← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1444

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

محمد راتب النابلسي

Полный текст (485 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

إنّ الإنسانَ المتديِّن ضغطُه جيدٌ طبيعيٌّ، وقلبُه قويٌّ، والسببُ أنّه مطمئنٌ باللهِ ، مستسلمٌ لأمره، ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ [التوبة: ٥١] ، يقيمُ منهجَه، ويستسلم له، دققوا في هذا الحديث الصحيح، فعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ: فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ ألاَّ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا". إنّ اللهَ أنشأَ لنا حقاً عليه؛ ألاَّ يعذِّبَنا، فحينما يتصلُ المؤمنُ باللهِ، ويطيعُه في كلِّ شؤونِ حياتِه يشعرُ بالأمنِ، قال سبحانه على لسانِ نبيِّه إبراهيمَ ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨١-٨٢] . هؤلاءِ العلماء ما بابِ الدراساتِ، والتجارِبِ، والبحوثِ وصلوا إلى أنّ المريضَ المتديِّنَ، المريضَ الموصولَ باللهِ ، المريضَ الذي يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، هذا المريضُ أسرعُ شفاءً، وأكثرُ صحةً من الذي قُطعَ عن اللهِ بقواطعِ الذنوبِ، هؤلاء الأجانبُ يبحثون عن الحقيقةِ، وقد وصلوا إلى طرفِِها مؤخَّراً. الحجامة: فوائدها واستطباباتها

стр. 212

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةٍ أُسْرِيَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمُرُّ عَلَى مَلأً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِلا أَمَرُوهُ: أَنْ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ".. وروى البخاريُّ عن أنسٍ ﵁ أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: "إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ". وقد تحدَّثَ العلماءُ المسلمون عن الحجامةِ، وعن استطباباتِها، فقالوا: "إنّ أوَّلَ استطباباتِ الحجامةِ تبيُّغُ الدمِ"، والتبيّغُ هو التهيُّجُ، وتبيُّغُ الدمِ زيادتُه، والمقصودُ بتهيُّجِ الدمِ وزيادتِه ارتفاعُ الضغطِ، أو كما يسمى في المصطلحِ العلميِّ ارتفاعَ التوترِ الشرياني. ومِن أعراضِ ارتفاعِ الضغطِ، أو فرطِ التوترِ الشريانيِّ الصداعُ، وحسُّ الامتلاءِ في الرأسِ، والدوارُ، وسرعةُُ الانفعالاتِ، والاضطراباتُ البصريةُ. إنّ بعضَ الأطباءِ يسمِّي ضغطَ الدمِ ضغطَ الهمِّ، فيتبيَّغُ الدمُ ويتهيَّجَ، وتزيدُ كميّتُه، ولا سيما في فصلِ الربيعِ، مع قدومِ الحرِّ، وفي الحديث: "مَنْ أرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلا يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ". وثمة استطبابٌ آخر: هو الصداعُ، وآلامُ الرأسِ، فالصداعُ يرافقُ ارتفاعَ الضغطِ، وهناك صداعٌ وعائيٌّ بسببِ تضيُّقِ شرايينِ الدماغِ. أخرجَ أبو داودَ، عن رسول الله ﷺ : "مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعاً فِي رَأْسِهِ إِلا قَالَ: احْتَجِمْ". استطبابٌ ثالثٌ: مرضُ الشقيقةِ، فقد أخرجَ البخاريُّ في صحيحِه عن ابنِ عباسٍ ﵄ "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ".

стр. 213

هناك استطباباتٌ أخرى للحجامةِ، ولكنَّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ الذي يصلِّي، ويخفِضُ رأسَه في الركوعِ مرّتين، وفي السجودِ مرتين، على مدارِ اليومِ، والأسبوعِ، والشهرِ، والسنةِ، إنّ هذا الانخفاضَ، والارتفاعَ في الرأسِ يسبِّبُ حالةً مِن مرونةِ الشرايينِ، فإذا خفضَ رأسَه احتقنَ الدمُ في شرايينِ المُخِّ، وإذا رفعَه هَبطَ الضغطُ فجأةً، ومِن ارتفاعِ الضغطِ وهبوطِه ينشأُ في الشرايينِ ما يُسمَّى المرونةَ، التي تَقِي الشرايينَ مِن تصلُّبِها، ومِن انفجارِها. والشيءُ الذي نسمعُه كثيراً هو أمُّ الدَّمِ، وهو انفجارٌ في أحدِ شرايينِ المخِّ، فلماذا هذا الانفجارُ؟ إنه بسببِ ارتفاعِ الضغطِ، ولكن لماذا الانفجارُ مع ارتفاعِ الضغطِ؟ لأنّ الشرايينَ قد تَصلَّبتْ، غيرَ أنّ الذي يصلُّي لو ارتفعَ ضغطُه فإنّ في شرايينِ مُخِّهِ مرونةً كافيةً تَقِيهِ تصلُّبَها، وانفجارَها. شيءٌ آخرُ، إن حسنَ ترويةِ الدماغ شيءٌ أساسيٌ في الصحةِ، فطبيعةُ السجودِ في الصلاة تجعلُ الدمَ يتحرّكُ، وبتحرُّكِه يوسِّع الشرايينَ، وإنّ أكثرَ الأمراضِ التي تصيبُ الرأسَ هي بسببِ تضيُّقِ الشرايينِ، فهذا الذي يسجدُ لله ربما لا يدري أنه يصونُ شرايينَ الدماغِ مِنَ التصلُّبِ، والانفجارِ، والتَّلَفِ. شيءٌ آخرُ؛ قال العلماءُ: "إنّ في الجسمِ معاملَ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ، وهذه المعاملُ موجودةٌ في نِقْي العظامِ، حيث إنّ كلَّ أنواعِ العظامِ في داخلِها فراغٌ، هذا الفراغُ فيه معاملُ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، التي تصنعُ في الثانيةِ الواحدةِ ما يزيدُ على مليونينِ ونصفِ مليونِ كريةٍ حمراءَ، كما زوَّدَ ربُّنا الجسمَ بمعاملَ احتياطيةٍ". فالكبدُ والطحالُ معملانِ احتياطيانِ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ في حالِ توقُّفِ المعاملِ الأساسيةِ عن الإنتاج. إنّ ثمّةَ مرضاً خطيراً اسمُه فَقرُ الدمِ اللامُصَنِّعِ، يصيبُ الإنسانَ حين تتوقفُ هذه المعاملُ فجأةً عن عملِها دونَ أنْ نعرفَ السببَ، فما الذي يصونُ هذه المعاملَ؟ وما الذي ينشِّطُها؟.

стр. 214

لقد عرفَ العلماءُ أخيراً أنّ نَقْصَ كميةِ الدمِ في الشرايينِ يحثُّها على العمل، ِ وعلى الصيانةِ، وعلى زيادةِ إنتاجِها، مِن هنا تأتي الحجامةُ، فإذا قلَّتْ كمياتُ الدمِ في الشرايينِ بفعلِ الحجامةِ يحُثُّ حينئذٍ هذا النقصُ معاملَ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، وتُصانُ، ويزيدُ نشاطُها بهذا النقصِ، لذلك قال العلماءُ: "إن النقصَ المنتظمَ للدمِ يسهمُ في صيانةِ هذه المعاملِ". إنّ هذه المشكلةَ محلولةٌ عند النساءِ بسببِ الدورةِ الشهريةِ، إذ تفقدُ المرأةُ من دمِها كلَّ شهرٍ جزءاً، وهذا يقيِها الإصابةَ بهذه النوباتِ، ويعلمُ الأطباءَ أنّ الإصابةَ بهذه النوباتِ عند النساءِ أقلُّ من إصابةِ الرجالِ، لكنّ الرجالَ أُمِروا بالحجامةِ تنفيذاً لقولِ النبيِّ ﷺ ، وبعد انقطاعِ الطمثِ تتساوى نسبةُ الإصابةِ بين الذكورِ والإناثِ. هذه رؤيةٌ أراها اللهُ نبيَّه ﷺ ، فلذلك ثمةَ أحاديثُ تزيد على سبعة عشر حديثاً وردت في الحجامةِ، فلذلك قال ﷺ : "مَنْ أَرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلا يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمْ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ". ووقتُ الحجامةِ في أولِ قدومِ فصلِ الربيعِ، مع اشتدادِ الحرِّ. في جسمِ الإنسانِ جهازُ رقابةٍ على الدمِ خطيرٌ جداً، هذا الجهازُ يراقبُ كميةَ الدمِ على نحوٍ مستمرٍّ، ويعرِفُ ما يطرأُ على الدمِ من زيادةٍ أوْ نقصانٍ، فإذا طَرَأَ عليه نقصانٌ أعطى هذا الجهازُ إشارةً إلى معاملِ كرياتِ الدمِ الحمراءِ في نقي العظامِ كي تزيدَ من إنتاجِها، ليعودَ الدمُ إلى وضْعِه الطبيعيِّ، مِن هنا تأتي الحجامةُ كسنَّةٍ نبويةٍ لها هدفٌ صحيٌّ كبيرٌ. قرأتُ بحثاً لمؤلّفٍ لا يعرف إنْ كان في الإسلامِ حجامةٌ، حيث إنقاصُ الدمِ كلَّ عامٍ مرةً أو مرتين، يقولُ هذا المؤلِّفُ الغربيُّ: "إنّ فقدانَ الدمِ بانتظامٍ قد يؤدِّي إلى حمايةِ الإنسانِ من النوباتِ القلبيةِ". وهناك مقالةٌ مطولةٌ متعلقةٌ بتركيبِ الحديدِ في الدمِ، فإذا زادَت شواردُ الحديدِ في عضلةِ القلبِ أضْعَفَها، وسبَّبَ بعضَ الأزماتِ القلبيةِ.

стр. 215

وهناك كتابٌ يزيدُ على ألفيْ صفحةٍ عنوانهُ: "أمراض الدمِ"، فالدمُ عالَمٌ قائمٌ بذاتِه، والمصلُ والكرياتُ الحمراءُ، والكرياتُ البيضاءُ، والصفائحُ، عددُها، وتولُّدُها، وموتُها، وحركتُها، ووظائفُها، شيء عجيبٌ، يقولُ ربُّنا : ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . قال ابن القيم في زاد المعاد: "وأما منافعُ الحجامةِ فإنها تنقِّي سطحَ البدن أكثرَ من الفصدِ، والفصدُ لأعماقِ البدنِ أفضلُ، والحجامةُ تستخرجُ الدمَ من نواحي الجلدِ، قلت: والتحقيقُ في أمرِها وأمرِ الفصدِ أنهما يختلفانِ باختلافِ الزمانِ والمكانِ والأسنانِ والأمزجةِ، فالبلادُ الحارّةُ والأزمنةُ الحارّةُ، والأمزجةُ الحارّةُ التي دَمُ أصحابِها في غايةِ النضجِ الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصدِ بكثيرٍ، فإنّ الدمَ ينضُجُ، ويرقُّ، ويخرجُ إلى سطحِ الجسدِ الداخل فتخرِجُ الحجامةُ ما لا يخرِجُه الفصدُ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيانِ مِن الفصدِ، ولِمَن لا يقوَى على الفصدِ، وقد نَصَّ الأطباءُ على أنّ البلادَ الحارّةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصدِ، وتستحبُّ في وسطِ الشهرِ، وبعدَ وسطِه، وبالجملةِ، وفي الرُّبعِ الثالثِ مِن أرباعِ الشهرِ، لأنّ الدمَ في أوَّلِ الشهرِ لم يكن بعدُ قد هاجَ، وتَبَيَّغَ، وفي آخرِه يكونُ قد سَكَنَ، وأما في وسطِه وبعيدَه فيكونُ في نهايةِ التزيُّدِ. قال صاحبُ القانونِ: ويُؤمَر باستعمالِ الحجامةِ لا في أولِ الشهرِ، لأنّ الأخلاطَ لا تكونُ قد تحركتْ، وهاجتْ، ولا في آخرِِه، لأنها تكونُ قد نقصتْ، بل في وسطِ الشهرِ حين تكونُ الأخلاطُ هائجةً بالغةً في تزايُدِها لتزيدَ النورَ في جِرم القمرِ، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خيرُ ما تداويتم به الحجامةُ والفصدُ"، وفي حديثٍ: "خيرُ الدواءِ الحجامةُ، والفصدُ". أمراض القذارة من الإحصاءاتِ الطريفةِ والخطيرةِ التي أَجْرَتْهَا إحدى المؤسساتِ العلميةِ المعنيةِ بشؤونِ الصحةِ على مستوى العالَمِ كلِّه أنّ أمراضَ القذارةِ؛ التي تنتقلُ عن طريقِ تلوُّثِ اليدينِ والماءِ والطعامِ، فتصيبُ الجهازَ الهضميَّ بأبلغِ الأضرارِ هي كما يلي:

стр. 216

هناك على مستوى العالَمِ كلِّه ثلاثون مليونَ إصابةٍ بالحمى التيفيةِ، وستمئة مليون إصابةٍ بالتهاباتِ الأمعاءِ، ومئتان وخمسون مليونَ إصابةٍ في الزُّحارِ، وسبعةُ ملايين إصابةٍ بالكوليرا، وخمسةُ ملايين إصابةٍ بالتهابِ الكبدِ الوبائيِّ، وأنه يذهبُ ضحيةَ هذه الأمراضِ ثلاثةُ ملايين إنسانٍ كلَّ عامٍ، هذه لا نسمع بها، نحن نسمعُ أخبارَ الحروبِ الأهليةِ، وأخبارَ الزلازلِ، وأخبارَ سقوطِ الطائراتِ، أما هذه الأرقامُ؛ ثلاثةُ ملايين إنسانٍ يموتون كلَّ عامٍ بسببِ قذارتِهم، وبسببِ مخالفتِهم لاتِّباعِ السنةِ، ونصفُ هؤلاءِ من الأطفالِ، نتيجةَ عدمِ الاهتمامِ بنظافةِ اليدينِ، وغسلِهما قبلَ الطعامَ فإننا لا نسمعها ولا نوليها اهتماماً، وقد رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ : "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ". ووضوءُ الطعامِ غسلُ اليدينِ قبلَه، وغسلُُ الفمِ، وغسلُ اليدين من السُّنةِ، والاهتمامُ بالاستنجاءِ، أي بالنظافةِ التامةِ بعدَ قضاءِ الحاجةِ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا شَربَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاءَ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بيَمِينِهِ، وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ".

стр. 217

إنّ التنفُّسَ في الإناءِ أحدُ أسبابِ العدوى، لذلك: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن النَّفْخِ في الشُّرْبِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الإِنَاءِ؟ قالَ: "أَهْرِقْهَا" قَالَ: فَإنِّي لاَ أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: "فَأَبِنْ الْقَدَحَ - إذن - عَنْ فِيكَ"، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن الشُّرْبِ مِنْ ثَلْمَةِ الْقَدَحِ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ"، أي القدح المشعور، لأنّ هذه الثلمةَ تحتوي على الجراثيمِ، كما أَمَرَنا بقصِّ الأظافرِ، وأَمَرَنا بِدَلْكِ البراجمِ، رؤوسِ الأصابعِ، وكذلك مَن أكل فاكهةً دون أنْ يغسلَها فكأنه أكل الترابَ، وإذا أَتى أحدُكم الخلاءَ فلا يتمسَّحْ بيمينِه، لأن يمينَه يأكلُ بها، ويصافحُ الناسَ بها، فإذا تمسّحَ بيمينِه فقد نقلَ المرضَ إلى الناسِ كلِّهم، هذا من توجيهاتِ النبي ﷺ ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه سمع رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا يبولن أحدكم فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه". وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ" قِيلَ: مَا الْمَلاَعِنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ، أَوْ فِي طَرِيقٍ، أَوْ فِي نَقْعِ ماءٍ". هذه توجيهاتُ النبيِّ ﷺ قبْل أن يكونَ هناك علمُ الجراثيمِ، وعلمُ الأمراضِ المعديةِ، وهذا تقريرُ منظَّمةٍ تُعنَى بالصحةِ على مستوى العالَمِ، ولا تهتمُّ إطلاقاً بأمرِ الدينِ، تقولُ: ثلاثةُ ملايين إنسانٍ يموتون كلَّ عامٍ، ولا ندري بهم نحنُ، يموتون بسببِ عدمِ نظافةِ اليدين، وعدمِ غسلِهما قبلَ الطعامِ، وعدمِ الاهتمامِ بالاستنجاءِ، فقد جاء هذا الدينُ الحنيفُ ليبيِّنَ للناسِ الصراطَ المستقيمَ، وإنّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أَقْوَمُ، وإنّ اللهَ يحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين. العصاب

стр. 218

جاءَ في كتبِ علمِ النفسِ، ولا سيما كتبِ الأمراضِ النفسيةِ أنّ العُصابَ انفعالٌ لا يُعْرَفُ له أساسٌ تشريحيٌّ. هو مرضٌ نفسيٌّ، أو هو مرضٌ وظيفيٌّ، ليس له أساسٌ عضويٌّ، في العُصابِ توترٌ نفسيٌّ مع احتفاظِ الشخصِ بسلامةِ قُواه العقليةِ؟ يقولُ علماءُ النفسِ: "إنّ من أهمِّ أنواعِ العُصاب عُصابَ القلقِ، وهو أكثرُ العُصاباتِ انتشاراً، يكونُ مؤقّتاً، ويكون مستمراً عَرَّفَهُ بعضُهم بأنه شعورٌ معمَّمٌ بالانزعاجِ البغيضِ، وتَرَقُّبِ الخطرِ، والخوفِ الناجمِ عن خطرٍ متوقَّعٍ مجهولِ المصدرِ". اطَّلَعَ أحدُ الأدباءِ الكبارِ على مذكراتِ صديقٍ له من أهلِ الغِنَى، واليسارِ، والجاهِ، والشأنِ، يقولُ هذا الغنيُّ الكبيرُ: "إنني أعيشُ في خوفٍ دائمٍ، في رعبٍ من الناسِ، والأشياءِ، ورعبٍ مِن نفسي، لا الثروةُ أعطتْنِي الطمأنينةَ، ولا المركزُ الممتازُ أعطانِيهَا، ولا الصحّةُ، ولا الرجولةُ، ولا المرأةُ، ولا الحبُّ، ولا السهراتُ الحمراءُ، ضِقْتُ بكلِّ شيءٍ بعدَ أنْ جرَّبتُ كلَّ شيءٍ، إنني أكرهُ نفسي، وأخافُ من نفسي، ألا ترى الأشباحَ مِن حَوْلي؟ ألا تحسُّ بالخوفِ يفتحُ فمُه لِيَلْتَهِمَنِي؟ لِمَ هذا الخوفُ؟ الهمومُ ليست لي هموماً، إنّ كلَّ شيءٍ بين يديَّ، فلماذا أنا خائفٌ إذاً؟ ربما كنتُ خائفاً لأنه لا يوجدُ شيء أخافُ منه، إنني خائفٌ من المجهولِ الذي لا أعرفهُ، إنني تائهٌ في الحياةِ، لأنني بلغتُ قمةَ الحياةِ، إن الحياةَ الآن هي عَدُوِّي الأولُ، إنني أخافُ من الحياةِ نفسِها". يقولُ علماءُ النفسِ، وهم يتحدَّثون عن حاجاتِ الإنسانِ: "الإنسانُ بحاجةٍ إلى الأمنِ، ولكنْ أين هو الأمنُ؟ سيوفُ الأمراضِ المُسَلَّطةِ على الناسِ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، خوفٌ من الورمِ الخبيثِ، خوفٌ من أزمةٍ قلبيةٍ، خوفٌ من عجزٍ، خوفٌ من شللٍ، خوفٌ على الرزقِ الناسُ بحاجةٍ إلى الأمن، وبحاجةٍ إلى النجاحِ، وبحاجةٍ إلى الحبِّ"، وقد أغفلَ علماءُ النفسِ أنَّ الإنسانَ قَبْلَ كلِّ هذه الحاجاتِ بحاجةٍ إلى الإيمانٍ، لأنك إذا آمنتَ اطمأنَنْتَ، أحببتَ الخَلْقَ كلَّهم، لأنهم عِيَالُ اللهِ، وإذا آمنتَ نجحتَ في تحقيقِ سرِّ وجودِك.

стр. 219

لقدْ فرَّقَ العلماءُ بين الخوفِ الإيجابيِّ، والخوفِ السلبيِّ، فإذَا خِفْتَ مِن اللهِ، واستقمتَ على أمرِه فمن أجلِ أنْ تطمئنَّ، إذاً الخوفُ من اللهِ طريقُ الطمأنينةِ، والأمنِ، والسعادةِ، والحبِّ، والنجاحِ، أمّا إذَا خِفْتَ ممّا سوى اللهِ فهو طريقُ الاضطرابِ، وطريقُ العصاب، وطريقُ الخسارةِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] . فلو أنّ اللهَ قالَ: تطمئنُّ القلوبُ بذكرِ اللهِ، فبحسبِ اللغةِ تطمئنُّ بذكْرِه، وتطمئنُّ بذكْرِ غيرِه، أمّا حينما قدَّمَ ذِكْرَه على الطمأنينةِ فالقلوبُ لا تطمئنُّ إلا بذكْرِ اللهِ حصراً، لذلك قال تعالى في آياتٍ أُخَرَ: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين * والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ١٩-٣٠] . محورُ هذا الموضوعِ أنّ أثْمنَ شعورٍ تملكُه في الحياةِ الدنيا أنْ تكونَ مطمئناً، أنْ تكونَ آمناً، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا". سَأَلَ مَلِكٌ جبَّارٌ وزيراً له: مَن المَلِكُ؟ فقال: أنتَ، قال: لا، المِلكُ رجلٌ لا نعرفُه ولا يعرفُنا، له بيتٌ يؤويه، وزوجةٌ ترضِيه، ورزقٌ يكفِيه، إنّه إنْ عرَفنا جهدَ في استرضائنا، وإنْ عرفناه جهدنا في إذلالِه.

стр. 220

هذه الحاجاتُ الأساسيةُ التي افتقِدَتْ هي وراءَ معظمِ الأمراضِ، كلما تقدَّمَ الطبُّ تبيَّن له أن الشدَّةَ النفسيةَ (الكرب) وراءَ أكثرِ الأمراضِ، وأنّ الطمأنينةَ وراءَ الصحةِ، لذلك لا شيءَ يعطيك الأمنَ كالتوحيدِ، ولا شيءَ يملأُ القلبَ فزعاً كالشركِ، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ [الشعراء: ٢١٣] . مرض نقص الألياف هناك منعطفاتٌ خطيرةٌ في تاريخِ العلومِ الغذائيةِ، المنعطَفُ الأول: اكتشافُ الجراثيمِ التي يتلوّثُ بها الطعامُ، والتي تسبِّبُ كثيراً مِنَ الأمراضِ، والمنعطَفُ الثاني: هو الكشفُ عن بعضِ المخاطرِ، إذا أسرفَ الإنسانُ في تناولِ بعضِ الأطعمةِ، أنه منعطفٌ آخرُ في تاريخِ الصحةِ، والغذاءِ، كما أنّ هناك أمراضاً كثيرةً تتسبَّبُ مِن نقصِ الموادِ الغذائيةِ. ولكن الشيءَ الخطيرَ الذي اكتُشِفَ حديثاً، هو مرضُ العصرِ الذي هو مرضُ نقص الأليافِ، فطبيعةُ العصرِ الحديثِ تقدِّم غذاءً مصفًّى، فالسكرُ أبيضُ ناعمٌ، والدقيقُ أبيضُ ليسَ فيه شوائبُ، والفواكهُ نشربُ عصيرَها، وكلُّ شيءٍ نُزِعَتْ مِنه الأليافَ التي خَلَقَها اللهُ فيه. ما كان أحدٌ يظنُّ أنّ لهذه الأليافِ التي هي قوامُ الفاكهةِ، أو هذه القشورِ، التي تحيطُ بحبّة القمحِ، أو هذه الأليافِ التي هي في بعضِ الموادِ السكريةِ فوائدَ كثيرةً، إننا ننزعها، ونعدُّها مِن الأشياءِ التي لا جدوى منها، نشربُ عصيراً صافياً، ونأكلُ خبزاً أبيضَ، ونستعملُ السكرَ النقيَّ، إنَّ هذا الغذاءَ المصفَّى، الذي هو مِن بِدَعِ العصرِ الحديثِ وراءَ كثيرٍ مِنَ الأمراضِ. كان العلماءُ يظنون أنّ هذه الأليافَ هي عنصرٌ زائدٌ على الحاجةِ، وأنَّ دوْرَها في الهضمِ يتميَّز بالسلبيّةِ، لذلك عرَّفوها بقدرِ ما وَسِعَهُم الإدراكُ، فقالوا: "إنها جزءٌ من الطعامِ الذي يَعْبُر القناةَ الهضميةَ، مِن دون أنْ يُهْضَمَ"، بل وَجدوها عبئاً على جهازِ الهضمِ، لذلك عَمَدُوا إلى تنقيةِ الطعامِ منها، فقدَّموا لنا ما يسمَّى (الأطعمةَ النقيةَ) .

стр. 221

إنّ أولَ أخطارِ هذا الغذاءِ النقيِّ هو الإمساكُ، لأنّ حجمَ هذه الأليافِ فقط يسهِّلُ عملَ الأمعاءِ، وإنَّ حركةَ الأمعاءِ حينما تَتَحرَّكُ كي تَهضِمَ الطعامَ تحتاجُ إلى كتلةٍ من الأليافِ، تثيرُ جدرانَ الأمعاءِ، فلو اختفتْ هذه الأليافُ، وبقي الطعامُ كلُّه سائلاً، وخالياً مِن هذه الأليافِ المفيدةِ، فإنَّ حالةَ الإمساكِ هي مِن أُولَى أخطارِ هذا الطعامِ النّقيِّ. شيءٌ آخرُ، قال العلماءُ: "إنَّ هذه الموادَ السيللوزيةَ - الأليافَ - تعملُ على امتصاصِ الماءِ، والاحتفاظِ به، كيّ يُصبحَ الهضمُ سهلاً ليناً، فكأنما هي مليّنات". الشيءُ الثالثُ: إنّ هذه الأليافَ السيللوزية تعملُ على امتصاصِ مادةِ الكوليسترول - الدهنيات - فإنّ وجودَ الكوليسترول في الدمِ، أو تَرَسُّبَه على جدرانِ الأوعيةِ، يسبِّبُ أخطرَ أمراضِ العصرِ، إنّه الذبحةُ الصدريةُ، وإنّ أخطرَ أمراضِ العصرِ هو تضيّقُ الشرايينِ، بل إنّ بعضَ العلماءِ يقول: "إنّ عمرَ الإنسانِ مِن عمُرِ شرايينِه"، فحينما تضيقُ لمعتُها، وحينما تترسّب الموادُ الدهنيةُ فيها، عندئذٍ يتعبُ القلبُ، وإنّ هذه الأليافَ التي نطرحُها، نشربُ كأسَ العصيرِ، ونقذفُ بهذه الأليافِ علفاً للحيواناتِ، إنّ الإنسانَ في أشدِّ الحاجةِ إليها، لأنها تمتصُّ الموادَّ الدسمةَ، وتعدِّلُ نسبةَ الدهونِ في الدمِ. شيءٌ آخرُ: هو أنّ إفرازَ بعضِ العصاراتِ، كالصفراء مثلاً، إفرازاً مستمراً، مِن دون وجودِ هذه الأليافِ يسبِّبُ بعضَ الأمراضِ الخبيثةِ في (الكولونِ) ، وإنّ وجودَ هذه الأليافِ يمتصّ الموادَّ الدهنيةَ، وبعضَ مُفرزاتِ الغُدَدِ، ويسهِّل حركةَ الأمعاءِ، حتى إنّ بعضَهم يقول: إنّ تكوُّنَ الحصَيات وارتفاعَ الكوليسترول في الدمِ، وترسّبَه في جدرانِ الشرايينِ، وسرطانَ الكولونِ، وبعضَ أمراضِ القلبِ والأوعيةِ، والإمساكَ، وبعضَ أمراضِ الدوالي، وبعضَ أمراضِ الحجابِ الحاجزِ، والتهابَ الزائدة، إنَّ سببَ معظمِ هذه الأمراضِ هو فقدانُ الأليافِ مِن أطعمتِنا.

стр. 222

لذلك، لا بدّ مِن عودةٍ إلى ما خلَقَه اللهُ ، فَكُلِ الشيءَ الذي خَلَقَه اللهُ كما خَلَقَه، دونَ إجراءِ تعديلٍ عليه، لا تتّبع الأساليبَ الحديثةَ في تناولِ الطعامِ، كُلِ الطعامَ كما أرَادهُ اللهُ أنْ يُؤكَلَ. يَعُدُّ العلماءُ هذا الكشفَ بأنه انعطافٌ رابعٌ خطيرٌ، في طريق الصحةِ والغذاءِ، اجعلْ طعامَك كما كان دونَ أنْ تنقيه، دونَ أنْ تطرحَ منه هذه الأليافَ، التي كان يُظَنُّ أنه لا جدوى منها، وأنّ جهازَ الهضمِ لا يهضِمُها، إنها ليست عبئاً عليه. مطلوبٌ منا أنْ نَفَقَهَ حِكمةَ ربنا في خَلْقِ كلِّ شيءٍ، ولا ينبغي أنْ نغيِّرَ خَلْقَ اللهِ، ولا ينبغي أنْ نعدِّلَه. مرض الإيدز إنّ عالَمَ الجراثيمِ عالَمٌ اكتُشِفَ حديثاً، بل إنّ كلمةَ الجرثومِ تعني في اللغةِ أصلَ الشيءِ، وسُمّيَ هذا الكائن الدقيقُ الدقِيقُ، الذي لا يُرى بالعينِ، ولا يُدركُ بالحواسِّ جرثوماً، لأنه أصلُ المرضِ، وفي القرآنِ الكريمِ إشارةٌ لطيفةٌ إلى هذا الموضوعِ، قال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨-٣٩] . هذا الذي لا تبصِرونَه هو الغيبُ النِّسبيُّ، أمَّا الغيبُ المطلَقُ فهو الشيءُ الذي لا يُوجدُ في حدودِ حياتِنا، بخلافِ الغيبِ النسبيِّ فإنه موجودٌ، غيرَ أنّ حواسَّنا عاجزةٌ عن مشاهدتِه، وعن إدراكِه، وعن الإحساسِ بهِ، وهناك سؤالٌ خطيرٌ، هذه الكائناتُ الدقيقةُُ هي داخلةٌ في كلِّ حياتِنا، في طعامِنا، وشرابِنا، وتنفُّسِنا، واحتكاكِ بعضِنا ببعضٍ، وفي حركاتِنا وسكناتِنا، ألا ينبغي أن يكونَ في التشريعِ الذي هو مِن عندِ اللهِ عزوجل شيءٌ يتعلَّقُ بهذه الكائناتِ؟. إنّ في دمِ كلٍّ منا ثلاثةَ أنواعٍ من الكرياتِ، النوعُ الأولُ: الكرياتُ الحُمْرُ، ولها بحثٌ طويلٌ، والنوعُ الثاني: الكرياتُ البيضُ، والنوعُ الثالثُ: الصفيحاتُ الدمويةُ.

стр. 223

فالكرياتُ البيضُ جيشٌ يتولَّى الدفاعَ عن الجسمِ أمامَ كلِّ هجمةٍ من الجراثيمِ، وتسمَّى الكرياتُ البيضُ عندَ الأطباءِ جهازَ المناعةِ، حيث إنها تَسْبَحُ في الدمِ، ولها أوضاعٌ استثنائيةٌ، وبإمكانِها أن تَجريَ عكسَ جريانِ الدمِ، وبإمكانِها أن تخرجَ من الأوعيةِ الدمويةِ إلى الأنسجةِ العضليةِ، وبإمكانِها أن تخترقَ كلَّ النُّظمِ الحازمةِ التي وُضِعَتْ في الجسمِ. ما هذه الكرياتُ البيضُ؟ إنّ لها قلاعاً تأوي إليها، وتنطلقُ منها، فما هي هذه القلاعُ؟ إنها العُقَدُ اللمفاويةُ، التي هي بمنزلة قلاعٍ يحشرُ فيها عددٌ كبيرٌ من الكرياتِ البيضِ. قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ من هذه الكرياتِ مَن يقومُ بمهمةِ الاستطلاعِ، فإذا دخلَ إلى البَدَنِ جرثومٌ غريبٌ اقتربتْ منه الكرياتُ البيضُ لتتعرَّفَ إليه، ولتتعرَّفَ بنْيَتَه التركيبيةَ، وأماكنَ ضَعفِه، ما الذي يعطِّله عن العملِ؟ وما الذي يكبِّلُه؟ وما الذي يقضي عليه؟ وتعودُ هذه الكرياتُ البيضُ، وكأنَّها كائناتٌ عاقلةٌ، في أعلى درجةٍ من الذكاءِ، تعود إلى أماكنِ انطلاقِها، إلى العقدِ اللمفاويةِ لتخبرَ عن طبيعةِ هذا الجرثومِ، وأماكنِ ضعفِهِ، وطريقةِ القضاءِ عليه، حيثُ تتولَّى المخابرُ في هذه العُقَدِ صنعَ الموادِ المضادةِ للجراثيمِ. هناك كرياتٌ بيضٌ أخرى مهمّتُها تصنيعُ السلاحِ، الكرياتُ الأولى مهمّتُها الاستطلاعُ، والثانيةُ مهمتها تصنيعُ السلاحِ؛ حيث يُصنَعُ في هذه العُقَدِ المُصُولُ التي من شأنِها أن تقضيَ على هذا الجرثومِ. تنطلق كرياتٌ أخرى ذاتُ طبيعةٍ قتاليةٍ، تحملُ هذه المضادَّاتِ، وتتّجه نحو العدوِّ الجرثوميِّ، وتحاصرُه إلى أن تقضيَ عليه، فإذا رأى الإنسانُ في بعضِ أعضائِه وزمةً بيضاءَ؛ فليعلمْ أنّ هناك معركةً طاحنةً تجري بين الكرياتِ البيضِ وهذا الجرثومِ الغريبِ.

стр. 224

وفي الإنسانِ خطوطٌ دفاعيةٌ، تشكِّلُ هذه الكرياتُ البيضُ الاستطلاعيةُ الخطَّ الأولَ، وتشكِّلُ العقدُ اللمفاويةُ الخطَّ الثانيَ، فإذا اجتاح الجرثومُ هذه العقدَ اللمفاويةَ، يُعْلَنُ الاستنفارُ العامُّ في الجسدِ، عندئذٍ ترتفعُ الحرارةُ، ويضعفُ الجسدُ عن القيامِ بأعبائِه اليوميةِ، وتظهرُ العلاماتِ التي تؤشِّرُ، أو تدلُّ على وجودِ مرضٍ جرثوميٍ عامٍّ". هذا الجهازُ بعناصرِه الثلاثةِ؛ الاستطلاعيةِ، والتصنيعيةِ، والقتاليةِ، وقيادتِه المركزيةِ، وخططِه الحكيمةِ في الدفاعِ عن الجسدِ، إنّ جهازَ المناعةِ هذا يُقْضَى عليه أحياناً، كما في مرضِ الإيدز، الذي يتحدثُ عنه العالَمُ اليومَ. كما ظهرَ مؤخَّراً وباءُ الالتهابِ الرئوِيّ القاتلُ (سارس) ، ولا تزالُ سُنّةُ اللهِ ماضيةً في خَلْقِه. والذي لفتَ نظري أنّ النبيَّ ﷺ في بعضِ الأحاديثِ الشريفةِ ذَكَرَ عن هذا المرضِ شيئاً، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمِ الَّذَِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ".

стр. 225

لقد عمَّ العالَمَ هذا المرضُ الوبائيُّ المُعْدِي، والذي سببُه فيروسٌ لم يكن معروفاً مِن قبلُ، وبحسبِ إحصائياتِ منظمةِ الصحةِ العالميةِ قبلَ عدةِ سنواتٍ هناك أربعةٌ وثلاثون مليونَ مصابٍ في العالَم، لكنّ خبراءَ الصحة يؤكِّدون أنّ العددَ الحقيقيَّ قد يكونُ ضعفَ هذا العددِ، أو أكثرَ، ومما يزيدُ الحالةَ سوءاً عجزُ العالَم بكلِّ مؤسساتِه وهيئاتِه العلميةِ، وإمكاناتِه الماليةِ عن صنعِ لقاحٍ مضادٍّ لهذا المرضِ. إنّ هذا الفيروسَ لا ينتشرُ في أكثرِ حالاتِه إلا مِن خلالِ الإباحيةِ، والفوضى الجنسيةِ، والإدمانِ على المخدراتِ، ومِن خلالِ انتشارِ السياحةِ مِن أجلِ الجنسِ، إنّه - وهذه حكمةُ الخالقِ - مرتبطٌ بالسلوكِ الشخصيِّ في الدرجةِ الأولى، وهناك مفارقةٌ حادّةٌ يختصُّ بها هذا الوباءُ، إذْ نجدُ أنّ معالجتَه مستعصيةٌ إلى درجةِ الاستحالةِ، فالموتُ الزؤامُ مصيرُ كلِّ مصابٍ به، ونجد في الوقتِ نفسِه أن الوقايةَ منه سهلةٌ إلى درجةِ أنّ كلِّ إنسانٍ لم يُصَبْ بهذا المرضِ يملكُ الوقايةَ التامةَ مِن خلالِ التزامِه بالمنهجِ الإلهي مِن حيثُ العفةُ والاستقامةُ، فكلُّ شهوةٍ أودعَها اللهُ في الإنسانِ جَعلَ لها قناةً نظيفةً تتحركُ فيها، وأوامرُ الدينِ ضمانٌ لسلامتِنا، وليست قيوداً لحريتِنا. الشيءُ المحيِّرُ أنّ هذا الفيروسَ يستطيعُ أنْ يغيِّرَ شكلَه في أيِّ وقتٍ، فلو أنفقتَ ألوفَ الملايينِ في البحثِ العلميِّ عن لقاحٍ مضادٍّ له تذهبُ هذه الأموالُ وتلك الجهودُ أدراجَ الرياحِ، ثم إنّ لهذا الفيروسِ سلالاتٍ عديدةً، فمَن نجا من سلالةٍ أَرْدَتْهُ أخرى، وكأنّ اللهَ ﷻ يريدُ من الإنسانِ المتفلتِ أن ينجوَ من هذا المرضِ بالعفةِ والاستقامةِ، لا باللقاحِ والدواءِ، قال : ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] .

стр. 226

شيءٌ آخرُ يقوله العلماء، وهو أنّه لو افتُرِضَ جدلاً - وهذا أقربُ إلى المستحيلِ - أنّ جهودَ العلماءِ في السنواتِ الخمسِ القادمةِ توصلتْ إلى لقاحٍ مضادٍّ لهذا الفيروسِ؛ فإنّ تكاليفَ معالجةِ المريضِ الواحدِ تزيدُ على عشرةِ ملايين. في دراسةٍ إحصائيةٍ دقيقةٍ أُجريَتْ في بلدٍ تفاقمَ فيه انتشارُ هذا المرضِ بسببِ الإباحيةِ والفوضى الجنسيةِ؛ وجدوا أنه في كلِّ عشرِ ثوانٍ يموتُ إنسانٌ بهذا المرضِ، وأُذيعتْ هذه الدراسةُ في بعضِ الإذاعاتِ العالميةِ، ذلك بأنّ هذا المرضَ ينتشرُ بمتواليةٍ هندسيةٍ، ويبدو أنّ المتواليةَ الهندسيةَ لا تعبِّرُ عن حجمِ انتشارِه، فينبغي أن نقول: إنّ هذا المرضَ ينتشرُ بمتواليةٍ انفجاريةٍ مخيفةٍ، وهناك دراساتٌ إحصائيةٌ أخرى توقَّعَتْ أنْ يكونَ عددُ المصابينَ في العالَمِ في عام ألفين مئةً وعشرين مليونَ مصابٍ، نُشِرَ هذا في صحيفةٍ تصدرُ في دمشقَ، وهناك من يعتقدُ أنّ هناك مصاباً بهذا المرض وحاملاً له، لكنه وُجِد أنّ الحاملَ لفيروسِ هذا المرضِ مصابٌ به حتماً، لكنه لا يزالُ في دور الحضانةِ، وأمّا أعراضُه المرعبةُ ففي طريقِها إلى الظهورِ، وقد تستغرقُ سنواتٍ، فلا معنى للتفريقِ بينَ المصابِ والحاملِ، لأنّ الفرقَ بينهما فرقُ وقتٍ، وليس فرقَ نوعٍ.

стр. 227

إنّ مِن المفارقاتِ الحادّةِ أنّ الدولَ المتقدمةَ - بمقياسِ العصرِ المادي - بكلِّ إمكانياتِها الماديةِ والعلميةِ تقفُ عاجزةً مكتوفَةَ الأيدي أمامَ أضعفِ فيروسٍ حتى الآن، يفتِكُ بالملايين الذين انحرفوا بأخلاقِهم عن المنهجِ القويمِ، وكأنّ هذا الفيروسَ جندٌ من جنودِ اللهِ، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ، جعله اللهُ عقاباً عاجلاً لمَن خرجَ عن الفطرةِ السليمةِ، فضلَّ، وأضلَّ، وفسدَ، وأفسدَ، إذْ لا سبيلَ إلى الخلاصِ منه إلا بالعودةِ إلى المنهجِ القويمِ، والصراطِ المستقيمِ، ومما يؤكِّدُ ذلك، وهذا ما حيَّر العلماءَ أنّ البعوضةَ تغرزُ خرطومَها في جسمٍ مصابٍ بهذا المرضِ، وتأخذُ مِن دمِه الملوَّثِ، ثم تنتقلُ إلى إنسانٍ سليمٍ مِن هذا الفيروس، وتغرزُ خرطومَها في دمه النظيفِ، ويختلطُ دمُ السليمِ بدمِ المصابِ، ولا ينتقلُ المرضُ، أليستْ هذه آيةً صارخةً تدلُّ على أنّ اللهَ جعلَ هذا المرضَ الفتَّاكَ عقاباً على السلوكِ الإباحيِّ ليس غير، ولم يجعل الإصابةَ به عشوائيةً؟ لو أن بلدةً تشربُ ماءً ملوثاً، فظهرَ في أبنائِها الأمراضُ والأوبئةُ، فهل مِن العقلِ والحكمةِ أن ندعَ الماءَ الملوثَ يفتكُ بأبناءِ هذه البلدةِ، ثم نبحثُ عن المصلِ المضادِّ، واللقاحِ الشافِي، وأنْ نستقدمَ الأطباءَ، ونشيدَ المشافيَ، ونستوردَ الأجهزةَ، أم العقلُ والحكمةُ يقتضيان أنْ نوقفَ الماءَ الملوثَ، أو أن نطهِّرَه مِن التلوثِ، وعندها نطوِّقُ المشكلةَ، ونحدُّ مِن انتشارِها، ثم نلتفتُ إلى معالجةِ المصابين؟. مِن المؤسفِ أنّ هذا ما لا يجري في العالَم كلِّه، إنهم لا يقفون في وجهِ أسبابِ المرضِ، بل يحاولون أن يمنعوا أعراضَه ونتائجِه، إنّ دِرهمَ وقايةٍ خيرٌ مِن قنطارِ علاجٍ، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلاهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] .

стр. 228

إنّ الشابَّ الذي يبحثُ عن عملٍ، ثم يبحثُ عن زوجةٍ، هو في الظاهرِ يبحثُ عن كفايتهِ، ويقضي حاجتَه، وهو في الحقيقةِ يسهمُ في بناءِ أمّتهِ، لأن الأسرةَ النظيفةَ المتماسكةَ هي الخليةُ الأولى في جسمِ المجتمعِ السويِّ المتقدِّمِ، وإنّ الشابَّ الذي يهملُ عملَه، ويقضي وَطَرَه من طرقٍ غيرِ مشروعةٍ، ومع فتياتٍ ساقطاتٍ يسهمُ مِن حيثُ يريدُ، أو لا يريد، من حيث يعلمُ، أو لا يعلمُ في تدميرِ نفسِه، وأسرتِه، ومجتمعِه، وهل الأمةُ إلا بشبابِها الأصحاءِ الأقوياءِ المستقيمين، وشاباتِها؟!. وقد أحْسنَ مَن قال: يَا بنات الجيلِ هيَّا حصِّنوا هذا البناء احفظوا جيلَ الشباب أرشدوهم للصواب فهم النبع الغزير ولكم عذب الشراب حصِّنوا كلّ الشباب لينيروا كالبدور يسِّروا أمر الزواج لا تغالوا بالمهور واحذروا داء التباهي بالأثاث والقصور إنما نبع السعادة كامن ضمن الصدور احذروا الفيروس فهو الآن ... جمر يختفي تحت الرماد إن تجاهلنا الحقيقة فاجأتنا ... النار يوماً واكتوى كل العباد بدِّدوا الجهل بعلم ... أيقظوا أهل الرقاد توِّجُوا العلم بطهر ... صادق فهو العماد ها هو الفيروس يغتال ... الضحايا قاصداً كل البلاد وهو أعمى عن شباب ... طاهر يأبى الفساد إنما العفة ماء ... بارد عذب زلال يطفىء الجمر ويروي ... كل من طلب الحلال يقولُ العلماءُ: "إنّ السببَ الأولَ لهذا المرضِ هو شيوعُ الفاحشةِ، بل شيوعُ الفاحشةِ المنكرةِ، المثلية بين أفرادِ المجتمعِ"، لذلك يقول ﵊: "لَمْ تَظْهَرُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ... . "، أي إلى أنْ يظهروها، وإلى أن يعلنوا عنها في الصحفِ والمجلاتِ، وفي أجهزةِ الإعلامِ، ففي الغربِ، وفي البلادِ التي انحلَّتْ فيها القيمُ يُعلنُ عن الرذيلةِ في أجهزةِ الإعلامِ، ويُعلَنُ عن أماكنِ البغاءِ، وأماكنِ الانحرافِ، في كلِّ مكانٍ، "حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمِ ... ".

стр. 229

إنّ هذا الجهازَ العجيبَ في جسم الإنسان جهازَ المناعةِ ينْحلُّ في مرضِ الإيْدزِ، ويقضي عليه فيروسٌ لم يُكْشَفْ عن خصائِصه، ولم تُحَدَّدْ حقيقتُه، ففي صيفِ عام ١٩٨١ اكْتُشِفَت في أمريكا خمسُ إصاباتٍ، ثمَّ ارتفعتْ إلى خمسٍ وثلاثين، وصارت تظهرُ في كلِّ أسبوعٍ مئةُ حالةٍ، إلى أنْ كان مجموعُ الإصاباتِ في عام ١٩٨٤ اثني عشرَ ألفَ إصابةٍ، مات منهم النّصفُ، ويقدِّرُ الأطبّاءُ أنَّ في أمريكا مليونَ إصابةٍ، وأنّ هذا المرضَ انتقلَ إلى أوربة بدءاً بفرنسا، وظلَّ ينتقلُ حيثُ الانحرافاتُ الأخلاقيّةُ، بكلِّ أنواعِها، وفي حالِ الإدمانِ على المخدّراتِ، وفي حالاتِ نقلِ الدّمِ، والشيءُ الغريبُ أنَّ حالةً واحدةً حتى الآنَ لم يُمْكن شفاؤُها، بل إنّ كلَّ جهودِ العلماءِ منْصبَّةٌ لإيقافِ هذا المرضِ عند حدِّه، وإذا أُصيبَ الإنسانُ بهذا المرضِ فإنَّ معدَّلَ حياتهِ بعد الإصابةِ تتراوَحُ من ثمانيةَ عشر إلى مئةٍ وخمسةٍ وعشرين أسبوعاً، أي من أربعةِ أشهرٍ إلى سنتين ونصفٍ، وبعضُ الحالات يموت أصحابُها بعد الإصابة. ومِن أَعراضِ هذا المرض أنْ يقِلّ وزنُ المريضَ، وترتفعُ حرارتُه، مع إسهالٍ مدمِنٍ، وعرقٍ غزيرٍ، وضعفٍ عامٍّ، وعدمِ قدرةٍ على التركيزِ، وفقْرِ الدمِ، ونقْصٍ في الخلايا، إلى أن يذوبَ، وينقضي، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] . إنّ الغربَ الذي ضَرَبَ بالدِّين عُرْضَ الحائطِ، وقال: هذا سلوكٌ غيبيٌّ، وسلوكُ الشعوبِ البدائيّةِ، والعقلُ هو كلُّ شيءٍ، والحياةُ هي كلُّ شيءٍ، والحياةُ هي كلُّ شيءٍ، واللَّذَّةُ هي كلُّ شيءٍ، فَفَعلوا ما يَرُوقُ لهم، أصابَهم ما أصابَهم، لذلك فالاستقامةُ صحَّةٌ، بها يضمنُ الإنسانُ حياةً هنيئةً مطمئنةً، فإذا خَالَفَ، وطَغَى فالمؤيِّدُ القانونيُّ ينتظرهُ، وهذا عِقابٌ عاجلٌ في الدنيا قبلَ عقابِ الآخرةِ.

стр. 230

والشيءُ الغريبُ أنَّ العلماءَ ركَّزوا على كلمةِ "الانحرافِ الأخلاقيِّ"، يعنونَ الشذوذَ الأخلاقيَّ بِكُلِّ أنواعِه، وإدمانَ المخدّراتِ، وشرْبَ الخمورِ، وقد ينتقلُ هذا المرضُ عن طريقِ شراءِ الدَّمِ، ونقلِه من بلدٍ إلى بلدٍ. إنّ الإيدزَ هذا المرضَ الخطيرَ الذي أقلقَ العالَمَ، والذي جَعَلَ الرعبَ يملكُ القلوبَ صار الإنسانُ به يخشى كلَّ شيءٍ، خوفاً من هذا المرضِ، حينما تجاوزوا حدودَ اللهِ ، ولم يعبؤوا بشرعِه، ولم يعبؤوا بنظافةِ العلاقةِ الاجتماعيةِ، عندئذٍ جاءَ هذا المرضُ ليقلقَهم، وليجعلَ حياتَهم جحيماً، "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةَ فِي قَوْمٍ قطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ... ". آكلة لحوم البشر في شهرِ أيارٍ من عامِ ١٩٩٤ ظهرَ مرضٌ خطيرٌ في بريطانيا، هذا المرضُ تسبِّبُه جراثيمُ مجهريةٌ وحيدةُ الخليةِ، اسمُها آكلةُ لحومِ البشرِ، وهي لعنةُ اللهِ على المنحرفين بعدَ مرضِ الإيدزِ، الذي تئِنُّ منه البشريةُ الآن، بسببِ انحرافِها، في هذا الشهرِ من هذا العامِ بالذاتِ توفِّيَ ستةُ أشخاصٍ في بريطانيا بهذا المرضِ، وبعد أيامٍ توفيَت امرأةٌ في السادسة والأربعين بهذا المرضِ.

стр. 231

ما هذا المرضُ؟ جراثيم تأكلُ لحمَ المريضِ، بمعدلِ بوصةٍ في الساعةِ، تأكلُ اللحمَ، والعضلاتِ، والجلدَ، تأكلُها جميعاً، وتبقي أثراً بجسمِ المريضِ يشبهُ أثرَ الحرقِ من الدرجةِ الخامسةِ، ثم يموتُ المصابُ على الفورِ، أمّا مدةُ الوفاةِ، أي الوقتُ بين الإصابةِ والوفاةِ فبحسبِ بدءِ مكانِ التآكلِ، فإذا كان في أماكنَ عصبيةٍ، فلا تمتدُّ حياةُ المريضِ إلا ساعةً أو ساعتين، وإذا كان مرضُ الإيدز يعطي مهلةً للمريضِ؛ سنةً أو سنتين، فهذا المرضُ يعطيه ساعةً أو ساعتين فقط، أمّا إذا كان البدءُ في الأطرافِ فقدْ يمتدُّ به الأمرُ إلى يومين فقط، يعني من ساعةٍ إلى ساعتين، ومن يومٍ إلى يومين، ويقضي هذا المريضُ نَحْبَه، والأسباب هي أسبابُ مرضِ الإيدزِ بالذاتِ، خمورٌ، ومخدِّرات، وفواحشُ، وانحرافاتٌ، هذا المرضُ ظهرَ في بريطانيا، وأمريكا، وكندا، وفي اليابانِ، وهذه الجراثيم التي سُمِّيَتْ آكلةَ لحومِ البشرِ هوائيةٌ ولا هوائية، ومعنى أنها هوائية ولا هوائية أي أنّها قادرةٌ على أنّ تنتقلَ، وأن تُحدِثَ العدوى في كلِّ الظروفِ، وفي كلِّ البيئاتِ، ثمّ إنّ آليةَ عملِها لا تزالُ غامضةً إلى اليومِ.

стр. 232

وأما قولُ النبيِّ ﵊ في الحديثِ الصحيحِ: "لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أسْلاَفِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا"، فهذه الأوبئةُ الفتّاكةُ القاتلةُ التي ليست في أسلافِهم، ولحكمةٍ أرَادَها اللهُ أنّ الجزاءَ مِن جنسِ العملِ، وأنّ هذه الأمراضَ الوبيلةَ التي هي رَدٌّ على انحرافِ البشرِ، لعلّها تردعُ الآخرين، وهذا من رحمةِ اللهِ بالإنسانِ، وكان مِن الممكنِ أنْ يحاسبَ الإنسانَ على عملِه في الآخرةِ فقط، ولكنّ العقابَ الأليمَ الذي ينزلُ بساحةِ المذنبين في الدنيا هو ردعٌ لبقيةِ المذنبين، والمكافأةُ التي ينالُها المحسنُ في الدنيا هي تشجيعٌ لبقيةِ المحسنين، وهذا من رحمةِ اللهِ بنا، فكان من الممكنِ أن يُلغَى المرضُ في الحياةِ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وكان مِن الممكنِ أن يؤخَّرَ الحسابُ كلياً إلى يومِ القيامةِ، لكنّ حكمةَ اللهِ شاءت أن يعجِّلَ اللهُ لبعضِ الانحرافاتِ العذابَ في الدنيا، ليكون هذا العذابُ ردعاً لبقيةِ المسيئين، وأن يعجِّلَ بعضَ المكافأةِ لبعضِ عبادِه المحسنين في الدنيا، لتكونَ هذه المكافأةُ تشجيعاً لبقيةِ المحسنين. ما مِن مشكلةٍ يعاني منها البشرُ، أفراداً وجماعاتٍ إلا بسببِ الخروجِ عن منهجِ الله، وما من خروجٍ عن منهجِ اللهِ إلا بسببِ جهلٍ تَلَبَّسَ به الإنسانُ. قرحة السرير من المعروف عند الأطبّاءِ أنّ مِن الأمراضِ الخطيرةِ التي يعاني منها المرضَى في المستشفياتِ (قرحةَ السريرِ) ، فالمرضى الذين تضطرُّهم أمراضُهم إلى البقاءِ طويلاً على السريرِ؛ ككسرِ الحوضِ مثلاً، وكسرِ العمودِ الفِقريِّ، والشللِ، وحالاتِ السُّباتِ الطويلةِ، هذه الحالاتُ المَرَضِيةُ تستوجبُ أن يبقى المريضُ مستلقياً على ظهرِه أياماً وشهوراً.

стр. 233

إنّ مِن مضاعفاتِ هذا الاستلقاءِ مرضاً خطيراً اسمُه (قرحةُ السريرِ) ، لأن اللحمَ، والجلدَ والنسيجَ ينضغطُ تحتَ الجلدِ من العظمِ في الداخلِ، والسطحِ الصلبيِّ من الخارجِ، هذا الضغطُ يمنعُ الترويةَ عن هذه الأنسجةِ فتموتُ، وينشأُ حولهَا تقرُّحاتٌ مزعجةٌ جداً. لذلك ينصحُ الأطباءُ كلَّ مَن يستلقي على سريرِه لفترةٍ طويلةٍ أنْ يتقلَّبَ كلَّ ساعتين، فإذا بقيَ على جنبٍ واحدٍ، وبحالةٍ واحدةٍ ما يزيدُ على اثنتي عشرة ساعةً تبدأُ تقرُّحاتُ الجلدِ، ويبدأُ موتُ النسيجِ تحتَ الجلدِ، ولا وقايةَ لهذا المرضِ سوى تقليبِ المريضِ على كلِّ أنحائِه. والذي يبعث على الاستغرابِ أنّ اللهَ جعلَ أهلَ الكهفِ يلبثون في كهفهِم ثلاثمئةٍ سنينَ وازدادوا تسعاً، دون أنْ يُصابوا بهذه التقرحاتِ! قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ [الكهف: ١٨] . لولا هذا التقليبُ لتقرَّحتْ جلودُهم، ولماتتْ أنسجتُهم، ولماتوا، لكنْ هذه إشارةٌ قرآنيةٌ إلى أن الجسدَ لا يمكنُ أن يبقَى على حالةٍ واحدةٍ، ويقولُ العلماءُ والأطباءُ: "إنّ أكثرَ الأجزاءِ من الجسدِ إصابةً بهذا المرضِ الخطيرِ (قرحةِ السريرِ) المنطقةُ العجزيةُ، والأليتان، ولوحَا الكتفينِ، وكعبَا القدمين، هذه أماكنُ فيها عظامٌ، لأنّ العظامَ تضغطُ على المكانِ الصلبِ في السريرِ، فيُهرَس اللحمُ، وتنقطعُ الترويةُ، فيموتُ النسيجُ، ويَسْوَدُّ، ويتقرَّحُ الجلدُ". ولا شكَّ أن الذين يبقون في أَسرَّتهم أياماً طويلةً قبلَ موتِهم، يُلاحَظُ عليهم أنّ لحمَهم يتساقطُ، لذلك: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ .

стр. 234

هذا كلامُ ربِّ العالمين، كيف بقِيَ هذا الإنسانُ ثلاثمئةٍ سنينَ وتسعاً، ولم يُصَبْ جلدُه، أو نسيجُه بتقرحاتٍ أو مواتٍ؟ من هذا التقليبِ، فهذه إشارةٌ، وحكمةٌ بالغةٌ، وقد راقبَ العلماءُ نائماً، فإذا به يغيِّرُ وضْعَه في الليلةِ الواحدةِ أكثرَ من ستٍّ وثلاثين مرةً، دونَ أنْ يشعرَ، لئلا تُهرسَ أنسجتُه تحت ضغطِ العظمِ، وضغطِ السريرِ، هذا في الحالاتِ العاديةِ، لكن في الحالاتِ المرَضيةِ، كأن يكون في الظَّهرِ كلِّه جبسٌ، وكذا الحوضُ، ولا يستطيعُ المريضُ تغييرَ وضْعِه، فلا بدَّ مِن تقليبِه لئلا يصابَ بهذا المرضِ. التدخين أخطر وباء عالميّ ثَمَّةَ كتابٌ نُشِرَ حديثاً عنوانُه: "التدخينُ أاخطرُ وباءٍ عالميٍّ". قد يقولُ قائلٌ: لعلَّ في هذا العنوانِ مبالغةً، ولكنْ إذا رأيتم ما فيه مِن الحقائقِ لم تروا حينئذٍ في العنوانِ مبالغةً أبداً، فهناكَ مجلّةٌ تصدرُ في سويسرا تقولُ بعدَ إحصاءٍ دقيقٍ عام ١٩٧٨: "إن شركاتِ التَبْغِ تُنْتِجُ بمعدَّلِ دخينتين - أي سيجارتين - يومياً لكلِّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ، وعددُ سكانِ الأرضِ ستّةُ آلافِ مليونٍ، وتنتِجُ شركاتُ التبغِ في اليومِ اثني عشر ألفَ مليونِ دخينةٍ، إنّ هذه الكميةَ التي تنتجُها شركاتُ الدخانِ فيها موادُّ سامّةٌ، لو أُخِذَتْ دفعةًُ واحدةً في الدمِ مباشرةً لاستطاعتْ أنْ تبيدَ الجنسَ البشريَّ، بل إنّ أثرَها أشدُّ مِن أثرِ أَكبرِ قنبلةٍ ذريةٍ". ويقولُ هذا التقريرُ في هذه المجلةِ: "لو أُخذتِ الكميّةُ من الموادِّ السامَّةِ التي في هذه الدخائنِ دفعةً واحدةً بعدَ استخلاصِها، وأدخِلتْ في الوريد مباشرةً لكانتْ كفيلةً بأنْ تقتلَ إنساناً في أوجِ صحَّتِه".

стр. 235

وقد نَشَرَتْ منظمةُ الصحةِ العالميةِ تقريراً مطوّلاً في عام (١٩٧٥) ، تقول فيه: "إنّ عددَ الذينَ يَلْقُونَ حَتْفَهم، أو يعيشون حياةً تعيسةً مِن جرَّاءِ التدخينِ يفوقُ عددَ الذين يلاقون حَتْفَهم نتيجةَ الطاعونِ، والكوليرا، والجدرِي، والسلِّ، والجذامِ، والتيفوئيد، والتيفوس، مجتمعين، والوفيَاتُ الناجمةُ عن التدخينِ هي أكثرُ بكثيرٍ مِن جميعِ الوفياتِ للأمراضِ الوبائيةِ مجتمعةً"، هذه فقرةٌ من تقريرٍ نشرَتْهُ منظمةُ الصحةِ العالميةُ. شيءٌ آخرُ، إنّ مجموعَ الدَّخْلِ الذي تحقِّقُه الدولُ الكُبرى مِن جرَّاءِ الضرائبِ الباهظةِ على إنتاجِ التدخينِ هو أقلُّ بكثيرٍ مِن الأموالِ التي تنفقُ لمعالجةِ الأمراضِ الناتجةِ عن التدخينِ، ومهما بَلَغَ حجمُ الضرائبِ التي تُجْبِيها الدولُ الكُبرى مِن المُدَخِّنين فإنها أقلُّ بكثيرٍ من التي تنفِقُها على الأمراضِ التي نَجَمَتْ عن التدخينِ. كما نَشَرَتْ مجلةٌ طبيةٌ بريطانيةٌ في عام (١٩٧٨) الحقائقَ التاليةَ: "إنّ بين كلِّ ثلاثةِ مدخِّنين يلقَى أحدُهم حَتْفَه بسببِ التدخينِ". وتواجِهُ الدولُ العظمى الأوبئةَ بقلقٍ شديدٍ، فلو انتشرتِ الكوليرا في بلدٍ لخفَّ المسؤولون عن الصحةِ لمواجهةِ هذا المرضِ واستنفروا، ولكن لماذا لا يواجهون أخطارَ التدخينِ بهذا القلقِ الشديدِ؟. الجوابُ: إنّ الآثارَ المدمِّرةَ للتدخينِ لا تظهرُ بشكلٍ واضحٍ، إلا بعدَ ربعِ قرنٍ، وهنا الخطر، فإن الآثارَ المدمرةَ تظهرُ بعد خمسة وعشرين عاماً، يدخِّنُ الشابُّ، ولا يدري ماذا يفعلُ، لكنْ بعدَ مُضيِّ عشرين عاماً أو أكثرَ تبدأُ الآثارُ الضخمةُ للتدخينِ، إضافةً إلى أنّ الإنسانَ جُبِلَ على رؤيةِ الأخطارِ المباشرةِ، والاستهانةِ بالأخطارِ المستقبلةِ. إنّ من بعضِ فقراتِ التقريرِ أن الدخينةَ الواحدةَ بحسب عمرِ الشرايينِ وتصلُّبِها تنقِصُ من عمرِ الإنسانِ بقدرِ الوقتِ الذي تستهلِكُه في تدخينِهِ، فلو دخَّنَ الإنسانُ في اليومِ عشرين دخينةٍ لقصُر عمُرُه - لا بحسبِ اعتقادِنا نحنُ المسلمينَ، بل بحسبِ مرونةِ الشرايينِ، وتصلُّبِها - لَنَقَصَ عمرُه خمسَ سنواتٍ.

стр. 236

إنّ الأطفالَ الرُّضَّعَ الذي يعيشون في غرفٍ ممتلئةٍ بدخانِ السجائرِ هم أكثرُ تعرّضاً لالتَهابِ القصباتِ، والنزلاتِ الشعبيةِ، مقارنةً بأمثالِهم الذين يعيشون في غرفٍ نظيفةٍ، فالآباءُ الذين يدخِّنون يسهمون في إيذاءِ أولادِهم الصغارِ، وهذه حقيقةٌ طبيةٌ ثابتةٌ. لقد كانت الحكوماتُ تُلْزم معاملَ شركاتِ التدخينِ أنْ يكتبوا على العُلبةِ: "إنَّ الدخانَ يضرُّ بصحَّتك"، ولكنَّ منظمةَ الصحةِ العالميةَ ألزمتْ كلَّ الشركاتِ على أنْ تكتبَ على العلبةِ ما يلي: "الدخانُ يسبِّبُ سرطاناً في الرئةِ، والتهابَ قصباتٍ مزمناً، وجلطاتٍ في القلبِ". قال العلماءُ: "تحوي أوراقُ التَّبْغِ أشباهَ قلويّاتِ سامَّةٍ، في طليعتِها، النيكوتين، وإنّ واحداً من عشرةَ غراماتٍ من النيكوتين يكفي لِقَتلِ كلبٍ متوسّط الحجْمِ قتلاً فوريّاً، وفي مدّةٍ قليلةٍ، وقطرةٌ واحدةٌ منه في عينِ فأرٍ تقتلهُ حالاً، وثماني قطراتٍ محقونةٍ تحتَ الجلدِ تقتلُ حصاناً في أربع دقائقَ"، هذه الحقائقُ بديهيةٌ، وليستْ غريبةً، إنها أبحاثٌ قديمةٌ جدّاً، وإنّ الكتابَ الذي أخذتُ منه هذه المعلوماتِ مطبوعٌ قبل عشرِ سنواتٍ. هناك سمٌّ آخرُ في الدخانِ يحتوي على مِئتَي ضعفٍ ممّا تسمحُ به منظَّماتُ الصحّةِ، والهيئاتُ الصحيّةُ في الصناعةِ الغذائية. وهناك سمٌّ يُضعفُ عملَ كرياتِ الدم الحمراءِ، وهو أول أوكسيد الفحم، هذا السمُّ يتَّحِدُّ مع كرياتِ الدمِ الحمراءِ، وهذا الذي يُتعِبُ المدخِّنَ. وفي الدخانِ غازانِ سامَّان، وهما غازانِ مُسَرْطِنانِ، وفيهما أيضاً فحومٌ مسرطنةٌ، هذا البحثُ العلميُّ من أوثقِ المصادرِ الرصينةِ. وثمّةَ إحصاءٌ رسميٌّ في أمريكة، هناك ألفُ وفاةٍ كلَّ يومٍ بسببِ الدخانِ، وهذا العددُ يزيدُ سبعةَ أضعافٍ على عددِ الذين يموتون في حوادثِ السيرِ، مع أنّ أعلى نسبةٍ يموتُ فيها الناسُ هي في حوادثِ السيرِ، لذلك قالت منظمةُ الصحةِ العالميةُ: "إن التدخين يُعد سبباً حتمياً لأمراض مميتة". وسنستعرضُ أجهزةَ الجسمِ، وعلاقتَها بالدخانِ، واحداً واحداً مِن مقالةٍ قيِّمةٍ للدكتور نزار الدقر نُشِرَتْ في مجلة نهج الإسلام:

стр. 237

الدماغُ والأعصابُ: الدماغُ البشريُّ هو أنبلُ عضوٍ في الإنسانِ، فيه مئة وأربعون مليار خليةٍ استناديةٍ، لم تُعرفْ وظيفتُها بعدُ، وفيه أربعةَ عشرَ مليارَ خليةٍ قشريةٍ، هي مساحةُ النشاطِ الفكريِّ في الإنسانِ، هذا العضوُ النبيلُ الذي عجزَ عن فهمِ نفسِه، والذي هو أعقدُ ما في الإنسانِ، بل أعْقَدُ آلةٍ في الكونِ، وقد كُرّمَ الإنسانُ به. ماذا يفعلُ التدخينُ به؟ إنّ سمومَ التدخينِ المنحلةَ في الدمِ إذا وصلتْ إلى الدماغِ يتلقَّفُها الدماغُ بسهولةٍ فائقةٍ، وبنَهَمٍ كبيرٍ، هذا الدماغُ حينما يأتيه هذا السمُّ يشعرُ الإنسانُ بشيءٍ من الخدرِ، وشيءٍ من الفتورِ، هذا النيكوتين المنحلُّ في الدمِ، والذي يصلُ إلى الدماغِ يعطي الإنسانَ شعوراً بالخدرِ تارةً، وشعوراً بالنشاطِ تارةً أخرى، فالدخانُ مهدِّئٌ، ومنشِّطٌ في آنٍ واحدٍ، وهذا هو سرُّ الإدمانِ. هذا السمُّ في الدماغِ يضعِفُ تغذيةَ الأعصابِ، فتصابُ الأعصابُ بالالتهابِ، ومِن آثارِ هذا السمِّ في الأعصابِ رجفانٌ في الأضلاعِ، فالمدخِّنُ ترجفُ يداه ورجلاه، هذا الرجفانُ بسببِ أنّ أعصابَ الدماغِ التهبتْ، والتهابُها بسببِ ضَعفِ ترويتِها، كما يَصابُ بصداعٍ في الرأسِ، وآلامٍ عصبيةٍ في الأطرافِ، والدخانُ يُضعِفُ الذاكرةَ، فيصبحُ المدخِّنُ كثيرَ النسيانِ، ومِن أعراضِ التدخينِ العصبيةِ فتورُ النشاطِ، العقليِّ، فغيرُ المدخِّنِ أَذْكَى مِن المدخِّنِ، وأسرعُ استجابةً منه، كما أنّ حاسةَ الذوقِ تضعفُ عند المدخِّنين كثيراً. شملتْ دراسةٌ علميةٌ ستةَ آلافِ وثمانمئةِ حالةٍ، مِن أهمِّ نتائجِها أنّ هناك علاقةً واضحةً جداً بين الدخانِ وضعفِ الذكاءِ. جهازُ التنفّسِ: قال العلماءُ: "أضرارُ التدخينِ تشْملُ جهازَ التنفّسِ، وهو أشدُّ الأجهزةِ تأثراً بالتدخينِ لأنّ جهازَ التنفسِ كعنقودِ العنبِ، كلُّ حبةٍ هي حويصلٌ رئويٌّ، والحويصلُ فراغٌ، تتمُّ في هذا الفراغِ مبادلةُ غازِ الفحمِ بالأكسجينِ، هذه المبادلةُ حيويةٌ، وأساسيةٌ جداً، فماذا يفعل التدخين في هذه الحويصلات؟ إنّه يخرِّبُ الأنسجةَ المبطَّنةَ للأسناخِ الرئويةِ.

стр. 238

وهو يُضْعِفُ الوظائفَ التنفّسيّةَ، ويؤدّي إلى التهابِ الأنفِ، والبلعومِ المُزْمِنَين، وإلى التهابِ الحنجرةِ، والقصباتِ الرئويّةِ، ونسبةُ السرطانِ عند المدخّنين هي ثمانيةُ أمثالِ غيرِ المدخّنين، والتدخينُ يعسّرُ وسائلَ الدّفاعِ عن الطرقِ التنفسيّةِ، فالرغامى، هذه القصبةُ الهوائيةُ زوّدها اللهُ بأفعالٍ وديّةٍ، تتحرّكُ نحو الأعلى دائماً حركةً مستمرةً، فكلّ شيءٍ دخلَ إلى الحَنجرةِ يجب أن يبقى فيها، بل تدفعهُ نحو الأعلى، وتتجمّع في أسفلِ الحنجرةِ، والشيءُ الغريبُ أنّ في الدخانِ سُمَّ النيكوتين الذي يشلُّ عملَ الأهدابِ، لذلك تجتمعُ هذه القطوعُ، والإنتاناتُ، والمخلَّفاتُ في القصبةِ الهوائيةِ، وتتَّخذُها موطناً، لأنّ جهازَ الطردِ نحو الأعلى مُعطَّل، فتصبحُ الرئةُ والرغامى عُرضةً للإصابةِ بالأمراضِ الإنتانيةِ". إنّ المدخِّنَ معرَّضٌ أكثرَ مِن غيرِه للإصابةِ بمرضِ ذاتِ القصباتِ وذاتِ الرئةِ، ومرضِ انتفاخ الرئةِ، وهناك علاقةٌ كبيرةٌ جداً بين التدخينِ والإصابةِ بسرطانِ الرئةِ. تؤكِّدُ الإحصائيةُ العلميةُ الدقيقةُ أنه مِن خلالِ ألفِ مدخِّنٍ يصابُ ستون مدخناً بسرطانِ الرئةِ، ومِن بينِ ألفِ إنسانِ غيرِ مدخِّنٍ يصاب شخصان فقط بسرطانِ الرئةِ. قال بعضُ العلماءِ: "سمومُ الدخانِ تسبِّبُ طفراتٍ في الخلية، والطفرةُ في الخليةِ تسبِّبُ التخرشَ، وهو أحدُ أسبابِ سرطانِ الأنسجة. القلبُ والأوعيةُ: إنّ معظمَ الإصاباتِ القلبيةِ، والوعائيةِ القاتلةِ يعود إلى التدخين، وقد أكَّد أطباء جراحة القلب أنّ أكثرَ المداخلاتِ الجراحيةِ التي يُجرونَها على القلبِ بسببِ آفاتٍ تعودُ في الدرجةِ الأولى إلى التدخينِ. طبيبٌ آخرُ يعالجُ الأنفَ، والأذنَ، والحنجرةَ، حينما يأتيه إنسانٌ مصابٌ بسرطانِ الحنجرةِ، يضعُ يده فجأةً على صدرِه، فإذا فيها علبةُ دخانٍ، يقولُ: هذا السرطانُ مِن هذه العلبةِ. السببُ الأولُ لهذه الأمراضِ الوبيلةِ أنّ أولَ أوكسيد الكاربون يتَّحد مع خضابِ الدمِ، فيمنعُ أخطرَ وظيفةٍ حيويةٍ، وهي تبادلُ الأكسجينِ بغازِ الفحمِ.

стр. 239

حقيقة خطيرة جداً، وهي أنّ ربنا ﷻ تكريماً لهذا الإنسانِ، وتحقيقاً لسلامتِه، وصوناً له مِن العطبِ - جهَّزه بآلياتٍ بالغةِ التعقيدِ لِحفظِه مِنَ الأخطارِ. فلو أنّ أَحَدَنا شاهدَ شيئاً مخيفاً - أفعى مثلاً - ماذا يحدث؟ تنطبعُ صورةُ الأفعى على شبكيةِ العينِ، وتحسُّ بها، وشبكيةُ العينِ تنقلُها إلى الدماغِ عبْرَ العصبِ البصريِّ، ليدركَ معنى هذه الصورةِ، بحسبِ المفاهيمِ المكتسبةِ، والدماغُ مَلِكُ الجهازِ العصبيِّ، يخاطبُ ملكةَ الجهازِ الهرموني (الغدةَ النخاميةَ) عن طريقِ ضابطِ اتصالٍ، هو الجسمُ تحتَ المهادِ، هذه الغدةُ النخاميةُ تتلقى أمراً مِنَ الدماغ بالتصرفِ مِن أجلِ السلامةِ، هي ملكةٌ، وعندها عناصرُ هرمونيةٌ فعّالةٌ، ترسلُ هذه الغدةُ النخاميةُ أمراً إلى الكظرِ بإفرازِ خمسةِ هرموناتٍ، الأولُ: يسرِّعُ القلبَ، والثاني: يزيدُ وجيبَ الرئتين، والثالثُ: يضيِّقُ الأوعيةَ، المحيطيةَ مِن أجلِ أن يذهبَ الدمُ إلى العضلاتِ، لا إلى الجلدِ، والرابعُ: يزيدُ سكرَ الدمِ، والخامسُ: يزيدُ هرمونَ التجلُّطِ، كلُّ هذا بفعلِ هرمونِ الأدرينالين الذي يفرزُه لبُّ الكَظرِ، كلُّ ما تقدَّم يحدثُ بسببِ تنبيهِ القسم الوُدِّي من الجهازِ العصبي الذاتي كما تقدّم. إنّ الخائفَ يزدادُ نبضُ قلبِه، ويزدادُ وجيبُ رئتيه فيلهثُ، وتضيقُ لمعةُ أوعيتِه المحيطيةِ، فيصفرُّ لونُه، ولو فحصْتَ دمَه لوجدتَ نسبةَ السكرِ عاليةً، وكذلك نسبةُ عاملِ التجلُّطِ الذي يفرزه الكبدُ، سمُّ النيكوتين يفعلُ فعْلَ الأدرينالين نفسِه، فعند المدخِّن دائماً تسرعٌ في نبضِ قلبِه، وازديادٌ في وجيبِ رئتَيْه، وضيقٌ في الأوعيةِ المحيطيةِ، لذلك يبدو أصفرَ اللونِ، وفي دمِه زيادةٌ في هرمونِ التجلطِ، وارتفاعٌ في نسبةِ السكرِ في الدمِ، فهو معرَّضٌ أكثرَ مِن غيرِه بثمانية أضعافٍ للجلطةِ في الدمِ، هذه حقيقةٌ مسلَّمٌ بها.

стр. 240

إنّ أحدَ أسبابِ مرضِ المَواتِ (الغرغرين) هو الدخان، لأنّ الدخانَ يرفعُ نسبةَ اللزوجةِ في الدمِ، فإذا ارتفعتْ نسبةُ اللزوجةِ صارَ مِنَ الصعبِ أنْ يسلكَ الدمُ في أدقِّ الأوعيةِ، عندئذ تُصابُ أطرافُه السفليةُ والعلويةُ بالمواتِ لضعفِ التروية. والدخانُ يسبِّبُ مرضاً نادراً اسمه (التهابُ الأوعيةِ الانسداديّ) ، فالأوعيةُ حينما تلتهبُ تُسدُّ لمعتُها، وانسدادُها يعني ضعفَ الترويةَ، الأمرُ الذي يسبِّبُ مرضَ المواتِ أيضاً. وهناك مرضٌ يصيبُ المدخِّنين، مِن أعراضِه زرقةُ الجلدِ، واحمرارُ اليدين. جهازُ الدورانِ: إنّ الدخانَ يحرّرُ مادّةً مِن شأنِها أن تسرّعَ القلبَ، وتضيِّقَ الشرايينَ، وتقلّبَها، ويسبّبُ الدخانُ نوبةَ خنّاقِ الصّدْرِ، وتصلّبَ الشرايينَ الإكليليّةَ، وأيُّ علبةِ دخانٍ اقرؤوا تحتَها، "إنّ الدخانَ ضارٌّ بالأجهزةِ التنفسيّةِ، والأوعيةِ، والقلبِ"، هذا كلامٌ علميٌّ، مأخوذٌ من آلافِ الحالاتِ، وقد قدَّمَتْ لجنةٌ من كبارِ الأطباءِ في العالَم الغربيِّ تقريراً من ثلاثمئة وسبعينَ صفحةً من القطعِ الكبيرِ عنوانه: الدخانُ والصحّةُ، هذا التقريرُ يؤكّد حتماً أنّ هناك أخطاراً مدمّرةً من جرّاءِ التدخينِ، وإنّ اللهَ أحلَّ لنا الطيباتِ، وحرّمَ علينا الخبائثَ، وقد ثبتَ بالدليلِ القطعيِّ أنّ الدخانَ ممّا يؤذِي صحّتنا، ويؤذِي القلبَ، ويؤذِي الشرايينَ الإكليليّةَ، ويسبّبُ تصلّبَ الشرايينَ، وتسرّعَ القلبِ، والتهابَ الرئةِ، وضعفَ المناعةِ في القصباتِ الهوائيّةِ، ويسبّبُ شللَ الأهدابِ في الرغامى، كلُّ هذه الأخطارِ المحقّقةِ، وبعدها ندخّنُ؟! وبعْدَها نتلفُ أعصابَنا بأيدينا؟! ونتلفُ قلوبَنا بأيدينا؟! اليس العمرُ رأسَ مالِك أيّها الإنسانُ؟ والتدخينُ يعني أن تبقَى في الفراشِ، الصحّةُ تاجٌ على رؤوسِ الأصحّاءِ، لا يراها إلا المريضُ. العينُ: إنّ الدخانَ يسبِّبُ التهاباً في الملتحمةِ، وجفافاً في الأجفانِ، والتهاباً في العصبِ البصريِّ، ويسبِّبُ نقصاً في الفيتامين ١٢.

стр. 241

جهازُ الهضمِ: إنّ تسعينَ بالمئة مِن سرطانِ الشفةِ يصيبُ المدخِّنين، ويكثرُ عندَ المدخِّنين سرطانُ اللسانِ والمريء، وتقرحاتُ اللثةِ، واللسانِ، والتهابُ الغددِ اللعابيةِ، وتضخُّمُ هذه الغددِ، وتلوُّثُها، وعسرُ البلعِ أحياناً، بل إنّ الدخانَ يؤدِّي إلى تسمُّمِ الخليةِ الكبديةِ، وقصورِ الكبدِ، أو تشمُّعِه، ثمّ سرطانِ الكبدِ. الجهازُ التناسليُّ: فالدخانُ أحدُ أكبرِ أسبابِ إصابةِ الرجلِ بالضعفِ الجنسيِّ، وتشوُّهِ النطفِ، ويؤدِّي إلى العقمِ عند الرجالِ والنساء، ويضعِفُ العلاقةَ بين الزوجين، وأكثرُ حالاتِ الإجهاضِ والإملاص - ولادة الجنين ميتاً - بسببِ الدخانِ، وهو سببُ الولادة قبلَ الأوانِ، ونقصِ الوزنِ، ووفاةِ الرضَّعِ بسببِ الأمِّ المدخنةِ، والتشوهاتِ الخلقية، والوفاةِ في المهدِ، وربوِ الأطفالِ، والصممِ؛ كله يُعزَى إلى الأمِّ المدخِّنةِ. أمّا الشيءُ الذي لا يصدق؛ فهو أنّ هذا السمَّ القاتلَ يشربُه الطفلُ المولودُ حديثاً مع حليبِ أمِّه، فحليبُ الأمِّ المدخِّنةِ فيه هذا السمُّ القاتلُ، لذلك تعدُّ الإقياءاتُ المتكررةُ، والتشنجاتُ، وتسرّعُ قلبِ الوليدِ مِن آثارِ سمومِ الدخانِ، التي تدخلُ جسمَ الرضيعِ عن طريقِ حليبِ أمّه المدخّنةِ. كما أنّ كثافةَ سمومِ الدخانِ في ثديِ المرأةِ تؤدِّي إلى تخرشِ الثديِ، وهذا التخرشُ يؤدِّي إلى سرطانِ الثديِ عندَ المرأةِ المدخِّنةِ. وأخطرُ ما في الأمرِ أنه لو شَرِبَ الخمرَ مئةُ إنسانٍ لكان احتمالُ الإصابةِ بالإدمانِ فيهم خمسةَ عشرَ في المئةِ بالإدمانِ، أما لو دخَّنَ مئةُ رجلٍ لكان الاحتمالُ أنْ يصابَ منهم خمسةٌ وثمانون في المئةِ بمرضٍ اسمُه: (الإدمانُ على التدخينِ) . إنّ مِنَ الناسِ مَن يتوهَّمُ أنّ هناك دخاناً مصفًى، ودخاناً غيرَ مصفًى، فالدخانُ المصفَّى صُفِّيَ عن طريقِ المصفاة (الفلتر) ، والحقيقةُ العلميةُ الصارخةُ أنّ (الفلتر) يمنعُ دخولَ القطرانِ إلى الرئتينِ، ليس غير، أمّا السمومُ التي في الدخانِ فتنتقلُ كلُّها عبرَ الفلتر، فهذا الوهمُ - أن هناك دخاناً (مفلتراً) - محضُ وهمٍ، لا يقومُ على أساسٍ مِن الصحّةِ.

стр. 242

إنّ أخطرَ ما في الدخانِ أنّ أضرارَه لا تنحصرُ في المدخِّنِ نفسِه، بل تنتقلُ إلى مَن حَوْله، مِن زوجةٍ، وأولادٍ، وزملاءَ في العمل، ِ فإذا كنتَ جالساً في غرفةٍ لمدةِ أربعِ ساعاتٍ، وفيها مدخِّنٌ فكأنما دخّنتَ عشرَ دخيناتٍ، وأنت في المصطلحِ الطبِّي مدخِّنٌ سلبيٌّ، أنت لا تدخِّن، لكنك تجالسُ مدخناً، فهذا الذي يدخِّنُ، ويستمتعُ بنكهةِ الدخانِ - إنْ وُجِدتْ - يؤذي غيرَه، وهو لا يدري. ثمّةَ إحصائيةٌ دقيقةٌ في أمريكا، وهي أنّ ضحايا التدخين في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ثلاثمئة وخمسون ألفَ شخصٍ سنوياً، بمعنى أنّ كلَّ يومٍ يموتُ ألفُ مدخِّنٍ، وخمسون ألفاً من المدخِّنين السلبيِّين الذين لا يدخِّنون، لكنّ آباءهم أو أمّهاتِهم، أو زملاءَهم يدخِّنون، وإنّ مجموعَ الذين يموتون بسببِ التدخين في دولةٍ واحدةٍ في الغربِ أربعمئة ألفِ إنسانٍ، بواقعِ ألفٍ في كلِّ يومٍ أو أكثر. إنّ الدخانَ المستوردَ أو المهرَّبَ مِن أمريكا دخانٌ رديءٌ جداً، حيث إنّ نسبَ السمومِ فيه عاليةٌ جداً، إلى درجةِ عشرةِ أضعافٍ، العلبة نفسُها، والعلامةُ التجاريةُ نفسُها، والسعرُ نفسُه، فالدخانُ الذي يُصدِّرُ إلى بلادِ الشرقِ الأوسطِ دخانٌ من الدرجةِ العاشرةِ. أُجْرِيَتْ دراسةُ في بريطانية على ثلاثةٍ وثمانينَ رجلاً مدخّناً، تؤكِّدُ أنّ ثلاثةَ أشخاصٍ مِن كلِّ عشرة سيلاقُون حتْفَهم بسببِ أمراضٍ ناتجةٍ عن التدخينِ، أمّا الباقون فسيعانون من أمراضٍ مزمنةٍ لها علاقة بالتدخين. وأمّا عن الخسائرِ الناتجةِ عن الحرائقِ بسببِ أعقابِ السجائرِ فهي تفوقُ كلَّ أرباحِ الشركاتِ، والضرائبِ التي تُحصَّلُ مِن هذه الصناعةِ. وفي بلادنا الجميلةِ، وبغاباتها المتميزةِ، ألقَى إنسانٌ متنزِّهٌ عقبَ دخينةٍ فأحرقَ مئتين وخمسينَ هكتاراً من الغاباتِ الخضرِ، كلُّ هذه الخسارةِ بسببِ عقبِ دخينةٍ واحدٍ.

стр. 243

وهناك وهمٌ عند بعضِ المدخّنين، يقول: أنا لا أشكو شيئاً، أجرِي وأركضُ، وأتمتعُ بصحةٍ جيدةٍ، وأدخِّنُ، لقد غابت عنه حقيقةٌ خطيرةٌ، وهي أنّ أخطارَ الدخانِ تتراكمُ في الجسمِ دونَ أنْ تظهرَ آثارُها إلا بعدَ إجراءِ فحوصٍ دقيقةٍ، فالإنسانُ يتوهّمُ أنه خالٍ من كلِّ مرضٍ، لكنّ آثارَ الدخانِ تتراكمُ، هناك خطٌّ أحمرُ، فإذا بلغَ هذا التراكمُ الخطَّ الأحمرَ ظهرتْ هذه الأعراضُ فجأةً، وهذا يُسمَّى انكسارَ خطِّ المقاومةِ، أنت تضعُ في إحدى كِفتي الميزانِ خمسةَ كيلوغرامات، وفي الكِفّة الثانيةِ تضعُ كيلو، اثنين، ثلاثة، أربعة، والكِفّة راجحةٌ، فجأةً عندما يصبحُ الوزنُ المقابلُ خمسةَ كيلوغرامات تتحرّكُ الكِفةُ، ما الذي حرّكها؟ هذه القشةُ الأخيرةُ، آخرُ غرامٍ؟ لا، الذي حرّكها التراكمُ السابقُ، مضافاً إليه هذه القشةُ الأخيرةُ، التي قَصمَتْ ظَهرَ البعيرِ. يقول احد العلماء الأجانب: "شركاتُ التبغِ هي شركاتُ القتلِ، أو شركاتٌ تَتَّجِرُ بالموتِ". إن علماءَ المسلمين السابقين لضعفِ معرفتِهم بمضارِّ بالتدخينِ وقعوا في فتاوى متضاربةٍ، فالعلامةُ ابنُ عابدينَ صاحبُ الحاشيةِ في الفقهِ الحنفيِّ، وهي أوسعُ مرجعٍ في الفقهِ الحنفيِّ يقول في حديثه عن التدخين: "منهم مَن قالَ بحرمتِه، ومنهم مَن قالَ بكراهتِه، ومنهم مَن قال بإباحتِه"، لأنّ أضرارَه لم تكن واضحةً، والأصلُ في الأشياءِ الإباحةُ، فإذا كان عالمٌ قديمٌ أباحَ الدخانَ، فبسببِ نقصٍ حادٍّ في معرفتهِ بأضرارِه، ولو انتهتْ إلى علمِه الحقائقُ القاطعةُ عن مضارِّ الدخانِ لكان أسرعَ منا إلى تحريمِه. وبعد أن استعرَضْنَا هذا الكمَّ الكبيرَ مِن أخطارِ التدخينِ، فلا مجالَ مطلقاً للحديثِ عن إباحتِه، لأن النبيَّ ﵊ أرسلَه اللهُ رحمةً للعالمينَ، ليُحِلَّ لهم الطيباتِ، ويحرِّمَ عليهم الخبائثَ. فهل مِن عاقلٍ واحدٍ يمسكُ سيجارةً ويدخِّنها، وقبلَ أنْ يشربَها يقولُ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وبعدَ أنْ يشربَها يقول: الحمدُ لله، اللهمَّ زِدْنا مِن هذه النعمِ؟! هذا مستحيلٌ، إذاً هذا دليلٌ فطريٌّ على أنّ الدخانَ خبيثٌ، يقول الله :

стр. 244

﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ أولائك هُمُ المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] . يقول ربنا : ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥] ، والذي يدخن يلقي بنفسه إلى التهلكة. وقال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] . وقد حرَّمَ الإسلامُ الانتحارَ، هناك انتحارٌ سريعٌ، أنْ يطعنَ المرءُ نفسَه بسكينٍ في مكانٍ قاتلٍ، هذا انتحارٌ سريعٌ، والانتحارُ البطيءُ أنْ يدخِّنَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أبَداً، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيْدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً". بل إنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِّرٍ". إنْ دخّن الفقيرُ فهو سفيهٌ، وإنْ دخّن الغنيُّ فهو مبذِّرٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء: ٢٧] .

стр. 245

لو أنّ الأراضي الشاسعةَ التي تُشغلُ بزراعةِ التبغِ زُرِعَتْ بالخضراواتِ والفواكهِ لعمّ الخيرُ، ولزادَ الدخلُ، ولسلمتْ صحةُ الناسِ، ولكُنَّا في حال غير هذا الحال. لقد أصدرَ كبيرُ علماءِ الدولةِ العثمانيةِ فتوى في تحريمِ الدخانِ، كما أصدرها العلاّمةُ إبراهيم اللقاني، والشيخ سالم السنبوري، ومفتي المملكة العربية السعودية، والشيخ بدر الدين الحسني، شيخ الشام، والشيخُ علي الدقر، والشيخ محمد الحامد. وقد أصدرَ شيخُ الأزهرِ، الشيخُ جاد الحق ﵀ فتوى هذا نصها: "أصبحَ واضحاً جلِياً أنَّ شرْبَ الدخانِ، وإن اختلفتْ أنواعُه، وطرقُ استعمالِه، يُلحِقُ بالإنسانِ ضرراً بالغاً، إنْ عاجلاً، أو آجلاً، في نفسِه، ومالِه، ويصيبُه بأمراضٍ كثيرةٍ، ومتنوعةٍ، وبالتالي يكونُ استعمالُه حراماً، بمقتضى النصوصِ التي سبقَ إيرادُها، ومِن ثَمَّ فلا يجوزُ لمسلمٍ استعمالُه بأيِّ وجهٍ من الوجوهِ، حفاظاً على الأنفُسِ، والأموالِ، وحرصاً على اجتنابِ الأضرارِ، التي أوضَحَ الطِّبُّ حدوثَها". إنّ الحقائق العلميةَ المذكورةَ مأخوذةٌ كلها من منظماتِ صحةٍ عالميةٍ، أو مِن جامعاتٍ راقية جدّاً، أو مِن بحوثٍ متقدَّمةٍ، وهذه هي الحقيقة. هناك ظاهرةٌ جديدةٌ، وهي أنّ أمراضَ القلبِ والأوعيةِ، وأمراضَ الدمِ، تظهر عادةً بدءاً مِن سنِّ الستين فما فوق، هذه السنّ بدأتْ تنزلُ وتتقَهقرُ، الآن هناك حالاتٌ كثيرةٌ، احتشاءٌ في سنِّ الثلاثين، وفي الخامسة والعشرين، وفي الثانية والعشرين، موتٌ بسببِ الدخانِ، هذه ظاهرةٌ جديدةٌ لم تكنْ مِن قبلُ. إنّ أولياتِ الحياةِ ثلاثةٌ، الهدايةُ أولاً، والصحةُ ثانياً، والكفايةُ ثالثاً، لذلك فلا معنى للكفايةِ من دونِ صحةٍ، ولا معنى للصحةِ من دونِ هدايةٍ، فالصحةُ ركنٌ أساسيٌّ في حياةِ المؤمنِ، فبها يحقِّقُ خلافتَه في الأرضِ، وبها يحقِّقُ الغايةَ التي خُلِقَ مِن أجْلِها، وبها يسعدُ بالهدى، ويستمتعُ بالمالِ، فإذَا ثَبتَ لديه أنّ الدخانَ يدمِّرُ صحّتَه فلا يُعقلُ أنْ يدخِّن سيجارة واحدة.

стр. 246

قال تعالى: ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ [الأعراف: ١٥٧] . لقد أحلَّ اللهُ لنا الطيّباتِ، وحرَّم علينا الخبائثَ، فيجب على المؤمنِ الحقِّ أنْ يعرفَ ما ينفعُه، وما يضرُّه، وأنْ يعرفَ عمرَه الثمينَ، كيف ينبغي أنْ يقضيَه، وقد نهانا النبيُّ ﵊ عن كلِّ ما يؤذِينا، كما رَغّبنا اللهُ في الإيمانِ، وزيَّنَه في قلوبِنا، وكرَّه إلينا الكفرَ، والفسوقَ، والعصيانَ، وحينما يعصِي الإنسانُ ربَّه يقعُ في مَزَالِقَ خطيرةٍ تؤذي حياتَه، وتؤذِي آخرتَه. أثر التدخين في القلب والشرايين إنّ ربَّنا ﷻ إكراماً لهذا الإنسان جعل له مجموعةَ أجهزةٍ، تُعينُه على مواجهةِ الأخطارِ، فلو أن إنساناً كان يمشي في مكانٍ ما، ورأى أفعى، ما الذي يحدثُ؟ يحدثُ ما يلي: إنّ منظرَ الأفعى يرتسمُ على شبكيةِ العَينِ، وهذا هو الإحساسُ، الإحساسُ البصريُّ، ومنظرُ الأفعى الذي على شبكيةِ العينِ ينتقلُ إلى مركزِ الإدراكِ في المخِّ، والمخُّ لِمَا فيه من مفهومَاتٍ جاءتْ من خلالِ التجربةِ والتعليمِ يعرفُ أنّ هذه الأفعى خطِرةٌ على حياتِه، إذاً هو يواجِه خطراً، ينبِّهُ الدماغُ - وهو رأسُ الجهازِ العصبي - بآلياتٍ معقدَّةٍ الجزءَ الودِّيَّ من الجهازِ العصبيِّ الذاتيِّ، ولبُّ الكظرِ يأتمرُ به مباشرةً. الأمرُ الأولُ: يعطي أمراً إلى الأوعيةِ كافَّةً بتضييقِ لَمْعَتِها، محافَظةً على الدمِ، الذي يجبُ أن يبذلَ في العَضلاتِ لا في الجلدِ، لأنّ الأمرَ خطيرٌ، لذلك تضيقُ لمعةُ الأوعيةِ كلِّها، وما اصفرارُ لونِه إلا إشارةٌ إلى ضيقِ الأوعيةِ الدمويةِ في الجسمِ. ويأتي أمرٌ آخرُ إلى القلبِ فيزيدُ من ضرباتِه، والقلبُ ينبضُ في الأحوالِ الاعتياديةِ ثمانينَ نبضةً، وقد يرتفعُ النَّبضُ إلى مئةٍ وثمانين نبضةً ليواجهَ الخطرَ، ويرسلَ الدمَ سريعاً إلى العضلاتِ.

стр. 247

ويأتي أمرٌ ثالثٌ إلى الرئتين بأن تزيدَ من وجيبِهما، ومِن هنا ترى الخائفَ يلهث. وأمرٌ رابعٌ إلى الكبدِ بإطلاقِ كميةٍ من السكرِ في الدمِ، كي تواجهَ الخطرَ. وأمرٌ آخرُ إلى الصُّفَيْحاتِ الدمويةِ، التي خَلَقَها اللهُ لتسدَّ أيّ خللٍ، أو خَرقٍ في الشرايينِ إذا أُصيبَ الإنسانُ بجرحٍ، فيزدادُ عددُها في الدمِ. هذا أمرٌ طبيعيٌّ، إذا واجهَ الإنسانُ خطراً ينبض قلبُه بسرعةٍ أكبرَ، ورئتاه تخفقَانِ بسرعةٍ أكبرَ، ويصفرُّ لونُه لضيقِ لمعةِ الأوعيةِ المحيطةِ، وتزدادُ نسبةُ السكرِ في الدمِ، وتزدادُ الصُّفيحاتُ الدمويةُ المجهَّزةُ لإغلاقِ كلِّ فتحةٍ طارئةٍ. ماذا يفعلُ الدخانُ في الإنسانِ؟ في الدخانِ مادةٌ سامّةٌ، اسمُها النيكوتين، تزيدُ هذه المادةُ مِن إفرازِ الأدرينالين، والأدرينالين هو الذي يزيدُ ضرباتِ القلبِ، ويضيِّقُ الشرايينَ، لذلك يغلبُ اللونُ الأصفرُ على المدخّنين. أين الخطرُ؟ الخطرُ أنّ هذا الضيقَ الدائم في الشرايينِ قد يسبِّبُ انسداداً في شرايينِ القلبِ، فتكونُ الذبحةُ الصدريةُ، (خناق الصدر) ، أو تكونُ الجلطةُ، أو يسبِّبُ انسداداً في شرايينِ المخِّ، فتكونُ السَّكتةُ الدماغيةُ، أو يسبّبُ انسداداً في شرايينِ الساقَيْن، فيكونُ الموات (الغرغرين) ، ولا بدَّ من قطعِ الساقِ حينئذٍ. هذا الخطرُ - خطرُ التدخينِ - كامنٌ في أنه يبقي الأوعيةَ الدمويةَ على حالةٍ من التوتُّرِ والضيقِ، ماذا يفعلُ ضيقُ الأوردةِ والشرايينِ؟ يرفعُ الضغطَ، هذه أشياءُ أصبحَ مقطوعاً بها، لذلك كلُّ الشركاتِ التي تصنعُ الدخانَ في كلِّ أنحاءِ العالَمِ ملزَمةٌ أنْ يُكتبَ عليه هذا التنبيهُ: "إنه يسبِّبُ أضراراً كبيرةً في القلبِ، والأوعيةِ الدمويةٍ". الكرياتُ الحمراءُ فيها خضابُ الدمِ، الذي يحملُ الأوكسجين من الرئتين، ويطرحُه في الخلايا، كي تحترقَ الموادُ السكريةُ، فتكونُ الطاقةُ في الإنسانِ.

стр. 248

إنّ خضابَ دمِ المدخِّنِ يتَّحدُ مع أول أُكسيدِ الكربون الناتجِ عن التدخينِ، فيتعطَّلُ نقلُ خضابِ الكرياتِ للأوكسجين، إذْ إنّ خمسة عشرَ بالمئةِ مِن خضابِ دمِ المدخِّنِ تُعَطِّلُ نقلَ الأوكسجين، فإذا رفعَ نسبةَ التدخينِ، يُصبحُ ثُلُثُ كرياتِ الدمِ، أو ثلثُ ما فيها مِن خضابٍ معطَّلةً عن نقلِ الأوكسجينِ من الرئتينِ إلى الخلايا، هذا هو الأثرُ الثاني من آثارِ التدخينِ في القلبِ، والأوردةِ، والشرايينِ. كان من النادرِ في الخمسينياتِ أنْ يصابَ الإنسانُ بمرضٍ في أوعيتِه الدمويةِ، قبلَ سِنِّ الخمسين، والآنَ يُصابُ أُناسٌ كثيرون في سنِّ الأربعين، وأحدثُ تقريرٍ يتعلَّقُ بهذا الموضوعِ أنَّ هناك حالاتٍ كثيرةٍ يُصابُ فيها الإنسانُ بأمراضِ القلبِ، والأوعيةِ، في سنِّ الخامسة والعشرين بسببِ التدخين. كلمةٌ أخرى في هذه المقالةِ، تقولُ هذه الدراسةُ: إنّ ثمانينَ بالمئة من مرضَى القلبِ من المدخِّنين. إنّ معاملَ الدخانِ تضعُ التبغَ في أوعيةٍ محكمةٍ، ثم يصبُّون عليه من عصيرِ العنبِ، أو عصيرِ التفاحِ، أو أي شيءٍ من العصائرِ السكريةِ، ثم يضعون عليه الخمائرَ، ثم يغلقونه، ويُحكِمون الغلقَ ثلاثَ سنواتٍ، حتى يُعتقَ، وحتى يتشبعَ التبغُ بالخمرِ، والكحولِ، وهذا يحوِّلُ نباتَ التبغِِ إلى أليافٍ هشّةٍ نضجتْ في الكحولِ، فيدخنُ الناسُ نقيعَ الخمرِ، وهم لا يعلمون، وهذا ما يجعلُ الدخينةَ تستمرُّ مشتعلةً حتى آخرِها؛ لأن هناك كحولاً متحداً بأوراقِ التبغِ، وهذا ما تشيرُ إليهِ جملة: "تعالَ إلى حيث النكهةُ"، في معرضِ الدعايةِ للدخانِ. هذه الحقيقةُ موجودةٌ في كتابٍ ألَّفه صاحبُه بعد زيارةٍ لمعاملِ التبغِ في أمريكة. شيءٌ آخر: ماكلاريم شخصيةٌ جذابةٌ جداً، تستخدمُها شركاتُ الدخانِ في الدعايةِ للدخانِ، غالباً ما يُلبِسون هذه الشخصيةَ ثيابَ رعاةِ البقرِ، ويتكلمون الكلامَ الذي يشجِّعَ الناسَ على التدخينِ، هذا الإنسانُ فَقَدَ حياتَه في ريعانِ شبابِه، إذْ أصيبَ بسرطانٍ في رئتِه بسببِ التدخينِ، وكانت آخرُ كلماتِه: لا تصدِّقوني، الدخانُ قتلني، وأنا الدليلُ على ذلك، وكنتُ أكذبُ عليكم.

стр. 249

مِن علامةِ المؤمنِ أنه يعرفُ قدرَ نفسِه، ويعرفُ قيمةَ الحياةِ، ويعرفُ قيمةَ الصحةِ، هذه الصحةُ وسيلتُه إلى الآخرةِ، هذه الصحةُ وما فيها جسرٌ له إلى الجنةِ، لذلك يجب أن يسعى سَعْياً حثيثاً إلى الحفاظِ على صحّتهِ، لأنها رأسُ مالِه، واللهُ يقولُ: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] . يساعِدُ أولُ أكسيد الكربون الناتجُ عن التدخينِ على ترسيبِ الكوليسترول في جدرانِ الشرايينِ والأوردةِ، وترسيبُ الكوليسترول في الأوردةِ والشرايينِ يضيِّقُ لمْعَتَها، ويرفعُ الضغطَ، ويصيبُ القلبَ بالإجهادِ. شيءٌ آخرُ: إنَّ احتمالَ إصابةِ المدخنين بأمراضِ القلبِ والشرايينِ، يزيدُ خمسةَ عشرَ ضعفاً على غيرِ المدخنين، قد يقول قائلٌ: ألا يصابُ غيرُ المدخنين؟ نَعَمْ يصابون، ولكنّ احتمالَ الإصابةِ عند المدخنين تزيدُ خمسةَ عشرَ على غيرِ المدخِّنين. وقد أوردنا هذه الحقائقَ كي نضعَها بين أيدي الإخوة القرَّاءِ ممّن يدخِّنُ، فالدينُ النصحيةُ. التدخين السلبيّ إنّ التدخينَ السلبيَّ هو التعرُّضُ لسجائرِ الآخرين في الأماكنِ المغلقةِ والمزدحمةِ، ويؤثِّرُ دخانُ السجائرِ في غيرِ المدخِّنينَ أكثرَ من تأثيرِه في المدخِّنين أنفسِهم، وأوضحتْ دراسةٌ علميةٌ أجرَتْها مجموعةٌ من العلماءِ أنّ الدخانَ يؤدِّي إلى زيادةِ نسبةِ الكوليسترولِ في دمِ غيرِ المدخِّن، وهذا يؤدِّي إلى الإصابةِ بأمراضِ القلبِ، وسرطانِ الجلدِ، والبلعومِ، وغيرِها من الأمراضِ المتعلقةِ بالتدخينِ، وعلى صعيدِ النساءِ الحواملِ فإنّ التدخينَ يضرُّ بالنساءِ الحواملِ كثيراً، حتى لو كُنَّ غيرَ مدخِّناتٍ، فإنّ الزوجَ حينما يدخِّنُ أمامَ زوجتِه الحاملِ يجبُ أنْ يعلمَ خطورةَ ما سيكونُ. تقولُ هذه الدراسةُ: وعلى صعيدِ النساءِ الحواملِ فإنّ التدخينَ يضرُّ النساءَ الحواملَ كثيراً، حتى لو كُنَّ غيرَ مدخِّناتٍ، لأن مادةَ النيكوتين تتسلَّلُ إلى الجنينِ في رَحِمِ أمِّه، فإذا تعرَّضَتْ سيدةٌ لا تدخِّن لدخانِ سجائرَ لمدةِ ثلاثِ ساعاتٍ يومياً تزدادُ احتمالاتُ إصابةِ جنينِها بعاهاتٍ أو عيوبٍ في النطقِ أو الذكاءِ.

стр. 250

أمّا إذا كانت السيدةُ الحاملُ تدخِّنُ فإنّ ذلك يؤدِّي إلى ولادةِ طفلٍ ناقصِ الوزنِ، أو قبلَ موعِده الطبيعيِّ، إضافةً إلى مشكلاتٍ في النموِّ العقليِّ، وإنّ التدخينَ لا يؤثِّرُ فقط في جنينِ سيدةٍ تدخِّنُ، أو تتعرَّضُ لدخانِ لفائفِ التبغِ، بل يؤثِّرُ أيضاً في أحفادِها، ففي حالِ أنجبتِ السيدةُ طفلةً فإنه تنتقلُ مخاطرُ التدخينِ إلى الجيلِ التالي، إضافةً إلى تأثُّرِ خصوبةِ الأحفادِ. إنّ الحديثَ اليومَ عن غيرِ المدخِّنين، نساءً ورجالاً وأطفالاً، لكنّهم يتعرّضون لدخانِ المدخِّنين، هذه النتائجُ الوبيلةُ نَطَقَتْ بها بعضُ الدراساتِ العلميةِ. قال : ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ [الأعراف: ١٥٧] . إذَا ثبتَ بالدليلِ العلميِّ الصحيحِ، والدراسةِ الموضوعيةِ أنّ الدخانَ مِن الخبائثِ فهو مشمولٌ بهذه الآيةِ.
следующие страницы →