Полный текст (485 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
والشيءُ الثالثُ هو انّ البخارَ أو أنّ الغازَ - إن صحَّ التعبيرُ - المنتشرَ من هذا الطعامِ يتلقَّفهُ الأنفُ ليشمَّه، فطعمُ الطعامِ أساسُه شمٌّ وذوقٌّ، فكلُّ طعامٍ نأكَلُه، ونستطِيبُه، ونحمدُ اللهَ عليه أسهَمَ في تكوينِه خلايا الشمِّ مع خلايا الذوقِ، والإنسانُ حينما يُصابُ برشحٍ شديدٍ يشعرُ أنّ طعمَ الطعامِ قد اختلفَ في فمِه، هذا مِن فضلِ اللهِ جلَّ وعلا، أما في الدماغِ فهناك مركزٌ آخرُ للذوقِ، كما أنّ هناك مركزاً للشمِّ، وهذا المركزُ يستطيعُ أنْ يفرِّقَ بين عشرةِ آلافِ طعمٍ، وكما يحدثُ في الشمِّ يصلُ هذا الطعمُ إلى الدماغِ فيشعرُ به، ثم يتعرَّفُه، وتعرُّفُه به بأنْ يجريَ هذا الطعمُ على عشرةِ آلافِ طعمٍ في الذاكرةِ الذوقيةِ، فإذا توافقَ هذا الطعمُ مع طعمٍ مسجَّلٍ في الذاكرةِ قال: هذا طعامُ كذا، وهذا الطعامُ فيه المادةُ الفلانيةُ، إلى آخرِه، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
القلب والأوعية
القلب
العباداتُ في مجموعِها، وعلى اختلافِ أنواعِها وأشكالِها تهدفُ إلى تطهيرِ القلبِ من أمراضِه، وتحليتِه بالكمالاتِ التي أرسلها اللهُ له كي يسموَ إلى خالقِه، ويسعدَ بقُرْبِه، وينعمَ بجنّتِه.
القلبُ له في جسمِ الإنسانِ المكانُ الأولُ، وعليه في جميعِ الأمورِ المعولُ، ولا عجبَ فهو القائدُ، والجوارحُ جنودٌ له وخدمٌ، وهو الآمرُ الناهي، والأعضاءُ أتباعٌ له وحشمٌ، وحسبُك فيه قولُ الله ﵎:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] .
والقلبُ حقيقةُ الإنسانِ، ومِن عجيبِ أمرِ اللهِ تعالى فيه أنه جَعَلَ ببقاء قلبِ الجسدِ وصحتِه وانتظامِ عمله حياةَ الجسدِ ونشاطَه، وجعلَ بطهارةِ قلبِ النفسِ وسلامته حياةَ الروحِ وازدهارَها.
والقلبُ هو الجانبُ المدرِكُ من الإنسانِ، وهو المخاطَبُ، والمُطالَب، والمعاتَبُ، وهو محلُّ العلمِ، والتقوى، والإخلاصِ، والذكرى، والحبِّ والبغضِ، والوساوسِ، والخطراتِ، وهو موضعُ الإيمانِ، والكفرِ، والإنابةِ، والإصرارِ، والطمأنينةِ، والاضطرابِ.
стр. 142
والقلبُ هو العالِمُ باللهِ، والمتقرِّبُ إلى اللهِ، وهو المقبولُ عندَ اللهِ، إذا سَلِمَ مِن غيرِ اللهِ، وهو المحجوبُ عن اللهِ، إذا انشغل بما سوى اللهِ، وهو الذي يسعدُ بالقربِ مِنَ اللهِ، ويشقى بالبُعدِ عنه، وقد رُوِي: "عبدي طهَّرتَ منظرَ الخَلْقِ سنينَ، أفلا طهّرتَ منظرِي ساعةً"، والقلبُ هو منظرُ الربِّ، ولا يفلحُ الإنسانُ، ولا يطيبُ إلا إذا زكّاه، ويخيبُ، ويشقَى إذا دنَّسه، ودسَّاهُ.
إنْ فتَّشتَ عن أعجبِ ما خَلَقَ اللهُ في السماءِ والأرضِ لم تجدْ أعْجَبَ، ولا أروعَ، ولا أدقَّ، ولا أجملَ مِن قلبِ الإنسانِ.
تصلح أوتارُه فيفيضُ رحمةً، وشفقةً، وحباً، وحناناً، ومعانيَ لطافاً، وشعوراً رقيقاً، حتى يتجاوزَ في سموِّه الملائكةَ المقرَّبين.
وتفسدُ أوتارُه، فينضحُ قسوةً ولؤماً، وسوءاً حتى يهوى إلى أسفل سافلين، حوَى على دقتّه كرةَ العالَم، فما أدقَّه، وأجلَّه، وما أصغرَه، وأعظمَه، يكبُرُ ولا نرى كِبَرَه، فيتضاءلُ أمامه كلُّ كبيرٍ، ويصغرُ ولا نرى صِغَرَه، فيتعاظمُ عليه كلُّ صغيرٍ.
اتّحدَ شكلُ القلبِ، واختلفت معانِيه، فقلبٌ كالجوهرةِ، صفَا لونُه، وراق ماؤُه، وقلبٌ كالصخرِ قويٌّ متينٌ، ينفعُ، ولا يلمعُ، وقلبٌ هواءٌ، خفَّ وزنُه، وحال لونُه، يموتُ القلبُ، ثم يحيى، ويحيى، ثم يموتُ، ويرتفعُ إلى الأوجِ، ويهبطُ إلى الحضيضِ، وبينما هو يسامِي النجومَ رفعةً إذا هو يلامسُ الطاعةَ طاعةً، أليس أعظمُ بناةِ العالَم قد امتازوا بكبرِ القلبِ، وصدقِ الشعورِ، وقوةِ الإرادةِ، فإنْ وَجَدَ الإنسانُ كلَّ شيءٍ، وفَقَدَ قلبَه فإنه لم يجد شيئاً.
إنّ قلبَ الجسدِ من أعجبِ ما خَلَقَ اللهُ، إنه مِضَخَّةٌ مزدوجةٌ تضخُّ الدمَ الذي يحملُ الغذاءَ والوقودَ إلى كلِّ خليةٍ، ونسيجٍ، وعضوٍ، وجهازٍ عن طريقِ شبكةٍ من الأوعيةِ يزيدُ طولُها على مئةٍ وخمسينَ كيلومتراً.
إنه يعملُ منذ الشهرِ الثاني من حياةِ الجنينِ، وحتى يأتيَ الوقتُ فإنه لا يغفلُ، ولا ينسى، ولا يسهو، ولا يقعدُ، ولا يكبُو، ولا يملُّ، ولا يشكُو، بل يعملُ دونَ راحةٍ، ولا مراجعةٍ، ولا صيانةٍ، ولا توجيهٍ ...
стр. 143
الإنسانُ بجبروتِه يؤذيه، وبنارِ الحقدِ يكوِيه، وبالأحزانِ يبلِيه، وهو أساسُ حياةِ الإنسانِ، وشمسُ عالمِه، عليه يعتمدُ في كلِّ أعمالِه وأحوالِه، ومنه تنبعُ كلُّ قُواهُ، وحركاتُه.. وهو آلةٌ خارقةٌ! لا يعرفُ التعبُ إليها سبيلاً، تزدادُ قدرتٌها أضعافاً كثيرةً، لتواجِهَ الجهدَ الطارئَ، إنها عضلةٌ من أعقدِ العضلاتِ، بناءً، وعملاً، وأداءً، وهي مِن أَمْتنِها، وأقواها، تنقبضُ، وتنبسطُ ثمانينَ مرةً في الدقيقةِ، ويصلُ النبضُ في الجهدِ الطارئ إلى مئةٍ وثمانينَ، ويضخُّ القلبُ ثمانيةَ آلافِ لترٍ في اليومِ الواحدِ، أي ما يعادلُ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ من الدمِ، ويضخُّ القلبُ من الدمِ في طولِ عُمُرِ الإنسانِ ما يكفي لملءِ مستودعٍ بحجمِ إحدى ناطحاتِ السحابِ في العالَمِ.
وينفردُ القلبُ في استقلالِه عن الجهازِ العصبيِّ، فتأتمِرُ ضرباتُه، وتنتظمُ بإشارةٍ كهربائيةٍ من مركزِ توليدٍ ذاتيٍّ، هي أساسُ تخطيطِه، وتتغذَّى عضلةُ القلبِ بطريقةٍ فريدةٍ!! ومِن أعجبِ ما فيه دسّاماتُه المحكمةُ التي تسمحُ للدمِ بالمرورِ باتجاهٍ واحدٍ، وهو مبدأٌ ثابتٌ بالمضخّاتِ.
إنّ القلبَ إذَا سَكَنَ في قَفَصِهِ، واستراحَ من غُصَصِهِ خَلَّفَ وراءَه جثةً هامدةً، كأنها أعجازُ نخلةٍ خاويةٍ، لم ترَ لها مِن حياةٍ باقيةٍ، ولقد حدَّثَ رسولُ اللهِ ﷺ الصادِقُ المصدوقُ عن القلبِ بقوله الموجزِ: "أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
ورَحِمَ اللهُ أحمد شوقي إذْ يقولُ:
دَقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لَهُ ... إنّ الحياةَ دقائقُ وثَوانِ
فارفع لنفسِكَ قبل موتكَ ذِكْرَها ... فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثانٍ
القلب وكيس التامور وخاصة التجلط في الدم
إنّ القلبَ الذي بينَ جوانحِنا مِن عجائبِ خَلْقِ اللهِ ، وقد عَدَّه العلماءُ أقوى وأمتنَ عضلةٍ في النوعِ البشريِّ.
стр. 144
فهذا القلبُ سمّاهُ العلماءُ مضخةً ماصّةً، كابسةً، تؤمِّنُ دورانَ الدمِ في الأعضاءِ، منذ أنْ ينبضَ، وأنت في الرحمِ، وحتى الموتِ، لا يكَلُّ، ولا يملُّ، ولا يستريحُ، ولا يتوقَّفُ حتى نهايةِ الحياةِ.
مِن آياتِ اللهِ الباهرةِ، أنّ اللهَ جعلَ لهذا القلبِ كيساً لصيقاً بهِ هو الشِّغافُ، مغلَّفاً بغشاءٍ آخرَ يُسمَّى التامورَ، هذا الكيسُ يفرزُ مادةً تليِّنُ حركتَه، لئلا يحتكَّ بالقلبِ نفسِه، هي في الآلاتِ كالزيتِ تماماً، أضِفْ إلى أنّ القلبَ مغلَّفٌ بغلافٍ رقيقٍ رقيقٍ، أملسَ، يسمَّى الشِّغافَ، هذا الغشاءُ الرقيقُ الرقِيقُ، الأملسُ الأملَسُ، مع التامورِ الذي يفرزُ المادةَ المليّنةَ، خُلِقَ من أجلِ أنْ ينعدمَ الاحتكاكُ في حركةِ القلبِ.
ومِن الآياتِ العجيبةِ أنّ في الدمِ خاصةً، لولاها لَمَا بَقِيَ أحدُنا حيّاً، هي خاصّة التجلُّطِ، وهي أنَّ الدمَ إذا لامسَ الهواءَ الخارجيَّ تتكوَّنُ منه أليافٌ تسدُّ منافذَ الشرايينِ إلى الخارجِ، لولا هذه الخاصّةُ، خاصّةُ التجلُّطِ لَسَالَ دمُ الإنسانِ كلُّه مِن جرحٍ طفيفٍ، ولكنّ الدمَ ما إنْ يلامسِ الهواءَ الخارجيَّ حتى يتجلَّطَ، ويصبحَ أليافاً تسدُّ المنفذَ الذي فُتِحَ، إنْ كان جرحاً، أو شيئاً مِن هذا القَبِيلِ، ﴿ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ [الأنعام: ٩٦] .
إنه قلبٌ يعملُ، ولا يرتاحُ، يصبُّ الدمُ الوريديُّ الذي أدَّى دورَةً في الأعضاء في الأُذينِ الأيمن، ومنه إلى البُطَينِ الأيمنِ، ومنه إلى الرئتين، وبعد أخْذِ الأوكسجين يعودُ إلى الأذينِ الأيسرِ، فالبطينِ الأيسرِ الذي يدفعه عبرَ الشريانِ الأبهرِ إلى أعضاءِ الجسمِ كلِّه، ففي القلبِ أُذَيْنَانِ، وبُطَيْنَانِ يمصّانِ الدمَ، ويدفعانهِ بلا كَلَلٍ، ولا مَلَلٍ.
قدَّر العلماءُ أنه في كلِّ نبضةٍ يندفعُ من القلبِ مجموعةُ سنتيمتراتٍ مكعّبةٍ، تزيدُ على العشرةِ، في الدقيقةِ الواحدة ثمانون دفعةً، أيْ في الدقيقةِ الواحدة اثنان جالون ونصفٌ من الدمِ يضخُّه القلبُ، وقَدَّرَ بعضُهم ما يضخُّه القلبُ في سبعين عاماً بأربعةِ ملايينِ جالون، وهذا شيءٌ عجيبٌ في هذه العضلةِ.
стр. 145
لذلك مِن آياتِ اللهِ في خَلْقِهِ هذا القلبُ، الذي قالَ عنه النبي ﵊: "أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
جهاز الدوران في الجسم
إنّ آياتِ اللهِ في الكونِ، وآياتِ اللهِ في النفسِ أوسعُ بابٍ ندخلُ منه على اللهِ، وأقصرُ طريقٍ إليهِ، لأنّ هذه الآياتِ تضعُكَ أمامَ عظمةِ اللهِ ، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه نظامُ نقلِ الدمِ في الجسمِ، فالكائنُ الحيُّ بحاجةٍ إلى الغذاءِ من أجلِ نشاطاتِه الحيويةِ، ومن أجلِ ترميمِ خلاياه التالفةِ، ونقلُ الغذاءِ من خارجِ الكائنِ الحيِّ إلى داخلهِ يتولاه جهازُ الهضم، ِ أمّا نقلُ ملخَّصِ جهازِ الهضمِ إلى كل خليةٍ في الجسمِ فهذا من مهامِّ جهازِ الدورانِ.
في الكائناتِ الراقيةِ المعقَّدةِ تعقيداً إعجازياً، ولا سيما الإنسانُ، هذا النقلُ يتمُّ في دارةٍ مغلقةٍ، فجهازُ الدورانِ دارةٌ مغلقةٌ، ومن أجلِ أن يسريَ الدمُ في الأوعيةِ لا بد من مضخةٍ تدفعُه في هذه الأوعيةِ، ولا بد لهذه المضخّةِ من دفعٍ، ومن سحبٍ.
جهازُ الأوعيةِ عبارةٌ عن شرايينَ، وشرايينَ فرعيةٍ، وأوعيةٍ، وأوعيةٍ فرعيةٍ، وأوعيةٍ شعريةٍ، وأوعيةٍ شعريةٍ دقيقةٍ جداً، تغطِّي كلَّ مساحاتِ الجسمِ، ثمّ هذه الأوعيةُ الشعريةُ الدقيقةُ جداً تتَّصلُ بأوعيةٍ شعريةٍ وريديةٍ، وتعودُ إلى وريدٍ صغيرٍ، فأكبرَ فأكْبرَ إلى القلبِ.
стр. 146
الشيء الذي يجلبُ الانتباهَ أنّ عددَ الأوعيةِ الشعريةِ في الجسمِ من مئةٍ إلى مئةٍ وستين مليارَ وعاءٍ شعريٍّ، حيث لو غرزتَ دبوساً في أيِّ مكانٍ لخَرَجَ الدمُ، وطولُ هذه الأوعيةِ في جسمكِ مئةٌ وخمسون كيلو متراً، يمرُّ عبرها من سبعةٍ إلى عشرةِ لتراتٍ من الدمِ، والكريةُ الحمراءُ لو تتبَّعناها لوجدنا أنّها تنطلقُ من القلبِ، وتعودُ إليه في ثلاثٍ وعشرين ثانيةً، والدمُ يدورُ في الأوعيةِ ثلاثةَ آلافٍ وسبعمئةِ مرةٍ في اليومِ، لو كان للأوعيةِ دخولٌ وخروجٌ لَعَبَرَ من خلالِها في اليومِ من سبعةٍ إلى عشرةِ أطنانٍ، يضخُّ القلبُ في اليومِ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ، وكلُّ مترٍ مكعبٍ طنٌّ تقريباً.
خلال عمرٍ يسري عبرَ الأوعيةِ من مئةٍ وخمسين إلى مئتين وخمسين ألفَ طنٍّ، لو أنّ القلبَ مضخةٌ لها فتحةُ دخولٍ وخروجٍ لملأَ أكبرَ ناطحةِ سحابٍ في العالمِ في عمر ستينَ عاماً!!، ولو عَبَّرْنا عن جهدِ القلبِ في الإنسانِ فإنّه يكفي لدفعِ قطارٍ في طريقٍ صاعدٍ إلى قمةِ أربعةِ آلافِ وثمانمئةِ مترٍ، مِن صفرٍ إلى أربعةِ آلافِ وثمانمئةِ متر!!، قال سبحانه: ﴿هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [لقمان: ١١] .
وفي الحديث: "إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
هذه بعضُ الحقائقِ البديهيةِ عن جهازِ الدورانِ في جسمِ الإنسانِ.
الشرايين والأوردة
في الإنسانِ وريدٌ وشريانٌ، في الشريانِ دمٌ مُؤَكْسَدٌ يحملُ الأوكسجينَ، والشريانُ ينقسمُ، ويتشعّبُ، ويتفرَّعُ حتى يصلَ إلى أصغرِ خليةٍ في الجسمِ لإمدادِها بالغذاءِ، والدمُ بحاجةٍ ماسّةٍ ودائمةٍ إلى الأوكسجين؛ لذلك تحملُ الأوردةُ الدمَ إلى القلبِ، ليضخَّ إلى الرئتين ليأخذَ منهما الأوكسجين.
стр. 147
إن دمَ الوريدِ في رحلتِه من القَدمِ إلى القلبِ يمشي بعكسِ اتّجاهِ الجاذبيةِ الأرضيةِ، فالسائلُ لا يصعدُ إلى أعلى، لذلك لا بد من طريقةٍ، حيث إنّ هذا الدمَ الصاعدَ لا ينزلُ، لحكمةٍ بالغةٍ أرادَها اللهُ، ولصَنعةٍ متقنةٍ حكيمةٍ صَنَعها اللهُ، صَنعَ لهذه الأوردةِ التي تنقلُ الدمَ من القدمِ إلى القلبِ صماماتٍ، هي في الحقيقةِ جيوبٌ، تسمحُ للدمِ أنْ يصعدَ، ولا تسمحُ له أن ينزلَ، جيوبٌ على جدرانِ الأوعيةِ إذا صعدَ الدمُ إلى الأعلى تلتصقُ جدرانُها بجدارنِ الأوعيةِ فيمرُّ الدمُ، فإذا أرادَ الدمُ أن ينزلَ امتلأتْ هذه الجيوبُ، وانتفختْ، وتلاصقتْ حتى تغلقَ الطريقَ على الدمِ، فهذه الصماماتُ التي وضعَها اللهُ في الأوردةِ ما الحكمةُ منها؟ الحكمةُ منها أن تسمحَ للدمِ أن يسيرَ باتجاهٍ واحدٍ فقط دون أن يرجعَ.
لو أنّ هذه الصماماتِ أصابَها الخللُ، فلم تغلقِ الطريقَ على الدمِ لتجمَّعَ الدمُ في الأوردةِ، ولارتفعَ ضغطُ الدمِ فيها، ولخرجتِ الكرياتُ الحمراءُ من جدرانِ الأوردةِ إلى الأنسجةِ، فازرقَّتِ الأرجلُ، وتورَّمت، وشعرَ صاحبُها بألمٍ شديدٍ، إنه مرضُ الدوالي، فعملُ الجيوبِ عملٌ في منتهى الدقةِ والروعةِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
مكونات الدم
إنّ دمَ الإنسانِ في رأي أصحاب الاختصاص بمنزلة بحرٍ زاخرٍ بِقِطَعِ الأسطولِ، فهناك سفنٌ للإمدادِ، وهي كريات الدم الحمراءُ، وهناك سفنٌ للدفاعِ، تتمتعُ بقدرةٍ على المناورةِ، والمراوغةِ، والاقتحامِ، وهي الكرياتُ البيضاءُ، وهناك سفنٌ للإنقاذِ من الموتِ المحقَّقِ هي الصفائحُ الدمويَّةُ، وهناك سفنٌ تحملُ الموادَّ الغذائيَّةَ - السكر - وهناك سفنٌ تحملُ الموادَّ المُرَمِّمةَ - البروتين - وهناك سفنٌ تحملُ الفضلاتِ - حمض البول، وحمض اللبن - فالدمُ بحرٌ زاخرٌ بسفنٍ فيها موادُّ، فيه سفنُ إمدادٍ، وسفنُ دفاعٍ، وسفنُ إنقاذٍ، وسفنٌ تحملُ الموادَّ الغذائيةَ، وسفنٌ تحملُ الفضلاتِ، وكلُّ هذه السفنِ تتحركُ بحريةٍ دونَ أن تصطدمَ، ودونَ أن تغرقَ، ودونَ أن يصيبَها عطبٌ.
стр. 148
إنّ هذا السائلَ الأحمرَ الذي هو قوامُ حياتِنا مؤلَّفٌ من كرياتٍ حمراء، وكرياتٍ بيضاءَ، ومِن صفائحَ دمويةٍ، ونقف هنا قليلاً عندَ الكرياتِ الحمراءِ، الكريةُ الحمراءُ خليةٌ، أبعادُها دقيقةٌ، قطْرُها سبعةُ ميكروناتٍ، فإذا قسمنا الميليمتر إلى ألفِ قسمٍ، فقطْرُ هذه الكريةِ التي تشبهُ رغيفَ الخبزِ سبعةُ ميكرونات، أي سبعةُ أجزاءٍ من ألفٍ مِن الميليمتر، أمّا سماكتُها فلا تزيد على ميكرونين، وهما جزءانِ من الألفِ من الميليمتر.
والسؤالُ الآن: كم عددُ هذه الكرياتِ في جسمِ الإنسانِ؟ العددُ التقديريُّ والتقريبيُّ خمسةٌ وعشرون تريليوناً، أيْ خمسةٌ وعشرونَ ألفَ ألف مليونِ، ولو رَصَفنا هذه الكرياتِ الموجودةَ في دمِ كل واحدٍ منّا واحدةً إلى جنبِ الأخرى لطوَّقتِ الأرضَ في خطِّ الاستواءِ سبعَ مراتٍ؛ لأنّ في الميليمترِ المكعبِ الواحدِ خمسةَ ملايينَ كريةٍ حمراءَ، والشيءُ اللافتُ للنظرِ أن هناك أوعيةً شعريةً لا يزيدُ قطْرُها على قطْرِ كريةِ الدم الحمراءِ، لذلك تُضطرُّ الكرياتُ الحمراءُ في هذه الأوعيةِ الدقيقةِ إلى أنْ تسيرَ واحدةً تِلْوَ الأخرى في نسقٍ واحدٍ، والأغرب من ذلك أنّ بعضَ الأوعيةِ الدقيقةِ الدقيقَةِ يضيقُ قطرُها على قطرِ الكريةِ الحمراءِ، فكيف تسيرُ هذه الكريةُ فيها إذاً؟ تتطاولُ هذه الكريةُ الحمراءُ فتأخذُ شكلاً بيضويّاً من أجلِ أن تسيرَ في هذا الوعاءِ الدقيقِ الدَقيقِ.
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
وفي الإنسانِ خمسةٌ وعشرون ألفَ مليونِ كريةٍ بيضاءَ، هذه الكريةُ لها خصائصُ لا يصدِّقها العقلُ. فبإمكانِها أنْ تمرَّ في ممرٍّ ضيِّقٍ هو عشرُ حجمهِا بمرونةٍ فائقةٍ، ونقيُّ العظامِ يُصَنِّعُ في كل ثانيةٍ اثنين ونصفَ مليونٍ كريَّةٍ، ويموتُ في كلِّ ثانيةٍ مثلُ هذا العددِ، فإذا ماتتْ هذه الكرياتُ ذهبتْ أيضاً إلى مقبرةٍ جماعيَّةٍ اسمُها "الطحالُ".
стр. 149
والكرياتُ البيضاءُ بمنزلة جيشِ الدفاعِ، ومرضُ الإيدزِ هو قتلٌ لهذه الكرياتِ البيضاءِ، وبسببِه يموتُ الإنسانُ بأقلِّ إصابةٍ جرثوميَّةٍ، ويمثِّلُ جهازُ الدفاعِ جيشاً بكلِّ معاني هذه الكلمةِ.
قسمُ استطلاعٍ؛ يستطلعُ العدوُّ، وأسلحتَه، وخصائصَه.
وقسمٌ يصنِّعُ الأسلحةَ، وقسمٌ يحاربُ.
فثلاثةُ عناصرَ: عنصرٌ استطلاعيٌّ - استخباراتي - وعنصرُ تصنيعِ أسلحةٍ، وعنصرُ مواجهةٍ للعدوِّ، هذا الجهازُ الدفاعِيّ خمسةٌ وعشرون ألفَ مليونَ كريةٍ بيضاءَ، وتريليونٌ واحدٌ صفيحاتٌ دمويةٌ، هذه الصفيحاتُ لولاها لَنَزَفَ دمُ الإنسانِ من جُرْحٍ بسيطٍ، فإذا حدَثَ جرحٌ تتوجَّه هذه الصفيحاتُ إليه، وتتلاحمُ، وتغلقُ هذا الجرحَ.
الذي يلفِتُ النظرَ أنّ في الدمِ مادةً تُعِينُ على لزوجةِ الدمِ، فلولا هذه المادةِ لخرجَ من الإنسانِ ألفُ سنتيمترٍ مكعَّبٍ في ستِّ دقائقَ، بفضلِ هذه المادةِ الألفُ سنتيمتر مكعب لا تخرجُ إلا في ثلاثينَ دقيقةً، لأن اللزوجةَ أساسيَّةٌ في الدمِ.
إنّ في الدمِ عناصرَ تجلِّطُ الدمَ، وعناصرَ تميّعُه، ومِن توازنِ هذين العنصرين يبقى الدمُ بهذه الحالةِ العجيبةِ، لا هو من السيولةِ بحيث ينزفُ دمُ الإنسان كلُّه في وقتٍ قصيرٍ فيموتُ، ولا هو من اللزوجةِ. بحيثُ يبقى كالوحلِ في الشرايينِ، إنه وضعٌ دقيق جداً بين اللزوجةِ والميوعةِ.
إنَّ بحثَ الدمِ وحده أكبرُ آيةٍ دالةٍ على عظمة اللهِ، بلازما الدمِ، مكوناتُ البلازما، الكرياتُ الحمراءُ، والبيضاءُ، والصفائحُ، لذلك: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
الغدد
الغدة النخامية
стр. 150
في دماغِ الإنسانِ غدةٌ وزنُها نِصْفُ غرامٍ، تقومُ بوظائفَ خطيرةٍ جداً، وهي مربوطةٌ بالجسمِ تحتَ المهادِ بمئةٍ وخمسين ألفَ ليفٍ عصبيٍّ، هذه الغدةُ تفرزُ هرمونَ النموِّ، هذا الهرمونُ مؤلَّفٌ من مئةٍ وثمانيةٍ وثمانين حمضاً أمينيّاً، يجبُ أن يكونَ في كل لترِ دمٍ عشرةُ ميكرو غراماتٍ من هذا الهرمونِ، فإذا قلَّتْ هذه النسبةُ أصبحَ الإنسانُ قَزَماً، وإذا زادتْ هذه النسبةُ أصبحَ عِمْلاقاً، مَن يضبطُ هذه النسبةَ؟ إنه هذا الهرمونُ، هرمونُ النمو المؤلَّفُ من مئةٍ وثمانيةٍ وثمانينَ حمضاً أمينيًّا.
إنّ هرمونَ إفرازِ الحليبِ تفرزُه الغدةُ النخاميةُ، فبعد الحَمْلِ بقليلٍ يبدأُ هذا الهرمونُ يجولُ في الدمِ، حتى يبلغَ أوْجَهُ بعدَ الوَضْعِ، فإذا ثَدْيَا المرأةِ تفرزانِ الحليبَ مِن هذه الغدةِ النخاميةِ التي لا تزيدُ على نصفِ غرامِ، هذا صُنْعُ مَن؟ يؤكِّدُ هذه الحقيقةَ اللهُ ﷻ ، حيث يقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ٨-١٠] ، قال بعضُ المفسرين: "هديناه الثديين".
ويحثُّ هرمونٌ آخرُ الغدةَ الدرقيةَ على إفرازِ هرمونٍ يؤمِّن الاستقلابَ في الجسمِ، والاستقلابُ مِن أعقدِ العمليات، وهو تحوّلُ الغذاءِ إلى طاقةٍ، ففي الاستقلابِ تكونُ الغدّةُ الدّرقيةُ مسؤولةً عنه، كما أنّ الغدةَ النخاميةَ مسؤولةٌ عن توجيهِ الغدّةِ الدّرقيةِ لإفرازِ هذا الهرمونِ، وهذه الغدّةُ النخاميةُ لا يزيدُ وزنُها على نصفِ غرامٍ.
وثمّةَ هرمونٌ يحثُّ الغدّةَ الكظريةَ حينما يواجهُ الإنسانُ خطراً، فتأمرُ الكَظَرَ أن يفرزَ هرموناً يحثُّ القلبَ على مضاعفةِ ضرباتِه، ويحثُّ الرئتين على زيادةِ وجِيبِهما، ويحثُّ الأوعيةَ على تضييقِ لَمْعتها كي يتوفّرَ الدمُ للعضلاتِ، ويحثُّ الكبدَ على إفرازِ السكرِ، فهذه أربعةُ أوامرَ يفرزُها الكَظَرُ بأمرٍ من الغدّةِ النخاميةِ.
إنّ هرمونَ النموِّ الجنسيِّ مسؤولةٌ عنه الغدةُ النخاميةُ في الدماغِ، وإنّ صفاتِ كلٍّ من الذكرِ والأنثى تكونُ بفعلِ هرمونٍ تفرزُه الغدّةُ النخاميةُ.
стр. 151
ويحثُّ هرمونُ الخلايا التي تحتَ الجلدِ إلى إفرازِ المادةِ الملوِّنةِ للإنسانِ، من أبيضَ، وأسمرَ، وحِنْطِيّ، وملوَّنٍ، فهذا من مسؤولياتِ الغدةِ النخاميةِ التي لا يزيدُ وزنُها على نصفِ غرامٍ.
وهناك هرمونٌ يحقِّقُ توازنَ السوائلِ في الجسم، فلو اختلَّ هذا الهرمونُ لكانتْ حياةُ الإنسانِ شقيةً، ولوجبَ عليه أن يبقى إلى جانبِ الصنبورِ والحمَّامِ ليُمضيَ كلَّ وقتِه في الشُّربِ، وإفرازِ الماءِ.
وثمة هرمونٌ لقبضِ الأوعيةِ وتوسيعِها، وتنشيطِ الذاكرةِ.
وهناك هرمونُ المخاضِ، الذي تفرزُه الغدّةُ النخاميّةُ، حيث إنّ المخاضَ عمليةٌ معقّدةٌ، ففيها توسيعُ الحوضِ، وفيها تقلُّصُ عضلاتِ الرحمِ، فيأتي هذا الهرمونُ مبرمَجاً، لتناسِبَ كلُّ حركةٍ وضعاً معيَّناً، ﴿ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] .
وهناك هرموناتُ كثيرةٌ تفرزُها هذه الغدّةُ النخاميّةُ، وعلى الرغمِ من ذلك فإنّ الإنسانَ ضعيفٌ، كما وصفه خالقُه سبحانه بقولِه: ﴿وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ ﴿النساء: ٢٨] .
هذا هو الإنسانُ، هذه غدةٌ صغيرةٌ في دماغِه، سمّاها العلماءُ مَلِكةَ الغددِ، إنّها الغدةُ النخاميةُ، وزنُها نصفُ غرامٍ، تفرزُ تسْعَ هرموناتٍ أساسيةٍ في حياةِ الإنسانِ، لو اختلتْ هذه الغدّةُ، أو اختلّ إفرازُ هرموناتِها لكانت حياةُ الإنسانِ جحيماً لا يطاقُ.
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النجدين * فَلاَ اقتحم العقبة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ٨-١٣] ، فلَيْتَه يفكُّ رقبتَه من شهواتِ الدنيا كي يصلَ إلى اللهِ؛ لأنّ الشهواتِ حجابٌ بينه وبينَ اللهِ.
لا يزالُ موضوعُ الهرموناتِ موضوعاً معقَّداً، بالغَ الأهميةِ، فحينما يستيقظُ الإنسانُ، ويتحرَّكُ، ويمارسُ نشاطَه فإنه لا يعرفُ مدى التَّعْقيدِ، ومدى الدِّقَّةِ في خلْقِه، وحركةِ أعضائهِ وأجهزتِه، فليشكرِ اللهَ ﷻ على هذه النِّعمِ.
الغدة الصنوبرية
стр. 152
إن في وسطِ الدماغِ البشريِّ غدّةً صغيرةً، حجمُها كحجمِ حبّةِ الذرةِ البيضاءِ، تُدعَى الغدّةَ الصنوبريةَ، يقولُ عالِم كبيرٌ جداً في بلدٍ متقدِّم - بالمقياسِ الماديِّ طبعاً - لطلابِه: "إنّ الغدةَ الصنوبريةَ غدةٌ عديمةُ الفائدةِ، لا وظيفةَ لها، ولا نشاطَ، وليس لها أدنى دورٍ في جسمِ الإنسانِ"، قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] .
كلامٌ يلقِيه عالِمٌ كبيرٌ في الطبِّ، في علمِ التشريحِ على طلابِه، ثم يكتشِفُ بعد ذلك أنّ هذه الغدةَ أوَّلُ غدةٍ تتكوَّنُ في الجنينِ، وآخِرُ غدةٍ تبيحُ بأسرارِها لعلمِ الطبِّ، هذه الغدةُ تفرزُ هرموناً موجوداً في كلّ الكائناتِ الحيَّةِ؛ من نباتٍ، وحيوانٍ، وإنسانٍ، حتى وحيدةِ الخليةِ، فيها هذا الهرمونُ، وإنّ تماثلَ هذا الهرمونُ في كلِّ الكائناتِ الحيةِ شيءٌ نادرٌ وعجيبٌ، فلا يُفرَزُ هذا الهرمونُ إلا ليلاً، يقولُ العلماءُ عنه اليومَ: "إنه من أكثرَِ الموادِّ فعاليةً في جسمِ الإنسانِ؛ يساعدُ الجسمَ على مكافحةِ الجراثيمِ والفيروساتِ، ويساعدُ الجسمَ على النومِ المريحِ، وعلى تحسينِ نوعيةِ النومِ، يساعدُ الجسمَ على الإقلالِ من حدوثِ أمراضِ شرايينِ القلبِ، ويخفِّفُ من أعراضِ السفرِ الطويلِ، ويزيدُ في حيويةِ الكائنِ الحيِّ، وفي قوةِ عضلاتِه، بل يكادُ هذا الهرمونُ يكونُ العنصرَ الأولَ في حيويةِ الإنسانِ، وفي صحتِه، وسلامةِ وظائفِ أعضائِه".
أردتُ من هذا كلِّه التنبيهَ إلى أنّ هذا الذي يقولُ: "إنّ الغدةَ الصنوبريةَ غدةٌ عديمةٌ الفائدةِ، لا وظيفةَ لها، ولا نشاطَ، وليس لها أدنى دورٍ في جسمِ الإنسانِ" مجانبٌ للصواب في قوله، الذي لا أساسَ له من الصحّةِ، فليس كلُّ مقروءٍ صحيحاً، وما كلُّ شيءٍ نسمعهُ صوابٌ وحقٌّ.
هذه الغدةُ تُفرزُ أهمَّ هرمونٍ في جسمِ الإنسانِ، فلو ألغَيْنَا هذا الهرمونَ لحَكَمْنا على الإنسان بالموت.
стр. 153
إنها غدةٌ صغيرةٌ بحجمِ حبةِ الذرةِ البيضاءِ، وفي وسطِ الدِّماغِ، اسمُها الغدةُ الصنوبريةُ، موجودةٌ في كلِّ الكائناتِ الحيّةِ، حتى في النباتِ، وحتى في الحيواناتِ، أو الأحياءِ وحيدةِ الخليةِ، ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] ، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
ومتداولٌ عند العلماءِ أنه: "لم تبتلَّّ بعدُ أقدامُنا ببحرِ المعرفةِ، ولا يزالُ العلماءُ كالأطفالِ يَحْبُونَ أَمامَ سرِّ هذا الكونِ، وسرِّ هذا الإنسانِ".
لذلك قالوا: "إن ثلاثمئة بحثٍ علميٍّ جادٍّ عميقٍ نُشِرَ حولَ هذه الغدةِ في عامٍ واحدٍ"، فأحياناً يقلِّلُ الإنسانُ مِن قيمةِ الشيءِ لجهلِهِ به، أمّا إذا عَرَفَ الحقيقةَ فيجبُ أن يخرَّ ساجداً لله .
الغدة الصعترية التيموس
هي غدّةٌ تنمو في بدايةِ الولادةِ، وتضمُرُ بعد سنتين، ممّا حَمَلَ بعضَ العلماءِ على أنْ يقولوا: "هذه الغدةُ لا وظيفةَ لها، ولا شأنَ لها في حياةِ الإنسانِ إطلاقاً"، وهذا من نقصِ العلمِ، ثم اكتُشِفَ فجأةً أنّ هذه الغدةَ من أخطرِ الغددِ في حياةِ الإنسان.
يُعَدُّ جهازُ المناعةِ المكتسبُ من أخطرِ الأجهزةِ في الجسمِ البشريِّ، وهو جيشٌ دفاعيٌّ عالي المستوى والجاهزيةِ، فيه فرقُ الاستطلاعِ، وفرقُ تصنيعِ السلاحِ، وفرقُ القتالِ، وفرقُ الخدماتِ، وفرقةُ المغاويرِ، والحديث هنا عن فرقِ القتالِ.
يرسَلُ فريقٌ من كرياتِ الدمِ البيضاءِ التي صُنِعَتْ وتشكَّلتْ في نقيِّ العظامِ، والتي فُرِزت لمهامَّ قتاليةٍ، تُرسَلُ هذه الكرياتُ إلى مدرسةٍ حربيةٍ اسمُها الغدّةُ الصعتريةُ، (التيموس) في دورةٍ تثقيفيةٍ تدريبيةٍ، وبعدَ اجتيازِ الامتحانِ تتخرَّجُ بلقبِ (الخليةِ التائيةِ المثقفةِ) .
وفي هذه المدرسةِ الحربيةِ تدرسُ هذه الكرياتُ البيضاءُ التي فُرِزَتْ للقتالِ مادّتينِ أساسيتين: التعريفَ بالذاتِ والصديقِ، والتعريفَ بالعدوِّ الممرضِ.
стр. 154
ففي المقرَّرِ الأولِ: يُعرَضُ على هذه الخلايا مئاتُ الألوفِ من البروتيناتِ التي تدخلُ في بناءِ الجسمِ البشريِّ، ثم ترمزُ هذه العناصرَ الصديقةَ، وتدرِّبُ هذه الخلايا على ألا تهاجمَها، لأنها إنْ هاجمَتْهَا فمعنى ذلك أنّ الجسمَ يدمِّرُ نفسَه، ويتلفُ بعضَه.
وفي المقرَّرِ الثاني: يُعرَضُ على هذه الخلايا ما عرَفَه النوعُ البشريُّ عبرَ الأجيالِ على أنه عنصرٌ ممرضٌ، من خلالِ مناعاتِ الأمِّ التي تصلُ إلى المولودِ من خلالِ الحليبِ، ومن خلالِ التجرِبة الحيّةِ، حيث إنّ الطفلَ في السنواتِ الأولى يميلُ بفطرتِه إلى التقاطِ الأشياءِ، ووضْعِها في فَمِهِ لتعرِفَ خلاياه المقاتلةُ العناصرَ المعاديةَ، أو أنّ العدوى بالأمراضِ تعطِيه مزيداً من المعلوماتِ عن أعدائهِ، ومن خلالِ هذه المحاضراتِ تعرفُ هذه الكرياتُ البيضاءُ المقاتلةُ العناصرَ المعاديةَ التي عليها أنْ تهاجمَها، أو تذيعَ نبأَ وجودِها، أو تسهمَ في إلقاءِ القبضِ عليها.
ومن خلالِ المجاهرِ الإلكترونية تبدو الغدةُ الصعتريةُ على شكلِ مدرجاتٍ رومانيةٍ، تصطفُّ الكرياتُ البيضاءُ عليها لتتلقَّى هذه المحاضراتِ القيمةَ.
ولا بد في أيّةِ جامعةٍ، أو معهدٍ، أو مدرسةٍ من امتحانٍ ...
تَمُرُّ هذه الكرياتُ فرادى في بواباتٍ امتحانيةٍ، وتُمْتَحَنُ واحدةً وَاحدةً في المُقَرَّرَيْنِ السابقين.
امتحانُ المادةِ الأولى: يُعرَضُ على الكريةِ البيضاءِ الممتحنةِ عنصرٌ صديقٌ، فإنْ هاجمَتْهُ أخفقتْ في الامتحانِ، ومُنِعَتْ من مغادرةِ الغدةِ الصعتريةِ، وقُتِلَتْ؛ لأنّها إنْ خَرَجت إلى الدمِ هاجمَت الجسمَ الذي شَكَّلَهَا.
امتحانُ المادةِ الثانيةِ: يُعرَضُ على الكريةِ البيضاءِ الممتحَنةِ عنصرٌ عدوٌّ ممرضٌ، فإنْ أخفقتْ في تمييزِه، والردِّ عليه رَسَبَتْ في الامتحانِ، ومُنِعَتْ من مغادرةِ الكُلِّيةِ، وقُتِلَتْ، لأنها إنْ خَرَجَتْ إلى الدمِ غَفَلَتْ عن العدوّ، ومَكَّنَتْهُ من مهاجمةِ الجسمِ.
стр. 155
يستمرُّ عملُ هذه الكليةِ الحربيةِ (الغدة الصعتريةِ) من بدءِ الولادةِ، وحتى السنةِ الثالثةِ، وبَعْدَها تقومُ بتوريثِ علمِ مراقبةِ وضبطِ عملِ الكرياتِ البيضاءِ إلى الكرياتِ البيضاءِ الناجحةِ في الامتحانِ، والتي سُمِّيَتْ بعدَ التخرُّجِ الخلايا التائيةَ المثقفةَ، لتقومَ بدورِها في نقلِ هذا العلمِ على أجيالِ الكرياتِ البيضاءِ اللاحقةِ.
وفي السبعينيّاتِ من العمرِ يضعفُ تثقيفُ الكرياتِ البيضاءِ المقاتلةِ فتبدأُ بمهاجمةِ العناصرِ الصديقةِ، وبعض أجهزةِ الجسمِ وأعضائِه، فنرى في هذا العمرِ أمراضاً شائعةً؛ كالتهابِ المفاصلِ الرثويِّ، وبعضِ الاعتلالاتِ الكلويةِ، وأمراضِ المصلياتِ، وأمراضٍ أخرى ما كان سببُها إلا ضعفَ ثقافةِ الجهازِ المناعيِّ الذي يَنتُجُ عنه زوالُ الضبطِ في عملِ الخلايا المقاتلةِ (وهو خَرَفُ الجهازِ المناعيِّ) ، فتصبحُ الخلايا المناعيةُ المقاتلةُ تهاجمُ الجسمَ الذي شكَّلَها، وثَقَّفَها للدفاعِ عنه، وتكونُ حالةُ الجسمِ في ما يشبهُ الحربَ الأهليةَ، وقد يصدُق فيها حينئذٍ قول مَن قال:
_@_أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ _@_ فَلَمَّا اشتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي_@_
وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوَافِي _@_ فَلَمَّا قَالَ قَافِيَةً هَجَانِي_@_
هذه الغدةُ التي لا يلتفتُ الناسُ إليها، ويُظنُّ أنه لا فائدةَ منها، هي في الحقيقةِ مِن أخطرِ الغددِ في جسمِ الإنسانِ، إنها شبيهةٌ بالمدرسةِ الحربيةِ، أو الكُلِّيةِ العسكريةِ، من أجل تدريبِ العناصرِ المقاتِلةِ على معرفةِ الصديقِ والعدوِّ.
وكلما تقدَّمَ العلمُ اكتشفَ هذه الآياتِ الدالةَ على عظمةِ اللهِ .
البنكرياس ومرض السكري
стр. 156
مرضُ السّكريِّ، هذا المرضُ الشائعُ أساسُه أنّ اللهَ أوْدَعَ في الإنسانِ غدّةً اسمُها البنكرياسُ، وهي غدّةٌ عجيبةٌ، فإذا نزل الطعامُ إلى المعدةِ، وتفاعلَ مع العصاراتِ الهاضمةِ صار قِوامهُ حامِضيّاً، والقِوامُ الحامضيُّ يُنبِّهُ أعصاباً أوْدعَها اللهُ في جدارِ الأمعاءِ، هذه الأعصابُ تنبّهُ مراكزَ في المخِّ، الذي يأمُرُ البنكرياسَ بِفَرْزِ موادَّ وعصاراتٍ تُعدِّلُ حُموضةَ الطعامِ، فأوّلُ وظيفةٍ خطيرةٍ للبنكرياسِ أنّه يفرزُ بأمْرٍ من الدّماغِ موادَّ وعصاراتٍ تجعلُ الطعامَ قلوِيّاً، هذه هي الوظيفةُ الأولى.
والوظيفة الثانيَةُ؛ يحوِّلَ السُّكرَ المخزونَ في الكبدِ، والعضلاتِ، مِن سُكرٍ تَخزينيٍّ، إلى سُكّرٍ قابلٍ للاحتراقِ، فالسُّكرُ نوعانِ: سكّرٌ للتخزينِ، وسكّرٌ للاستهلاكِ، فلا بدّ مِن أنْ يتدخَّلَ هرمونٌ مِنَ البنكرياسِ كي يحوِّلَ هذا السُّكرَ من حالةٍ إلى حالةٍ.
والوظيفةُ الخطيرةُ جدّاً، وهي الثالثةُ أنّ البنكرياسَ يفرزُ الأنسولينَ ليمكِّنَ من استهلاكِ السكّرِ، وإحراقِهُ، فإذا قصَّرَ البنكرياسُ في إفرازِ الأنسولينِ ظهرَ السكّرُ في البولِ، وضعُفَ احتراقُ هذه الموادِّ في الجسمِ، إنها غدَّةٌ صغيرةٌ لا نعبأُ بها، تقومُ بأخطرِ الأعمالِ، هذا من صُنعِ الحكيمِ الخبيرِ، هذا من صُنْعِ الخالقِ، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
في الجسمِ مِنَ الآياتِ ما لو أمْضيْنا الحياةَ كلَّها في التأمُّلِ في دقائِقها لَمَا انتهيْنا مِن ذلك، فسبحانَ اللهِ ربِّ العالمينِ، الذي خَلَقَ الإنسانَ، فصوَّرَهُ، وأحْسنَ تصويرَهُ، والذي صنَعَ الإنسانَ، فأتْقنَ صُنعَهُ.
الطحال
ما هو الطِّحالُ؟ هذا الجهازُ العجيبُ، هذا العضوُ الخطيرُ الذي لو كُفَّ عن عملِه، أو زادَ نشاطُه لانتهتْ حياةُ الإنسانِ.
الطحالُ جهازٌ، أو عضوٌ، أو غدةٌ، سَمِّهَا ما شئتَ، لا يزيدُ وزنُه على مئتي غرامٍ، لونُه أحمرُ قانٍ، تصلُه بالدمِ أوعيةٌ دمويةٌ كبيرةٌ، وشريانٌ، ووريدٌ طحاليٌّ، في داخلِه حجبٌ، مقسَّمٌ إلى مساكنَ، وتحيطُ به عضلاتٌ، تتقلَّصُ فتفرغُ ما فيه من الدمِ الاحتياطيِّ.
стр. 157
يُولِّدُ هذا الجهازُ كميةً كبيرةً منَ الكرياتِ البيضِ، التي هي جيشُ الدفاعِ في الجسمِ، وما مرضُ الإيدزِ الذي أقلقَ العالمَ إلا تدميرٌ لهذا الجيشِ، فتضعفُ معه مناعةُ الجسمِ، عندها يستطيعُ أنْ يغلبَه أصغرُ جرثومٍ.
هذا الطحال، إضافةً إلى الكبد، هو الذي يولِّد الكرياتِ البيضَ في الحياة الجنينية، هذه الكرياتُ التي هي بحقٍّ الجيشُ الذي يدافعُ عن سلامةِ الجسمِ.
وهذا الطحالُ مقبرةٌ للكرياتِ الحمراءِ الميِّتة، التي تصل إليه، فيُفرزُ عليها مادةً تحلِّلُ هذه الكرياتِ إلى مكوِّناتِها؛ فيتحرّرُ الحديدُ، فيؤخذُ إلى معاملِ كرياتِ الدمِ في نقيِ العظامِ، ويتحرّرُ الهيموغلوبين، فيذهبُ إلى الكبدِ ليصنعَ الصفراءَ، إذاً الطحالُ مقبرةٌ تتحلَّلُ فيه كرياتُ الدمِ الحمراءُ إلى مكوِّناتِها الأساسيةِ، ليُعادُ تصنيعُها من جديدٍ، ويعادُ تصنيعُ الحديدِ إلى كرياتِ دمٍ جديدةٍ، ويعادُ تصنيعُ الهيموغلوبين إلى مادةِ الصفراءِ، التي تسهمُ في هضمِ الطعامِ.
أليس هذا تخطيطاً اقتصاديّاً؟ أليس هذا توجيهاً ربّانيّاً، إلاَّ أنّ الهدرَ، وإتلافَ الموادِ شيءٌ يتنافَى مع الكمالِ البشريِّ؟
شيءٌ ثالثٌ، إن الطحالَ جهازٌ لصنع كرياتِ الدمِ الحمراءِ، ولكنّه معملٌ احتياطيٌّ، فإذا تعطَّلتِ المعاملُ في نقيِّ العظامِ، فإنّ هذا المعملَ يعملُ لتصنيعِ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، حفاظاً على حياةِ الإنسانِ.
وشيءٌ رابعٌ، إنّ الطحالَ هو مستودعٌ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ، يدفعُها الطحالُ إلى الجسمِ عندَ الحاجةِ، إنه مستودعٌ احتياطيٌّ.
مستودعٌ لكريات الدم الحمراء، ومعملٌ احتياطيٌّ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ، ومعملٌ للكرياتِ البيضاءِ، ومقبرةٌ للكرياتِ الحمراءِ الميتةِ.
إذا نَشَطَ هذا الطحالُ، فأتلفَ الكرياتِ الحمراءَ الحيةَ يموتُ الإنسانُ، أو يصابُ بفقرِ دمٍ من نوعٍ خاصٍّ، وإذا قصَّرَ عن عملِه يضعفُ جهازُ المناعةِ في الإنسانِ، وهذا ما يعانِيه العالَمُ اليومَ من مرضٍ خطيرٍ.
стр. 158
هذا الطحالُ قد تشتريه شطيرةً عند بائعِ الشطائرِ، ولا تدري أنّ هذا الذي تأكلُه عالمٌ قائمٌ بذاتِه، قال ﵊: " ... أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالحُوتُ وَالْجَرَادُ، وأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ".
جهاز الهضم
تركيب اللعاب ووظائفه
ما مِن واحدٍ إلا وفي فمِه لُعابٌ، لعابٌ سائلٌ، هذا اللعابُ تفرزُه غددٌ تحتَ الفكِّ، وتحتَ اللسانِ، وتحتَ الأذنِ، لا يعنينا عددُها، وتشريحُها، يعنينا شيئان، تركيبُ اللعابِ، ووظائفُه.
مَن يصدِّقُ أنّ في اللعابِ شواردَ معدنيةً منها: الصوديوم، والبوتاسيوم، والكالسيوم، والمغنيزيوم، والكلور، والبيكربونات، والفوسفات، واليود، والآزوت، وفي اللعابِ بروتين، وسكرٌ، ومضاداتٌ حيويةٌ، وأنزيماتٌ، مَن خلَقَ هذا اللعابَ؟ مَن كوّنَه؟ مَن جَعَلَه ينطوي على هذه الشواردِ المعدنيةِ، وهذه الشواردِ العضويةِ؟.
أمّا من حيثُ وظائفُ اللعابِ فقد وجدَ العلماءُ أن للُّعابِ دوراً خطيراً جدًّا في عدةِ مستوياتٍ، أوَّلُها أنّ اللعابَ يرطِّبُ سطحَ الفمِ الداخليَّ، ولولاه لتقشَّر السطحُ الداخليُّ، ولتشقَّقَ، ولفعلتِ الجراثيمُ فعْلَها الشنيعَ، فمِن وظائفِ اللعابِ ترطيبُ اللسانِ، والسطوحِ الداخليةِ للفمِ.
شيءٌ آخرُ: يقومُ اللعابُ بترطيبِ اللقمةِ التي نأكلُها، وتليينِها، وعن طريقِ ترطيبِها وتليينِها يسهلُ مضغُها وهضمُها.
شيءٌ ثالثٌ: اللعابُ يقومُ بدورِ العصارةِ الهاضمةِ الأوليةِ في الفمِ، فمَن أَكَلَ الخبزَ، وأَبْقَاهُ في فمِه مدةً طويلةً شَعَرَ بطعمٍ حلوٍ، وهذا دليلٌ على أنّ في اللعابِ موادَّ هاضمةً، وعصارةً هاضمةً، تحوِّلُ النشاءَ إلى سكرٍ.
شيءٌ رابعٌ: اللعابُ يفيدُ في الحديثِ، فكلُّ حرفٍ من الحروفِ تشتركُ في تكوينِه سبعَ عشرةَ عضلةً، واللسانُ هو لَوْلَبُ الكلامِ، ولولا اللعابُ لَمَا تمكَّنَ الإنسانُ أنْ يتابعَ الحديثَ.
شيءٌ خامسٌ: اللعابُ ينظِّفُ الفمَ من بقايا الطعامِ، وهذا دورٌ ربما لا ينتبِهُ إليه بعضُ الناسِ.
стр. 159
شيءٌ سادسٌ: غزارةُ اللعابِ تكونُ عندَ تناول الشرابِ الحمضيِّ، فكلُّ شرابٍ فيه تركيزٌ، والتركيزُ في الشرابِ يحثُّ الغددَ اللعابيةَ على مزيدٍ من الإفرازِ، من أجلِ أن يتمدَّدَ هذا الشرابُ المكثَّفُ، من أجلِ ألا يؤذي.
شيءٌ آخرُ: اللعابُ يسهمُ في تسخينِ الطعامِ الباردِ عن طريقِ التبادلِ الحراريِّ، ويسهمُ في تبريدِ الطعامِ الحارِّ، ويسهمُ أيضاً في عمليةِ تحريكِ اللقمةِ في الفمِ، وأخطرُ من هذا كلِّه أنّ في اللعابِ موادَّ مضادةً لنخرِ الأسنانِ، وموادَّ مضادةً للجراثيمِ؛ لأنّ الفمَ مفتوحٌ على الهواءِ الطلقِ، وهو بيئةٌ صالحةٌ جداً لنموِّ الجراثيمِ، هذه البيئةُ فيها حرارةٌ ورطوبةٌ، هذانِ الشرطانِ في البيئةِ صالحانِ جداً لتكاثُرِ الجراثيمِ، لذلك كان في اللعابِ مادّةٌ مضادةٌ للجراثيمِ، التي مِن شأنِها أنْ تقتلَها في مهْدها.
فمِن موادَّ مضادةٍ للجراثيمِ، إلى موادَّ مضادةٍ لنخرِ الأسنانِ، إلى موادَّ تمدِّدُ المحاليلَ الضارةَ، إلى وظيفةِ تنظيفِ الفمِ مِن بقايا الطعامِ، إلى تليينِ اللسانِ في أثناءِ الكلامِ، إلى تليينِ اللقمةِ في أثناءِ المضغِ، إلى هضمِ أَوَّليٍّ لمحتوياتِ اللقمةِ، إلى ترطيبِ سطحِ الفمِ، ولولاهُ لكان التشقُّقُ والتقشُّر، ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
إنّ هذا اللعابَ الذي لا يَأْبَهُ له أحدٌ له تركيبٌ دقيقٌ، خلايا، غددٌ، وظائفُ منوعةٌ، كلّها من أجلِ أن تعيشَ حياةً كاملةً سويةً.
الفكّ واللسان وجهاز الهضم
التفكرُ في خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، والتفكرُ في نفْسِ الإنسانِ، التي هي أقربُ شيءٍ إليه يُعَدُّ أوسعَ بابٍ للدخولِ على اللهِ، وأقربَ طريقٍ إليه، قال : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] .
стр. 160
مِن آياتِ اللهِ في النفسِ أنّ هذا الفكَّ المتحرِّكَ فيه ستُّ عضلاتٍ تحرِّكُه نحوَ الأسفلِ، وستُّ عضلاتٍ تحرِّكُه نحوَ الأعلى، وعضلتان تحرِّكانِه يمنةً ويسرةً، وأربعُ عضلاتٍ تحرِّكُه أماماً وخلفاً، فالحركةُ علويةٌ، سفليةٌ، يمينيةٌ، ويساريةٌ، أماميةٌ، وخلفيةٌ، والإنسانُ يمضغُ الطعامَ، ويبتلعُه في حدودِ ألفين وأربعمئة مرة في اليومِ، وهناك جهازٌ للبلعِ بالغُ الدقةِ.
تتجدَّدُ مئةُ ألفِ خليةٍ من خلايا الفمِ في كلِّ دقيقةٍ، وفي اللسانِ سبع عشرةَ عضلةً، تمكِّنُه من الحركةِ في كلِّ الاتجاهاتِ لتحريكِ الطعامِ، انظر إلى العجَّانةِ كيف تدورُ، وكيف أنّ فيها خلاطاً يخلطُ العجينَ، كذلك الفمُ، حيثُ يتحرَّكُ الفكُّ السفليُّ يميناً ويساراً، أعلى وأسفلَ، أماماً وخلفاً، واللسانُ بمنزلة الخلاطِ الذي يتحرّكُ في كلِّ الاتجاهاتِ، ليخلطَ مقوِّماتِ اللقمةِ.
وموضوعُ البلعِ موضوعٌ دقيقٌ جداً، هناك اللهاةُ، وهناك لسانُ المزمارِ، فالإنسانُ حينما يبلعُ اللقمةَ تأتي اللهاةُ، وتغلقُ طريقَ الأنفِ - فتحتي الأنف الخَلفيتينِ - ويأتي لسانُ المزمارِ، ويغلقُ الحَنجرةَ، لكنْ وأنتَ نائمٌ بالليلِ يجتمعُ اللعابُ في فَمِكَ، وتجري عمليةٌ بالغةُ الدقّةِ، حيث إنّ هناك تنبيهاتٍ عصبيةٍ من الفمِ إلى البصلةِ السيسائيةِ، تجمعُ اللعابَ كثيراً، فيأتي الأمرُ للسانِ المزمارِ، واللهاةِ فتغلقان طريقَ الأنفِ، وطريقَ الحنجرةِ، وينتقلُ اللعابُ إلى المريءِ، كلُّ هذا يجري وأنت نائمٌ، والعناية الإلهية متيقظة.
إنّ عمليةَ البلعِ تحكمُها الأعصابُ القحفيةُ، السابعُ (الوجهي) ، والتاسع عشر، والحادي عشر، والثاني عشر، وكلُّها تمرُّ في جذعِ الدماغِ، فإذا أُصيبَ هذا المركزُ بالعطبِ لسببٍ أو لآخرَ ارتدَّ الطعامُ إلى الأنفِ، وخَرَجَ منه، وارتدَّ الطعامُ إلى الحنجرةِ، ومنها إلى الرئتين، وفي هذه الحالةِ يكون الموتُ المحقَّقُ بالاختناقِ.
стр. 161
هذا المريءُ طولُه خمسون سنتيمتراً، وهو مزوَّدٌ بعضلاتٍ حلقيةٍ تتقلّصُ بالتدريجِ، فلو أنّ الإنسانَ كان مضطجعاً في مستشفى، وأعطيناه الطعامَ لسارَ سيراً طبيعيّاً، من أول المريءِ إلى المعدةِ، ولو أننا عَلَّقنَا إنساناً من رجليه، وأطعمناه لقمةً لذهبتْ نحوَ الأعلى على خلافِ الجاذبيةِ، لأن هذا المريءَ فيه عضلاتٌ دائريةٌ تتقلّصُ تباعاً، فتنقلُ اللقمةَ إلى المعدةِ، ولو كنتَ في أي اتجاهٍ.
المعدةُ لها فؤادٌ، وهو محكمُ الإغلاقِ، لئلا تخرجَ السوائلُ الحمضيةُ فتزعجك، وحينما يتقيأُ الإنسانُ يشعرُ بحرقةٍ لا تُحتمَلُ، إنها حمضُ كلورِ الماءِ الذي في المعدةِ، فلئلا يخرجَ هذا الحمضُ إلى المريءِ فيزعجَ الإنسانَ كان الفؤادُ محكمَ الإغلاقِ، فمن أجلِ أن تدخُلَه اللقمةُ لا بد من رفعِ ضغطِ دفعِ اللقمةِ في الفؤادِ أربعةَ أمثالِ الضغطِ في مكانٍ ثانٍ في المريءِ، وكلُّ هذا من أجلِ أنْ تأكلَ، وأن تشربَ، وأن تتنفسَ، وأن تنامَ، وأن تزدردَ اللعابَ في الليلِ، وأن ينتقلَ الطعامُ إلى المعدةِ، مَن رَتَّبَ هذا؟ مَن أتقنَ هذا؟
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
لسان المزمار
في جسمِ الإنسانِ شُرْطِي للمرورِ، يعملُ منذُ أنْ يتخلَّقَ الإنسانُ في بطنِ أمِّه، وحتى الموتِ، لا يَكَلُّ، ولا يسأمُ، ولا يتعبُ، يعملُ ليلاً نهاراً، في اليقظةِ، والمنامِ، إنه لسانُ المزمارِ.
طريقُ الهواءِ من الأنفِ إلى الرئتين عَبْرَ الرغامى، (القصبة الهوائية) ، وطريقُ الطعام من الفمِ إلى المعدةِ، عبر المريءِ، وهذان الطريقان يتقاطعان في منطقةٍ حرجةٍ هي البلعومُ.
стр. 162
ويقومُ لسانُ المزمارِ بأخطرِ عملٍ في حياةِ الإنسانِ، فلو أنّ نصفَ كأسٍ من الماءِ دخلَ خطأً في الرغامى، في القصبةِ الهوائيةِ إلى الرئتين لماتَ الإنسانُ اختناقاً، لأنّ خلايا الدماغِ النبيلةِ تموتُ موتاً نهائياً إذا انقطعَ عنها الأوكسيجين أكثرَ من خمسِ دقائقَ، فلو نسيَ لسانُ المزمارِ أنْ يسدَّ طريقَ الرغامى، ويفتحَ طريقَ المريءِ لكانتْ هي القاضيةَ، فكيف لو نَزَلَ الطعامُ في القصبة الهوائيةِ، إذاً لفَسَدَ المجرَى، ولاختنقَ الإنسانُ، وماتَ فوراً؟
هذا اللسانُ الذي يفتحُ طريقَ المريءِ عندَ الطعامِ، ويفتحُ طريقَ التنفسِ عندَ التنفسِ، يعمل ليلاً ونهاراً، يعملُ وأنتَ نائمٌ، قد تقول: لا آكلُ بالليلِ، ولكن هذا اللعابُ الذي يتجمَّعُ في فمِك كيف تبتلعُه وأنت نائمٌ دونَ أنْ تشعرَ؟ مَن الذي أَمَرَ هذا اللسانَ أنْ يفتحَ طريقَ المريءِ، لينتقلَ اللعابُ المجمَّعُ في الفمِ إلى المعدةِ، ثم يغلقه فيتابع التنفسُ عملَه، وأنت لا تدري؟
مِن فضلِ اللهِ علينا أنّ هذه الرغامَى، (القصبةَ الهوائيةَ) لشدّةِ خطورةِ عملِها، ولأنها جهازٌ مصيريٌ، فلو توقفَ التنفُّسُ دقائقَ معدوداتٍ لماتَ الإنسانُ، لخطورةِ عملِها فقد جهَّزها اللهُ بأهدابٍ متحركةٍ، تحرَّكَ نحوَ الأعلى دائماً، فأي شيءٍ طفيفٍ دخلَ فيها تحرَّكَ نحوَ الأعلى، ليتجمعَ في الحنجرةِ، ويكون هو القَشَعَ، مَن الذي زوَّدَ هذه القصبةَ الهوائيةََ بهذه الأهدابِ المتحركةِ؟ ومن المناسب هنا أن نذكر أن التدخينَ يشلُّ هذه الأهدابَ التنفسيةَ، ويعرِّضُ الرئةَ للإصابةِ بالالتهاباتِ الإنتانيةِ، بسببِ شللِ هذه الأهدابِ التي تتحرَّكُ نحو الأعلى.
стр. 163
أما المريءُ فقد زوَّده اللهُ بعضلاتٍ دائريةٍ، تتقلَّصُ تِبَاعاً، فلو وُضِعَ الإنسانُ بشكلٍ مقلوبٍ، حيثُ تكونُ رجلاه نحو الأعلى، ورأسُه نحوَ الأسفل، وألقَمْتَه لقمةً، أو سقيتَه جرعةً من ماءٍ لسارَ الماءُ على عكسِ الجاذبيةِ نحوَ الأعلى، ولسارَ الطعامُ بعكسِ نظامِ الجاذبيةِ نحو الأعلى، بسببِ هذه العضلاتِ الدائريةِ، التي تتقلَّصُ تباعاً، فمَن زوَّد القصبةَ الهوائيةَ بهذه الأهدابِ المتحركةِ نحو الأعلى؟ ومَن زوَّد المريءَ بهذه العضلاتِ الدائريةِ، التي تسوقُ كلَّ شيءٍ نحوَ المعدةِ، بصرفِ النظرِ عن جهةِ الإنسانِ؟ إنه اللهُ .. ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ، وقال عزوجل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ، ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
هذه آيةٌ لا تحتاجُ إلى كتبٍ، ولا إلى مجلداتٍ، ولا إلى مجاهِرَ إلكترونية، كلٌّ منا بإمكانه أنْ يفكِّرَ في هذه الآيةَ.
الغشاء البريتواني، والإحساس بالألم
في الأمعاءِ الدقيقةِ غشاءٌ يحملُها أو يثبِّتُها، هذا الغشاءُ اسمُه عندَ الأطباءِ الغشاءُ البريتواني - المساريقي - ... لهذا الغشاءِ وظيفةٌ كبرى عظيمةٌ.
стр. 164
أولاً: لو أنّ الإنسانَ شَرِبَ ماءً يغلي، فالأمعاءُ لا تشعرُ بالحرارةِ، ذلك أنّ حكمةَ اللهِ تعالى قد جعلتِ الأمعاءَ الدقيقةَ والغليظةَ خاليةً مِن أعصابِ حسٍّ خلُوّاً كاملاً، فالأمعاءُ محاطةٌ بغشاءٍ، هذا الغشاءُ له وظائفُ كثيرةٌ، مِن وظائفِه أنه يحمِلُها على نحو مرنٍ، أي يسمحُ لها بالحركةِ، وهذا من أدقِّ الأعمالِ، لأن حركةَ الأمعاءِ في الهضمِ أساسُها ميكانيكيٌّ، وهذا الغشاءُ فيه نهاياتٌ عصبيةٌ، وهذا الغشاءُ فيه مراكزُ لمفاويةٌ، هذه المراكزُ بمنزلةِ أجهزةِ دفاعٍ في الجسمِ البشريِّ، فلو أنّ التهاباً حادّاً أصابَ الأمعاءَ، فانثقبتْ، لتحرَّكَ الغشاءُ البريتوانيُّ ليصنعَ مصلاً يلتهمُ هذه الجراثيمَ، ويشعرُ الإنسانُ بالألمِ، وهذه الآلامُ التي يشعرُ بها الإنسان في بطنِه ليس مصدرُها الأمعاءَ، بل مصدرُها الغشاءُ البريتواني، الذي هو جهازُ الإنذارِ الأولِ، لو حدثَ ثقبٌ في الأمعاء، أو التهابٌ حادٌّ، وحدثتْ إنتاناتٌ، فهذا الغشاءُ البريتواني فيه نهاياتٌ عصبيةٌ تُشعِرُ الإنسانَ بالألمِ.
وثمة مراكزُ دفاعٍ تستخبرُ عن طبيعةِ الجرثومِ، وتصنعُ مصلاً مضاداً، وتلتهمُ الجرثومَ، وتطوِّقُ هذه المشكلةَ، هذا الغشاءُ الرقيقُ تجدُه عندَ القصّابِ بين الأمعاءِ، فيه عُقَدٌ بلغميةٌ صغيرةٌ ككتل شحميةٍ، هذه العقدُ البلغميةُ أجهزةُ دفاعٍ من أرقى الأجهزةِ، فيها جنودٌ تكتشفُ طبيعةَ العدوِّ، وجنودٌ مقاتلةٌ، وفيها معملٌ للمُصولِ.
وفي هذا الغشاءِ نهاياتٌ عصبيةٌ، فكلُّ آلامِ البطنِ تعدُّ جهازَ الإنذارِ المبكّرِ، وكلُّ هذه الغددِ تعدُّ أجهزةَ دفاعٍ عن هذه الأمعاءِ التي هي أساسيةٌ في حياةِ الإنسانِ، ولكنْ لحكمةٍ بالغةٍ ليس في الأمعاءِ أعصابُ حسٍّ، فمتى تنقلُ الألمَ لصاحبِه إذاً؟ إذَا حَدَثَ ثقبٌ في الأمعاءِ، تصبحُ الآلامُ لا تطاقُ، قال تعالى:
﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] .
إنْ قُطِّعَتِ الأمعاءُ شعرَ الإنسانُ بالألمِ، إذا ثُقِبَتِ الأمعاءُ شَعَرَ الإنسانُ بالألمِ، لذلك: ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ .
стр. 165
هذه الآيةُ تتوافقُ مع أحدثِ مُعطياتِ العلمِ، ولولا أنّ القرآنَ كلامُ اللهِ لَمَا أمكنَ للنبيِّ ﵊ أنْ يكشفَ هذه الحقيقةَ، لأنّ طبيعةَ العصرِ الذي نَزَلَ فيه القرآنُ في كلِّ معطياتِه العلميةِ لا ترقى إلى هذه الحقيقةِ، هذا الغشاءُ الذي يتمتَّعُ بنهاياتٍ عصبيةٍ حساسةٍ جداً لا يمكنُ لها أن تُشْعِرَ بالألمِ إلاّ في حال ثقبِ الأمعاءِ، وأمّا الإحساسُ بالألمِ في الأمعاءِ فغيرُ موجودٍ، فلو شرِبَ الإنسانُ ماءً يغلي لم يشعر في أمعائِه بشيءٍ.
فمتَى يؤلِمُهم؟ حينما يقطِّعُ الماءُ الحميدُ أمعاءَهم، قال تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] .
كلّما كَشَفَ الإنسانُ حقيقةً في جسمِه ازدادَ تعظيماً للهِ ، فهذا كتابُ اللهِ، كتابُ خالقِ البشرِ، وهو الكتابُ المقرَّرُ، والمنهجُ الحكيمُ، والصراطُ المستقيمُ، والنورُ المبينُ، والحبلُ المتينُ.
المعدة وعامل "كاسل "
هذه المعدةُ التي زوَّدنا اللهُ بها، والحديثُ عنها طويلٌ جداً، لا تتّسع له المقالاتُ الكثيرةُ، ولكن نقتصر هنا على واحدةٍ من الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ، وهي أنّ هذه المعدةَ زوّدها اللهُ بأربعةِ أغشيةٍ، وأنّ بعضَ هذه الطبقاتِ طبقاتٌ عضليةٌ، وفيها عضلاتٌ منوعةٌ، عضلاتٌ دائريةٌ، وعضلاتٌ مستقيمةٌ، وعضلاتٌ مائلةٌ، حيث تحقِّقُ كلَّ التقلُّصاتِ التي تعينُ على هضمِ الطعامِ.
الشيءُ المهمُّ في المعدةِ أنّ فيها ما يزيد على خمسةٍ وثلاثينَ مليونَ غدةٍ هاضمةٍ، بمعدل ثمانمئةِ غدّةٍ في كل سنتيمترٍ مربعٍ، هذه الغددُ تفرزُ الأنزيماتِ، وتفرزُ حمضَ كلورِ الماءِ، والذي هو مادةٌ تذيبُ كلَّ شيءٍ، حتّى اللحمَ، والسؤالُ الكبيرُ الذي ليس له إجابة شافية إلى الآن: لمَ لا تهضمُ المعدةُ نفسَها؟ نأكلُ اللحمَ فتهضمهُ، وهي من لحمٍ، والمادةُ التي تفرزُها تهضمُ اللحمَ، فلمَ لا تهضمُ المعدةُ نفسَها؟ سؤالٌ كبيرٌ، والإجابةُ عنه فيها بديع خَلق الله تعالى.
стр. 166
إنها مغلَّفةٌ بغشاء مخاطي يتحمّل حموضةَ المعدة وإفرازاتها، ويقي جدارَ المعدةِ من حموضة وسط المعدة، والخمائر ... مع وجود الخلايا الجدارية التي تفرز موادَّ مرمَّمةً دائماً، فإذا أكلت معدة هُضِمَتْ، لذهاب الغشاء المخاطي، ولم يبق بها إفرازاتٌ تُتِقيها سليمةً، فسبحان الله الخالق الحكيم.
لكنّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ بعضَ العلماءِ قال: "إنّ الكرياتِ الحمراءَ التي تصنعُها معاملُ الكرياتِ الحمراء في نقي العظامِ لا تنضجُ، ولا يستوي بناؤُها إلا إذا أشرفَ عليها فيتامين شهيرٌ، هو فيتامين (ب١٢) "، والأغربُ من ذلك أنّ هذا الفيتامينَ لا يستطيعُ أنْ يصلَ إلى الدمِ، ولا أن يُخزَّنَ في الكبد إلاّ عن طريقِ مُرافقٍ له، هذا المُرافقُ مادةٌ بروتينيةٌ ذات وزنٍ ذريٍّ مرتفعٍ جداً، تفرزُها المعدةُ، يسمِّيها العلماءُ عاملِ كَاسَلْ، نسبةً إلى العالِمِ الذي اكتشفه، هذه المادةُ إذا أفرزَتْها المعدةُ يستطيعُ هذا الفيتامينُ الخطيرُ أنْ يدخلَ إلى الدمِ، ويُخزَّنَ في الكبدِ، وبالتالي تصنع المعاملُ الموجودةُ في نِقي العظامِ ما يزيدُ على مليونين ونصف مليون كرية حمراءَ في الثانيةِ الواحدةِ".
إنّ مخزونَ الكبدِ من هذا الفيتامينِ الخطيرِ الذي يشرفُ على نُضْجِ الكرياتِ الحمراءِ يُخزِّن بمعدلِ خمسةِ ميليغراماً تكفي الإنسانَ خمسَ سنواتٍ، ففي كلِّ سنةٍ يستهلكُ الإنسانُ واحداً من هذا الفيتامين، الذي رافَقَه هذا العاملُ الذي تفرزُه المعدةُ.
شيءٌ آخرُ، إنّ الحاجةَ اليوميةَ من هذا الفيتامين من ٣ إلى ٥ ميكروغرام، والميكروغرام واحدٌ من مليونٍ من الغرامِ، لو أنّ معدةَ الإنسانِ استُؤصِلتْ لَتَوَقَّفَ عاملُ كاسلْ عن إيصالِ الفيتامين (ب١٢) إلى الكبدِ، ماذا يحصلُ حينئذٍ؟ فقرُ دمٍ خبيثٌ، والتهابُ اللسانِ، وضمورُ المعدةِ، وإصابةُ النخاعِ، وعسرٌ في البلعِ، وبطءٌ في النشاطِ، وكآبةٌ في النفسِ، وخدرٌ في القدمينِ، واختلالٌ في التوازنِ، كلُّ هذه الآفاتِ الخطيرةِ، لأنّ بعضَ الميليِغراماتِ في الكبدِ قد انتهتْ.
стр. 167
ما هذه الدقة في خلق الإنسان؟! ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [القيامة: ٣٦-٣٩] .
جهاز الكبد منطقة صناعية كاملة
إنّ مِن آياتِ اللهِ الكبرى الدالةِ على عظمتِه هذا الكبدَ الذي يوجدُ في أحشائِنا، وهو أكبرُ عضوٍ في الأحشاءِ، وإذا كان الإنسانُ لا يستطيعُ أن يعيشَ دونَ قلبٍ أكثرَ من ثلاثِ دقائقَ، فإنه لا يستطيعُ أن يعيشَ دونَ كبدٍ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، والكبدُ يستطيعُ بناءَ نفسِه، فلو أنّ جرّاحاً استأصلَ أربعةَ أخماسِ الكبدِ فإنه يُعيدُ بناءَ نفسِه في سرعةٍ هائلةٍ، لأنّ اللهَ جهَّزَ الكبدَ بقدرةٍ عجيبةٍ على ترميمِ ذاتِه، وأسرعُ الخلايا انقساماً هي خلايا الكبدِ، والكبدُ يقومُ بوظائفَ كثيرةٍ، قال بعضُهم: "إنّ له خمسمئةِ وظيفةٍ"، وقال بعضُهم: "بل سبعمئةِ وظيفةٍ"، وقال بعضُهم: "بل وظائفُه بالآلافِ"، وعلى كلٍّ الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ أنّ كلَّ خليةٍ في الكبدِ تقومُ وحْدَها بهذه الوظائفِ.
فمن وظائفِ الكبدِ التخزينُ، فهو مخزِّنٌ للدمِ، حيث يستوعبُ ألفاً وخمسمئةٍ من السنتيمتراتِ المكعبةِ من الدمِ، وإذا طرأَ طارئٌ، حصلَ نزيفٌ، أو حادثٌ، أو عمليةُ ولادةٍ، فإنّ هرموناً في الكظرِ يأمرُ الكبدَ أنْ يحرِّرَ جزءاً من هذا الدمِ المخزونِ ليعوِّضَ الدمَ المفقودَ.
стр. 168
ومن وظائِفه تخزينُ السكرِ، وتخزينُ الدسمِ، وتخزينُ البروتينِ، وتخزينُ القيتاميناتِ، فهو مخزِّنٌ غذائيٌّ، إذا حصلتْ مجاعةٌ، أو حصلَ انقطاعٌ عن الطعامِ والشرابِ، إراديٌّ أو غيرُ إراديٍّ، أو حصلَ نزيفٌ شديدٌ، فإنّ الكبدَ يعوِّضُ النقصَ، فهو مخزِّنٌ للموادِ الغذائيةِ التي يحتاجُها الإنسانُ، وما الجوعُ في حقيقتهِ إلا نَقصٌ في مخزونِ الكبدِ، لو فحصتَ دمَ جائعٍ لوجدتَ الموادَّ الأساسيةَ متوافرةً فيه بالتمامِ والكمالِ، ولكنّ الجوعَ هو نقصٌ في مخزونِ الكبدِ، بدليلِ أنّ الجائعَ إذا اضطرَّ لسببٍ أو لآخرَ إلى ألاَّ يأكلَّ؛ فإنه يبقى ساعاتٍ طويلةً دونَ أنْ يشعرَ بالتعبِ، لذلك يُعدُّ الجوعُ نَقصاً في مخزونِ الكبدِ، لا في الدمِ الجارِي في الأوعيةِ.
في الكبدِ خاصّةً لافتةٌ للنظرِ، سمّاها العلماءُ خاصّةََ التحويلِ، فباستطاعةِ الكبدِ أنْ يحوِّلَ السكرَ إلى بروتين، والبروتينَ إلى سكرٍ، والسكرَ إلى دسمٍ، والدسمَ إلى سكرٍ، إنّه شيءٌ عجيبٌ، هناك في الكبدِ سكرياتٌ، وهناك الموادُّ الدسمةُ، وهناك الموادُّ البروتينيةُ، ويستطيعُ الكبدُ في حالاتٍ ضروريةٍ أنْ يحوِّلَ الموادَّ الدسمةَ إلى سكرياتٍ، فهذا التحويلُ خاصّةٌ خطيرةٌ جدّاً من خواصِّ الكبدِ، كلُّ هذا حفاظاً على الحياةِ.
شيءٌ آخرُ؛ للكبدِ وظيفةُ التعييرِ، حيث يدخلُ السكرُ إلى الكبدِ بنسبٍ عاليةٍ جدّاً، ولا سيما إذا تناولَ أحدُنا طعاماً سكريّاً، ويخرجُ الدمُ من الكبدِ ونسبةُ السكرِ فيه لا تزيدُ على ٥، ١/١٠٠٠، فمِن مهمةِِ الكبدِ تعييرُ السكرِ، وتعييرُ الدسمِ، وتعييرُ كلِّ المواد.
أمّا الوظيفةُ الرابعةُ فهي وظيفةُ التكوينِ، فالكبدُ يكوِّنُ عنصرَ التجلُّطِ، وعنصرَ التمييعِ، ومن إفرازِ العنصرينِ إفرازاً متناسباً يصبحُ الدمُ على هذه الحالةِ المثاليةِ، فلو لم يفرز الكبدُ عنصرَ التمييعِ لأصبحَ الدمُ كالوحلِ في الشرايينِ، ولماتَ الإنسانُ فورا، ولو لم بفرز الكبدُ عنصرَ التجلطِ لَنَزَفَ دمُ الإنسانِ كلُّه من ثقبٍ صغيرٍ.
стр. 169
شيءٌ آخرُ، يفرزُ الكبدُ بروتيناً يعيِّرُ ويحدِّدُ نِسَبَ الماءَ في الجسمِ، ومَن التهبَ كبدُه أُصيبَ بالاستسقاءِ، أيْ إنّ الجسمَ يخزِّن ماءً كثيراً يفوقُ حاجتَه.
ومن وظائفِ الكبدِ التخليطُ، فالكبدُ يدرسُ وضعَ السمِّ، فإمّا أنْ يعدّلَه بتفاعلٍ كيماويٍّ، وإمّا أن يقيِّدَه، وإمّا أن يطردَه، بحسبِ خطورتِه، وسمِّيتِه، وكأنه عاقلٌ يفعلُ ما يناسبُ، يفحصُ هذا السمَّ، فإمّا أن يفرزَ عليه مادةً فيعطِّلَه، وإمّا أن يقيدَه - يحاصره - وإمّا أن يأخذَه إلى خارجِ الجسمِ، ويطرحَه مع البولِ، هذا كلُّه من وظائفِ الكبدِ.
وشيءٌ آخرُ، يفرزُ الكبدُ الصفراءَ، مليونان ونصفٌ من الكرياتِ الحمراءِ تموتُ في كلِّ ثانيةٍ، تموتُ هذه الخلايا فتساقُ إلى الطحالِ مقبرةِ الكرياتِ الحمراءِ، وهناك تُفكُّ إلى جزئياتِها الأساسيةِ، يُؤخذُ الحديدُ الناتجُ عن تفكيكِ جزئياتِ الكرياتِ الحمراءِ إلى معملِ نقيِّ العظامِ، وتؤخذُ مادةُ الهيموغلوبين إلى الكبدِ، فتكون الصفراءُ، فالصفراءُ التي في الكبدِ من نتاجِ تحليلِ كرياتِ الدمِ الحمراءِ الميتةِ، ماذا تفعلُ الصفراءُ؟ تساعدُ على امتصاصِ الدسمِ، وهضمِه، وتعينُ على حركةِ الأمعاءِ، وتعقِّمُ الأمعاءَ من الجراثيمِ، لذلك من استْؤصلتْ صفراؤُه يصعبُ عليه امتصاصُ الدسمِ.
متى يلتهبُ الكبدُ؟ اليرقانُ التهابُ الكبدِ، قال أصحابُ الاختصاصِ: "يلتهبُ إذَا تلوّثَ الطعامُ وأدواتُه بالموادِ البرازيةِ"، مِن هنا جاءتْ أحاديثُ الطهارةِ، فالأحاديثُ الكثيرةُ التي يحضُّنا بها النبيُّ ﵊ على التطهُّرِ والتبرُّؤِ من البولِ، ومن كلِّ شيءٍ يخرجُ من الجسمِ، كلُّ هذا مِن أجلِ حفظِ الكبدِ.
стр. 170
وقد أكَّدَ العلماءُ أنّ تشمُّعَ الكبدِ له سببٌ كبيرٌ؛ ألا وهو معاقرةُ الخمرةِ، والخمرةُ أمُّ الخبائثِ، وأكثرُ الذين يعاقرون الخمرَ تصابُ أكبادُهم بالتشمُّعِ، والتشمُّع توقُّفُ الكبدِ عن القيامِ بوظائفِه، فالقرآنُ الكريمُ حينما حَرَّمَ علينا شربَ الخمرِ، حرَّمه لأنه يؤذي أكبادَنا، وكم من حالاتٍ لا تعدُّ ولا تحصى تَلِفَ فيها الكبدُ، وتشمَّعَ بفعلِ تناولِ الكحولِ، قال سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .
أتعرفون أنّ بين جوانحِكم هذا العضوَ الخطيرَ؟! هذا المخبَر، هذا المخفَرَ، هذا المصنعَ، هذا المستودعَ.
وظيفةُ التخزينِ، وظيفةُ التحويلِ، وظيفةُ التعييرِ، وظيفةُ التكوينِ، وظيفةُ التخليطِ، وظيفةُ الإفرازِ، هذه بعضُ وظائفِ الكبدِ، وكلُّ خليةٍ من خلايا الكبدِ تفعلُ كل هذه الوظائفِ وحْدَها بصمتٍ دونَ ضجيجٍ.
ذلكم اللهُ ربُّ العالمين، هذا خَلْقُه، تذهبون إلى القصَّابِ، وتشترونَ السوداءَ، إنها الكبدُ، هذا الجهازُ الذي لا يستطيعُ الإنسانُ أن يعيشَ دونَه أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، قال تعالى:
﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب * إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٥-٨] .
من ماءٍ مهينٍ، من نطفةٍ، يكونُ الكبدُ، والدماغُ، وهذا القلبُ، والأحشاءُ، والكليتان، ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون﴾ [الطور: ٣٥] .
هذا الذي خَلََقَك فسوّاك فعدّلك، ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ أن تحبَّه؟ ألا يستحقُّ أن تأتمرَ بأمرِه، وأن تنتهيَ عما نهاك؟ ألا يستحقُّ أن تفنيَ عمرَك في طاعتِه؟ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ، وَمَالَهُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟ ".
стр. 171
الشّرب الصّحّيّ
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ثَلاَثاً، وَيَقُولُ: "هُوَ أَمْرَأُ وَأَرْوَى".
أيْ إنّه إذا شرِبَ كأسَ الماءِ يشربُه على ثلاثِ دفعاتٍ، يتنفّسُ بين كلِّ شَربتين، إذاً يتنفّسُ إذا شَرَب مِن الإناء ثلاثاً، ويقول أروى: أيْ: أشدُّ ريّاً، وأقْربُ إلى العافيةِ، وأمرأ أيْ: أسهلُ مروراً.
وعن أبي هريرة ﵁ "أنَّ النّبِيَّ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلاثةِ أَنْفَاسٍ، إِذَا أَدْنَى إِلَى فِيهِ الإِنَاءَ سَمَّى اللهَ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللهَ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ".
الشيء المعجِزُ أنّ في الإنسانِ عصباً يُسمَّى العصبَ المبهَمَ، هذا العصبُ مربوطٌ بالمعدةِ والقلبِ، والتنبيهُ العنيفُ لهذا العصبِ يؤذيه، فالماءُ الباردُ مثلاً إذا أُلقِيَ في الجوفِ دفعةً واحدةً دونَ أنْ يُمصَّ مصًّا - كما أرشدَ الحديث - فإنه ذو تنبيهٍ شديدٍ للعصبِ المبهَم، وهذا العصبُ المبهَمُ ربَّما نبَّهَ القلبَ فأوقفَه عن العملِ، وهناك حالاتُ موتٍ مفاجئ كثيرةٌ بسببِ تنبيهٍ شديدٍ جداً لهذا العصبِ المبهَمِ، سمّاه العلماءُ النهيَ العصبيَّ الذي يؤدّي إلى توقفِ القلبِ، وقد يحدثُ الموتُ فجأةً.
شيءٌ آخرُ، أنّ الإنسانَ حينما يكونُ في حالةِ حرٍّ شديدٍ، في حالةِ جهدٍ عالٍ جداً لا ينبغي له أن يشربَ الكثيرَ من الماءِ، فالآلاتُ المعدنيةُ لو صببتَ عليها الماءَ لتصدَّعتْ، ولانشقتْ، فكيف بالإنسانِ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
стр. 172
في حالاتِ الحرِّ الشديدِ، وفي الجهدِ العالي ينبغي أنْ تشربَ الماءَ القليلَ، وأنْ تشربَه مصاً، لا أن تعبَّه عباً.
هذه بعضٌ من توجيهاتِ النبيِّ ﷺ الصحيّةِ، أرجو الله تعالى أنْ ينفعَنا بها.
جهاز التنفس
الأفعال الإرادية واللاإرادية التنفس
يُقال: "شِدَّةُ القُرْبِ حجابٌ"، هناك آيةٌ صارخةٌ دالةٌ على عظمةِ اللهِ ، لكنها لشدّةِ قُرْبِها منا كأنّنا لا نرَاها، هي التنفُّسُ.
ينامُ الإنسانُ ملءَ عينَيْهِ، ورئتاه تخفقَانِ بانتظامٍ، وينامُ الإنسانُ ملءَ عينَيْهِ، وقلبُه ينبُضُ بانتظامٍ، ينامُ الإنسانُ ملءَ عينيْهِ، وجهازُه الهضميُّ يعملُ بإحكامٍ، ينامُ الإنسانُ ملءَ عينيه، وجهازُ التصفيةِ يعملُ بدقةٍ عاليةٍ.
فلو أنّ جهازَ التصفيةِ، وجهازَ الهضمِ، وجهازَ الدورانِ، والقلبَ، والرئتين، كانتْ وظائفُها منوطةً بنا، هل منا مَن يستطيعُ أن ينامَ لحظةً؟ أو أن يعملَ لحظةً؟ أو أن يجلسَ مع أخيه لحظةً؟
هذه الآيةُ الكبيرةُ، هي الأفعالُ اللاإرادية، إنها تعملُ بشكلٍ مدهشٍ، بدقةٍ ما بعدها دقّةٌ، بحكمةٍ ما بعدها حكمةٌ، بتدبيرٍ ما بعده تدبيرٌ.
قال العلماءُ: "هناك مراكزُ للأعمالِ اللاإرادية تتحكَّمُ في ضرباتِ القلبِ، ووجيبِ الرئتين، وعمليةِ الهضمِ، وعمليةِ الإفرازِ، وأعمالٍ كثيرةٍ، لا يعلمُها إلى اللهُ؛ كأعمالِ الغددِ الصمَّاءِ، والبنكرياس، والكبدِ، والكظر، والدرقيةِ، والنخاميةِ، والتوازنِ الحراريِّ، وتوازنِ السوائلِ، وتوازنِ دقَّاتِ القلبِ، وأعمالٍ كثيرةٍ أخرى تتمُّ بشكلٍ لا إراديٍّ".
стр. 173
قال العلماءُ: "هناك في البَصَلَةِ السيسائيّةِ، التي هي في القسمِ السُّفْليِّ مِن جذعِ الدماغِ، عقدةُ الحياةِ، في هذه العقدةِ مركزُ تنظيمِ التنفُّسِ، ومركزُ تنظيمِ ضرباتِ القلبِ، ومراكزُ الأوعيةِ، تتّسعُ، وتضيقُ مِن هناك، ومركزُ البَلع، ومركزُ المضغِ، ومركزُ التصويتِ، ومركزُ التوازنِ السكريِّ، ومركزُ العرَق، ومركزُ اللعابِ، ومركزُ النومِ واليقظةِ، ومركزُ المَشي، ودورةُ الحيضِ، وحرارةُ البدنِ، ومركزُ الغددِ التناسليةِ، هذا كلُّه في القسمِ الأسفلِ من جذعِ الدماغِ، ويسمَّى هذا المكانُ عقدةَ الحياةِ، وهو أخطرُ مكانٍ في الإنسانِ، لو أصيبَ بخللٍ لماتَ الإنسانُ فوراً".
لنأخذ من هذه الأجهزةِ مركزَ التنفسِ.
في هذا الجذعِ بُقْعَتان؛ بقعةٌ للشهيقِ، وبقعةٌ للزفيرِ، إنّ غازَ الفحمِ الموجودَ في الدمِ ينبِّهُ الشهيقَ والزفيرَ، فإذا نبّهَ مركزَ الشهيقِ ثُبِّط مركزُ الزفيرِ، وإذا نبَّه مركزَ الزفير ثُبِّطَ مركزُ الشهيقِ، لو نُبِّها معاً لاضطربَ الأمرُ، فتنبيهُ أحدِهما تثبيطٌ للآخرِ، إنه شيءٌ عجيبٌ، بل شيءٌ يأخذُ بالألبابِ.
شيءٌ آخرُ، هناك تنفسٌ إراديٌّ، فيستطيعُ الإنسانُ بإرادتِه أنْ يحدثَ شهيقاً إرادياً، أو زفيراً إرادياً، هناك مركزٌ يأتِي من الدماغِ للشهيقِ الإراديِّ، والزفيرِ الإراديِّ، هذا المركزُ، وإنْ كنتَ غافلاً عنه فإنه يعمَلُ بشكلٍ ذاتيٍّ، ما الذي ينبِّهُ هذين المركزين؟ إنّه غازُ الفحمِ الذي في الدمِ، فإذا تراكمَ غازُ الفحمِ، وكَثُرَ في الدمِ، تضاعفَ الشهيقُ والزفيرُ، فلو أنّ الإنسانَ غطَّى رأسَه بالغطاءِ، وقلَ الأوكسيجين في الفراشِ، وكَثُرَ غازُ الفحمِ، ليراقبْ نفسَه، فإنه يزدادُ وجيبُ رئتيه دونَ أن يشعرَ، هذا الشهيقُ والزفيرُ بسببِ ازديادِ غازِ الفحمِ، فغازُ الفحمِ الذي ازدادَ في الدمِ نبَّه مراكزَ الشهيقِ والزفيرِ، فضاعفتْ حركاتِها، ونحن لا ندري، نحن غافلون، وعين الله لم تَنَمْ.
стр. 174
ومعروفٌ: "أنّه زادَ غازُ الفحمِ باثنين من العشرةِ على كميَّتِه النظاميةِ في الدمِ لتَضَاعَفَ التنفُّسُ، ولو قلَّ غازُ الفحمِ باثنين من العشرةِ عن كميّتِه النظاميةِ في الدمِ لَتَوَقَّفَ التنفُّسُ، ما هذا التوازن؟! إذا ارتفعَ غازُ الفحمِ في الدمِ دونَ أن ينبّهَ مراكزَ التنفسِ دخلَ الإنسانُ في غيبوبةٍ ثم ماتَ، وهؤلاء الذين يختنقون في الحمَّامِ أحياناً بسببِ استخدامِ وقودٍ غازيٍّ مثلاً، ما السبب؟ ارتفاعُ نسبةِ غازِ الفحمِ في الجوِّ، وبالتالي في الدمِ، وبالتالي يتوقّفُ التنفُّسُ، فيموتُ الإنسانُ.
هذا النَّفَسُ، وهاتان الرئتان ، ننامُ ملءَ العيونِ، والرئتان تعملانِ بانتظامٍ، ننامُ ملءَ العيونِ، والقلبُ ينبُضُ بانتظامٍ، ننامُ ملءَ العيونِ، والغددُ الصمَّاءُ تقومُ بأعمالها بانتظامٍ، ننامُ ملءَ العيونِ، وجهازُ الهضمِ يفرِزُ بانتظامٍ، قال : ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
الرئتان
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه هاتانِ الرئتانِ، اللتانِ أُودِعَتَا صدرَ الإنسانِ، وتتّصلُ كلُّ منهما بالمحيطِ الخارجيِّ بقصبةٍ هوائيةٍ هي الرغامى، هذه القصبةُ تتفرَّعُ إلى ثلاثةٍ وعشرين فرعاً، إلى أنْ تصلَ هذه الفروعُ إلى الأسناخِ، أو الحويصلاتِ الرئويةِ، وهي أصغرُ وحدةٍ في الرئةِ، فقُطرُ الحويصلةِ وهي متنفخةٌ بالهواءِ رُبْعُ مِيكْرُون، أمّا قُطْرُ القصبةِ فهو خمسةُ سنتيمتراتٍ، أيْ بمساحة قطعةٍ معدنيةٍ، أو أكبرَ بقليلٍ، لكنّ مساحةَ الحويصلاتِ سبعونَ متراً مربعاً، تتلقَّى الهواءَ من قصبةٍ لا يزيدُ قطْرُها على خمسة سنتيمتراتٍ، وهل تصدِّقون أنّ في الرئتين ثلاثمئةٍ وخمسين مليونَ سنخٍ رئويٍّ، أو حويصلةٍ رئويةٍ، وأنّ مساحةَ الأسناخِ الرئويةِ تزيدُ على مساحةِ القصبةِ ألفَيْ ضعفٍ، وقد شَبَّهوا مساحةَ القصبة الرئويةِ بالليرةِ، وشبَّهوا مساحةَ الأسناخِ الرئويةِ بملعبٍ لكرَةِ المضرِب، يدخلُ الهواءُ من قصبةٍ، ويتفرّعُ بمساحاتٍ واسعةٍ، من أجلِ التبادلِ مع الأوكسجينِ.
стр. 175
الشيءُ العجيبُ هو أنه على طولِ هذه التفرُّعاتِ التي تنتهي بالأسناخِ الرئويةِ تنتشرُ الأهدابُ، فما هي الأهدابُ؟ إنّها أشعارٌ طولُ الواحدِ منها ستةُ ميكروناتٍ، وقطرُه ٠. ٢ من الميكرون، هذه الأهدابُ تتحرّكُ نحو الأعلى دائماً بمعدّلِ ألْفٍ إلى ألفٍ وخمسمئة مرة في الدقيقةِ من أجلِ أنْ تطردَ كلَّ الشوائبِ، وكلَّ الأجسامِ الغريبةِ، وليبقَى طريقُ الهواءِ نظيفاً نقياً صافياً، وحتى هذه الساعةِ عَجَزَ أطباءُ العالَمِ عن زرعِ الرئةِ، لأنهم عجزوا عن توصيلاتِ الأعصابِ المتعلقةِ بالأهدابِ، والشيءُ الغريبُ هو أنّ هذه الأهدابَ الرئويةَ الموزعةَ في القصبةِ، وفي الفروعِ حتى تصلَ إلى الأسناخِ فإنها تطردُ الأجسامَ الغريبةَ وتحرِّكُها بسرعةِ ١٦ ميليمتراً في الدقيقة، أما إذا دَخلَ شيءٌ غريبٌ إلى القصبةِ كقطرةِ ماءٍ فسوف يكونُ السعالُ عندئذٍ، فما السُّعالُ؟ يخرجُ الهواءُ من الرئتينِ بسرعة تسعمئةِ كيلو مترٍ في الساعةِ، كآلةٍ ضاغطةٍ، من أجلِ أن يدفعَ كلَّ شيءٍ في القصبةِ.
إنّ الشيءَ الأعظمَ من ذلك أنّ التنفسَ يتمُّ بتنبيهٍ عصبيٍّ نوبيٍّ، لا إراديٍّ، فلو أنّ اللهَ أَوْكلَ التنفسَ إلينا لكانَ الخيارُ صعباً جداً، فلا بدّ أنْ نلغيَ النومَ، فإذا نمنا فسوف نموتُ، وهناك مرضٌ نادرٌ جداً يصيبُ مركزَ التنبيهِ الرئويِّ النوبيُّ بالعطبِ، وعندئذٍ لا يستطيعُ الإنسانُ أن ينامَ الليلَ أبداً، وقد اخْتُرِعَ دواءٌ غالٍ جداً يأخذُه الإنسانُ كلَّ ساعةٍ، ولكنْ لا بدّ أنْ يستيقظَ كلَّ ساعةٍ ليأخذَ حبةً، لأنّ مفعولَ هذا الدواءِ ينتهي بعدَ ساعةٍ، فنحن في نِعَمٍ لا تُحصَى.
الحنجرة وعتبة الحواس
يقولُ ربُّنا في كتابِه الكريمِ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
هناك تقديرٌ دقيقٌ في كلِّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ ، هذا المعنى يُستنبطُ من قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ السماوات والأرض بالحق وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ المصير﴾ [التغابن: ٣] .
стр. 176
إضافةً لِمَعنى الحقِ أنّه الشيءُ الثابتُ الذي لا يزولُ موازنةً له مع الباطلِ الذي يزول، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ [الحجر: ٨٥] ، فهناك معنًى آخرُ للحقِّ، وهو الشيءُ الهادفُ الذي يتناقضُ مع العبثِ، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦] .
والمعنى الثالثُ هو أنَّ الشيءَ خُلِقَ بالحق، أيْ قُدِّرَ تقديراً دقيقاً من لدُنْ حكيمٍ عليمٍ خبيرٍ.
إنّ هذه الحَنجرةَ التي هي جهازُ الصوتِ عند الإنسانِ، يقولُ الأطبّاءُ: "إنّ فتْحةَ الحَنجرةِ قد قُدِّرَتْ تقديراً دقيقاً جدّاً، حيثْ لو اتَّسَعَتْ أكثر مِمَّا هي عليه لاختفَى صوتُ الإنسانِ، ولو ضاقَتْ أكْثَر مِمَّا هي عليه لأصْبحَ التنفّسُ عسيراً"، فإما أن يكونَ التنفّسُ مريحاً، ويختفِيَ الصوتُ، وإما أن يكونَ الصوتُ واضحاً، ويصعُب التنفّسُ، أما أنْ تكون فتْحةُ الحَنجرة مدْروسةً دِراسةً دقيقةً، فهذا من إبداعِ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، مَن جعَلَ هذه الفتْحةَ بهذا القَدْرِ؟ إنَّ اللهَ يقول: ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] .
هذا ينقلُنا إلى عتباتِ الحواسِّ، إنّ هذه العينَ ترى بين عَتَبتَيْن، لو أنَّ الرؤيةَ زادَت على حدِّها الذي هي عليه لأصبَحَتْ حياتُنا جحيماً، إنّك إذا نظرتَ إلى كأسِ الماءِ الذي تشربُهُ الآن، تراه صافياً عذباً فراتاً رائِقاً، لو أنّ عتَبَةَ البصرِ زادَتْ قليلاً، ودقَّت أكثرَ مِمَّا هي عليه لرأيتَ في هذه الكأسِ العجَبَ العُجابَ، لرأيتَ الكائناتِ الحيةَ، والجراثيمَ غيرَ الضارةِ، بِعَددٍ لا يُحصى، إنَّك لنْ تشربَ الماءَ عندها، ولرأيْتَ هذا الطّفلَ الصغيرَ بِخَدِّه الأسيل كأنّه مغاراتٌ ونتوءاتٌ، لذلك يقولُ ربّنا : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
стр. 177
ولو أنَّ عَتَبَةَ السَّمْع ارْتَفَعَ مُستواها قليلاً لَمَا أمْكنكَ أنْ تنامَ الليلَ، لأنّ الأصواتَ كلَّها تتلقّفُها، بل إنّ أصواتَ جهازِ الهضْمِ وحدهُ تكادُ تكونُ كالمعملِ الكبيرِ، لذلك جَعَلَ اللهُ لك عتبةً خاصّةً في السَّمْعِ لا تزيدُ على حدِّها، فلو أنّ حاسّة اللمْسِ زادَتْ لشَعَرْتَ بالكهرباءِ الساكنةِ التي تُحيلُ حياتك جحيماً لا يُطاقُ، وبعضُ الحيواناتِ تزيدُ حاسّةُ الشمِّ عندَها مليونَ ضعفٍ على حاسّةِ الإنسانِ، غير أنَّ اللهَ شقَّ لنا السمعَ، وأنشأ الأبصارَ والأفئدةَ، وخَلقَ حاسّةَ اللّمْسِ، وحاسّةَ البصَرِ، ومع كلِّ هذا فإنّ هذه الحواسَّ خُلِقَتْ خَلْقاً دقيقاً جِدّاً مِنْ قِبَلِ اللهِ تعالى.
جهاز الإفراز
الكليتان وشكر نعمتهما
روي أنه كان ﵊ إذا خرج مِن بيتِ الخلاءِ يقول: "الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
وفي دعاءٍ آخر، كان يقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ".
إنّ الكُليتين تصفِّيانِ في اليومِ الواحدِ من الدمِ ما حجمُه ألفٌ وثمانمئةِ لترٍ، وإنْ تعجبْ فعجبٌ ورودُ هذا الرقمِ نفسِه في مصادرَ عدّة، ممّا يُخرِج الخبرَ عن أنْ يكونَ غريباً أو شاذّاً.
أعتقدُ أنَّ أسرةً متوسطةً تستهلكُ هذا الحجمَ كوقودٍ طوالَ السنةِ.
ثم إنّ في الكليتين طريقاً دقيقاً من الأنابيبِ، من النفرونات، طولُه ستون كيلو متراً.
وفي هاتين الكليتين طاقةً لتصفيةِ عشرين ضِعفاً من حاجةِ الإنسانِ إلى التصفيةِ.
لذلك إذا استُؤصِلتِ الكليةُ لسببٍ ما فإنّ الإنسانَ يعيشُ حياةً مديدةً بكليةٍ واحدةٍ، أليس هذا من رحمةِ اللهِ ؟ لأنّ الكليةَ جهازٌ خطيرٌ، فقد جعلَ لك قطعةَ غيارٍ احتياطيةً زائدةً، أو كليةً زائدةً على حاجتِك.
مَن منا يُصدَّقُ أنّ الدمَ بكاملِه يمرُّ في الكليتين ستاً وثلاثين مرةً، في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعةً.
стр. 178
إنَّ هاتين الكليتين تقومان بعمليةٍ في منتهى التعقيدِ، تأخذانِ من الدم الموادَّ السكريةَ، والمعادنَ، والبروتيناتِ، وتطرحُها في الوريدِ الخارجِ منها بنسبٍ نظاميةٍ، وأمّا ما زادَ من السكرياتِ على حاجةِ الدمِ فيُطرحُ في البولِ.
إذا أُصيبَ الإنسانُ بمرضِ السكرِ، كيف يعرفُ ذلك؟ من وجودِ السكرِ في البولِ، معنى ذلك أن الكليةَ تأخذُ نسبةً نظاميةً للسكرِ، وتطرحُ الباقي مع البولِ، وإذا أكلَ الإنسانُ ملحاً كثيراً، وفَحَصْنَا بولَه، وجدْنا أنَّ جزءاً من هذا الملحِ طُرِحَ مع البولِ.
إن الكلية، كما قال بعضُ العلماءِ: "تتيحُ لك أنْ تأكلَ كلَّ شيءٍ، ولو ارتفعتْ نسبةُ الأملاحِ في الدمِ على ثمانيةٍ بالألفِ لَمَاتَ الإنسانُ"، فمَن الذي يضمنُ ثباتَ هذه النسبةِ في الدمِ؟ إنهما الكليتان.
إذاً فالكليةُ مصفاةٌ عاقلةٌ، كما وَصَفَهَا بعضُ العلماءِ، تأخذُ نِسباً نظاميةً، وما بقي من هذه النسبِ النظاميةِ مِن نسبٍ زائدةٍ، من سكرياتٍ، وأملاحٍ، ومن بقايا أدويةٍ، فإنها تُطرَح في البولِ، فيتغير لونُه، فلأنّ هذا الدواءَ مادةٌ غريبةٌ؛ فإنّ الكليةَ تطرحُها مباشرةً.
فهذه الكليةُ التي لا تزيدُ حجمُها على الكمثرى تعملُ بصمتٍ، وبلا مقابلٍ، وبلا أجرٍ، وبلا تعطيلٍ عن العملِ، فالإنسانُ يعملُ، وينامُ، ويدرسُ، ويتاجرُ ويبيعُ، ويشتري، ويسافرُ، وهذه الكليةُ تعملُ بصمتٍ، حيث يدخلُ الدمُ إلى الكليتين ستّاً وثلاثين مرةً في اليومِ الواحدِ، بخلافِ المشقةِ التي يعانيها الإنسانُ إذَا ذهب ليصفِّيَ دمَه في كُليةٍ صناعةٍ، وفوقَ هذا وذاك اكتشفَ العلماءُ أنّ الكليتين غدّتان ذواتا إفرازٍ داخليٍّ، أي إنّهما تفرزانِ هرموناتٍ تضبطُ ضغطَ الدمِ.
إذا التهبتْ كليةُ الإنسانِ يختلُّ ضغطُه، فتفرزُ هذه الكليةُ هرموناتٍ لتنظيمِ ضغطِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لتلاشي فقرِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لضبطِ السوائلِ.
وإذا أصابَ الكليةَ التهابٌ اضطربَ ميزانُ السوائلِ، ولو اضطربَ ميزانُ السوائلِ لوجبَ أنْ يبقى الإنسانُ إلى جانبِ الصنبورِ، والمرحاضِ طوالِ حياتِه، ألا يقتضي ذلك أن يشكرَ الإنسانُ ربَّه على نعمةِ الكليةِ؟
стр. 179
كان النبيُّ ﷺ إذا خرج مِن الخلاءِ يقول: "الْحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعَافَانِي".
فلو أن الكليةَ توقفتْ عن العملِ، وارتفعتْ نسبةُ البولةِ في الدم.. فاسألوا الأطباءَ ماذا يحدثُ؟ يتشنّجُ الإنسانُ، وتضعفُ ذاكرتُه، ويختلُّ عملُه، ويغضبُ لأتفهِ الأسبابِ، وربما يحطِّمُ أثاثَ البيتِ، هؤلاءِ الذين تتوقّفُ كليتُهم عن العملِ فجأةً، وترتفعُ نسبةُ البولةِ في دمِهم لهم أطوارٌ غريبةٌ، لا يحتملُهم أهلُهم، لشدّةِ غِلظتِهم، ولشدّةِ عُنفِهم، ولشدّةِ غضبِهم لأتفهِ الأسبابِ، وإذا استمرَّ ارتفاعُ نسبةِ البولةِ يموتُ الإنسانُ فوراً، فهاتان النعمتان إضافةً إلى المثانةِ، تكوِّنانِ جهازاً معقَّداً مهمّاً.
إنّ كرامةَ الإنسانِ مرهونةٌ بهذا الجهازِ، وأحياناً يصابُ الإنسانُ في سنٍّ متقدمةٍ ببعضِ الضعفِ في العضلاتِ، فيُسمِعُه الأهلُ كلماتٍ قاسيةً، هذا الذي لا يستطيعُ أن يضبطَ نفسَه، يصبحُ موقفُه حرجاً جداً.. فنعمةُ المثانةِ نعمةٌ ثانيةٌ.
الحمدُ لله على النعمةِ أمانٌ مِن زوالِها، فإذا خَرَجَ الإنسانُ من بيتِ الخلاءِ فليَدْعُ بقوله: "الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
الحمدُ لله الذي جَعَلَ هذين العضوين، الكليتين، يعملان بانتظامٍ، فهذا الحمدُ على نعمةِ سلامةِ الكليتين أمانٌ من التهابِهما، وأمانٌ مِن عطبِهما، وأمانٌ مِن توقُّفِهما توقفاً مفاجئاً.
الكليتان جهاز تصفية البول
أُثِر عنِ النبيِّ ﵊ أنه إذا خرج من الخلاءِ كان يدعو، فقد روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلاَءِ قَالَ: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي"، وكان يقول أيضاً: "الْحَمْدُ للهِ الَّّذي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أذَاهُ".
стр. 180
هذا الطعامُ والشرابُ فيه قوةٌ، وفيه لذّةٌ، وفيه فضلاتٌ، وفي الكليتين عجائبُ، ملخَّصُ القولِ: إنّ أعقدَ جهازٍ في الإنسانِ بعدَ الدماغِ هو الكلية، ومن بعضِ المعلوماتِ البسيطةِ التي تُعدُّ من مسلَّماتِ هذا العلمِ أنّ في الكليتين مليونين من وحداتِ التصفيةِ، في كل كليةٍ مليونٌ، ووحدةُ التصفيةِ هذه أنبوبٌ دقِيقٌ دقيقٌ، ووعاء دقيقٌ دقِيقٌ، يلتفُّ حولَ نفسِه حتى يشكِّلَ كُبَّةً، (كرةً) ، هذا الأنبوبُ اسمُه عند علماءِ التشريحِ الكُبَيْبَةَ، هذه الكبيبةُ يحيط بها غشاءٌ ينتهي بأنبوبٍ، كيف يرشحُ البولُ؟ عمليةٌ في منتهى التعقيدِ، كيف لا وقد ذكرتُ لكم أنّ أعقدَ جهازٍ بعدَ الدماغِ هو الكليةُ، وحسبكم دليلاً على ذلك أنّ الكليةَ الصناعيةَ يزيدُ حجمُها على حجمِ مكتبٍ كبيرٍ، ويستغرقُ الإنسانُ من الوقتِ لتصفيةِ دمِه ما يزيدُ على أربعِ ساعاتٍ، وهذه التصفيةُ لا تعادلُ تصفيةَ الكليةِ الطبيعيةِ، هذه الكُبَيبَةُ مع غشائِها وأنبوبِها لا تُرى بالعينِ، لو أنّ هذه النفروناتِ (وحداتِ التصفيةِ) في الكليتين صُفَّ بعضُها إلى جانبِ بعضٍ لَبَلَغَ طولُها مئةً وستين كيلو متراً، ولو نُشِرتْ سطوحُها الداخليةُ لاستغرقتْ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ، لذلك يجري الدمُ في الكليتين بطريقٍ يزيدُ طولُه على مئةِ كيلو مترٍ في اليومِ الواحدِ.
هاتان الكليتان لا يزيدُ وزنُهما مجتمعَتَيْنِ على مئةٍ وأربعينَ غراماً، الكليةُ الواحدةُ التي تقومُ بوظائفَ يعجزُ عن فهمِها الدماغُ لا يزيدُ وزنُها على سبعينَ غراماً، ولو بطَّأتْ في عملِها، أو توقفتْ لانتهتْ حياةُ الإنسانِ، ولَغَرِقَ في سمومِه، فالنبيُّ ﷺ حينما يخرجُ من بيتِ الخلاء كان يقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وعَافَانِي".
إنّ أمراضَ الكليتين لا تُعدُّ ولا تُحصى، هذا الجهازُ الدقيقٌ، هذا الجهازُ المتقنُ الذي ينفي عنك الأذى ألا تشكرُ الله عليه؟ كيف تكونُ حالةُ الإنسانِ دونَ مثانةٍ؟.
ما ذكرتُ هنا شيئاً، ذكرت عنواناتٍ، وأرقاماً سريعةً من أجلِ أنْ يُلفَتَ نظرُ الإنسانِ إلى ما ينطوي عليه جسمُه من أجهزةٍ دقيقةٍ دَقيقةٍ.
следующие страницы →