Полный текст (485 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وأنقل بهذه المناسبةِ معلومةً وَرَدَتْ في موقع معلوماتيٍّ، وهي أنّ دراسةً قامت بها جامعةٌ من الجامعاتِ الكبيرةِ تؤكِّدُ أنّ الصلاةَ والعلاجَ الروحانيَّ يمكنُ أنْ يُقَلِّلاَ مِنَ الألمِ الذي يشعرُ به المريضُ، وأنْ يعجِّلاَ بشفائِه، وهذه حالةٌ نفسيةٌ عاليةٌ تعين على الشفاءِ، وتعينُ على تخفيفِ الآلامِ، وهي حالتان؛ إمّا أنْ تكونَ حالةَ وَهْمٍ، أو أنْ تكونَ حالةَ إيمانٍ، قد تعطي إنساناً ورقةً مصرفيةً بمئةِ مليونٍ، ولكنّها مزوّرةٌ، ولا يدري أنها مزوّرةٌ، فترتفعُ معنوياتُه، ويشعرُ أنه غنيٌّ كبيرٌ، هذه حالةٌ عاليةٌ، ولكنّها ليستْ حالةً واقعيةً صحيحةً، فالدراسةُ أشارتْ إلى أنّ الحالةَ النفسيةَ المرتفعةَ لها علاقةٌ بتخفيفِ الآلامِ، وتعجيلِ الشفاءِ، ولكنْ قد تكونُ هذه الحالةُ بسببِ الإيمانِ باللهِ عزوجل، والاستسلام لأمرِه، والاتصالِ به، فهذه حالةٌ طبيّةٌ، وقد تكونُ هذه الحالةُ موهومةً، أساسُها غيرُ صحيحٍ، ولها الأثرُ نفسُه، لذلك قالوا: العلمُ حكَمٌ على الحالِ، فكلما كان علمُك متيناً قيَّمتَ بعلمكِ المتينَ حالَك، فهناك حالٌ رحمانيٌّ، وهناك حالٌ شيطانيٌّ.
أردتُ بهذا التعليقِ أنْ أبيِّنَ أنّ الدراسةَ متعلقةٌ بحالةٍ عاليةٍ، قد تكونُ بسببِ الإيمانِ باللهِ عزوجل، والاستقامةِ على أمْرِه، والاتصالِ به، وقد تكون بسببٍ آخرَ لا يَعْنِينَا.
أردتُ أنْ أضعَ بين أيديكم هذه الدراساتِ والتجارِبَ لأؤكِّدَ لكم أنكم إذا اتصلتمْ باللهِ وصلتُمْ إلى كلِّ شيءٍ، وفي الأثرِ القدسيِّ: "ابْنَ آدَمَ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإذَا وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ".
يَا ربُّ ماذا فَقَدَ مَن وجدَكَ؟ وَماذا وَجَدَ مَن فَقَدَكَ؟ وإذا كان اللهُ معكَ فمَنْ عليك؟ وإذا كان عليك فمَن معك؟.
فيتامين (د) وعلاقته بالصلاة
стр. 72
يتكوَّنُ الفيتامين (د) تحتَ الجلدِ، يستقلبُ في الكبدِ والكليتين ليصبحَ فعالاً، فيعينُ على امتصاصِ الكلسِ، والفوسفورِ من الأمعاء، ويرسِّبُها في العظامِ، ولهذا الفيتامينِ أيضاً دورٌ خطيرٌ في إفرازِ الأنسولينِ من البنكرياسِ، ولهُ دورٌ خطيرٌ في نموِّ خلايا النخاعِ الشوكيِّ العظميِّ، ولهُ دورٌ خطيرٌ في نموِّ خلايا بشرةِ الطبقةِ العليا من الجلدِ، هذا أمرٌ معروفٌ عندَ الأطباءِ، ولكنَّ الجديدَ أنّ أفضلَ وقتٍ للاستفادةِ من أشعةِ الشمسِ برأيِ الأطباءِ عندَ البزوغِ، وعند الغروبِ، مِن هنا كانت صلاةُ الفجرِ لها شأنٌ خطيرٌ في صحةِ الإنسانِ؛ لأنَّ الشعوبَ التي لا تتعرّضُ لأشعةِ الشمسِ، وتنامُ نوماً مديداً تُصابُ بلينِ العظامِ.
وأمرُ اللهِ ، ولو كان أمراً تعبديّاً، ولو أنه عبادةٌ، إلا أنه لا يمكنُ أنْ نُغفِلَ فيه النواحيَ الصحيّةَ، وقد يُستنبطُ هذا المعنى الطبي الذي نحن بصدده الآن من قولِه تعالى:
﴿وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾ [الكهف: ١٧] .
فمَن كان يقظاً قبلَ الشروقِ، وقبلَ الغروبِ استفادَ من أشعةِ الشمسِ فوقَ البنفسجية، يقول العلماء: "ليس المهمُّ أنْ تتعرّضَ للأشعةِ مباشرةً، بل إنَّ الأشعةَ المنتثرةَ في هذينِ الوقتينِ تفيدُ الجلدَ في تكوينِ الفيتامينِ (د) الذي يُسهمُ في تثبيتِ الكلسِ في العظامِ وتقويتِها، وفي عملِ البنكرياسِ، وفي نموِّ مخِّ العظامِ، وخلايا البشرةِ".
العلاقة بين الوضوء ومرض التراخوما
стр. 73
اطَّلعتُ على موضوعٍ يتعلّق بِمرضٍ يصيبُ العينَ، اسمُه (التراخوما) ، هذا المرضُ هو التهابٌ يصيبُ ملتحمةَ وقرنيّةَ العينِ، وله أدوارٌ يمرّ بها، تحريشٌ وحكّةٌ خفيفتَان، وينتهي بالعمى، ليس هذا يعنينَا، فهذا موضوعٌ مُستنبطٌ من كتبِ الطبِّ البشريِّ، ولكنّ الذي يعنينَا أنّ كاتبةً متخصّصةً كتبَتْ مقالاً نُشِرَ لها في مجلَّةٍ علميّةٍ، يصدِرُها مكتبُ المعلوماتِ التابعُ للأممِ المتحدةِ، تقولُ هذه الكاتبةُ: "إنّ الاغتسالَ المنتظَمَ، والوُضوءَ للصلاةِ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ قد ساعدَ كثيراً في الحدِّ من انتشارِ هذا المرضِ؛ (التراخوما) ، الذي يُعدُّ السببَ الرئيسَ للعمَى في بلدانِ العالَمِ الثالثِ"، وأضافَت الكاتبة: "إنّ هناك ما يقربُ مِن خمسمئةِ مليونِ نسمةٍ في جميعِ أنحاءِ العالَمِ يُصابون بهذا المرضِ، ويمكِنُهم تجنّبُ العَمَى إذا اتَّبعوا الطريقةَ الإسلاميةَ في النظافةِ الواجبةِ على كلِّ مسلمٍ قبلَ الصلاةِ"، وقالت: "إنّه لوحِظَ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ الملتزمةِ انخفاضُ نسبةِ الإصابةِ بهذا المرضِ، بل إنّه وصلَ إلى درجةِ الصّفرِ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ التي تلتزمُ خمسَ مرّاتٍ في اليومِ بالوضوءِ".
فيجب أنْ نؤمنَ أنّ هذه الأوامرَ والنواهيَ مِن عندِ خالقِ البشرِ، فلذلك من السذاجةِ أن تظنّ أنّ لأمرِ الله فائدةً أو فائدتين، إنّ له فوائدَ لا تُعدُّ ولا تُحْصَى، فهذه كاتبةٌ لا علاقةَ لها بأمرِ الدِّينِ إطلاقاً، من خلالِ دراستِها، وتحقيقاتِها، والإحصاءاتِ تجدُ أنَّ نسبةَ الإصابةِ بمرضِ التراخوما الذي يُصيبُ خمسمئةِ مليونِ نسمةٍ في العالَمِ كلَّ عامٍ قد تراجَعَتْ بشكلٍ ملحوظٍ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ التي تلتزمُ بالوضوءِ والنظافةِ، هذا هو شرْعُ اللهِ، لذلك قال بعضُ العلماءِ: "إنَّ العلاقةَ بين الطاعةِ ونتائِجها علاقةٌ علميّةٌ، والعلاقةُ بين المعصيةِ ونتائجِها علاقةٌ علميّةٌ".
стр. 74
لذلك عوْدٌ على بدءٍ، انطلاقاً من أنَّ الإنسانَ مفطورٌ على حبِّ وُجودِه، وعلى سلامةِ وجودِه، وعلى كمالِ وُجودِه، وعلى استمرارِ وُجودِه فعليهِ بطاعةِ اللهِ، وعليهِ بِتطبيقِ منهجِ اللهِ، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧١] .
الوضوء وفوائده الصحية
في بحثٍ علميٍّ أجراه عددٌ من أساتذةِ كليةِ الطبِّ في بلدٍ عربيٍّ مسلمٍ قَرَّرَ هؤلاء الباحثون أنّ الإنسانَ الذي يتوضأُ في اليومِ خمسَ مراتٍ، ينظفُ أنفَه من الجراثيمِ، والأتربةِ، والمعلّقاتِ، وقالوا: "إنّ الذي لا يتوضأُ يتعرَّضُ أنفُه لعددٍ من الجراثيمِ قد يصلُ عددُها إلى أحدَ عشرَ جرثوماً".
وإنّ الوضوءَ يكفلُ للمتوضئ الوقايةَ من نموِّ الفطرياتِ بينَ أصابعِ القدمينِ، كما يمنعُ إصابةَ الجلدِ بالالتهاباتِ، والتقيحاتِ، والتجمعاتِ الصديديةِ، ويقلِّلُ من احتمالِ حدوثِ سرطانِ الجلدِ؛ لأنه يزيلُ الموادَ الكيماويةَ قبلَ أن تتراكمَ، وقبلَ أنْ تتجمعَ على سطحِ الجلدِ، لذلك فهذه حقيقةٌ ثابتةٌ أنّ الإصابةَ بسرطانِ الجلدِ تقلُّ في البلادِ الإسلاميةِ.
كذلك دلكُ الأعضاءِ ينبِّه الدورةَ الدمويةَ، فينشطُ تغذيةَ الأعضاءِ بالدمِ، وبذلك تزدادُ حركةُ الدماءِ إلى المخِّ والكليتينِ، ويخفِّفُ الوضوءُ من اختناقِ الجهازِ العصبيِّ المركزيِّ فينشِّطُ الذاكرةَ، والإسلامُ كما تعلمون اشترطَ لصحةِ الصلاةِ طهارةَ البدنِ، وطهارةَ الثوبِ، وطهارةَ المكانِ معاً، فَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تملأان، أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو؛ فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوْبِقُهَا".
стр. 75
في إحصاءٍ أَجْرَتْه منظمةُ الصحةِ العالميةِ، كان الرقمُ مخيفاً، ثلاثمئة مليون إنسانٍ مصابٍ بأمراضِ القذارةِ، والمسلمون على نحو عفويٍ، عن علمٍ، أو عن غيرِ علمٍ، ما داموا يتوضؤون فَهُم ناجون من أمراضِ القذارةِ، لأنّ الوضوء يسبِّبُ الوقايةَ مِن هذه الأمراضِ.
لذلك قالوا: الانتفاعُ بالشيءِ ليس أحدَ فروعِ العلمِ به، يعني من الممكنِ أنْ تتوضأَ مؤدِّياً للطاعةِ، فتقطفَ ثمارَ الوضوءِ التي تعلمُها، والتي لا تعلمُها، وأنت لا تعلمُ، فيكفي أن تنصاعَ لأمرِ اللهِ معتقداً أنّ أمْرَ الله خيرٌ مطلقٌ، وعندئذ تقطفُ ثمارَ هذا الأمرِ.
حينما يطبِّق الإنسانُ منهجَ اللهِ فهو في خيرٍ ما بعدَه خيرٌ، وهو في سعادةٍ ما بعدها سعادةٌ، وهو في وقايةٍ ما بعدها وقايةٌ، وهو في أمنٍ ما بعدَه أمنٌ، إنّ الخيرَ كلَّه، والفوزَ كلَّه، والنجاحَ كلَّه، والتفوقَ كلَّه، والعقلَ كلَّه في طاعةِ اللهِ ، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧١] .
الصوم
الصوم بين أمر الله التعبدي وفوائده الصحية
رأَى العلماءُ أنَّ في الصومِ وقايةً وعلاجاً مِن أمراضٍ كثيرةٍ، فبعضُ الأمراضِ المستعصيةِ قد يكونُ علاجُها في الصومِ؛ كالتهابِ المعدةِ الحادِّ، وإقياءِ الحملِ العنيدِ، وبعضِ أنواعِ داءِ السكرِي، وارتفاعِ التوترِ الشريانيِّ، والقصورِ الكلويِّ الحابسِ للملحِ، وخُنَّاقِ الصدرِ، والالتهاباتِ الهضميةِ المزمنةِ، وحصياتِ المرارةِ، وبعضِ الأمراضِ الجلديةِ.
الصومُ علاجٌ لبعضِ الأمراضِ، ولكنّه إذا طُبِّقَ كما شَرَعَهُ النبيُّ ﵊ فهو وقايةٌ مِن أمراضٍ كثيرةٍ.
стр. 76
ثم إنّ في الصيامِ - كما يقرِّرُ الأطباءُ - صحةً نفسيةً، وإنّ في الصيامِ رفعاً لمستوى النّفْسِ، وتعويداً لها على الحريةِ مِن كل قيدٍ، وكلِّ رفعاً لمستوى النّفْسِ، وتعويداً لها على الحريةِ مِن كل قيدٍ، وكلِّ عادةٍ، وأفضلُ عادةٍ ألاَّ يتعودَ الإنسانُ أيَّ عادةٍ، هذا الذي يُدمنُ التدخينَ، كيف استطاعَ أنْ يقلعَ عنه في رمضانَ، إذاً في الإمكانِ أنْ يقلعَ عنه، وأكبرُ شاهدٍ على ذلك شهرُ الصيامِ.
إذاً الإنسانُ يقوِّي إرادتَه بالصيامِ، والإنسانُ بالصيامِ يُنَمِّي إخلاصَه، إنّ الصيامَ عبادةُ الإخلاصِ، وإنّ الصيام أيضاً ينمِّي مشاعرَ الإنسانَ، فقد يكونُ الطعامُ والشرابُ متوفِّراً، ولا يستطيعُ الإنسانُ أنْ يأكلَ أو يشربَ منه شيئاً.
مِن الفوائدِ الماديةِ للصومِ أنّ المعِدَةَ والجهازَ الهضميَّ تأخذُ إجازةً في رمضانَ، ويستريحُ جهازُ الدورانِ والقلبُ، والكليتان والتّصفيةُ، هذه الأجهزةُ الخطيرةُ التي إذا أصابَها العطبُ انقلَبَتْ حياةُ الإنسانِ إلى جحيمٍ، فإذا توقّفَتِ الكليتان توقفاً مفاجئاً، فإنه شيءٌ لا يُحتملُ، وإذا أُصيبَ القلبُ بالضّعفِ، وضاقَتِ الشرايينُ، وتصلّبَتْ، واحتشى القلبُ فالأمر عسيرٌ، هناك أمراضٌ تصيبُ القلبَ لا تعدُّ ولا تُحصَى، هناك أمراضٌ متفشِّيةٌ تصيبُ الأوعيةَ، هناك أمراضٌ كثيرةٌ تصيبُ المعدةَ والأمعاءَ، وأمراضٌ تصيبُ الكبدَ، وأمراضٌ تصيبُ جهازَ البولِ؛ هذه الأجهزةُ الخطيرةُ من جهازِ دورانٍ وهضمٍ، وجهازِ طرحِ الفضلاتِ، هذه الأجهزةُ يكون الصّيامُ وقايةً لها، لا نقول: إنّ الصّيامَ علاجٌ فحسب، ولكنه وقايةٌ.
تقول مقالةٌ عن أمراضِ القلبِ: "إنّ عملَ القلبِ وسلامتَه منوطٌ بِحَجمِ الطعامِ في المعدةِ ونوعيتِهِ"، فالقلبُ، وسلامتهُ، وانتظامُهُ، والشرايينُ ومرونتُها؛ هذه الأشياءُ متعلّقةٌ بِنَوعِ الطعامِ وحجمِه في المعدةِ؛ لذلك أمَرَنا النبيُّ ﵊ بالاعتدالِ في الطعامِ والشرابِ، واللهُ أمَرَنا بذلك أيضاً فقال تعالى: ﴿وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١] .
стр. 77
فمَن تجاوزَ الحدَّ في الطعامِ والشّرابِ أتَاه شهرُ الصّيامِ ليُصلحَ ذلك الخطأَ والاعوِجاجَ، والتعفّناتِ التي في جهازِ الهضمِ، وليُصلحَ الوزنَ الذي زادَ على حدّهِ الطبيعيِّ، وإنّ الأغلاطَ التي يرتكبُها الإنسانُ في السَّنَةِ يأتي الصّيامُ لِيَضَعَ لها حدَّاً، أمّا إذا كان الإنسانُ مطبِّقاً للسُّنّةِ النبويّةِ فشهرُ رمضانَ يزيدهُ صحَّةً ونشاطاً، وفي كتابِ "إحياء علومِ الدينِ" عَقَدَ الغزالي فصلاً، أو باباً كبيراً عن فضائلِ الجوعِ، فقال: "الخيرُ كلُّه مجموعٌ في خزائنِ الجوعِ، وليس المقصودُ به الجوعَ الشديدَ، ولكنَّه الاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ، لأنَّ البِطْنةَ تُذهِبُ الفِطْنةَ، وإنّ كثْرةَ الطعامِ، وإدخالَ الطعامِ على الطعامِ، وإكثارَ الوجباتِ؛ هذه تصيبُ الإنسانَ بالكسلِ، والخمولِ، والركودِ، والأمعاءَ بالتعفّنِ، والقلبَ بالإرهاقِ"، حينها يأتي شهرُ الصّيامِ ليُجدِّدَ الصّحةَ، فجسمُكَ مِطيَّتُكَ في هذه الدنيا، لنا عُمُرٌ محدودٌ، ولكنْ إمّا أنْ نمضيَه واقفين نشيطين، وإمّا أنْ نمضيَه مسْتلقين على أسرّتِنا، وشتّانَ بين الحالتين، ولا يتّسع المقامُ للحديثِ عن فوائدِ الصّيامِ.
وقد رُوِي: "صُومُوا تَصِحُّوا".
ومعنى الصحّةَِ هنا الوقايةُ من الأمراضِ؛ إنّك إذا أدَّيْتَ صيامَ هذا الشهرِ على التمامِ والكمالِ فقد وقيْتَ جسْمَك من الأمراضِ الوبيلةِ التي لا قِبَلَ لك بها، ولكنْ هذا الذي يمتنعُ عن الطّعامِ والشّرابِ في النهارِ، فإذا جلسَ إلى المائدةِ أَكَلَ أَكْلَ الجمالِ، هذا لمْ يحقّقِ الهدفَ من الصّيامِ، فلا بدّ مِنَ الاعتدالِ في الطعامِ والشرابِ، في أيّامِ الصّيامِ، أمّا إذا جعلتَ الوجباتِ الثلاثَ النهاريّةَ في رمضانَ ليليّةً!! فمَاذا حقَّقْتَ؟ إنّ وجبةً دسِمَةً معَ الإفطارِ تجعلهُ يقعدُ فلا يقومُ، وعند منتصفِ الليلِ وجبةٌ أخرى، وعند السّحورِ وجبةٌ أخرى، فهذا قَلَبَ وجباتِ النهارِ إلى وجباتٍ ليليّةٍ، وما فعَلَ شيئاً، فقد بقيَتِ الأمراضُ والإرهاقاتُ كما هيَ.
الصيام دورة وقائية وعلاجية
стр. 78
إنّ الحديثَ عن عبادةِ الصيامِ، وما فيها من تقوى وإكرامٍ لا يعني أنّ الصيامَ ليسَ له فوائدٌ صحيةٌ، بل إنَّ في الصيامِ من الفوائدِ الصحيةِ ما يدهشُ العقولَ؛ لأنّ خالقَ هذا الإنسانِ هو الذي فَرَضَ عليه الصيامَ، وَأَمْرُ اللهِ أجَلُّ وأعظمُ مِن أن ينصرفَ إلى حكمةٍ واحدةٍ، لذلك فللصيامِ حِكمٌ لا تُعدُّ ولا تُحصَى.
قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ الصيامَ دورةٌ وقائيةٌ سنويةٌ، تقي الإنسانَ من الأمراضِ الكثيرةِ، فهو سلوكٌ وقائيٌّ من أجلِ سلامةِ هذه العضويةِ، ودورةٌ علاجيةٌ بالنسبةِ لبعضِ الأمراضِ، فالصيامُ يقِي المسلمَ المتَّبِعَ لسننِه المعتدلةِ في تناولِ الطعامِ في أثناءِ الصيامِ من أمراضِ الشيخوخةِ".
إنّ أمراضَ الشيخوخةِ تظهرُ في الكِبر، ولكن مسبِّباتِها تبدأُ في الشبابِ، يأتي الصيامُ ليقيمَ هناك توازناً بين استهلاكِ العضويةِ ووقايةِ الأجهزةِ، فلذلك معظمُ أمراضِ الشيخوخةِ تنجمُ عن الإفراطِ في إرهاقِ العضويةِ طوالَ الحياةِ، بالطعامِ والشرابِ، وبسائرِ الملذاتِ، وبالعملِ، والتعبِ، وبذلِ الجهدِ، فيأتي الصيامُ ليريحَ هذه العضويةَ، وليصحِّحَ الأخطاءَ التي ارتُكِبَتْ في بقيةِ أشهرِ العامِ، فيعودُ الجسدُ من دورةِ رمضانَ وقد صانه صاحبُه، وجدَّدَ نشاطَه به.
رُوِي عن النبيِّ ﵊: "صُومُوا تَصِحُّوا".
فالصيامُ كما يقولُ العلماءُ: "هو إلى الطبِّ الوقائيِّ أقربُ منه إلى الطبِّ العلاجيِّ"، بدليلِ أنّ المريضَ يرخَّصُ له في أنْ يفطرَ، وبعضُ حِكمِه أنّ الصيامَ يخفِّفَ العبءَ عن جهازِ الدورانِ، القلبِ والأوعيةُِ، حيثُُ تهبطُ نسبةُ الدسمِ وحموضةِ البول في هذا الشهرِ إلى أدنى درجةٍ، ومع انخفاضِ هذه النسبةِ يقي الإنسانُ نفسَه من مرضٍ ذي خطورةٍ، هو تصلُّبُ الشرايينِ، الذي يسبِّبُ إرهاقَ القلبِ، والذبحةَ الصدريةَ، ومع انخفاضِ نسبةِ حمضِ البولِ في الدمِ يقي الإنسانُ نفسَه من مرضٍ آخرَ هو التهابُ المفاصلِ.
стр. 79
إنَّ الصيامَ يخفِّفُ العبءَ عن جهازِ الدورانِ، ويريحُ الأوعيةَ، والقلبَ بانخفاضِ نسبةِ الدسمِ في الدمِ، وانخفاضِ نسبةِ حمضِ البولِ، وإنّ الصيامَ يريحُ الكليتين بإقلالِ فضلاتِ الاستقلابِ، فتحوُّلُ الطعامِ إلى طاقةٍ عمليةٍ يُسمَّى الاستقلابَ، ففي شهرِ الصيامِ ينخفضُ الاستقلابُ إلى أدنى مستوى، هذا بشرطِ أنْ يصومَ الإنسانُ كما أمَرَ النبيُّ ﵊، وأنْ يأكلَ باعتدالٍ، أما أنْ يجعلَ الطعامَ في الليلِ مكانَ النهارِ فليس هذا بالصيام المأمورِ به.
يقولُ العلماءُ: "إنّ سُكرَ الكبدِ - المخزونَ السكريَّ - يتحرّكُ في الصيامِ، ومع تحرُّكِ هذا المخزونِ يتجدَّدُ نشاطُ الكبدِ"، والإنسانُ لا يستطيعُ أنْ يعيشَ دونَ كبدٍ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، وإنّ الصيامَ يدعو سُكرَ الكبدِ إلى التحركِ، ويتحركُ معه الدهنُ المخزونُ تحتَ الجلدِ، وتتحركُ معه البروتيناتُ، والغددُ، وخلايا الكبدِ، وإنّ الصيامَ كما قال بعضُ الأطباءِ يبدِّلُ الأنسجةَ وينظِّفُها، وكأنه صيانةٌ سنويةٌ لأنسجةِ وأجهزةِ الجسمِ، هذا عن الناحيةِ الوقائيةِ، فماذا عن الناحيةِ العلاجيةِ؟
إنّ الصيامَ يُعَدُّ علاجاً لبعضِ الأمراضِ، منها التهابُ المعدةِ الحادُّ، ومنها إقياءاتُ الحملِ العنيدةُ، ومنها ارتفاعُ الضغطِ الشريانيِّ، ومنها الداءُ السكريُّ، ومنها قصورُ الكليةِ المزمنُ، ومنها بعضُ الأمراضِ الجلديةِ.
إنّ أمْرَ اللهِ مباركٌ، يطهِّرُ النفسَ، وينيرُ القلبَ، ويعطيك الرؤيةَ الصحيحةَ، فتعرفُ الحقَّ من الباطلِ، والخيرَ من الشرِ.
الصيام وآلية الهضم
قال بعضُ العلماءِ المتخصِّصين في التَّغْذِيَة: "ليس عِلمُ الإنسانِ بِوَظائفِ الطَّعامِ هو الذي يدْفعُهُ إلى تناولِ الطَّعامِ، ولكنَّ الإحْساسَ بالجوعِ الضاغطَ، وشَهوةَ الطَّعامِ الباعثةَ هما اللَّذان يُحَرِّكان الإنسان إلى الطَّعام، أمّا حاسَّةُ الجوعِ فَتَدْعو الإنسانَ على ما يسدُّ حاجتَه من الطَّعامِ لِيَبقى حيّاً، وأمّا شَهوةُ الطَّعامِ الباعثةُ فهي وسيلةٌ، وليْسَت غايةً".
стр. 80
فمِن نِعَمِ اللهِ أنَّ هذا الطعامَ الذي هو سببٌ في بقاءِ حياتِك طيِّبُ المذاقِ، فهناك الحاجةُ إلى الطَّعامِ بِدافعِ الإحساسِ بالجوعِ، وهناك لذَّةُ الطَّعامِ، فقد يستكملُ الإنسانُ حاجتَه إلى الطعامِ بِسائِلٍ يُحْقنُ في دَمِهِ، ولكنّ اللهَ تفضّلَ علينا فجَعَل هذا الطَّعامِ ذا طَعمٍ لذيذٍ، فشَهوةُ الطَّعامِ وسيلةٌ، فإذا جعَلَها الإنسانُ غايةً اضْطربَ الجِسمُ، وثمةَ أُناسٌ كثيرون عن سوءِ تقْديرٍ منهم، أو عن ضَعفٍ في إرادتِهم يَجعلونَ شَهوةَ الطَّعامِ غايةً، وإذا أصبحَ الطعامُ غايةً يتعطَّلُ ما يُسَمِّيه العلماءُ الجرسَ الخفيَّ، الذي يدقُّ حين الجوعِ فقط! فتتعطَّلُ وظيفةُ هذا الجرسِ، فالمعدةُ كما قال عنها العلماءُ: "تتمدّدُ مراتٍ عديدةً، فَمِن حجمٍ ابتِدائيٍّ مئتين وخمسين سنتمتراً مكعّباً، إلى ألفين وخمسمئة سنتمترٍ مكعّبٍ"، فحينما تتمدّدُ المعدةُ يُصبحُ الطَّعامُ هدفاً؛ وعندها نعيشُ لِنَأكلَ! هذا تمهيدٌ.
وهناك حقيقةٌ عجيبةٌ جدّاً، ولكنَّها ثابتةٌ على نحْوٍ قاطِعٍ، وهي أنَّ آلياتِ تعاملِ الأبدانِ مع الطَّعامِ تسْتوْجِبُ الصِّيامَ، فقد خلَقَ المولى جلّ وعلا الأبدانَ على نحْوٍ يُهَيِّئ التعاملَ مع مركباتِ الطعامِ وَفقاً لآليَّةٍ تسيرُ بانتظامٍ وتوافقٍ في ثلاثِ مراحلَ، وهذا بحثٌ مهمّ جدّاً.
المرحلةُ الأولى: مرحلةُ هضْمِ الطعامِ في المعدةِ والأمعاءِ، ثمّ الامتصاصُ والتَّمثيلُ، وتحويلُ الطعامِ إلى سكّرٍ يسري في الدِّماءِ، وإلى موادّ أخرى مُرَمِّمةٍ يستخدمُها الجسمُ لإطلاقِ الطاقةِ، وبِناءِ الأنسِجَةِ.
المرحلةُ الثانيةُ: مرحلةُ تخزينِ الفائضِ من الطاقةِ، التي تزيدُ على حاجةِ الجسمِ، فالسُّكَّرُ الفائضُ يُخَزَّنُ في الكبدِ، والعضلاتِ على نشاءٍ حيواني، ويُخَزَّنُ الفائضُ الدُّهنيُّ في معظمِ أنحاءِ الجسمِ.
فالأُولى هضمٌ، وامتصاصٌ، واستهلاكٌ، والثانيةُ تخزينٌ.
стр. 81
والمرحلةُ الثالثةُ: هي مرحلةُ فتْحِ مخازنِ الطاقةِ، وتحويلِ السكّرِ والدُّهونِ إلى سكّرٍ وأحماضٍ دُهْنيَّةٍ لإطلاقِ طاقتِها في الجسمِ، وهذه المرحلةُ لها ميزةٌ خاصَّةٌ، وهي أنَّها لا تحدثُ مطلقاً إذا لم يمْتَنع الإنسانُ لِفتْرةٍ زمنيَّةٍ محدَّدةٍ عن تناولِ الطعامِ، فالمهمّةُ الثالثةُ معطَّلةٌ ما لم يمْتَنِعِ الإنسانُ عن تناولِ الطَّعامِ!
قالَ العلماءُ: "يبدأُ مستوى السكّرِ في الدمِ من ثمانينَ إلى مئة وعشرين ميليغراماً في كلِّ مئةِ سنتمترٍ مكعَّبٍ"، هذه نِسبةُ السكّرِ في الدمِ، وبعد صِيامِ سِتِّ ساعاتٍ تنخفضُ هذه النِّسبةُ، وهنا تتجلَّى عجيبةٌ من عجائبِ الجسمِ البشريِّ؛ مركزٌ بالدِّماغِ، يُرْسِل إلى الغددِ الصماءِ رسائلَ عاجلةً يطلبُ منها العَونَ والمددَ، فيفرزُ الكظرُ هرموناً يحثُّ على تحويلِ النشاءِ الحيوانيِّ في العضلاتِ والكبدِ إلى سكّرٍ بِوَساطةِ هرمونٍ، والغدَّةُ الدرقيَّةُ تفعلُ مثلَ ذلك عم طريقِ إفرازِ هرمونها، فهي تحُثّ سكَّرَ الدمِ المُخزَّنَ في العضلاتِ والكبدِ على أن يُطْلقَ، ويُسْتَهلكَ؛ لأنَّ نسبةَ السكَّرِ في الدمِ انْخفضَتْ بعدَ سِتِّ ساعاتٍ من الصِّيامِ، والغدّةُ الأخرى هي البنكرياسُ، تفعَلُ مثل ذلك عن طريقِ هرمونٍ يحثّ هذه المخزوناتِ على الانطلاقِ كي تُسْتهلَكَ، فإذا اسْتَهلكَ الإنسانُ ما هو مخزونٌ عنده من السُّكرِ في عضلاتِه وكبدِه يتحوَّلُ العملُ إلى الدُّهونِ المخزَّنةِ فتَهْدِمُها، وتحرِّرُ طاقتَها، وقد أكَّدَتِ الأبحاثُ العلميَّةُ ازدِيادِ احْتِراقِ الدُّهونِ طوالَ ساعاتِ الصِّيامِ، واستهلاكَ الدهونِ المتراكمةِ في مناطقِ ترسُّبِها على الجسمِ.
стр. 82
إنها حقيقةٌ عجيبةٌ، فكلّ كيلو غرامٍ من الأنسجةِ الدهنيّةِ يحتاجُ إلى ثلاثةِ كيلو مترات من الأوعيةِ الشَّعريَّةِ التي يسري خلالَها الدمُ، وهذه عِبءٌ على القلبِ، فلو أنّ الإنسانَ زادَ وزنُه عشرةَ كيلو غراماتٍ فهذا دليلٌ على أنَّ به ثلاثَمئة كيلو مترات مِنَ الأوعيَةِ الشَّعْرِيَّةِ الزائدةِ! وقال العلماء: "إنَّ فيزيولوجِيَّةَ خلقِ الأبدانِ تقتضي الامتِناعَ عن تناولِ الطَّعامِ"، لماذا؟ لإراحةِ الوظيفةِ الأولى والثانيةِ، ولإتاحةِ الفرصةِ لِعَملِ الوظيفةِ الثالثةِ، فالصِّيامُ ترتاحُ به وظيفةُ هضمِ الطعامِ وامتصاصِه، وترتاحُ الوظيفةُ الثانيةُ وهي تخزينُه، وتبقى الوظيفةُ الثالثةُ، وهي هدمُ المُدَّخراتِ الدهنيَّةِ، وإحراقُها، واستهلاكُ المُدَّخراتِ الدهنيَّةِ في العضلاتِ والدم، فَلِكون الصِّيامِ ضرورياً لكلِّ إنسانٍ كانت هذه الفريضةُ على كلِّ الأُممِ والشُّعوبِ، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
ولكنَّ هذا البحثَ العلميَّ يعني شيئاً دقيقاً، وهو أنَّ الصِّيامَ عِبادةٌ، وقُرْبٌ منَ اللهِ، ومزيدٌ من الاتِّصالِ باللهِ، وكلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصِّيامَ فإنه للهِ، وهو يجزي به، فالصِّيامُ تَقْوِيَةٌ لإرادةِ الإنسانِ، وحتّى يشعرَ الإنسانُ بِضَعفِه البشريِّ، فهذا البحثُ العلميُّ لا يخدِشُ مهمَّةَ الصِّيامِ الأُولى، وهي العبادةُ، والقربُ، ولكنّ أمْرَ اللهِ متنوعٌ، فهو عبادةٌ، وهو قُربٌ، وهو تحجيمٌ، وهو صِلَةٌ، وافتقارٌ، وهو إضافةً إلى كلِّ هذا صحَّةٌ.
بعض وصايا النبيّ ﷺ الصحية السحور والإفطار
نذكرُ بعضَ الوصايا الصحيةِ التي أوصى بها النبيُّ ﵊ الصائمين، فَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً".
وفي رواية للنسائي: "إنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللهُ إِيَّاهَا فَلا تَدَعُوهُ".
стр. 83
فَسَّرَ علماءُ الحديثِ هذه البركةَ بمعنيين؛ إمّا أنها بركةٌ في الدنيا، وإمّا أنّها بركةٌ في الآخرةِ، فهذا الذي يستيقظُ ليتناولَ طعامَ السَّحور ربما صلَّى الفجرَ في المسجدِ، وربما سمعَ آيةً بعد صلاةِ الفجرِ تركتْ أثراً بليغاً في نفسِه، وربما ذَكَرَ اللهَ خالياً ففاضتْ عيناه بالدموعِ، ربما تلا القرآنَ فكان ربيعَ قلبِه، جاءه كلُّ هذا الخيرِ مِن استيقاظِه ليتناولَ طعامَ السَّحورِ، إذاً هذه بركةُ الآخرةِ.
أمّا بركةُ الدنيا، فإذَا تناولَ الصائمُ طعامَ السَّحورِ، وكان مِن أصحابِ الأعمالِ الشاقَّةِ أَمْكَنَه أنْ يتابِعَ الصيامَ، بالحدِّ الأدنَى مِن المشقَّةِ، فهذا الجسَدُ يحتاجُ إلى وقودٍ، ووقودُه الطعامُ، فتناولُ طعامِ السَّحورِ مِنَ السُنَّة.
ومِنَ السُّنَّةِ أيضاً تأخيرُ السَّحورِ، أمّا هذا الذي يسهرُ إلى منتصفِ الليلِ، فيتناولُ السَّحورَ، ثم ينامُ فقد ضيَّعَ عليه صلاةَ الفجرِ، وضيَّعَ عليه سنةَ تأخيرِ السَّحورِ، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الإِفْطَارَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ".
الشيءُ الذي يجبُ أنْ يُؤَكَّدَ لكم أنّ الإنسانَ إذَا تناولَ طعامَ السَّحورِ، وآوى إلى فراشِه مباشرةً، ربما ساءَ هضمُه، وربما أصابَتْهُ بعضُ الوَعكاتِ الصحيةِ المتعلقةِ بغذائِه، فلا بدَّ من وقتٍ كافٍ بين تناولِ طعامِ السَّحورِ والنومِ، هذا الوقتُ يجبُ أنْ تمضيَه في قراءةِ القرآنِ، وفي الصلاةِ، وفي الذكرِ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اله عليه وسلم: تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ".
لذلك ينهَى الأطباءُ أنْ تأويَ إلى الفراشِ بعدَ تناولِ طعامِ السَّحورِ.
стр. 84
يأمرُنا النبيُّ ﵊ أنْ نعجِّلَ الفطرَ، إذْ إنّه بمجرَّدِ أنْ يدخلَ وقتُ المغربِ فقد أفطرَ الصائمُ، تناولَ الطعامَ أم لم يتناولْه، لذلك كان النبيُّ ﵊ يأكلُ بعضَ التمراتِ، أو أيَّ شرابٍ حلوٍ ميسَّرٍ، أو يشربُ جرعةً من الماءِ، ثمّ يصلّي المغربَ، وبعْدَها يتناولُ طعامُه، وقد هدأَ جوعُه، وتوازنتْ أعضاؤهُ، وقد وصَلَ سكَّرُ التمر إلى دمِه، فخفَّفَ من حدَّةِ الجوعِ، وجعَلَه يأكلُ أكلاً معتدلاً، كما لو أنّه في الإفطارِ، وهذه أيضاً من السُّنَةِ، وذلك لِمَن تيسَّر له أنْ يصلِّي قبلَ أنْ يأكلَ، أما إذا أحرجتَ الناسَ بهذا فأهْونُ الأَمْرَيْنِ أنْ تأكلَ مع المجموعِ في الوقتِ المناسبِ، ولكنْ إذا تيسَّرَ لك أنْ تأكلَ تمراتٍ ثلاثاً، وتصلِّي المغربَ، وبعْدَها تأكلُ، فهذا من السُّنةِ.
وقد سَنَّ النبيُّ ﵊ أيضاً لنا أنْ نستعينَ بالقيلولةِ على القيامِ، وبالسحورِ على الصيامِ، وكان يقولُ: "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لاَ تَقِيلُ".
فإذا تمكَّنَ الإنسانُ في رمضانَ أنْ يستلقيَ ولو ساعةً مِنَ الوقتِ في وقتِ القيلولةِ، فإنَّ في هذا عوناً على أداءِ صلاةِ التراويحِ، الصيامُ كلُّه من أجلِ هذه الصلاةِ، من أجلِ أنْ تؤدّيَ هذه الصلاةَ وأنَتَ نشيطٌ، من أجلِ أنْ تقبضَ الثمرةَ في الصلاةِ، من أجلِ أنْ تفهمَ القرآنَ، من أجلِ أنْ يذوبَ قلبُك حباً للهِ ، فإنَّ الصلاةَ هي المُناسبةُ، فاستعِنْ على القيامِ بالقيلولةِ.
هذه بعضُ الوصايا الصحيةِ التي وصَّى بها النبيُّ ﵊.
العلاقة بين أيام البيض وصيامها طبيا
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الْبِيضَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ".
стр. 85
سقتُ هذا الحديثَ لأربطَ ربطاً محكماً بينه وبين حقيقةٍ علميةٍ، وهي أنه ثبتَ أن هناك علاقةً بين حركةِ الإنسانِ في الحياة ودورةِ القمرِ، فقد جاء باحثٌ وأَخَذَ ملفاتِ دوائرِ الشرطةِ في الأيامِ التي تقابلُ أيامَ البيضِ، فوجدَ أنّ نسبَ الحوادثِ أعلى بكثيرٍ من بقيةِ الأيامِ، فالإنسانُ حينما يصومُ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ولا سيّما هؤلاء الذين يَشْكُون من عصبيةِ المزاجِ، فإنَّ صيامَ أيام البيضِ، أي الثالثَ عشرَ، والرابعَ عشر، والخامسَ عشرَ له تأثير فيهم، والذي يأتي به النبيُّ ﵊ كما تعلمون ليس مِن خبرتِه، ولا من اجتهادِه، ولا من ثقافتِه، ولا من علمِه الشخصيِّ، إنما هو وحيٌ منَ اللهِ ، ربما كان هناك علاقةٌ بين دورةِ القمرِ، واضطرابِ الإنسانِ، فالصيامُ قد يهدِّىء من اضطرابِ النفسِ، ومن رُعونتِها.
الحمل والجنين والولادة
علم الوراثة في السنة النبوية
إنّ النبيّ ﵊ في بعضِ أحاديثِه الشريفةِ قرَّرَ النتائجَ العمليةَ لقوانينِ الوراثةِ، فممَّا يُعلَمُ أنّ البيضةَ الملقَّحةَ خليةٌ لها نَواةٌ عليها صبغياتٌ، وفيها المورِّثاتُ، وأنّ عددَ هذه المعلوماتِ التي تحتويها المورِّثاتُ كبيرٌ جدّاً، عُرِفَ من هذه المورثاتِ حتى الآن ثمانُمئةِ موّرثٍ فقط، هذه المورثاتُ في النطفةِ تتفاعلُ مع المورثاتِ في البيضة، وتنشأُ البيضةُ الملَقَّحةُ من مورثاتِ النطفةِ، ومورثاتِ البيْضَةِ، وهذا ما عَنَاه ربُّنا حينما قالَ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: ٢] .
стр. 86
يقولُ علماءُ الوراثةِ: "إنّ التزاوجَ بينَ الأقاربِ من الدرجةِ الأولى ينقلُ الأخطاءَ في المورِّثاتِ، أو الضعفَ، أو الأمراضَ، أو العاهاتِ إلى الأجيالِ بنسبةِ خمسينَ بالمئةِ، والزواج من الأقارب مِن الدرجةِ الثانيةِ ينقلُ الأخطاءَ في المورِّثاتِ بنسبةِ اثني عشرَ بالمئةِ، ومن الدرجةِ الثالثةِ بنسبةِ ستّةٍ بالمئةِ"، وهذا التفسيرُ العلميُّ وراءَ قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣] .
أمّا الزواجُ من الأقاربِ مِن الدرجةِ الرابعةِ ففيها تقلُّ نسبةُ انتقالِ الأخطاءِ في المورِّثاتِ، وقد رُوِيَ عن عمر ﵁: (اِغْتَرِبُوا، لاَ تُضْوُوا) .
فكلّما ابتعدتَ في اختيارِ الزوجةِ جاءَ النَّسْلُ قويّاً.
ويقولُُ سيدُنا عمرُ ﵁ أيضاً: (لا تَنْكِحُوا قَرَابَةَ القَرِيبَةِ، فإنّ الوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِياً) ، يعني ضعيفاً.
ويقولُ ﵊: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، فَإِنَّ النِّسَاءَ يَلِدْنَ أَشْبَاهَ إِخْوَانِهِنَّ وَأخَوَاتِهِنَّ".
والعوامُّ يقولون: الطفلُ كخالهِ، أو كخالتِه.
ويقولُ ﵊: "اُطْلُبُوا مَوَاضِعَ الأَكْفَاءِ لِنُطَفِكُمْ فَإنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَخْوَالَهُ".
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الأَكْفَاءَ، وَأََنْكِحُوا إِلَيْهِمْ".
وتحسينُ النسلِ يُعدُّ مِن أرقى علومِ الوراثةِ، أيْ أن يأتيَ جيلٌ يتمتَّعُ بقدراتٍ عقليّةٍ عاليةٍ، وبنيةٍ جسميةٍ فائقةٍ، ونفسيةٍ متفتحةٍ، غيرِ متشائمةٍ، وغيرِ مريضةٍ، هذا الذي عَنَاه النبيُّ ﵊.
لذلك لك على ابنِك حقوقٌ كثيرةٌ جداً، وله عليك حقٌّ أوّل، هذا الحقُّ أن تحسنَ اختيارَ أمّه، هذا أوَّلُ حقٍّ من حقوقِ أولادِك عليك قبلَ أنْ يأتوا إلى الدنيا.
стр. 87
قبلَ أن يختارَ الإنسانُ زوجتَه، أمَّ أولادِه، شريكةَ حياتِه يجبُ أن يقفَ عندَ هذا الاختيارِ طويلاً، ليطبقَ السّنةَ النبويةَ، فمَنْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ لِجَمَالِهَا أَذَلَّهُ اللهُ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا أَفْقَرَهُ اللهُ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا زَادَهُ اللهُ دَنَاءَةً، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ.
من إعجاز القرآن علم الأجنة
إنّ مِن دلائلِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ قولَ اللهِ عزوجلَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٣] ، دقِّقُوا في حروفِ العطفِ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ والقرارُ المكينُ هو الرَّحِمُ، ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] ، ثم جاءت الفاءُ في قوله: ﴿فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً﴾ [المؤمنون: ١٤] .
فمِنَ العلقةِ إلى المضغةِ عطفٌ بالفاءِ، وكذا مِن المضغةِ إلى العظامِ، وِمَن العظامِ إلى اللحمِ، أما مِنَ النطفةِ إلى العلقةِ فقد جاء العطفُ بـ "ثُمَّ"، وَالفاءاتُ بعْدَها متلاحقةٌ، مع العلم أنّ ثُمّ حرفُ عطفٍ للترتيب على التراخي، أما الفاءُ فهو حرفُ عطفٍ للترتيبِ والتعقيبِ.
أَحْدَثُ ما في علمِ الجنينِ أنّ هناك فترةً زمنيَّةً بين مرحلةِ النطفةِ ومرحلةِ العلقةِ، هذه الفترةُ تزيدُ على أسبوعين، حيث يتباطؤُ فيها نموُّ الجنينِ؛ لأنّ هذه المرحلةَ مرحلةُ انغرازِ النطفةِ في جدارِ الرحمِ، والجنينُ في هذه المرحلةِ لا ينمو، ولكنّه يوطِّدُ طرائقَ امتصاصِه للغذاءِ مِنَ الرَّحِمِ، ولا يكونُ في هذه المرحلةِ إلا كقرصٍ من الخلايا المنتظمةِ على شكلِ صَفَّيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ، فهذا البطءُ في مرحلةِ نموِّ الجنينِ في الأسبوعِ الثانِي والثالثِ مِنَ اللقاحِ عبَّرَ اللهُ عنه بحرفِ "ثُمَّ"، أمّا مِنَ العلقةِ إلى المضغةِ فقال عزوجل: ﴿فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً﴾ وفي مرحلةٍ واحدةٍ قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً﴾ .
стр. 88
خلالَ أسبوعين لا تتَّجهُ هذه البيضةُ الملقَّحةُ التي تكاثرتْ إلى مئةِ خليةٍ إلى النموِّ، بل تتّجِهُ إلى تمكينِ نفسِها من جدارِ الرحمِ، لذلك يتباطؤُ النموُّ، فجاءَ القرآنُ، وهو كلامُ الخالقِ معبِّراً عن هذه الحقيقةِ العلميةِ بحرفِ "ثم"، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢-١٤] .
هذا كلامُ ربِّ العالمين، هذا كلامُ خالقِ الكونِ، وآياتُ إعجازِ القرآنِ لا تنقَضِي، وكلّما تقدَّمَ العلمُ كَشَفَ وجهاً من وجوهِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ.
تطابق علم الأجنة مع الحديث النبوي الشريف
ثمَّةَ علمٌ تاريخُه حديثٌ، اسمُه علمُ الأجِنَّةِ، وهو علمُ تكوُّنِ الجنينِ في رَحِمِ الأمِّ، وقد تَقَدَّمَ هذا العلمُ في السنواتِ الأخيرةِ تقدُّماً كبيراً، حتى أصبحَ بإمكانِ الأطبّاءِ والعلماءِ أنْ يصوِّروا الجنينَ وهو في الرَّحِمِِ في مراحلِ نُمُوِّهِ وتطوُّرِه، فهناك صورةٌ للجنينِ في الأسبوعِ الثالثِ، وصورةٌ في الأسبوعِ الرابعِ، وصورةٌ في الأسبوعِ الخامسِ، وصورةٌ في الأسبوعِ السادسِ، ويَعنِينا من كلِّ هذه الصورِ صورةٌ للجنينِ في رَحِمِ الأمِّ وهو في بدايةِ الأسبوعِ السادسِ، ماذا نرى؟.
نَرى الأنفَ مختلطاً بالفمِ، متصلاً بالعينِ، نرى اليدَ كأنّها مجدافٌ قصيرٌ، نرى الرأسَ ملتصقاً بالجذعِ، هذه صورةُ الجنينِ في بدايةِ الأسبوعِ السادسِ، فإذا انتهى هذا الأسبوع ابتعدَ الرأسُ عن الجذعِ، وتوضَّحَتْ معالمُ العينينِ، ومعالمُ الأنفِ، ومعالمُ الفمِ، وملامحُ اليدينِ، والرجلينِ، هذه الملامحُ هي ملامحُ نهايةِ الأسبوعِ السادسِ، والأسبوعُ سبعةُ أيامٍ، فإذا ضَرَبْنَا سبعةً بستةٍ، فالناتجُ هو: اثنان وأربعون (٤٢) .
стр. 89
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا مَرَّ باِلنُّطْفَةِ اِثنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكاً فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَلَحْمَهَا، وَعِظَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ! أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ! أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ! رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلاَ يَزِيدُ عَلَى أَمْرٍ، وَلا يَنْقُصُ".
انظرْ كيف جاء هذا الحديثُ متطابقاً تطابقاً دقيقاً جداً مع الصورِ التي تلتَقَطُ للجنينِ، وهو في نهايةِ الأسبوعِ السادسِ، قال الله : ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٣-٤] .
ما من كل الماء يكون الولد
في حديثٍ صحيحٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ما مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ".
ويقولُ العلمُ الآن: يزيدُ عددُ النطافِ المنويةِ في اللقاءِ الزوجيِّ على ثلاثمئةِ مليونٍ، وكل نطفةٍ لها رأسٌ، ولها عُنُقٌ، ولها ذَيْلٌ، وتَسْبَحُ في سائلٍ يغذِّيها، ويسهِّلُ حركتَها، ويتَّجِهُ هذا العددُ الكبيرُ - ثلاثمئة مليون - على البيضةِ كي تُلقَّحَ بحيوانٍ واحدٍ من ثلاثمئةِ مليونِ نطفة، لأنه "مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ"، فكيف عرفَ النبِيُّ ﷺ ذلك؟ مِن أيِّ مَخبَرٍ استقى معلوماتِه؟ مِن أيِّ بحثٍ علميٍّ أَخَذَ هذه الحقيقةَ؟ وكيف توصَّلَ إليها؟
تصلُ إلى البيضةِ هذه النطافُ، ويتمُّ الاختيارُ من هذه الثلاثمئةِ مليون ثلاثمئة نطفةٍ، فتختارُ البيضةُ نطفةً واحدةً.
стр. 90
كيف تدخلُ هذا النطفةُ البيضةَ؟ شيءٌ معجِزٌ! إذا اصطدمَت هذه النطفةُ بجدارِ البيضةِ تمزَّقَ الغشاءُ، فخرجتْ مادةٌ نبيلةٌ مركزةٌ في رأسِ النطفة، مغطاةٌ بغشاءٍ، من نوعِ قرنيةِ العينِ، تتغذَّى بالحلولِ، فأذابتْ جدارَ البيضةَِ، فدخلتْ، وأُغْلِقَ البابُ.
هذه البيضةُ هي خليةٌ، وهذه النطفة هي خليةٌ فيها نواةٌ، وفيها مادةٌ، وفيها غشاءٌ، وعلى نواةِ النطفة ونواةِ البيضةِ معلوماتٌ سمّاها العلماءُ المُوَرِّثاتِ، أو الجينات، يزيدُ عددُها على بضعة ملايين معلومةٍ في النطفةِ الواحدةِ، وفي البيضة كذلك، وهذا الرقْمُ عجيبٌ، بل إنّ هذه المعلوماتِ مبرمجةٌ، وتُفَعَّلُ في وقتٍ محدَّدٍ.
فكل معلومةٍ تتحرّكُ في وقتٍ معينٍ، ففي وقتٍ يخشنُ صوتُ الشابِّ، فتتحرك هذه المعلومةُ، في وقتٍ ينبتُ شعرُ لحيتِه فتتحرَّك أيضاً، وكذا في وقتِ نمُوِّ صدرِ الفتاةِ.
ثمَّةَ بضعةُ ملايين معلومةٍ مكتوبةٍ على نواةِ النطفةِ، وعلى نواةِ البيضةِ، وبعدَ تلقيحِ البيضةِ بالنطفةِ ينقسمُ هذا الهيكلُ، أو هذه البيضةُ الملقَّحةُ.
تنقسمُ البيضةُ الملقَّحةُ إلى مئةِ قسمٍ، وهي في طريقِها على الرحمِ، ثم تصلُ إليه، وهناك عِلمٌ خاصٌّ هو علمُ الأَجِنَّةِ، لا تكفي الأيامُ، ولا الأسابيعُ، ولا الشهورُ في دراسةِ تفصيلاتِه، قال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: ٢] .
ثم جعلناه نطفة في قرار مكين
стр. 91
في القرنِ الثامِن عشرَ حينما بدأَ العالَمُ الغربيُّ يتلمَّسُ طريقَ الِعلْمِ، وبعدَ أنْ اكْتُشِفَ المِجْهَرُ، اسْتقرَّ في أذهانِ العلماءِ أنّ الإنسانَ يُخْلَقُ من نطفةِ الرّجلِ فقط، ثمَّ نُقِضَتْ هذه النَّظريّةُ، واسْتَقرَّ في أذهانِهم شيءٌ آخرُ؛ وهو أنَّ الطّفلَ يُخْلقُ من نطفةِ المرأةِ فقط، وما النّطفةُ التي يُلقيها الذَّكَرُ إلا مُنَبِّهٌ لهذا، وظلّ العلماءُ في القرْنَيْن السابِعِ عشرَ والثامِنِ عشرَ يتخبَّطون في نظريّاتٍ، لكنْ لمّا سُئِلَ النبيُّ ﵊ قبلَ أربعةَ عشرَ قرْناً هذا السؤالَ: ممَّ يُخْلَقُ الإنسانُ؟ أجاب إجابةً تُعَدُّ من دلائلِ نبوَّتِه، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ: لأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ إِلا نَبِيٌّ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مِمَّ يُخْلَقُ الإِنْسَانُ؟ قَالَ: يَا يَهُودِيُّ مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ، وَمِنْ نُطْفَةَِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ، فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ"، هكذا أجابَ النبيُّ ﵊.
وممّا يُعلََمُ أنّ العلومَ الحديثةَ أشارَتْ إلى أنْ الرَّجُلَ في اللّقاءِ الواحِد يخرجُ منه ما يزيدُ على ثلاثمئة مليون نطفةٍ، وأنَّ نطفةً واحدةً فقط تُلقِّحُ البيضَةَ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ"، أليس محمدٌ ﷺ رسولَ اللهِ؟ هل معطَياتُ العصْرِ يومئذٍ كانت كافيَةً لمعرفةِ هذه الحقائقِ؟
стр. 92
شيءٌ آخرُ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٣] ، والقرارُ المكينُ هو الرَّحِمُ، ويقعُ في الوسَطِ الهندسيِّ تماماً من جِسمِ المرأةِ، فلو أُخِذَ خطٌّ منصِّفٌ طوليٌّ، وخطٌّ منصّفٌ عَرْضِيٌّ لكان موقعُ الرَّحِمِ في تقاطُعِ الخطَّيْنِ.
المعنى الثاني: لِمَ سُمِّيَ الرَّحِمُ قراراً؟ لأنَّه يفْرِزُ مادَّةً لاصقةً إذا جاءتِ البَيْضةُ الملقِّحَةُ إلى الرَّحِم الْتصَقَتْ في جِدارِه، فهو قرارٌ لها، وليس ممرّاً، ثمّ إنّ في الرّحِمِ عدداً من الأوْعِيَةِ الدَّمَوِيّةِ يفوقُ حدَّ التصوُّرِ، كلُّها تُمِدُّ هذه البيضة الملقّحةَ بالدّمِ لِيَتَغَذَّى الجنينُ، ولِيَنْموَ في سرعةٍ تُعدُّ أسْرعَ ما في جسمِ الإنسانِ مِن نَسيجٍ في تكاثُرِه وانقسامِه.
شيءٌ آخرُ؛ هذا الجنينُ في غشاءٍ رقيقٍ، وقد بدَا هذا في الصُّوَرِ التي أُخِذَتْ من الجنينِ؛ وهو مغلّفٌ بِغِشاءٍ رقيقٍ، وهذا الغِشاءُ الرقيقُ معلّقٌ في أعلى الرّحِمِ، فهو لا يتأثَّرُ بجُدُرِ الرَّحِمِ، وفوقَ هذا وذاك فقدْ أُحيطَ هذا الجنينُ بسائلٍ يمْتصُّ كلَّ الصَّدماتِ، والأغْرَبُ من هذا أنَّ الرَّحِمَ كلَّه معلّقٌ في حَوْضِ المرأةِ بأربِطَةِ إلى أقطارِ الحوضِ، فالرّحِمُ سائبٌ، والجنينُ سائبٌ، وبين الرِّحِمِ والجنينِ سائلٌ يمْتصُّ كلَّ الصَّدماتِ، كلّ هذا الشَّرْحِ ينْطوي تحتَ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] .
يقول بعضُ علماءِ العِظامِ: "إنّ عظامَ الحوْضِ في المرأةِ هي أقسى عِظامٍ في النّوعِ البشرِيِّ، وهذا مِن أجلِ ردِّ الصَّدَماتِ"، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ، أيْ إنّ هذا القرآنَ كلامُ اللهِ، وهو المعجِزَةُ الخالدةُ، وكلّما تقدَّمَ العلمُ كَشَفَ عن جانبٍ من إعجازِه العلميِّ.
مراحل الحمل الثلاث
стр. 93
قال الله : ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
قد يعْجَبُ الإنسانُ لهذا الرّقمِ المحدّدِ، (أربعةَ أشهرٍ وعشراً) ، لِمَ لمْ يَقُلِ اللهُ: أربعةَ أشهرٍ؟ أَو خمسةَ أشهرٍ؟ أو ستّةَ أشهر؟ أو شهرين؟ أو ثلاثةَ أشهرٍ؟ قال علماءُ الطبِّ: "تمرُّ المرأةُ الحاملُ بِثَلاثِ مراحلَ؛ المرحلةُ الأولى مرحلةُ الشكِّ، وفيها ينقطعُ دمُ الحيضِ، وانقطاعُه علامةٌ على حمْلِ المرأةِ، ولكنْ هل هي علامةٌ قاطعةٌ؟ لا، قد تتوقفُ هذه الدوْرَةُ لأسباب معينة، كالاضْطراباتِ النفسيّةِ، أو الهرمونيّةِ، أو لاختلالٍ في بنيةِ الجهازِ التناسليِّ عند المرأةِ، كلُّ هذا يسْتدْعي أن تنقطعَ الدوْرَةُ الشّهريّةُ، إذاً فانقطاع الدورةِ لا يعدُّ دليلاً يقينياً على الحمل، وبعْدَ مرحلةِ الشكِّ هذه تدخلُ في مرحلةٍ ثانيةٍ هي مرحلةُ الظنِّ، حيث تأتِيها أعراضٌ نفسيّةٌ كالشّعورِ بالكآبةِ، وأعراضٌ هضميّةٌ كالإقياءِ والغثيانِ، والمَيْلِ إلى العزلةِ، فهذه الأعراضُ الهضميّةُ والنفسيّةُ اصطلحَ الناسُ على تسميتِها الوحمَ، حيث أَغْلَبُ الظنِّ أنّها في هذه المرحلةِ حاملٌ، ولكن هل تُعَدُّ هذه المرحلةُ دليلاً قاطعاً على الحملِ؟ أيضاً الجوابُ: لا! ذلك أنّ هناك أعراضاً اسمُها أعراضُ الحمْلِ الكاذبِ، فقد تُفاجَأُ المرأةُ بأنَّ الدوْرةَ قد جاءَتْها، وأُلْغِيَ الحمْلُ.
ولكن في اليومِ السادسِ والعشرين بعدَ المئةِ، أي في اليومِ العاشرِ بعدَ الأشهرِ الأربعةِ التي ذَكَرَها القرآنُ الكريمُ ينبضُ قلبُ الجنينِ، ومع نبضِ قلبهِ يتحرّكُ، وتشعرُ المرأةُ بحركتِه تلك، عندها تدخلُ المرأةُ مرحلةً ثالثةً هي مرحلةُ اليقينِ، فحركةُ الطّفلِ في أحشاءِ أُمِّه دليلٌ قطعيٌّ على الحمْلِ"، لذلك قالَ تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ .
стр. 94
هذه الحقائقُ الطبيّةُ تنطبقُ مع القرآنِ الكريمِ انطباقاً عجيباً، ففي اليومِ السادسِ والعشرينَ بعد المئةِ ينبضُ قلبُ الجنينِ، ومع نبضِ قلبِه يتحرّكُ، وتدخلُ المرأةُ مرحلةً ثالثةً، وهي مرحلةُ اليقينِ.
السائل الأمنيوسي
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾ [الزمر: ٦] .
لقد فسَّرَ العلماءُ هذه الظلماتِ تفسيراتٍ متباينةً، منهم مَن قالَ: "إنها ظلمةُ البطنِ، وظلمةُ الرحمِ، وظلمةُ الأغشيةِ التي تحيطُ بالجنينِ"، وقالَ بعضُهم: "إنّ الجنينَ مُحَاطٌ بأغشيةٍ ثلاثةٍ، وربما كان هذا من إعجازِ القرآنِ العلميِّ.
نقفُ وقفةً عند غشاءٍ واحدٍ؛ هو الغشاءُ الأمنيوسي، هذا الغشاءُ هو الغشاءُ الباطنُ الذي من جهةِ الجنينِ، يحيطُ بهِ مِن كلِّ جانبٍ إحاطةً كاملةً، وهو كيسٌ غشائيٌّ رقيقٌ ومقفلٌ، وفي هذا الغشاءِ المقفلِ سائلٌ يزدادُ مع نموِّ الجنينِ اسمُه السائلُ الأمنيوسي، يصلُ إلى لترٍ ونصفٍ في الشهرِ السابعِ، ثم يعودُ إلى لتر قُبيل الولادةِ.
مِن منا يصدِّقُ أنه لولا هذا السائلُ لَمَا نَجا جنينٌ من موتٍ محقَّقٍ؟
أولاً: إنّ هذا السائلَ يغذِّي الجنينَ، ففيه موادُّ زُلاليةٌ، وموادُّ سكريةٌ، وأملاحٌ غيرُ عضويةٍ.
ثانياً: هذا السائلُ يحمي الجنينَ من الصدماتِ، وقد طبقتْ هذا المبدأَ مركباتُ الفضاءِ، حيثُ إنّ كبسولةَ الروادِ كان بينها وبينَ جسمِ المركبةِ سائلٌ من أجلِ امتصاصِ الصدماتِ، فحينما تأتي الجنينَ صدمةٌ من هذه الجهةِ، قوّتُها ٤ كيلو غرامات على سنتمتر مربّع مثلاً فإنّ السائلَ يوزِّعُ هذه القوةَ على كلِّ السطحِ، فيصبحُ هذا الضغطُ نصفَ ميليمترٍ، وإنّ أحْدَثَ طريقةٍ لامتصاصِ الصدماتِ أن يكونَ بين الشيءِ الذي تخافُ عليه، والمحيطِ الخارجيِّ سائلٌ.
стр. 95
ومثلُ هذا السائلِ موجودٌ في الدماغِ أيضاً، حيثُ إنّ المخَّ محاطٌ بسائلٍ يمنعُ تأذِّي المخِّ بالصدماتِ، بل إنَّ هذا السائلَ يمتصُّ كلَّ صدمةٍ مهما تكنْ كبيرةً، وهذا السائلُ الأمنيوسي هو الذي يحمِي الجنينَ من الصدماتِ، والسقطاتِ، والحركاتِ العنيفةِ، التي تصيبُ المرأةَ الحاملَ، فإنّ أيَّ ضربةٍ، أو أيِّ صدمةٍ يمتصُّها هذا السائلُ، ويوزِّعُها على كلِّ سطحِ الجنينِ حتّى لا يتأثرَ.
ثالثاً: هذا السائلُ يسمحُ للجنينِ بحركةٍ حرّةٍ خفيفةٍ، فإنّ الأجسامَ، وهي في السوائلِ تبدو حركتُها أسهلَ بكثيرٍ ممّا لو لم يكن هناك سائلٌ.
رابعاً: إنّ هذا السائلَ جهازُ تكييفٍ، له حرارةٌ ثابتةٌ لا تزيدُ، ولا تقلُّ، إلا في أجزاءِ الدرجةِ، فمهما كان الجوُّ الخارجيُّ بارداً أو حاراً، فإنّ هذا السائلَ يحقِّقُ للجنينِ حرارةً ثابتةً تعِينُه على النموِّ.
خامساً: يمنعُ هذا السائلُ التصاقَ الجنينِ بالغشاءِ الأمنيوسيِّ، ولو أنّ هذا الالتصاقَ حَصَلَ لكان هناك تشوهاتٌ في خَلْقِ الجنينِ.
سادساً: إنّ هذا السائلَ نفسَه يسهِّلُ الولادةَ، وهو الذي يعينُ على الانزلاقِ، وتوسيعِ الأماكنِ التي سوف يمرُّ منها الجنينُ.
سابعاً: هذا السائلُ حينما يسبقُ الجنينَ إلى الخارجِ يطهِّرُ، ويعقِّمُ المجرَى لئلا يُصَابَ الجنينُ بالتسمُّمِ، فمِن تطهيرِ المجرَى، ومن تسهيلِ الولادةِ، ومِن منعِ التصاقِ الجنينِ بالغشاءِ الأمنيوسيِّ، ومِن تحقيقِ الحرارةِ الثابتةِ، ومِن تحقيقِ الحركةِ الحرّةِ الخفيفةِ، ومِن حمايةِ الجنينِ مِن الضرباتِ واللكماتِ، ومن تغذيةِ الجنينِ، إنّ هذا السائلَ الأمنيوسي الذي جَعَلَه اللهُ داخلَ الرحمِ، وداخلَ الغشاءِ الأوّلِ يسْبَحُ فيه الجنينُ لهو آيةٌ مِن آياتِ اللهِ : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذلكم الله رَبُّكُمْ﴾ [الزمر: ٦] .
ذلك عالِمُ الغيبِ والشهادةِ، ذلك هو الخلاقُ العليمُ، ذلك هو الرَّبُّ الكريمُ.
стр. 96
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ [القيامة: ٣٦-٤٠] .
وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ١٧-٢١] .
المشيمة غشاء عاقل أم تقدير إلهي ؟
стр. 97
المشيمةُ هي قرصٌ كبيرٌ يرافقُ الجنينَ في رَحِمِ الأمِّ، هذه المشيمةُ تُلقَى بعد الولادةِ، وفيها دورتان دمويتان يفصلُ بينهما غشاءٌ رقيقٌ اسمُه الغشاءُ المشيميُّ، الدورتان الدمويتان هما دورةُ دمِ الأمِّ، ودورُ دمِ الجنينِ، ومن المعلومِ أنّ زمرةَ دمِ الأمِّ غيرُ زمرةِ دمِ الجنينِ، كلُّ دمٍ له زمرةٌ قائمةٌ بذاتِها، وهاتان الدورتان تُفصَلانِ في المشيمة، ويفصل بينهما غشاءٌ رقيقٌ، هذا الغشاءُ الرقيقُ فيه معجزةٌ كاملةٌ، إنه يفصلُ بين دماءِ الجنينِ، ودماءِ الأمِّ، ولكنّه يسمحُ بمرورِ الغذاءِ المنتقَى والمختار بعنايةٍ فائقةٍ من دمِ الأمِّ إلى دمِ الجنينِ، إنه غشاءٌ عاقلٌ، فالجنينُ يحتاجُ إلى بوتاس، وإلى كلس، وغيرِ ذلك، وهذا الغشاءُ يسمحُ بمرورِ ما يحتاجُه الجنينُ من غذاء، يُنتقَى بعنايةٍ فائقةٍ ليلائمَ الجنينَ، ويعينَ على نموِّه، ويسمحُ هذا الغشاءُ أيضاً بمرورِ الأكسجين من دمِ الأمِّ، التي تتنفّسُ، وتأخذُه من الهواءِ، ويعطَى إلى دمِ الجنينِ عبرَ هذا الغشاءِ، ويسمحُ هذا الغشاءُ أيضاً بمرورِ موادِّ المناعةِ من الأمراضِ والأوبئةِ، فإنّ مناعةَ الأمِّ، والتي هي الأضدادُ في دمِها تمرُّ عبرَ هذا الغشاءِ إلى دمِ الجنينِ، وهذا الغشاءُ يسمحُ بانتقالِ الموادِّ السامّةِ، ونتائجِ الاحتراقِ، كغاز ثاني أكسيد الكربون الناتجِ عن عملياتِ البناءِ والهدمِ من دمِ الجنينِ إلى دمِ الأمِّ، ففضلاتُ الجنينِ الموجودةُ في الدمِ تنتقلُ عبرَ هذا الغشاءِ إلى دمِ الأمِّ، إذاً فهو غشاءٌ يسمحُ بمرورِ الغذاءِ المنتقَى، والأكسجين، ويسمحُ بمرورِ المُصولِ المناعيةِ، ويمنعُ مرورَ معظمِ الجراثيمِ والأوبئةِ، ويسمحُ بمرورِ الفضلاتِ الناتجةِ عن الاستقلابِ أو الاحتراق في خلايا جسمِ الجنينِ، فما هذا الغشاءُ؟
стр. 98
كلُّ هذا يتمُّ دونَ أن يختلطَ دمُ الأمِّ مع دمِ الجنينِ، فدمُ الأمِّ مستقلٌّ، ودمُ الجنينِ مستقلّ، وهذا الغشاءُ يفصلُ بينهما، إنه آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالّةِ على عظمتِه، دمُ الأمِّ من زمرةٍ، ودمُ الجنينِ من زمرةٍ، والجنينُ يأخذ الأكسجين والمصولَ المناعيةَ، ويأخذُ الغذاءَ المنتقَى، ويطرحُ الفضلاتِ عبر هذا الغشاءِ، وهذا الغشاءُ لا يسمحُ للجراثيمِ والأوبئةِ أن تمرَّ إلى الجنينِ، فلو أُصِيبَتِ الأمُّ بمرضٍ جرثوميٍّ، فهذا المرضُ في الأعمِّ الأغلبِ لا ينتقلُ إلى جنينِها عبرَ هذا الغشاءِ، إنه غشاءٌ عاقلٌ، هكذا يسمِّيه علماءُ الطبِّ وهو تقدير إلهي ناطق برحمة الله وجميل لطفه، غشاءٌ يسمحُ بمرورِ ما يحتاجه الجنينُ، ويسمحُ بطرحِ ما يؤذِي الجنينََ، ولا يسمحُ بمرورِ ما يؤذي الجنينَ، فما يؤذي الجنينَ يُطرَحُ من دمِ الجنينِ في دمِ الأمِّ، أمّا ما يؤذيه فلا يسمحُ بانتقالِه من دمِ الأمِّ إليه، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه.
لَخَصَّ العلماءُ وظيفةَ المشيمةِ بأنه يعطي الأكسجينَ، ويأخذُ ثاني أكسيد الكربون، فيقومُ بوظيفةِ الرئةِ، فرئةُ الجنينِ في المشيمةِ، ويعطي الغذاءَ المهضومَ بالقدرِ المعلومِ، وقد تتَبَّعَ العلماءُ هذا الغذاءَ عبرَ أشهرٍ فوجدوا أنّ هذه المشيمةَ تعطَي الجنينَ غذاءً مُعَيَّراً تعييراً يومياً بحسبِ نموِّه، إذاً تقومُ هذه المشيمةُ بوظيفةِ جهازِ الهضمِ، وهذه المشيمةُ أيضاً ترسلُ هرموناتٍ تثبِّتُ الجنينَ في الرحمِ، وترسلُ هرموناتٍ تُنَمِّي الثديين استعداداً لفرزِ الحليبِ، لو يعلمُ الإنسانُ ما في هذه المشيمةِ من خصائصَ ووظائفَ ودقائقَ لخرَّ للهِ ساجداً.
الحمل وانقطاع الطمث
إذا كان مِن المسلَّمِ به أنه لا حمْلَ مع الحيضِ، ولا حيضَ مع الحملِ، فلماذا أمَر الله النساءَ أن يتربَّصنَ ثلاثة قروءٍ، أفما كان يكفيهنّ قرءٌ واحدٌ تحيض فيه، فإذا هي ليستْ بحاملٍ؟
стр. 99
قيل: لا، لا يعدُّ وجودُ الحيضِ وانقطاعُ الدمِ لمرةٍ واحدةٍ دليلاً على عدمِ وجود الحملِ، فإنّ هناك حالاتٍ نادرةً تحيضُ فيها المرأةُ في بدايةِ الحمل مرة أو مرتين أو ثلاثاً لأسبابٍ كثيرةٍ، فجاءت الآية لتعطيَ براءةَ الرحمِ على نحوٍ قطعيٍّ لا لَبسَ فيه، قال : ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
من أجلِ أن نعلمَ أنّ هذا التشريعَ تشريعٌ من عندِ خالقِ الكونِ، من أجلِ أنْ نعلمَ أنّ هذه الحالاتِ النادرةَ التي نجدُها في مجموعِ النِّساءِ، ويعلمُها علْمَ اليقينِ الأطبّاءُ، ولا سيما من اخْتصَّ في أمراضِ النّساءِ، هذه الحالاتُ النادرةُ لم تهملها هذه الآيةُ؛ لذلك لا تُعَدُّ الرَّحِمُ بريئةً من الحمْلِ إلا بعدَ القروءِ الثلاثةِ، لأنّ بعْدَها يظهرُ الحمْلُ بِشَكْلٍ سريريٍّ، يُرَى رأْيَ العَينِ من قِبَل الزوجِ، أو مِن قِبَلِ الأمِّ، أو من قِبَلِ المرأةِ.
الجنين ومشاعره
стр. 100
مِن البحوثِ العلميّةِ الطبيّةِ التي تُعدُّ آيةً من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ أنّ الجنينَ كان في نظرِ الطبِّ قديماً كائناً حيّاً في أدنى مستوياتِ الحياةِ، وكانت كتُبُ الطبِّ تَصِفُ حياتَه بحياةِ حبّةِ الفاصولياءِ في أصيصِ الترابِ، كرُشيمٍ، وجُذيرٍ، وسُويقٍ، ومحفظةِ غذاءٍ، جاءتْها الرطوبةُ، وجاءها النورُ، فنما هذا الرُّشَيمُ. وما حركاتُ الجنينِ إلا ردودُ أفعالٍ على المؤثِّراتِ التي تصلُ إليه، وهو في بطنِ أمِّه، ولكنَّ الطبَّ الحديثَ من خلال تطوّرِ وسائلِ الملاحظةِ والمشاهدةِ، ووُصولِ الطبِّ إلى باطنِ الجسمِ الإنسانيِّ، واستخدامِ التنظيرِ، والتصويرِ التلفزيونيِّ، والتسجيلِ الضوئيِّ والصوتيِّ، هذه الوسائلُ المتقدِّمةُ جِدّاً سمحَتْ للطبِّ أن يصلَ إلى الجنينِ، فيطَّلِعَ على حياتِه العضويّةِ، وسُلوكِه النفسيِّ، فكشفَ الطبُّ حقائقَ عجيبةً، أُمٌّ حاملٌ في الشهرِ السادسِ، معتادةٌ على التدخينِ، طلبَ منها الطبيبُ أن تمتنعَ عن التدخينِ مدَّةً طويلةً، ثمَّ قدَّم لها سيجارةً، وما إنْ أشعلتْهَا حتّى أشارَ المقياسُ إلى اضطرابِ قلبِ الجنينِ، وقالوا: هذا منعكسٌ شَرطيٌّ، وهو نوعٌ من أنواعِ التعلّمِ، هذا الجنينُ، وهو في الشهرِ السادسِ، وهو في بطنِ أمِّه تأَذَّى من أمِّه حينما استعملَتِ الدخانَ.
إذا وقعتِ الأمُّ في أزمةٍ نفسيّةٍ كالغضبِ فإنّ الجنينَ يتأثّرُ لتأثُّرِ أمِّه، وتضطربُ أعضاؤُه، وأجهزتُهُ، وإذا كانتِ الأمُّ في سعادةٍ ويُسْرٍ، وكانت تُهَدْهدُه فإنّ الجنينَ يهدأُ، وينبضُ قلبُه، وتنتظمُ أعضاؤُه، والأغربُ من ذلك أنّ الجنينَ وهو في بطنِ أمِّه ينجذبُ إلى صوتِ أبيه، ويقفُ موقفَ المأخوذِ، ويتأكَّدُ هذا بعدَ الولادةِ.
стр. 101
والرِّباطُ هو ارتباطُ الجنينِ بأُمِّه، فإذا رغبَتِ الأمُّ بالحملِ، وتولَّعَتْ به بادلَ الجنينُ أمَّه الابتهاجَ، وقدَّم مودَّته وشكْرَه على حسنِ لقائِها، ويغتني شعورُه بالسكينةِ، ويُعبِّرُ عن امتنانِه بحركاتٍ في بطنِ أمِّه لا حدَّ لعُذوبتِها على قلبِ الأمِ، أما الأمُّ التي لا ترغبُ بالحمْلَ، ويتمّ الحمْلُ، وهي مُكرهةٌ عليه، فإنّ التواصلَ، أو الرِّباطَ ينقطعُ مع الجنينِ، فيحيا الجنينُ حياةً منفصلةً عن أمِّه، فيها الوحشةُ، والانكماشُ، ويسلكُ سلوكَ البلبلةِ، والاضطراب ويختلُّ توازنُه، ويعبِّرُ عن هذه اللامبالاةِ أوّلَ الأمرِ بالصَّبرِ، وبعدئذٍ يضربُ أمَّه بركلاتٍ يرسلُها بقَدَميْه، وكأنَّه يعبِّرُ بها عن احتجاجِه على كراهيتِها له، أمّا بعْدَ الولادةِ فإنّ الجنينَ الذي رفضَتْ أمُّه حَمْلَهُ لا يقبلُ ثَدْيَيْها، بل يُقبِلُ على أيِّ ثديٍ آخرَ، فإذا عُصِبَتْ عيناه، وقُدِّمَ له ثديُ أمِّهِ رَفَضَهُ؛ لأنّها رفضتْهُ في الأصلِ، فالجنينُ يحيا حياةً نفسيّةً، ويبدأُ تعلُّمه وهو في بطن أمِّه.
قالَ بعضُهم: دورةُ النومِ عند الأمِّ قد تكونُ ذاتَ خصائصَ معيّنةٍ، فالأمُّ التي تكثِرُ السَّهَرَ يأتي ولَدُها مشابهاً لها، والأمُّ نؤومةُ الضُّحَى يأتي ابنُها مشابهاً لها، فهناك تأثُّرٌ يتأثّرُ به الجنينُ من أمّه قبلَ أن يولدَ.
стр. 102
الأغربُ من هذا كلِّه إنّ التي جاءَها المخاضُ إذا كان لها إنسانٌ قريبٌ ودودٌ يجلسُ إلى جانبِها، فهذا الإنسانُ القريبُ الودودُ يلعبُ دوراً أساسيّاً في تيسيرِ الولادةِ، ويزدادُ انصبابُ الدمِ على الرحمِ والجنينِ مغذِّياً، فينْتعشُ الجنينُ في أثناءِ المخاضِ، وتتضاءَلُ عقابيلُ نقصِ الأكسجين، هذا النقصُ ربّما أصابهُ بتأخُّرٍ عقليٍّ، أو اضطرابٍ نفسيٍّ، انظروا إلى الأمِّ التي ترغبُ في الحمْلِ، الأمُّ السعيدةُ، الأمّ التي تعيشُ مع زوجِها مطمئنّةً، هذا ينعكسُ صحَّةً جسميّةً ونفسيّةً على حياةِ الجنينِ، والأمّ التي تكونُ إلى جانبِ ابنتِها في أثناءِ الولادةِ يُعينُها ذلك على تيسيرِ الولادةِ، وعلى بُعْدِها عن عقابيلِ نقصِ الأكسجين بالتخلّفِ العقليِّ أحياناً، أو بِدَاءِ الصَّرع، أو بالاضطرابِ النفسيِّ، فانظرُوا إلى حكمةِ اللهِ ، حتى إنَّ الصفاتِ التي تحياها الأمُّ في أثناءِ الحملِ ينعكسُ معظمُها على الجنينِ، وهو في بطنِها.
حينما نبتعدُ عن البُنيةِ الإلهيّةِ التي بنَاها، ونأخذُ أسلوباً آخرَ في الحياةِ، هذا ينعكسُ على صحّةِ أولادِنا، وعلى نموِّهِم، وعلى سلامةِ نفوسِهم.
الشّدّة النفسيّة في أثناء الحمل سبب في تشوه الجنين
الحقيقةُ الرائعةُ تقول: إنّ الضغوطَ العاطفيةَ والنفسيةَ الشديدةَ التي تتعرّضُ لها المرأةُ خلالَ فترةِ الحملِ، وحتى قبلَ فترةِ الحملِ، يمكنُ أن تكونَ عاملاً في ظهور إصابةٍ في الجنينِ تشويهاً واختلالاً، لأنّ أحدَ أسبابِ تشوُّهِ الأجنَّةِ اضطراباتٌ عاطفيةٌ تعيشُها المرأةُ.
لا أبالغُ إذا قلتُ: هناك مئاتُ الموضوعاتِ تؤكِّدُ أنّ الشدةَ النفسيةَ سببٌ لأمراضٍ لا حصرَ لها، والشدةُ النفسيةُ دواؤُها الإيمانُ باللهِ، وطاعتُهُ، والصلحُ معهُ، وذِكْرُهُ، والإقبالُ عليه، والإخلاصُ له، فالمؤمن معافًى من الشدةِ النفسيةِ، والمرأةُ المؤمنةُ الطاهرةُ العفيفةُ المطيعةُ لزوجِها معافاةٌ من هذه الشدةِ النفسيةِ.
стр. 103
يذكرُ العلماءُ أنّ الضغوطَ النفسيةَ القويةَ من خلالِ الحملِ، كفقدانِ الوظيفةِ، أو الطلاقِ، أو الافتراقِ بين الأزواجِ، كأن يسافرَ الزوجُ إلى بلدٍ للعملِ، ويتركُ أسرتَه، أو الحزنِ على ميتٍ، يمكن أن تؤدِّيَ إلى حالاتٍ غيرِ طبيعيةٍ في الجنينِ، وتشوهاتٍ كالشَّرْمِ، وانشقاقِ الشّفَةِ، والحَلْقِ، وغيرِها.
ويقولُ العلماءُ مفسِّرين هذه الظاهرةَ: "الضغطُ النفسيُّ سببٌ في ارتفاعِ هرمونِ الكورتيزون الذي يؤدِّي إلى ارتفاعِ نسبة السكرِ في الدمِ، وتقلُّصِ نسبةِ الأكسجين في الأنسجةِ، وهما عاملان يتسبَّبان في تشوهاتٍ خَلْقِيَّةٍ عند الجنينِ".
إنّ ارتباطَ النفْسِ بالجسدِ أمرٌ عجيبٌ، فإذا صَحَّتِ النفسُ صحَّ الجسدُ، وإذا صحَّتِ النفسُ استقامَ القلبُ، وإذا صحّتِ النفسُ صحَّ كلُّ شيءٍ، وعلاجُنا الوحيدُ أنْ نصطلحَ مع اللهِ، وأن نتوبَ إليه، وأن نطيعَه فيما أَمَرَ، وأن نتّبعَ سُنَّةَ النبيِّ ﵊.
حنان الأم وحليبها
أَوْدَعَ اللهُ رحمةً في قلوبِ الأمّهاتِ، إضافةً إلى رحمةِ الأمهاتِ بأبنائهنّ، التي هي في الحقيقةِ رحمةُ اللهِ بهم، فقد جَعَلَ المرأةَ يسيلُ ثديَاها حليباً من نوعٍ خاصٍّ.
إنّ حليبَ المرأةِ كما يقولُ العلماءُ: "مبهِرٌ، ومدهِشٌ، تعجزُ عن تركيبِه بخصائصِه قُوى البشرِ، ولو اجتمعتْ، وتعجزُ عن صنعِه أضخمُ المعاملِ، ولو تظاهَرَتْ".
стр. 104
أمّا الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ فهو أنّ هذا الطفلَ الذي خَلَقَه اللهُ أودعَ فيه خمائرَ هاضمةً بمقاديرَ تتناسبُ مع حليبِ الأمِّ، فلو أرضعناه حليبَ البقرِ، ولو كان طازجاً، أو كان مجفَّفاً لَعَجَزَ الطفلُ عن هضمِه، وتبقى كميّاتٌ كبيرةٌ من الموادِّ الدسمةِ، والبروتينياتِ، والأحماضِ الأمينيةِ دونَ هضمٍ، وإنّ طَرْحَ هذه الموادِّ عن طريقِ الكليةِ يُجْهِدُها، لذلك نجدُ الطفلَ الذي يَرضعُ حليبَ البقرِ تَجهدُ كُليتاه في طرحِ الموادِّ الدسمةِ، والأحماضِ الأمينيةِ، والبروتيناتِ التي لم يستطعْ هضْمَها، فخمائرُ الهضمِ عنده متوافقةٌ مع حليبِ الأمِّ، وليست متوافقةً مع حليبِ البقرِ، ففي حليبِ البقرِ أربعةُ أمثالِ ما في حليبِ الأمِّ من الأحماضِ الأمينيةِ.
قالَ العلماءُ: "إنّ ارتفاعَ نسبةِ الأحماضِ الأمينيةِ في الدمِ تسبِّبُ للطفلِ الرضيعِ القصورَ العقليَّ، والآفاتِ القلبيةَ، والآفاتِ الوعائيةَ، وأمراضَ جهازِ الهضمِ، والكبدِ، والأمراضَ المزمنةَ التي تلازمُ الإنسانَ طوالَ حياتِه".
أمّا تركيبُه (حليب الأم) فإنّه في تبدُّلٍ مستمرٍّ، بحسبِ حاجاتِ الرضيعِ، ومُتَطَلَّباتِهِ، وبحسبِ احتمالِ أجهزتِه، وأعضائِه، وهو أكثرُ ملاءمةً، وأكثرُ تركيزاً، وأكثرُ احتمالاً، وأقلُّ ضرراً، وهو آمنُ طُرُقِ التغذيةِ، من حيثُ الطهارةُ، والتعقيمُ، إذ يؤخذُ من الحَلَمةِ مباشرةً، دونَ التعرُّضِ للتلوُّثِ الجرثوميِّ، وحرارتُه ثابتةٌ خلالَ الرضعةِ الواحدةِ، ويصعبُ وجودُ هذا الشرطِ في الإرضاعِ الصناعيِّ، وفوقَ ذلك فهو لطيفُ الحرارةِ في الصيفِ، دافئٌ في الشتاءِ، وهو سَهْلُ الهضمِ، لا تتجاوزُ فترةُ هضمِهِ الساعةَ والنصفَ، بينما تزيدُ فترةُ هضمِ حليبِ القواريرِ على ثلاثِ ساعاتٍ، والطفلُ الذي يَرضعُ من ثديِ أمِّه يكتسبُ مناعةً ضدَّ كلَّ الأمراضِ، لأنَّ في حليبِ الأمِّ موادَّ مضادَّةً للالتهاباتِ المعويةِ، والتنفسيةِ، إضافةً إلى أنه حليبٌ اقتصاديٌّ، وأقلُّ كلفةً.
إنّ معظمَ حالاتِ الرَّبْوِ عندَ الأطفالِ، وإنتانِ الأمعاءِ، وغيرها مِنَ الأمراضِ الشائعةِ ينجُو منها الصغيرُ بالإرضاعِ الطبيعي.
стр. 105
وفي حليبِ الأمِّ موادُّ تمنعُ التصاقَ الجراثيمِ بجدارِ الأمعاءِ، وفي حليبِ الأمِّ موادُّ حامضيّةٌ لقتلِ الجراثيمِ، والإرضاعُ الطبيعيُّ يَقِي من أمراضِ الكوليرا، والزحارِ، ومن أمراضِ شللِ الأطفالِ، والكزازِ، لأنّ مناعةَ الأمِّ كلَّها في حليبِها، وإنّ إرضاعَ الطفلِ من ثَدْيِ أمِّه يَقِيها من أورامِ الثديِ الخبيثةِ، ويَقِي الرضيعَ من الآفاتِ القلبيةِ، والوعائيةِ، وأمراضِ التغذيةِ، والاستقلابِ، بل إنّ الفِطَامَ السريعَ يُحدِثُ رَضّاً نفسيّاً، وانحرافاتٍ سلوكيةً.
وحليبُ الأمِّ سهلُ التحضيرِ؛ ليلاً ونهاراً، في السفرِ والحَضَرِ؛ لأنه جاهزٌ دائماً، بالحرارةِ المطلوبةِ، وبالتعقيمِ المثاليِّ، والسهولةِ في الهضمِ، وفيه المناعةُ التي تَقِي معظمَ الأمراض، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ٤-١٠] ، هديةً مِنَ اللهِ، قال ابن عباس: (النجدانِ هما الثديان) .
ويؤكِّدُ علماءُ نفسِ الأطفالِ أنّ الطفلَ حينما يولَدُ لا يملكُ أيَّ قدرةٍ إدراكيةٍ، بل إنّ كلَّ ما يتمتعُ به الراشدُ من إمكاناتٍ، وقدراتٍ، ومفاهيمَ، ومعقولاتٍ، وخبراتٍ، ومؤهلات، إنما هي نتيجةُ تفاعلِه مع البيئةِ، وهذا فحوى الآية الكريمة:
﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .
لكنَّ منعكساً - على حدّ تعبيرِ علماءِ النفسِ - يولَدُ مع الطفلِ، ولا يحتاجُ إلى تعليمٍ، إنه منعكسُ المَصِّ، إذ لولاه لَمَا وجدتَ إنساناً واحداً على سطحِ الأرضِ في قاراتِها الخمسِ، إنّ الطفلَ الذي يولدُ من توِّه لا يستطيعُ أن يتلقَّى توجيهاتِ والدِه في ضرورةِ الْتِقَامِ ثديِ أمِّه، وإحكامِ إطباقهِما، ثم سحبِ الهواءِ، كي يأتيَه الحليبُ، لا يستطيعُ أن يتلقَّى هذه التوجيهاتِ بالفهمِ، فضلاً عن التطبيقِ.
стр. 106
إنّ العطفَ والحنانَ الذي يتلقّاه الطفلُ مِن أمِّه في أثناءِ الرضاعةِ يُكسِبُه رحمةً في قلبِه تنعكسُ على علاقاتِه بمَن حَوْلَه في مستقبلِ أيّامِه، ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
قالَ العلماءُ: "الحدُّ الأدنى ستةُ أشهرٍ، والحدُّ الأتمُّ حولانِ كاملانِ".
وصيغةُ (يُرْضِعْنَ) جاءتْ خبراً في معرضِ الأمرِ، أي: أيّتُها الوالداتُ أَرْضِعْنَ أولادَكُنَّ، وكلُّ أمرٍ في القرآنِ يقتضي الوجوبَ ما لم تكن هناك قرينةٌ تَنُصُّ على خلافِ ذلك.
نقطةٌ دقيقةٌ: إذا حَدَثَ ما يمنعُ الرضاعةَ من الأمِّ، فالعلماءُ يقولون: "ينبغي أنْ تبحثَ له عن مُرضعةٍ، لا أنْ ترضِعَه من حليبِ البقرِ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، فالبديلُ ليس حليبَ القواريرِ، بل أنْ تبحثَ له عن مرضعةٍ، وهذه المرضعةُ ينبغي أن تكونَ صحيحةً جيدةً، وذاتَ عقلٍ كبيرٍ، وخُلُقٍ قويمٍ".
وقد ألزمتْ حكوماتُ أكثرِ الدولِ معاملَ حليبِ الأطفالِ أن تكتبَ على كل عُبوةٍ: (لا شيءَ يَعْدِلُ حليبَ الأمِّ) .
وقد أجرِيَ بحثٌ علميٌّ في بلدٍ متقدِّمٍ، قاسَ فيه الباحثونَ مستوى الذكاءِ الفطريِّ لدى عددٍ من الأطفالِ من شعوبٍ متعددةٍ، بالنسبةِ للإرضاعِ الطبيعيِّ والصناعيِّ، فكانتِ النتائجُ مدهشةً؛ حيث إنّ أطفالَ جزرِ الباسيفيك يتمتعون بأعلى نسبِ الذكاءِ من بينِ مجموعةِ الأطفالِ الذين تناولَهُم البحثُ، وذلك بسببِ أنهم لا يعرفونَ الإرضاعَ الصناعيَّ إطلاقاً، لقد صَدَقَ اللهُ إذ يقولُ: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
هذا منهجُ اللهِ ، إنه تعليماتُ الصانعِ، فما الذي يمنعُ العبدَ أن يطيعَ اللهَ ؟ وما الذي يمنعُه أن يكونَ مؤمناً، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] ، لذلك قالَ بعضُ العارفين:
تَدَارَكْتَنا باللطفِ في ظلمةِ الحشَا ... وخيرَ كفيلٍ في الحشا قد كفَلْتَنَا
وأسكنتَ قلبَ الأمهاتِ تعطُّفاً ... علينا وفي الثديين أجريتَ قوتَنا
стр. 107
وأنشأتنا طفلاً، وأطلقتَ ألسناً ... تترجِمُ بالإقرارِ أنك ربُّنا
وعرَّفْتَنا إيّاكَ، فالحمدُ دائماً ... لوجهِك إذ ألهَمْتَنا منك رُشْدَنا
لقد أسكنَ اللهُ في قلبِ الأمهاتِ رحمةً، وأَجْرَى في صدورهنّ حليباً، إنها رحمةٌ معنويةٌ، وغذاءٌ طبيعيٌّ.
التعليل العلميّ لقاعدة "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب "
يقولُ تعالى كتابِه العزيزِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة وأمهات نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٢٣] .
وعَنْ عَائِشَةَ ﵄ أنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، حَتَّى أَسْاَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ فَائْذَنِي لَهُ" قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ".
إنّ هذين النَّصَّيْنِ - الآيةَ والحديثَ - يَدُلانِ على أنّ الرضاعةَ بشروطِها المعروفةِ تجعلُ الابنَ الرضيعَ ابناً للمرضِعِ، وأخاً لمَن يشاركُه في الرضاعةِ، وإنّ القرابةَ من الرضاعةِ تثبتُ، وتنتقلُ في النسلِ، في ضوءِ المعلوماتِ الحديثةِ التي جاءتْ بها الهندسةُ الوراثيةُ، وهي أحدثُ بحوثِ الطبِّ.
стр. 108
تؤكِّدُ الهندسة الوراثيةُ أنّ الرضاعةَ تنقلُ بعضَ الجيناتِ من المُرضِعةِ إلى الرضيعِ.
وهذه القرابةُ التي جَعَلَهَا النبيُّ ﷺ في السُّنَّةِ كقرابةِ النسبِ، وجَعَلَها القرآنُ أيضاً كذلك، هذه القرابةُ سببُها العلميُّ انتقالُ الجيناتِ من حليبِ الأمِّ المرضعِ إلى الرضيعِ، هذه الجيناتُ تخترقُ خلايا الرضيعِ، وتندمجُ معَها في سلسلةِ الجيناتِ التي عندَ الرضيعِ، وتَصِلُ إلى مُورِّثاته.
وقالَ العلماءُ: "إنّ الحليبَ يحتوي على أكثرَ من نوعٍ من الخلايا، وإنّ الجهازَ الوراثيَّ في الرضيعِ ينقلُُ الجيناتِ الغريبةَ، ويقبَلُها؛ لأنه غيرُ ناضجٍ، فإذا أرضعتِ امرأةٌ طفلاً اخترقَتِ الجيناتُ التي في حليبِها خلاياه، واستقرَّتْ فيها، ووصلَتْ إلى جهازِه الوراثيِّ"، فلذلك قال ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ".
إنّ النبيَّ ﵊ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى، فكلُّ شيءٍ في القرآنِ، والسُّنَّةِ الصحيحةِ له أصلٌ علميٌّ، وقد عرفَ علماءُ الوراثةِ الآنَ أنّ هذا الحليبَ المؤلَّفَ من مجموعِ خلايا يخترقُ نُسُجَ الجنينِ إلى جيناتِه الأساسيةِ، ويندمجُ فيها، وأنّ جهازَه الوراثيَّ يتقبلُ كلَّ شيءٍ غريبٍ حتى يصبحَ كأنّه منهُ.
فالنبيُّ ﷺ حينما قالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ" لم ينطقْ إلا عن وحيٍ أوحاهُ اللهُ إليه.
الهيكل العظمي
وانظر إلى العظام
يقولُ ربُّنا سبحانه: ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ [البقرة: ٢٥٩] .
стр. 109
قالَ العلماءُ: "العِظامُ في مُجملِها مُركّبةٌ من مادّةٍ أساسيّةٍ هي الكالسيومُ، ولكنّ توزيعَ هذه المادّةِ مع مُتَمِّماتِها على شكلٍ آخرَ، فخَمْسةٌ وثمانون بالمئةِ من العِظامِ كالسيوم وفوسفات، وعشرةٌ بالمئةِ كالسيوم الكاربونات، وثلاثة بالألفِ كالسيوم الكلوريد، واثنان بالألفِ كالسيوم الفلوريد، وواحدٌ بالمئة فوسفات المغنزيوم، هذه نِسَبُ الكالسيوم مع المُتمِّماتِ في العِظامِ، وتِسْعةٌ وتسعون بالمئةِ من كالسيوم الجِسْمِ مُتَوَضِّعٌ في العِظامِ، ولكَنّ اِمْتِصاصَ الكالسيومِ من الأمعاءِ لا يتِمُّ إلا بهرمونٍ تفرِزُهُ غدَّةٌ صغيرةُ جِدّاً إلى جانبِ الغدّةِ الدرقيّةِ، فلو تعطَّلَتْ هذه الغدَّةُ الصغيرةُ جِدّاً التي اسْمُها جِوار الغدّةِ الدرقيّةِ لما أمْكَنَ امْتِصاصُ الكالسيوم من أمعاءِ المخلوقِ".
شيءٌ آخرُ، توضُّعُ الكالسيوم في العظام يحتاجُ إلى فيتامين (د) ، فإذا لمْ يتوافرْ هذا الفيتامين أُصيبَ الطّفلُ بهَشاشةٍ في عِظامِهِ، أو بلينٍ في عِظامِهِ، وموْطِنُ الشاهدِ في الموضوعِ أنّ شكلَ العظامِ على شَكلِ شَوْكِيّاتٍ، وهذه الشَّوْكِيّاتُ تتداخلُ، وإذَا تداخلَتْ كَوّنَتْ جِسْماً متيناً لِدَرجةٍ متناهِيَةٍ، والحقيقة أنّ عظْمَ عنقِ الفخِذ يتحمّلُ ضغطاً يعادِلُ مئتين وخمسين كيلو تقريباً، ففي العظامِ خصائصُ المتانةِ والقوّةِ على نحوٍ عجيبٍ، قال ربُّنا : ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ .
ننْشزُها أي: نجعلُها على شكلِ شوكيّاتٍ متداخلةٍ، حيث تبدو متينةً وقاسيَةً جِدّاً.
ما زلنا نصرُّ على أنّ جسمَ كلٍّ منَّا فيه من الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ الشيءُ الكثيرُ، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
الهيكل العظميّ للإنسان
стр. 110
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه هذا الهيكلُ العظميُّ الذي هو قِوامُ جسمِنا، إنه نسيجٌ متينٌ، يقاومُ قُوى الشدِّ، ونسيجٌ قاسٍ يقاومُ قُوى الضغطِ، هذا النسيجُ المتينُ القاسي أحدُ وظائفِه الكبرى أنه يحمي الأجهزةَ النبيلةَ، فالدماغُ من أنبلِ الأجهزةِ، وهو موضوعٌ في كرةٍ عظميةٍ هي الجمجمةُ، والنخاعُ الشوكيُّ جهازٌ نبيلٌ، موضوعٌ في العمودِ الفقريِّ، والقلبُ أخطرُ أجهزةِ الجسمِ موضوعٌ في القفصِ الصدريِّ، والرحمُ موضوعٌ في عظمِ الحوضِ، ومعاملُ كرياتِ الدمِ الحمراءِ موضوعةٌ في داخلِ العظامِ، ولولا الجهازُ العظميُّ لكان الإنسانُ كومةً من الجلدِ واللحمِ لا شكلَ لها.
هذا الجهازُ مؤلَّفٌ من مئتي قطعةٍ، بِنيتُها قاسيةٌ، ومحكمةٌ من الخارجِ، ومَساميةٌ إسفنجيةٌ من الداخلِ، لو أنّ بِنيتَها من الداخلِ كما هي من الخارجِ لَكَانَ وزنُ أحدِنا أربعةَ أمثالِ وزنِه الطبيعيِّ، لو أنّ وزنَك الآن سبعون كيلو غراماً، يصبح مئتين وأربعين.
يقولُ العلماءُ هذا القولَ الرائعَ: "في بِنيةِ العظم يتحقّقُ حدٌّ أقصى من النتائجِ، بحدٍّ أدنى من اللوازمِ، فهناك توازنٌ رائعٌ بين البُنيةِ المقاومةِ، والوزنِ الخفيفِ".
الطائرةُ التي نركبُها تزنُ مئةً وخمسين طنّاً، وقُودُها يزنُ مئة وخمسين طنّاً، يكفيها أربع عشرةَ ساعةَ طيرانٍ، لو أنها صُنِعَتْ من ثلاثمئة طنٍّ من الحديدِ لاحتاجتْ إلى ثلاثمئة طنٍّ من الوقودِ.
لو كان وزنُنا أربعةَ أمثالِ ما نحن عليه، فهناك مشاكلُ جماليةٌ، وهناك هدرٌ للطاقةِ بلا مسوِّغٍ.
أغربُ ما في هذا الجهازِ أنّ هناك هدماً وبناءً مستمرَّيْنِ، حيث إنّ الإنسانَ يتجدَّدُ هيكلُه العظميُّ خمسَ مراتٍ في عمرٍ متوسطٍ، يعني كلَّ ستِّ أو سبعِ سنواتٍ لك هيكلٌ عظميٌّ جديدٌ كلياً بفعلِ عمليةِ الهدمِ والبناءِ.
следующие страницы →