← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1444

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

محمد راتب النابلسي

Полный текст (485 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إنّ العطفَ والحنانَ الذي يتلقّاه الطفلُ مِن أمِّه في أثناءِ الرضاعةِ يُكسِبُه رحمةً في قلبِه تنعكسُ على علاقاتِه بمَن حَوْلَه في مستقبلِ أيّامِه، ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] . قالَ العلماءُ: "الحدُّ الأدنى ستةُ أشهرٍ، والحدُّ الأتمُّ حولانِ كاملانِ". وصيغةُ (يُرْضِعْنَ) جاءتْ خبراً في معرضِ الأمرِ، أي: أيّتُها الوالداتُ أَرْضِعْنَ أولادَكُنَّ، وكلُّ أمرٍ في القرآنِ يقتضي الوجوبَ ما لم تكن هناك قرينةٌ تَنُصُّ على خلافِ ذلك. نقطةٌ دقيقةٌ: إذا حَدَثَ ما يمنعُ الرضاعةَ من الأمِّ، فالعلماءُ يقولون: "ينبغي أنْ تبحثَ له عن مُرضعةٍ، لا أنْ ترضِعَه من حليبِ البقرِ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، فالبديلُ ليس حليبَ القواريرِ، بل أنْ تبحثَ له عن مرضعةٍ، وهذه المرضعةُ ينبغي أن تكونَ صحيحةً جيدةً، وذاتَ عقلٍ كبيرٍ، وخُلُقٍ قويمٍ". وقد ألزمتْ حكوماتُ أكثرِ الدولِ معاملَ حليبِ الأطفالِ أن تكتبَ على كل عُبوةٍ: (لا شيءَ يَعْدِلُ حليبَ الأمِّ) . وقد أجرِيَ بحثٌ علميٌّ في بلدٍ متقدِّمٍ، قاسَ فيه الباحثونَ مستوى الذكاءِ الفطريِّ لدى عددٍ من الأطفالِ من شعوبٍ متعددةٍ، بالنسبةِ للإرضاعِ الطبيعيِّ والصناعيِّ، فكانتِ النتائجُ مدهشةً؛ حيث إنّ أطفالَ جزرِ الباسيفيك يتمتعون بأعلى نسبِ الذكاءِ من بينِ مجموعةِ الأطفالِ الذين تناولَهُم البحثُ، وذلك بسببِ أنهم لا يعرفونَ الإرضاعَ الصناعيَّ إطلاقاً، لقد صَدَقَ اللهُ إذ يقولُ: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . هذا منهجُ اللهِ ، إنه تعليماتُ الصانعِ، فما الذي يمنعُ العبدَ أن يطيعَ اللهَ ؟ وما الذي يمنعُه أن يكونَ مؤمناً، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] ، لذلك قالَ بعضُ العارفين: تَدَارَكْتَنا باللطفِ في ظلمةِ الحشَا ... وخيرَ كفيلٍ في الحشا قد كفَلْتَنَا وأسكنتَ قلبَ الأمهاتِ تعطُّفاً ... علينا وفي الثديين أجريتَ قوتَنا

стр. 107

وأنشأتنا طفلاً، وأطلقتَ ألسناً ... تترجِمُ بالإقرارِ أنك ربُّنا وعرَّفْتَنا إيّاكَ، فالحمدُ دائماً ... لوجهِك إذ ألهَمْتَنا منك رُشْدَنا لقد أسكنَ اللهُ في قلبِ الأمهاتِ رحمةً، وأَجْرَى في صدورهنّ حليباً، إنها رحمةٌ معنويةٌ، وغذاءٌ طبيعيٌّ. التعليل العلميّ لقاعدة "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " يقولُ تعالى كتابِه العزيزِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة وأمهات نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٢٣] . وعَنْ عَائِشَةَ ﵄ أنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، حَتَّى أَسْاَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ فَائْذَنِي لَهُ" قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ". إنّ هذين النَّصَّيْنِ - الآيةَ والحديثَ - يَدُلانِ على أنّ الرضاعةَ بشروطِها المعروفةِ تجعلُ الابنَ الرضيعَ ابناً للمرضِعِ، وأخاً لمَن يشاركُه في الرضاعةِ، وإنّ القرابةَ من الرضاعةِ تثبتُ، وتنتقلُ في النسلِ، في ضوءِ المعلوماتِ الحديثةِ التي جاءتْ بها الهندسةُ الوراثيةُ، وهي أحدثُ بحوثِ الطبِّ.

стр. 108

تؤكِّدُ الهندسة الوراثيةُ أنّ الرضاعةَ تنقلُ بعضَ الجيناتِ من المُرضِعةِ إلى الرضيعِ. وهذه القرابةُ التي جَعَلَهَا النبيُّ ﷺ في السُّنَّةِ كقرابةِ النسبِ، وجَعَلَها القرآنُ أيضاً كذلك، هذه القرابةُ سببُها العلميُّ انتقالُ الجيناتِ من حليبِ الأمِّ المرضعِ إلى الرضيعِ، هذه الجيناتُ تخترقُ خلايا الرضيعِ، وتندمجُ معَها في سلسلةِ الجيناتِ التي عندَ الرضيعِ، وتَصِلُ إلى مُورِّثاته. وقالَ العلماءُ: "إنّ الحليبَ يحتوي على أكثرَ من نوعٍ من الخلايا، وإنّ الجهازَ الوراثيَّ في الرضيعِ ينقلُُ الجيناتِ الغريبةَ، ويقبَلُها؛ لأنه غيرُ ناضجٍ، فإذا أرضعتِ امرأةٌ طفلاً اخترقَتِ الجيناتُ التي في حليبِها خلاياه، واستقرَّتْ فيها، ووصلَتْ إلى جهازِه الوراثيِّ"، فلذلك قال ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ". إنّ النبيَّ ﵊ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى، فكلُّ شيءٍ في القرآنِ، والسُّنَّةِ الصحيحةِ له أصلٌ علميٌّ، وقد عرفَ علماءُ الوراثةِ الآنَ أنّ هذا الحليبَ المؤلَّفَ من مجموعِ خلايا يخترقُ نُسُجَ الجنينِ إلى جيناتِه الأساسيةِ، ويندمجُ فيها، وأنّ جهازَه الوراثيَّ يتقبلُ كلَّ شيءٍ غريبٍ حتى يصبحَ كأنّه منهُ. فالنبيُّ ﷺ حينما قالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ" لم ينطقْ إلا عن وحيٍ أوحاهُ اللهُ إليه. الهيكل العظمي وانظر إلى العظام يقولُ ربُّنا سبحانه: ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ [البقرة: ٢٥٩] .

стр. 109

قالَ العلماءُ: "العِظامُ في مُجملِها مُركّبةٌ من مادّةٍ أساسيّةٍ هي الكالسيومُ، ولكنّ توزيعَ هذه المادّةِ مع مُتَمِّماتِها على شكلٍ آخرَ، فخَمْسةٌ وثمانون بالمئةِ من العِظامِ كالسيوم وفوسفات، وعشرةٌ بالمئةِ كالسيوم الكاربونات، وثلاثة بالألفِ كالسيوم الكلوريد، واثنان بالألفِ كالسيوم الفلوريد، وواحدٌ بالمئة فوسفات المغنزيوم، هذه نِسَبُ الكالسيوم مع المُتمِّماتِ في العِظامِ، وتِسْعةٌ وتسعون بالمئةِ من كالسيوم الجِسْمِ مُتَوَضِّعٌ في العِظامِ، ولكَنّ اِمْتِصاصَ الكالسيومِ من الأمعاءِ لا يتِمُّ إلا بهرمونٍ تفرِزُهُ غدَّةٌ صغيرةُ جِدّاً إلى جانبِ الغدّةِ الدرقيّةِ، فلو تعطَّلَتْ هذه الغدَّةُ الصغيرةُ جِدّاً التي اسْمُها جِوار الغدّةِ الدرقيّةِ لما أمْكَنَ امْتِصاصُ الكالسيوم من أمعاءِ المخلوقِ". شيءٌ آخرُ، توضُّعُ الكالسيوم في العظام يحتاجُ إلى فيتامين (د) ، فإذا لمْ يتوافرْ هذا الفيتامين أُصيبَ الطّفلُ بهَشاشةٍ في عِظامِهِ، أو بلينٍ في عِظامِهِ، وموْطِنُ الشاهدِ في الموضوعِ أنّ شكلَ العظامِ على شَكلِ شَوْكِيّاتٍ، وهذه الشَّوْكِيّاتُ تتداخلُ، وإذَا تداخلَتْ كَوّنَتْ جِسْماً متيناً لِدَرجةٍ متناهِيَةٍ، والحقيقة أنّ عظْمَ عنقِ الفخِذ يتحمّلُ ضغطاً يعادِلُ مئتين وخمسين كيلو تقريباً، ففي العظامِ خصائصُ المتانةِ والقوّةِ على نحوٍ عجيبٍ، قال ربُّنا : ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ . ننْشزُها أي: نجعلُها على شكلِ شوكيّاتٍ متداخلةٍ، حيث تبدو متينةً وقاسيَةً جِدّاً. ما زلنا نصرُّ على أنّ جسمَ كلٍّ منَّا فيه من الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ الشيءُ الكثيرُ، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . الهيكل العظميّ للإنسان

стр. 110

مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه هذا الهيكلُ العظميُّ الذي هو قِوامُ جسمِنا، إنه نسيجٌ متينٌ، يقاومُ قُوى الشدِّ، ونسيجٌ قاسٍ يقاومُ قُوى الضغطِ، هذا النسيجُ المتينُ القاسي أحدُ وظائفِه الكبرى أنه يحمي الأجهزةَ النبيلةَ، فالدماغُ من أنبلِ الأجهزةِ، وهو موضوعٌ في كرةٍ عظميةٍ هي الجمجمةُ، والنخاعُ الشوكيُّ جهازٌ نبيلٌ، موضوعٌ في العمودِ الفقريِّ، والقلبُ أخطرُ أجهزةِ الجسمِ موضوعٌ في القفصِ الصدريِّ، والرحمُ موضوعٌ في عظمِ الحوضِ، ومعاملُ كرياتِ الدمِ الحمراءِ موضوعةٌ في داخلِ العظامِ، ولولا الجهازُ العظميُّ لكان الإنسانُ كومةً من الجلدِ واللحمِ لا شكلَ لها. هذا الجهازُ مؤلَّفٌ من مئتي قطعةٍ، بِنيتُها قاسيةٌ، ومحكمةٌ من الخارجِ، ومَساميةٌ إسفنجيةٌ من الداخلِ، لو أنّ بِنيتَها من الداخلِ كما هي من الخارجِ لَكَانَ وزنُ أحدِنا أربعةَ أمثالِ وزنِه الطبيعيِّ، لو أنّ وزنَك الآن سبعون كيلو غراماً، يصبح مئتين وأربعين. يقولُ العلماءُ هذا القولَ الرائعَ: "في بِنيةِ العظم يتحقّقُ حدٌّ أقصى من النتائجِ، بحدٍّ أدنى من اللوازمِ، فهناك توازنٌ رائعٌ بين البُنيةِ المقاومةِ، والوزنِ الخفيفِ". الطائرةُ التي نركبُها تزنُ مئةً وخمسين طنّاً، وقُودُها يزنُ مئة وخمسين طنّاً، يكفيها أربع عشرةَ ساعةَ طيرانٍ، لو أنها صُنِعَتْ من ثلاثمئة طنٍّ من الحديدِ لاحتاجتْ إلى ثلاثمئة طنٍّ من الوقودِ. لو كان وزنُنا أربعةَ أمثالِ ما نحن عليه، فهناك مشاكلُ جماليةٌ، وهناك هدرٌ للطاقةِ بلا مسوِّغٍ. أغربُ ما في هذا الجهازِ أنّ هناك هدماً وبناءً مستمرَّيْنِ، حيث إنّ الإنسانَ يتجدَّدُ هيكلُه العظميُّ خمسَ مراتٍ في عمرٍ متوسطٍ، يعني كلَّ ستِّ أو سبعِ سنواتٍ لك هيكلٌ عظميٌّ جديدٌ كلياً بفعلِ عمليةِ الهدمِ والبناءِ.

стр. 111

إنّ الهدمَ والبناءَ المستمرَّ هو الذي يعينُ على التئامِ الكسورِ، وهذه من نعمِ اللهِ الكبرى، والهدمُ والبناءُ المستمرُّ هو الذي يجعلُ العظمَ مخزناً للكلسِ، فإذا احتاجتِ الأمُّ لتشكيلِ عظمِ وليدِها إلى كلسٍ إذْ لم يكن غذاؤُها كافياً من هذه المادةِ أَخَذَ الجنينُ من عظمِ أمِّه ما يشكِّلُ به عظمَه، فعمليةُ الهدمِ والبناءِ المستمرةُ من أجلِ أن يكونَ العظمُ مخزناً للكلسِ الاحتياطيِّ. وهناك هرموناتٌ تنظِّمُ نموَّ العظمِ، وتنظِّمُ إيقافَه عند حدٍّ معيَّنٍ، ولولا هذه الهرموناتُ لكان الإنسانُ قزماً، أو عملاقاً، وأقصرُ إنسانٍ طولُه خمسةٌ وخمسون سنتيمتراً، ويزنُ خمسةَ كيلو غرامات، عمرُه ثلاثةٌ وعشرون عاماً، وأطولُ إنسانٍ طولُه مئتان وأربعون سنتيمتراً، فالعملقةُ والقزميةُ لها علاقةٌ بهرمونِ النموِّ، وهذا شيءٌ دقيقٌ. الشيءُ الآخرُ، أنّ التعظُّمَ هو تحوُّلُ الغضروفِ إلى عظمٍ يبدأ من الحياةِ الجنينيةِ، ويستمرّ بعدَ الولادةِ إلى سنِّ اكتمالِ النموِّ الطوليِّ، من سبعة عشر عاماً إلى الواحد والعشرين، ويبقى في أطرافِ العظامِ طبقةٌ غضروفيةٌ، هي عند علماءِ الميكانيك ماصَّةٌ للصدماتِ، كقطعِ الكاوتشوك بين قطعِ الحديدِ، وبين كلِّ فقرتين من فقراتِ الظَّهرِ قرصٌ غضروفيٌّ يعملُ على امتصاصِ الصدماتِ، ليكسبَ الإنسانُ حياةً مريحةً. شيءٌ آخرُ مدهشٌ، ثمَّةَ عند المفاصلِ سائلٌ لزجٌ، ينزلقُ عليه سطحٌ لزجٌ من أجلِ سهولةِ حركةِ المفاصلِ، وهذا السائلُ يتجدّدُ تلقائياً من حينٍ لآخرَ، هذا الهيكلُ العظميُّ آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه. العظام والسلاميات في يد الإنسان من الآياتِ المدهشةِ التي تلفتُ النظرَ، وتعظِّمُ خالقَ الإنسانِ، هذه اليدُ التي نملكُها قال العلماءُ: "في اليدِ خمسةُ أصابعَ، وفي كل أصبعٍ ثلاثُ سلامياتٍ إلاَ الإبهام، فهو مكوَّنٌ من سلاميتين"، وهنا السرُّ. ربما لا تصدِّقُ أنَّ حضارةَ الإنسانِ التي يزهُو بها متعلقةٌ بهذا الإبهامِ، والإبهامُ مما يتفردُ به الإنسانُ دونَ بقيةِ المخلوقاتِ.

стр. 112

على السُّلامَى الثانيةِ في هذا الإبهامِ يرتكزُ وترٌ مع عضلةِ قابضٍ طويلٍ يطوي السُّلامَى الثانيةَ، فيعطي الإبهامَ رشاقتَه، ودقّتَه التي يتفوق بها الإنسانُ على سائرِ المخلوقاتِ. بسببِ دقّةِ بناءِ اليدِ انطلقتْ هذه اليدُ لتؤدِّيَ مهماتٍ لا حصرَ لها. لولا هذا الإبهامُ لَمَا كان لهذه الأصابعِ من قيمةٍ، جرِّبْ أنْ تكتبَ دونَ إبهامٍ، أو أنْ تخيطَ دون إبهامٍ، أو أَن ترتديَ ثيابَك دونَ إبهامٍ، أو أن تعملَ على آلةٍ دونَ إبهامٍ، فإنك لن تستطيعَ شيئاً، هذا صنعُ اللهِ الذي أتْقَنَه: ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] . إنّ مفصلَه الكرويَّ يعطيه المرونةَ الفائقةَ، والسلاميتانِ الاثنتانِ مزوَّدَتان بما لا يقلُّ عن خمسةِ أوتارٍ، ممّا يمنحُه الحركةَ برشاقةٍ في كلِّ الاتجاهاتِ، من البسطِ، والقبضِ، والتبعيدِ، والتقريبِ، والدورانِ، والإمساكِ، والمقابلةِ. لو أنَّ ضارباً على جهازِ الحاسوبِ جلسَ ستَّ ساعاتٍ يضربُ على أزرارهِ لَبَذَلَ هذا الإبهامُ جهداً يساوي المشيَ على قدمَيْهِ أربعين كيلو متراً، وهو لا يدري. قالَ أحدُ العلماءِ الغربيين: "هذا الإبهامُ العجيبُ هو الذي فَتح لنا هذا العالَمَ العجيبَ"، فزاد معرفتَنا باللهِ ، وعظمتِه، ووحدانيتِه، وإنّ هذه الأداةَ العجيبةَ - اليدَ - فيها مجموعةٌ من العظامِ، والأوتارِ، والعضلاتِ، والأعصابِ، والشرايينِ، والأوردةِ، والعروقِ اللمفاويةِ. في اليدِ سبعةٌ وعشرون عظماً، وثمانيةٌ وعشرون مفصلاً، وثلاث وثلاثون عضلةً. أمّا عظامُ الرسغِ فسبعةٌ، وهذا الرسغُ أيضاً يعطي اليدَ الحركةَ في كلِّ الاتجاهاتِ، ولولا هذا الرسغُ لَمَا كان لهذه اليدِ من معنًى، ولو أنها باتِّجاهٍ واحدٍ لفَقَدَتْ معظمَ خصائصِها. تمرُّ شبكةُ سقيٍ وترويةٍ دمويةٍ مِن أبدعِ ما خَلَقَ اللهُ ، وتصبُّ هذه الشبكةُ في نهرين عظيمين على حافَتي الرسغِ، في شلالَيْنِ متعانقين متضافرين، يتوزع على الوريدِ والشريانِ شبكةٌ دقيقةٌ جداً في اليدِ، ففي أيِّ مكانٍ وضعتَ رأسَ إبرةٍ يخرجُ الدمُ، معنى ذلك أنّ هناك شبكةً دقيقةً جداً.

стр. 113

وأمّا المنظِّمُ فهي شبكةٌ عصبيةٌ محكمةٌ، متدفقةٌ من ثلاثِ كبلاتِ أعصابِ المتوسطِ، والزندي، والعكبري، تستقبلُ الحسَّ، وتوجِّه الحركةَ، وهناك نظامٌ إراديٌّ، ونظامٌ لا إراديّ مرتبطٌ بالفعلِ المنعكسِ الشرطي، لو درسْنَا هذه اليدَ لوجدناها آيةً من آياتِ اللهِ . هذه الحضارةُ، هذه الصناعاتُ، هذه الآلاتُ، لا معنى لها دونَ يدٍ، واللهُ ﷻ كرَّمَ الإنسانَ بهذه اليدِ، وهذه من أقربِ الآياتِ إلينا، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . ارتباط عظم الفخذ بعظم الحوض قال العليم الخبير: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٨] . وقد ذُكِرَ في بعضِ كتبِ الطّبِ أنّ عظْمَ الفخِذ له عنقٌ، وهذا العنقُ يتحمّلُ من قُوَى الضّغطِ ما يزيدُ على مئتين وخمسين كيلو غراماً، أيْ إنّ الإنسانَ بِعَظْمَي الفخِذ، ولا سيما عنقِ الفخذِ الموصولِ بالحوضِ، والذي يُعدّ أمْتَنَ قِسْمٍ في الجهازِ العظميِّ في الإنسانِ؛ يستطيعُ أنْ يتحمَّلَ قُوى ضغطٍ تزيد على مئتين وخمسينَ كيلو غراماً. أمّا طريقةُ ارْتِباط هذا العظمِ؛ عَظْمِ الفخذِ بِعَظمِ الحوضِ فشيءٌ يدعو إلى العجب. لو جئنَا بِكُرةٍ نحاسيّةٍ، وشطرْناها شَطريْن، وفرَّغنا الهواءَ مِن داخلِها، ثمّ أحْكَمْنا إغلاقَها، فإنَّ ثمانيَةَ أحْصِنَةٍ يتحرّكون بِجهتينِ متعاكِسَتينِ لا يستطيعون فصْلَ جزئِها الأوّلِ عن جزئِها الثاني، لماذا؟ لأنَّها فرِّغَتْ من الهواءِ، ولأنّ الضّغطَ الخارجيَّ يضغطُ عليها بهذه الطريقةِ البديعةِ. لقد أُحكِم بناءُ جسمُ الإنسانِ، ولا سيما الهيكلِ العظميِّ إحكاماً بالغَ الدقَّةِ والمتانةِ، عن طريقِ العضلاتِ، والأوتارِ، والأربطةِ والجلدِ، وتناسبِ رؤوسِ العظامِ مع تجاويفِها، فلو حمل أبٌ ابنَه من يدِه بشدَّةٍ فإنّ ارتباطَ المرفقِ بتجويف الكتفِ ارتباطٌ متينٌ، يتحمَّلُ أضعافَ وزنِ الطفلِ.

стр. 114

والعِظامُ فيها متانةٌ عجيبةٌ، وفيها تحمّلٌ عجيبٌ لِقُوى الضّغطِ، وارْتِباطُ العظامِ بعضِها ببعْضٍ شيءٌ يَلفتُ النَّظَرَ، وربما أشارَ إلى معنى من معاني قولَه الله تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ . العضلات حينما يتحرَّكُ الإنسانُ من مكانٍ إلى مكانٍ، يرفعُ ثقلاً، أو يؤدِّي عملاً، فما سرُّ هذه الحركةِ، وما سرُّ هذا العملِ؟ إنه كامنٌ في العضلاتِ، حينما تقفُ عندَ القصَّابِ، وتشتري اللحمَ، فهذا اللحمُ الذي تشترِيه هو العضلاتُ، واللهُ بحكمةٍ بالغةٍ جَعَلَ هذه العضلةَ مؤلَّفةً من ملايينِ الأليافِ، لو سَلَقْتَ اللحمَ لوجدتَهُ مُؤَلَّفاً من خيوطٍ، كلُّ خيطٍ ليفٌ، وكلُّ ليفٍ ينتهي بعصبٍ، فإذا جاءَ الأمرُ مِنَ المخِّ، أو من الجهازِ العصبيِّ إلى هذا الليفِ، فإنه ينقبضُ، ومعنى ينقبضُ أي يتقلَّصُ إلى ستين في المئةِ مِن طولِه، فيبقى أربعون، فإذا كان طولُ الليفِ عشرةَ سنتمتراتٍ فإنَّه يصبحُ أربعةً عند التقلُّصِ. إنّ تقلُّصَ العضَلةِ - والعضلةُ مربوطةٌ بالعظمِ - يؤدِّي إلى تحريك العظمِ، فلولا هذه الخاصّةُ التي أَودعَهَا اللهُ في العضلاتِ لكانَ الإنسانُ كقطعةِ الخشبِ الملقاةِ على الأرضِ، لا حركةَ له، أمّا حركةُ العضلاتِ الإراديةِ، حركةُ الأطرافِ، أنْ تديرَ رأسَك، أنْ تحركَ يديك، فإنّ هذه الحركة أساسُها الجهازُ العظميُّ، كل عظمٍ مرتبطٌ فيه عضلتان، عضلةٌ تحرِّكه نحو اليمينِ مثلاً، وعضلةٌ تحرّكُه نحو اليسارِ، عضلةٌ قابضةٌ، وعضلةٌ باسطةٌ، ما هذا السرُّ؟

стр. 115

حتى هذه الأيامِ لم تُعرَفْ طريقةُ تحوّلِ الغذاءِ الموجودِ في الخلايا العضليةِ إلى عملٍ، أو إلى حركةٍ؟ هذا سرٌّ لم يُكشَفْ عنه بعدُ، عضلةٌ تنتهي بعصبٍ، فإذا جاءَ الأمرُ العصبيُّ بالتحرّكِ فإنها تنقبضُ، فإذا انقبضتْ تحرّكَ معها العظمُ، وتحركَ الإنسانُ، قد تكونُ جالساً فترى ابنَك يقتربُ من المدفأةِ، فتقومُ إليه، أدركتَ الخطرَ، فجاءَ أمرٌ من المخِّ إلى العضلاتِ، فتحركتِ العضلاتُ، فَسِرْتَ إليه، ثم حملتَه بيديك، وأبعدتَه عن المدفأةِ، هذا الشيءُ الذي نفعلُه، ولا نفكِّر فيه عمليةٌ معقدةٌ جداً. قالَ العلماءُ: "في كلِّ عضلةٍ متوسطةٍ عشرةُ ملايين ليفٍ، وللإنسانِ ستمئة عضلةٍ خمسمئة منها إراديةٌ، أي تعملُُ بإرادتِك، ومئةٌ منها لا إراديةٌ"، فإذا كنتَ في غرفةٍ مظلمةٍ، ثم أُضِيئَتْ، ونظرتَ إلى عينكَ بالمرآةِ، ترى حدقةَ العينِ تضيقُ، وتضيقُ، هل بإمكانِك أنْ تبقيَها واسعةً؟ هل بإمكانِك أنْ تمنعَ تضيُّقَها، لا، فقزحيةُ العينِ عضلةٌ، ولكنْ ليستْ حركتُها بإرادتِك. والأمعاءُ تتحرّكُ، والأجهزةُ تتحركُ، والرئتان تتحرّكان، وأنت لا تدري، هذا الخلقُ المتقَنُ، صنْعُ اللهِ، الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ الطاعَة؟ الإنسانُ يمشي، وإذا صعدَ من طابقٍ إلى آخرَ يكونُ قد رَفَعَ جسمَه البالغَ سبعينَ كيلو غراماً ثلاثةَ أمتارٍ، هذا يساوي في القوةِ المحركةِ حصاناً ونصفاً تقريباً، فبذلُ جهدٍ مقياسُه هذا الرقمُ أمْرٌ في غاية الإعجازِ، فحينما يتحرك الإنسانُ، وحينما يأكلُ، وحينما يستلقِي، وحينما يمشي، وحينما يحملُ، يجبُ أنْ يفكِّرَ: ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ [الطارق: ٦-٧] ، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤-٥] .

стр. 116

إنّه بالتفكُّرِ في موضوعِ العضلاتِ وحْدَه يكفي أنْ تؤمنَ باللهِ ، فلولا العضلةُ لَمَا كانَ لصاحبِ حرفةٍ حرفةٌ، ولولا العضلةُ لَمَا أُنشئتْ هذه الأبنيةُ، ولَمَا وجدتَ على وجهِ الأرضِ شيئاً مِن صنعِ البشرِ، واللهُ جَعَلَ الحركةَ والعملَ منوطاً بهذا الجهازِ العضليِّ الذي يتقلصُ بتأثيرٍ عصبيٍّ، أمّا كيفَ يتحوّلُ الغذاءُ إلى عملٍ فهذا ما لم يُعَرفْ حتى الآن. الدماغ الدماغ ونعمة الانتباه والاعتياد يقولُ ربُّنا : ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، لم يَقُلْ: نِعَمَ اللهِ، بمعنى أنكم لو ذهبتُم طوالَ عمرِكم إلى تعدادِ خيراتِ النعمةِ الواحدةِ لا تُحصون ذلك، فإن كنتمْ عاجزين عن إحصاءِ خيراتِ نعمةٍ واحدةٍ فأنتم عن شُكْرِها أعْجَزُ. مَن مِنَّا يُصدّقُ أنَّ في الدّماغِ البشريِّ خصائصَ لو فُقِدَتْ إحداها لكانَتْ حياتُنا جحيماً، من هذه الخصائصِ خاصّةُ الانتباهِ، وخاصّةُ الاعتيادِ، خاصَّتان متناقضتان، فالانتباه يركّزُ الإنسانُ به على مفهومٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ.

стр. 117

وكتجرِبةٍ بسيطةٍ، ضَعْ آلةَ تسجيلٍ على النافذةِ المطِلَّةِ على الشارعِ، واجْلسْ مع أخٍ، وتحدّثْ معه في موضوعٍ دقيقٍ مهمٍّ نصفَ ساعةٍ من الزّمَنِ، وبعدَها قلْ: ما الذي حدثَ في الشارعِ حين كنت تتحدَّثُ؟ فيقول: ما سمعتُ شيئاً، افْتحِ المسجّلةََ تسمعُ أصواتاً، وباعةً، وحوادثَ، وصياحاً، كل هذه الأصواتِ أنت ما سمِعتَها، فما تفسيرُ ذلك؟ الصّوتُ دخلَ إلى الغرفةِ، ولامسَ غشاءَ الطّبلِ، واهتزّ غشاءُ الطّبْلِ، ونُقِلَ الصوتُ إلى الدّماغِ، وأنت لم تسمعْهُ! فهذه الظاهرةُ اسمُها الانتباهُ، أيْ إنّ الإنسانَ يركِّزُ انتباهَه على مفهومٍ واحدٍ، في وقتٍ واحدٍ، وقد سمَّى العلماءُ هذه الظاهرةَ الوَعيَ الانتقائيَّ، فالدّماغُ يغلقُ جميعَ منافذِ المعلوماتِ التي لا علاقةَ لها بالموضوعِ المَعنيِّ، يغلقُ منْفذَ السَّمْعِ، ومنفذَ البصَرِ، ومنفذَ الإحساسِ، كلُّ هذه المنافِذ تُغلَقُ، ويبقى الموضوعُ المَعنيُّ مفتوحاً، ويسمحُ الدّماغُ بالمرور للذّكرياتِ ذاتِ العلاقةِ بالموضوع فقط. كيف يسدُّ الدِّماغُ كلَّ منافذِ المعلوماتِ، ويسمحُ فقط للمعلوماتِ التي لها علاقةٌ بهذا الموضوعِ؟ هذا هو الوَعيُ الانتقائيُّ، الانتباهُ.

стр. 118

وقالَ العلماءُ: "هناك حالةٌ أعقدُ من ذلك، هناك تركيزٌ دائمٌ، فهذه الأمُّ المرضِعُ تنتبهُ لصوتِ بُكاءِ ابنِها الرّضيعِ من بينِ أشدِّ الأصواتِ صخباً، فلا يوقِظُها إلى صوتُ ابنِها الرّضيعِ، قد يُغلقُ بابٌ، وقد يحدثُ ضجيجٌ، وهي نائمةٌ فلا تستيقظُ، فإذا سمعَتْ صوتَ ابنِها الرّضيعِ يبكي تهبُّ واقفةً"، فما تفسيرُ ذلك؟ تفسيرُ هذه الحادثةِ علميّاً صعبٌ جِدّاً، فهناك صوتٌ أشدُّ لم يوقِظْها، قالوا: هذه حالةٌ أخرى، إنها التركيزُ الدائمُ، أحياناً السائقُ له حساسيّةٌ عجيبةٌ للصوتِ الطارئ في سيارتِه، ما هذه الحساسيّةُ؟ هناك تركيزٌ دائمٌ على بعضِ الموضوعاتِ، فالأمُّ يوقظُها صوتُ ابنِها الرّضيعِ، وصاحبُ الآلةِ يوقظهُ صوتٌ غريبٌ في الآلةِ، هذه الظاهرةُ اسمُها الانتباهُ، ولولاها لَمّا أمكَنَنَا أنْ نفكِّرَ تفكيراً صحيحاً، الطلاّبُ في الصفِّ ينصرفون إلى أستاذِهم، والأصواتُ خارجَ الصفِّ لا تُحتملُ، بِفَضْلِ ما أودعَ اللهُ فيهم من خاصّةِ الانتباهِ. على عكسِ ذلك، لو أنّ إنساناً يعملُ في معملٍ، ولو أنّ هذه الأصواتَ تُحدثُ فيه تنبيهاتٍ مستمرّةً لأصبَحَتْ حياتُهُ جحيماً لا يُطاقُ، لذلك يعتادُ صاحبُ الطاحونةِ على الاستيقاظ عند توقفِ الطاحونةِ مثلاً، هذه الظاهرة هي الاعتيادُ، وحتى هذه الساعةِ لا يعرفُ العلماءُ طريقةَ تثبيتِ هذه التنبيهاتِ الصوتيّةِ، وإخمادِها دون أنْ تصلَ إلى الدّماغِ، هؤلاء الذين يعملون في المعاملِ ذاتِ الضجيجِ العالي، هؤلاء الذين يعملون في المطاراتِ، يعملون في الطواحينِ، لهم بيوتٌ تطلُّ على شوارعَ مزدحمةٍ، كيف ينامون؟ هناك خاصّةٌ في الدّماغِ تثبّطُ هذه التنبيهاتِ وتخمدُها، ولا توصلُها إلى الدّماغِ مركزِ التنبّهِ، وهذه الظاهرةُ اسمُها الاعتيادُ، أيْ تجاهلُ المنبّهِ بعدَ مرورِ فترةٍ معيّنةٍ، على الرّغمِ من استمرارِه. هاتان الظاهرتان في الدّماغِ لولاهما لأصبحَتْ حياتُنا جحيماً، قالَ الله : ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] .

стр. 119

هناك نعمةُ التفكيرِ، ونعمةُ التخيُّلِ، ونعمةُ التصوُّرِ، ونعمةُ المحاكمةِ، ونعمةُ التذكّرِ، ونعمةُ الإدراكِ، ونعمةُ الإحساسِ، ونعمةُ الانتباهِ، أي التركيز، ونعمةُ الاعتيادِ، أي التجاهل، هاتان نعمتان من فضلِ اللهِ علينا أودعَهُما فينا. المخيخ إنّه موضوعٌ قلَّما يخطرُ في بالِ إنسانٍ، موضوعُ المُخَيْخِ. لو نظرتُم إلى المُخَيْخِ لرأيتُم كومةً من الخيوطِ، لا يزيدُ وزنُها على مئةٍ وخمسين غراماً، ولكنْ لها دورٌ خطيرٌ في حياتِنا، إلى درجةٍ تفوقُ حدَّ الخيالِ، وقد عَرَفَ العلماءُ وظيفتَه مِن خلالِ بعضِ التجارِبِ، فَسَمَّوْهُ مركزَ توافقِ وانسجامِ حركاتِ البَدَنِ، ولا يتدخّلُ المخيخُ في الأعمالِ الذهنيةِ، لأنّ هذا من اختصاصِ قشرةِ المخِّ. لو أنّ المخَّ أعطى أمراً بإدارةِ قرصِ الهاتفِ، أو بفتحِ بابِ سيارة، مَن الذي يحدِّدُ مقدارَ الجهدِ الذي يحتاجُه هذا العملُ؟ إنه المخيخُ، كيف أنّ المهندسَ المعماريَّ يرسمُ البناءَ، وكيف أنّ المهندسَ المدنيَّ، يُجرِي الحساباتِ الدقيقةَ؛ حساباتِ الإسمنتِ، وحساباتِ الحديدِ، وقُطرِ الدعائمِ، كذلك المخيخُ جهازٌ معقدٌ جداً، يحسبُ للمخِّ الحساباتِ الدقيقةِ، لتنفيذِ الأعمالِ التي يأمرُ بها، فإنّ المخيخَ هو مركزُ توافقِ وانسجامِ حركاتِ البدنِ، فعندما تقفُ على قدميك فهذه نعمةٌ، وكثيرٌ مِنَ الناس لا يقدِّرونها.

стр. 120

قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ الوقوفَ على القدمين حركةٌ بهلوانيةٌ عجيبةٌ"، كيف؟ هناك جهازٌ في باطنِ الأذنِ اسمُه جهازُ التوازنِ، فيه قنواتٌ ثلاثٌ نصفُ دائريةٍ، تمثِّلُ اتجاهاتِ الفراغاتِ، فيها سائلٌ، وفيها جُسيماتٌ، تتحَسَّسُ بحركةِ السائلِ، هذا الجهازُ يعطي المخيخَ وضعَ الجسمِ، أهو قائمٌ، أم مائلٌ؟ أهو جالسٌ، أم نائمٌ؟ وكذلك الأعصابُ، والعضلاتُ، والمفاصلُ، والعظامُ تخبرُ المخيخَ بأحوالِها، وأوضاعِها، فيأتي المخيخُ، ويجعلُ من هذه المعلوماتِ، ومن هذه الحركاتِ كُلاًّ منسجماً؛ لذلك قالَ العلماءُ: "إنّ الوقوفَ البسيطَ يُعَدُّ حركةً بهلوانيةً عجيبةً"، بدليلِ أنّ الميتَ لا يمكنُ أن يقفَ على قدميهِ، فوقوفُ الإنسانِ تسهِمُ فيه مجموعةٌ عجيبةٌ من الأجهزةِ، أنْ تقفَ على قدميك، وأنْ تسيرَ، وأنْ تنحنيَ، وأنْ تقعدَ، وأنْ تجلسَ، وأنْ تميلَ يمنةً أو يسرةً، هذه أعمالٌ بالغةُ التعقيدِ. لو أنّنا خَرَّبْنَا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبةِ عَدَسٍ مِن مخِّ طائر لَسَقَطَ فوراً، ولَمَا استطاعَ أنْ يطيرَ، لو خرَّبنا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبّةِ عدسٍ لَمَا استطاعَ الإنسانُ أنْ يقفَ على قَدَمَيْنِ أبداً، بل يقعُ، لذلك يعرفُ الأطباءُ أنّ هناك خللاً في المخيخِ من طريقةِ مشيِ المريضِ، إنه يباعدُ بينَ رِجْلَيْهِ، ليوسِّعَ سطحَ استنادِه، يقالُ للمريضِ في مُخيخِه: ضعْ رأسَ أصبعِك على أنفِك، فلا يستطيعُ، وتضطربُ حركتُه، قال العلماءُ: "هذا اسمُه رجفانٌ قصديٌّ"، وهو مرضٌ يصيبُ الإنسانَ بسببِ خللٍ في مُخَيخِه، تعطيهِ فنجانَ القهوةِ مثلاً فترجفُ يدُه عند إمساكِه، إنّ هناك خللاً في مركزِ تنسيقِ التوازنِ في حركاتِ الجسمِ.

стр. 121

لو أنّنا خربّنا جزءاً من المخيخِ لاضطربتِ الرؤيةُ، ولَمَا استطاعَ الإنسانُ أنْ يركِّزَ بُؤْبُؤَ عينِه على سطرٍ ليقرأَه، هذا مرضٌ سمّاه العلماءُ الرأرأةَ، ولو أننا خرّبنا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبّةِ عدسٍ لاضطربَ مشيُ الإنسانِ، ولأصيبَ بحالةٍ اسمُها الترنُّحُ، يمشي كمِشيةِ السكرانِ، لو خرّبنا جزءاً يسيراً من المخيخِ لاضطربَ جهازُ النطقِ، ولأصيبَ المتكلمُ بالفأفأةِ، والتأتأةِ، والحبسةِ، وما إلى ذلك، من منا يقدِّرُ هذا الجهازَ الخطيرَ، الذي يقبعُ في الجمجمةِ؟ سمّاه العلماءُ المخيخَ، لا يزيدُ وزنُه على مئةٍ خمسين غراماً، كخيوطٍ مشتبكةٍ، هو الذي ينسِّقُ، ويحسبُ المقدارَ الدقيقَ المطلوبَ من الجهدِ، حينما تقلِبُ صفحةً في كتابٍ، وحينما تقلبُ كيساً مملوءاً، وزنُه خمسون كيلو غراماً، فهل هذا الجهدُ كهذا الجهدِ؟ لقد أعطى الدماغُ أمراً بقلبِ هذا الكيسِ، أو قلبِ هذه الصفحةِ، مَن الذي يحدِّدُ بالضبطِ أنّ قلبَ الصفحةِ يحتاجُ إلى جهدٍ لا يزيدُ على غراماتٍ، في حين أن قلب كيسِ السُّكرِ يحتاجُ إلى جهدٍ كبيرٍ؟ كأنَّ الدماغَ مهندسٌ معماريٌّ، وكأن المخيخَ مهندسٌ مدنيٌّ، يحسبُ الأمتارَ، وحاجاتِ البناءِ، مِنَ الإسمنتِ، والحديدِ، ومساحاتِ الدعائمِ، وما إلى ذلك. آياتٌ كبيرةٌ في داخلِ الإنسانِ، تُعْجِزُ ذوي الألبابِ، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: ٢١] . أنْ تمشيَ في الطريقِ، هل تعرفُ أنّ هذه نعمةٌ، لو فَقَدْتَها لعرفتَ قيمتَها؟ أنْ تمشيَ على قَدَمَيْكَ، أنْ تقفَ، أنْ تجلسَ، أنْ تنحنيَ، أنْ تصلِّيَ، أنْ تركعَ، أنْ تسجدَ، أنْ تقعدَ القعودَ الأخيرَ، إنّ هذه الحركاتِ حركاتٌ بالغةُ التعقيدِ، ولولا المخيخُ لَمَا أمكنَكَ أنْ تقفَ، ولا أنْ تجلسَ، ولا أنْ تميلَ، ولا أنْ تقعدَ، ولا أنْ تضطجعَ، ولا أنْ تتكلمَ، ولا أنْ تنظرَ، كلُّ هذه النشاطاتِ الحركيَّةِ تقوم بِها لأنَّ المخيخَ مركزُ تنسيقِ وانسجامِ حركاتِ البدنِ بشتَّى أنواعِها، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: ٢١] .

стр. 122

لولا المخيخُ لَمَا أمكنكَ أنْ تركبَ الدّراجةَ، لأنه بمجردِ أن تميلَ مسافةً يسيرةً، يأتي الأمرُ من الدماغِ بتعديلِ حركةِ المقودِ، ليستعيدَ التوازنَ، هذه مِن آياتِ اللهِ الكبرى. وقد قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ الدماغَ أعظمُ كائنٍ على وجهِ الأرضِ، وهو مسؤولٌ عن الحركاتِ الذهنيةِ؛ عن التفكيرِ، عن المحاكمةِ، وأمّا المخيخُ فهو مسؤولٌ عن الحركاتِ العضليةِ". ثبات خلايا الدماغ إنّ ثباتَ شخصيةِ الإنسانِ نعمةٌ لا تُقدّرُ بثمنٍ، وقلَّ مَن ينتبهُ إليها، ذلك أنّ خلايا الجسمِ، الخلايا العظميةَ، والنسجَ، والعضلاتِ، والأجهزةَ، حتى الشعرَ، وأيّةَ خليةٍ في الجسمِ تتبدّلُ مِن خمسٍ إلى سبعِ سنواتٍ، فأنت بعدَ سبعِ سنواتٍ إنسانٌ آخرُ، ليس في جسمِك خليةٌ واحدةٌ قديمةٌ، فعظمُك يتبدّلُ، وجلدُك يتبدّلُ، وشَعرُك يتبدّلُ، وأقْصرُ عمرِ خليةٍ في جسمِ الإنسانِ خليةُ بطانةِ الأمعاءِ، الزغابات تتبدّلُ كل ثمانٍ وأربعين ساعةً، أي في كلِّ ثمانٍ وأربعين ساعةً هناك زغاباتٌ جديدةٌ، وأَطْولُ هذه الخلايا تعيشُ سبعَ سنواتٍ، أو خمسَ سنواتٍ، معنى ذلك أنك تتبدَلُ تبدُّلاً جذرياً كلّ سبعِ سنينَ على أرجحِ الأقوالِ، فإذا تبدّلَ دماغُك نسيتَ اختصاصَك، ونسيتَ حِرفَتَك، ونسيتَ معارِفَك، ونسيتَ أولادَك، ونسيتَ خبراتِك، ونسيتَ ذكرياتِك، ونسيتَ سببَ رزقِك، ولا تعرفُ مَن هي زوجتُك، ولا مَن هم أولادُك، فلحكمةٍ بالغةٍ بَالغةٍ لا تتبدّلُ خلايا الدماغِ، لأنها لو تبدَّلتْ لكانت مصيبةً كبرى، ويقول الإنسانُ عندها: واللهِ كنتُ طبيباً فَفَقَدْتُ اختصاصي، وكنتُ مهندساً، وكنتُ خطيباً، كنتُ تاجراً، لو أنّ هذا التبدُّلَ يقعُ في الدماغِ لَذَهَبَتْ شخصيةُ الإنسانِ، هناك نِعَمٌ لا تعدُّ ولا تُحصى، نحن عنها غافلون، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] ، وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] . من بديع آلاء الله ... القشرة المخيّة

стр. 123

في الدِّماغِ شيءٌ يُسَمَّى القِشْرةَ المخيّةََ، سُمِّيَتْ كذلك لأنّها قِشْرةٌ فِعلاً، لا يزيدُ سمكُها على مليمترين، هذه القشرةُ المخيّةُ فيها أربعةَ عشرَ مليارَ خليّةٍ، مُرتَّبةً في سِتِّ طبقاتٍ متوالِيَةٍ، لا يزيدُ وزْنُها الكليُّ على مئةِ غرامٍ، تبْدو معرّجةً نتيجةَ ترتيبِها على هذا الشكلِ، حيثُ تُسمّى التلافيفَ، من أجلِ أنْ تقلَّ المساحاتُ. مِمَّا يَلْفِتُ النَّظَرَ أنّ في هذه القِشْرةِ أليافاً عصبيّةً يزيدُ طولُها على ألفِ كيلو مترٍ!!! هذه الطبقةُ الرقيقةُ جدّاً تتحكّمُ في أخْطَرِ الوظائفِ، بل تُحَدّدُ سُلوكَ الفردِ وميُولَهُ، وتُعينُهُ على النّطقِ والبيانِ، وتُعينُهُ على التّعلمِ، والحِفظِ، والتذكّرِ، والإبداعِ، والاختراعِ، والتدبيرِ، وتُعينُهُ على الإحساسِ، والتحرّكِ، والسّمعِ، والبصرِ، ويقدِّرُ العلماءُ أنّ في هذه القشْرَةِ من خمسينَ إلى مئةِ مركزٍ، هذا الذي عُرِفَ حتى الآن؛ مركزُ السَّمعِ، ومركزُ البصرِ، ومركزُ التذكّرِ، ومركزُ المحاكمةِ، ومركزُ الحركةِ، وتتحكَّمُ في أخْطَرِ الوظائفِ، في الإحساسِ، وتلقِّي الأحاسيسِ الخارجيّةِ، وفي الحركةِ، وكما قيل: أتَحْسبُ أنَّك جِرْمٌ صغيرٌ ... وفيك انْطَوى العالَمُ الأكبرُ أمّا خلايا الدّماغِ فتزيدُ على مئةٍ وأربعين مليارَ خليّةٍ اسْتِنادِيَّةٍ، لمْ تُعْرَفُ وظيفتُها بعْدُ، وربّما يقال: إنَّ الدِّماغَ هو أعْقَدُ ما في الإنسانِ، بل هو أعقَدُ ما في الكونِِ، وقد قيلَ: إنّ الدِّماغَ بإمكانِهِ أن يسْتَوْعِبَ من المعلوماتِ بِعَددِ ذرّاتِ الكونِ، وإنَّ أكْبرَ العباقرةِ، وأكبرَ المخترعين لم يستخدمْ مِن دماغِهِ إلا الجزءَ اليسيرَ، فهذا الدِّماغُ إذا عطَّلْناهُ، أو أَسَأْنَا اسْتخدامَهُ، لم يكن كما أراده خالقُه أداةَ معرفةِ اللهِ ، أداةً توصِلُنا إلى السلامةِ في الدنيا، والسعادةِ في الآخرةِ، عندئذٍ كم تكونُ الخسارةُ عظيمةً حينما نُعَطِّلُ عقولَنا، ونَنْساقُ وراءَ شهواتِنا. مادة يفرزها الدماغ تعطل الألم (بوابات الألم)

стр. 124

اكتشفَ العلماءُ أنّ في دماغِ الإنسانِ مادةً مخدِّرةً، إذا بلغَ الألمُ حداً لا يطاقُ أَفْرَزَ الدماغُ نفسُه هذه المادةَ، فعطَّلَتِ الإحساسَ بالألمِ، وهذا من رحمةِ اللهِ ، كما اكتشفوا أيضاً أنّ هناك بواباتٍ على مجرى الجهازِ العصبيِّ تمنعُ ورودَ الألمِ إلى الدماغِ، وأنّ هذه البواباتِ تتحكَّمُ فيها العواملُ النفسيةُ، فلو أنّ إنساناً كان يسعَى في مرضاةِ اللهِ، وهو سعيدٌ بهذا السعيِ، فإنّ الإحساسَ بالألمِ لنْ يصلَ إلى الدماغِ. هناك حالاتٌ كثيرةٌ وَرَدَتْ في التاريخِ، كيف أنّ صحابياً تُقطَعُ يدُه اليمنَى، فيمسكُ الرايةَ باليسرى، فتقطَعُ اليسرى فيمسكُها بِعَضُدَيْهِ، فأينَ الألمُ؟ هذا ما كَشَفَه العلماءُ حديثاً، فقالوا: "إنّ ثمةَ بواباتٍ للألم على مداخلِ طريقِ الآلامِ، وطريقِ السيّالةِ العصبيةِ التي هي من النهاياتِ العصبيةِ إلى النخاعِ الشوكيِّ، إلى الجسمِ تحتَ السريرِ البصريِّ، إلى أسرّةِ الدماغِ، هذا طريقُ الآلامِ، وإنّ هذه الطرقَ تُغلَقُ أحياناً، فتمنعُ إيصالَ الألمِ إلى الدماغِ، وهذه البواباتُ تتحكّمُ فيها العواملُ النفسيةُ، كالثقةِ باللهِ ، والثقةِ بالفوزِ، وفوقَ هذا وذاك إنْ كانَ الألمُ لا يطاقُ أفرزَ الدماغُ مادةً مخدرةً تعطِّلُ الإحساسَ بالألمِ". لذلك إذا كان إيمانُ الإنسانِ كبيراً، وكان هدفه نبيلاً، وكان سعيُه حثيثاً إلى الله سبحانه، لا يعبأُ بالآلامِ التي يسقطُ بسبَبِها الرجالُ، فإنّ الإيمانَ قوةٌ كبيرةٌ.

стр. 125

أرسلَ خليفةُ المسلمين أبو بكرٍ الصدِّيقُ قائدَ جيشِه خالدَ بنَ الوليدِ إلى معركةٍ في فتوح المسلمين في العراق والشام، فطلبَ منه خالدٌ المددَ، فقد كان عددُ الأعداءِ مئةً وثلاثين ألفاً، وكان المؤمنون نحواً من ثلاثين ألفاً، فكان خالدٌ ينتظرُ خمسينَ ألفاً، أو ثلاثين ألفاً إضافيةً، فإذا برجلٍ واحدٍ اسمُه القعقاعُ بنُ عمرو، يأتي ومعه رسالةٌ، فقال له خالد بن الوليد: أين المددُ؟ قال: أنا المددُ، قال: أنتَ؟ فَتَحَ الكتاب، فإذا فيهُ: (مِن أبي بكرٍ الصدِّيقِ إلى خالدٍ بن الوليدِ، أحمدُ اللهَ إليك، لا تعجبْ يا خالدُ أني أرسلتُ إليكَ واحداً، فواللهِ الذي لا إله إلا هو إنّ جيشاً فيه القعقاعُ بنُ عمرو لن يُهزمَ) . وكان النصرُ في هذه المعركةِ الحاسمةِ على يدِ القعقاعِ بن عمرٍو، فإنّ الرجلَ الواحدَ يكونُ بالإيمانِ كألفٍ، وإنّ ألفَ رجلٍ دونَ إيمانٍ كأفٍّ. الذاكرة يقولُ اللهُ : ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: ٢١] . ما منَّا أَحدٌ إلا وفي دماغِه شيءٌ يُسمَّى الذاكرةَ، والتي لها دَورٌ خطيرٌ في حياتِنا، وقط استنبطَ هذا العلماءُ مِن قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ على مَكَانَتِهِمْ فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧] . كيف ترجعُ إلى بيتِك؟ إنّك تعرفُ مكانَه، وكيف عرفْتَ مكانَه؟ إنّ مكانَه قد أودعَ في ذاكرتِك، وأنتَ في محلّك التّجاريِّ كيفَ تأخذُ من هذا المكانِ هذه القطعةَ، ومِن هذا المكانِ هذه القطعةَ، لأنّ هذه القِطَعَ كلَّها مودعةٌ في ذاكرتِك، وأنتَ في بيتِك تعرفُ مكانَ كلِّ حاجةٍ من حاجاتِك، أين أودِعَت هذه الأمورُ؟ وأنتَ في مدرستِك حينما تقرأُ بعضَ الكتبِ، وتؤدِّي امتحاناً، كيف يؤدَّى هذا الامتحانُ؟ إنّ هذه المعلوماتِ قد أودِعَتْ في الذاكرةِ، وإنّ إنساناً دونَ ذاكرةٍ مخلوق لا وجُودَ له، ويستحيلُ عليه التعلّمُ والتعليمُ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ على مَكَانَتِهِمْ فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ﴾ .

стр. 126

إنّ المقالاتِ العلميّةَ التي تتحدَّثُ عن الذاكرةِ تقولُ: "إنّ الإنسانَ إذا عاشَ ستِّين عاماً فهناك مِن الصُّوَرِ التي تختزنُها ذاكرتهُ ما يزيدُ على ستين مليار معلومةٍ! فلو أرَدْنَا أن ننسخَ هذه المعلوماتِ في كتبٍ لاحتاجتْ إلى آلاف المجلّدات، كلُّها كتبٌ تختزنُ المعلوماتِ التي لا نعرفُ حتى الآنَ مكانَها في الدّماغِ، وهناك نظريّاتٌ جديدةٌ تفترضُ أنّ الذاكرةَ ليس لها مكانٌ في الدّماغِ؛ إنّها مرتبطةٌ بالحياةِ النفسيّةِ. على كلٍّ هذه المعلوماتُ التي تأتي إلى الإنسانِ بعضُها يخزَّنُ في مكانٍ قريبٍ، لِيَسْهلَ استرجاعُه، وبعضُها يخزَّنُ في مكانٍ متوسّطٍ، وبعضُها يخزَّنُ في مكانٍ بعيدٍ، وبعضُها لا يخزَّنُ إطلاقاً، فإذا خُزِّنَتْ تتوزَّعُ بِحَسبِ نوعِها، فثمة ذاكرةٌ للمشمومات، وذاكرةٌ للمُبصراتِ، وذاكرةٌ للوجوهِ، وذاكرةٌ للألوانِ، وذاكرةٌ للعُطورِ، وذاكرةٌ للأسماءِ، هذا شيءٌ دقيقٌ، أمَّا إذا أرَدْنَا اسْتِدعاءَ شيءٍ، أو أرَدْنَا معرفتَه فيقولُ العلماءُ: "إنَّ الذاكرةَ تَسلُكُ طريقةَ الترميزِ في وَقتٍ سريع"، فإذا قُدِّمَ لك عِطرٌ شمِمْتَه، لأنه قد خُزِّنَ في ذاكرتِك سبعةٌ وتسعون نوعاً من العطورِ، وإنّ هذا العِطرَ الذي شممْتهُ الآن يمرُّ على هذه الأنواعِ كلِّها إلى أن يأتيَ التطابقُ، وتقولُ: هذا العِطرُ اسمُه كذا، هذا في المشموماتِ، وهذا في المطعوماتِ، وهذا في الذوقيَّاتِ، وهذا في المبصراتِ، وهذا في الوُجوه، وهذا في الأسماءِ والأرقامِ، وفي كلِّ شيءٍ، المعلوماتُ المتوافرة عن الذاكرةِ متواضعةٌ جدّاً، ومع ذلك ففيها حقائقُ يحارُ فيها أصحابُ العقولِ. وعُرِفَ عند العلماءِ: "أنّ الذاكرةَ قاموسٌ ومترجمٌ فوريٌّ"، والشيءُ الذي يُدهِشُ أنّ الخليةَ العصبيّةَ لا تنقسمُ، ولا تموتُ، فلو أنّها انقسمَتْ، وماتتْ لَفَقَدَ الإنسانُ خِبراتِه كلَّها، يقول لك: أنا خِبْرَتي في الطبِّ أربعونَ عاماً، وأنا خبرتي في القانونِ خمسون عاماً، وهذا خبرتُه في الصّناعةِ كذا سنة، كلُّ هذه الخبراتِ تتراكمُ، وتتراكمُ حتى ينْمُوَ الإنسانُ، ولو فَقَدَ ذاكرتَه لفقَدَ كلّ خِبراتِه دفعةً واحدةً.

стр. 127

إنّ الذاكرةَ وحْدَها آيةٌ كبرى من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه. الحواس الخمس غضّ البصر حينما ينظرُ الإنسانُ إلى امرأةٍ، ويعيدُ النظرَ، فإنّ هذه النظرةَ أشبَهُ بالضغطِ على زنادِ السلاحِ، تنطلقُ على إثرِها هرموناتٌ جنسيةٌ تجوبُ أنحاءَ الجسمِ، هذه الهرموناتُ الجنسيةُ تبدِّلُ ضرباتِ القلبِ، وتوسِّعُ الأوردةِ المُحيطيةَ، وتضيِّقُ الشرايينَ المتوسطةَ والصغيرةَ، وترفعُ ضغطَ الدمِ، هذه الهرموناتُ الجنسيةُ تصلُ إلى البروستاتِ، فيُغلَقُ طريقُ البولِ، ويُفتَحُ طريقُ ماءِ الحياةِ، وتنطلقُ مادةٌ مطهّرةٌ، ومادةٌ معطرةٌ، ومادةٌ مغذِّيةٌ، ثم يجرِي تبدلٌ في كيمياءِ الدمِ، مِن أجلِ أن تتمَّ عمليةُ اللقاءِ الزوجيِّ، ويحافَظَ على النوعِ البشريِّ. أمَّا حينما يطلِقُ الإنسانُ بصرَه طوالَ النهارِ، ما الذي يحصلُ؟ هناك هرموناتٌ جنسيةٌ تجوبُ أنحاءَ جسمِه عبرَ الأوعيةِ الدمويةِ. يقول الله : ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلك أزكى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] . قالَ العلماءُ: "أزكى: أي أَطهَرُ، ويمكنُ أن يكونَ المعنى: أنفع وأطيب"، إمّا أن يكونَ أزكى لهم هو الطهرُ من الذنوبِ، أو الوقايةُ من الأمراضِ، فعن حذيفة ﵁ أنه قال: قال ﵊: "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٍ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ أثَابَهُ اللهُ إِيمَاناً يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ". السهمُ إذا دخلَ في الجسمِ أحدَثَ جرحاً، فقد يُتلِفُ مكاناً معيَّناً، أمّا حينما يكونُ السهمُ مسموماً فإنّ السمَّ يسرِي إلى كلِّ أنحاءِ الجسمِ.

стр. 128

النبيُّ ﵊ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً بَيَّنَ مخاطرَ النظرةِ التي تتبعُ النظرةَ، فالنظرةُ كالضغط على الزنادِ، الذي تبدأُ بسببهِ سلسلةٌ من التفاعُلاتِ، والإفرازاتِ الهرمونيةِ الجنسيةِ المعقّدةِ، التي لها تأثيراتُها على كلِّ عضوٍ، بل على كلِّ خليةٍ، والتي تهيِّئ الجسمَ لعمليةِ الاتصالِ الجنسيِّ، لتؤدِّيَ مهمَّتها في استمرارِ النسلِ، كلُّ هذا يجبُ أن يتمَّ في وقتٍ محددٍ، أما إذا استمرَّ انطلاقُ هذه الهرموناتِ في الجسمِ دونَ تفريغٍ لهذه الشحنةِ، فإنها سوف تؤدِّي إلى مضاعفاتٍ خطيرةٍ في الجسمِ. عثرتُ في موقعٍ معلوماتيٍّ على بحثٍ علميٍّ مضَى على البدءِ به عشرون عاماً، وتوصَّلَ هذا البحثُ إلى النتائج التاليةِ: هذه الهرموناتُ تجرِي في الأوعيةِ، وتجولُ في جسمِ الإنسانِ الذي يطلِق بصرَه في الحرامِ طوالَ النهارِ، فهناك امرأةٌ تعملُ في المكتبِ، وهناك عريٌ، وهناك تفلتٌ، وهناك إبرازُ مفاتنَ، وهناك خلوةٌ، وهناك حديثٌ جنسيٌ، وهناك مجلةٌ.. إلخ. النبيُّ الكريمُ ﷺ الذي لا ينطقُ عن الهوى نهى عن إِتْباعِ النظرةِ بنظرةٍ، ونهى عن تبرُّجِ النساءِ، وعن تعطُّرِ المرأةِ إذا خَرَجَتْ من بيتِها، ونهى عن الخلوةِ بالأجنبيةِ، ونهى عن المصافحةِ، ونهى أنْ تمتنعَ المرأةُ عن فراشِ زوجِها، هذا كلُّه من أجلِ الوقايةِ من أمراضٍ لا تعدُّ ولا تُحصَى. الآن إلى التفصيلات: كيف أنّ الأفعى إذا لَدَغَتْ إنساناً فقد تميتُه، السببُ العلميُّ أنّ هذا السمَّ يوسِّعٌ الأوعيةَ إلى درجةٍ غيرِ مقبولةٍ، فيهبطُ الضغطُ، فيموتُ الإنسانُ، الآن يؤخَذُ من سمِّ الأفعى دواءٌ فعَّالٌ جداً لتوسيعِ الشرايينِ والأوردةِ، إذاً حينما تتوسّعُ الأوردةُ والشرايينُ توسُّعاً غيرَ مقبولٍ فهذا قد يؤدِّي إلى الموتِ، هذه الهرموناتُ سمَّاها الباحثُ (سموماً) ، السمُّ بقدرٍ محدودٍ منه دواءٌ، أما بقدرٍ كبيرٍ فهو داءٌ.

стр. 129

ما الذي يحدثُ؟ أولُ ظاهرةٍ تظهرُ رائحةٌ كريهةٌ جداً في الإبطين والقدمين، مِن أثَرِ دورةِ هذه السمومِ طوالَ النهارِ، فما دام ثمّةَ إطلاقُ بَصَرٍ، ومجلاَّتٌ، ومشاهدُ، وأفلامٌ، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، وخلوةٌ بالأجنبياتِ، وحديثٌ جنسيٌّ، فهذا يؤدِّي إلى دورةِ هذه الهرموناتِ طوالَ النهارِ، وازديادِ كميتِها، وامتدادِ أمد دورانِها يجعلُها سموماً. فأوّلُ ظاهرةٍ ظهورُ رائحةٍ كريهةٍ في الإبطين والقدمين، وتوسُّعُ فتحاتِ الغددِ العرقيةِ والدهنيةِ في الكعبين، وأسفلَ القدمين، وفي المؤخِّرةِ، وهذا يسبِّبُ بعضَ البواسير، وتوسُّعُ الفتحاتِ الدهنيةِ في الوجهِ يسبِّبُ حَبَّ الشبابِ من دورةِ الهرموناتِ، ودورانُ هذه الهرموناتِ الجنسيةِ، التي هي كالسمومِ، وتهيُّجُها لحّدٍ أكثرَ من المتوسطِ يسبِّبُ داءَ الشقيقةِ، أو الصداعَ النصفيَّ، الذي لم يُعْرَفْ له علاجٌ حتى يومِنا هذا على الأقلِّ. أمّا الشيءُ المخيفُ فآلامٌ في المفاصلِ، ولا سيما الكبيرةُ، كمفصلِ الركبةِ، ومفصلِ الوركِ، ويبدو أنّ هذه الهرموناتِ تقلِّلُ من لزوجةِ السائلِ الذي بين العظامِ، وهذا يدعو إلى جفافِ هذا السائلِ، ثم إلى احتكاكِ العظامِ، ثم إلى آلامٍ مفصليةٍ لا تُحْتَمَلُ. وفي المجتمعاتِ الغربيةِ، وفي سنٍّ مبكرةٍ يعانون من هذه الأمراضِ، بسببِ دورانِ هذه السمومِ في الجسمِ طوالَ النهارِ، هناك موظّفان في سِيركٍ في بريطانيا، في الثلاثين أُصِيبَا بحالاتٍ حادةٍ في مفاصلِهما، وليسَ هناك سببٌ مقنِعٌ إلا الإثارةُ الجنسيةُ المستمرةُ. أمّا في مجالِ القلبِ والأوعيةِ، فاستمرارُ دورانِ هذه الهرموناتِ (السموم) يسبِّبُ هبوطاً في ضرباتِ القلبِ، وبطئاً في الدورانِ، وجُلطةً وريديةً محتملةً، وتتوسّعُ الشرايينُ توسعاً مستمراً، ممّا يفقدُها مرونَتها، وعندئذٍ، ومع تبدُّلِ كيمياءِ الدمِ يؤدِّي هذا إلى تصلُّبِ الشرايينِ، وهو مرضُ العصرِ الأولُ، وهذه الأمراضُ منتشرةٌ في المجتمعاتِ المتفلِّتةِ.

стр. 130

ثم إنَّ هذه السمومَ التي تجوبُ في أنحاءِ الجسمِ، تسبِّبُ جُلطةً دهنيةً؛ إذا ترسَّبتْ في مكانٍ معيَّنٍ أورثتْ عمىً، أو كساحاً، أو شللاً، أو جنوناً، أو فَقْدَ ذاكرةٍ، إلى ما هنالك. وهذه السمومُ إذا دارتْ طوالَ النهارِ في الجسمِ، تسبِّبُ ثقلاً في اللسانِ، وصعوبةً في حركةِ اللسانِ داخلَ الفمِ، كما أنها تسبِّبُ إمساكاً، وهناك خمسون مرضاً ينتجُ عن الإمساكِ، وهذا الذي يطلِقُ بصرَه طوالَ النهارِ في الحسناواتِ وفي الغادياتِ والرائحاتِ، ويتابعُ المسلسلاتِ، ويقرأُ المجلاتِ، ويجلسُ جلساتٍ لا ترضي اللهَ، هذه كلُّها أعراضٌ تصيبُهُ. وبعضُ الآثارِ السلبيةِ من استمرارِ دورةِ هذه السمومِ في حَصَى المرارةِ، وفي بعضِ الحالاتِ التي تزيدُ على الحدِّ المعقولِ يكونُ هناك تضخُّمٌ مبكّرٌ للبروستاتِ. هذه نتائجُ بحثِ طبيبٍ في مؤسسةٍ علميةٍ في دولةٍ عربيةٍ، وجدتُها في موقعٍ معلوماتيٍّ، ولكنْ هذا مصداقُ الحديث: "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيْسَ مَسْمُومَةٍ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ أَثَابَهُ اللهُ إِيمَاناً يَجِدُ حَلاَوَتَهُ فِي قَلْبِهِ". إنّ توجيهَ النبيِّ ﵊ ليس من عندِه، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٣-٤] . مستحيلٌ أن يشرِّعَ اللهُ شيئاً، أو أنْ يحرِّمَ شيئاً إلا وله نتائجُ عظيمةٌ، عَرَفَهَا مَن عَرَفَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها، نحن كَوْنُنا مؤمنين نطبِّقُ أمرَ اللهِ دونَ أنْ نعلِّقَ التطبيقَ على فهمِ الحكمةِ، لكنْ حينما تٌُكشَفُ لنا الحكمةُ يزدادُ إيمانُنا بعظمةِ هذا التشريعِ. قال تعالى: ﴿ليزدادوا إيمانا مَّعَ إيمانهم﴾ [الفتح: ٤] . ورحم الله من قال: يا رامياً بسهام اللّحظ مجتهداً ... أنت القتيلُ بما ترمي فلا تصب وباعثَ الطَّرفِ يَرتادُ الشفاءَ لَهُ ... احبسْ رَسُولَكَ لا يأتيكَ بالعَطَبِ غشاء الطبل في الأذن قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .

стр. 131

إنّ بين جوانحك آياتٍ لا تعدُّ ولا تحصى، منها غشاءُ الطبلِ، فكلُّ واحدٍ غشاءُ طبلِه يعملُ بانتظامٍ، وغشاء الطبلِ غشاءٌ رقيقٌ، لا تزيدُ سماكتُه على نصفِ مليمترٍ، ولا يزيدُ قطْرُه على تسعِ ميليمتراتٍ - أقلُّ من سنتيمترٍ - متينٌ كالصلبِ، مرنٌ كالمطاطِ، حيويٌ جداً لنقلِ الأصواتِ، لو تعطَّلَ هذا الغشاءُ لفَقَدَ الإنسانُ سمعَه، لذلك فقدْ جهَّزهُ اللهُ بما يحفظُه من التَّلَفِ، وجَعَلَه في آخرِ قناةٍ منحنيةٍ أضيقَ من خِنْصَرِ الإنسانِ، لئلا يبعثَ به الصغيرُ فيخرِقَه. لقد جعل اللهُ الأذنَ الوسطَى - وهذا من حكمتِه - موصولةٌ بقناةٍ إلى البلعومِ، فإذا جاءَ ضغطٌ كبيرٌ كافٍ لخرقِ هذا الغشاءَ جاء الضغطُ المقابلُ من الفمِ، فتوازنَ الضَغْطان، وسَلِمَ غشاءُ الطبلِ من التمزّقِ، إذْ إنّ الأصواتَ الشديدةَ من شأنِها أنْ تمزِّقَ غشاءَ الطبلِ. وهذا الغشاءُ مربوطٌ بأربعةٍ عُظَيْماتٍ، لا يزيدُ وزنُها على خمسةٍ وخمسين ميليغراماً، ولا يزيدُ طولُها مجتمعةً على تسعةَ عشرَ ميليمتراً، هذه العظيماتُ لها وظيفةٌ رائعةٌ جداً، إنها تُكَبِّرُ الأصواتَ الضعيفةَ إلى عشرينَ مِثلاً، وتخفِّضُ الأصواتَ الضخمةَ المؤذيةَ، فجهازٌ واحدٌ يعملُ على تكبيرِ الصوتِ، وعلى خفضِ الصوتِ، وهذا ما لا يستطيعُه البشرُ، وهذا مِن الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ تعالى. بل إنّ الأصواتَ التي تزيدُ على مئةِ ديسيبل - وحدة قياس الأصواتِ - والتي مِن شأنِها أن تؤذيَ الأذنَ، هناك آليةٌ عصبيةٌ معقدةٌ جداً تخفِضُها، حين لا تسمعُ صوتَ إنسانٍ فتقولُ له: أَعِدْ، ما سمعتُ، فإنّ بعضَ حركاتِ الوجهِ تؤثِّرُ على عصبٍ مشتركٍ بين الوجهِ، وعضلةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بعظمٍ الرِكابِ مِن شأنِها أنْ تزيدَ حساسيةَ الأذنِ، أي حينما تتغيَّرُ ملامحُ وجهِك، حينما لا تفهمُ الكلامَ، هناك آليةٌ معقدةٌ جداً تنتقلُ عَبْرَ العَصبِ السمعيِّ إلى عضلةٍ تُضاعفُ حساسيةَ الأذنِ.

стр. 132

الصوتُ اهتزازٌ ينتقلُ عبرَ وسطٍ مَرِنٍ، والوسطُ المَرِنُ هو الهواءُ، لكنَّ الوسطَ المرنَ القاسيَ الصُّلبَ ينقلُ الصوتَ بسرعةٍ أشدَّ، والوسطُ السائلُ ينقلُها بسرعةٍ أشدَّ، وبدقَّةٍ أعلى، لذلك ينتقلُ الصوتُ إلى غشاءِ الطبلِ عَبْرَ الهواءِ، وغشاءُ الطبلِ ينتقلُ به الصوتُ عبْرَ أربعةِ عظامٍ، ثم في قناةٍ قوامُها سائلٌ. فالصوتُ ينتقلُ عبرَ الهواءِ تارةً، وبعدَ غشاءِ الطبلِ عبرَ أجسامٍ صلبةٍ، وبعدَ الأجسامِ الصلبةِ عبرَ قناةٍ فيها سائلٌ. وهناك خمسةٌ وعشرونَ ألفَ خليَّة سمعيَّةٍ تلتقطُ السمعَ، وتنقلهُ إلى الدماغِ كي تدركَ، وحتى هذه الساعةِ لا يستطيعُ العلماءُ أن يكتشفوا كيف تستطيعُ الأذنُ أنْ تُفَرِّقَ بين النَّغَمِ والضَّجيجِ. لماذا حينما تُسحَق قطعةُ زجاجٍ تحتَ البابِ تشعرُ أنك ستخرجُ من جِلْدِك؟ ولماذا إذا وقفتَ أمامَ شلالٍ فيه صوتٌ صاخبٌ تأنسُ به؟ هذا ضجيجٌ، وهذا نَغَمٌ، كيف تفرِّقُ بين النغمِ والضجيجِ؟ وكيف تلتقطُ هذه الأذنُ مئاتِ ألوفِ الأصواتِ، ولكلِّ صوتٍ نبرةٌ خاصةٌ تسجَّلُ في الذاكرةِ؟ كيف تقولُ لفلان عبْرَ الهاتفِ: أنت فلانٌ؟ ما هذه الحساسيةُ في الأذنِ التي تخزِّنُ الأصواتُ، ففي ذاكرةِ الإنسانِ مئاتُ، بل ألوفُ الأصواتِ الخاصةِ؟ ما زالتِ الأذنُ سرّاً من أسرارِ صنعةِ اللهِ ، ما زالت الأذنُ آيةً دالةً على عظمةِ الله . ما عُرِضَ هنا أمورٌ مختصرةٌ جدًّا، لكن لو اطلعتم على ما في هذه الأذنِ من عجائبَ بالتفصيلِ لسجدتُم للهِ تعظيماً وشكراً. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا مِن آياتِ اللهِ الكونيةِ الدالةِ على عظمتِه، ومِن تطابقِ آياتِ القرآنِ مع خَلقِ الإنسانِ ما يؤكِّدُ أنّ هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ تعالى، وأنّ هناك تطابقاً عجيباً، وأبديّاً، وسرْمدِيّا بين ما جاءَ في القرآنِ، وما جاءَ في معطياتِ العلمِ، يقولُ ربُّنا : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: ٢] .

стр. 133

إنّ في كلامِ اللهِ دقّةً بالغةً في الصّياغةِ، وما دامَ سميعاً بصيراً فلِمَ قدَّمَ السَّمْعَ على البصرِ؟ قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] . هناك حكمتان اعتمدهما العلماءُ: "السّمعُ أخطرُ في حياةِ الإنسانِ من البصرِ"؛ لأنَّ الإنسانَ يتلقّى الأصواتَ من الجهاتِ الستِّ، عن يمينِه، وعن شمالِه، ومن أمامِه، ومن ورائِه، ومن فوقِه، ومن تحتِه، في الظلامِ والنورِ، وفي الليلِ والنهارِ، وعلى الرّغمِ من الحواجزِ الكتيمةِ فإنّ السمعَ يصلُ إلى أُذنِك، فكأنّ السّمعَ يُغطِّي البيتَ كلّهَ، فإنْ كنتَ نائماً، وسمعتَ حركةً في غرفةِ الضّيوفِ، انتقلتَ إليها، أما عيْنُك فلا تُرِيكَ إلا أطرافَ غرفةِ النومِ، وإن كنتَ تقودُ سيارةً فلا ترى إلا الذي أمامَك، إما إنْ كان ثمَّةَ خلَلٌ في المحرّكِ، أو العجلاتِ، فالصوتُ يصلُ إلى أُذنِك، فتقفُ في الوقتِ المناسبِ، هذه بعضُ توجيهاتِ العلماءِ تبيِّنُ أنّ السمعَ أخطرُ من البصرِ. شيءٌ آخر، قوله : ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ [الملك: ١٠] . لماذا اختارَ اللهُ السّمعَ وحْدهُ؟ لأنّه مَن كانَ أصمَّ كان أبْكمَ، فالذي لا يسمعُ لا ينطقُ، والذي لا يسمعُ، ولا ينطقُ متخلّفٌ عقليّاً، ويصنّفُ مع المعوّقين عقليّاً، ومع البُلْهِ، لكنْ كم مِن الذين فَقَدوا بصرَهم كانوا قمّةً في العلمِ والأدبِ، وأعلاماً، ولكنّ الذي لا يسمعُ لا ينطقُ، ولا يفهمُ، هذا بعضُ التوجيهاتِ. إنّ دِقّة خلقِ السمع كدِقّةِ البصرِ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ، فبعضُ الشركاتِ مثلاً تنتجُ بضاعةً من الدرجةِ الثانيةِ، يُقال لها: بضاعةٌ تجاريّةٌ، وقد تنتجُ بضاعةً من الدرجةِ الأولى، ولها أسعارٌ خاصّةٌ، ولكنّ صُنعَ اللهَ تعالى لا تفاوُتَ فيه، وكلُّه متْقَنٌ إلى درجةٍ مطلقةٍ.

стр. 134

إنّ للسمعِ وظائفَ، وللبصرِ وظائفَ، فبالسمعِ تسمعُ الحقَّ، وتعقلُ الحقائقَ، وبالبصرِ تشاهدُ الجمالياتِ والأشياءَ، وأشكالَها، وحجومَها، وصفاتِها، لكنّك بالسمعِ تدركُ حقائقَها. اكتشفَ العلماءُ أنّ الجنينَ في بطنِ أمِّهِ يتوضّحُ عنده أماكنُ السمع والبصرِ في اليومِ الثاني والعشرين من تلقيحِ البيضة، وعند الولادةِ تكونُ الشبكيةُ مكتملةً، ويثبِّتُ الطفلُ عينيهِ على أيِّ مصدرٍ ضوئيٍّ، أيْ إنّ رؤيةَ الضوءِ موجودةٌ، لكنّ المطابقةَ عنده لا تعملُ، وبنهايةِ الشهرِ الثاني من العمرِ يتابعُ الطفلُ أيَّ جسمٍ يتحرَّكُ أمامهُ بعينيه، أمّا رؤيةُ الألوانِ فتكونُ بعدَ الشهرِ الرابعِ، وتصبحُ المطابقةُ عنده تامّةً بنهايةِ الشهر السادسِ، ولكنّه في الأسبوعِ السادسِ والعشرين، أي في الشهرِ السادسِ والنصفِ، وهو في الرحمِ يستمعُ إلى الأصواتِ، فيسمعُ دقّاتِ قلبِ الأمِّ، ويسمعُ حفيفَ المشيمةِ، وقرقرةَ الأمعاءِ، وقد أجرى بعضُ العلماءِ تجارِبَ، سجّلوا فيها أصواتَ ضرباتِ القلبِ، وحفيف المشيمةِ، وقرقرةِ الأمعاءِ، وأسمعوها للطّفلِ قبلَ الولادةِ، كان يبكي فسكَتَ! إذاً تنشأُ حاسّةُ السمعِ في الشهرِ السادسِ والنصفِ، ولا تنشأُ حاسّةُ البصرِ إلا بعد الشهرِ الثالثِ والرابعِ من الولادةِ، هذا الذي ذكرَهُ العلماءُ ذكرهُ اللهُ في سبعَ عشرة آيةً في كتابِ اللهِ تعالى، حيث قدّمَ اللهُ فيها السمعَ على البصرِ تقديمَ أهميّةٍ، وسبْقٍ في الخلْقِ، ولكنْ لماذا قدَّم اللهُ البصرَ على السمع في قولهِ: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ؟ قالَ العلماءُ: "لأنّ سرعةَ انتقالِ الصورةِ تزيدُ على سرعةِ انتقالِ الصوتِ، فالصورةُ تنتقلُ بسُرعةِ ثلاثمئةِ ألفِ كيلو مترٍ في الثانيةِ، أمّا الصوتُ فلا ينتقلُ إلا بسرعةِ ثلاثمئةٍ وثلاثين متراً في الثانيةِ".

стр. 135

إذاً لمَّا كان الحديثُ عن الإنشاء، إنشاءِ السمعِ والأبصارِ قُدِّم السمعُ على البصرِ في سبع عشرةَ آية، وحينَ انصبَّ الحديثُ على فعلِ الإبصارِ، حيث إنّ الصُّوَرَ تراها العينُ قبلَ الصوتِ قُدِّم الإبصارُ على السمعِ، ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ، وأََصْدَقُ شاهدٍ على ذلك زمجرةُ الرعدِ، فترى البرقَ، وبعدَ حينٍ تستمعُ إليهِ، لو رأيْتَ رجلاً من بعيدٍ ينْحتُ حجراً، وقد هوى بالمطرقةِ على الحَجَرِ، فإنه بعد حينٍ تسمعُ صوتَ وقْعِ المطرقةِ على البصرِ. والآياتُ القليلةُ التي وردَ فيها ذِكْرُ "البصر" قبْل السمعِ هي تلك الآياتُ التي تنذِر بالعقابِ، أو تصف الكافرينَ، وليس في أيٍّ منها إشارةٌ لخلقِ هذين الحِسَّيْنِ، أو لوصفِ وظيفتهما، أو تطوُّرِهما. قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . وقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] . وقال ﷻ : ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] . وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء: ٩٧] . وظيفة العينين والأذنين يقولُ اللهُ : ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] ، وقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] ، وقال: ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] .

стр. 136

هل فكّرتُم كيف ترونَ بهذه العَينِ الصغيرةِ الأشياءَ بِحَجمِها الحقيقيِّ؟ فإنّ أعظمَ آلةٍ للتصويرِ تعطيكَ صورةً لا تزيدُ على مساحةِ الكفّ! كيف ترى الجبلَ جبلاً، والبحرَ بحراً، والشّمسَ شمساً؟ كيف ترى الأشياءَ بحجمِها الحقيقيِّ؟ هذا السؤالُ لا يستطيعُ أيُّ عالِمٍ أن يُجيبَ عنه حتى الآنَ. شيءٌ آخرُ؛ لو أنّنا درَّجْنا اللّوْنَ الأخضرَ مثلاً، أو أيَّ لونٍ آخرَ إلى ثمانمئةِ ألفِ درجةٍ، فإنّ العينَ السليمةَ تستطيعُ أن تفرّقَ بين درجَتَين من هذه الدرجاتِ التي تزيدُ على ثمانمئةِ ألفٍ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ . شيءٌ آخرُ، كيف أنّ هذه العينَ تستطيعُ أنْ ترى البُعْدَ الثالثَ؟ وهو العمقُ، وترى الطولَ، والعرضَ، والعمقَ، لو جعلَ اللهُ لنا عيناً واحدةً لرَأَيْنا بها الأشياءَ مسطّحةً، لا مجسَّمةً بأبعادِها الثلاثةِ، لذلك فالمسافاتُ التي أمامنا لا ندركها إلا بالعينين معاً، أمّا المسافاتُ التي تعترضُ العينَ فتُدرَكُ بعينٍ واحدةٍ. شيٌ رابعٌ، كيف أنّ هذه الصورةَ إذا وقعَتْ على الشبكيّةِ تنطبعُ عليها، وتنتقلُ إلى الدّماغِ في أقلَّ من جزءٍ من خمسينَ جزءاً من الثانيةِ، ففي كلّ ثانيةٍ واحدةٍ تستطيعُ العينُ نقْلَ خمسينَ صورةً إلى الدّماغِ، الذي يُدركُ المُرادَ منها، فمتى يتمُّ التحميضُ وإظهارُ الصورةِ؟ شيءٌ آخر، وهو أنّ العينَ السليمةَ تستطيعُ أنْ ترى خطَّين بينهما واحدٌ على عشرينَ ميليمتراً، وفي العينِ أشياءُ وأشياءُ لا يحتملُ هذا المقالُ استيفاءَها، فمثلاً في الشبكيّةِ التي لا تزيدُ مساحتُها على ميليمتراتٍ، مئةٌ وثلاثون مليونَ عصيّةٍ من أجلِ الأبيضِ والأسودِ، وسبعةُ ملايين مخروطٍ من أجلِ الألوانِ والتفاصيلِ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨-٩] .

стр. 137

إنّ في العَينِ قرنيّةً شفّافةً شفافيةً تامّةً، فلو غُذّيَتْ هذه القرنيةُ الشفافةُ عن طريقِ الشُّعَيْراتِ كما هي الحالُ في أيّ نسيجٍ آخرَ في الجسمِ لكانتِ الرؤيةُ مُشوّشَةً، ولرأينا شبكةً فوقَ العينِ، ولكنَّ القرنيّةَ وحْدها تتغذّى عن طريقِ الحلولِ، أي إنّ الخليّةَ الخارجيّةَ تأخذُ غذاءَها وغذاءَ جارتِها من أجلِ أنْ تبقَى الرؤيةُ سليمةً، وشفّافةً، وواضحةً. والقزحيّةُ، هذه الحدقةُ الملوّنةُ التي تتَّسعُ، وتنقبضُ، تتّسعُ إذا قلَّ النورُ، وتنقبضُ إذا اشتدَّ النورُ على نحوٍ آليٍّ، إنّها تتّسعُ وتنقبضُ دونَ أن تعلمَ، والدليلُ على ذلك أنّك إذا دخلْتَ فجأةً من مكانٍ مضيءٍ إلى مكانٍ أقلَّ إضاءةً لم ترَ شيئاً إلا أنْ تتّسعَ هذه القزحيّةُ على نحوٍ لا إراديٍّ، حيث يقوم جسمٌ بلّوريٌ بعملٍ لا يستطيعُ أن يقومَ به أكبرُ العلماءِ، إنه ينضغطُ، ويتقلَّصُ، ويتمدّدُ، حيث يعلو، والسائل الزجاجي له ضغوطٌ معيَّنةٌ. أمَّا الأذنان فإنّ تفاضلَ وصولِ الصوت إليهما يكون بوساطة جهازٍ في الدماغِ، ومِن معرفةِ التفاضلِ يكشفُ الدماغُ جهةَ الصوتِ. إذَا كنتَ في الطريقِ، وسمعتَ بوقَ سيارةٍ من ورائك كيف تعرف جهةَ السيارةِ؟ مِنَ الأذنين، قال تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . حاسة الشم وتركيبها

стр. 138

إنّ مِن نِعَمِ اللهِ التي لا ننتبِهُ لها نعمةَ الشَّمِّ، ولقد أقامَ العلماءُ موازنةً بين الشمِّ والبصرِ، فالعينُ لا ترَى إلا بوسيطٍ، وهو الضوءُ، ولكنّ الشمَّ لا يحتاجُ إلى وسيطٍ، فالإنسانُ يشمُّ ليلاً ونهاراً، في ضوءٍ شديدٍ، وفي ظلمةٍ شديدةٍ، ولا يحتاجُ الشمُّ إلى اتصالٍ قريبٍ مباشرٍ بينك وبين الشيءِ، كما هو في السمعِ؛ لذلك قالوا: الشمُّ يعطيك دائرةَ أمانٍ واسعةً جداً، وأنت نائمٌ قد تشمُّ رائحةَ الغازِ في البيتِ، بلا صوتٍ ولا ضوءٍ، ولا ثمةَ اتصالٌ مباشرٌ، أنت في غرفةِ النومِ، وموقدٌ للغازِ في المطبخِ، والأبوابُ مقفلةٌ، والظلامُ شديدٌ، والصوتُ معدومٌ، والاتصالُ المباشرُ معدومٌ، ومع ذلك تشمُّ فتستيقظُ، وتُغلقُ موقدَ الغازِ، إذاً الشمُّ يعطيك دائرةَ أمانٍ واسعةً جداً. مَنْ يصدِّقُ أنّ في أنفِه مئةَ مليونِ خليّةٍ عصبيةٍ مخصّصةٍ لحاسَّةِ الشمِّ، هذه الخلايا العصبيةُ تتركَّزُ، وتتمرْكزُ في القرنِ العلويِّ للأنفِ، بمساحةٍ لا تزيدُ على مئتين وخمسين ميليمتراً مربعاً، هذه الخليةُ العصبيةُ التي تعدُّ عشرين مليوناً لها أهدابٌ لا تقِلُّ عن سبعةِ أهدابٍ، هذه الأهدابُ عليها سائلٌ مخاطيٌّ فيه موادُّ دهنيةٌ مُذِيبةٌ، تتفاعلُ مع الرائحةِ تفاعلاً كيميائياً، فينتجُ عن هذا التفاعلِ شكلٌ هندسيٌّ متميِّزٌ، يتكوَّنُ تِبْعاً لطبيعةِ الرائحةِ. فرائحةُ الزهورِ مثلاً الشكلُ الهندسيُّ الناتجُ عن تفاعلِها مع أهدابِ خلايا الشمِّ هو شكلُ مفتاحٍ، ورائحةُ الأثير مثلاً على شكلٍ مستطيلٍ، أو على شكلِ حوضِ سباحةٍ، وهكذا كلُّ تفاعلٍ بين الرائحةِ والأهدابِ الشَّمِّيةِ ذاتِ الخاصةِ المذيبةِ، والتي تتفاعلُ مع الرائحةِ تفاعلاً كيماويّاً. هذا الشكلُ الهندسيُّ يرسلُ إشارةً عن طريقِ العصبِ الشَّمِّيِّ الذي يتوضَّعُ في سقفِ الأنفِ، إلى مركزِ الشمِّ في الدماغِ.

стр. 139

يستطيعُ الدماغُ أنْ يميِّزَ بين عشرةِ آلافِ رائحةٍ، لا أن يميِّزَ فحسب، بل يميّزُ ويتعرَّفُ، ففي الدماغِ ذاكرةٌ شَمِّيةٌ، فإذا شمَّ رائحةً تفاعلتْ مع أهدابِ الشمِّ، وشكّلتْ شكَلاً هندسياً، أرسلَ إشارةً إلى الدماغِ، الدماغُ عنده عشرةُ آلافِ رائحةٍ، يمرِّرُها على كلِّ رائحةٍ، رائحةً رائِحةً، إلى أن تتطابقَ هذه مع تلك، يقولُ: هذا الياسمينُ، أو هذا الفُلُّ، أو هذا الزنبقُ، وكلُّ هذا يتمُّ في لمحِ البصرِ. معروفٌ عند العلماءِ: "أنّ هذه الأهدابَ فيها خصائصُ عديدةٌ؛ إنها تستطيعُ استشعارَ رائحةٍ في تركيزٍ قليلٍ جداً، نصفٌ بالمليونِ من الميليغرام في السنتيمترِ المكعبِ، هذه الأهدابُ تستشعرُ هذه الرائحةَ، وتنقلُها إلى الدماغِ، ويتعرَّفُ إليها، ويقولُ: أَشمُّ الرائحةَ الفلانيةَ". الإنسانُ عندهُ وسائلُ يَعرِفُ بها المحيطَ الخارجيَّ، فالعينُ تَرَى، لكنْ ثمَّة أشياءُ لا تراها، وأنت في البيتِ، أو في المركبةِ، بل تسمعُها، فالسَّماعُ خطُّ دفاعٍ آخرُ، وثمّةَ أشياءُ لا تراها، ولا تسمعُها، فلو أنّ فأرةً ماتتْ في البيتِ، ما الذي يشعرُك بوجودِها؟ رائحتُها طبعاً، فكأنّ اللهَ جل في عُلاهُ جعلَ من الرائحةِ إشعاراً للإنسانِ بدقائقِ المحيطِ الخارجيِّ، هذا مِن فضلِ اللهِ تعالى على الإنسانِ. مئةُ مليونِ خليةٍ، وكلُّ خليةٍ لها سبعةُ أهدابٍ، والهُدْبُ عليه سائلٌ مخاطيٌّ، فيه موادُّ دهنيةٌ مذيبةٌ، تتفاعلُ مع الروائحِ تفاعلاً كيماوياً، فينتجُ من هذا التفاعلِ شكلٌ هندسيٌّ، يرسلُ إشارةً إلى الدماغِ، الذي يميِّزُ بين عشرةِ آلافِ رائحةٍ، وتدرجُ هذه الرائحةُ على كلِّ الروائحِ تباعاً إلى أنْ تعرفَها، فتقولُ: هذه كذا. إنّ تركيزَ الرائحةِ نصفٌ بالمليونِ من الميليغرامِ في السنتيمترِ المكعبِ، يكفي أنْ تشمَّ هذه الرائحةَ. في رأسِ الكلبِ مئةُ مليونِ نهايةٍ عصبيةٍ للشمِّ، وطاقةُ بعضِ الحيواناتِ الشمِّيةِ تزيدُ مليونَ مرةٍ على طاقةِ الإنسانِ. أُنثى الفَراشِ تجلبُ الذَّكَرَ من بُعْدِ نصفِ ميلٍ، عن طريقِ الشمِّ، وعن طريقِ إصدارِ بعضِ الروائحِ الكيماويةِ.

стр. 140

والنحلُ يشمُّ رحيقَ الأزهارِ من مسافاتٍ طويلةٍ تزيدُ على عشراتِ الكيلو مترات، ويشمُّ رائحةَ خليّتهِ. والبعوضةُ تشمُّ رائحةَ عرَقِ الإنسانِ من ستين كيلومتراً، فسبحان الذي أودع في الإنسانِ هذه الحاسَّةَ التي هي حصنٌ وتكريمٌ. مركز التذوق في الدماغ لقد جعلَ اللهُ جل وعلا على اللسانِ خلايا خاصَّةً، تنتشرُ على شكلِ نتوءاتٍ يمكنُ للإنسانِ مِن خلالِها أن يتذوَّقَ الحلوَ والطيِّبَ من الطعامِ، وأن يلفظَ المرَّ والحامضَ منه، وأن ينهل الماءَ العذبَ الفراتَ، وأن يلفظَ الملحَ الأجاجَ، فمَن وَضَعَ على اللسانِ هذه الخلايا الذوقيةَ؟!، بعضُها يتذوّقُ الحلوَ، وبعضُها المُرَّ، وبعضُها المالحَ، وبعضُها الحامضَ؟!، هذه الخلايا المتوضِّعةُ على اللسانِ موزَّعةٌ في أنحائِهِ، بعضُها في مقدِّمةِ اللسانِ لتذوُّقِ الطعمِ الحلوِ، وبعضُها في مؤخِّرةِ اللسانِ لتذوُّقِ الطعمِ المرِّ، وبعضُها على جوانبِ اللسانِ لتذوُّقِ الطعمِ الحامضِ والمالحِ. والشيءُ الذي يَلفتُ النظرَ أنّ الخلايا الذوقيةَ المتخصِّصةَ بالطعمِ المرِّ تزيدُ حساسيّتُها عشرةَ آلافِ ضعفٍ على حساسيةِ الخلايا التي تتذوَّقُ الطعمَ الحلوَ، لماذا؟ لأنّ اللهَ جلَّتْ حكمتُه جَعَلَ كلَّ طعامٍ سامٍّ مُؤْذٍ مرَّ المَذاقِ - في الأعمِّ الأغلبِ - هذا التوافقُ توافقٌ حكيمٌ، الطعامُ الذي ينفعُك حلوُ المذاقِ، والذي يؤذيك مرُّ المذاقِ، لذلك كلُّ أنواعِ السمومِ لها طعمٌ مرٌّ، فلئلا يتسمَّمَ الإنسانُ كانتْ حساسيةُ الخلايا المتخصِّصةِ لتذوّقِ الطعمِ المرِّ تزيدُ عشرةَ آلافِ ضعفٍ على حساسيةِ الخلايا المتخصِّصةِ لتذوُّقِ الطعمِ الحلوِ. الشيءُ الثاني، توافقُ الطعمِ المرِّ مع الضررِ، وتوافقُ الطعمِ المُستساغِ مع الفائدةِ، هذا التوافقُ مِن حكمةِ اللهِ جلَّ وعلا، وهذا اللعابُ الذي في الفمِ يسهمُ بشكلٍ فعَّالٍ جداً في إذابةِ الطعومِ تمهيداً لتذوُّقِها من قِبَلِ الحُلَيماتِ الذوقيةِ المتوضِّعةِ على اللسانِ.

стр. 141

والشيءُ الثالثُ هو انّ البخارَ أو أنّ الغازَ - إن صحَّ التعبيرُ - المنتشرَ من هذا الطعامِ يتلقَّفهُ الأنفُ ليشمَّه، فطعمُ الطعامِ أساسُه شمٌّ وذوقٌّ، فكلُّ طعامٍ نأكَلُه، ونستطِيبُه، ونحمدُ اللهَ عليه أسهَمَ في تكوينِه خلايا الشمِّ مع خلايا الذوقِ، والإنسانُ حينما يُصابُ برشحٍ شديدٍ يشعرُ أنّ طعمَ الطعامِ قد اختلفَ في فمِه، هذا مِن فضلِ اللهِ جلَّ وعلا، أما في الدماغِ فهناك مركزٌ آخرُ للذوقِ، كما أنّ هناك مركزاً للشمِّ، وهذا المركزُ يستطيعُ أنْ يفرِّقَ بين عشرةِ آلافِ طعمٍ، وكما يحدثُ في الشمِّ يصلُ هذا الطعمُ إلى الدماغِ فيشعرُ به، ثم يتعرَّفُه، وتعرُّفُه به بأنْ يجريَ هذا الطعمُ على عشرةِ آلافِ طعمٍ في الذاكرةِ الذوقيةِ، فإذا توافقَ هذا الطعمُ مع طعمٍ مسجَّلٍ في الذاكرةِ قال: هذا طعامُ كذا، وهذا الطعامُ فيه المادةُ الفلانيةُ، إلى آخرِه، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . القلب والأوعية القلب العباداتُ في مجموعِها، وعلى اختلافِ أنواعِها وأشكالِها تهدفُ إلى تطهيرِ القلبِ من أمراضِه، وتحليتِه بالكمالاتِ التي أرسلها اللهُ له كي يسموَ إلى خالقِه، ويسعدَ بقُرْبِه، وينعمَ بجنّتِه. القلبُ له في جسمِ الإنسانِ المكانُ الأولُ، وعليه في جميعِ الأمورِ المعولُ، ولا عجبَ فهو القائدُ، والجوارحُ جنودٌ له وخدمٌ، وهو الآمرُ الناهي، والأعضاءُ أتباعٌ له وحشمٌ، وحسبُك فيه قولُ الله ﵎: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . والقلبُ حقيقةُ الإنسانِ، ومِن عجيبِ أمرِ اللهِ تعالى فيه أنه جَعَلَ ببقاء قلبِ الجسدِ وصحتِه وانتظامِ عمله حياةَ الجسدِ ونشاطَه، وجعلَ بطهارةِ قلبِ النفسِ وسلامته حياةَ الروحِ وازدهارَها. والقلبُ هو الجانبُ المدرِكُ من الإنسانِ، وهو المخاطَبُ، والمُطالَب، والمعاتَبُ، وهو محلُّ العلمِ، والتقوى، والإخلاصِ، والذكرى، والحبِّ والبغضِ، والوساوسِ، والخطراتِ، وهو موضعُ الإيمانِ، والكفرِ، والإنابةِ، والإصرارِ، والطمأنينةِ، والاضطرابِ.

стр. 142

والقلبُ هو العالِمُ باللهِ، والمتقرِّبُ إلى اللهِ، وهو المقبولُ عندَ اللهِ، إذا سَلِمَ مِن غيرِ اللهِ، وهو المحجوبُ عن اللهِ، إذا انشغل بما سوى اللهِ، وهو الذي يسعدُ بالقربِ مِنَ اللهِ، ويشقى بالبُعدِ عنه، وقد رُوِي: "عبدي طهَّرتَ منظرَ الخَلْقِ سنينَ، أفلا طهّرتَ منظرِي ساعةً"، والقلبُ هو منظرُ الربِّ، ولا يفلحُ الإنسانُ، ولا يطيبُ إلا إذا زكّاه، ويخيبُ، ويشقَى إذا دنَّسه، ودسَّاهُ. إنْ فتَّشتَ عن أعجبِ ما خَلَقَ اللهُ في السماءِ والأرضِ لم تجدْ أعْجَبَ، ولا أروعَ، ولا أدقَّ، ولا أجملَ مِن قلبِ الإنسانِ. تصلح أوتارُه فيفيضُ رحمةً، وشفقةً، وحباً، وحناناً، ومعانيَ لطافاً، وشعوراً رقيقاً، حتى يتجاوزَ في سموِّه الملائكةَ المقرَّبين. وتفسدُ أوتارُه، فينضحُ قسوةً ولؤماً، وسوءاً حتى يهوى إلى أسفل سافلين، حوَى على دقتّه كرةَ العالَم، فما أدقَّه، وأجلَّه، وما أصغرَه، وأعظمَه، يكبُرُ ولا نرى كِبَرَه، فيتضاءلُ أمامه كلُّ كبيرٍ، ويصغرُ ولا نرى صِغَرَه، فيتعاظمُ عليه كلُّ صغيرٍ. اتّحدَ شكلُ القلبِ، واختلفت معانِيه، فقلبٌ كالجوهرةِ، صفَا لونُه، وراق ماؤُه، وقلبٌ كالصخرِ قويٌّ متينٌ، ينفعُ، ولا يلمعُ، وقلبٌ هواءٌ، خفَّ وزنُه، وحال لونُه، يموتُ القلبُ، ثم يحيى، ويحيى، ثم يموتُ، ويرتفعُ إلى الأوجِ، ويهبطُ إلى الحضيضِ، وبينما هو يسامِي النجومَ رفعةً إذا هو يلامسُ الطاعةَ طاعةً، أليس أعظمُ بناةِ العالَم قد امتازوا بكبرِ القلبِ، وصدقِ الشعورِ، وقوةِ الإرادةِ، فإنْ وَجَدَ الإنسانُ كلَّ شيءٍ، وفَقَدَ قلبَه فإنه لم يجد شيئاً. إنّ قلبَ الجسدِ من أعجبِ ما خَلَقَ اللهُ، إنه مِضَخَّةٌ مزدوجةٌ تضخُّ الدمَ الذي يحملُ الغذاءَ والوقودَ إلى كلِّ خليةٍ، ونسيجٍ، وعضوٍ، وجهازٍ عن طريقِ شبكةٍ من الأوعيةِ يزيدُ طولُها على مئةٍ وخمسينَ كيلومتراً. إنه يعملُ منذ الشهرِ الثاني من حياةِ الجنينِ، وحتى يأتيَ الوقتُ فإنه لا يغفلُ، ولا ينسى، ولا يسهو، ولا يقعدُ، ولا يكبُو، ولا يملُّ، ولا يشكُو، بل يعملُ دونَ راحةٍ، ولا مراجعةٍ، ولا صيانةٍ، ولا توجيهٍ ...

стр. 143

الإنسانُ بجبروتِه يؤذيه، وبنارِ الحقدِ يكوِيه، وبالأحزانِ يبلِيه، وهو أساسُ حياةِ الإنسانِ، وشمسُ عالمِه، عليه يعتمدُ في كلِّ أعمالِه وأحوالِه، ومنه تنبعُ كلُّ قُواهُ، وحركاتُه.. وهو آلةٌ خارقةٌ! لا يعرفُ التعبُ إليها سبيلاً، تزدادُ قدرتٌها أضعافاً كثيرةً، لتواجِهَ الجهدَ الطارئَ، إنها عضلةٌ من أعقدِ العضلاتِ، بناءً، وعملاً، وأداءً، وهي مِن أَمْتنِها، وأقواها، تنقبضُ، وتنبسطُ ثمانينَ مرةً في الدقيقةِ، ويصلُ النبضُ في الجهدِ الطارئ إلى مئةٍ وثمانينَ، ويضخُّ القلبُ ثمانيةَ آلافِ لترٍ في اليومِ الواحدِ، أي ما يعادلُ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ من الدمِ، ويضخُّ القلبُ من الدمِ في طولِ عُمُرِ الإنسانِ ما يكفي لملءِ مستودعٍ بحجمِ إحدى ناطحاتِ السحابِ في العالَمِ. وينفردُ القلبُ في استقلالِه عن الجهازِ العصبيِّ، فتأتمِرُ ضرباتُه، وتنتظمُ بإشارةٍ كهربائيةٍ من مركزِ توليدٍ ذاتيٍّ، هي أساسُ تخطيطِه، وتتغذَّى عضلةُ القلبِ بطريقةٍ فريدةٍ!! ومِن أعجبِ ما فيه دسّاماتُه المحكمةُ التي تسمحُ للدمِ بالمرورِ باتجاهٍ واحدٍ، وهو مبدأٌ ثابتٌ بالمضخّاتِ. إنّ القلبَ إذَا سَكَنَ في قَفَصِهِ، واستراحَ من غُصَصِهِ خَلَّفَ وراءَه جثةً هامدةً، كأنها أعجازُ نخلةٍ خاويةٍ، لم ترَ لها مِن حياةٍ باقيةٍ، ولقد حدَّثَ رسولُ اللهِ ﷺ الصادِقُ المصدوقُ عن القلبِ بقوله الموجزِ: "أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ". ورَحِمَ اللهُ أحمد شوقي إذْ يقولُ: دَقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لَهُ ... إنّ الحياةَ دقائقُ وثَوانِ فارفع لنفسِكَ قبل موتكَ ذِكْرَها ... فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثانٍ القلب وكيس التامور وخاصة التجلط في الدم إنّ القلبَ الذي بينَ جوانحِنا مِن عجائبِ خَلْقِ اللهِ ، وقد عَدَّه العلماءُ أقوى وأمتنَ عضلةٍ في النوعِ البشريِّ.

стр. 144

فهذا القلبُ سمّاهُ العلماءُ مضخةً ماصّةً، كابسةً، تؤمِّنُ دورانَ الدمِ في الأعضاءِ، منذ أنْ ينبضَ، وأنت في الرحمِ، وحتى الموتِ، لا يكَلُّ، ولا يملُّ، ولا يستريحُ، ولا يتوقَّفُ حتى نهايةِ الحياةِ. مِن آياتِ اللهِ الباهرةِ، أنّ اللهَ جعلَ لهذا القلبِ كيساً لصيقاً بهِ هو الشِّغافُ، مغلَّفاً بغشاءٍ آخرَ يُسمَّى التامورَ، هذا الكيسُ يفرزُ مادةً تليِّنُ حركتَه، لئلا يحتكَّ بالقلبِ نفسِه، هي في الآلاتِ كالزيتِ تماماً، أضِفْ إلى أنّ القلبَ مغلَّفٌ بغلافٍ رقيقٍ رقيقٍ، أملسَ، يسمَّى الشِّغافَ، هذا الغشاءُ الرقيقُ الرقِيقُ، الأملسُ الأملَسُ، مع التامورِ الذي يفرزُ المادةَ المليّنةَ، خُلِقَ من أجلِ أنْ ينعدمَ الاحتكاكُ في حركةِ القلبِ. ومِن الآياتِ العجيبةِ أنّ في الدمِ خاصةً، لولاها لَمَا بَقِيَ أحدُنا حيّاً، هي خاصّة التجلُّطِ، وهي أنَّ الدمَ إذا لامسَ الهواءَ الخارجيَّ تتكوَّنُ منه أليافٌ تسدُّ منافذَ الشرايينِ إلى الخارجِ، لولا هذه الخاصّةُ، خاصّةُ التجلُّطِ لَسَالَ دمُ الإنسانِ كلُّه مِن جرحٍ طفيفٍ، ولكنّ الدمَ ما إنْ يلامسِ الهواءَ الخارجيَّ حتى يتجلَّطَ، ويصبحَ أليافاً تسدُّ المنفذَ الذي فُتِحَ، إنْ كان جرحاً، أو شيئاً مِن هذا القَبِيلِ، ﴿ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ [الأنعام: ٩٦] . إنه قلبٌ يعملُ، ولا يرتاحُ، يصبُّ الدمُ الوريديُّ الذي أدَّى دورَةً في الأعضاء في الأُذينِ الأيمن، ومنه إلى البُطَينِ الأيمنِ، ومنه إلى الرئتين، وبعد أخْذِ الأوكسجين يعودُ إلى الأذينِ الأيسرِ، فالبطينِ الأيسرِ الذي يدفعه عبرَ الشريانِ الأبهرِ إلى أعضاءِ الجسمِ كلِّه، ففي القلبِ أُذَيْنَانِ، وبُطَيْنَانِ يمصّانِ الدمَ، ويدفعانهِ بلا كَلَلٍ، ولا مَلَلٍ. قدَّر العلماءُ أنه في كلِّ نبضةٍ يندفعُ من القلبِ مجموعةُ سنتيمتراتٍ مكعّبةٍ، تزيدُ على العشرةِ، في الدقيقةِ الواحدة ثمانون دفعةً، أيْ في الدقيقةِ الواحدة اثنان جالون ونصفٌ من الدمِ يضخُّه القلبُ، وقَدَّرَ بعضُهم ما يضخُّه القلبُ في سبعين عاماً بأربعةِ ملايينِ جالون، وهذا شيءٌ عجيبٌ في هذه العضلةِ.

стр. 145

لذلك مِن آياتِ اللهِ في خَلْقِهِ هذا القلبُ، الذي قالَ عنه النبي ﵊: "أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ". جهاز الدوران في الجسم إنّ آياتِ اللهِ في الكونِ، وآياتِ اللهِ في النفسِ أوسعُ بابٍ ندخلُ منه على اللهِ، وأقصرُ طريقٍ إليهِ، لأنّ هذه الآياتِ تضعُكَ أمامَ عظمةِ اللهِ ، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه نظامُ نقلِ الدمِ في الجسمِ، فالكائنُ الحيُّ بحاجةٍ إلى الغذاءِ من أجلِ نشاطاتِه الحيويةِ، ومن أجلِ ترميمِ خلاياه التالفةِ، ونقلُ الغذاءِ من خارجِ الكائنِ الحيِّ إلى داخلهِ يتولاه جهازُ الهضم، ِ أمّا نقلُ ملخَّصِ جهازِ الهضمِ إلى كل خليةٍ في الجسمِ فهذا من مهامِّ جهازِ الدورانِ. في الكائناتِ الراقيةِ المعقَّدةِ تعقيداً إعجازياً، ولا سيما الإنسانُ، هذا النقلُ يتمُّ في دارةٍ مغلقةٍ، فجهازُ الدورانِ دارةٌ مغلقةٌ، ومن أجلِ أن يسريَ الدمُ في الأوعيةِ لا بد من مضخةٍ تدفعُه في هذه الأوعيةِ، ولا بد لهذه المضخّةِ من دفعٍ، ومن سحبٍ. جهازُ الأوعيةِ عبارةٌ عن شرايينَ، وشرايينَ فرعيةٍ، وأوعيةٍ، وأوعيةٍ فرعيةٍ، وأوعيةٍ شعريةٍ، وأوعيةٍ شعريةٍ دقيقةٍ جداً، تغطِّي كلَّ مساحاتِ الجسمِ، ثمّ هذه الأوعيةُ الشعريةُ الدقيقةُ جداً تتَّصلُ بأوعيةٍ شعريةٍ وريديةٍ، وتعودُ إلى وريدٍ صغيرٍ، فأكبرَ فأكْبرَ إلى القلبِ.
следующие страницы →