Полный текст (485 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قال تعالى: ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
لقد أحلَّ اللهُ لنا الطيّباتِ، وحرَّم علينا الخبائثَ، فيجب على المؤمنِ الحقِّ أنْ يعرفَ ما ينفعُه، وما يضرُّه، وأنْ يعرفَ عمرَه الثمينَ، كيف ينبغي أنْ يقضيَه، وقد نهانا النبيُّ ﵊ عن كلِّ ما يؤذِينا، كما رَغّبنا اللهُ في الإيمانِ، وزيَّنَه في قلوبِنا، وكرَّه إلينا الكفرَ، والفسوقَ، والعصيانَ، وحينما يعصِي الإنسانُ ربَّه يقعُ في مَزَالِقَ خطيرةٍ تؤذي حياتَه، وتؤذِي آخرتَه.
أثر التدخين في القلب والشرايين
إنّ ربَّنا ﷻ إكراماً لهذا الإنسان جعل له مجموعةَ أجهزةٍ، تُعينُه على مواجهةِ الأخطارِ، فلو أن إنساناً كان يمشي في مكانٍ ما، ورأى أفعى، ما الذي يحدثُ؟ يحدثُ ما يلي:
إنّ منظرَ الأفعى يرتسمُ على شبكيةِ العَينِ، وهذا هو الإحساسُ، الإحساسُ البصريُّ، ومنظرُ الأفعى الذي على شبكيةِ العينِ ينتقلُ إلى مركزِ الإدراكِ في المخِّ، والمخُّ لِمَا فيه من مفهومَاتٍ جاءتْ من خلالِ التجربةِ والتعليمِ يعرفُ أنّ هذه الأفعى خطِرةٌ على حياتِه، إذاً هو يواجِه خطراً، ينبِّهُ الدماغُ - وهو رأسُ الجهازِ العصبي - بآلياتٍ معقدَّةٍ الجزءَ الودِّيَّ من الجهازِ العصبيِّ الذاتيِّ، ولبُّ الكظرِ يأتمرُ به مباشرةً.
الأمرُ الأولُ: يعطي أمراً إلى الأوعيةِ كافَّةً بتضييقِ لَمْعَتِها، محافَظةً على الدمِ، الذي يجبُ أن يبذلَ في العَضلاتِ لا في الجلدِ، لأنّ الأمرَ خطيرٌ، لذلك تضيقُ لمعةُ الأوعيةِ كلِّها، وما اصفرارُ لونِه إلا إشارةٌ إلى ضيقِ الأوعيةِ الدمويةِ في الجسمِ.
ويأتي أمرٌ آخرُ إلى القلبِ فيزيدُ من ضرباتِه، والقلبُ ينبضُ في الأحوالِ الاعتياديةِ ثمانينَ نبضةً، وقد يرتفعُ النَّبضُ إلى مئةٍ وثمانين نبضةً ليواجهَ الخطرَ، ويرسلَ الدمَ سريعاً إلى العضلاتِ.
стр. 247
ويأتي أمرٌ ثالثٌ إلى الرئتين بأن تزيدَ من وجيبِهما، ومِن هنا ترى الخائفَ يلهث.
وأمرٌ رابعٌ إلى الكبدِ بإطلاقِ كميةٍ من السكرِ في الدمِ، كي تواجهَ الخطرَ.
وأمرٌ آخرُ إلى الصُّفَيْحاتِ الدمويةِ، التي خَلَقَها اللهُ لتسدَّ أيّ خللٍ، أو خَرقٍ في الشرايينِ إذا أُصيبَ الإنسانُ بجرحٍ، فيزدادُ عددُها في الدمِ.
هذا أمرٌ طبيعيٌّ، إذا واجهَ الإنسانُ خطراً ينبض قلبُه بسرعةٍ أكبرَ، ورئتاه تخفقَانِ بسرعةٍ أكبرَ، ويصفرُّ لونُه لضيقِ لمعةِ الأوعيةِ المحيطةِ، وتزدادُ نسبةُ السكرِ في الدمِ، وتزدادُ الصُّفيحاتُ الدمويةُ المجهَّزةُ لإغلاقِ كلِّ فتحةٍ طارئةٍ.
ماذا يفعلُ الدخانُ في الإنسانِ؟ في الدخانِ مادةٌ سامّةٌ، اسمُها النيكوتين، تزيدُ هذه المادةُ مِن إفرازِ الأدرينالين، والأدرينالين هو الذي يزيدُ ضرباتِ القلبِ، ويضيِّقُ الشرايينَ، لذلك يغلبُ اللونُ الأصفرُ على المدخّنين.
أين الخطرُ؟ الخطرُ أنّ هذا الضيقَ الدائم في الشرايينِ قد يسبِّبُ انسداداً في شرايينِ القلبِ، فتكونُ الذبحةُ الصدريةُ، (خناق الصدر) ، أو تكونُ الجلطةُ، أو يسبِّبُ انسداداً في شرايينِ المخِّ، فتكونُ السَّكتةُ الدماغيةُ، أو يسبّبُ انسداداً في شرايينِ الساقَيْن، فيكونُ الموات (الغرغرين) ، ولا بدَّ من قطعِ الساقِ حينئذٍ.
هذا الخطرُ - خطرُ التدخينِ - كامنٌ في أنه يبقي الأوعيةَ الدمويةَ على حالةٍ من التوتُّرِ والضيقِ، ماذا يفعلُ ضيقُ الأوردةِ والشرايينِ؟ يرفعُ الضغطَ، هذه أشياءُ أصبحَ مقطوعاً بها، لذلك كلُّ الشركاتِ التي تصنعُ الدخانَ في كلِّ أنحاءِ العالَمِ ملزَمةٌ أنْ يُكتبَ عليه هذا التنبيهُ: "إنه يسبِّبُ أضراراً كبيرةً في القلبِ، والأوعيةِ الدمويةٍ".
الكرياتُ الحمراءُ فيها خضابُ الدمِ، الذي يحملُ الأوكسجين من الرئتين، ويطرحُه في الخلايا، كي تحترقَ الموادُ السكريةُ، فتكونُ الطاقةُ في الإنسانِ.
стр. 248
إنّ خضابَ دمِ المدخِّنِ يتَّحدُ مع أول أُكسيدِ الكربون الناتجِ عن التدخينِ، فيتعطَّلُ نقلُ خضابِ الكرياتِ للأوكسجين، إذْ إنّ خمسة عشرَ بالمئةِ مِن خضابِ دمِ المدخِّنِ تُعَطِّلُ نقلَ الأوكسجين، فإذا رفعَ نسبةَ التدخينِ، يُصبحُ ثُلُثُ كرياتِ الدمِ، أو ثلثُ ما فيها مِن خضابٍ معطَّلةً عن نقلِ الأوكسجينِ من الرئتينِ إلى الخلايا، هذا هو الأثرُ الثاني من آثارِ التدخينِ في القلبِ، والأوردةِ، والشرايينِ.
كان من النادرِ في الخمسينياتِ أنْ يصابَ الإنسانُ بمرضٍ في أوعيتِه الدمويةِ، قبلَ سِنِّ الخمسين، والآنَ يُصابُ أُناسٌ كثيرون في سنِّ الأربعين، وأحدثُ تقريرٍ يتعلَّقُ بهذا الموضوعِ أنَّ هناك حالاتٍ كثيرةٍ يُصابُ فيها الإنسانُ بأمراضِ القلبِ، والأوعيةِ، في سنِّ الخامسة والعشرين بسببِ التدخين.
كلمةٌ أخرى في هذه المقالةِ، تقولُ هذه الدراسةُ: إنّ ثمانينَ بالمئة من مرضَى القلبِ من المدخِّنين.
إنّ معاملَ الدخانِ تضعُ التبغَ في أوعيةٍ محكمةٍ، ثم يصبُّون عليه من عصيرِ العنبِ، أو عصيرِ التفاحِ، أو أي شيءٍ من العصائرِ السكريةِ، ثم يضعون عليه الخمائرَ، ثم يغلقونه، ويُحكِمون الغلقَ ثلاثَ سنواتٍ، حتى يُعتقَ، وحتى يتشبعَ التبغُ بالخمرِ، والكحولِ، وهذا يحوِّلُ نباتَ التبغِِ إلى أليافٍ هشّةٍ نضجتْ في الكحولِ، فيدخنُ الناسُ نقيعَ الخمرِ، وهم لا يعلمون، وهذا ما يجعلُ الدخينةَ تستمرُّ مشتعلةً حتى آخرِها؛ لأن هناك كحولاً متحداً بأوراقِ التبغِ، وهذا ما تشيرُ إليهِ جملة: "تعالَ إلى حيث النكهةُ"، في معرضِ الدعايةِ للدخانِ.
هذه الحقيقةُ موجودةٌ في كتابٍ ألَّفه صاحبُه بعد زيارةٍ لمعاملِ التبغِ في أمريكة.
شيءٌ آخر: ماكلاريم شخصيةٌ جذابةٌ جداً، تستخدمُها شركاتُ الدخانِ في الدعايةِ للدخانِ، غالباً ما يُلبِسون هذه الشخصيةَ ثيابَ رعاةِ البقرِ، ويتكلمون الكلامَ الذي يشجِّعَ الناسَ على التدخينِ، هذا الإنسانُ فَقَدَ حياتَه في ريعانِ شبابِه، إذْ أصيبَ بسرطانٍ في رئتِه بسببِ التدخينِ، وكانت آخرُ كلماتِه: لا تصدِّقوني، الدخانُ قتلني، وأنا الدليلُ على ذلك، وكنتُ أكذبُ عليكم.
стр. 249
مِن علامةِ المؤمنِ أنه يعرفُ قدرَ نفسِه، ويعرفُ قيمةَ الحياةِ، ويعرفُ قيمةَ الصحةِ، هذه الصحةُ وسيلتُه إلى الآخرةِ، هذه الصحةُ وما فيها جسرٌ له إلى الجنةِ، لذلك يجب أن يسعى سَعْياً حثيثاً إلى الحفاظِ على صحّتهِ، لأنها رأسُ مالِه، واللهُ يقولُ: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] .
يساعِدُ أولُ أكسيد الكربون الناتجُ عن التدخينِ على ترسيبِ الكوليسترول في جدرانِ الشرايينِ والأوردةِ، وترسيبُ الكوليسترول في الأوردةِ والشرايينِ يضيِّقُ لمْعَتَها، ويرفعُ الضغطَ، ويصيبُ القلبَ بالإجهادِ.
شيءٌ آخرُ: إنَّ احتمالَ إصابةِ المدخنين بأمراضِ القلبِ والشرايينِ، يزيدُ خمسةَ عشرَ ضعفاً على غيرِ المدخنين، قد يقول قائلٌ: ألا يصابُ غيرُ المدخنين؟ نَعَمْ يصابون، ولكنّ احتمالَ الإصابةِ عند المدخنين تزيدُ خمسةَ عشرَ على غيرِ المدخِّنين.
وقد أوردنا هذه الحقائقَ كي نضعَها بين أيدي الإخوة القرَّاءِ ممّن يدخِّنُ، فالدينُ النصحيةُ.
التدخين السلبيّ
إنّ التدخينَ السلبيَّ هو التعرُّضُ لسجائرِ الآخرين في الأماكنِ المغلقةِ والمزدحمةِ، ويؤثِّرُ دخانُ السجائرِ في غيرِ المدخِّنينَ أكثرَ من تأثيرِه في المدخِّنين أنفسِهم، وأوضحتْ دراسةٌ علميةٌ أجرَتْها مجموعةٌ من العلماءِ أنّ الدخانَ يؤدِّي إلى زيادةِ نسبةِ الكوليسترولِ في دمِ غيرِ المدخِّن، وهذا يؤدِّي إلى الإصابةِ بأمراضِ القلبِ، وسرطانِ الجلدِ، والبلعومِ، وغيرِها من الأمراضِ المتعلقةِ بالتدخينِ، وعلى صعيدِ النساءِ الحواملِ فإنّ التدخينَ يضرُّ بالنساءِ الحواملِ كثيراً، حتى لو كُنَّ غيرَ مدخِّناتٍ، فإنّ الزوجَ حينما يدخِّنُ أمامَ زوجتِه الحاملِ يجبُ أنْ يعلمَ خطورةَ ما سيكونُ.
تقولُ هذه الدراسةُ: وعلى صعيدِ النساءِ الحواملِ فإنّ التدخينَ يضرُّ النساءَ الحواملَ كثيراً، حتى لو كُنَّ غيرَ مدخِّناتٍ، لأن مادةَ النيكوتين تتسلَّلُ إلى الجنينِ في رَحِمِ أمِّه، فإذا تعرَّضَتْ سيدةٌ لا تدخِّن لدخانِ سجائرَ لمدةِ ثلاثِ ساعاتٍ يومياً تزدادُ احتمالاتُ إصابةِ جنينِها بعاهاتٍ أو عيوبٍ في النطقِ أو الذكاءِ.
стр. 250
أمّا إذا كانت السيدةُ الحاملُ تدخِّنُ فإنّ ذلك يؤدِّي إلى ولادةِ طفلٍ ناقصِ الوزنِ، أو قبلَ موعِده الطبيعيِّ، إضافةً إلى مشكلاتٍ في النموِّ العقليِّ، وإنّ التدخينَ لا يؤثِّرُ فقط في جنينِ سيدةٍ تدخِّنُ، أو تتعرَّضُ لدخانِ لفائفِ التبغِ، بل يؤثِّرُ أيضاً في أحفادِها، ففي حالِ أنجبتِ السيدةُ طفلةً فإنه تنتقلُ مخاطرُ التدخينِ إلى الجيلِ التالي، إضافةً إلى تأثُّرِ خصوبةِ الأحفادِ.
إنّ الحديثَ اليومَ عن غيرِ المدخِّنين، نساءً ورجالاً وأطفالاً، لكنّهم يتعرّضون لدخانِ المدخِّنين، هذه النتائجُ الوبيلةُ نَطَقَتْ بها بعضُ الدراساتِ العلميةِ.
قال : ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
إذَا ثبتَ بالدليلِ العلميِّ الصحيحِ، والدراسةِ الموضوعيةِ أنّ الدخانَ مِن الخبائثِ فهو مشمولٌ بهذه الآيةِ.
стр. 251
الكون
والسماء ذات الرجع
يقول ربّنا : ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: ١١-١٢] .
هذا خالقُ الكونِ يصفُ السماءَ بِكَلمةٍ واحدةٍ: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ ، وكلّما تقدَّم العلمُ اكْتُشِفَتْ حقائقُ جديدةٌ تَدعمُ هذا الوصْفَ الموجزَ المعجِزَ، فالقمرُ يسيرُ في مدارٍ حولَ الأرضِ، يذهبُ، ثمّ يرجعُ إلى مكانهِ الأوّلِ، والشمسُ تجري لمستقرٍّ لها في مدارٍ حولَ نجمٍ آخرَ، وتعود إلى مكانِها السابقِ، والمذنّباتُ أيضاً، فمذنّب هالي مثلاً زارَ الأرضَ في عام (١٩١٠) بالضّبطِ، وعادَ إلينا في عام (١٩٨٦) ، تسْتغرق دورتُه سِتّةً وسبعين عاماً، فالأرضُ تدورُ وترجعُ، والقمرُ يدورُ، ويرجعُ، والشمسُ تدورُ وترجعُ، والمذنّباتُ تدورُ وترجعُ، وكلّ ما في السماء يدورُ في فَلَكٍ بيْضويٍّ أو إهليلجي ويرجعُ، إذاً ربُّنا حينما وَصَفَ السماءَ بكلمةٍ واحدةٍ قال: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ ، وهذا وصْفُ خالِقِها الحقِّ، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.
اتَّجَهَ العلماءُ اتِّجاهاً آخرَ، هذه الغازاتُ التي أوْدَعَها اللهُ في الأجواءِ ذاتُ رجعٍ، فهذا الأكسجينُ الذي يستنشقُه الإنسان ينفثه غازَ فحْمٍ، ثمّ يأخذُه النباتُ، فيُنفثه أكسجيناً، إذاً حتى الغازاتُ لها دوْرةٌ طبيعيّةٌ؛ مِن أكسجين، إلى غازِ الفحْم، إلى أكسجين.
اتجاه ثالث، إذا أرْسلت إلى السماء أمواجاً كهرطيسيّة فإنَّها ترجعُ، والبثُّ اليومَ يقومُ على هذا المبدإ.
اتجاه رابع، إذا صعَدَ بُخارُ الماءِ إلى السماءِ يرجعُ أمطاراً، يقول ربّنا : ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ .
إنّ السماءَ تُرْجِعُ بُخارَ الماءِ أمطاراً، وتُرجِعُ الأمواجَ الكهرطيسيّةَ بثّاً، وترجِعُ الغازاتِ في تقلّباتها إلى ما كانت عليه، وكلّ ما في السماءِ يرجعُ إلى مكانِه الأوّلِ، لأنّه يدورُ ويسيرُ، ويتحرّكُ في مسارٍ دائري أو بيْضَويٍّ، فحينما يقولُ ربُّنا بإيجازٍ عجيبٍ: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ معنى ذلك أنّ هذا الكلامَ قرآنٌ مِن عند خالقِ الأكوان، وتشعرُ أنّ هذا وصْفُ الله تعالى، وصفُ الخالقِ، ووصْفُ الصانِعِ.
والشيءُ الآخرُ، أنّك لو أردْتَ أن تصِفَ الأرضَ بِصِفةٍ شاملةٍ جامعةٍ مانعةٍ لم تَقْدِرْ، وقد وَصَفَها اللهُ بوصفٍ جامعٍ مانعٍ فقال: ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ .
إنّ القاراتِ كانت متَّصلةً فتصدَّعَتْ، لأنّ الصُّخور تتصدَّعُ، والأحجارَ تتصدَّعُ، بل إنّ أدقَّ الجزئيّاتِ تتصدَّعُ، فإذا ذهبْتَ لِتَصِفَ الأرضَ بصِفَةٍ ثابتةٍ منذ أنْ خَلَقَها اللهُ، وحتى نهايةِ الحياةِ قلت: إنَّها تتصدّع: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع﴾ ، فكيف هو الصَّدْعُ إذاً؟
стр. 252
الأرضُ طبقاتٌ، أَمْسِك بيْضةً، هناك القِشرةُ الكِلسيّةُ، والقِشْرةُ الرقيقةُ، وبياضُ البيضةِ، وصفارُها، غيرَ أنّ أقسى هذه الطبقاتِ الطبقاتُ الخارجيّةُ، وكلّما نَزَلْنا إلى أعماقِ الأرضِ تصبحُ هذه الطبقاتُ أقلَّ صلابةً، إلى أنْ تصبحَ لَزِجةً، إلى أنْ تصبحَ مائعةً مضطربةً، وهذه النظريّةُ أصبحَتْ حقيقةً، فكلّما اتَّجَهنا نحو بطنِ الأرضِ ضَعُفَتِ الصلابةُ، وارتفعَتِ الحرارةُ، أمّا حول مركزِ الأرضِ فثمّةَ اضْطرابٌ عجيبٌ لِمَائِعٍ ناريٍّ، وقد أشارَ القرآنُ إلى ذلك، قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [المُلك: ١٦] .
ومعنى تمورُ، أيْ تضطرِبُ اضْطرابَ المائع، إنّنا ننْعم بالاستِقرارٍ على ظهرها، بِصَلابتِها، بِقُوَّتها، نبني بناءً شامخاً على أساسٍ متينٍ، ولو أنّ هذه الأرضَ خُسِفَتْ بنا ووصلنا إلى أعماقها لأصبحْنا على مائعٍ ناريٍّ مضطرب يمورُ، قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ .
فمَنْ أخْبرَ النبيَّ ﷺ ، وهو النبيُّ الأُميُّ بأنّ في باطنِ هذه الأرضِ مائعاً ناريّاً مضطرباً؟ أليس هذا القرآنُ كلامَ الله ؟.
إذا وقفْتَ عند الآياتِ الكونيّةِ في القرآنِ وجدْتَ أنَّه كلّما تقدَّمَتْ بك الدراساتُ التقيت مع وصْفِ اللهِ الموجزِ، ومع وصفِ الله المُعجِزِ، ومع وصْفِ اللهِ البليغِ.
الذي خلق سبع سماوات طباقا
يقولُ اللهُ ، في سورة تبارك:
﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العزيز الغفور * الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ١-٤] .
سنقفُ عندَ قوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً﴾ .
стр. 253
يقولُ علماءُ الفضاءِ: "إنّ الطبقةَ الأولى هي طبقةُ الهواءِ السفلى، التي تعيشُ فيها الأحياءُ، مِن طيورٍ وكائناتٍ، وما شاكل ذلك، وهذه الطبقةُ أيضاً مؤلفةٌ من عِدّة طبقاتٍ، وهي متقلِّبةٌ من حالٍ إلى حالٍ، ومتحوِّلةٌ من مكانٍ إلى مكانٍ، مِن حالةِ الحَرِّ، إلى حالةِ البردِ، إلى حالةِ الغُيُومِ، إلى حالةِ الأمطارِ، إلى حالةِ العواصفِ، إلى حالةِ الزَّعازعِ، تنتقل فيها هذه المنخفضاتُ، وهذه المرتفعاتُ من مكانٍ إلى مكانٍ، وانتقالُها أساسُ التنبُّؤاتِ الجويةِ".
فهذه الطبقةُ السفلى لا يزيدُ ارتفاعُها أولَ الأمر على ستة عشر كيلو متراً.
والطبقة الثانية، هي طبقةٌ فيها جزيئاتٌ غازيةٌ كبريتيةٌ، هذه الجزيئاتُ الغازيةُ الكبريتيةُ، تلقِّحُ السحابَ، وتسهِّلُ عمليةَ الأمطارِ، ولولا هذه الطبقةُ الكبريتيةُ لمَا هَطَلَتِ الأمطارُ، ولما كانتِ الحياةُ على سطحِ الأرضِ، وفي هذه الثانية أيضاً طبقةُ الأوزون، وهي غلافٌ مِن الأُكسِجين الثلاثي، الذي يمتصُّ الأشعةَ فوقَ البنفسجيةِ القَاتِلةَ، لأنّ هناك في الشمسِ أشعةً فوقَ البنفسجيةِ، تمتصُّها طبقةُ الأوزون، ولا تسمح طبقةُ الأوزونِ بمرورِ هذه الأشعةِ القاتلةِ إلا بجزءٍ يسيرٍ يسِيرٍ يقتل الجراثيمَ الضارَّةَ في الكائناتِ الحيةِ، فالتعرُّضُ للشمسِ مفيد ومطهِّر، ولكن قد أصابَ طبقةَ الأوزونِ بعضُ الخللِ مِن كثرة رحلاتِ الفضاءِ، والأقمار الصناعيةِ، وبعض الصناعات الغازية، وبدأ سرطانُ الجلدِ ينتشرُ بأعدادٍ وبائيةٍ كبيرةٍ في بعض الدول المتقدمة، حيث إنّ طبقةَ الأوزونِ في تلك الأماكنِ قد أصابَها بعضُ الخللِ.
وأمّا الطبقةُ الثالثةُ فهي تشبِهُ فُرناً ذريّاً شديدَ اللهب، ولولا هذه الطبقةُ لكانتِ الأحجارُ الكونيةُ، والكوَيْكباتُ المتساقطةُ قد دَمَّرتْ كلَّ شيء على الأرض، ولكنَّ هذه الطبقةَ تصهرُ كلَّ شيءٍ؛ من نيازكَ، من معادنَ، من كويكباتٍ، من أحجارٍ، تصلُ إلى الأرضِ بفعلِ الجاذبيةِ، إنها تحترقُ في هذه المنطقةِ على الأرض، وتتشهَّبُ، وتصبحُ رماداً، لا يُرَى إلا بالمَجاهِر.
стр. 254
والطبقةُ الرابعةُ من طبقاتِ الغلافِ الجوّيِّ هي طبقةُ "الأيونوسفير"، أي الطبقةُ المتأيّنةُ بأرجائِها الغامضة، وبارتفاعٍ قَدْرُه ثمانون كيلو متراً فوقَ طبقة "الأيونوسفير"، وتتعرّض الطبقةُ المتأيّنةُ لإشعاعاتِ الشمسِ، ولا سيما فوق البنفسجيةِ التي تعملُ على تحطيمِ ذرّاتِ غازِ الأوكسجين والنيتروجين بها، فتفقدُها إحدى إلكتروناتِها فتصبحُ متأيِّنةً، أي مشحونةً كهربيّاً، وتُدعَى هذه الذراتُ عند ذلك بالأيوناتِ المشحونةِ، حيث تقومُ مقامَ الملايين من المرائي في الجوِّ، فتعكسُ الموجاتِ اللاسلكيةَ عن الأرضِ، وترسلها حولها، وهذه هي الطريقةُ التي تُستعملُ في إرسالِ الرسائلِ اللاسلكيةِ من قارةٍ إلى أخرى، وحول العالَمِ في جميع الاتجاهاتِ.
وأمّا الطبقةُ الخامسةُ فهي تمتدُّ مِن ألف كيلو مترٍ، إلى خمسةٍ وستين ألفَ كيلو مترٍ، يقلُّ الهواءُ تدريجياً في هذه الطبقةِ، إلى أن ينعدمَ، فطبقةُ الهواءِ المحيطةُ بالأرضِ يزيدُ سمْكُها على خمسةٍ وستين ألفَ كيلو مترٍ نحوَ الأعلى، أمّا الشيءُ المعجِزُ فهو أنّ اللهَ يقول: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] .
﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ ، أي: به تُحْفَظُ الأرضُ، وقال بعضُ العلماءِ الأجانبِ بالحرفِ الواحدِ: "إنّ الجوَّ الأرضيَّ حاجزٌ حقيقيٌّ، هو حقاً قليلُ الكثافةِ، ولكنه سميكٌ جداً، فهو يُوقِفُ الأشعةَ، ويحرقُ الشُّهُبَ، إنّه يحمِي حياتَنا الدنيويةَ، ويحافظُ عليها، لأنّه لا يسمحُ إلا لكلِّ ما هو نافعٌ لنا بالوصولِ إلى سطحِ الأرضِ"، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ .
لا يَسمحُ جوُّ الهواءِ للنيازكِ، ولا للشُّهُبِ، ولا للمعادنِ، ولا للأحجارِ، ولا للكُوَيْكِبَاتِ، ولا للأشعةِ القاتلةِ، ولا لكلِّ ما يؤذي الأرضَ بالاختراقِ، فالهواءُ إمّا أنْ يحرِقَه، وإما أنْ يمنعَه، فالأوزونُ يمنعُ الأشعةَ القاتلةَ، ويمتصُّها، والطبقةُ الرابعةُ الحارَّة تَصْهَرُ كلَّ شيءٍ.
стр. 255
أُذِيعَ في أحَدِ الأعوامِ، وعلى متنِ طائرةِ الحجِّ، أنَّ الحرارةَ خارجَ الطائرةِ هي خمسون درجةً تحتَ الصفرِ، وكانت حرارةُ الجوِّ في مثلِ تلك الأيامِ في الديارِ المقدسةِ في الظلِّ خمساً وخمسينَ درجةً، وأمّا في الجوِّ فكانت خمسين درجةً تحتَ الصفرِ.
حينما يقول الله ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] ، فهذه آيةٌ كونيةٌ عُظْمَى، لا يعرفها إلا مَن عَلِم، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] .
وكلُّ كلمةٍ في القرآنِ تشيرُ إلى علومٍ، وإلى تفصيلاتٍ، لو أمضى الإنسانُ حياتَه كلَّها في دراستها لما انتهى منها، بل لمَا استوفى معشارَ حقِّها.
إخبار الله تعالى عن الظلام في الفضاء الخارجي
كان عالِمٌ مِن علماءِ الفلَكِ في زيارةِ مركزِ إطلاقِ المراكِبِ الفضائيّةِ في بعضِ الدُّوَلِ المتقدِّمةِ، وبينما هو في زيارةِ هذا المركزِ الذي كان على اتِّصالٍ مستمرٍّ بِمَركبةٍ فضائيّةٍ كانت قد أُطْلِقَتْ قبْل ذلك بقليلٍ، إذا برائِدِ الفضاء يتَّصلُ بِمَركزِ انطلاقِ هذه المركبةِ، ويقولُ: لقد أصبحْنا عُمْياً لا نرى شيئاً، وكانتِ المركبةُ أُطلِقَتْ في وَضَحِ النّهارِ، وبعْد وقتٍ قليلٍ تجاوَزَتِ الغِلافَ الجويَّ، ودخلَتْ في منطقةٍ لا هواءَ فيها، وأصبَحَ الجوُّ مُظْلماً ظلاماً كليّاً، فصاحَ هذا الرائِدُ: لقد أصبحْنا عُمْياً لا نرى شيئاً، فما الذي حَصَل؟
стр. 256
الذي حصَل أنّ أشِعَّةَ الشّمسِ إذا وصَلَتْ إلى الغِلافِ الجويِّ تناثَرَ ضوْءُها، وتشتَّتَ بين ذرّاتِ الهواءِ وذرّاتِ الغبارِ، وهذا ما يُعَبِّرُ عنه علماءُ الفيزياءِ بانتثارِ الضّوءِ، أو بِتَشَتُّتِ الضّوءِ، تنعكسُ أشِعّة الشّمسِ على ذرات الهواء، وذرات الغبار فَتَجْعلُها مُتألّقةً، وهذا الذي يُسمَّى في الدنيا: منطقة فيها أشعّةُ الشمسِ، ومنطقة فيها ضوءٌ، ولا شمسَ فيها، كَجَوِّ المسْجِد، فإنّه يرى فيه بعضنا بعضاً، هناك ضوءٌ، وليس فيه أشِعّةُ شمسٍ، لأنّ الضّوءَ ينتثِرُ، فلمّا غادَرَتْ هذه المركبةُ الغِلافَ الجويّ انْعَدَمَ تناثُرُ الضّوءِ، وأصْبحَ الفضاءُ مظلماً، شديدَ الظّلامِ، لا يُرى فيه شيءٌ.
لو عُدْنَا إلى كتابِ الله الذي نزلَ قبْلَ أربعة عشرَ قرناً ونيّفاً، ووقتَها ما عرفَ أهلُ الأرضِ الصّعودَ إلى القمرِ، وما عرفوا غزْوَ الفضاءِ بهذه العِبارةِ الفَجَّةِ، وما عرفوا تجاوُزَ الغِلافِ الجويِّ، وما عرفوا كلّ ذلك، لو عُدْنا إلى كتابِ اللهِ لوَجَدنا في هذه الآيةِ إعجازاً عِلْميّاً، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحِجر: ١٤-١٥] .
هذا الذي قالَه رائدُ الفضاءِ: لقد أصبحْنا عُمْياً، قد جاء به القرآنُ قبْلَ أربعة عشرَ قرناً، أليس هذا دليلاً قَطْعِيّاً على أنّ هذا الكلامَ كلامُ خالقِ البشرِ؟ عُرِفَتْ هذه الحقيقة قبلَ عشرِ سنواتٍ، حينما عَرَفَ الإنسانُ الغلافَ الجويَّ واقْتَحَمَهُ، وأُلْغِيَ تناثُرُ الضّوءِ، ودَخَلَ في ظلامٍ دامِسٍ، عرفَ كيفَ أنّ الفضاء الخارجي مُظلمٌ ظلاماً داكناً، ولا يُرى في الفضاءِ إلا كوكبٌ متألّقٌ مِن دون أنْ ينتثِرَ الضّوءُ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحِجر: ١٤-١٥] .
стр. 257
إنّ مِن خصائصِ الوحيِ إلى النبيِّ ﵊ أنَّ دليلَهُ منه، وأنّ الدليلَ يتَطَابَقُ مع المَدْلُولِ عليه، فالوَحْيُ الذي جاء النبيَّ ﵊ هو مِن عند اللهِ تعالى بِظَاهِرَةٍ صارخةٍ، ألا وهي الإعجازُ، فإنّ هذا الكلامَ يَعْجِزُ عن معرفتِهِ الإنسانُ حينما نزلَ القرآنُ، والآن مع التقدُّمِ العلميِّ بدَأَ العلمُ يكشفُ جوانِبَ قليلةً منه، يؤكِّدُ هذا قولُ الله : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصّلت: ٥٣] .
وهذه السِّينُ في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ للاستقبال، حتى يتبيّنَ للمُعْرِضين، وللمُنْكِرين، وللمُشَكِّكين أنَّه الحقُّ، أنَّه كلامُ اللهِ .
لا شيءَ في الحياةِ يجبُ أنْ يسْتَحْوِذَ على فَهْمِنَا كفهْمِ منهجِ ربّنا، كَفَهْمِ كتابِ اللهِ، كفهْمِ أبْعادِه، ومَدلولاتِه، وحلالِه وحرامِهِ، ووعْدِهِ ووعيدِهِ، وآياتِهِ الكونيّةِ والتكوينيّةِ، لأنَّه طريقُ سعادتِنا وهدايتنا.
القوى الجاذبة في الكون
ممّا عُلم بداهةً أنّ هذا الكونَ العظيمَ لا نهايةَ له، وكلما كَشَفَ العلمُ مجرةً بعيدةً بَعيدةً، تبعد عنا عشراتِ بل أضعافَ العشراتِ مِنْ آلافِ ملايينِ مِنَ السنين الضوئية، اكتشف أنّ هذا الكونَ لا نهايةَ له، ومع ذلك يَحْكُمُه قانونٌ واحدٌ: إنه قانونُ الجاذبيَّةِ.
فكلُّ كتلةٍ في هذا الكونِ تجذِبُ الكتلةَ الأخرى، بقدْرِ حجم كتلتها، وبقدْرِ المسافةِ فيما بينهما، فلو أنّ هذا القانونَ وحدَه كان هو المسيطرَ، وما دامت كلُّ كتلةٍ تجذبُ أختَها فلا بد أنْ يصبحَ الكونُ كلُّه كتلةً واحدةً، فما الذي يحُولُ بين تكتُّلِ الكونِ وتَبَعْثُرِه؟.
الجواب: إنّها آيةٌ في كتابِ الله: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ [الطارق: ١١] .
стр. 258
كلُّ شيءٍ في السماءِ يدورُ، ويدورُ بمسارٍ مغلَقٍ، يدورُ ويرجعُ، هذه الحركةُ الدورانيةُ المستمرةُ ينشأ عنها قُوىً نابذةٌ، هي التي تكافِىءُ القُوى الجاذبة، ومِن هذه الحركةِ المستمرَّةِ ينشأُ ما يسمى: التوازنَ الحَرَكيَّ، وهذا مِن آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه.
يقول الله : ﴿الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] .
هناك عَمَد، جمع عمود، ولكنَّكم لا ترونَ هذه العَمدَ.. ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ .
قال بعضُ العلماء: هذه إشارةٌ إلى قُوى الجذبِ فيما بين المجرَّاتِ، والكواكبِ، والكُتَلِ.
والجاذبيةُ في الأرضِ أشارَ اللهُ إليها بقوله تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ [النمل: ٦١] ، فَمَنْ جعَلَ هذه الأشياءَ التي على سطحِ الأرضِ تستقرُّ عليها، وتنجذبُ إليها؟ ما هو الوزنُ في حقيقته؟ الهواءُ منجذبٌ إلى الأرضِ، والبحرُ منجذبٌ إلى الأرضِ، وكلُّ ما على الأرضِ منجذبٌ إليها، ولو أنَّ الإنسانَ طارَ في الفضاءِ، فوصلَ إلى نقطةِ انعدامِ الجاذبيةِ، لانعدم وزنُه، ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ .
آيةٌ أخرى تشيرُ إلى هذه الجاذبيةِ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣-٤] ، فإذا تعطَّلتِ الجاذبيةُ التي في الأرضِ، ألْقَت الأرضُ ما فيها، وتخلَّتْ، وتَبَعْثَرَ ما فيها، وخَرَجَ منها، ولم يَعُدْ.
هناك آيةٌ هي مِحْوَرُ هذه الفكرةِ القصيرةِ، وهي قولُ الله : ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] .
стр. 259
إنّ زوالَ الشمسِ عن كَبِد السماءِ هو انحرافُها، وما دامَ اللهُ العليمُ الخبيرُ يقول: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ [الطارق: ١١] ، فإنّ كلَّ كوكبٍ في الكون يدورُ حول نجم آخرَ، وله مسارٌ دائري أو إهليلجي، ويرجعُ إلى مكانِ انطلاقِه، أنْ يكونَ هذا الكوكبُ على هذا المسارِ بشكلٍ دقيقٍ، هذا فِعْلُ مَنْ؟ لو أنّ الأرضَ خَرَجَتْ عن مسارِها لانجذبتْ إلى كوكبٍ آخرَ، وانتهتِ الحياةُ على الأرضِ، فمَنِ الذي يُبْقِي حركةَ هذه الكواكبِ على خطِّ سيْرِها تماماً؟ كما لو أنّ قطاراً خَرَجَ عن سكَّته لتدهور، فأنْ يبقى القطارُ على سكَّته، وأنْ تبقى المركبةُ على الطريقِ، وأنْ تبقى الأرضُ في مسارها حولَ الشمسِ، فهذا مِن تقديرِ عزيزٍ حكيمٍ، يقول ربنا : ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ ، أيْ: أنْ تخرجَ عن مسارها، وإنّ مذنَّب هالي زار الأرضَ في عام ١٩١٠، وزارها ثانيةً في عام ١٩٨٦، هذا المذنَّب منذ آلافِ آلاف السنين له مسارٌ لا يحيدُ عنه، وله وقتٌ لا يتخلَّفُ عنه، فمَنْ أبقاه في هذا المسار، وفي هذه السرعةِ الدقيقةِ؟ هذا المذنَّبُ، وبقيةُ المذنَّبات، والأرضُ، والمجموعةُ الشمسيةُ.. ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨] .
كلُّ الكونِ يسيرُ في مساراتٍ لا يحيدُ عنها أبداً، بقدرة قادر، إنّه اللهُ خَالقُ الكون وحْدَه، ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: ٤١] .
هل تستطيعُ قُوى الأرض كلُّها أنْ تُعيدَ انحرافَ الأرضِ إذا خرجتْ عن مسارِها؟ أو أنْ تُعِيدَ انحرافَ الشمسِ إذا خرجتْ عن مسارِها؟
المرصد العملاق، وأبعد المجرات عنا
стр. 260
نقلتْ إحدى محطات الأخبار العالمية الخبر التالي: "أُرسِلَتْ مركبةٌ فضائيةٌ تحمِلُ مرصداً عملاقاً، قُطْرُ عدستِه ثمانيةُ أمتارٍ، أُرْسِلَتْ قبل أربعِ سنواتٍ، ويغلبُ على الظن أنّ سرعتَها تزيدُ على أربعين ألفَ مِيلٍ في الساعة، مضى على انطلاقِها مِن الأرض أربعُ سنواتٍ، مِن أجْلِ أنْ يكتشفَ خبايا الكونِ وأسرارَه، ولعلّه اقتَربَ مِن المشتري، وقد الْتَقَطَ قبلَ يومين صورةَ مَجَرَّةٍ جديدةٍ اكْتُشِفَتْ حديثاً".
كان يُظَنُّ أنّ أَبْعَدَ مجرةٍ اكْتُشِفَتْ بُعْدُها عنَا عشرون ألفَ مليونِ سنةٍ ضوئيةٍ، وممَّا يُعلمُ أنّ أقْرَبَ نجمٍ مُلْتَهِبٍ يبعدُ عن الأرض أربعَ سنواتٍ ضوئيةٍ، ولو أردتَ أنْ تعرفَ ماذا تعني أربعُ سنواتٍ ضوئيةٍ، فإني أمثل لك ذلك بأنك لو أردتَ أنْ تَصِلَ إلى هذا النجمِ الذي يبعدُ عنّا أربعَ سنواتٍ ضوئيةٍ في مركبةٍ أرضيةٍ لاحْتَجْتَ إلى قريبٍ من خمسينَ مليون عامٍ.
نجمُ القطْبِ بُعْده أربعةُ آلاف، والمرأةُ المسلسلةُ مليونانِ، أحْدَثُ مجرةٍ تبعُدُ عنّا عشرين ألفَ مليون سنة ضوئية.
الخبرُ الذي أَذَاعَتْه إحدى محطاتِ الأخبارِ العالميةِ عن تلك المركبة الفضائية التي انطلقت قبل أربعِ سنواتٍ بسرعة أربعينَ ألفَ ميلِ في الساعةِ، والتي يُظَنُّ أنها قُرْبَ المشتري، أرسَلَتْ قبل أيام صورة لمجرةٍ تبعد عنا - ودققوا في هذا الرقم - مئات البلايين من السنوات الضوئية، والبليونُ ألفُ مليون، وهذه المجرةُ كانت في هذا الموقعِ قبل هذه السنين، ثم تحوَّلَتْ إلى موقعٍ آخرَ؛ لأنّ سرْعتَها تزيد على مئتين وأربعين ألف كيلو مترٍ في الثانية، أين هي الآن؟..
الآن تفكَّرْ في قوله : ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] .
هذا الإلهُ العظيمُ الذي خَلَقَ هذا الكونَ العظيمَ أيُعْصَى؟ أيَنصرِفُ الإنسانُ عن أمْرِه ونهْيِه؟ ولا يعبأُ بوَعْدِه ووَعِيدِه، يرجُو غيْرَه، ويخافُ غيرَه، ويسعَى لإرضاءِ غيرِه: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ .
المجرات والنجوم وسرعتنا
стр. 261
إنّ كلمةَ المجرّاتِ نسمعُها كثيراً، ونقرأُ عنها الشيءَ الكثيرَ، ولكنّ الحقائقَ التي اكتُشِفَتْ حديثاً تكادُ لِعَظَمَتِها لا تُصَدَّقُ.
إنّ المجرّاتِ جُزُرٌ كونيّةٌ هائلةٌ، تكوِّن وحداتِ الكونِ الأساسيّةَ، فالمجرّاتُ غبارٌ كونيٌّ، وسُدمٌ، ونجومٌ، وكواكبُ، ومذنّباتٌ، ونيازكُ، وشُهبٌ، ومجالاتٌ مغناطيسيّةٌ كهربيّةٌ عنيفةٌ، كلُّ هذا في المجرّةِ الواحدةِ، والشيءُ الغريبُ أنَّ أكبرَ مرْصدٍ على وجهِ الأرضِ رصَدَ ألفَ مليونِ مجرّةٍ، غيرَ أنّنا لا نرى بالعينِ المجرَّدةِ إلا ثلاثَ مجرّاتٍ، إذا نَظَرْنا إلى قبّةِ السماءِ نرى درْب التَّبَّابنةِ، ومجرّة مَاجِلاَّن الصغرى، والكبرى، أمّا المراصدُ الكبيرةُ فقد رصَدَتْ ما يزيدُ على ألف مليون مجرّة، بل إنّ تقديراتِ العلماءِ أنّ في السماءِ مليونَ مَليون مجرّةٍ، وإنّ عدد النجوم في كل منها يقترب من مليون نجم، لذلك قال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] .
لنأخذ على ذلك درْبَ التَّبَّابنةِ، وهي مجرّتنا، التي نحن جزءٌ صغيرٌ منها، طولُها يزيد على مئة وخمسين ألفَ سنةٍ ضوئيّةٍ، على حين أننا نبعدُ عن القمرِ ثانيةً ضوئيّةً واحدةً، ونبعدُ عن الشّمسِ ثماني دقائقَ، المجموعةُ الشّمسيّةُ مِن أقصاها إلى أقصاها لا تزيدُ على ثلاث عشرةَ ساعةً ضوئيّةً، أمّا مجرّتُنا فطولُها يزيدُ على مئة وخمسين ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، وشكْلُها كالمغزلِ.
الشيءُ الغريبُ والجديدُ أنّ هذه المجرّاتِ تدور حولَ نقطةٍ موهومةٍ في الفضاءِ الخارجيِّ، تدور حولَ هذه النّقطةِ بسُرعةٍ لا تكاد تُصَدَّق، إنّها تدور بسُرعةٍ تعادِلُ ثمانيةَ أعشارِ سرعةِ الضّوءِ، والضّوءُ يقطعُ في الثانيةِ الواحدةِ ثلاثمئة ألف كيلو متر، إنّ هذه المجرّاتِ تسيرُ بِسُرعةٍ بَيْنَ سبعةٍ وثمانيةِ أعشارٍ مِن سُرعةِ الضّوءِ.
المجموعةُ الشّمسيّةُ على سبيلِ المثالِ، تدورُ حولَ نقطةٍ في مجرّتنا، تستغرقُ دورتُها حول هذه النّقطةِ مئتين وخمسين مليون سنةٍ، وسرعتُها تزيدُ على سبعةِ أعشارِ سرعةِ الضّوءِ.
стр. 262
هذه الأرقامُ، والسرعةُ، والأعدادُ، والمسافاتُ الفلكيّةُ شيءٌ لا يستطيعُ هذا العقلُ تصوّرَه.
تدورُ الأرضُ حولَ نفسِها بسرعةِ ألفٍ وستّمئة كيلو مترٍ في الساعةِ، والأرضُ تدورُ حولَ الشّمسِ بسُرعةِ ثلاثين كيلو متراً في الثانيةِ، والشمسِ تجري لمستقرٍّ لها بسُرعةِ مئتي كيلو مترٍ في الثانيةِ، والمجرّةُ بسُرعةِ مئتين وأربعمئة ألف كيلو مترٍ في الثانيةِ، أيْ قريباً مِن سرعةِ الضّوءِ، ومع ذلك مِن أجْلِ أنْ تدورَ الشّمسُ حوْلَ نقطةٍ في المجرّةِ تحتاجُ إلى مئتين وخمسين مليون سنةٍ، واللهُ يقول: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٠] .
قبْلَ عهدٍ مِن الزّمن حَصَلَ انفجارٌ في قلْبِ مجرّةٍ لها رَقْم (٢٨M) ، فامْتدَّتْ ألسنةُ اللَّهبِ مئاتِ ملايينِ الكيلومتراتِ، وقد شعَّتْ من هذا الانفجارِ طاقةٌ تدميريّةٌ تُعادِلُ ألفَيْ بليونِ بلْيونِ قنبلةٍ هيدروجينيّةٍ، وهذا مظهرٌ مِن مظاهرِ اسمِ الله (القويّ) ، مع أنّ هذه القنبلةَ الواحدةَ كافيةٌ لِتَدميرِ أكبرِ مدينةٍ على وجهِ الأرضِ، فكيف إذا كان هذا الانفجارُ يساوي ألفيْ بَليون بليون قنبلةٍ هيدروجينيّةٍ؟!.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] ، فكلّما اتَّسَعتْ معرفتُك بالكونِ ازدادَتْ خشْيتُك، نحن على وجهِ الأرضِ، والأرض كوكبٌ صغيرٌ صغِيرٌ، الأرضُ تدورُ حولَ الشمسِ، والشمسُ تدورُ حولَ نجمٍ في المجرّةِ، والمجرّةُ تدورُ حولَ نقطةٍ وهميّةٍ في الفضاءِ، وكلٌّ يَدور، قال تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ [الطارق: ١١] ، أيْ إنّ كلَّ جِرْمٍ في السماءِ يدورُ دَوْرةً إهليلجيّةً حيثُ يرجعُ إلى مكانِ انطلاقِهِ.
تَفَكَّروا في خلْقِ السَّماواتِ والأرضِ، قال تعالى: ﴿الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] .
مواقع النجوم
стр. 263
يقول تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] ، والسؤالُ المطروحُ: ما مواقعُ النجومِ المذكورةُ في هذه الآيةِ؟ لهذه المواقعِ معانٍ ثلاثةٌ:
المعنى الأولُ: أنّ بين النجومِ مسافاتٍ يستحيلُ على العقلِ تصوُّرُها، فبيْنَ الأرضِ وبعضِ المجرَّاتِ على سبيلِ المثالِ عشرون ألفَ مليونِ سنةٍ ضوئية، فإذَا علِمْنا أنّ الضوءَ يسيرُ في الثانيةِ الواحدةِ ثلاثمئةِ ألفِ كيلو مترٍ، فكم يسيرُ في الدقيقةِ؟ هذا العددُ الكبيرُ ثلاثمئة ألف مضروبٌ في ستين، فكم يسيرُ في الساعةِ إذاً؟ وكم يسيرُ في اليومِ؟ وكم يسيرُ في الشهرِ؟ وكم يسيرُ في السنةِ؟
﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ، بين الأرضِ والقمرِ ثانيةٌ ضوئيةٌ واحدةٌ ونيف، أي ثلاثمئة وستون ألف كيلو مترٍ، وبين الأرضِ والشمسِ ثماني دقائقَ، أيْ مئة وستةٌ وخمسون مليون كيلو مترٍ، والمجموعةُ الشمسيةُ طولُها ثلاثَ عشرة ساعةً، ودربُ التَّبَّابنةِ طولُه مئة وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ، هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: أنّ هذه النجومَ ليس لها موقعٌ واحدٌ، بل لها مواقعُ، إذاً فهي نجومٌ متحركةٌ، وكلُّ شيءٍ يَسْبَحُ في فَلَكٍ خاصٍّ به، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
إنّ كلمةَ (بِمَواقعِ) في هذه الآيةِ هي سرُّ إعجازِها، فالموقعُ لا يعني أنّ صاحبَ الموقعِ موجودٌ فيه، فاللهُ ﷻ لم يُقسِمْ بالمسافاتِ التي بيْنَ النجومِ، ولكنّه أقْسَم بالمسافاتِ التي بينَ مواقعِ النجومِ، ذلك لأنّ النجومَ متحرّكةٌ، وليْسَت ثابتةً، ولو قرأَ عالِمُ الفَلكِ هذه الآيةَ لخرَّ ساجداً لله ، فقد قال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ .
стр. 264
تدورُ الأرضُ حولَ الشمسِ في ثلاثمئة وخمسةٍ وستين يوماً، غير أنَّ نجماً آخرَ في المجموعةِ الشمسيةِ يدور حولَ الشمسِ في سنتين أو ثلاث أرضيَّةٍ، وبعضُها في أَقَلَّ مِن سنةٍ، فكلُّ نجمٍ له مواقعُه الخاصَّةُ، وله مدارٌ طويلٌ أو قصيرٌ، وشكل مداره دائري، أو إهليلجيّ، ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ ، فكل نجم له موقع في كل ثانية، وأدقُّ ساعاتِ العالَمِ تُضْبَطُ على بعضِ النجومِ، قد يَجِدُ صانِعُوها أنّها تأخرتْ، أو تقدمتْ في العامِ ثانيةً واحدةً، فما الذي يضبِطُها؟ يضبطُها مرورُ نجمٍ لا يتقدَّم ولا يتأخَّر عن موعدِه الدقيقِ، فهذه المواقعُ وَفقَ نظامٍ عجيب، ففي كلِّ ثانيةٍ يكون للنجمِ موقعٌ جديدٌ، حتى إنّ المذنَّبَ هالي يقطعُ مسارَه في ستّةٍ وسبعين عاماً، وقد رآه الناسُ في عامِ (١٩١٠) ، ورأيناه في عامِ (١٩٨٦) ، وكان قد رُئِيَ قبل الميلاد بألفيْ عام، لم يتقدَّم ولم يتأخَّر، ويكونُ على بُعْد ثلاثةِ ملايين كيلو مترٍ من الأرض، هذا هو المعنى الثاني لمواقعِ النجومِ.
المعنى الثالثُ: بين النجومِ تجاذُبٌ، فالكتلةُ الأكبرُ تجذبُ الكتلةَ الأصغرَ، وثمّةَ عامِلٌ آخرُ هو مربعُ المسافةِ بينهما، فلو أنّ مواقعَ النجومِ تغيرتْ لاختلَّ توازنُ الكونِ، ولارتطمتِ النجومُ بعضُها ببعضٍ، وأصبحَ الكونُ كتلةً واحدةً، هذه المواقعُ مدروسةٌ بعنايةٍ فائقةٍ، حيثُ يكونُ محصِّلُها دوراناً واستقراراً.
فالمعنى الأول المسافات الشاسعة، والمعنى الثاني حركي، وهو تنقُّل النجمٍ من موقعٍ إلى آخر، والمعنى الثالث أنّ هذه الكتلَ بعضُها كبيرٌ، وبعضُها صغيرٌ، بعضُها قريبٌ، وبعضُها بعيدٌ، وقد وُضِعَتْ هذه النجومُ المتفاوتةُ في الأحجامِ، والمتفاوتةُ في الأبعادِ في أماكنَ دقيقةٍ، حيث لو تجاذبتْ لكان محصلةُ هذا كله ذَلك النظامَ البديعَ الذي نراه بأعيننا.
стр. 265
قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] ، ما معنى أن تزولا؟ لا أن تفنى، بل أنْ تخرجَ عن مسارها، فالأرضُ إذا اقتربتْ من الشمسِ زادتْ من سرعتِها، لئلا تنجَذِب إلى الشمس، وهذه السرعةُ الزائدةُ تعطيها قوةً نابِذةً تكافئ القوةَ الجاذبةَ، فتبقى في مكانها، ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ، فكِّروا في هذه الآيةِ، دقِّقوا، ابحثوا، تعرَّفوا إلى الله، ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] ، ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
إنّ في السماواتِ والأرضِ آياتٍ لا تنتهي، ولا تقفُ عند حدٍّ، وفي السماواتِ والأرضِ أدلّةٌ ليست مقنعةً فحسب، ولكنها قاطعةٌ، والدليلُ القاطعُ أبلغُ من الدليلِ المقنِعِ.
أعداد النجوم في السماوات
كان علماءُ الفَلَكِ فيما مَضَى يعدُّون النّجومَ بالألوف، وبعد حقبةٍ من الزّمنِ أصبحوا يعدّونها بالملايين، وقبل سنواتٍ عدَّةٍ أصبحَ العلماءُ يعدّونها بالملياراتِ، وفي تقديرٍ مبدئيٍّ لعددِ نجومِ مجرّتنا، وهي مجرَّةٌ متوسّطةُ، دربُ التبابنة، عدَّ العلماءُ فيها ثلاثين مليون نجمٍ، والمجموعة الشمسية إحدى نجومها، وفي مجرّة أخرى بدأ العلماءُ يَصِلون في عدّهم لهذه النجومِ إلى رقمٍ خياليٍّ، مليُون مليون نجم، فالتقديرُ الحديثُ أنّه تمَّ اكتشافُ مليون مليُون مجرّة، وفي كلّ مجرّةٍ رقمٌ تقديريٌّ قد يصل إلى مليُون مليون نجم، ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] ، وصار العددُ الأخيرُ مليونَ ملْيونٍ، فما أعظمَ ما في السماءِ، والله سبحانه يقول: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ١٠١] .
стр. 266
إلى أمدٍ قريب كان يُظنّ أنّ في السماءِ نجوماً متحرّكةً، ونجوماً ثابتةً، ومعنى أنها ثابتة، أيْ لها مواقعُ ثابتةٌ لا تتغيَّرُ، ولا تتبدَّل مع مرِّ الدهورِ والعصورِ، وكانوا يعدّون الشمسَ مِن هذه النجوم الثابتةِ، مع أنّ الله تعالى يقول: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] ، ثمّ اكْتُشف أخيراً أنّ الشمسَ ومجموعتَها تدور حولَ كوكبٍ في الفضاءِ بسُرعةٍ تزيدُ على مئتي كيلو مترٍ في الثانيةِ الواحدةِ وتستغرق رحلتها ملايين السنين، والأرضُ سرعة دورانها حول الشمسِ ثلاثون كيلو متراً في الثانيةِ.
وصلَ العلماءُ إلى أرقامٍ خياليّةٍ في سرعةِ بعضِ المجرات، إنّ بعضَ المجراتِ تقطعُ في الثانيةِ الواحدةِ مئتين وأربعين ألفَ كيلو مترٍ، أي بسُرعةٍ قريبةٍ مِن سرعةِ الضّوءِ، فما هو هذا الكونُ الواسعُ المُتَرَامِي؟ إنّ اللهَ خالقُ كلّ شيءٍ، وهو على كلّ شيءٍ وكيلٌ.
يقول ربُّنا : ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] ، أيْ: أيُّ نجْمٍ مهما صَغُرَ، ومهما كَبُرَ فَلَهُ فَلَكٌ يسبَحُ فيه، قال تعالى: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
القرآنُ الكريمُ كلامُ ربِّ العالمين، وهذا الكونُ خَلْقهُ، ولا بدّ مِن توافُقٍ تامٍّ بين خَلْقِهِ وهذا الكتابِ، يقول تعالى: ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١] ، ويقول سبحانه: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب﴾ [الكهف: ١] .
الشمسُ، هذه التي نعرفها، حرارتُها في سطحِها ستّةُ آلافِ درجةٍ، وفي مركزها عشرون مليون درجةٍ، ولها قوّةُ إضاءةٍ تقدَّر بوحداتٍ إضائيّةٍ، لكنّ الذي يحيِّرُ العقولَ أنّ هناك شُموساً تزيدُ في إضاءتِها على الشّمس سِتّاً وعشرين مرّة، وهناك نُجومٌ تزيدُ إضاءتُها على إضاءةِ الشّمسِ مِئةَ مرّة، وهناك نجومٌ تزيدُ إضاءتُها على إضاءةِ الشّمسِ خمسمئة ألفِ مرّةٍ، فما شمسُنا إلا شمسٌ متواضعةٌ، ومتوسّطةٌ بين شُموسٍ كثيرةٍ.
стр. 267
هذا كلُّه مصداقُ قولِه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ [فصلت: ٥٣] .
﴿فَإِذَا ?نشَقَّتِ ?لسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَ?لدِّهَانِ﴾
يوقِنُ الباحثُ في العلمِ، ويشعرُ المتأمّلُ في الكونِ، حينما يقرأُ آياتِ القرآنِ المتعلّقةَ بخلْقِ الأكوانِ والإنسانِ، يوقنُ ويشعرُ بكلّ خليّةٍ في جسمِه، وبكلّ قطرةٍ في دمِه أنّ هذا القرآنَ كلامُ الله، المنزّلُ على نبيّه محمّدٍ رسولِ الله ﷺ ، وأنّه مستحيلٌ أنْ يأتيَ به بشرٌ، فرادَى أو مجتمعِين، فمِن خلالِ المؤتمراتِ العالميّةِ التي عُقِدَتْ في عواصمَ متعدّدةٍ في أنحاءِ العالَم حوْلَ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسنّةِ، يتَّضِحُ أنّ أبحاثاً علميّةً جادّةً ورصينةً، قام بها علماءُ ليسوا مسلمين، ولا تَعْنِيهِمْ آياتُ القرآنِ الكريمِ، استغْرَقَتْ عشرَ سنوات، وكلَّفتْ ملايينَ الدولاراتِ، قد جاءت نتائجُ بحوثِهم مطابِقةً مطابَقةً عفوِيَّة وتامّةً مِن دونِ تَكَلُّفٍ، ولا تَعَنُّتٍ، ومن دون تأويلٍ بعيدٍ عن الآيةِ، أو تعديلٍ مفتعلٍ لحقيقة، جاءت نتائجُ بحوثِهم تلك مطابِقةً لآيةٍ، أو لكلمةٍ في آية، بل لحرفٍ واحدٍ في آية، وهذا مِصْداقُ قولِه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
ففي الواحد والثلاثين مِن تشرين الأوّل من عامِ (١٩٩٠) عرضَتْ إحدَى أقوَى وكالاتِ الفضاءِ في العالَمِ مِن خِلالِ مَرصَدٍ عِمْلاقٍ عبرَ موقِعِها المعلوماتي صورةً لا يشكُّ الناظرُ إليها لحظةً أنّها وردةٌ جوريّةٌ، ذاتُ أوراقٍ حمراءَ قانيةٍ، مُحاطةٌ بِوُرَيقاتٍ خضراءَ زاهيةٍ، وفي الوسطِ كأسٌ أزرقُ اللّون، أمّا حقيقةُ هذه الصورةِ فهي صورةٌ لانفجارِ نجمٍ عملاقٍ اسمُه عَينُ القِطّ، يبعدُ عنّا ثلاثةَ آلاف سنةٍ ضوئيّةٍ، وفي هذا الموقعِ المعلوماتيِّ آلافُ الصّوَرِ الملوَّنةِ التي رصدَتها المراصدُ العملاقةُ لِعَجائبِ الفضاءِ، ولكنْ ما علاقةُ هذه الصورةِ بإعجازِ القرآنِ؟.
стр. 268
في القرآنِ الكريمِ آيةٌ مِنْ سورةِ الرحمنِ، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ [الرحمن: ٣٧] ، لو تتبَّعْتَ تفسيرَها في معظمِ كُتبِ التفاسيرِ قبلَ نشْرِ الصورةِ لَمَا وجدتَ فيها ما يَشفِي غليلَك، ذلك لأنّ في القرآنِ آياتٍ لمَّا تُفَسَّرْ، كما قال سيدنا عليٌّ ﵁، وإنّ انشقاقَ هذا النّجمِ يُشبِهُ ورْدةً متألّقَةً، بل إنّ صورةَ هذا النجمِ عندَ انفجارِه هو تفسيرُ هذه الآيةِ، بشكلٍ أو بآخرَ، هذا لونٌ مِن ألوانِ الإعجاز، فالقرآنُ معجزةٌ مستمرةٌ، وقد أَحْجَمَ النبيُّ ﵊ ولعلَّ هذا اجتهادٌ منه، أو لعله بتوجيهٍ من الله عن شرحِ أكثرِ الآياتِ الكونيةِ في القرآنِ الكريمِ، ذلك أنه لو شَرَحَها شرحاً مقتضباً موجَزاً لأَنْكَرَ عليه مَن سيأتي من بَعده، ولو شَرَحَها شرحاً مفصَّلاً لأَنْكَرَ عليه مَن حوله، فتُرِكَتْ لتطوّرِ الحياةِ وتطورِ العِلمِ.
وقد ورد في تفسير ابن كثير: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ ، أي تذوب كما يذوب الدُّرْدِيّ والفضَّة في السبك.
وتتلوَّن كما تتلوَّن الأصباغُ التي يُدهَن بها، فتارةً حمراء، وصفراء، وزرقاء، وخضراء] .
وفي قولٍ آخر: ﴿وَرْدَةً كالدهان﴾ قال: هو الأديم الأحمر.
وفي قولٍ عن ابن عباس: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ كالفرس الوَرْد.
وقال الحسن البصري: تكون ألواناً.
وقال مجاهد: كالدهان: كألوان الدهان، هذا في تفسير ابن كثير.
وأما في تفسير القرطبي فيقول: "صارت في صفاء الدهن، وقال سعيد بن جبير وقتادة المعنى فكانت حمراء، وقيل: تصير في حُمْرَة الورد وجريان الدهن، وقيل: الدِّهانُ الجِلدُ الأحمر الصرف، أي تصير السماء حمراء كالأديم لشدة حَرِّ النار".
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ ، من أجلِ أنْ نعلَمَ أنّ هذا القرآنَ كلامُ اللهِ، وأنه معجزةٌ مستمرةٌ إلى نهايةِ الكونِ، فلا أحدَ يخْطُر في بالِه أنّ نجماً ينفجر في السماءِ على شكلِ وردةٍ، تماماً كالوردةِ الجوريةِ، بأوراقِها الحمراءِ، وكأسِها في الوسطِ، وأوراقِها الخضراءِ، ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
стр. 269
وهذا كلامُ اللهِ بين أيدينا، هو منهجُنا، ودستورُنا، وحَبْلُ اللهِ المَتينُ، مَن عَمِل به سَعِدَ، ونَجَا، ومَن تَرَكَه شقِيَ، وهَلَك، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
النجم الثاقب
قال تعالى: ﴿والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب﴾ [الطارق: ١-٣] ، وقال سبحانه: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: ١] .
الحقيقةُ أنّ علماءَ التفسيرِ وقَفوا وقفاتٍ متأنيةً عند تفسيرِ النجمِ الثاقبِ، حتى استقرَّ رأيُهم على أنَّ هذا النجمَ ضوءُه شديدٌ ثاقبٌ، يخترقُ طبقاتِ الجوِّ، ولم يتحدّثوا إطلاقاً عن كلمةِ الطارقِ.
أما قولُه تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ ، فهذا النجمُ غيرُ الشهابِ الذي يسقطُ، وقد ذَكَرَ اللهُ الشهابَ في آياتٍ كثيرةٍ، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ، وقال : ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ [الجن: ٨] .
إذاً: ﴿والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق﴾ ، فالنجمُ الطارقُ، والنجم الثاقب، والنجم إذا هوى، لا علاقةَ لهذه الآياتِ بالشُّهُبِ المتساقطةِ، التي نراها رأيَ العينِ كلَّ يومٍ.
стр. 270
الموضوعُ معقَّدٌ جداً، لكن على سبيلِ التبسيطِ حينما تَكبرُ النجومُ تنكمشُ، وتزولُ الفراغاتُ البَيْنِيَّةُ بين ذراتها، إلى أنْ تصبحَ بحجمٍ صغيرٍ جداً، ووزنٍ ثقيلٍ، فهي كُرَةٌ ككرةِ القَدَمِ، وهذه النجومُ النيترونيةُ المنكمشةُ يَعْدِلُ وزنُها خمسينَ ألفَ بليونٍ مِنَ الأطنانِ، فإذا وُضِعَتْ هذه الكرةُ على الأرض ثَقَبَتْها، ووصلتُ إلى طَرَفِها الآخرِ، كما لو أتيتَ بقطنٍ أو بسائلٍ هلامِيّ، ووَضَعْتَ فيه كرةَ حديدٍ فإنّها تسقطُ إلى الأسفلِ فوراً، وهذا هو النجمُ الثاقبُ، النجمُ النيترونيّ الذي ضُغِطَ حتى أصبحَ بحجمِ الكرةِ، وله وزنٌ يعدِلُ وزنَ الأرضِ، فلو أنّ الأرضَ شاختَ - بلغت الشيخوخةَ - فإنها تصبحُ بحجمِ البيضةِ، بالوزن نفسِه، ووزنُ الأرضِ هو هوَ، لكنه يصبح بحجم بيضة، هذا هو النجمُ الثاقبُ كما يَرى بعضُ العلماء، والقرآنُ حمَّالُ أَوْجُهٍ.
ثم إنّ هناك تلسكوباتٍ لاسلكيةً تَلَقَّتْ وَمضاتٍ لاسلكيةً مِن هذه النجومِ، (نبضات نوبية) ، وكأنّ هذا النجمَ يطرقُ بابَ الفضاءِ، حيث يتزايدُ تواترُ النبضاتِ النوبيةِ في شبابِه، ويَقِلُّ تواتُرها في شيخوخته، ونعرفُ مِن خلالِ تَوَاتُرِ النبضاتِ التي تأتي عن طريقِ التلسكوباتِ اللاسلكيةِ عمُرَ هذا النجمِ، فنجمٌ يطرق، ونجمٌ يثقبُ، وهذا شيءٌ مِن أحدثِ البحوثِ الفَلَكيةِ.
قال تعالى: ﴿والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب﴾ ، هذا قَسَمٌ، فأين جواب القسم؟ قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ، كلُّ حركاتِك وسكناتِك، وكلُّ أقوالِك وأفعالِك، وكلُّ تمنياتِك، وكلُّ بواعثِك، وكلُّ آمالِك، وكلُّ ما أخفيتَه عن الناسِ يحفظُه اللهُ لك، وسيحاسِبُك عليه، لأنّ الذي خَلَقَ النجمَ الثاقبَ، النجمَ الطارقَ، والنجمَ إذا هوى، هو الذي سيحاسبك على عملك.
﴿والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ، لم يَغِب عن عِلْمِه نجمٌ في السماء، فهل يغيبُ عنه شيءٌ في الأرضِ.
مدارات الكواكب ومذنب هالي
стр. 271
قال تعالى: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، هذه الآية على ظاهرها تدلُّ على أنّ للشمسِ مداراً، وللقمر مداراً، ومدارُ الشمسِ لا يتّصلُ بمدارِ القمرِ، ولن تصطدمَ الشمسُ بالقمرِ، بل ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ، يؤكِّدُ هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] ، وقولُه: ﴿أَن تَزُولاَ﴾ ، أيْ: أنْ تنحرفا، والزوالُ في وقتِ الظهيرةِ انحرافُ الشمسِ عن كَبِدِ السماءِ.
لقد فُهِم مِن هذه الآيةِ أنّ كلَّ كوكبٍ في الفضاءِ له مدارٌ يدورُ فيه، حتى إنّ بعضَهم حينما تلا قوله تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ [الطارق: ١١] ، رأَى أنّ هذه الآيةَ فيها أدقُّ وصفٍ للسماءِ، فما مِن كوكبٍ أو نجمٍ في السماءِ إلا وله مدارٌ يدورُ فيه، ويعودُ إلى مكان انطلاقه بعد حينٍ، فهذا المذنَّبُ الذي يرقبه الناس كل يوم، مذنَّبُ هالي، منذ أنْ خَلَقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ يدورُ في مدارٍ لا يَحيدُ عنه قيدَ أَنْمُلَةٍ، يصلُ إلى نقطةٍ تقتربُ مِنَ الأرضِ ثلاثمئة مليون كيلومترٍ، له ذيلٌ يزيدُ طولُه على ثلاثة وتسعين مليون كيلو مترٍ، ويخافُ الناسُ أنْ يبقى في سيرِه مستقيماً فيرتطمَ بالأرضِ، أما الآيةُ الكريمةُ فتقولُ: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ .
إنّ بقاءَ هذا المذنَّبِ في مدارِه ملايينَ السنين، وبقاءَ الأرضِ في مدارِها ملايينَ السنين، وبقاءَ الشمسِ في مدارِها ملايينَ السنين في حدِّ ذاته آيةٌ عظيمةٌ، جلَّتْ مِن آيةٍ، قال تعالى: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
كلُّ كوكبٍ له مدارٌ لا يزيدُ ولا ينقص، لا يُسرِعُ ولا يُبطِىء.
стр. 272
والشمسُ لن ترتطمَ بالقمرِ، ودورةُ الأرضِ حولَ نفسِها ثابتةٌ، وطولُ الليلِ لا يتغيَّرُ، أيْ: التقاويم هيَ هيَ لآلاف السنين بعد مئة عام يقال لك: في يوم ١٧ نيسان مثلاً من عام (٣٠٠٠) تشرقُ الشمسُ الساعةَ السادسة ودقيقتين، ما معنى ذلك؟ قال تعالى: ﴿وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
دورةُ الأرضِ حوْلَ نفسِها ثابتةٌ، وحوْلَ الشمسِ ثابتةٌ، وكلٌّ في فلَكٍ يسبحون، لكنّ علماءَ الذرة دُهِشوا مِن هذه الآية، قال تعالى: ﴿وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ، علامَ تعود (كُلٌّ) ؟ هذه الآية تعود على كلِّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ ، فالمنبرُ مثلاً فيه ذراتٌ، وفي الذرّاتِ نتروناتٌ تدورُ حول نفسِها، ونظامُ الذراتِ كنظامِ المجرَّاتِ، وكلُّ شيءٍ تقعُ عليه عينُك مُؤَلَّفٌ مِن جزيئات، والجُزَيْءُ مؤلَّفٌ مِن ذَرّاتٍ، والذرةُ مؤلَّفةٌ من نواةٍ، ومن كهاربَ لها مداراتٌ، ولها سرعةٌ ثابتةٌ، هذه الآية التي تشيرُ إلى الذرة، قال تعالى: ﴿وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ﴾ ، أي كلُّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
ذراتُ الصخرِ، الحجَرِ، الخشبِ، كأسُ الماءِ، لوحُ البِلَّورِ، الطاولةُ، كلُّ شيءٍ تقعُ عينُك عليه إنما هو جسمٌ مؤلَّفٌ من جزيئاتٍ، والجُزَيْءُ من ذراتٍ، والذرةُ من نواةٍ؛ وكهارب تدور حول النواة.
سرعة الضوء
يقولُ اللهُ تعالى في كتابِه العزيزِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] .
стр. 273
إنّ القرآنَ يخاطِبُ أناساً يعتمدون السَّنَةَ القمَريةَ، حيث إنّ القمرَ يدورُ حولَ الأرضِ كلَّ شهرٍ دورةً، فلو قِسنا بُعْدَ مركزِه عن مركزِ الأرض، أي نصفَ قطرِ الدائرةِ التي هي مسارُ القمرِ حولَ الأرضِ، وحَسَبْنا محيطَ هذه الدائرةَ بَعْدَ معرفةِ نِصفِ قُطرِها، لَعَرَفْنا عددَ الكيلو مترات التي يقطعها القمرُ في دورته حولَ الأرض كلَّ شهر، ولو أخذْنا طولَ محيطِ هذه الدائرة، وضربْناه في اثني عشر شهراً، لعرفنا المسافةَ التي يقطعُها القمرُ منَ الكيلومترات في رحلته حول الأرض في العامِ، ولو ضربناها في ألفٍ لعرَفْنا ما يقطعُه القمرُ في رحلتِه حولَ الأرضِ في ألفِ عامٍ، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] .
إنّ القمرَ يقطعُ في ألفِ عامٍ ما يقطعه الضوءُ في يوم واحدٍ، بدليلِ أنّنا لو قَسمنا ما يقطعه القمرُ في رحلته حولَ الأرضِ في ألفِ عامٍ على ثواني اليومِ، وهي أربعٌ وعشرون ساعة، تُضرَب في ستين، ثم في ستين أخرى، لكانت هذه النتيجةُ هي سرعة الضوء في الثانية، وهي مئتان وتسعة وتسعون ألفاً وسبعمئة واثنانِ وتسعونَ كيلومتراً ونصف كيلومتر، وهذه النتيجةُ تتفقُ تماماً مع سرعةِ الضوءِ المعلَنةِ دولياً، طبقاً لبيانِ المؤتمرِ الدوليِّ المنعقدِ في باريس، مع العلمِ أنّ سرعةَ الضوءِ هي أهمُّ قانونٍ عرفتهُ البشريةُ في القرنِ العشرين، وهذه السرعةُ هي أعلى سرعةٍ في الكون، فالشيءُ إذَا سار بسرعةِ الضوءِ أصبحَ ضوءاً، وأصبحت كتلتُه صفراً، وحجمُه لا نهاية له، وعندئذٍ يتوقفُ الزمنُ، فإذَا سبق في سرعتِه سرعةَ الضوءِ تراجع الزمنُ، وإذا قصَّرَ عن الضوءِ تراخَى الزمنُ.
إنّ المسافةَ التي يقطعُها القمرُ في مدارِه الخاصِّ حولَ الأرضِ في ألفِ سنةٍ قمريةٍ تساوِي المسافةَ التي يقطعُها الضوءُ في يومٍ أرضيٍّ واحدٍ، وهذه هي النظريةُ النسبية التي يتيهُ الغربُ بها.
стр. 274
أمّا الآيةُ الثانيةُ، وهي قولُه تعالى: ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ، فليس فيها قوله: مما تعدُّون، لأن هذه سرعةُ الملائكةِ، وهي تتجاوزُ سرعةَ الضوءِ.
القمر
كلّنا يعلمُ أنَّ القمرَ يدورُ حولَ الأرضِ في كلّ شهرٍ قمريٍّ مرَّةً واحدةً، وأنَّه يدورُ حولَ نفسِه في وقتٍ مساوٍ تماماً لِدَورتِه حولَ الأرضِ، لذلك لا نرى مِن القمرِ إلا وجهاً واحداً طوالَ الحياة، لأنّه يدورُ حولَ الأرضِ، وحولَ نفْسِه في وقتٍ واحدٍ، ويستكملُ دورتَهُ حولَ نفسِه في تسعةٍ وعشرين يوماً، وثماني ساعات، ويستكملُ دورتَهُ حول الأرضِ في تسعةٍ وعشرين يوماً وثماني ساعات.
لكنّ الشيءَ الذي يَلفِتُ النّظرَ أنَّ القمرَ يقطعُ في كلّ يومٍ مِن دائرةِ سيْرِه مِن فَلَكِهِ حولَ الأرض ثلاثَ عشرةَ درجةً، ويتأخَّرُ في شُروقِه عن اليومِ السابقِ تسعاً وأربعين دقيقةً كلَّ يومٍ، ولولا هذا التأخُّرُ لبدَا القمرُ بدْراً طوالَ الحياةِ، ولكنَّ تأخُّرَه تسعاً وأربعين دقيقةً عن شُروقه السابقِ كلّ يومٍ هو الذي يُرِينا القمرَ في مراتبَ، مِن هلالٍ، إلى رُبْع، إلى بدْر، إلى عُرجونٍ، إلى غيابٍ كاملٍ، لذلك يقول ربّنا : ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ [يونس: ٥] .
من الذي خلَقَ وأبْدَعَ، وجعلَ القمرَ يتأخَّرُ في شُروقِه كلّ يومٍ تسعاً وأربعين دقيقةً عن اليومِ السابقِ، حيث يبدو بهذا التأخُّرِ في هذه المراتبِ، حتى أصبحَ القمرُ تقويماً في كبد السّماء؛ لِتَعلموا عددَ السِّنينَ والحسابَ؟ إنه الله رب العالَمين.
شيءٌ آخرُ، إنّ كتلةَ القمرِ جزءٌ من ثمانين جزءاً مِن كتلةِ الأرضِ، وتعادِلُ الجاذبيةُ على سطحِ القمرِ سدْسَ جاذبيّةِ الأرضِ، فالإنسانُ الذي يزنُ على الأرضِ ستِّين كيلو غراماً يزنُ على القمرِ عشرةَ كيلو غرامات، لذلك الجاذبيّةُ فيه أَقَلُّ.
стр. 275
هناك أقمارٌ تدورُ حولَ نفْسِها في بضعِ سنواتٍ، هناك أقمارٌ تبتعدُ كثيراً، وهناك أقمارٌ تقتربُ كثيراً، ولكنّ التفكيرَ السليمَ، والتفكيرَ الدقيقَ هو أنَّه لو لم يكنِ القمرُ يدورُ حوْلَ نفسِه، وحولَ الأرضِ في وقتٍ واحدٍ، ولو لم يقطعْ في دورتِه ثلاثَ عشْرةَ درجةً، ولولا تأخُّرُ شُروقِه تسعاً وأربعين درجةً لَمَا وُجِد تقويمٌ، ولَمَا اسْتَفَدْنا منه.
ماذا لو قَلَّتِ المسافةُ بينَ الأرضِ والقمرِ عمّا هي عليه الآن؟ قال : ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] .
إنّ بُعْدَ القمرِ عنِ الأرضِ بِحُسبانٍ دقيقٍ، فالمدُّ والجزْرُ يَقَعَانِ بِتَأثيرِ القمرِ، ولكنْ بِتَأثيرٍ محدودٍ، فلو قَلَّتْ هذه المسافةُ لارْتَفَعَ البحرُ، ولغطَّى اليابسةَ، ثمّ انْحسرَ عنها، وكانت الحياةُ على اليابسةِ مستحيلةً، ولو اقتربَ أكثرَ من ذلك لجذَبَتْهُ الأرضُ، وارتطمَ بها، ولو ابتعدَ القمرُ عن الأرضِ أكثرَ لانعدمَ المدُّ والجَزْرُ، وللمدِّ والجزْرِ في البحار وظيفةٌ خطيرةٌ، فلو ابتعدَ أكثرَ وأكثرَ لجذبتْهُ كواكبُ أخرى، ولدارَتِ الأرضُ حول نفسها في أربعِ ساعاتٍ!! فيُصبح النهارُ ساعتين، والليلُ ساعتين، هذا كلُّه مُنْطَوٍ تحت قوله تعالى: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ .
يقول الله : ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم﴾ [يس: ٣٩] ، قدَّرناه منازل، ثم يقول: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، ويقول في آيةٍ أخرى: ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] .
لا يخطرُ في بالِ أحدٍ ما امتدَّتْ به الحياةُ ألاَّ يبدوَ القمرُ، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] .
ومِن آياتِه الدالةِ على عَظَمَتِه تعالى قولُه سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١] .
стр. 276
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سماوات طِبَاقاً * وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ [نوح: ١٥-١٦] .
إنّ تربةَ القمرِ تربةٌ عاكسةٌ للضّوءِ، وهذا مِن حكمةِ اللهِ تعالى، فضَوْءُ القمرِ يُعدُّ جزءاً مِن ثمانية عشر جزءاً مِن ضوء الشّمسِ، وهو تقويمٌ دقيقٌ، جَعَلَهُ اللهُ في كَبِدِ السّماءِ، وجَعَلَ الشّمسَ سَاعةً يوميّةً، فالشّمسُ ساعةٌ، والقمرُ تقويمٌ، قال العليم الخبيرُ:
﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ [يونس: ٥] .
هذه آياتُ اللهِ الكونيةُ تشهدُ له بالعظمة والوحدانية، وقد نعقتْ بها أبواقُ الغربِ في سنين خلتْ، وهي مبثوثةٌ في القرآنِ منذ أربعةَ عشرَ قرناً، فأين تذهبُ أيُّها الإنسانُ؟ وهل شَردتَ عن التفكُّرِ فيها؟.
معجزة الإسراء والمعراج ليست مستحيلة عقلاً
موضوعٌ دقيقٌ جدّاً متعلّقٌ بالإسراءِ والمعراجِ، والناسُ عادةً أَلِفُوا أنّ لكلّ شيءٍ خاصّةً، أو طبيعةً، أَلِفوا القوانينَ التي قنّنَ اللهُ بها ملكوتَ السماواتِ والأرضِ، فللماءِ خواصُّ، وللنارِ خواصُّ، وللانتقالِ مِن مكانٍ إلى مكانٍ قوانينُ تضبطُ هذا الانتقالَ، الجسمُ له ظروفٌ تتوافقُ معه، وظروف تتناقضُ معه، ولكي نفرِّقَ بين ما هو مستحيلٌ عادةً، وما هو مستحيلٌ عقلاً أَسُوقُ لكم الحقائقَ التاليةَ:
стр. 277
إنّ اللهَ سبحانه حينما جعلَ النارَ تحرِق بِمَشيئتِه في أيّةِ لحظةٍ، هو قادرٌ أنْ يجعلَها لا تَحرقُ، أيُّ شيءٍ له طبيعةٌ خاصّةٌ، أيُّ قانون مادّي، أيّ علاقةٍ ثابتةٍ بين شيئين، هذه مِن خَلْقِ اللهِ ، واللهُ يخلقُ ما يشاء، فإذا خَلَقَها على شاكلةٍ يُمكنُ أنْ يخلقَها على شاكلةٍ أخرى، فحينما تأتي في القرآنِ الكريمِ بعضُ خوارقِ العاداتِ، كالإسراءِ والمعراجِ، وهو معجزةٌ، فلا ينبغي أنْ نفْهَمَه في ضوءِ القوانينِ التي قنّنها اللهُ ، لأنّ الإسراءَ والمعراجَ خرْقٌ لهذه القوانينِ، ولأنّ الإنسانَ أحياناً يتوهّمُ أنَّ السّببَ وحدَهُ هو الذي يخلقُ النتيجةَ، فإذا اعتقدَ ذلك اعتقاداً جازماً وقَعَ في الشِّرْكِ، فإنّ الذي يخلقُ النتيجةَ ليس هو السّبب، ولكنّه الله ، ولكنّ السّببَ في أيِّ لحظةٍ يُعَطّل أو يُلغَى، فحينما تأتي بعضُ المعجزاتِ على يدِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم، أو حينما تكونُ بعضُ المعجزاتِ لِنَبيِّنا ﵊، فهذا ليس مستحيلاً عقلاً، ولكنّه مستغرب عادةً، وعلماءُ العقيدة فرّقوا بين ما هو مستحيلٌ عادةً، وما هو مستحيلٌ عقلاً، ومثلُ هذا يقال في البحر الذي بين مصر وسيناء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ، فرعون مِن ورائِهم، والبحرُ أمامهم، قال تعالى مشيراً إلى موقف موسى ﵇: ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] .
стр. 278
لقد خَلَقَ اللهُ طبيعةَ الماءِ سائلةً، وبقُدرته في كلّ لحظةٍ أنْ يصيِّرها جامدةً، فما هي إلا إشارةٌ مِن سيّدنا موسى بِعَصاه حتى شقَّ في البحرِ طريقاً يبساً، هذا إذا فكَّرتَ في آلاء اللهِ، وعرفتَ عظمتَه ، لم ترَ حينئذٍ في خوارقِ العاداتِ شيئاً مستحيلاً عقلاً، بل ربّما كان مستحيلاً عادةً، تماماً كما أَلِفَ الناسُ أنّ النارَ تحرقُ، وأنّ الماءَ سائلٌ، ولكن ربّنا هو خالقُ القوانينِ، وهو خالقُ طبائعِ الأشياءِ، وهو خالقُ العلاقاتِ الثابتةِ، التي تظنّها أنت ثابتةً، إنّها ليْسَت ثابتةً، فإذا شاء الله لها أن تثبتَ ثبَتَتْ، وإذا شاء لها أن تكون غير ثابتة غيَّرها كيف يشاء، فهو الذي خَلَقَ قوانينَ المكانِ، وهو الذي خَلَقَ قوانينَ الزمانِ، فإذا قرأْتَ في كتبِ السيرةِ أنّ النبيَّ ﵊ خَرَجَ مِن بيتِه إلى بيتِ المقدسِ، وعادَ إلى بيته في ليلةٍ، فهذا مِن خَرْقِ اللهِ لِقَوانينِ المكانِ.
لقد كذَّبتْه قريشٌ، وطالبتْه أنْ يصفَ المسجدَ الأقصى فوصَفَهُ، وكأنّه يشاهدهُ، لأنّه شاهدهُ حقيقةً، ولعلّهم يظنّون أنّ النبيَّ ﵊ سمِعَ هذا الوصفَ مِن غيره، فنَقَله إليهم، فطالبوه أنْ يصفَ لهم ما رآه في الطريقِ، فوصفَ لهم قافلةً، وسمّى أسماءَ أصحابِها، ولمّا جاءت القافلةُ إلى مكّة، وسألوا أفرادَها، جاءَت إجابتُهم مطابقةً تماماً لِوَصف النبيِّ ﵊، لذلك فإنّ حدَثَ الإسراءِ مستدَلٌّ عليه بآيات محكمةٍ، صريحةِ الدلالة، وبأحاديث صحيحة صريحةٍ، وهو من المعلوم من الدين بالضرورةِ.
стр. 279
إنّ أحداثَ الإسراءِ والمعراجِ من الزاويةِ العلميّةِ ممْكنةٌ عقلاً، وغيرُ ممْكنةٍ عادةً، والناسُ أحياناً يخْلطون بين العادةِ والعقلِ، فهؤلاء الذين ما عرفوا الله، وما عرفوا قدرتهُ، وما عرفوا معنى قولِه تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ ، وما عرفوا أنّ الزمانَ مِن خلقِهِ، وقد يُلغى، وأنّ المكانَ مِن خلقهِ، وقد يُلغى، ما عرفوا هذه الحقيقةَ، أحياناً ينْكرون أنْ يقعَ الإسراءُ والمعراجُ، وبعضُهم يقرُّ بالإسراءِ، وينكرُ المعراجَ، وكلاهما ثابتٌ، لأنّ هذا الكونِ بِرُمّتِه، وبِمَجرّاتِه، وبكلّ أفلاكِه، وبأرضِهِ وسمائِه وُجِدَ من عَدمٍ، فهلْ يستطيعُ عقلُك فهْمَ هذه القضيّةِ، كُنْ فَيَكُونُ، كان اللهُ، ولم يكن شيءٌ معه، فأيُّهما أعظمُ؛ أن يوجد هذا الكونُ كلُّه مِن عدَمٍ، أم أنْ ينتقلَ النبيُّ ﵊ بقُدرةِ الله، لا بقُدرته؟ فالفعلُ هنا (أسْرَى) ، وليس (سَرَى) ، الفعل (أسْرَى) مُتَعَدٍّ، طفلٌ صغير ضعيف، أيُعْقَلُ أنْ يصعدَ إلى قمّةِ جبلِ همالايا؟! لا يُعقلُ، ولكن إذا حُمِلَ، وأُخِذ، وصُعِدَ به، حينئذٍ يُعْقل، فربّنا يقول: ﴿سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ، فهو انتقلَ بِقُدرةِ اللهِ مِن مكّةَ إلى بيتِ المقدسِ، وانتقلَ إلى السماءِ بقُدرة الله، إذاً فقدرةُ اللهِ لا يحُدّها شيءٌ، وهي تتعلّق بكلّ شيء، فالإسراءُ والمعراج ممكنٌ عقلاً، ممتَنِعٌ عادةً، ولم يأْلَف الناسُ ذلك وقْتَ النبيِّ ﷺ ، أما الآن فقد انتقل الإنسانُ مِن الأرضِ إلى القمرِ في ثلاثة أيّام، وكانت سرعةُ مركبتِه أربعين ألف ميل في الساعة، فما كان مستحيلاً وقْت النبيِّ ﷺ أصبح الآن على يَدَيِ البشر ممكناً، فكلّ شيءٍ ممكنٌ عقلاً، ولكنّه ليس ممكناً عادةً، هذه النقطة قد تغيب عن أذهان بعض الناس، لكن أريد أن أُعقّب تعقيباً قصيراً، وهو أنّ الإنسان كلّما نما عقلهُ، وكلّما دقَّت مدركاتهُ يرى أنّ الكون بِوَضْعِهِ الراهن من دون خرْقٍ لِنَواميسه هو المعجزة، أليسَ الكونُ معجزةً؟
стр. 280
أنْ يولدَ الإنسانُ في رَحِمِ أمِّه، أن يتشكّلَ مخلوقٌ له دِماغٌ، وله خلايا، وله أعصابٌ، وله أوْعِيَةٌ، وله قلبٌ، وله تجاويفُ، وله دسّاماتٌ، وله جهازٌ هضميٌّ، وغددٌ صماءُ، وجهازٌ تنفّسيٌّ، وجهازُ دوران، وجهازُ طرْحِ الفضلاتِ مِن نقطةِ ماءٍ، ومن دون جهْدٍ من أمِّه، ولا تخطيطٍ مِن أبيه، إنّ هذا الطِّفْلَ وحدهُ معجزةٌ، من دون خرْقٍ للمعجزات.
كلّما ارْتَقَت البشريّةُ في علومها الكونية جاءت المعجزاتُ عقليّةً بعد أن كانت حسِّيَّةً، لذلك حينما كانت البشريّةُ تحْبو في حُقولِ المعرفةِ كانت المعجزاتُ حِسِّيَّة، أما حينما ارْتَقَت جاء القرآنُ الذي هو المعجزةُ للنبيِّ ﵊، وهو المعجزةُ المستمرّةُ، والمعجزاتُ الحسيّة كَعُودِ الثِّقاب تتألّق، ثمّ تنطفى، وتصبحُ خبراً يصدّقهُ من يصدّقهُ، ويكذّبه من يكذّبه، لكنّ معجزةَ القرآنِ على مدار الأيامِ إلى نهاية الدورانِ، وكلّما تقدَّم العلمُ كَشَفَ عن جانبٍ مِن جوانبِ إعجازِه، فنحنُ بين أيدينا معجزةٌ عقليّةٌ، هذه ينبغي أن تؤكِّدَ لنا أنّ هذا الدِّين حقّ، وأنّ هذا النبيَّ ﷺ حقّ، وأنّ الكتاب حقّ، وأنّ الجنّة حقّ، وأن النار حقّ، وما علينا إلا أن نتحرّك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] .
الشمس
شموس الكون
سُئِلَ رئيسُ أكبرِ وكالةِ فضاءٍ في العالَم سؤالاً عن السديمِ، وعن كُتَلِه المتوهِّجةِ الحمراءِ والبيضاءِ والسوداءِ، فقال هذا العالِمُ: "الشموسُ المشتعلةُ أنواعٌ ثلاثةٌ؛ شموسٌ مشتعلةٌ باللونِ الأحمرِ كشمسنا، وهي في منتصفِ عمُرِها، وقد مَضى على اتِّقادها خمسون مليارَ سنةٍ، وستبقى خمسين مليارَ سنةٍ أخرى، إنها في منتصف عمرها.
стр. 281
وهناك شموسٌ بعْدَ أنْ تمرَّ بمرحلةِ الاحمرارِ يزدادُ حجمُها زيادةً كبيرةً، ثم تنكمشُ انكماشاً عظيماً فجأةً، بواقعٍ من مئة إلى واحدٍ مِن حجمِها الأصلي، وعندئذ تصبحُ بيضاءَ اللَّونِ، وتُشعُّ نوراً أبيضَ، ولكنه أشدُّ حرارةً بكثيرٍ من اللونِ الأحمرِ، فالشمسُ التي يتغيَّر لونُها من اللونِ الأحمرِ إلى اللونِ الأبيضِ حرارتُها أشدُّ بكثيرٍ مِن حرارةِ الحمراءِ.
وبعْدَ ذلك تمرُّ هذه الشمسُ في مرحلةٍ ثالثة، هي مرحلةُ التكدُّسِ، كما يتكدَّسُ المترُ المكعبُ مِنَ الحديدِ بحجمِ ذرةٍ، لا تُرى بالعينِ، ولا بالمِجْهَرِ، ومعنى ذلك أنّ كثافةَ هذه الشمسِ تصبحُ عالية جداً، ويصبحُ جذبُها شديداً جداً، لدرجةِ أنّ النورَ لا يسطعُ منها، ولا يخرجُ.
سمّاها العلماءُ الآن الثقوبَ السوداءَ، هذه لها قوةُ جذبٍ مخيفةٌ، فلو أن الأرض دخلت في دائرة جذبها لأصبحت بحجمِ بيضةٍ مع وزنِها نفسِه..
تصوَّرِ الأرضَ بقاراتها الخمسِ، والبحار التي تكون ٧٢% من مساحة الأرض، هذه الكتلةُ الضخمةُ كلُّها لو جَذَبَها ثُقبٌ أسودُ لأصبحتْ بحجمِ البيضةِ.
هذه مرحلةٌ ثالثةٌ، حيث لا يسطعُ منها نورٌ، وفيها قوةُ جذبٍ مخيفةٌ، وحرارتُها لا تُوصَفُ.
ماذا يكون موقفنا من السنّة إذا مرَّ بنا حديثٌ شريفٌ قد أتى بهذه الحقيقة قبل ألف وأربعمئة سنة؟
يقول ﵊ فيما رواه الترمذي عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ".
هذا مِن دلائلِ نبوةِ النبيِّ ﷺ ، كيف عَرَفَ أنّ النارَ أُوقِدَ عليها ألفَ سنةٍ حتى احْمَرَّتْ؟
وقال الإمامُ المُناويِ في "فيضِ القديرِ" في شرحِ هذا الحديثِ: "والظاهرُ أنه أرادَ بالأَلْفِ فيه وفيما يأتي التكثيرَ، وأنَّ المرادَ الزمنُ الطويلُ"، يعني زمناً طويلاً للتكثيرِ والمبالغةِ.
стр. 282
فهذه السماواتُ بمجرَّاتِها، وكازارَاتِها، ونجومِها، وكواكبِها، وبُروجِها، ومُذَنَّباتِها، وشُموسِها، وأقمارِها.
والأرضُ بجبالِها وسهولِها، وبحارِها وأنهارِها، وأسماكِها وأطيارِها، ونباتاتِها وأزهارِها، وحيواناتِها ومخلوقاتها، وليلِها ونهارِها، وشمسِها وقمرِها.
والإنسانُ بخلْقِه، وطِباعِه، وبُنْيتِه، وأعضائِه، وزوجتِه، وأولاده، كلُّها آياتٌ دالَّةٌ على اللهِ، مشيرةٌ إليه، ناطقةٌ بكمالِه، مجسِّدةٌ لأسمائه وصفاته، فالخلقُ يدلُّ على الخالقِ، والصنعةُ تدلُّ على الصانعِ، والنظامُ يدلُّ على المنظِّم، والتسييرُ يدلُّ على المسيِّر، والأقدامُ تدلُّ على المسيرِ، والماءُ يدلُّ على الغديرِ، أفسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فِجاجٍ، ألا تدلانِ على الحكيمِ الخبيرِ؟..
سَلِ الوَاحَةَ الخَضْراءَ وَالمَاءَ جَارِيَا ... وَهَذِي الصَّحَارَى وَالجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
سَلِ الرَّوْضَ مُزْدَاناً سَلِ الزَّهْرَ وَالنَّدَى ... سَلِ اللَّيْلَ وَالإِصْبَاحَ وَالطَّيْرَ شَادِيَا
وَسَلْ هَذِهِ الأَنْسَامَ وَالأَرْضَ وَالسَّمَا ... وَسَلْ كُلَّ شَيءٍ تَسْمَعِ الحَمْدَ سَارِيَا
الشَّمْسُ وَالبَدْرُ مِنْ أَنْوَارِ حِكْمَتِهِ ... وَالبَرُّ وَالبَحْرُ فَيْضٌ مِنْ عَطَايَاهُ
فَالطَّيْرُ سَبَّحَهُ وَالزَّرْعُ قَدَّسَهُ ... وَالمَوْجُ كَبَّرَهُ وَالحُوتُ نَاجَاهُ
وَالنَّمْلُ تَحْتَ الصُّخُورِ الصُّمِّ مَجَّدَهُ ... وَالنَّحْلُ يَهْتِفُ حَمْداً في خلاياهُ
رَبُّ السَّمَاءِ وَرَبُّ الأَرْضِ قَدْ خَضَعَتْ ... إِنْسٌ وَجِنٌّ وَأَمْلاَكٌ لِعَلْيَاه
النَّاسُ يَعْصُونَهُ جَهْراً فَيَسْتُرُهُمْ ... والعَبْدُ يَنْسَى وَرَبِّي لَيْسَ يَنْسَاهُ
البعد بين كواكب المجموعة الشمسية
стр. 283
مِنَ الحقائقِ المقطوعِ بها أنَّ في الكون مئةَ ألف مليون مجرةٍ عرفت حتى الآن، هذا العددُ في المنظورِ الحالي، مجرتُنا درْبُ التَّبَابنة إحدى هذه المجراتِ، وهي مجرةٌ متوسطةٌ، فيها مئةُ ألفِ مليون نجمٍ وكوكبٍ، طولُها مئةٌ وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، عرضُها خمسةٌ وعشرون ألف سنة ضوئية، القمر بُعْدُه عنا ثانيةٌ ضوئيةٌ واحدةٌ، والشمسُ بُعْدُها ثماني دقائقَ، والمجموعةُ الشمسيةُ بُعْدُها ثلاثَ عشرةَ ساعةً، أمّا هذه المجرةُ درب التَّبَابنة فطولُها مئةٌ وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، وعرْضُها خمسةٌ وعشرون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، كم يقطع الضوءُ في السنة؟ يقطع عشرة ملْيون مليون كيلو متر، يعني ثلاثةَ عشرَ صفراً.
والمجموعةُ الشمسيةُ التي نحن فيها، طولُها ثلاثَ عشرةَ ساعةً ضوئيةً، وقد وجد الفلكيُّ الألمانيُّ (جوهان بوت) أنّ مسافاتِ الكواكبِ في المجموعةِ الشمسيةِ تخضعُ لتتابعٍ رياضيٍّ دقيقٍ وعجيبٍ، نَشَرَ ورقةً كَتَبَ عليها: (٠) ، (٣) ، (٦) ، (١٢) ، (٢٤) ، (٤٨) ، (٩٦) ، (١٩٢) ، كل رقمٍ ضعفُ الذي قَبْلَه، وأعطى عطاردَ أولَ رقمٍ (٠) ، والزهرة (٣) ، والأرض (٦) ، والمريخ (١٢) ، وتوقف هنا، ثم أضاف رقم (٤) إلى كل هذه الأرقامِ، ثم قَسَّمها على (١٠) ، فإذا الناتجُ هو بُعْدُ كلِّ كوكبٍ عن الشمسِ، هذا القانونُ ظَهَرَ في القرنِ التاسعِ عشرَ، وقامتْ حوله ضجةٌ كبيرةٌ، وعليه مأخذان، رقم (٢٤) غيرُ موجودٍ، ولا يوجد نجمٌ في هذا المكانِ، ورقم (١٩٢) غير موجود، لا يوجد نجمٌ في ذاك المكانِ، واتُّهِم هذا القانونُ بأنه غيرُ صحيحٍ، ثم اكتُشِفَ في الرقم (٢٤) أنّ هناك مجموعةَ كُوَيْكِبَاتٍ، وفي موقع (١٩٢) هناك كوكبُ أورانوس، فهذه المجموعةُ الشمسيةُ تخضعُ لقانونٍ دقيقٍ جداً، فكل نجمٍ رتَّبه بسلسلةٍ هندسيةٍ أو حسابيةٍ، وأضاف رقم (٤) ، وقسم على (١٢) ، الناتجُ هو بُعْدُ كل كوكبٍ عن الشمسِ.
هذا الكونُ تبدُو فيه عظمةُ اللهِ ، وهو تجسيدٌ لأسماءِ اللهِ الحسنَى، قال تعالى:
﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ١٠١] .
الشمس والأرض
стр. 284
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى".
يبدو من خلالِ هذا الحديثِ الشريفِ أنّ الذكرَ له شأنٌ كبيرٌ في حياةِ المؤمنِ، كيف لا وقد وَرَد الذكرُ في القرآنِ الكريمِ في أكثرَ من ثلاثمئة آيةٍ، تؤكِّدُ في مجموعها أنّ الذكرَ ينبغي أن يدورَ مع الإنسانِ، في كلّ شؤونِه، وأحوالِه، وأطوارِه، لأنّه عبادةُ القلبِ، والفكرِ، واللسانِ، فمِنَ الذكرِ أنْ تذكرَ اللهَ في آياتِه الكونيةِ، وفي آياتِه القرآنيةِ، وفي آياتِه التكوينيةِ، وأنْ تذكرَه من خلالِ نعمِه الظاهرةِ والباطنةِ، وأنْ تذكرَه في أمرِه ونهيِه، وأن تذكرَه لعبادهِ معرِّفاً به، وأنْ تذكرَه في قلبِك، وعلى لسانِك، مُسبِّحاً، وحامداً، وموحِّداً، ومُكبِّراً، وأنْ تذكرَ ربوبيتَه لك، فتدعوَه وحدَه في أحوالك كلّها، وأطوارِك جميعِها، وأنْ تذكرَه ذكراً كثيراً؛ ليطمئنّ قلبُك، ولينجليَ همُّك، ولينشرحَ صدرُك، وليتَّسعَ رزقُك، ولتنتصرَ على عدوّك.
فمِن الذكرِ التفكُّرُ في آياتِ اللهِ في الآفاقِ، وفي الأنفسِ، وهذا التفكُّرُ منْ أجلِ أنْ نعرفَ الله جلَّ وعلاَ، وأنْ نُقَدِّره حقَّ قدْرِه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
فمِن هذه الآياتِ التي بثَّها اللهُ في الآفاقِ التجاذبُ الحركيُّ فيما بين الكواكبِ والنجومِ، قال تعالى:
﴿الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] .
стр. 285
فكلمة (تَرَوْنَهَا) تفيد فيما تفيد أنّ اللهَ جلّ وعلا رفعَ السماواتِ بعمدٍ لا نراها، إنها قُوى التجاذبِ التي تنظِّمُ الكونَ كلّه، بدءاً من الذرَّةِ، وانتهاءً بالمجرَّة.
فالشمسُ مثلاً تجذِبُ إليها الأرضَ بقوةٍ هائلةٍ، إذْ تجري الأرضُ في مَسَار مُغلقٍ حولَ الشمسِ، ولو انعدم جذبُ الشمسِ للأرضِ لخرجت الأرضُ عن مسارِها حولَ الشمسِ، ولاندفعتْ في متاهاتِ الفضاءِ الكونيِّ، حيثُ الظلمةُ والتجمُّدُ، وبزوالِها عن مسارِها، أي بانحرافِها عنه، تزولُ الحياةُ فيها، إذ تصلُ درجةُ حرارتِها إلى مئتين وسبعين درجةً تحت الصفر، وهي درجةُ الصفرِ المُطلقِ التي تنعدمُ فيها حركةُ الذراتِ، قال تعالى:
﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] .
ولكي ندركَ قوةَ جذبِ الشمسِ للأرضِ نفترضُ أنّ هذه القوةَ انعدمتْ لسببٍ أو لآخرَ، ومن أجلِ أنْ تبقى الأرضُ مرتبطةً بالشمسِ تجري في مسارٍ حولها، لا بدَّ من أنْ نربطَها إلى الشمس بأعمدةٍ مرئيةٍ من الفولاذِ، والفولاذُ من أمتنِ المعادنِ، ومن أعظمِها تحمّلاً لِقُوى الشدِّ، فالسلكُ الفولاذيّ الذي قطرُه ميليمتر واحد يتحمّلُ من قُوى الشدِّ ما يعادلُ مئةَ كيلو غرام، إننا بحاجة إلى مليون مليونِ حبلٍ فولاذيٍّ، طولُ كلِّ حبلٍ مئةٌ وستة وخمسون مليون كيلو متر، وقطرُ الحبلِ الواحدِ خمسةُ أمتارٍ، والحبلُ الواحدُ مِن هذه الحبالِ يتحمّلُ من قُوى الشدِّ ما يزيدُ على مليوني طنٍّ، فكم هي قوة جذبِ الشمسِ للأرضِ؟ إنها مليونا طنٍّ مضروبةً بمليونِ مليونٍ، ثم لو زرعْنا هذه الحبالَ على سطحِ الأرضِ المقابلِ للشمسِ لفوجئنا أننا أمامَ غابةٍ من الحبالِ الفولاذيةِ، حيث تقلُّ المسافةُ بين الحبلين عن قطرِ حبلٍ ثالثٍ، هذه الغابةُ مِنَ الحبالِ تحجبُ عنا أشعةَ الشمسِ، وتعيقُ كلَّ حركةٍ، وبناءٍ، ونشاطٍ، كل هذه القُوى الهائلةُ من أجلِ أنْ تحرفَ الأرضَ في مسارِها حول الشمسِ ثلاثةَ ميليمتراتٍ كلَّ ثانيةٍ، لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقول: ﴿الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ .
следующие страницы →