Полный текст (485 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إضافةً لِمَعنى الحقِ أنّه الشيءُ الثابتُ الذي لا يزولُ موازنةً له مع الباطلِ الذي يزول، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ [الحجر: ٨٥] ، فهناك معنًى آخرُ للحقِّ، وهو الشيءُ الهادفُ الذي يتناقضُ مع العبثِ، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦] .
والمعنى الثالثُ هو أنَّ الشيءَ خُلِقَ بالحق، أيْ قُدِّرَ تقديراً دقيقاً من لدُنْ حكيمٍ عليمٍ خبيرٍ.
إنّ هذه الحَنجرةَ التي هي جهازُ الصوتِ عند الإنسانِ، يقولُ الأطبّاءُ: "إنّ فتْحةَ الحَنجرةِ قد قُدِّرَتْ تقديراً دقيقاً جدّاً، حيثْ لو اتَّسَعَتْ أكثر مِمَّا هي عليه لاختفَى صوتُ الإنسانِ، ولو ضاقَتْ أكْثَر مِمَّا هي عليه لأصْبحَ التنفّسُ عسيراً"، فإما أن يكونَ التنفّسُ مريحاً، ويختفِيَ الصوتُ، وإما أن يكونَ الصوتُ واضحاً، ويصعُب التنفّسُ، أما أنْ تكون فتْحةُ الحَنجرة مدْروسةً دِراسةً دقيقةً، فهذا من إبداعِ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، مَن جعَلَ هذه الفتْحةَ بهذا القَدْرِ؟ إنَّ اللهَ يقول: ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] .
هذا ينقلُنا إلى عتباتِ الحواسِّ، إنّ هذه العينَ ترى بين عَتَبتَيْن، لو أنَّ الرؤيةَ زادَت على حدِّها الذي هي عليه لأصبَحَتْ حياتُنا جحيماً، إنّك إذا نظرتَ إلى كأسِ الماءِ الذي تشربُهُ الآن، تراه صافياً عذباً فراتاً رائِقاً، لو أنّ عتَبَةَ البصرِ زادَتْ قليلاً، ودقَّت أكثرَ مِمَّا هي عليه لرأيتَ في هذه الكأسِ العجَبَ العُجابَ، لرأيتَ الكائناتِ الحيةَ، والجراثيمَ غيرَ الضارةِ، بِعَددٍ لا يُحصى، إنَّك لنْ تشربَ الماءَ عندها، ولرأيْتَ هذا الطّفلَ الصغيرَ بِخَدِّه الأسيل كأنّه مغاراتٌ ونتوءاتٌ، لذلك يقولُ ربّنا : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
стр. 177
ولو أنَّ عَتَبَةَ السَّمْع ارْتَفَعَ مُستواها قليلاً لَمَا أمْكنكَ أنْ تنامَ الليلَ، لأنّ الأصواتَ كلَّها تتلقّفُها، بل إنّ أصواتَ جهازِ الهضْمِ وحدهُ تكادُ تكونُ كالمعملِ الكبيرِ، لذلك جَعَلَ اللهُ لك عتبةً خاصّةً في السَّمْعِ لا تزيدُ على حدِّها، فلو أنّ حاسّة اللمْسِ زادَتْ لشَعَرْتَ بالكهرباءِ الساكنةِ التي تُحيلُ حياتك جحيماً لا يُطاقُ، وبعضُ الحيواناتِ تزيدُ حاسّةُ الشمِّ عندَها مليونَ ضعفٍ على حاسّةِ الإنسانِ، غير أنَّ اللهَ شقَّ لنا السمعَ، وأنشأ الأبصارَ والأفئدةَ، وخَلقَ حاسّةَ اللّمْسِ، وحاسّةَ البصَرِ، ومع كلِّ هذا فإنّ هذه الحواسَّ خُلِقَتْ خَلْقاً دقيقاً جِدّاً مِنْ قِبَلِ اللهِ تعالى.
جهاز الإفراز
الكليتان وشكر نعمتهما
روي أنه كان ﵊ إذا خرج مِن بيتِ الخلاءِ يقول: "الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
وفي دعاءٍ آخر، كان يقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ".
إنّ الكُليتين تصفِّيانِ في اليومِ الواحدِ من الدمِ ما حجمُه ألفٌ وثمانمئةِ لترٍ، وإنْ تعجبْ فعجبٌ ورودُ هذا الرقمِ نفسِه في مصادرَ عدّة، ممّا يُخرِج الخبرَ عن أنْ يكونَ غريباً أو شاذّاً.
أعتقدُ أنَّ أسرةً متوسطةً تستهلكُ هذا الحجمَ كوقودٍ طوالَ السنةِ.
ثم إنّ في الكليتين طريقاً دقيقاً من الأنابيبِ، من النفرونات، طولُه ستون كيلو متراً.
وفي هاتين الكليتين طاقةً لتصفيةِ عشرين ضِعفاً من حاجةِ الإنسانِ إلى التصفيةِ.
لذلك إذا استُؤصِلتِ الكليةُ لسببٍ ما فإنّ الإنسانَ يعيشُ حياةً مديدةً بكليةٍ واحدةٍ، أليس هذا من رحمةِ اللهِ ؟ لأنّ الكليةَ جهازٌ خطيرٌ، فقد جعلَ لك قطعةَ غيارٍ احتياطيةً زائدةً، أو كليةً زائدةً على حاجتِك.
مَن منا يُصدَّقُ أنّ الدمَ بكاملِه يمرُّ في الكليتين ستاً وثلاثين مرةً، في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعةً.
стр. 178
إنَّ هاتين الكليتين تقومان بعمليةٍ في منتهى التعقيدِ، تأخذانِ من الدم الموادَّ السكريةَ، والمعادنَ، والبروتيناتِ، وتطرحُها في الوريدِ الخارجِ منها بنسبٍ نظاميةٍ، وأمّا ما زادَ من السكرياتِ على حاجةِ الدمِ فيُطرحُ في البولِ.
إذا أُصيبَ الإنسانُ بمرضِ السكرِ، كيف يعرفُ ذلك؟ من وجودِ السكرِ في البولِ، معنى ذلك أن الكليةَ تأخذُ نسبةً نظاميةً للسكرِ، وتطرحُ الباقي مع البولِ، وإذا أكلَ الإنسانُ ملحاً كثيراً، وفَحَصْنَا بولَه، وجدْنا أنَّ جزءاً من هذا الملحِ طُرِحَ مع البولِ.
إن الكلية، كما قال بعضُ العلماءِ: "تتيحُ لك أنْ تأكلَ كلَّ شيءٍ، ولو ارتفعتْ نسبةُ الأملاحِ في الدمِ على ثمانيةٍ بالألفِ لَمَاتَ الإنسانُ"، فمَن الذي يضمنُ ثباتَ هذه النسبةِ في الدمِ؟ إنهما الكليتان.
إذاً فالكليةُ مصفاةٌ عاقلةٌ، كما وَصَفَهَا بعضُ العلماءِ، تأخذُ نِسباً نظاميةً، وما بقي من هذه النسبِ النظاميةِ مِن نسبٍ زائدةٍ، من سكرياتٍ، وأملاحٍ، ومن بقايا أدويةٍ، فإنها تُطرَح في البولِ، فيتغير لونُه، فلأنّ هذا الدواءَ مادةٌ غريبةٌ؛ فإنّ الكليةَ تطرحُها مباشرةً.
فهذه الكليةُ التي لا تزيدُ حجمُها على الكمثرى تعملُ بصمتٍ، وبلا مقابلٍ، وبلا أجرٍ، وبلا تعطيلٍ عن العملِ، فالإنسانُ يعملُ، وينامُ، ويدرسُ، ويتاجرُ ويبيعُ، ويشتري، ويسافرُ، وهذه الكليةُ تعملُ بصمتٍ، حيث يدخلُ الدمُ إلى الكليتين ستّاً وثلاثين مرةً في اليومِ الواحدِ، بخلافِ المشقةِ التي يعانيها الإنسانُ إذَا ذهب ليصفِّيَ دمَه في كُليةٍ صناعةٍ، وفوقَ هذا وذاك اكتشفَ العلماءُ أنّ الكليتين غدّتان ذواتا إفرازٍ داخليٍّ، أي إنّهما تفرزانِ هرموناتٍ تضبطُ ضغطَ الدمِ.
إذا التهبتْ كليةُ الإنسانِ يختلُّ ضغطُه، فتفرزُ هذه الكليةُ هرموناتٍ لتنظيمِ ضغطِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لتلاشي فقرِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لضبطِ السوائلِ.
وإذا أصابَ الكليةَ التهابٌ اضطربَ ميزانُ السوائلِ، ولو اضطربَ ميزانُ السوائلِ لوجبَ أنْ يبقى الإنسانُ إلى جانبِ الصنبورِ، والمرحاضِ طوالِ حياتِه، ألا يقتضي ذلك أن يشكرَ الإنسانُ ربَّه على نعمةِ الكليةِ؟
стр. 179
كان النبيُّ ﷺ إذا خرج مِن الخلاءِ يقول: "الْحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعَافَانِي".
فلو أن الكليةَ توقفتْ عن العملِ، وارتفعتْ نسبةُ البولةِ في الدم.. فاسألوا الأطباءَ ماذا يحدثُ؟ يتشنّجُ الإنسانُ، وتضعفُ ذاكرتُه، ويختلُّ عملُه، ويغضبُ لأتفهِ الأسبابِ، وربما يحطِّمُ أثاثَ البيتِ، هؤلاءِ الذين تتوقّفُ كليتُهم عن العملِ فجأةً، وترتفعُ نسبةُ البولةِ في دمِهم لهم أطوارٌ غريبةٌ، لا يحتملُهم أهلُهم، لشدّةِ غِلظتِهم، ولشدّةِ عُنفِهم، ولشدّةِ غضبِهم لأتفهِ الأسبابِ، وإذا استمرَّ ارتفاعُ نسبةِ البولةِ يموتُ الإنسانُ فوراً، فهاتان النعمتان إضافةً إلى المثانةِ، تكوِّنانِ جهازاً معقَّداً مهمّاً.
إنّ كرامةَ الإنسانِ مرهونةٌ بهذا الجهازِ، وأحياناً يصابُ الإنسانُ في سنٍّ متقدمةٍ ببعضِ الضعفِ في العضلاتِ، فيُسمِعُه الأهلُ كلماتٍ قاسيةً، هذا الذي لا يستطيعُ أن يضبطَ نفسَه، يصبحُ موقفُه حرجاً جداً.. فنعمةُ المثانةِ نعمةٌ ثانيةٌ.
الحمدُ لله على النعمةِ أمانٌ مِن زوالِها، فإذا خَرَجَ الإنسانُ من بيتِ الخلاءِ فليَدْعُ بقوله: "الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
الحمدُ لله الذي جَعَلَ هذين العضوين، الكليتين، يعملان بانتظامٍ، فهذا الحمدُ على نعمةِ سلامةِ الكليتين أمانٌ من التهابِهما، وأمانٌ مِن عطبِهما، وأمانٌ مِن توقُّفِهما توقفاً مفاجئاً.
الكليتان جهاز تصفية البول
أُثِر عنِ النبيِّ ﵊ أنه إذا خرج من الخلاءِ كان يدعو، فقد روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلاَءِ قَالَ: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي"، وكان يقول أيضاً: "الْحَمْدُ للهِ الَّّذي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أذَاهُ".
стр. 180
هذا الطعامُ والشرابُ فيه قوةٌ، وفيه لذّةٌ، وفيه فضلاتٌ، وفي الكليتين عجائبُ، ملخَّصُ القولِ: إنّ أعقدَ جهازٍ في الإنسانِ بعدَ الدماغِ هو الكلية، ومن بعضِ المعلوماتِ البسيطةِ التي تُعدُّ من مسلَّماتِ هذا العلمِ أنّ في الكليتين مليونين من وحداتِ التصفيةِ، في كل كليةٍ مليونٌ، ووحدةُ التصفيةِ هذه أنبوبٌ دقِيقٌ دقيقٌ، ووعاء دقيقٌ دقِيقٌ، يلتفُّ حولَ نفسِه حتى يشكِّلَ كُبَّةً، (كرةً) ، هذا الأنبوبُ اسمُه عند علماءِ التشريحِ الكُبَيْبَةَ، هذه الكبيبةُ يحيط بها غشاءٌ ينتهي بأنبوبٍ، كيف يرشحُ البولُ؟ عمليةٌ في منتهى التعقيدِ، كيف لا وقد ذكرتُ لكم أنّ أعقدَ جهازٍ بعدَ الدماغِ هو الكليةُ، وحسبكم دليلاً على ذلك أنّ الكليةَ الصناعيةَ يزيدُ حجمُها على حجمِ مكتبٍ كبيرٍ، ويستغرقُ الإنسانُ من الوقتِ لتصفيةِ دمِه ما يزيدُ على أربعِ ساعاتٍ، وهذه التصفيةُ لا تعادلُ تصفيةَ الكليةِ الطبيعيةِ، هذه الكُبَيبَةُ مع غشائِها وأنبوبِها لا تُرى بالعينِ، لو أنّ هذه النفروناتِ (وحداتِ التصفيةِ) في الكليتين صُفَّ بعضُها إلى جانبِ بعضٍ لَبَلَغَ طولُها مئةً وستين كيلو متراً، ولو نُشِرتْ سطوحُها الداخليةُ لاستغرقتْ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ، لذلك يجري الدمُ في الكليتين بطريقٍ يزيدُ طولُه على مئةِ كيلو مترٍ في اليومِ الواحدِ.
هاتان الكليتان لا يزيدُ وزنُهما مجتمعَتَيْنِ على مئةٍ وأربعينَ غراماً، الكليةُ الواحدةُ التي تقومُ بوظائفَ يعجزُ عن فهمِها الدماغُ لا يزيدُ وزنُها على سبعينَ غراماً، ولو بطَّأتْ في عملِها، أو توقفتْ لانتهتْ حياةُ الإنسانِ، ولَغَرِقَ في سمومِه، فالنبيُّ ﷺ حينما يخرجُ من بيتِ الخلاء كان يقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وعَافَانِي".
إنّ أمراضَ الكليتين لا تُعدُّ ولا تُحصى، هذا الجهازُ الدقيقٌ، هذا الجهازُ المتقنُ الذي ينفي عنك الأذى ألا تشكرُ الله عليه؟ كيف تكونُ حالةُ الإنسانِ دونَ مثانةٍ؟.
ما ذكرتُ هنا شيئاً، ذكرت عنواناتٍ، وأرقاماً سريعةً من أجلِ أنْ يُلفَتَ نظرُ الإنسانِ إلى ما ينطوي عليه جسمُه من أجهزةٍ دقيقةٍ دَقيقةٍ.
стр. 181
الكلية وعلاقتها بالملح
مِن الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ ، والتي بينَ جوانحِنا، وفي أجسامِنا، هذه الكليةُ، وجسمُ الإنسانِ أقربُ شيءٍ إليه، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
مِن وظائفِ الكليةِ طرحُ الملحِ الزائدِ، فالملحُ نسبةٌ دقيقةٌ في الدمِ، إنْ نَقصَتْ عنها، أو زادتْ هَلَكَ الإنسانُ، هو يأكلُ بلا حسابٍ، قد يأكلُ أكلاً مالحاً، وقد يأكلُ بعضَ الأكلاتِ التي فيها ملحٌ زائدٌ، هو يأكلُ كما يشتهي، ولكنَّ نسبةَ الملحِ في الدمِ يجبُ أن تكونَ بين سبعةٍ إلى ثمانيةٍ في الألفِ، فإنْ نقصتْ أو زادتْ هَلََكَ الإنسانُ، وكانت حياتُه في خطرٍ، لذلك هذه الكليةُ التي ترَاها صغيرةً تقومُ بعملٍ كبيرٍ، وعملٍ تتوقفُ عليه حياةُ الإنسانِ، إنّها مسؤولةٌ عن طرحِ الملحِ الزائدِ في الدمِ.
هي الحارسُ الأمينُ للجسمِ مِن زيادةِ الملحِ والسكرِ، يساعدُها في ذلك الدماغُ الذي يصدرُ الأوامرَ إلى كلِّ أعضاءِ الجسمِ.
مِن أدقِّ الأمثلةِ على عملِ الكليةِ أنه عندما يتناولُ الإنسانُ كميةً زائدةَ من الملحِ، ولا سيما في بعضِ الأكلاتِ، عندئذٍ تأتي إشارةٌ إلى الدماغِ بأنّ هذا الملحَ قد زادَ على حدِّه، فيرسلُ الدماغُ أمراً هرمونياً عن طريقِ الغدةِ النخاميةِ بأنْ تتوقفَ الكليةُ عن طرحِ الماءِ في حجيراتِها الاحتياطيةِ، ففي الكليةِ حجيراتٌ احتياطيةٌ فيها ماءٌ، فتأمرُ الغدةُ النخاميةُ عن طريقِ الهرموناتِ الكليةَ بالتوقُّفِ عن طرحِ الماءِ الزائدِ في حجيراتِها، لماذا؟ لأنّ الملحَ تزدادُ كثافتُه، وإذا زادْت كثافتُه فإنه يهدِّد حياةَ الإنسانِ، عندئذٍ يرسلُ القلبُ نداءً عن طريقِ هرمونٍ آخرَ إلى الأجهزةِ الهضميةِ فتثيرُ في الإنسانِ العطشَ الشديدَ، وما مِن أكلةٍ مالحةٍ إلا وتحتاجُ إلى ماءٍ كثيرٍ بعدَها، هذا شيءٌ ثابتٌ.
стр. 182
هذا العطشُ الشديدُ يدعوك إلى أنْ تشربَ ماءً كثيراً، هذا الماءُ ينتقلُ بوقتٍ خياليٍّ من المعدةِ إلى الدمِ من أجلِ أن يَنْحلَّ الملحُ الزائدُ، فإذا انحلَّ الملحُ الزائدُ جاءَ أمرٌ معاكِسٌ للكليةِ بطرحِ كلِّ الماءِ الزائدِ فيها، عندئذ يُحَلُّ الملحُ في هذا الماءِ الزائِد، ويُطرحُ خارجَ الكليةِ، وأنتَ لا تدري، أنتَ أكلتَ أكلةً مالحةً، واستمتعتَ بها، والباقي تقومُ به هذه الأجهزةُ الدقيقةُ التي لا يعلمُ دقَّتَها إلا اللهُ .
كلُّ جهازٍ في الإنسانِ، وكلُّ عضوٍ فيه، وكلُّ حاسةٍ فيه لو وَقَفْنَا على تفاصيلِها لَدهِشنَا، ولأخَذَنَا العجبُ العجابُ، كلُّ هذه الدقةِ، والعبدُ في غفلةٍ عن اللهِ !
أتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ ... وفيك انطوى العالَمُ الأكبرُ
يجبُ أن تعلمَ أنّ كأسَ الماءِ الذي تشربُه، والذي تطرحُه يمرُّ عبرَ أجهزةٍ بالغةِ الدقّةِ، يَحَارُ العقلُ في فهمِها قبلَ أنْ يعرفَ طريقةَ عملِها، قال تعالى: ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] .
المثانة
стр. 183
إنّ المثانةَ زوَّدَها اللهُ بأعصابٍ متوَضِّعةٍ في جُدرانِها، فإذا امتلأتْ تَنبَّهَتِ الأعصابُ، وأرسلتْ إلى النخاعِ الشوكيِّ رسالةً أنّها قد امتلأتْ، والنخاعُ الشوكيُّ يُرسلُ بدورِه أمراً إلى عضلاتِ المثانةِ فتتقلَّصُ، ويأتي أمرٌ ثانٍ إلى فتْحتِها السفلَى، فتسْترخِي العضلةُ التي تُحكمُ إغلاقَها، وتنفتِحُ، ولكنّ صنعَ اللهِ فيه حكمةٌ ما بعْدَها حكمةٌ، إنّ هذه العضلاتِ التي قد أَمَرَها النخاعُ الشوكيّ أنْ تتقلّصَ، وأنْ تسترخيَ، لا تنفّذُ الأمرَ إلا بعدَ أن تأتيَ إشارةٌ من الدّماغِ أنْ نفِّذوا هذا الأمرَ، كما أنّ الحُكْمَ لا يُصدّقُ إلا إذا وُقِّعَ من المراجعِ العليا، فلو أنّك في موطنٍ حسّاسٍ، وفي اجتماعٍ مهمٍّ، وامتلأتِ المثانةُ، وجاءَ الأمرُ من النخاعِ الشوكيِّ، ونُفِّذَ الأمرُ أين مكانتُك؟ أين شخصيّتُك؟ أين شأنُك؟ إلا أنّ هناك أمراً عجيباً، لو أنّ الدّماغَ لم يوافقْ، واستمرَّ على عدمِ الموافقةِ إلى درجةِ أنّ البولَ بدأَ يدخلُ من الحالبين ليصلَ إلى الكليتَين، عندها يحدثُ خطرُ تسمّمِ الدمِ كلِّه! عندئذٍ لا ينتظرُ النخاعُ الشوكيُّ موافقة الدّماغِ، بل يأمرُ عضلاتِ المثانةِ فتتقلّصُ، ويأمرُ عضلةَ الفتحةِ السّفليّةِ فتسترخي، ويخرجُ البولُ، وهذا حفاظاً على صحّةِ الإنسانِ، ما هذا الإبداعُ؟ كيف تكونُ حياتُنا بلا مثانةٍ؟ في كلّ عشرين ثانية تنزلُ من الكليتين قطرتان، هذا المستودعُ الذي يتّسعُ لما يزيد على لترٍ ونصفٍ تستطيعُ أن تركبَ سيارةً خمسَ ساعاتٍ، وسبعَ ساعاتٍ، وأنت في أوْجِ راحتِك، وتمامَ شخصيتِك، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون﴾ [الطور: ٣٥] .
مَن الذي خَلَقَ هذا الجهازَ؟ إنه اللهُ ﷻ .
إن الكونَ أوْسَعَ بابٍ إلى اللهِ ، فادخُلُوا منه، وأبوابُه مفتوحةٌ على مصارِيعِها.
الجلد والشعر
اختلاف ألوان البشر وعلاقته بالميلانين
يقولُ اللهُ في كتابِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] .
стр. 184
نقفُ وِقْفةً سريعةً عند قولِه تعالى: ﴿واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] .
عُرِفَ علميّاً: "أنّ في أدَمَةِ الجِلْدِ خلايا عنكبوتيّةً؛ أيْ على شكلِ العنكبوتِ، تمْتدُّ على جوانبِها زوائدُ رقيقةٌ، يصِلُ عددُ هذه الخلايا في كلِّ بوصَةٍ مربّعةٍ إلى ستِّينَ ألفَ خليّةٍ".
إنه لا اختلافَ في عددِ الخلايا بين أبْيضَ وأسْوَد، فإنّ الخلايا في الإنسانِ الأبْيَضِ والإنسانِ المُلوَّنِ عددٌ ثابتٌ، ولكنَّ اختلافَ التلوينِ نابعٌ مِن كثافةِ المادّةِ الملوّنةِ، وهذه المادّةُ الملوّنةُ اسمُها الميلانين.
إنّ بين إنسانٍ ناصع اللّونِ، وإنسانٍ داكنِ اللّونِ فرْقاً في هذه المادّةِ الملوّنةِ لا يزيدُ على غرامٍ واحدٍ، لكنّ الشيءَ الذي يَلفِتُ النَّظَرَ أنّ هذه الخلايا تتناقصُ بِمُعّدلِ عشرٍ إلى عشرينَ في المئةِ كلَّ عشرِ سنواتٍ، لذلك يميلُ جلدُ الإنسانِ مع تقدّمِ العمرِ إلى أنْ يصبِحَ أكثرَ نصاعةً، وأكثرَ بياضاً، ولكنّ هذا لا يَعْنينَا، بل يعنينا ترسّبُ هذه المادّةِ الملوّنةِ في الخلايا العنكبوتيّةِ التي تحتَ أدمةِ الجلدِ، والتي يزيدُ عددُها في البوصةِ المربّعةِ الواحدةِ على ستِّينَ ألف خليةٍ، حيث إنّ نسْبةَ هذه المادّةِ الملوّنةِ تُحَدِّدُها المورّثاتُ في نُويّةِ الخليّةِ.
ولكنْ ما العلاقةُ، وما تفسيرُ تلك الألْوانِ الداكنةِ عند الشّعوبِ التي تعيشُ في خطّ الاسْتِواءِ، على أنّ الشّعوبَ التي تعيشُ في قطبِ الكرةِ الشماليِّ أو الجنوبيِّ ألوانُها ناصعةٌ؟ هنا حِكمة الله .
قيل: إنّ المادّةَ الداكِنَةَ مِن خصائصِها أنّها تمْتصُّ الأشِعّةَ فوقَ البنفْسَجِيّةِ الضارّةَ، ولأنّ أشعّةَ الشمسِ في خطِّ الاستِواءِ عموديّةٌ شديدةٌ كانت الشعوبُ في هذه المنطقةِ ذاتَ ألوانٍ داكنةٍ.
والآن إلى الآياتِ الكريمةِ، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] .
стр. 185
إنّ اختلافَ ألوانِ البشرِ آيةٌ دالّةٌ على عظمةِ اللهِ ، وينبغي أنْ نُدَقِّقَ فيها، وأنْ نقفَ عندها، وأنْ نبْحثَ عن السّرِّ الذي تنْطوي عليه، إنَّك إنْ نظرْتَ بِعَيْنِكَ إلى وُجوهِ الناسِ فلا ترى إنساناً له لونٌ كلوْنِ آخرَ، فلو صوَّرْتهمْ بآلةٍ لوجَدْتَ أنّ اللّونَ موحَّدٌ تقريباً، ولكنك إذا نظرْتَ بِعَيْنِكَ إليهم رأيْتَ كلَّ إنسانٍ له لونٌ خاصٌّ، بل إنّ العينَ البشريّةَ كما هو ثابتٌ تفرّقُ بين ثمانمئةِ ألفِ درجةٍ من اللونِ الواحدِ! فهي ذاتُ الدِّقَّةِ العاليةِ التي تفرّقُ بين الدّرجاتِ الدقيقة في التّلوينِ.
عَنْ أبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالْتقْوَى".
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "إِنَّ الله لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".
البيت مالٌ، والمركبةُ مالٌ، و"إِنَّّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمَوْالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".
الشيب نور المؤمن
مِن المعلوماتِ المعروفةِ عن خلقِ الإنسانِ أنّ في رأسِ كلِّ إنسانٍ مِن مئةِ ألفٍ إلى مئتين وخمسينَ ألفَ شعرةٍ، وأنّ العشرةَ الواحدةَ يزيدُ عمرُها على ثلاثِ سنواتٍ، وأنّ الإنسانَ يحتاجُ من أجلِ أنْ يجدّدَ شعرَهُ بأكملِه إلى مئتي يومٍ، وفي الإنسانِ مصانعُ للشّعرِ بعددِ ما في جسمِه من الشّعرِ، فكلُّ شعرةٍ لها مصنَعٌ، تُنتَجُ وتنمو إلى أنْ تبلغَ أشدَّها، ثمّ تهرمُ فتموتُ.
стр. 186
ولكلِّ شعرةٍ وريدٌ، وشريانٌ للتغذيةِ، وعضلةٌ للتحريكِ، تعملُ هذه العضلةُ في أثناءِ البردِ، ولكلّ شعرةٍ عصَبٌ يحرّكُها كي تنتصبَ، ولكلّ شعرةٍ غدّةٌ دهنيةٌ، وغدّةٌ صبغيّةٌ، ولا يعلمُ الباحثون حتى هذه الأيّامِ لماذا يصيرُ الشّعرُ أبيضَ؟! لكنّ بعضَهم يقولُ في أحدَث البحوثِ: "إنّ بياضَ الشّعرِ - الشَّيْبَ - منشؤُه عصبيٌّ، فالكرياتُ البيضُ تتسلّلُ إلى الشّعرةِ فتأكلُ صبْغَها الأسْودَ"، والشّيءُ القاطعُ أنّ الشّيبَ كما يقولُ العلماءُ: "آفةٌ جلديّةٌ ذاتُ منشأٍ عصبيٍّ انفعاليٍّ".
والقرآن الكريم ذكر هذه الحقيقة قبل أكثر مِن ألفٍ وخمسمئة عام، قال :
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ [المزمل: ١٧] .
فالشّيب منشؤُه خوفٌ انفعاليٌّ: فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ".
شيّبتْهُ سورةُ هودٍ، ربما لآيةٍ فيها، وهي قوله تعالى: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] .
ومع تقدّمِ العمرِ يُصابُ كلُّ إنسانٍ بالإرهاقِ العصبيِّ، وبِدَرجاتٍ متفاوتةٍ من الشّيبِ، قال تعالى: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير﴾ [الروم: ٥٤] .
فالشّيبُ يلازمُ التقدّمَ في السنِّ غالباً، وقد فسّرَ الإمامُ القرطبيُّ النذيرَ في قولِه سبحانه: ﴿وَجَآءَكُمُ النذير﴾ بأنّه الشَّيْبُ، وهو لفتُ نظرٍ لطيفٍ من اللهِ ، أنْ يا عبدي اقتربَ اللّقاءُ، فماذا أعْددْتَ له؟! عبدي ضعُف بصرُك، وشابَ شعرُك، وانحنى ظهرُك، فاسْتحِ منّي، فأنا أستحيي منك.
стр. 187
هنا سؤال دقيق يؤكّدُ حكمةَ اللهِ : لماذا يطولُ شعرُ الرأسِ، ولا يطولُ شعرُ الحاجبين والجفنَين؟! لماذا تنبُتُ الأشعارُ داخلَ الأنفِ، ولا تنبتُ داخلَ الفمِ؟! لماذا تنبُتُ الأشعارُ في ظاهرِ الكفِّ، ولا تنبتُ في باطنِها؟!
فوا عجباً كيف يُعصى الإلهُ ... أو كيف يجحدهُ الجاحدُ
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلّ على أنّه واحدُ
مواقع الإحساس في الجلد
يقولُ اللهُ :
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بآياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء: ٥٦] .
دقِّقوا في هذه العلاقةِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ كأنّ هذه الآيةَ تشيرُ إلى أنّ مواقعَ الإحساسِ بالألمِ، ولا سيّما أنّ ألمَ الحريقِ موجودٌ في الجلدِ، فمن أجل أن يذوقوا العذابَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ .
قالَ العلماءُ: "الجِلْدُ مؤَلَّفٌ مِن طبقتين، طبقةٍ اسمُها البَشَرَةُ، وهذه البشرةُ تزدادُ سمكاً أو رِقّةً بحسبِ موقعِها في الجسمِ، وبحسبِ الاحتكاكِ، وبحسبِ البيئةِ، وهذه الطبقةُ نفسُها مؤلّفةٌ من ثلاثِ طبقاتٍ، طبقةٍ عُليَا خارجيةٍ، ووُسطى، وسُفلى، وفي الجلدِ طبقةٌ ثانيةٌ اسمُها الأَدَمَةُ، وهذه الطبقةُ فيها العَجَبُ العُجَابُ، فهي مؤلَّفةٌ من نسيجٍ، وفيها شُعَيْراتٌ دمويةٌ، ونهاياتٌ عصبيةُ، وغددٌ تفرزُ الدهونَ، وغددٌ عرقيةٌ، ومنطقةٌ دهنيةٌ تحتَ هذه الأدَمَةِ، التي هي الطبقةُ الفعّالةُ في الجلدِ".
إذا كان الإنسانُ في جوٍّ حارٍّ فإنّ الغدةَ الدرقيةَ تبعثُ بهرموناتٍ إلى الخلايا، فتزيد مِن نشاطِها، ومن ازديادِ نشاطِها تزيدُ كميةُ الحرارةِ التي تُشِعُّها هذه الخلايا، وبهذا يتكيّفُ الجسمُ مع الجوِّ الحارِّ.
стр. 188
إنّه شيءٌ أغربُ من الخيالِ، إذا وُجِدَ الإنسانُ في جوٍّ درجتُه أربعون مئوية، ما الذي يحصلُ في جسدِه؟ قال بعضُ العلماءِ: "إنّ هناك مئتي ألفِ جُسَيْمٍ منتشرٍ في أنحاءِ الجلدِ، فإذا ارتفعتِ الحرارةُ في الجوِّ المحيطِ عن الحدِّ المعقولِ أرسلتْ هذه الجسيماتُ إشاراتٍ عصبيةً تنقلُها الأليافُ العصبيةُ إلى المخِّ، الذي يصدرُ أمراً بتوسيعِ الشرايينِ الدقيقةِ في كلِّ أنحاءِ الجسمِ، فإذا ارتفعتْ حرارةُ الجوِّ يتورَّدُ الإنسانُ، ويميلُ لونُه إلى الحمرةِ، ويصبحُ أزهرَ اللونِ".
جهاز المناعة
الكريّات الحمراء
ما من رجلٍ ولا امرأةٍ، ولا صغيرٍ ولا كبيرٍ؛ إلاّ وفي شرايينِه وأوردتِه دمٌ يجري، وربما لا يعرفُ الإنسانُ ما هذا الدمُ؟ وما تركيبُه؟ وما حجمُه؟ وما أسرارُه؟ فإذا عرَفَ شيئاً عن حقيقةِ الدمِ الذي يجري في عروقِه خَشَعَ قلبُه، وخرَّ للهِ ساجداً.
مَن منّا يصدق أن في جسمِ كلٍّ منا ما يزيدُ على خمسةٍ وعشرينَ مليونَ مليونِ كريةٍ حمراءَ، كجزءٍ أساسيٍّ في دمائِنا، وتجري في شرايينِنا، وأوردتِنا، وأنّ تعدادَ الكرياتِ في الميليمترِ المكعّب لا يقلُّ عن خمسةِ ملايينِ.
يَصِفون الكريةَ الحمراءَ بأنها حمَّالٌ لا يعرفُ التعبَ، تحملُ الأوكسجينَ إلى الخلايا، والأنسجةِ، والأجهزةِ، والأعضاءِ، وإلى كلِّ مكانٍ في الإنسانِ، وتعودُ بنتائجِ الاحتراقِ، تطرحُ غازَ الفحمِ، فهي حمَّالٌ لا يعرفُ التعبَ، ولا الكللَ، ولا السأمَ، تجولُ هذه الكرياتُ في الجسمِ ألفاً وخمسمئةِ جولةٍ في اليومِ الواحدِ.
وعمرُ هذه الكريةِ يزيدُ على مئةٍ وعشرين يوماً، وبعْدَها تموتُ، تقطعُ في هذا العمرِ ما يزيدُ على ألفٍ ومئةٍ وخمسين كيلو متراً في جسمِ الإنسانِ، وتنقلُ ما يزيدُ على ستمئةِ لترٍ مِن الأوكسجين، وقُطْرُها لا يزيد على سبعة ميكروناتٍ.
стр. 189
لو بَحَثْنا في تكوينِ هذه الكريةِ الحمراءِ لَوَجَدْناها مكوَّنةً من خمسمئةٍ وأربعةٍ وسبعينَ حمضاً أمينياً، وأنه يتمُّ صنعُها في خمسةِ أيامٍ، أو في أقلَّ مِن ذلك، وتُصْنَعُ في معاملَ، هي نِقِيُ العظامِ، فجوفُ العظمِ هو المعملُ الذي ينتجُ الكرياتِ الحمراءَ، مَن منا يُصدِّقُ أن المعملَ يصنعُ في الثانيةِ الواحدةِ مليونين ونصف مليون كريةٍ حمراءَ، وأنّ أنشط المعاملِ هو العمودُ الفقريُّ، ثم عظامُ الأضلاعِ، ثم عظمُ القفصِ الصدريِّ الرئيسيُّ، ثمّ عظامُ الأطرافِ.
إنّ اللهَ زوَّدَ الجسمَ بمعاملَ احتياطيةٍ، هي الكبدُ والطحالُ، فإذا تعطَّلتِ المعاملُ الأساسيةُ عمِلَ الكبدُ والطحالُ على إنتاجِ الكرياتِ الحمراءِ.
شيءٌ مهمٌّ جداً.. هو أنّ في الكليتين مركزاً لتعييرِ الدمِ يعمل على مراقبةِ الدم على نحوٍ مستمرٍّ، فإذا نقصَ الدمُ عن حدِّهِ الطبيعيِّ أرسلَ هذا المركزُ أوامرَ هرمونيةً إلى مصانعِ الدمِ، يحثُّها على زيادةِ الإنتاجِ، وإذا زادَ الدمُ على حدِّه الطبيعيِّ أرسلَ هذا المركزُ الذي في الكليتين أوامرَ هرمونيةً إلى معاملِ الكرياتِ، يأمرُها بالبُطءِ في الإنتاجِ؛ لذلك هناك علاقةٌ بين الضغطِ، والتهابِ الكليتين، فما هي هذه العلاقة؟ لأنّ في الكليتين مركزاً بالغَ الحساسيةِ يراقبُ كميةَ الدمِ باستمرارٍ.
لذلك إذا أُخِذَ الدمُ عن طريقِ الحجامةِ نقصَ الدمُ في الشرايينِ، ونقصُه في الشرايينِ يجعلُ مركزَ تعييرِ الدمِ يأمرُ معاملَ الدمِ بتصنيعِ كميةٍ زائدةٍ، وبهذا تنشطُ المعاملُ، ويصبحُ عملُها جيّداً على مدارِ العمرِ الذي يحياه الإنسانُ.
مَن نظَّم هذا النظامَ؟ مَن أبدَعَ هذا الخَلْقَ؟ مَن رتَّبَ هذا الترتيبَ؟ ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ أن يُطاعَ؟ ألا يجبُ أن نخشاه؟ ألا يجب أن نتّقيَه؟ قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
إنّ موضوعَ الدمِ لا ينتهي في مقالةٍ، ولا في مقالاتٍ، فإنّ مجلداتٍ كبيرةٍ أُلِّفتْ حولَ الدمِ فقط، حتى إنّ هناك اختصاصاً في الطبِّ هو أمراضُ الدمِ.
الشفاء الذاتيّ
стр. 190
إن الترسانةَ الطبيةَ - دواءً وتقنيةً - لا تمكِّنُ الأطباءَ مِن علاجِ أكثرَ من ربعِ الأمراضِ، وبقيةُ الأمراضِ إمّا أن تُشفَى بنفسِها، أو أنّه لا عِلاجَ لها.
الحقيقةُ الثانيةُ: لا يوجدُ طبيبٌ لم يرَ أو لم يسمعْ عن حالاتِ شفاءِ مرضٍ عضالٍ دون سببٍ طبيٍّ واضحٍ، إنَّ الشفاءَ الغامضَ لكثيرٍ من الأمراضِ المستعصيةِ كان يحدثُ دوماً منذُ أن وُجِدَ الطبُّ، لكنّ الطبَّ لم يتوقفْ عندها، لأنّ بعضَهم يُرجِعُها إلى أسبابٍ غير علميةٍ، وهي في الحقيقةِ تَرجعُ إلى رحمةِ اللهِ بعبادِه، قال تعالى: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين * واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين * واجعلني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم﴾ [الشعراء: ٧٨-٨٥] .
стр. 191
يقول أحد العلماء: "هناك جهازٌ خاصٌّ للشفاءِ الذاتيِّ، لم تأتِ على ذِكْرِه فهارسُ كتبِ الطبِّ أو قواميسُه، وهناك حالاتٌ مَرَضِيَّةٌ مستعصيةٌ شُفِيَتْ على نحو غامضٍ، ودونَ سببٍ واضحٍ"، مِن هذه الأجهزةِ التي أُوكِلَ إليها الشفاءُ الذاتيُّ جهازُ المناعةِ، وهو مِن الأجهزةِ الرائعةِ التي أَبْدَعَها الخالقُ، ليس لها مكانٌ تشريحيٌّ ثابتٌ، جهازٌ جوّالٌ، وهو مبرمجٌ ليعرفَ أيّةَ خليةٍ غريبةٍ غيرَ خلايا الجسدِ ليقومَ بتدميرِها، وأهمُّ ما في هذا الجهازِ ذاكرتُه العجيبةُ، فهو لا ينسى أبداً، فهو سلاحٌ يواجِهُ عدواً من أمدٍ طويلٍ، ولولا هذه الذاكرةُ العجيبةُ لجهازِ المناعةِ المكتسبِ لم يكنْ هناك فائدةٌ إطلاقاً من التلقيحِ ضدَّ الأمراضِ، هذه الخلايا خلايا جهازِ المناعةِ تُصنعُ في نِقْي العظامِ، وتعدُّ إعداداً خاصاً وقوياً في الغدةِ الصعتريةِ تحتَ عظمةِ الصدرِ، وكأنّ هذه الغدةَ معهدُ إعدادِ المصارعين، وهذه الخلايا هي خطُّ الدفاعِ الأولُ في الجسمِ، كما تقومُ هذه الخلايا بحمايةِ الجسمِ من مرضِ السرطانِ، ولعل هذا مِن أبرزِ خصائصِها، وإنّ من هذه الخلايا ما هو خلايا مستطلعةٌ تتعرَّفُ إلى الجرثومِ، أو إلى الخليةِ الغريبةِ، فتأخذُ شِفرتَها، وتذهبُ بهذه الشفرة إلى الخلايا المصنعةِ كي تصنعَ سلاحاً مدمراً لها، وبعضُ هذه الخلايا تصنعُ الدواءَ المضادُّ، أو المصلَ المضادَّ، وبعضُها خلايا مقاتلةٌ تحملُ هذا السلاحَ، وتذهبُ إلى أرضِ المعركةِ لتقضيَ على هذا الجرثومِ، وبعضُها خلايا ملتهِمةٌ، هذه الخلايا يهاجمُها فيروسُ الإيدزِ فيدمِّرُها، لذلك يُعَدُّ مرضُ الإيدز أخطرَ مرضٍ يصيبُ البشريةَ اليومَ؛ والذي يسبِّبُ تدميرَ جهازِ المناعةِ المكتسبِ، الذي يحقِّقُ الشفاءَ الذاتيَّ.
مِن أطرفِ وظائفِ هذه الخلايا، وهذه بشارةٌ لمن أراد أن يقلعَ عن التدخينِ أنّ بعضَها يذهبُ إلى الرئتين، ويلتهمُ بعضَ ما عَلِقَ بالشعبِ الهوائيةِ من آثارِ، وشوائبِ التدخينِ.
стр. 192
والجديدُ في هذا الجهازِ أنّ هناك خلايا من مكوناتِ جهازِ المناعةِ المكتسبِ اكتُشِفَتْ في أواخرِ السبعيناتِ، هذه الخلايا قاتلةٌ بالفطرةِ، بمعنى أنها تستطيعُ التعرُّفَ إلى الخلايا الشاذَّةِ قبل أن يبدأَ شذوذُها، أو تلك التي تسبِّبُ ورماً.
إلا أنّ أخطرَ ما في الموضوعِ أنّ وراءَ جهازِ المناعةِ قوةً خارجَ الجسمِ لا علاقةَ لها بالمناعةِ، تشكِّلُه، وتطوِّره، وتأمرُه، فالقوةُ المسيطرةُ ليستْ مِن داخلِ الجسمِ، بل من خارجِه، ولا يعلمُ الأطباء الغربيّون ما هي هذه القوَّةُ، إنها قوة الله.
والحقيقةُ العمليةُ أنّ الاكتئابَ، والحزنَ، والتوترَ، والشدّةَ النفسيةَ (الكرب) تضعِفُ مِن قوةِ هذا الجهازِ، وأنّ الأملَ، والحبَّ، والهدوءَ يقوِّي إمكاناتِ هذا الجهازِ، لذلك فإنّ الشركَ باللهِ يُضعِفُ هذا الجهازَ، قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ [الشعراء: ٢١٣] .
أمّا المؤمنُ فأمرُه تسليمٌ وتفويضٌ وتوكُّلٌ وإيمانٌ بقوله تعالى: ﴿وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] .
إنّ التوحيدَ صحّةٌ، لأن الرضا، والطمأنينةَ، والأمنَ، والثقةَ باللهِ، والتفاؤلَ بالمستقبلِ، كلُّ هذا يقوِّي جهازَ المناعةِ، الذي أوكلَ اللهُ إليه الشفاءَ الذاتيَّ، أمّا القلقُ، والخوفُ، والحقدُ فممَّا يضعفُ جهازَ المناعةِ، وهذا الجهازُ هو عصبُ صحةِ الإنسانِ.
لا عدوى
стр. 193
إنّ موضوعَ العدوى قد بيَّنه النبيُّ ﵊ قَبْلَ أكثرَ من أربعةَ عشرَ قرناً، ففي صحيحِ البخاريِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ"، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا بَالُ إِبِلي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَأَْتِي الْبَعِيْرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟ "، النبيُّ ﵊ الذي لا ينطقُ عن الهوى، وكلامُه وحيٌ يوحَى، يقول: "لا عَدْوَى"، والعدوى ثابتةٌ، ألم يقلْ في حديثٍ آخرَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا"، لماذا؟ من أجلِ العدوى، وإنّ أَحْدَث بحثٍ في علمِ الجراثيمِ مفادُه أنه لا عدوى، فالجرثومُ قد ينتقلُ من مريضٍ إلى صحيحٍ، ولا يمرضُ الصحيحُ، وقد ينتقلُ من صحيحٍ إلى صحيحٍ؛ فيمرضُ الصحيحُ الثاني، وقد ينتقلُ من مريضٍ إلى صحيحٍ فتسبِّبُ هذه الجرثومةُ للصحيحِ مناعةً يزدادُ بها قوةً، وقد ينتقلُ من صحيحٍ إلى صحيحٍ أولٍ، وثانٍ، وثالثٍ، ورابعٍ، وخامسٍ، وعاشرٍ، فيصابُ الصحيحُ العاشرُ.
فحينما قالَ النبيُّ ﵊: "لا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ"، أي: إنّ العدوى لا تمرضُ، ولكنّ العدوى تهيِّئ أسبابَ المرضِ، هذا معنى قولِ النبيِّ ﷺ ، وهو في منتهى الدقَّةِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الأَسَدِ"، فِرَّ منه، ليس في هذا الحديثِ تناقضٌ أبداً، العدوى وحْدَها لا تمرضُ، ولكنَّ العدوى تهيىء أسبابَ المرضِ.
стр. 194
شيءٌ آخرُ؛ ثمة شيءٌ اسمه النسمةُ، وقد فَسَّرَها العلماءُ بأنها حيواناتٌ صغيرةٌ دقيقةٌ تسبِّبُ للإنسانِ ضيقَ النفسِ، أي: الجراثيمَ، وقد سُئِلَ بعضُ علماءِ الجراثيمِ: ما المنطقةُ في الإنسانِ التي تكثرُ فيها العدوى، فقال: الأطرافُ الأربعةُ والوجهُ، ونحنُ نقول: ما الوضوءُ؟ يجبُ أنْ تغسلَ يدَيْك لا في الإناءِ، إذْ نهانَا النبيُّ ﵊ أنْ نغسلَ أيديَنا في الإناءِ، فإذا كان في الأيدي جراثيمُ لا ينتقلُ هذا الجرثومُ إلى ماءِ الإناءِ، والنبيُّ ﵊ علَّمَنا هذه المنافذَ التي ينفذُ منها الجرثومُ إلى الجسمِ، كالأنفِ، والفمِ، والأذنانِ، هذه ممَّا شُرِع لنا غسلُها في اليومِ والليلةِ خمسَ مراتٍ، والوضوءُ أكبرُ وقايةٍ من العدوى، ففيهِ المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغسلُ الوجهِ، واليدينِ، والرجلين.
شيءٌ آخرُ، النبيُّ ﷺ أَمَرَنا بالسواكِ، وفي أحدثِ بحوثِ السواكِ أنّ فيه مادةً قاتلةً للجراثيمِ، لذلك بعضُ المعاجين الآن تستخدمُ مسحوقَ السواكِ في المعجونِ.
شيءٌ آخرُ: العدوى تنتقلُ عن طريقِ جهازِ التنفسِ، لذلك قالَ النبيُّ ﵊ لأحدِ أصحابِه وهو يشربُ: "أَبِنِ القدحَ عن فِيكَ"، أَبْعِدْهُ عن فَمِك لئلاَّ يكونَ النفَسُ فيه.
ونهى النبيُّ ﵊ أن يتنفَّسَ الإنسانُ في الإناءِ إذا شرِبَ منه، لذلك هذه التوجيهاتُ النبويةُ التي قالها النبيُّ ﵊ قبل أكثرَ من ١٤٠٠ عام تنطبقُ على أحدثِ الموضوعاتِ المتعلقةِ بالعدوى والجراثيمِ.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، فلا ينبغي للمريضِ أن يتصل بصحيح، لحديث النبي ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا".
стр. 195
فالنبيُّ لا ينفي العدوى، ولكنْ ينفِي أن تكونَ العدوى سبباً للمرضِ، أَمَرَنا أن نأخذَ الوقايةَ، ولكن العدوى وحْدَها لا تكفي لنقلِ المرضِ، لأنّ هناك حالاتٍ كثيرةً لا تكفي العدوى فيها للمرضِ، هذه التوجيهاتُ النبويةُ من أدقِّ التوجيهاتِ العلميةِ، لأنه ﷺ لا ينطقُ عن الهوى، لأنّ في تعليماتِه تعليماتِ الصانعِ.
الأمراض والطب
الطبّ في الإسلام
إنّ الإسلامَ دينُ الفطرةِ، يحرصُ في تعاليمهِ على صحّةِ الجسدِ، وطهرِ النفسِ، ويوازنُ بينَ المادةِ والروحِ، والحاجاتِ والقيمِ، ويهدفُ إلى إصلاحِ الدنيا، وإصلاحِ الآخرةِ، لأنّ الأولى مَطِيةُ الثانيةِ. إنّ صحةَ الجسدِ معتمدةٌ على سلامةِ النفسِ وسموِّها، ومنطلقٌ لصحةِ العقلِ وتفوُّقِه، فاللهُ جعلَ صحةَ الجسدِ، وقوّتَه، ورجاحةَ العقل، واستنارتَه علّةَ الاصطفاءِ، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] .
وقد بيَّن لنا المولى جلَّ وعلا أنّ القوةَ والأمانةَ، وبلُغةِ العصرِ الكفاءةُ والإخلاصُ هما المقياسان الصحيحان اللذان نقيسُ بهما الأشخاصَ حينما نقلِّدُهم بعضَ الأعمالِ، وقد جاء هذان المقياسان في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦] .
стр. 196
والنبيُّ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه قالَ: " ... المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ... "، ولم يقل: الإنسانُ القويُّ خيرٌ من المؤمنِ الضعيفِ، لأنّ القوةَ مِن غيرِ إيمانٍ مدمِّرةٌ لصاحبها وللمجتمعِ، ولكنّ القوةَ إذا أُضيفتْ إلى الإيمانِ فإنّها تصنعُ المعجزاتِ الخيراتِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُؤمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمْؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللهِ، وَلاَ تَعْجَزْ، وَإَنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإَنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ".
بل إنّ النبيِّ ﵊ جَعَلَ صحةَ الجسدِ ثُلثَ الدنيا، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا".
والإمام علي ﵁ جَعلَ مِن المرضِ مصيبةً أشدَّ مِن الفَقرِ، وأهونَ من الكفرِ، وجعلَ من الصحةِ نعمةً أفضلَ من الغنى، وأقلَّ من الإيمان، فقال: (أَلا وَإنّ مِنَ البلاءِ الفاقةَ، وأشدُّ من الفاقةِ مرضُ البدنِ، وأشدُّ من مرضِ البدنِ مرضُ القلبِ، ألا وإنّ من النعمِ سَعةَ المالِ، وأفضلُ من سعةِ المال صحةُ البدنِ، وأفضلُ من صحةِ البدن تقوى القلبِ) .
إنّ الطبَّ في الإسلامِ طبٌّ طبيعيٌّ، وطبٌّ نفسيٌّ، وطبٌّ وقائيٌّ، وطبٌّ علاجيٌّ.
стр. 197
فمِن الطبِّ الطبيعيِّ أنّ شخصيةَ المسلمِ مرتكزةٌ على العطاءِ لا على الأخذِ، ومرتكزةٌُ على بذلِ الجهدِ لا على استهلاكِ جهد الآخرين، ومرتكزةٌ على العملِ لا على الأملِ، وعلى الإيثارِ لا على الأثرةِ، وعلى التضحيةِ لا على الحرصِ، وعلى إنكارِ الذاتِ لا على تأكيدِها، وإنّ بذْلَ الجهدِ في حدِّ ذاتِه صحةٌ، وأيُّ صحةٍ.
ففي بعضِ المؤتمراتِ الطبيةِ التي عُقدت للبحثِ في أمراضِ القلبِ اتفّقَ المؤتمرون على أنّ صحةَ القلبِ في بذل الجهدِ وراحةِ النفسِ، وأنّ طبيعةَ العصرِ الحديثِ تقتضي الكلَ العضليَّ، والتوترَ النفسيَّ، وهما وراء تفاقمِ أمراضِ القلبِ في معظمِ البلدانِ المتقدمةِ تقدماً مادياً.
إنّ بذْلَ الجهدِ في حدِّ ذاتِه صحةٌ للقلبِ والأوعيةِ، وصحةٌ للعضلاتِ والأجهزةِ، وقد كان النبيُّ صلوات الله وسلامُهُ عليه قدوةً لنا في هذا المضمارِ، فقد وجدَ في بعضِ الغزواتِ أنّ عددَ الرواحلِ لا يكفي أصحابَه، فأمرَ أنْ يتناوبَ كلُّ ثلاثةٍ على راحلةٍ، ثمّ قال: "أَنَا وَعَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى رَاحِلَةٍ"، مُسَوِّياً نفسَه مع أصحابِه في بذلِ الجهدِ، ولما جاء دورُه في المشيِ عَظُم على صاحِبَيْه أنْ يركَبَا، ويمشيَ رسولُ الله ﷺ ، وهو قمّةُ المجتمعِ الإسلاميِّ، فقالا: "يَا رَسُولَ اللهِ، ابْقَ رَاكِباً"، فقال قولَتَه الشهيرةَ: "مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ، وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ".
إنّ بذلَ الجهدِ صحةٌ للقلبِ والأوعيةِ، وصحةٌ للعضلاتِ والأجهزةِ، وصحّةٌ للحياةِ الاجتماعيةِ، وتمتينٌ لأواصرِها، وإنّ بذلَ الجهدِ فهمٌ صحيحٌ لحقيقةِ الحياةِ الدنيا، التي هي دارُ تكليفٍ، أمّا الآخرةُ فهي دارُ تشريفٍ.
هذا بعض ما في الطب الطبيعي.
стр. 198
أما عن الطبِّ النفسيِّ فإن أمراضاً كثيرةً بعضُها عضالٌ، وبعضُها مميتٌ، كأمراضِ القلبِ والشرايينِ، وأمراضِ جهازِ الهضمِ، والكُليتين، والأمراضِ النفسيةِ والعصبيةِ إنما ترجعُ أسبابُها الرئيسيةُ إلى أزماتٍ نفسيةٍ يعاني منها إنسانُ الشركِ في العصرِ الحديثِ، فمَن أشركَ باللهِ قَذَفَ اللهُ في قلبه الرعبَ، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب بِمَآ أَشْرَكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين﴾ [آل عمران: ١٥١] .
فتوقُّع المصيبةِ مصيبةٌ أكبرُ منها، وأنت مِن خوفِ الفَقرِ في فقرٍ، وأنت مِن خوفِ المرضِ في مرضٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ [المعارج: ١٩-٢٦] .
ويرَى الأطباءُ أنّ ضغطَ الدمِ هو في حقيقته ضغطُ الهمِّ، وأنّ الإنسانَ إذا غفلَ عن حقائقِ التوحيدِ، وسقطَ في هوّةِ الشركِ، فقد فُتِحَتْ عليه أبوابٌ من العذابِ النفسيِّ، قال : ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ [الشعراء: ٢١٣] .
فالإيمانُ باللهِ خالقاً، ومربِّياً، ومسيِّراً.. وإنه سبحانه إليه يُرجعُ الأمرُ كلُّه، هذا الإيمانُ يملأ النفسَ شعوراً بالأمنِ الذي هو أثمنُ وأسعدُ ما في الحياةِ النفسيةِ، ويدفعُ عنها القلقُ الذي يدمِّرُها، والذي يجعلُ الحياةَ النفسيةَ جحيماً لا يُطاق، قال سبحانه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨١-٨٢] .
стр. 199
فإذا كانتِ السلامةُ تعني عدمَ وقوعِ المصيبةِ، فإن الأمنَ يعني عدمَ توقعِ المصيبةِ، قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ [التوبة: ٥١] .
هذا الإيمانُ يملأ النفسَ طمأنينةً إلى عدالةِ اللهِ ، فبيدِه مقاليدُ الأمورِ كلُّها، فلا يظلمُ الناسَ شيئاً، ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، وهو سبحانه يدافعُ عن الذين آمنوا، وينجِّيهم مِن كلِّ كرْبٍ، وينصرُهم على عدوِّهم.
هذا الإيمانُ يملأُ النفسَ شعوراً بالنجاحِ، والفلاحِ، والتفوُّقِ، والفوزِ برضاءِ اللهِ الذي يعدُّ أثمنَ نجاحٍ يحقِّقُه الإنسانُ على وجهِ الأرضِ.
وهذا الإيمانُ يملأُ النفسَ راحةً، وتسليماً وتفويضاً، وتوكُّلاً ورضاً بقضاءِ اللهِ الذي لا يقضي لعبدِه المؤمنِ إلا بالحقِّ والخيرِ، وقد رُوِيَ: "الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ يُذْهِبُ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ".
هذه المشاعر تحقِّقُ سعادةً نفسيةً، وسعادةً لا يعرفُها إلا مَن ذَاقَها، فالصحّةُ النفسيةُ أساسُ صحّةِ الجسدِ، حتّى قيل: "إنَّ الرحمةَ النفسيةَ كافيةً لإعادةِ ضرباتِ القلبِ السريعةِ إلى اعتدالِها، وضغطِ الدمِ المرتفعِ إلى مستواه الطبيعيِّ".
إنّ الطبَّ الوقائيَّ في الإسلامِ ينطلقُ مِن أنّ إزالةَ أسبابِ المرضِ أَجْدَى وأهونُ من إزالةِ أعراضِه، وأنّ المرضَ، وإنْ زالتْ أعراضُه بالدواءِ فإنّ له آثاراً جانبيةً في وقتٍ لاحقٍ، تظهر على شكل أمراض قلبيةٍ ووعائيةٍ وكلويةٍ دونَ سببٍ مباشرٍ.
стр. 200
ويعدُّ الطبُّ الوقائيُّ سيّدَ الطبِّ البشريِّ كلِّه، لأنّ قوةَ الأمةِ تتجلّى في قوةِ أفرادِها، وإنّ دَخْلَها يُقاسُ بدخْلِهم، وإنّ الأمةَ التي تنزلُ بساحتِها الأمراضُ أو تستوطِنُها الأوبئةُ تتعرَّضُ لخسرانٍ كبيرِ، سواءٌ في هذه القُوى البشريةِ المريضةِ المعطَّلَةِ التي كان مِن الممكنِ أنْ تسهمَ جهودُها في زيادةِ دخلِها، أو في هذه الأموالِ الطائلةِ التي تنفَقُ في معالَجةِ هذه الأمراضِ، والتي كان مِنَ الممكنِ أن تُنفَقَ في بناءِ الوطنِ، فتسهمَ في منعتِه، ورفعتِه.
ويضافُ إلى هذا أنّ ثمنَ معظمِ الدواءِ يُستهلكُ نقداً أجنبياً صعباً نحنُ في أشدِّ الحاجةِ إليه لتنفيذِ المشروعاتِ الإنتاجيةِ التي تعودُ بالنفعِ العامِّ على الأمّةِ.
وإنّ معالجةَ مريضِ السّلِّ تستمرُ وسطياً تسعةَ أشهرٍ، وتكلِّفُ المريضَ والدولةَ أموالاً وإمكاناتٍ كبيرةٍ، إضافةً إلى ما يعانيه المريضُ من العذابِ والقلقِ، أمّا الوقايةً مِن هذا المرضِ فلا تحتاجُ إلاّ إلى لقاحٍ يكلِّفُ بضعةَ قروشٍ.
إنّ النظافةَ مِنِ الطبِّ الوقائيِّ، وقد أمرَ الإسلام بها، فهي تقِي مِن انتقالِ كثيرٍ مِنَ الأمراضِ المُعْدِيةِ، التي تنتقلُ بتلوُّثِ الأيدِي، كالكوليرا، والزحارِ، والالتهابِ المعويِّ.
والنظافةُ تنشِّطُ الدورةَ الدمويةَ بتنبيهِ الأعصابِ، وتدليكِ الأعضاءِ، وتحفظُ وظائفَ الجلدِ أن تتعطّلَ، إضافةً إلى أثرِ النظافةِ في بناءِ الشخصيةِ، وفي العلاقات الاجتماعية.
فاللهُ حثّنا عليها، وجعلَها سبباً لمحبته، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
وقد فهم الإمام الغزالي هذه الآية على أربع مستويات:
الأول: تطهيرُ الظاهرِ مِن الأحداثِ والأخباثِ.
الثاني: تطهيرُ الجوارحِ مِن المعاصي والآثامِ.
الثالث: تطهيرُ النفسِ مِن الأخلاقِ الذميمةِ والرذائلِ الممقوتةِ.
الرابع: تطهيرُ النفسِ ممّا سوى اللهِ.
وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنّ بركَة الطعام بغسلِ اليدين قبلَه: "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ".
ولا يخفى أنّ وضوءَ الطعامِ هو غسلُ اليدين والفمِ.
стр. 201
وقد جعل النبيُّ غسلَ الجمعةِ واجباً فقال ﵊: "حقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أنَّ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ يَوْماً يَغْسِلُ فِيهِ رأَسَهُ وَجَسَدَهُ".
ولا أدلَّ على أهمِّيةِ النظافةِ في الإسلامِ مِن أنّه جعَلها شرطاً لصحة الصلاةِ، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولاكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] .
وقد تفضَّلَ اللهُ سبحانه علينا بالماءِ الطَّهورِ، أيْ الطاهرُ المطهِّرُ لنتطهَّرَ به، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] ، وقال سبحانه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ [الأنفال: ١١] .
والاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ وسائرِ المباحاتِ مِن الطبِّ الوقائيِّ، قال تعالى: ﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١] .
فنصُّ الآيةِ يأمرُ بالاعتدالِ في الطعامِ والشرابِ، لكنّ النهيّ عن الإسرافِ لم يقيَّدْ بالطعامِ والشرابِ، بل أُطلِقَ ليشملَ كلَّ شيءٍ، والمُطْلَقُ في القرآنِ على إطلاقِه.
стр. 202
وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ حدودَ هذا الاعتدالِ فقال: "مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".
ومعروفٌ طبيّاً وفي علمِ الغذاء: "أنّ عُشرَ ما نأكلُه يكفي لبقائِنا أحياءً، وإنّ تسعةَ أعشارِ ما نأكلُه يكفي لبقاءِ الأطباءِ أحياءً".
وقد بيَّن المصطفى صلواتُ اللهِ عليه أنّ لذّةَ الطعامِ لا تُحصَّلُ باختيارِ أَنْفُسِ الأطعمةِ وَأطيبِها، ولكنها تُحصَّلُ بحالةٍ تلابِسُ الآكلَ، ألا وهي الجوعُ.
والاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ وسائرِ المباحاتِ أصلُ الطبِّ الوقائيِّ.
وفي الإسلامِ طبٌّ علاجيٌّ.. وهو تعاطي الدواءِ، والأخذُ بأسبابِ الشفاءِ، والطبُّ العلاجيُّ موافِقٌ للعقلِ والشرعِ؛ فهو موافقٌ للعقلِ لأنّ في استعمالِ الدواءِ جلباً للمنافعِ، ودفعاً للمضارِّ، وموافقٌ للشرعِ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] .
وقد بيَّنَ النبيُّ الكريمُ ﷺ ما تنطوي عليه هذه الآيةَ، فقال: "تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلا أنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ".
وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ أنّ الشفاءَ مِنَ المرضِ يحتاجُ إلى شرطين اثنين:
الأول: صحةُ تشخيصِ الداءِ، وصحةُ اختيارِ الدواءِ لهذا الداءِ، وهذا شرطٌ لازمٌ غيرُ كافٍ.
والثاني: إذنٌ مِنَ اللهِ لهذا الدواءِ أنْ يفعلَ فعْلَه، فيزيلَ أسبابَ المرضِ وأعراضَه، لهذا قال ﵊: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى".
إنّ الطبيبَ له علمُ يدلُّ بهِ ... إنْ كانَ للناسِ في الآجالِ تأخيرُ
حتّى إذَا ما انقضتْ أيّامُ رِحلتِه ... حارَ الطبيبُ وَخانَتْه العقاقيرُ
стр. 203
والتدَاوِي لا يتناقضُ مع الإيمانِ بالقدرِ، ولا يتناقضُ مع التوكَّلِ، فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطََّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالََ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلانِ، فَقَالَوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبْلٌ هَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُدْوَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا خصبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ،
стр. 204
فَقالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذا عِلْماً، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمْعِتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ"، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
قال الفقهاءُ: "إنّ استعمالَ الدواءِ المقطوعِ بفائدتِه بإخبارِ الأطباءِ لعلاجِ مرضٍ يقعِدُ المريضَ عن القيامِ بواجباتِه تجاهَ اللهِ وتجاهَ الناسِِ، أو مرضٍ يؤدِي بحياتِه، أو بعضوٍ من أعضائِه واجبٌ دينيٌّ يرقى إلى مستوى الفرضِ".
وهنا محلُّ الإشارةِ إلى أنّ الطبَّ في الإسلامِ اختصاصٌ، وفي الحديث عَنْ عَمْرِو ابْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ - أي معرفة بالطب - فَهُوَ ضَامِنٌ".
لكلّ داء دواء يستطبّ به
ومِن دلائلِ نبوّةِ النبي ﷺ ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيْبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأ بِإِذْنِ اللهِ ".
وفي هذا الحديثِ معانٍ عظيمةٌ، فقوله ﷺ : "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ" يرفعُ روحَ المريضِ المعنويةَ، وحالتَه النفسيةَ التي تساعدُ كثيراً على شفائِه من مرضِه، وفي هذا الحديثِ الشريفِ تشجيعٌ للعلماءِ والباحثين على الاجتهادِ والبحثِ عن دواءٍ لكلِّ داءٍ لم يُكتشَفْ له علاجٌ، وفي هذا الحديثِ الشريفِ تنبيهٌ إلى دقةِ التشخيصِ وصولاً لاختيارِ العلاجِ المناسبِ.
وقوله ﷺ : "فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ" فيه إشارةٌ إلى ضرورِ دقةِ التشخيصِ للمرضِ، وإشارةٌ إلى ضرورةِ حُسْنِ اختيارِ الدواءِ المناسبِ لهذا المرضِ، من حيث النوعُ والكمُّ، وتقصِّي أقلِّ الأعراضِ الجانبيةِ حدوثاً.
стр. 205
لكنّ البرءَ في النهايةِ لا يكون حتماً عند الإصابةِ في التشخيصِ، والإصابةِ في اختيارِ الدواءِ المناسبِ بالكميةِ المناسبةِ، وفي الوقتِ المناسبِ، هذه كلُّها شروطٌ لازمةٌ، ولكنّها غيرُ كافيةٍ، فلا بد مِن أنْ يسمحَ اللهُ للدواءِ أنْ يفعلَ فِعْلَهُ في العاملِ الممرضِ، شفاءً، أو تخفيفاً، لذلك قال ﵊: "بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ ".
إنّ ممّا يكمِّلُ الأخذَ بالأسبابِ التوجهَ إلى الله بالدعاءِ، لأنه مسبِّبُ الأسبابِ، لذلك ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَاتِ"، وروي عنه: "الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ تٌُطْفِئ غَضَبَ الرَّبِّ"، وروي عنه: "بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الْبَلاَءَ لاَ يَتَخَطَّاهَا".
العبادات شفاءٌ من أمراض كثيرة وهي معللة بمصالح الخلق
يقولُ الإمامُ الشافعيُّ: "العباداتُ مُعَلَّلَةٌ بِمَصالحِ الخَلْقِ"، أي إنّ العباداتِ لو أُدِّيَتْ على النحوِ الذي أرادَهُ اللهُ لجَعَلَتْ من المؤمنِ شخصيَّةً فذَّة، إليها تنجذبُ النفوسُ، وبها تتعلّقُ الأبصارُ، ومِن نورِها تهتدِي القلوبُ.
لو أُدِّيَتِ العباداتُ على النحوِ الذي أرادَهُ اللهُ لجَعَلَتْ مِن المؤمنِ رجلاً نيِّرَ الذِّهنِ والقلبِ معاً، حادَّ البصرِ والبصيرةِ جميعاً، تتعانقُ فكرتهُ وعاطفتهُ، فلا تدري أيّهما أسبقُ؟ صدْقُ أدبهِ أم حُسْنُ معرفتِه؟! ولا تدري أيّهما أرْوَعُ؛ خُصوبةُ نفسِه أم فطانةُ عقلِه؟
لو أُدِّيَتِ العباداتُ على النحوِ الذي أراد الله لجَعَلَت من المؤمنَ ذا أفقٍ واسعٍ، ونظرٍ حديدٍ، ومُحاكمةٍ سليمةٍ، ولجعَلتْهُ منغمساً في سعادةٍ لا تقْوَى مُتَعُ الأرضِ الحِسيَّةُ أن تصرفَهُ عنها، ولجعلتْهُ ذا أخلاقٍ أصيلةٍ، لا تستطيعُ سبائكُ الذهبِ اللامعةُ، ولا الضّغوطُ المانعةُ أنْ تقوِّضَها.
المؤمنُ الحقُّ كالجبلِ رسوخاً، وكالصّخرةِ صلابةً، وكالشمسِ ضياءً، وكالبحرِ عمقاً، وكالسماءِ صفاءً، وكالربيعِ نضارةً، وكالماء عذوبةً، وكالعذراءِ حياءً، وكالطّفلِ وداعةً.
стр. 206
أمّا إذا حَادَ الإنسانُ عن مبادئ فطرتِه، ولم يعبدِ اللهَ ، وخَرَقَ حدودَ إنسانيّتهِ بالإثمِ والعُدوانِ اخْتلّ توازنُه الداخليُّ، وأحسّ بِكَآبةٍ مُدمّرةٍ لِصِحَّتِهِ النفسيّةِ، وهذا ما يُسمّيه علماءُ النفسِ، أو أطباءُ النفس التوتّرَ النفسيَّ، الذي هو سببٌ رئيسٌ لكثيرٍ من الأمراضِ، وبها نصلُ إلى حقيقةٍ خطيرة، وهي أنّ أكثرَ الأمراضِ تكمُنُ أسبابُها في التوتّراتِ النفسيّةِ، وفي الكسلِ العضليِّ.
من الأمراضِ العُضويّةِ ذاتِ الأسبابِ النفسيّةِ تسرّعُ ضرباتِ القلبِ، واضطرابُ نظْمِ القلبِ، وتضيّقُ الشرايينِ، وارتفاعُ ضغطِ الدمِّ ذو المنشأ العصبيِّ، وتقرّحاتُ الجهازِ الهضميِّ، وأمراضُ الحساسيّةِ، وأمراضُ الأعصابِ، والشللُ العضويُّ ذو المنشأِ النفسيِّ، وحينما يصطلحُ الإنسانُ مع اللهِ، ويتُوبُ من ذنوبِه، ويستقيمُ على أمْرِ ربِّه، ويعملُ الصالحاتِ تقرُّباً إليه، يشعرُ بأنّه أُزيحَ عن صدرِه كابوسٌ ضاغِطٌ، كأنّه جبلٌ جائمٌ، وأنّ ظلماتٍ بعضُها فوقَ بعضٍ قد تبدَّدتْ من أمامِه.
يشعرُ المؤمنُ بمشاعرَ من السعادةِ لا توصفُ، وأنّ مشاعرَ الكآبةِ والضِّيقِ قد اختفَتْ إلى غيرِ رَجْعةٍ، وعندئذٍ يشعرُ أنّ في قلبهِ من الطمأنينةِ والسعادةِ ما لو وُزِّعَتْ على أهلِ بلدٍ لأسْعَدَتْهُم جميعاً، وعندها تتأثَّرُ العضويّةُ بهذه الصحّةِ النفسيّةِ تأثُّراً إيجابيّاً، فتزولُ أكثرُ أعراضِ الأمراضِ العضويّةِ ذات المنشأ النفسيِّ.
إنّ التوبةَ والعملَ الصالحَ أساسُ الصحّةِ النفسيّةِ، فإذا أردْتَ نفساً صحيحةً متألّقةً عاليَةَ المعنوياتِ متفائلةً فعليك بالصُّلْحِ مع اللهِ، فإذا اصطلحْتَ معه صلُحَتْ حياتُك كلُّها، لهذا وَرَدَ عن الرسول ﵊: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا"، أيْ إذا اسْتَقَمْتُم فلن تُحصوا الخيراتِ التي تجنونها مِن استقامتِكم.
стр. 207
ولا شكَّ أنّ العباداتِ من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وزكاةٍ عباداتٌ أَمَرَنَا اللهُ بها، وقد علَّلها في القرآنِ الكريمِ تعليلاً طيِّباً، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
وقال تعالى: ﴿اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] ، وقال سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
هذه العباداتُ بيَّنَ اللهُ ﷻ حِكمتَها، ولكنَّ هذا البيانُ الإلهيَّ لا يمْنعُ أنْ يكونَ لها حِكَمٌ أخرى كثيرةٌ جدّاً، فمثلاً علماءُ التربيةِ البدنيّةِ خطَّطوا لِتَمريناتٍ معتدلةٍ يستطيعُها كلُّ الناسِ في كلِّ الأعمارِ، وفي كلِّ الأوقاتِ، وفي كلِّ الأمكنةِ، لا تؤذِي قلوبَهم، ولا تيبّسُ عضلاتِهم، فرسَمُوا حركاتٍ، وسكناتٍ، وتمريناتٍ تُطابقُ حركاتِ الصلاةَ تَطابُقاً تامّاً، فهذه الصلاةُ التي أمَرَنا اللهُ بها إضافةً إلى أنّها تقرِّبنا إلى اللهِ، وتذكّرنا به، وتَصِلُنا به، هي كذلك ذاتُ فائدةٍ لأجسامِنا، فهذه الحركاتُ، والقيامُ، والركوع، والسجود لها فوائدُ كثيرةٌ لجسمِ الإنسانِ.
стр. 208
إنّ بعضَ البلادِ المتخلّفةِ تعاني من أمراضٍ كثيرةٍ وشائعةٍ، فهناك أمراضٌ تُصيب العينينِ، إلا أنّ هذا المرضَ في البلادِ الإسلاميةِ ينحسرُ بسببِ الوُضوءِ، مَن منّا يُصدّقُ أنّ الوُضوءَ، وحركاتِ الصلاةِ التي هي أوامرُ تعبديّةٌ ليس غير، هي في حقيقتِها أيضاً، إضافةً إلى فوائِدها الروحيّةِ والتعبديّةِ تنفي عن الإنسانِ أمراضاً كثيرةً، ولا أنسى أنّ امرأةً ذهبتْ إلى بلدٍ غربيٍّ لِتُعالَج من مرضَ، ألا وهو داءُ الشقيقةِ، آلامٌ مستمرّةٌ في الرأسِ، طبيبٌ لا يعرفُ اللهَ سألَها: مِن أينَ أنتِ؟ فقالت: مِن سورية، قال: أَتُصلّينَ؟ قالت: لا، فقال: صلِّي يذهبْ ما بِكِ! فعَجِبَتْ وانزعجَتْ، عَجِبَتْ مِن أنّها ركبَتِ الطائرةَ، ودفعَتْ آلافَ الليراتِ لِيُقالَ لها: صلّي، ولكنّها لمْ تعْجَبْ حينما بيّنَ لها الطبيبُ أنّ أحدَ أسبابِ الشقيقةِ ضعْفٌ في ترويَةِ الشرايينِ في الدّماغِ، وأنّ السُّجودَ يُوسِّعُ هذه الشرايينَ، ويجعلُ الدّمَ يتدفّقُ نحو الرأسِ، فهذا السّجودُ، وذاك الركوعُ، وهذا الوُضوءُ، هذا كلُّه في أصلِه عباداتٌ، وقرباتٌ، واتّصالٌ باللهِ، ولكن لو درسهُ علماءُ متخصِّصون، وعلماءُ في التربيَةِ البدنيّةِ، وعلماءُ في أمراضِ الأوعيَةِ والشرايينِ لوَجَدُوا العجَبَ العُجابَ.
الأطباء يتخلّون عن الفصل بين الدين والعلم
في غرفةِ معاينةٍ في المركزِ الطبِّي التابعِ لإحدى الجامعاتِ الكبرى استمعتِ الطبيبةُ إلى مريضتِها، وهي في الرابعة والخمسين من العمرِ، وقد تعرضَّتْ مؤخراً لأزمةٍ قلبيةٍ، وتشكو مِن ضيقِ دائمٍ في التنفسِ، ولكنْ بَعدَ المعاينة بدَا واضحاً للطبيبةِ أنّ مريضتَها لا تحتاجُ إلى دواءٍ إطلاقاً، وبدلاً من ذلك اقترحتِ الطبيبةُ علاجاً أثبتَ أنّ له قوةَ شفاءٍ كبيرةً في كثيرٍ من الدراساتِ، ما هو هذا الدواءُ؟ اقترحتْ الطبيبةُ على مريضتِها أنْ تصلِّيَ لله ، وعلى هذا تصافحتِ المرأتان، وأحْنَتَا رأسَيْهما، وتَمْتَمَتا بالصلاةِ.
стр. 209
كان هذا اللقاءُ وهذا العلاجُ دليلاً على تغيُّرٍ بطيءٍ وهادئٍ تشهدُه مهنةُ الطبِّ، وأنّ تصفَ لمريضٍ وصفةً تنصحُه فيها بأنْ يصلِّيَ، وأنْ يتصلَ باللهِ، وأنْ يتوبَ إلى اللهِ، وأنْ يصطلحَ مع اللهِ، وهذا جزءٌ من العلاجِ، واكتُشِفَ هذا لا مِن بابِ التعبُّدِ، ولا منْ بابِ تطبيقِ منهجِ اللهِ، اكتشف هذا مِن التجارِبِ.
ولا أحدَ يعلمُ كمْ مِن الأطباءِ الذين يأمرون مرضَاهم بالصلاةِ، لكنَّ عدداً متزايداً مِن الأطباءِ في كلِّ أنحاءِ الولاياتِ المتحدةِ يتخلون عن الفصلِ التقليديِّ بين الدِّينِ والعلمِ، ويكتشفون الفوائدَ الشفائيةَ للصلاةِ.
وأظهرَ استطلاعٌ أُجرِيَ في اجتماعٍ سنويٍّ ضَمَّ أكثرَ مِن مئتين وخمسين طبيباً، أن تسعةً وتسعينَ بالمئةِ مِن الأطباءِ وجدوا أنّ هناك فائدةً ملموسةً واضحةً عند مرضاهم حينما يدعُونَهم إلى الصلاةِ.
وفي جامعةٍ أخرى حَضَرَ أكثرُ من ألفِ شخصٍ يعملون في مجالِ الصحةِ مؤتمراً، أكّدوا فيه أيضاً العلاقةَ بين الشفاءِ والصلاةِ.
وقال بعضُهم: "إنّ الرأيَ الغالبَ سابقاً كان أنّ العلمَ لا يتناسبُ مع الدينِ"، وأضافَ قائلاً: "إنّ الشجاعةَ ما زالتْ غيرَ كافيةٍ للاعترافِ بقوةِ تأثيرِ الصلاةِ، وإنّ هناك فراغاً فيما يتعلقُ بالعنايةِ الكاملةِ لمرضَانَا".
هذا المريضُ حينما يصطلحُ مع اللهِ، حينما يتصلُ باللهِ يقوَى جهازُ مناعتِه، وهذه حقيقةٌ علميةٌ.
جهازُ المناعةِ هو الجهازُ الرائعُ المدهشُ، الذي خَلَقَهُ اللهُ في الإنسانِ ليكافحَ المرضَ، ليكافحَ السرطانَ، ليكافحَ كلَّ خللٍ في جسمِ الإنسانِ، هذا الجهازُ الخطيرُ المبدِعُ يقوَى بالاتصالِ باللهِ، يقوى بالحبِّ، يقوى بحالةِ الأمنِ، يقوى بالطمأنينةِ، يقوى بالثقةِ.
وهذا الجهازُ يضعفُ بالقلقِ، فالأيمانُ صحةٌ، بالمعنى الدقيق للكلمةِ، بالمعنى الاصطلاحيِّ.
وقال آخرُ، وهو مديرُ معهدٍ وطنيٍّ للأبحاثِ العلميةِ، "كنا نشعر من قبلُ أنّ إثارةَ موضوعِ الدِّينِ مع مَرضانا هو ضدّ آدابِ المهنةِ، أمَّا الآن فقد أصبحَ ضرورةً تُملِيها طبيعةُ المهنةِ، وحاجةُ النفسِ".
стр. 210
إنّ الدافعَ لاهتمامِ الأطباءِ بالدِّينِ هو أنّ المرضى يريدون مِن أطبائِهم أَخْذَ توجيهاتٍ روحيةٍ في المعالجةِ، ذلك أنّ بعضَ الإحصاءاتِ الأخيرةِ تبيِّنُ أنّ ألْفَ إنسانٍ سُئِلوا عن علاقةِ الشفاءِ بالصلاةِ، أربعةٌ وستون بالمئةِ ممّن شملَهم هذا الاستطلاعُ أكّدوا أنّ هناك علاقةً قويةً بين الشفاءِ والتَّدَيُّنِ الصحيحِ، أو الاتصالِ باللهِ .
تقولُ بعضُ المريضاتِ: "أنا أشعرُ بثقةٍ لا حدودَ لها حينما أشعرُ أنّ الطبيبَ موصولٌ بقوةٍ عُلْيَا، وأنه يعطيني توجيهاتٍ مِن عندِ الخالقِ"، وقد تعينُ هذه الفكرةُ جِسْمَها على الشفاءِ.
وتظهرُ بعضُ الدلائلِ العلميةِ بشكلٍ متزايدٍ أنّ الصلاةَ يمكن أنْ تساعدَ في تخفيفِ كثيرٍ من الأمراضِ، حتى تلك الأمراض التي تبدو أنها مِن عضالِ الداءِ التي لا شفاءَ لها، وأظهرتِ الدراساتُ الأخيرةُ، وهي في الإجمالِ على أكثرَ من مئتين أنّ المتَدَيِّنين يكونُ ضغطُ الدمِ عندهم أَخَفَّ، وقلوبُهم أكثرَ صحةً.
لأنّ ضغطَ الدم أساسُه ضغطُ الهمِّ، وهمُّ المؤمنُ هو اللهُ، اجعلِ الهمومَ همّاً واحداً يَكْفِكَ الهمومَ كلَّها، اعمل لوجهٍ واحدٍ يَكْفِكَ الوجوهَ كلَّها.
وأظهرتِ الدراساتُ أيضاً أنّ الصحةَ العقليةَ تتحسّنُ على نحوٍ أكبرَ لدى المرضى الذين يُصَلُّون، فَهُمْ أقلُّ عرضةً للإحباطِ، وأقلُّ عرضةً للداء المزمنِ، كما أنهم لا يبادرون إلى الانتحارِ.
стр. 211
إنّ الإنسانَ المتديِّن ضغطُه جيدٌ طبيعيٌّ، وقلبُه قويٌّ، والسببُ أنّه مطمئنٌ باللهِ ، مستسلمٌ لأمره، ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ [التوبة: ٥١] ، يقيمُ منهجَه، ويستسلم له، دققوا في هذا الحديث الصحيح، فعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ: فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ ألاَّ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا".
إنّ اللهَ أنشأَ لنا حقاً عليه؛ ألاَّ يعذِّبَنا، فحينما يتصلُ المؤمنُ باللهِ، ويطيعُه في كلِّ شؤونِ حياتِه يشعرُ بالأمنِ، قال سبحانه على لسانِ نبيِّه إبراهيمَ ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨١-٨٢] .
هؤلاءِ العلماء ما بابِ الدراساتِ، والتجارِبِ، والبحوثِ وصلوا إلى أنّ المريضَ المتديِّنَ، المريضَ الموصولَ باللهِ ، المريضَ الذي يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، هذا المريضُ أسرعُ شفاءً، وأكثرُ صحةً من الذي قُطعَ عن اللهِ بقواطعِ الذنوبِ، هؤلاء الأجانبُ يبحثون عن الحقيقةِ، وقد وصلوا إلى طرفِِها مؤخَّراً.
الحجامة: فوائدها واستطباباتها
стр. 212
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةٍ أُسْرِيَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمُرُّ عَلَى مَلأً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِلا أَمَرُوهُ: أَنْ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ"..
وروى البخاريُّ عن أنسٍ ﵁ أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: "إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ".
وقد تحدَّثَ العلماءُ المسلمون عن الحجامةِ، وعن استطباباتِها، فقالوا: "إنّ أوَّلَ استطباباتِ الحجامةِ تبيُّغُ الدمِ"، والتبيّغُ هو التهيُّجُ، وتبيُّغُ الدمِ زيادتُه، والمقصودُ بتهيُّجِ الدمِ وزيادتِه ارتفاعُ الضغطِ، أو كما يسمى في المصطلحِ العلميِّ ارتفاعَ التوترِ الشرياني.
ومِن أعراضِ ارتفاعِ الضغطِ، أو فرطِ التوترِ الشريانيِّ الصداعُ، وحسُّ الامتلاءِ في الرأسِ، والدوارُ، وسرعةُُ الانفعالاتِ، والاضطراباتُ البصريةُ.
إنّ بعضَ الأطباءِ يسمِّي ضغطَ الدمِ ضغطَ الهمِّ، فيتبيَّغُ الدمُ ويتهيَّجَ، وتزيدُ كميّتُه، ولا سيما في فصلِ الربيعِ، مع قدومِ الحرِّ، وفي الحديث: "مَنْ أرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلا يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ".
وثمة استطبابٌ آخر: هو الصداعُ، وآلامُ الرأسِ، فالصداعُ يرافقُ ارتفاعَ الضغطِ، وهناك صداعٌ وعائيٌّ بسببِ تضيُّقِ شرايينِ الدماغِ.
أخرجَ أبو داودَ، عن رسول الله ﷺ : "مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعاً فِي رَأْسِهِ إِلا قَالَ: احْتَجِمْ".
استطبابٌ ثالثٌ: مرضُ الشقيقةِ، فقد أخرجَ البخاريُّ في صحيحِه عن ابنِ عباسٍ ﵄ "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ".
стр. 213
هناك استطباباتٌ أخرى للحجامةِ، ولكنَّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ الذي يصلِّي، ويخفِضُ رأسَه في الركوعِ مرّتين، وفي السجودِ مرتين، على مدارِ اليومِ، والأسبوعِ، والشهرِ، والسنةِ، إنّ هذا الانخفاضَ، والارتفاعَ في الرأسِ يسبِّبُ حالةً مِن مرونةِ الشرايينِ، فإذا خفضَ رأسَه احتقنَ الدمُ في شرايينِ المُخِّ، وإذا رفعَه هَبطَ الضغطُ فجأةً، ومِن ارتفاعِ الضغطِ وهبوطِه ينشأُ في الشرايينِ ما يُسمَّى المرونةَ، التي تَقِي الشرايينَ مِن تصلُّبِها، ومِن انفجارِها.
والشيءُ الذي نسمعُه كثيراً هو أمُّ الدَّمِ، وهو انفجارٌ في أحدِ شرايينِ المخِّ، فلماذا هذا الانفجارُ؟ إنه بسببِ ارتفاعِ الضغطِ، ولكن لماذا الانفجارُ مع ارتفاعِ الضغطِ؟ لأنّ الشرايينَ قد تَصلَّبتْ، غيرَ أنّ الذي يصلُّي لو ارتفعَ ضغطُه فإنّ في شرايينِ مُخِّهِ مرونةً كافيةً تَقِيهِ تصلُّبَها، وانفجارَها.
شيءٌ آخرُ، إن حسنَ ترويةِ الدماغ شيءٌ أساسيٌ في الصحةِ، فطبيعةُ السجودِ في الصلاة تجعلُ الدمَ يتحرّكُ، وبتحرُّكِه يوسِّع الشرايينَ، وإنّ أكثرَ الأمراضِ التي تصيبُ الرأسَ هي بسببِ تضيُّقِ الشرايينِ، فهذا الذي يسجدُ لله ربما لا يدري أنه يصونُ شرايينَ الدماغِ مِنَ التصلُّبِ، والانفجارِ، والتَّلَفِ.
شيءٌ آخرُ؛ قال العلماءُ: "إنّ في الجسمِ معاملَ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ، وهذه المعاملُ موجودةٌ في نِقْي العظامِ، حيث إنّ كلَّ أنواعِ العظامِ في داخلِها فراغٌ، هذا الفراغُ فيه معاملُ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، التي تصنعُ في الثانيةِ الواحدةِ ما يزيدُ على مليونينِ ونصفِ مليونِ كريةٍ حمراءَ، كما زوَّدَ ربُّنا الجسمَ بمعاملَ احتياطيةٍ".
فالكبدُ والطحالُ معملانِ احتياطيانِ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ في حالِ توقُّفِ المعاملِ الأساسيةِ عن الإنتاج.
إنّ ثمّةَ مرضاً خطيراً اسمُه فَقرُ الدمِ اللامُصَنِّعِ، يصيبُ الإنسانَ حين تتوقفُ هذه المعاملُ فجأةً عن عملِها دونَ أنْ نعرفَ السببَ، فما الذي يصونُ هذه المعاملَ؟ وما الذي ينشِّطُها؟.
стр. 214
لقد عرفَ العلماءُ أخيراً أنّ نَقْصَ كميةِ الدمِ في الشرايينِ يحثُّها على العمل، ِ وعلى الصيانةِ، وعلى زيادةِ إنتاجِها، مِن هنا تأتي الحجامةُ، فإذا قلَّتْ كمياتُ الدمِ في الشرايينِ بفعلِ الحجامةِ يحُثُّ حينئذٍ هذا النقصُ معاملَ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، وتُصانُ، ويزيدُ نشاطُها بهذا النقصِ، لذلك قال العلماءُ: "إن النقصَ المنتظمَ للدمِ يسهمُ في صيانةِ هذه المعاملِ".
إنّ هذه المشكلةَ محلولةٌ عند النساءِ بسببِ الدورةِ الشهريةِ، إذ تفقدُ المرأةُ من دمِها كلَّ شهرٍ جزءاً، وهذا يقيِها الإصابةَ بهذه النوباتِ، ويعلمُ الأطباءَ أنّ الإصابةَ بهذه النوباتِ عند النساءِ أقلُّ من إصابةِ الرجالِ، لكنّ الرجالَ أُمِروا بالحجامةِ تنفيذاً لقولِ النبيِّ ﷺ ، وبعد انقطاعِ الطمثِ تتساوى نسبةُ الإصابةِ بين الذكورِ والإناثِ.
هذه رؤيةٌ أراها اللهُ نبيَّه ﷺ ، فلذلك ثمةَ أحاديثُ تزيد على سبعة عشر حديثاً وردت في الحجامةِ، فلذلك قال ﷺ : "مَنْ أَرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلا يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمْ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ".
ووقتُ الحجامةِ في أولِ قدومِ فصلِ الربيعِ، مع اشتدادِ الحرِّ.
في جسمِ الإنسانِ جهازُ رقابةٍ على الدمِ خطيرٌ جداً، هذا الجهازُ يراقبُ كميةَ الدمِ على نحوٍ مستمرٍّ، ويعرِفُ ما يطرأُ على الدمِ من زيادةٍ أوْ نقصانٍ، فإذا طَرَأَ عليه نقصانٌ أعطى هذا الجهازُ إشارةً إلى معاملِ كرياتِ الدمِ الحمراءِ في نقي العظامِ كي تزيدَ من إنتاجِها، ليعودَ الدمُ إلى وضْعِه الطبيعيِّ، مِن هنا تأتي الحجامةُ كسنَّةٍ نبويةٍ لها هدفٌ صحيٌّ كبيرٌ.
قرأتُ بحثاً لمؤلّفٍ لا يعرف إنْ كان في الإسلامِ حجامةٌ، حيث إنقاصُ الدمِ كلَّ عامٍ مرةً أو مرتين، يقولُ هذا المؤلِّفُ الغربيُّ: "إنّ فقدانَ الدمِ بانتظامٍ قد يؤدِّي إلى حمايةِ الإنسانِ من النوباتِ القلبيةِ".
وهناك مقالةٌ مطولةٌ متعلقةٌ بتركيبِ الحديدِ في الدمِ، فإذا زادَت شواردُ الحديدِ في عضلةِ القلبِ أضْعَفَها، وسبَّبَ بعضَ الأزماتِ القلبيةِ.
стр. 215
وهناك كتابٌ يزيدُ على ألفيْ صفحةٍ عنوانهُ: "أمراض الدمِ"، فالدمُ عالَمٌ قائمٌ بذاتِه، والمصلُ والكرياتُ الحمراءُ، والكرياتُ البيضاءُ، والصفائحُ، عددُها، وتولُّدُها، وموتُها، وحركتُها، ووظائفُها، شيء عجيبٌ، يقولُ ربُّنا : ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
قال ابن القيم في زاد المعاد: "وأما منافعُ الحجامةِ فإنها تنقِّي سطحَ البدن أكثرَ من الفصدِ، والفصدُ لأعماقِ البدنِ أفضلُ، والحجامةُ تستخرجُ الدمَ من نواحي الجلدِ، قلت: والتحقيقُ في أمرِها وأمرِ الفصدِ أنهما يختلفانِ باختلافِ الزمانِ والمكانِ والأسنانِ والأمزجةِ، فالبلادُ الحارّةُ والأزمنةُ الحارّةُ، والأمزجةُ الحارّةُ التي دَمُ أصحابِها في غايةِ النضجِ الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصدِ بكثيرٍ، فإنّ الدمَ ينضُجُ، ويرقُّ، ويخرجُ إلى سطحِ الجسدِ الداخل فتخرِجُ الحجامةُ ما لا يخرِجُه الفصدُ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيانِ مِن الفصدِ، ولِمَن لا يقوَى على الفصدِ، وقد نَصَّ الأطباءُ على أنّ البلادَ الحارّةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصدِ، وتستحبُّ في وسطِ الشهرِ، وبعدَ وسطِه، وبالجملةِ، وفي الرُّبعِ الثالثِ مِن أرباعِ الشهرِ، لأنّ الدمَ في أوَّلِ الشهرِ لم يكن بعدُ قد هاجَ، وتَبَيَّغَ، وفي آخرِه يكونُ قد سَكَنَ، وأما في وسطِه وبعيدَه فيكونُ في نهايةِ التزيُّدِ.
قال صاحبُ القانونِ: ويُؤمَر باستعمالِ الحجامةِ لا في أولِ الشهرِ، لأنّ الأخلاطَ لا تكونُ قد تحركتْ، وهاجتْ، ولا في آخرِِه، لأنها تكونُ قد نقصتْ، بل في وسطِ الشهرِ حين تكونُ الأخلاطُ هائجةً بالغةً في تزايُدِها لتزيدَ النورَ في جِرم القمرِ، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خيرُ ما تداويتم به الحجامةُ والفصدُ"، وفي حديثٍ: "خيرُ الدواءِ الحجامةُ، والفصدُ".
أمراض القذارة
من الإحصاءاتِ الطريفةِ والخطيرةِ التي أَجْرَتْهَا إحدى المؤسساتِ العلميةِ المعنيةِ بشؤونِ الصحةِ على مستوى العالَمِ كلِّه أنّ أمراضَ القذارةِ؛ التي تنتقلُ عن طريقِ تلوُّثِ اليدينِ والماءِ والطعامِ، فتصيبُ الجهازَ الهضميَّ بأبلغِ الأضرارِ هي كما يلي:
следующие страницы →