يجمع الصاحب أيضا على: الصحبان، مثل: راكب وركبان. وقد تكون الصحابة
стр. 427
بالفتح مصدرا. ومنه قولهم: أحسن الله صحابتك. وكذلك الصحبة مصدر. والصحابة، بالكسر أيضا مثل الإمارة والوكالة. وكل ذلك قد جاء في الأشعار، وفي القرآن، وغير ذلك. قال الله تعالى: (وأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ). وقال رسول الله- ﷺ : "دعوا لي أصحابي". وأجمعت العرب على تسمية أصحاب رسول الله ﷺ : الصحابة. وليس شيء من هذا بلغات مختلفة، على ما وضعه "ثعلب" في الباب، ولكنها وجوه صحيحة المعاني، يتكلم كل العرب بها، وهي على قياس مطرد في كل شيء. وليست مما يدخل في هذا الباب.
وأما قوله: هو صفو الشيء، وصفوته؛ فإن الصفو من كل شيء مصدر، مثل الكدر، وهو ضده، يسمى به الصافي اختصارا. والصفوة على بناء فعلة: خالص كل شيء، من الدنيا والآخرة، وإن كان من معنى الصفو، كما أن الخُبْر خلاف الخِبَر، وإن كانا من أصل واحد. وقد بينا معنى الفعلة في غير هذا الباب. ألا ترون أن محمد- ﷺ صفوة الله من خلقه، ولا يقال: هو صفو الله، وهذا يدلك على أنهما ليستا بلغتين كما ذكره، ولو كانا لغتين بمعنى واحد لقيل ذلك، ولكان لا يتكلم بكل واحد منهما إلا قبيلة دون أخرى. ومن هذا أيضا: الصفاء وليس بلغة أخرى ولكنه مصدر الشيء الصافي. ومعنى قولهم: صفا الشيء يصفو أي تميز من الكدر والخبث والغش، وغير ذلك، فهو صاف، وقد صفاه المصفى، أي ميزه وأخلصه. ومنه قولك: /اصطفيت كذا وكذا. ومنه سمي النبي- ﷺ : "المصطفى" وقال الله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً). وقال تعالى: (إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا) أي: تخيرهم. ومنه قوله: استصفيت الشيء، إذا أخذت جميع صفوه.
стр. 428
وأما قوله: هو الصيدلاني، والصيدلاني، فإنهما لغتان كما قال، يتكلم بكل واحدة منهما قوم من العرب، دون غيرهم، باللام والنون، وهما على: "فيعلاني" وأصله من "الصيدل والصيدن" وهما: حجارة الفضة، واحدتها: صيدانة، وشبه حجارة العقاقير [بها]، فنسب إليها الصيدناني. والصيداء أيضا: أرض حجارتها صغار، وفيها يقول الشماخ:
كساها من "الصيداء" نعلا طراقها طراق الحوامي والكراع العشاوز
والصيدن أيضا: الملك والرئيس. ومنه قول رؤبة:
أبي إذا استغلق باب الصيدن
والصيدن أيضا: الثعلب، وهو على بناء فعلن، من الأصيد، والنون زائدة، والألف والنون في الصيد لان والصيدنان زائدتان، للمبالغة ونحوها.
وأما قوله: هي الطِّنفِسة والطَّنفَسة يعني بكسر الطاء وفتحها، فهما بناءان، قد تكلمت بهما العرب، ملحقان من الثلاثي بالرباعي، فالنون فيهما زائدة، والمفتوح ملحق
стр. 429
بحرملة وخردلة ونحوهما، وهو على فعيلة، وهما ضرب من البسط والفرش وثير، كثير الخمل في أسفله وأعلاه، من صوف أو خز، يصبغ ألوانا. وهما لغتان كما ذكر معروفتان. والعامة تقول: طنفسة، بالفتح؛ لأنها أخف، والكسر أعرف.
وأما قوله: هي القلنسوة، بفتح القاف وبالواو، والقلنسية، بضم القاف وبالياء؛ فإنهما/ أيضا لغتان، على بناءين مختلفين؛ فمن قال قلنسوة، جمعها على: القلانس، وصغرها على: قلينسة، وحذف الواو من الجمع والتصغير. ومن قال قلنسية، قال في الجمع: قلاس وقلاسي، بالتشديد، وفي التصغير: قليسية وحذف النون من الجمع والتصغير. وقال بعضهم في جمع قلنسوة: قلنس؛ وذلك أنه حذف الهاء التي كانت في الواحدة، كما يقولون في تمرة: تمر، فبقيت قلنسو بأبدل من الواو الياء؛ لأن الأسماء لا تكون في آخرها واو ساكنة قبلها حركة، كما قيل في جمع دلو: أدل، والأصل: أدلو. قال الشاعر:
لا عيش حتى تلحقي بعبس أهل الرياط البيض والقلنسي
وقال يزيد بن الجون:
وكنا نرجي من إمام زيادة فزاد الإمام المرتضى في القلانس
وقال آخر:
إذا ما القلاسي والعمائم أخلست ففيهن عن صلع الرجال حسور
стр. 430
والعامة تقول: قلنسوة وقلانس، وهو أحد الوجهين، والتقلس: لبس القلنسوة، بحذف الزيادة، وهو أيضا: التقلنس، بالنون، والتقلس، بالياء. وبائع القلانس وصانعها: القلاس، والمقلنس، والمقلسي. والعامة تقول: القلانسي، وهو خطأ؛ لأن الجمع لا ينسب إليه.
وأما قوله: هو بسر قريثاء، وكريثاء، فإنهما اسمان أعجميان معربان، على وزن فعيلاء. وقد قيل أيضا: كراثاء، وقراثاء، بالألف وفتح القاف والكاف، على بناء فعالاء، مثل طباقاء، وعياياء. وهو ضرب من النخل، يشبه الشهريز في اللون والقدر أحمر يغلى بسره ويجفف. والعامة تقول: قريثا.
وأما قوله: هو ابن عمه دِنيا ودُينا، بضم الدال غير منون؛ فإنه يريد أن دنيا على بناء فعلى، وألفها للتأنيث، بمنزلة عليا وقصيا. وأصلها: دنوى؛ لأنها/ من دنوت، أي قربت، ولكن الواو قلبت ياء للفرق بين الاسم والصفة. وكذلك دنيا، بالكسرن ولكن الدال كسرت للياء التي بعدها، وهما بمعنى قربى، أي قربه. وقال "الخليل": سميت الدنيا دنيا؛ لأنها دنت، وللآخرة آخرة.
وأما قوله: هو شُطُب السيف، وشُطَبه، فليسا بلغتين، ولكنهما جمعان؛ فالشطب، بضم الطاء جمع: الشطيبة؛ وهي ما يقد من السنام طولا، وبه شبهت طريقة السيف في متنه. وأما الشطب، بفتح الطاء فجمع: السطبة؛ وهي الطريقة تكون على متن السيف. وسيف مشطب، ومنه قول امرئ القيس:
стр. 431
إلى كل حاري حديد مشطب
وهو من الشواطب؛ وهن اللواتي يقددن الأديم طولا والسعف، ويتخذن منها الحصر. قال الشاعر:
عقب الرذاذ خلالها وكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا
والواحدة: شاطبة، والسعفة المشقوقة تسمى: شطية. وكذلك الشقة من القنا.
وأما قوله: تقول امرؤ وامرآن، وقوم وامرأة وامرأتان ونسوة؛ فإنما يعني أن امرأ وامرأة لا يجمعان بلظهما، ولكن يستغنى عن ذلك بقوم ونسوة، وأن هذا استعمال العرب، وهو خلاف القياس؛ لأن امرأ وامرأة اسمان بمنزلة ابن وابنة، واسم، وأن أولها مسكن، وألف الوصل داخل عليها؛ وهي مع ذلك تجمع على لفظها فيقال: أبناء وبنون وأسماء. ولكن قد ترك القياس فيهما. وقد روي عن "الحسن البصري" أنه قال في بعض كلامه: "أيها المرءون"، فجمع المرء على لفظه. ومن قال هذا قال في المرأة أيضا: مرءات، ولكنه حذف ألف الوصل، وفتح الميم على الأصل.
وأما قوله: فإن أدخلت الألف واللام قلت: المرء والمرأة؛ فإنما/ يعني أن الف الوصل إنما تدخل في امرئ وامرأة، إذا كانا نكرتين وأسكن أولهما من أجل حركة الإتباع عند اجتماع الساكنين، فإذا عرفا بالألف واللام ردا إلى أصلهما؛ فحرك أنلهما، واستغني عن ألف الوصل فيهما، وسقطت حركة الإتباع من وسطهما؛ لذهاب الساكنين، كما يفعل بالبنين
стр. 432
والبنات، هكذا الاستعمال في المرأة والمرء؛ لأنهما اسمان صحيحان؛ فأما سائر الأسماء التي في أولها ألف الوصل كاسم واست وابن واثنين؛ فإن التعريف يدخل عليها مع تسكين أولها؛ لأنها معتلة محذوفة الأواخر.
وأما قوله: أتانا بجفان رذم، ورذم، ولا تقل رذم؛ أي مملوءة تسيل فإن الرذم بكسر الراء وفتح الذال لفظ العامة وهو خطأ فأما الرذم؛ بضم الراء والذال فجمع: الرذوم، يقال: جفنة رذوم؛ أي كثيرة المرق واللحم، تكاد تنصب من امتلائها. وقال "الخليل": الفعل منه: رذمت ترذم رذما, وقل ما يستعمل إلا بفعل مجاوز نحو أرذمت، وأنشد:
لا يملأ الدلو صبابات الوذم إلا سجال رذم على رذم
قال: والرذم ههنا: الامتلاء، والرذم: الاسم، والرذم: المصدر. وأما رذم، بفتح الراء والذال فجمع: رذام، مثل خادم وخدم، وليس بجمع رذوم. وزعم قوم أن فعلها: رذمت ترذم رذما، وهي رذمة وراذمة.
وأما قوله: ولد المولود لتمام، وتمام، وليل التمام، مكسور لا غير؛ فإن العامة تقول هذا بالفتح لا غيرن والعرب تكسر التمام مع الليل خاصة تقول: ليل التمام، كما قال امرؤ القيس:
فبت أكابد ليل التما م والقلب من خشية مقشعر
وأما قولهم: ولد/ الغلام للتمام؛ فمنهم من يكسره، ومنهم من يفتحه؛ فمن فتحه ذهب به إلى المصدر؛ لأنه يقال: تم الأمر تمام، وهذا تمام حقك، أي وفاء حقك، وكل شيء يراد في المصدر، فالتمام فيه مفتوح كالوفاء. وأما ليل التمام فإنما يعني طول الليل لا تمامه؛ وذلك أن كل ليلة تامة على حدتها، بمقدارها في وقتها، وإنما بعض الليل أطول من بعض، وكذلك الولد الذي يطول حمله في بطن أمه، ولم تنقص شهوره فقد ولد
стр. 433
لتمام. وقال "الخليل": ليلة التمام أطول ليلة في السنة. قال: ويقال: بل ليل التمام ثلاث ليال، لا يستبان منها نقصانها من زيادتها، يعني البيض. قال: ويقال: بل ليلة أربع عشرة وهي التي يتم فيها القمر فيصير بدرا. قال: ويقال: حملته أمه لتمام وللتمام. وقال: والتمام في لغة تميم هو التمام، كقول رؤبة:
جرت تماما لم تحنق جهضا
وأما قوله: تقول هما الخصيان، فإذا أفردت الواحدة أدخلت الهاء فقلت: خصية، كما قال الراجز:
كأن خصييه من التدلل ظرف جراب فيه ثنتا حنظل
فإن العامة تقول: الخصوة والخصوتان، بالواو، وهو خطأ.
وأما قوله: إذا أفردت الواحدة أدخلت الهاء، وإذا ثنيت أخرجت منها لهاء، فغلط منه؛ لأن الخصي بغير تأنيث، إنما هو جلد الخصية. فأما الخصية بالهاء فليس يراد بها الجلد دون البيضة. وإنما غلط لقول الراجز:
كأن خصييه من التدلدل
ولم يتأمل البيت الثاني حيث يقول:
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
стр. 434
وإنما شبه الراجز جلد الخصيتين بجراب فيه حنظلتان، ولم يشبه البيضتين بالجراب؛ لأن هذا محال من التشبيه، وخطأ. / وقد أنشد "سلمان بن يزيد السدوسي" عن "المازني" لبعض الرجاز:
يا بأبي أنت ويا فوق البيب يا بأبي خصياك من خصى وزب
فحذف الهاء من خصي، ولم يثنه؛ لنه أراد جلد الخصية، وغلط أيضا لقول الراجز:
وما أبالي أن أكون محمقه إذا رأيت خصية معلقه
فظن أن التأنيث إنما يدخل في الانفراد، وليس كذلك إذا عنيت البيضتين دون جلودهما قلت: خصيان فأنثت لا غير؛ وذلك أن جلد الواحدة لا ينفرد من جلد الأخرى، كما تنفرد البيضة من البيضة، ولا تمتنع الواحدة أيضا في القياس من التذكير، إذا عني جلدها. وقال "الخليل": "إذا ثنيت فذكر إن شئت، وإن شئت فأنث". وهو عنده على نية البيضتين أو الجلد. ويجوز أن يكون الخصي جمع: الخصية أيضا بالتكسير: الخصي، بفتح الصاد مقصور، مثل ربوة وربا، وعروة وعرى.
وأما قوله: عندي غلام يخبز الغليظ والرقيق، فإذا قلت: الجردق، قلت: والرقاق، لأنهما اسمان، فخطأ؛ لأن الرقاق قد تكون صفة كالرقيق كما يقال: طويل وطوال، وكبير وكبار، فهذا صفة، ولا يكون اسما، وإن كثر استعماله حتى استغني به عن ذكر موصوفه، فأشبه الأسماء فقيل للواحد منه: رقاقة، وهذا أدخل في باب الأسماء؛ لأنه ليس مع الرقاقة
стр. 435
موصوف مؤنث يوصف برقاقة، كما يوصف الخبز بالرقيق والرقاق. ولا يقال: خبز رقاقة، إلا أن تقول: خبزة أو قرصة ثم تصفها برقاقة، مثل طوال وطوالة، وهو قليل في الكلام. وقد يقال: خبز مرقق أيضا، كما قال جرير:
تكلفني معيشة آل زيد ومن لي بالمرقق والصناب
وأما الجردق/ فاسم فارسي معرب، وهو في الأصل كرده، وتأويله: المدور الغليظ، وهوجمع، وواحدته: جردقة، وتكسيره: جرادق وهو بالفارسية صفة لما جمع ولم يبسط، ولكنه لما عرب استعمل اسما.
وأما قوله: رجل حدث؛ فإذا قلت السن قلت: حديث؛ فإن العامة تقول: هو حدث السن، كما تقول: حديث السن، وهو خطأ؛ لأن الحديث صفة الرجل نفسه، وكان في الأصل مصدرا فوصف به. ولا يقال للسن: حدث، ولا للضرس، ولا للناب، ولا يحتاج معه إلى ذكر السن. وإنما يقال للغلام نفسه: هوحدث لا غير. وأما الحديث فصفة يوصف بها كل شيء قريب المدة والعهد. وبه سمي الحديث الذي يتحدث به، لقرب عهده ويقال: هذا بر حديث، وتمر حديث. وكذلك السن الحديثة القريبة النبات. والحديث السن من الناس: القريب السن والمولد، كما قال الشاعر:
ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سني
ومن هذا قولهم: هو حديث عهد بالوجع، وحديث عهد بالنعمة، ونحو ذلك.
وأما قوله: هو نقاوة المتاع، تعني خياره ونقاوته؛ فإن العامة تقول: نقاوة، بالفتح. وقد أجازه "ثعلب"، والاختيار الضم. وإنما كانت النقاوة بالضم؛ لأنها من
стр. 436
من قولهم: نقوت الشيء، وهو مأخوذ من النقا، نقا الرمل. ويقال ايضا: انتقيت. وأما النقاية من قولهم نقيت، ومن النقاوة أيضا: النقو؛ وهو: كل عظم من قصب اليدين والرجلين. ذكر ذلك "الخليل". والجميع: الأنقاء. ويقال: رجل أنقى، وامرأة نقواء، أي دقيق عظم اليدين والرجلين والفخذ. وفخذ نقواء إذا كانت دقيقة القصب، ظاهرة العصب نحيفة الجسم، قليلة اللحم، كأن المعنى أنها في دقة النقو، وهو القصب؛/ لأن النقو من الأضداد، على ما يذهب إليه اللغويون. وقال "الخليل": النقاوة أفضل ما انتقيت من الشيء، يعني بالضم، والنقاوة يعني بالفتح مصدر الشيء النقي، يقال: نقي ينقى الشيء نقاوة، وأنقيته إنقاء. والانتقاء أن تجوده. والنقاء ممدود يجري مجرى النقاوة. ومرجعه إلى الصفاء.
وأما قوله: أنا على أوفاز، ووفاز، والواحد: وفز، إذا لم تكن على طمأنينة، وأنشد:
أسوق عيرا مائل الجهاز صعبا ينزيني على أوفاز
فإن العامة تقوله: على وفاز، بفتح الواو، أي على عجلة. ويقول: هو مستوفز أي مستعجل متهيئ للقيام أو المضي، كأنهم يرونه مصدرا. وجعله "ثعلب" جمعين للوفز، على أفعال وفعال، وليس الوفز بمستعمل ولا معروف عند "أصحابنا" ولكن أصحابنا يرون الأوفاز والوفاز اسمين غير مجموعين. فما أوفاز فهو بمنزلة قولهم: برمة أعشاء، وحبل أرمام، قد استقل على رجله للقيام، ولم يستو قائما، وقد تهيأ للوفز والوثوب.
стр. 437
وأما قوله: هو أس الحائط، وأساس الحائط، يعني واحدا، والجمع: الإساس وآساس؛ فإن العامة تقول: أساس الحائط، مفتوح الهمزة، غير ممدود؛ يعني واحدا، فأما الأس فقد تستعمله العامة أيضا، وجمعه: آساس، ممدود الهمزة، على ما وصف "ثعلب". وأما الإساس، بكسر الهمزة على فعال، فهو جائز على القياس في جمع الأس أيضا، وليس بمعروف. وأما الأساس، بالفتح غير ممدود فجمعه: آئيسة، على مثال أفعلى، وأسس، على فعل، هكذا قياسه. وقال "الخليل": الأس لغة في الاسمين، يعني بفتح الثاني أيضا. وأس الرماد: ما بقي منه في المستوقد/. قال: ويقال: أسست الدار، إذا بنيت حدودها، أو رفعت من قواعدها. وتقول: هذا تأسيس حسن، وهو يستعمل في كل شيء، وكذلك استعمله أصحاب القوافي في تأسيس الشعر.
وأما قوله: وإذا دعا الرجل قلت: أمين، رب العالمين، بقصر الألف، كما قال الشاعر:
تباعد مني فطحل إذ سألته أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وإن شئت طولت الألف، فقلت: آمين، قال الشاعر:
يا رب لا تسلبني حبها أبدا ويرحم الله عبداً قال آمينا
ولا تشدد الميم؛ فإنه خطأ؛ فإن العامة تشدد الميم، وتمد الهمزة. وليس "أمين" بقصر الهمزة معروفا في الاستعمال. وإنما قصره الشاعر ضرورة، إن كان قصره. وقد يروى هذا البيت على غير ما رواه "ثعلب" وهو:
فآمين زاد الله ما [بيننا] بعدا
стр. 438
وهذا ممدود، لا ضرورة فيه، وهو المعروف. وروي [عن] رسول الله ﷺ أنه قال: إذا قال الإمام: "ولا الضالين" فقولوا: "آمين" ولم يروه واحد منهم بالقصر، ولكن ممدودا، وهو الأصل الصحيح. وللشاعر أن يقصر الممدود في الشعر خاصة إذا اضطر إلى تقويم وزن أو قافية، وليس للمتكلم في غير الشعر ذلك. ومعنى آمين: اسمع واستجب. ويقال: اللهم افعل ذلك. وهي كلمة عبرانية معربة، مبنية على الفتح للياء التي قبل نونها. وقد شرحنا أمرها وزوال تمكنها في كتابنا "في القرآن".
وأما قول: تقول: تلك المرأة، ولا تقل ذيك المرأة، فإنه خطأ، فليس كما قال، وإن كانت العامة تستعمله، والعرب تجتنبه؛ لأن "ذي وتي/ وتا" كلها إشارات إلى ما قرب ودنا، والكاف تلحقها؛ للإشارة إلى ما بعد وتراخى. وهي مع الكاف بمنزلتها بغير كاف، يقال: هاتي، وهذي. ولكن لما قل استعمال العرب "ذيك" توهم أنه خطأ. ولم يتأمل القياس. وقد تترك العرب استعمال الكثير من الصواب المنقاس الصحيح، للاستغناء عنه بغير لا لأنه خطأ، كتركهم استعمال الماضي واسم الفعل والمصدر من يذر ويدع استغناء بترك تركا فهو تارك، وليس واحد من ذلك خطأ.
وأما قوله: قال ابن الأعرابي: الظل: ما نسخته الشمس والفيء: ما نسخ الشمس؛ فإنما الفيء ما رجع، من قولهم: فاء يفيء، أي رجع يرجع. ويقال:
стр. 439
قد فاء الفيء، وفاء الظل. ومنه سمي الفيء في الغزو، وهو: ما أفاءه الله على المسلمين من أموال المشركين، أي رده عليهم، بعد أن كان في أيد الكفار. ومنه قول الله تعالى: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ) أي ترجع. وأما الظل فما أقام وثبت. ومنه قولهم: ظل يفعل كذا وكذا، أي مكث وقام ودام. ومنه قول الله تعالى: (الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا) وقوله [تعالى]: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ). وقال "الخليل": الظل ضد الصبح ونقيضه، وسواد الليل يسمى ظلا. ومنه قول الله عز ذكره: (أَلَمْ تَرَ إلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) إنما هو الليل، لقوله [تعالى]: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) وجاء في التفسير أن الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. والمكان الظليل الدائم الظل. وهذا يشبه ما حكاه "ثعلب" عن ابن الأعرابي. وقال "الخليل": "تقول: فاء الفيء إذا تحول عن جهة الغداة. والفيء: الظل".
وأما قوله: ولا تقل لقاة مقصورة، فإنه خطأ؛ فليس كما قال. ولكنه مما قل استعمال العرب إياه فظن لذلك أنه خطأ وليس كل ما قل استعمالهم إياه، أو تركوه خطأ. والصحيح في مصدر: "لقيته"/ في القياس أن يقال: ألقاه لقى، مفتوح مقصور، مثل قولك: عمي يعمى عمى. فأما اللقاء، ممدود مكسور الأول فليس بمصدر لقيت الجاري عليه فعله. بل هو مخالف للباب، وهو اسم. والعرب قد تضع الأسماء مواضع المصادر، فقولهم: لقاة إنما هي كاللقية، بسكون القاف للمرة الواحدة من اللقى، كأنه خرج مخرج قذيت عينه قذى وقذاة، وهي اسم في موضع المصدر، ولم يجيء على فعلة بسكون العين وإن كان ذلك الأصل في المرة الواحدة. ومن هذا قولهم للملقى: لقى ولقاة.
стр. 440
واللَّقَى: ما طُرح في الطريق منخرقة أو غيرها، مما لا يحتاج إليه. واللقا أيضا: المنبوذ من الولدان في الطريق. وقال الشاعر:
لقى حملته أمه وهي ضيفة فجاءت بيتن للضيافة أرشما
وقال الآخر:
كفى حزنا كرى عليه كأنه لقى بين أيدي الطائفين حريم
أي ملقى. وإنما قيل للملقى: لقى؛ لأنه يلقاه كل من مر به؛ فالمنبوذ لقى، والمنبوذة لقاة, وإن شئت بغير هاء، إذا سميتها بالمصدر.
وأما قوله: امرأة عزبة فليس من فصيح الكلام، وإن كان قد قيل. وإنما الفصيح أن يقال للذكر والأنثى: عزب بغير هاء؛ لأنه مصدر قد وصف به، مثل دنف وقمن، وعدل ورضى، ويروى لعمرة بنت الحمارس:
هل عزب أدله على عزب على فتاة مثل تمثال الذهب
على ابنة الحمارس الشيخ الأزب
والعزب من الرجل؛ الذي لا زوجة له. ومن النساء؛ التي لا بعل بها. وإنما هو مأخوذ من عزوب الشيء عن الشيء، وهو غيبته.
وأما قوله: هي الثندؤة، بضم أولها والهمز، والثندوة بفتح أولها وترك الهمز في آخرها،/ وليس ترك الهمز فيها بخطأ؛ لأن ترك الهمز لغة من لغات العرب معروفة.
стр. 441
ومثلها في الكلام: العنصوة والحنذوة. فأما الثندوة بالفتح فمثل: القرنوة، وهي: نبت. وقال "الخليل": "الثندوة من الرجال كالثدي من المرأة، وذكر الهمز مع الضم كما حكاه "ثعلب".
وأما قوله: جئت على إثره، وعلى أثره، وهو أثر السيف وإثره؛ فإن العامة تقول في كل هذا: أثر، بفتحتين. وقال: "الخليل": الأثر: بقية ما يرى من كل شيء، وما لا يرى، بعد أن يبقى منه علقة، ومن هذا قولهم: ما بها عين ولا أثر. قال: والأثر أيضا: الاستقفاء والإتباع، هذان بفتحتين قال: وهو بلغتين: الأثر والإثر. قال: ولا يشتق من حروفهما فعل في هذا المعنى، ويجمعان كلاهما على: الآثار، يقال: تبعت آثاره ولكن يقال: ذهب في إثر فلان وكان هذا في إثر ذاك، إذا أوقعت عليه الفعل ولم تفصله بصلة أو نحوها قلت: اتبعت أثره ونحوه، وقد يقع عليه النعت إذا كان معناه بعد، يقول: أقبل فلان إثر فلان، وأنشد:
متيم إثر من لم يجز مكبول
وقال: أثر السيف: وشيه الذي يقال له فرند.
ويسمى السيف مأثورا. وأثر السيف ضربته. ويقال: أثرت الحديث آثره أثرا، أي يحدث به قوم عن قوم في آثارهم من بعدهم. ومصدره: الأثارة بفتح أوله، كما قال الله تعالى: (أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ).
стр. 442
وأما قوله: وتقول: القوم أعداء، وعدى، بكسر العين، فإذا أدخلت الهاء قلت: عداة، بالضم؛ فإن الأعداء جمع وليس واحده عدو، على فعول؛ لأن فعولا ليس بابه وقياسه أن يجمع على أفعال، ولكن يجمع الأعداء على الأعادي وكذلك عدى بكسر العين ليس على القياس والباب؛ لأنه اسم واحد موضوع للجمع/ كما وضع قوم لجماعة الرجال، وإبل لجماعة الأباعر، وهو اسم واحد؛ ولذلك ذكر "سيبويه" أنه لم يجئ فعل وصفا إلا في المعتل في حرف واحد، يعني قولهم: عدى، وعدى أيضا ليس على القياس؛ لأن عدى لو كان وصفا صحيحا لم يوصف به إلا واحد؛ لأنه واحد. ولا يجوز أن يقال عدى. ولا يكون عدى أيضا جمعا لعدو؛ لأن فعولا لا يجمع على فعل. وقد يكون عدو جميعا بهذا اللفظ كما قال الله تعالى: (فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ). والعامة تقول: عدى، بضم العين، وهو أيضا على غير بابه في التكسير. وإنما يجيء فعل في نعت الواحد للمبالغة، نحو الحطم والزفر، ولكن يكون فعل جمعا لفعلة، نحو قوله تعالى: (إذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وهُم بِالْعُدْوَةِ القُصْوَى) ونحو العروة والعرى. وقد يقال للعدوة: عدوة، بالكسر. وقال قوم: العدى، بالكسر: الأعداء، والعدا بالضم: الأباعد، فقيل لهم الأعداء كلهم أباعد، إما في النسب، وإما في القلوب. فأما العداة بالهاء فجمع عاد، لا جمع عدو، مثل غاز وغزاة، وقاض وقضاة، ولكن العدو في معنى الفاعل، إلا أنه قد بني على مثال المبالغة، فكأنه جمع عداة، على المعنى.
стр. 443
وأما قوله: بأسنانه حفر وحفر، يعني بفتح الفاء وسكونها، فإنهما لغتان مثل شعْر وشعَر، ونهْر ونهَر، وليس ثانيه ولا ثالثه من حروف الحلق، كما بيناه في المتقدم. والمعنى في الحفر والحفر مختلف؛ لأن الحفر بسكون الفاء مصدر فعل متعد، وهوحفره يحفره حفرا، فكأن الذي حفر أسنانه إنما هو كبر السن أو دوام القلح، أو آفة لحقتها. وأما الحفر، بالفتح، فمصدر قولهم: حفرت سنه تحفر حفرا، وهذا الفعل غير متعد، والأول متعد،/ كأن الثانب بمعنى الانفعال، وكل واحد منهما جيد في معناه.
وأما قوله: تقول درهم زيف، وزائف؛ فإن العامة تقول: زيف بغير ألف طلبا للخفة وإنما الزيف مصدر قولك: زاف يزيف زيفا من الياء. وقد يقال: زاف يزوف زوفا، بالواو. فالزيف على هذا الوجه مخفف من الزيف بتشديد الياء، كما قيل ميّت وميْت، وهين وهين. ويروى في حديث عن عمر- ﵁ أنه قال: "من زافت عليه دراهمه، فليأت بها السوق وليقل: من يبغني بها كذا وكذا، ولا يحالف الناس عليها". فهذا دليل على الزائف بالألف، وليس الزيف بخطأ. ومعنى قول عمر- ﵁: زافت عليه؛ أي بقيت عليه ورجعت إليه، وهو من قولهم: زاف الطائر على أنثاه، إذا دار، وزاف الرجل على تل أو دكان، إذا وضع يده على قرنته ثم قفز فوقه فدار حتى تعود رجله إلى مكانها، وكذلك الدراهم يصرفها صاحبها في حوائجه فتطوف وتؤخذ، ثم ترد فترجع إلى صاحبها.
وأما قوله: وتقول دانِق ودانَق، وخاتِم وخاتَم، وطابِع وطابَع، وطابِق وطابَق كل هذا صحيح جائز، فإن العامة تفتح هذا كله لخفة الفتح، والعرب تكسره وتفتحه. فأما الدانق ففارسي أو نبطي معرب، والنون منه ساكنة، وقافها شبيهة بالكاف فعربتها العرب
стр. 444
بتصحيح القاف، وتحريك النون، لتصير على منهاج كلامها، فصاارت بوزن فاعل وفاعل، ثم صغرت وكسرت، وصرف منها الفعل فقيل: دوانيق ودوينيق، وقد دنق الرجل، إذا كان شحيحا ينظر في الدوانيق ويعامل بها، وأنشد "الخليل" شعرا لبشار:
يا قوم من يعذر من عجرد القاتل المرء على الدانق/
وأما الخاتم فعربي محض من قولهم: ختمت الكيس والكتاب أختمه ختما، فأنا خاتم، والمفعول مختوم. وإنما سمي ما يختم به خاتما، على بناء اسم الفاعل، كأنه فاعل؛ لأنه يؤثر في الطين وغيره، وإنما هو مختوم به، ومثل هذا كثير في كلامهم، كما قال الأعشى:
لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر
وإنما يعني المنشور والمقبور، ولكنه بناهما، على الفاعل، على جهة النسب، لا على إرادة الفعل، ي ذي نشر، وذي قبر. ويقال: الخاتم. ومن فتح التاء من الخاتم، أراد الفرق بين المختوم به وبين المختوم، وجعله اسما ليس بجار على الفعل كالفاعل. ومن كسر التاء فعلى ما قدمنا. والختم آخر الأمر، وآخر كل شيء خاتمته، وختم الكتاب أيضا آخر أعماله، وكذلك ختم الكيس. ومنه قيل: ختم القرآن، إذا فرغ من تعلمه أو درسه. ومنه قول الله تعالى في شراب أهل الجنة: (خِتَامُهُ مِسْكٌ). أي آخر طعمه.
стр. 445
والخاتم بالكسر اسم ما يتختم به الإنسان في خنصره. والخاتم، بالفتح اسم الطابع المختوم بالخاتم، وقد يسمى به المختوم على التوسع. ويقال أيضا له: خاتام، بزيادة ألف، كما قال الراجز:
يا هند ذات الجورب المنشق أخذت خاتامي بغير حق
ويقولون أيضا: خيتام، بالياء على مثال فيعال. وليس يجوز خاتم، بفتح التاء، إلا فيما يلبس، ويختم به المال خاصة، ولا يفتح في خاتم القرآن، ولا خاتم الأنبياء، ولا خاتمة الأمر ونحو ذلك.
وأما الطابع فقريب المعنى من الخاتم، من قوله [تعالى]: (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) / ويقال: طبعت الكتاب طبعا، كما يقال: ختمته ختما، فالطابع، بكسر الباء: اسم لما يطبع به، أو يرسم. الطابع، بالفتح: اسم المطبوع من طينة أو نحوها، كطابع الحاكم إلى الخصوم. ولا يفتح إلا في هذا خاصة. وتقول: طبعته فانطبع، وقد تطبع الرجل. إذا قبل أخلاق الناس، وتخلق بها. وإنما سمي العيب والدنس طبعا، بفتح الباء؛ لأنه يلزق بالشيء وينطبع فيه. وفي الدعاء: "نعوذ بالله من طمع يؤدي إلى طبع".
وأما الطابق فكلمة أعجمية معربة، يقولون لها: تابه، بالتاء والباء والهاء، وباؤها مفتوحة بالعجمية، وهو اسم ما يخبز عليه من الحديد، واسم لما عرض ورق من الآجر.
стр. 446
فمن قال: طابق، بفتح الباء فإنما تركها على فتحها في العجمية، ومن كسر الباء أجراها مجرى: خاتم وطابع، كأنه جعلها من قولهم: أطبقت الشيء، وهذا طبق هذا؛ لأن لفظه من حروفه، ومعناه كمعناه، قال الله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ). وقال امرؤ القيس:
ديمة هطلاء فيها وطف طبق الأرض تحرى وتدر
وأما قوله: هي الخنفساء، والخنفسة، يعني بضم الخاء والفاء؛ فإن العامة تفتح الفاء، وتقوله بالألف، على مثال فنعلاء، والهاء والألف من علامات المؤنث، وهما بوزن الفنعلاء والفنعلة، وأصلهما ثلاثي ملحق بالرباعي بزيادة النون، وهي من الدبيب سوداء، صلبة الجلد، منتنة الرائحة، شديدة اللجاج، كلما رمى بها عادت إلى حيث رمي بها منه. ويقال في المثل؛ للجوج: "إنه لألج من خنفساء". وأنشدوا لخلف الأحمر في أبي عبيدة:
لنا صاحب مولع بالمراء كثير الخطاء قليل الصواب/
ألج لجاجا من الخنفساء وأزهى إذا مشى من غراب
وقال بعضهم: الخنفس بغير تأنيث، مفتوح الفاء، هو ذكر الخنافس، وأنشد فيه:
إذا غمسنا جلدها في المغمس جاءت بدمن وحشي خنفس
وذكر "الخليل": الخنفساء، بفتح الفاء، وأن جمعها الخنافس، والخنفس، وفي لغة: خنفساة واحدة، وثلاث خنفساوات، وفي اللغة الأولى: ثلاث خنفسات.
стр. 447
وأما قوله: وهي الطس، والطسة؛ فإن العامة تقولها بالتاء طست، كأنها لغة من يبدل التاء من السين المدغم فيها، كرايهة التضعيف فإذا جمعوا وصغروا ردوا السين التي أبدلوا منها التاء فقالوا: طسيسة وطساس، كما فعلوا مثله في دينار وقيراط؛ لأن حرف التصغير والتكسير قد فرق بين السينين. وقال "الخليل": الطست في الأصل: الطسة بالتأنيث والتضعيف، ولكن حذفت السين الثانية للتخفيف، فأظهروا تاء التأنيث لسكون ما قبلها؛ لأن الهاء إنما تبدل من تاء التأنيث إذا كان ما قبلها متحركا، ولو لم يظهروا التاء ويعربوها لاجتمع ساكنان: السين والهاء، فصرات طست بمنزلة بنت وأخت، كأن تاء التأنيث أصلية في الكلمة، فإذا جمعوا قالوا: طساس فعادوا إلى التضعيف، وحذفوا التاء، وقد قالوا في الجمع: أطساس، على أفعال، قال الشاعر:
كأن الحميم على متنها إذا اغترفته بأطساسها
جمان يجول على فضة جلته مذواد دواسها
وصانع الطساس: الطساس، بالتشديد، وصناعته: الطساسة. وقد زعم غيره أن/ الطست اسم أعجمي، التاء فيه أصلية في لسان العجم، لغير التأنيث وأن العرب لما عربتها أبدلت من التاء سينا؛ لقرب المخرجين، فقالوا: طس وطسة، وأنها ليست بعربية محضة؛ لأن التاء مع الطاء لا يدخلن في كلمة واحدة أصليتين في تأليف كلام العرب، وقال الراجز في الطس:
وهامة كالطس علطميسا
стр. 448
ويجمع الطس على الطسوس أيضا، ولا يجمع على الطسوت، ولا على الطسات، ولا على الأطسات، ولا يصغر على الطسيت، ولا على الطسيتة؛ لأن هذه الحروف تخالف تأليف العربية مجتمعة في كلمة.
أو قوله: بفيه الأثلب، والإثلب، والفتح أكثر؛ فإنه التراب، ويقال: هو دقاق الحجارة، وإذا دعي على الرجل قيل: بفيك الأثلب. وفي الحديث: "الولد للفراش وللعاهر الأثلب". وهذا يدل على الحجارة، ومثل هذا قول الأعشى:
فعض جديد الأرض إن كنت ساخطا بفيك وأحجار الكلاب الرواهصا
وأصحابنا يعرفون الأثلب بالفتح، ولا يعرفونه بالكسر، وهو على مثال أفعل من الثلب، وهو عيب الناس وقصبهم وثلبهم، يقال: ثلبهم يثلبهم ثلبا، والمثلبة ضد المنقبة، وجمعها المثالب.
وأما أسود حالك وحانك، وهو أشد سوادا من حلك الغراب، وحنك الغراب واللام أكثر، فإن النون لغة العامة، واللام هو الصحيح، وعليه كلام فصحاء العرب. والحلك والحلكة: شدة السواد. ولا يقال في المصدر والفعل منه بالنون. ويقال: هو أسود حلوك، وفعله على لغتين، يقال: حلك يحلك حلوكا وحلكة، والأخرى: حلك يحلك حلكا. وسواد الغراب شديد؛ فلذلك خص بالتشبيه به. فأما /حنكه فإنما هو أسفل منقاره الأسفل والأعلى، وهما عظمان ليس عليهما ريش، ولا هما أشد سوادا من ريشه، ولا قريبا منه وإنما النون في حانك وحنك بدل من اللام ههنا، ولا معنى لحنك الغراب في هذا الوصف.
стр. 449
وأما قوله: هو الجدري والجدري؛ فإن العامة تقوله بفتحتين، والعرب الفصحاء بضم الجيم وفتح الدال، وهو قروح تخرج على الصبيان خاصة وينقط. وواحدتها: جدرية، كأنها منسوبة إلى جدرة أو جدرة. ويقال: جدر الجلد، إذا نتأ وارتفع. ومنه سمي الحائط جدارا. والعامة تقول: قد جدر الغلام، بالتشديد، وهو مجدر، والعرب تقول: جدر، بالتخفيف وهو مجدور، ولا يكاد يسمع منهم مشددا؛ لأنه داء لا يتكرر في واحد، ولا يصيب الإنسان إلا مرة واحدة في جميع عمره، ولو قيل بالتشديد لكثرته على الجلد في تلك المرة الواحد لجاز. وقال "الخليل": الجدر: انبتار في عنق الحمار من آثار الكدم أو غيره، فجائز أن يكون الجدري منسوبا إلى ذلك.
وأما قوله: تعلمت العلم قبل أن يقطع سرك وسررك، والسرة التي تبقى؛ فإن العامة تقول: قبل أن تقطع سرتك، وليس ذلك بخطأ؛ لأن الذي يبقى، والذي يسقط كلاهما مقطوع من الآخر.
فأما قولهم: السر والسرة والسرر، فإنما خولف بين أبنيتها، للفرق بين معانيها، وأن يكون اسم ما يبقى على غير بناء ما يسقط. ومعنى الكلام: أنى تعلمت العلم قبل أن تولد؛ لأن المولود تقطع سرته ساعة يولد. وبنيت السرة على فعلة؛ لأنها مثال ما يفعل به القطع، وهو السر، يقول: سررت الصبي، أي قطعت سرته. وأما السرر على فعل فما يقطع من السرة. وقد قال "ثعلب"﵀: السر/ السرة أيضا، وليس بين السر والسرة فرق، غير إدخال حرف التأنيث وإخراجه ويقال أيضا للكسور التي
стр. 450
تكون في الجبهة: سرر؛ لأنها بمنزلة الخطوط التي تبقى في السرة المقطوعة يقال: القطع. ويكون مثل ذلك في وجه الإنسان وفي راحته. وفي الحديث: "أن النبي- ﷺ كان إذا ضحك تبدو أسارير وجهه". وهي جمع أسرار. والأسرار: جمع السرر، والسر أيض، وهو خطوط الراحة. وقال الأعشى:
انظر إلى كف وأسرارها هل أنت إن وعدتني ضائري
ومن السرة قولهم لوسط الوادي: السرارة والسر، وكذلك سر كل شيء أوسطه وأكرمه. ومنه أخذ السرير، كأنه أكرم المجالس وأجلها.
وأما قوله: ما يسرني بهذا الأمر منفس ونفيس، ومفرح ومفروح [به]، فإن المنفس على وزن مفعل من النفاسة، وهو الشيء النفيس الكريم الذي تنافس فيه الناس، كما قال الله عز ذكره: (وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ) أي: كل واحد منهم ينفس به على الآخر، أي يبخل به عليه، ويؤثر نفسه به، يقال: نفست به نفاسة. وقيل: إنه لمنفس، أي: صار ذا نفاسة، فكأنه قد أنفس، وهو منفس، وفي يقول المتلمس:
لا تجزعي إن منفسا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
يقول: لا تلوموني إن أهلكت نفيس مالي، وأنفقته، ولا تجزعي من ذلك ما دمت حيا غيرها لك. وأما النفيس فعلى وزن فعيل، وفعله، نفس ينفس نفاسة فهو نفيس، بمنزلة كرم يكرم كرامة وهو كريم، وإنما سميت النفس نفسا، لنفاستها وفضلها/ على جميع البدن. وأما المفرح فما أفرحك من شيء، وفرحت به. والمفروح معناه: المفروح به، ولكن حذفت "به" من الكلام اختصارا تقول: فرحت به فهو مفروح به.
стр. 451
وأما قوله: ماء شروب وشريب، للذي بين الملح والعذب، فإن الشروب فعول من الشرب بمعنى المشرب، أي الممكن للشرب غير المانع منع على مرارته وملوحته. وأما الشريب ففعيل بمعنى مفعول، أي هو مشروب غير ممتنع من شربه. وقال "أبو زيد الأنصاري": الشروب دون الشريب في العذوبة. والعامة تقول: ماء شروب للعذب الطيب، الذي يلتذه شاربه.
وأما قوله فلان يأكل خلله وخلالته، يعني مايخرج من أسنانه، إذا تخلل فإن الخلل جمع الخلة، وهو ما يبقى في خلل الأسنان، وهي الفرج التي يبقى فيها الطعام، يقال لها: خلل، ويجمع على الخلال، قال الله تعالى: (فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) ويقرأ: من خلله.
وأما قوله: أمليت الكتاب أملي، وأمللت لغتان جيدتان، جاء بهما القرآن، فإن العامة تقول: أمليت بالياء لا غير، وهو من الإملاء، أي التمهل، قال الله تعالى: (إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا) وقال تعالى: (اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلاً) وذلك أن المملي على الكاتب لا بد له من أن يتمهل عليه ويمهله حتى يكتب، ولا يقدر أن يقرأ بغير تمهل، وإلا لم يلحقه الكاتب. وأما أمللت بلامين، فمن الملل والملال، لأن الممل يطيل قوله على الكاتب ويكرره حتى يفهمه ويكتبه، وفي ذلك إملاله. ومنه قول الله [تعالى]: (ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالْعَدْلِ) فهاتان كلمتان مختلفتان في اللفظ والمعنى، وليستا/ بلغتين في معنى واحد، كما ذكر "ثعلب"﵀.
стр. 452
تصحيح الباب الواحد والثلاثين
وهو المترجم بباب حروف منفردة
هذا الباب مما تقدم لكل كلمة منها نظائر، وقد كان يجب أن يضم بعضها إلى بعض في أبوابها، ولا يفرد لها بابا، ويسميها حروفا منفردة.
ونحن مبينون ما يجب تبيينه، كما بينا ما قبله:
أما قوله: أخذت لهذا الأمر أهبته؛ فإن الأهبة على بناء الفعلة، وهي ما يتأهب به للسفر، أو للحرب، أو لغير ذلك، أي يستعد له، وكذلك الفعلة في كل شيء بناء ما يفعل به، وقد تقدم تفسير ذلك. والألف في الأهبة همزة أصلية. وقولهم: تأهبت للأمر، على بناء تفعلت له، مثل تحزمت له، واستعددت له؛ فأنا متأهب تأهبا. وكأنه مأخوذ من الإهاب، وهو الجلد، لأنه مثل قولهم: لبست له جلد النمر، ونحوه. والعامة تقول: أخذت للأمر هبته؛ فتحذف الهمزة، وترد ضمتها على الهاء، وهي لغة رديئة، بمنزلة قولهم: الحنة للعداوة والحقد، وإنما هي الأحنة، بالهمز. وقد أجازهما الخليل وغيره، وجاءا في الشعر.
وأما قوله: أبعد الله الأخر، قصيرة الألف، فمعناه الغائب؛ أي المتاخر، هكذا فسره "الخليل". وهو كلام ينزه به المخاطب، ويكنى فيه عن اسمه، وذلك أن يقول الرجل للرجل: رأيت فلانا، وقد قتل أو صلب، فقلت له: أبعد الله الآخر، أي قلت له: أبعدك الله، فكره اللفظ بالكاف، فتصير كأنه يعني المخاطب بها، فوضع قوله الآخر
стр. 453
بدل الكاف، أي أبعد الله الغائب. وقد يكون بين الرجلين كلام فيقول: إن كنت/ كاذبا، فأبعد الله الآخر. وهو يريد أبعدك الله، ولكنه كره مواجهته بالكاف فكنى عنها بالآخر، وقد مضى تفسيرها في قوله: بعته بأخره.
وأما قوله: والشيء منتن؛ فإن للعرب فيه لغتين؛ إحداهما هذه التي ذكرها على وزن مفعل، وهو اسم الفاعل من قولك: أنتن الشيء وهو منتن، فهذا بناؤه الجاري على فعله في القياس، ومستقبله: ينتن، ومصدره الإنتان، على الإفعال، بمنزلة قولهم: أكرم يكرم إكراما، وهو مكرم. واللغة الأخرى مغيرة عن الأصل، جارية على غير قياس، وهي قولهم: منتن، بكسر الميم، وهي لغة العامة وهي أكثر في الكلام لخفتها، كأنهم كرهوا ضمة قبل كسرة، ليس بينهما حاجز حصين، فأتبعوا الميم التاء في الكسرة، ليكون الثقل من وجه واحد. وقد حكى "الأخفش" أن من العرب من يقول: منتن، بضم التاء على ضمة الميم لمثل ذلك، كما قالوا: منخل ومسعوط. وبين قولهم: منتن وبين منخل ومسعط فرق بين، وبون بعيد؛ وذلك أن المنتن إنما هو اسم فاعل من أنتن الشيء، من النتن، وأصله نتن ينتن ينتنا، والمنخل والمسعط مما ينقل ويستعمل من الآلات، التي تكون الميمات في أولها مكسورة، والعين مفتوحة كالمنجل والمثقب وما أشبه ذلك، فحمل المنتن في الضم على قياس المسعط والمنخل بعيد من القياس. ويقال في جمع المنتن: مناتن، وأنتان أيضا، كأن واحدها مسمى بالمصدر، وهو النتن.
وأما قوله: هي الحلقة من الناس والحديد، بسكون اللام؛ فإن الحلقة ليست بواحدة، ولكنها اسم موضوع للجمع على لفظ الواحد، مثل العصبة والجفة ألا ترى أن الحلقة من الناس اسم جماعة مختلفين، وإن حلقة الحديد اسم للدرع وهي حلقات/ كثيرة مجموعة، وسمي السلاح كله حلقة أيضا. وزعم "الخليل" أنها تجمع على الحلق، بفتح اللام،
стр. 454
وأن الحلقة بالتخفيف والتثقيل جائزان مقولان، وأدنى العدد حلقات. وزعم بعضهم أنه لا يجوز في هذه إلا سكون اللام. ومنهم "ثعلب"﵀ وقالوا: لا تفتح اللام إلا في شيئين: أحدهما دروع لامرئ القيس، كانت عند السموأل، يقال لها: الحلقة، بالفتح. والحلقة جمع: الحالق، الذي يحلق الشعر من الرأس أو الجلود مثل قولهم: عامل وعملة، وكاتب وكتبة، وليس بين امرئ القيس وغيره فرق في هذا، فإنه، وإن كانت الحلقة، بالفتح اسم سلاحه، فإنها أيضا اسم لسلاح غيره بالفتح. وزعم "الخليل" أن الخاتم، الذي لا فص له، يقال له: الحلق، بكسر الحاء، وسكون اللام، وأنشد في ذلك "للمخبل" في رجل أعطاه النعمان خاتمه:
وناول منا الحلق أبيض ماجدا رديف ملوك ما تغب نوافله
وأما قوله: درهم بهرج؛ فإن العامة تقول: نبهرج؛ لأنه فارسي معرب وفي أوله بالفارسية نون، كما تقوله العامة، وبعد النون حرف يضارع الباء، والفاء مخرجه بين مخرجيهما، كأنه نفهره، والعرب قد حذفت النون من أوله، وجعلته رباعيا، على وزن خردل ونحوه، وليس إثبات النون فيه خطأ؛ لأنه يصير على وزن سفرجل وهمرجل ونحوهما من الخماسي. وتفسير البهرج بالفارسية: المزور من كل شيء، وقد صرف من البهرج فعل مثل دحرج فقيل قد بهرج يبهرج، فهو مبهرج، بكسر الراء، والمفعول مبرهج،
стр. 455
فيوصف باسم المفعول الجاري على فعله، أو يوصف بالمصدر منه، وهي البهرجة، فأما البهرج فليس بواحد منهما.
وأما قوله: نظرت يمنة وشامة، ولا تقل شملة، إن اليمنة/ من اليمين، وهي من اليمن والبركة، وهم يتفاءلون بما يسنح لهم من جانب اليمين لذلك، والشامة من الشؤم، وهي اليسار، وهم يتطيرون بما يأتيهم من جانبه، ويسمونه البارح وهما أيضا الأيمن والأشأم، واليمنى والشؤمى، قال الله تعالى: (فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ (٨) وأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ) يعني أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. ومن هذا سميت اليمن والشام؛ لأنها عن يمين القبلة وشأمتها. ومن هذا قول الله عز ذكره: (وأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ) (وأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) لأن الشمال كاليسار، ولا يقال منه: مشملة ولا شملة ولا أشمل ولا شملى؛ لأنه ليس فيه ما في اليمنى والشؤمى من معنى اليمن والبركة ومعنى الشؤم، وإنما هو من الشمول والعموم، ولكن يقال من اليسار ذلك كله وهو اليسرة والأيسر واليسرى والميسرة. وإنما اليمين واليسار: الجانبان من كل شيء، مأخوذان من اليمن واليسر، على التفاؤل.
وأما قوله: تقول الثوب طوله سبع في ثمانية؛ لأن الذراع أنثى، والشبر مذكر، فليس واحد منهما مذكرا ولا أنثى، ولكن العرب تؤنث الذراع وتذكر الشبر، وهما عضوان لا يحبلان ولا يلدان، وربما كانا من حديد أو خشب، وإنما هما مقدران يقدر بهما كل مذروع ومشبور. وقد ذكرنا علة تذكير الشبر وتأنيث الذراع في كتب النحو. وإنما أراد أن الثوب طوله سبع أذرع، وعرضه ثمانية أشبار، فلم تدخل علامة التأنيث في سبع؛ لأن المؤنث علامته فيما دون العشرة سقوط علم التأنيث، وأدخل العلامة في الثمانية لأن المذكر يدخل فيما دون العشرة منه علم التأنيث، وتذكير كل مؤنث ليس بأنثى جائز،
стр. 456
كقول الله :/ (فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) وقوله [تعالى]: (إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) إلا أن المعتاد أحسن.
وأما قوله: ودرع الحديد مؤنثة، ودرع المرأة مذكر، فإنما أنث درع الحديث؛ لأنها حلقة، ولذلك تسمى السابغة والشكة والفضفاضة واللأمة ونحو ذلك. وأما درع المرأة فذكر؛ لأنه قميص، والقميص مذكر. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ما يذكر ويؤنث. وقال "الخليل" كان بعضهم يذكر درع الحديد أيضا، وذا صغروهما لم يؤنثوا واحدا منهما رواية عن العرب، يقولون فيهما: دريع، وأنشد في تذكير درع الحديد، لأوس بن حجر:
وأبيض صوليا كنهي قرارة أحس بقاع نفح ريح فأجفلا
وأما قوله: يقال لهذا الطائر: قارية، والجميع: قوار، ولا تقل قارور؛ فإنه يعني الذي يسمى الشقراق. والعامة تسميه: القارور، كأنها تحكي صوته كما قال الراجز:
كأن صوت جرعهن المنحدر صوت الشقراق إذا قال قرر
وإنما سميت قارية؛ لأنها تقري في حواصلها الماء والعلف. وقال بعضهم: سميت قواري؛ لأن ألوانها كألوان الجرار الخضر، لأنهما تسمى القواري؛ واحدتها؛ قارية، وإنما سميت
стр. 457
هذه الجرار قارية؛ لما يقرى فيها من الطعام والشراب أيضا. وزعم "الخليل" أن بضعهم يقول: هي طير سود، كأنها السودانيات، سميت قارية لسوادها، وأن بعضهم قال: هي خضر، وأنشد لدريد في خضرتها:
سوابقها يخرجن من متنصب خروج القواري الخضر من سبل الرعد
وقال: أكثر ما يأكل هذا الطير العنب والزيتون، وهذا دليل على أنها سميت قواري؛ لما يقرى في حواصلها.
وأما قوله: عندي زوجان من الحمام، يعني ذكرا وأنثى، وكذلك كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر؛ فإن العامة تقول: عندي زوج من حمام، أي ذكر وأنثى، ولا تثني الزوج، وكذلك كل شيء بهذا المعنى، كقولهم: المقراض والجلم والنعل. ويزعم قوم من اللغويين أنه لا يجوز إلا مقراضان وجلمان ونعلان؛ لأن الواحد منهما لا يستغني عن الآخر. وقد أجاز بعضهم قول العامة في هذه الأشياء.
وتقول العامة أيضا للولدين يولدان في بطن واحد: توأم، ولا تقول: توأمان، على ما اختاره "ثعلب". وقال الله تعالى: (فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) ويفسر هذا: لونان ويحتمل أن يكون معنى زوجين أربعة. وقوله [تعالى]: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) يحتمل أن يكون معناه: احمل اثنين، وأن يكون بمعنى: احمل
стр. 458
أربعة. ومن هذا النحو قولهم: ضعف الشيء، يقال هو واحد، ويقال هو اثنان؛ لأنه بمعنى مثل، وسي، مما لا يستغني أحدهما عن الآخر. وقد أجاز "الخليل" أن يقال: هما توأمان، للوالدين.
والعرب تعني بالحلة ثوبين، لا تقول حلتان، وهذا مما كان حقه أن يذكر في باب ما يثنى.
وأما قوله: هم المسودة والمبيضة والمحمرة والمطوعة؛ فإن المسودة هم الذين يلبسون السواد من الجند وأعوان الشرط؛ لأنهم قد سودوا ثيابهم تسويدا. والمبيضة الذين يلبسون البياض؛ لأنهم بيضوا ثيابين فصاروا مبيضين، ولكن أنثوا؛ لأنهم جماعة، وكل جماعة مؤنثة، وصار علم التأنيث عوضا من الواو والنون. وكذلك المحمرة الذين يلبسون الحمرة. وكذلك يقال للأمراء الذين يسودون أعلامهم وراياتهم، أو يبيضونها. والعامة تقول كل ذلك، بفتح /عين الفعل، كأنهم مفعولون، قد سودهم غيرهم.
وأما المطوعة، فقوم يخرجون إلى المرابطات، يتطوعون بالجهاد، وقد طوعوا كما قال الله عز ذكره: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) وتطوعوا بفعلهم من ذات أنفسهم، أي تبرعوا بما لا يلزمهم. والعامة تفتح الواو في المطوعة، وهو خطأ. وقد يقال لهم: المطوعة، بتشديد الطاء أيضا؛ لأن الأصل: المتطوعة، فأدغمت التاء في الطاء؛ لتقارب مخرجيهما. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ما يكسر.
وأما قوله: يقول: كان ذاك عاماً أول يا فتى، وعام الأول إن شئت، فإن قولهم عاماً أول هو الأصل الجيد؛ لأن عاما نكرة، وأول وصف له نكرة مثله، والنكرة يوصف بالنكرة، وهما منصوبان على الظرف بكان، والمعنى كان ذلك في عام أول.
стр. 459
وأما قوله: عام الأول فخطأ في القياس؛ لأن الأول إنما هو صفة العام، وقد أضاف الموصوف إلى صفته، وهذا لا يجوز في شيء من الكلام؛ لأن الإضافة إنما تعرف المضاف بالمضاف إليه، والصفة لا تعرف موصوفها بالإضافة إليها. ولا يقول أحد من العرب هذا ثوب الجيد، ولا هذا فرس الفاره، ولا هذا حمار الأسود، ولا رجل البزاز ولا عبد الرومي، على إضافة الأول إلى الثاني، إلا أن تجعل هذه الصفة المضاف إليها صفة لاسم مضمر غير العام، كأنك تريد: فعل ذلك عام الحديث الأول وعام الخصب الأول، وعام الحديث الأول أو نحو ذلك، وهو مع ذلك رديء؛ لأن الموصوف لم يتقدم له ذكر، فتعرف به صفته. وليس يجوز أن يكون الأول صفة لعام، لأن عاما نكرة، والأول معرفة، ولا توصف النكرة بالمعرفة. والعامة لا تقول إلا "عام الأول"/ ولا تعرفه، ولا تعرف الإضافة ولا غيرها والوجه والصواب في هذا أن يدخل في عام الألف واللام أيضا، ثم يوصف بالأول فيقال: كان ذلك العام الأول، منصوبين على الظرف، أي في العام الأول، حتى يصح الكلام. وقد أجاز "ثعلب" قول العامة كما ترون. وقد كان يجب أن يذكر هذا في باب ما يضاف.
وأما قوله: هو المعسكر، بفتح الكاف، فإن العامة تكسر الكاف، وهو خطأ؛ لأنهم يريدون العسكر نفسه، أو موضع العسكر، وليس يعنون صاحب العسكر فيكون فاعلا مكسور الكاف. وإنما المعكسر بالفتح اسم المفعول، وهو العسكر، الذي قد عسكر صاحبه عسكرة، ومعسكرا. واسم فاعله: معسكر بالكسر، كما تقول: دحرجته دحرجة ومدحرجا وأنا مدحرج، والعسكر المجتمع الذي فيه السلاح والرجال والخيل، وكل مجتمع من شيء كثير فهو عسكره. ومنه قول طرفة:
بات في عسكرة من حبها
وأما قوله: أطعمنا خبز ملة، وخبزة مليلا، ولا تقل أطعمنا ملة؛ لأن الملة: الرمادة والتراب الحار؛ فإنه خبز يدفن في رماد حار أو في رمل حار حتى ينضج؛ وذلك الرماد
стр. 460
والرمل سمي الملة، وهو مصدر المرة الواحدة، وقد سمي به، وكان القياس أن يقال له: الممل أو المملة على مثال مفعل ومفعلة، فاستغنى عن ذلك باسم المرة الواحدة، على المجاز والتخفيف. فأما الخبزة المليل فهي المملولة، ولكنه عدل من المفعول إلى فعيل، وهو مثال يشترك فيه المذكر والمؤنث على لفظ واحد. ويقال فيه: قد امتل الرجل، إذا خبز خبز ملة، وقال الراجز:
يا صاحبي اشتويا وامتلا لا خير في اللحم إذا [ما] صلا
/وتقول: مللت اللحم والخبز أملهما ملا، والخبز مملول، وكل شيء يمل في النار مملول، قال الشاعر:
كأن ضاحيه بالنار مملول
والعامة تقول: أكلنا ملة. و"ثعلب" قد أنكر ذلك، وله في العربية مخرج صحيح؛ لأنه يجوز تسمية الممل بالملة على الاتساع. ويجوز أن يحذف المضاف ويقوم المضاف إليه مقامه، فيقال: أكلنا ملة، أي خبز ملة، كما قال الله تعالى: (واسْأَلِ القَرْيَةَ). وكان الواجب أن يذكر هذا في باب المشدد، وما لا يقال إلا بالإضافة.
وأما قوله: رجل آدر مثل آدم؛ فإن العامة تشدد الراء منه، وتقصر الألف، وهو خطأ؛ لأنه من الأدرة، على وزن فعلة، فآدر، على وزن أفعل منه، وهو الذي تنتفخ خصيته. ويقال: الذي له بيضة واحدة. ويقال: قد أدر أدرا وأدرة. واسم الخصية المنتفخة: الأدرة، بفتحتين.
وأما قوله: هي القازوزة، والقاقوزة، ولا تقل: قاقزة فإنه يعني القدح الطويل
следующие страницы →