← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1444

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

محمد راتب النابلسي

Полный текст (485 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهناك شموسٌ بعْدَ أنْ تمرَّ بمرحلةِ الاحمرارِ يزدادُ حجمُها زيادةً كبيرةً، ثم تنكمشُ انكماشاً عظيماً فجأةً، بواقعٍ من مئة إلى واحدٍ مِن حجمِها الأصلي، وعندئذ تصبحُ بيضاءَ اللَّونِ، وتُشعُّ نوراً أبيضَ، ولكنه أشدُّ حرارةً بكثيرٍ من اللونِ الأحمرِ، فالشمسُ التي يتغيَّر لونُها من اللونِ الأحمرِ إلى اللونِ الأبيضِ حرارتُها أشدُّ بكثيرٍ مِن حرارةِ الحمراءِ. وبعْدَ ذلك تمرُّ هذه الشمسُ في مرحلةٍ ثالثة، هي مرحلةُ التكدُّسِ، كما يتكدَّسُ المترُ المكعبُ مِنَ الحديدِ بحجمِ ذرةٍ، لا تُرى بالعينِ، ولا بالمِجْهَرِ، ومعنى ذلك أنّ كثافةَ هذه الشمسِ تصبحُ عالية جداً، ويصبحُ جذبُها شديداً جداً، لدرجةِ أنّ النورَ لا يسطعُ منها، ولا يخرجُ. سمّاها العلماءُ الآن الثقوبَ السوداءَ، هذه لها قوةُ جذبٍ مخيفةٌ، فلو أن الأرض دخلت في دائرة جذبها لأصبحت بحجمِ بيضةٍ مع وزنِها نفسِه.. تصوَّرِ الأرضَ بقاراتها الخمسِ، والبحار التي تكون ٧٢% من مساحة الأرض، هذه الكتلةُ الضخمةُ كلُّها لو جَذَبَها ثُقبٌ أسودُ لأصبحتْ بحجمِ البيضةِ. هذه مرحلةٌ ثالثةٌ، حيث لا يسطعُ منها نورٌ، وفيها قوةُ جذبٍ مخيفةٌ، وحرارتُها لا تُوصَفُ. ماذا يكون موقفنا من السنّة إذا مرَّ بنا حديثٌ شريفٌ قد أتى بهذه الحقيقة قبل ألف وأربعمئة سنة؟ يقول ﵊ فيما رواه الترمذي عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ". هذا مِن دلائلِ نبوةِ النبيِّ ﷺ ، كيف عَرَفَ أنّ النارَ أُوقِدَ عليها ألفَ سنةٍ حتى احْمَرَّتْ؟ وقال الإمامُ المُناويِ في "فيضِ القديرِ" في شرحِ هذا الحديثِ: "والظاهرُ أنه أرادَ بالأَلْفِ فيه وفيما يأتي التكثيرَ، وأنَّ المرادَ الزمنُ الطويلُ"، يعني زمناً طويلاً للتكثيرِ والمبالغةِ.

стр. 282

فهذه السماواتُ بمجرَّاتِها، وكازارَاتِها، ونجومِها، وكواكبِها، وبُروجِها، ومُذَنَّباتِها، وشُموسِها، وأقمارِها. والأرضُ بجبالِها وسهولِها، وبحارِها وأنهارِها، وأسماكِها وأطيارِها، ونباتاتِها وأزهارِها، وحيواناتِها ومخلوقاتها، وليلِها ونهارِها، وشمسِها وقمرِها. والإنسانُ بخلْقِه، وطِباعِه، وبُنْيتِه، وأعضائِه، وزوجتِه، وأولاده، كلُّها آياتٌ دالَّةٌ على اللهِ، مشيرةٌ إليه، ناطقةٌ بكمالِه، مجسِّدةٌ لأسمائه وصفاته، فالخلقُ يدلُّ على الخالقِ، والصنعةُ تدلُّ على الصانعِ، والنظامُ يدلُّ على المنظِّم، والتسييرُ يدلُّ على المسيِّر، والأقدامُ تدلُّ على المسيرِ، والماءُ يدلُّ على الغديرِ، أفسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فِجاجٍ، ألا تدلانِ على الحكيمِ الخبيرِ؟.. سَلِ الوَاحَةَ الخَضْراءَ وَالمَاءَ جَارِيَا ... وَهَذِي الصَّحَارَى وَالجِبَالَ الرَّوَاسِيَا سَلِ الرَّوْضَ مُزْدَاناً سَلِ الزَّهْرَ وَالنَّدَى ... سَلِ اللَّيْلَ وَالإِصْبَاحَ وَالطَّيْرَ شَادِيَا وَسَلْ هَذِهِ الأَنْسَامَ وَالأَرْضَ وَالسَّمَا ... وَسَلْ كُلَّ شَيءٍ تَسْمَعِ الحَمْدَ سَارِيَا الشَّمْسُ وَالبَدْرُ مِنْ أَنْوَارِ حِكْمَتِهِ ... وَالبَرُّ وَالبَحْرُ فَيْضٌ مِنْ عَطَايَاهُ فَالطَّيْرُ سَبَّحَهُ وَالزَّرْعُ قَدَّسَهُ ... وَالمَوْجُ كَبَّرَهُ وَالحُوتُ نَاجَاهُ وَالنَّمْلُ تَحْتَ الصُّخُورِ الصُّمِّ مَجَّدَهُ ... وَالنَّحْلُ يَهْتِفُ حَمْداً في خلاياهُ رَبُّ السَّمَاءِ وَرَبُّ الأَرْضِ قَدْ خَضَعَتْ ... إِنْسٌ وَجِنٌّ وَأَمْلاَكٌ لِعَلْيَاه النَّاسُ يَعْصُونَهُ جَهْراً فَيَسْتُرُهُمْ ... والعَبْدُ يَنْسَى وَرَبِّي لَيْسَ يَنْسَاهُ البعد بين كواكب المجموعة الشمسية

стр. 283

مِنَ الحقائقِ المقطوعِ بها أنَّ في الكون مئةَ ألف مليون مجرةٍ عرفت حتى الآن، هذا العددُ في المنظورِ الحالي، مجرتُنا درْبُ التَّبَابنة إحدى هذه المجراتِ، وهي مجرةٌ متوسطةٌ، فيها مئةُ ألفِ مليون نجمٍ وكوكبٍ، طولُها مئةٌ وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، عرضُها خمسةٌ وعشرون ألف سنة ضوئية، القمر بُعْدُه عنا ثانيةٌ ضوئيةٌ واحدةٌ، والشمسُ بُعْدُها ثماني دقائقَ، والمجموعةُ الشمسيةُ بُعْدُها ثلاثَ عشرةَ ساعةً، أمّا هذه المجرةُ درب التَّبَابنة فطولُها مئةٌ وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، وعرْضُها خمسةٌ وعشرون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، كم يقطع الضوءُ في السنة؟ يقطع عشرة ملْيون مليون كيلو متر، يعني ثلاثةَ عشرَ صفراً. والمجموعةُ الشمسيةُ التي نحن فيها، طولُها ثلاثَ عشرةَ ساعةً ضوئيةً، وقد وجد الفلكيُّ الألمانيُّ (جوهان بوت) أنّ مسافاتِ الكواكبِ في المجموعةِ الشمسيةِ تخضعُ لتتابعٍ رياضيٍّ دقيقٍ وعجيبٍ، نَشَرَ ورقةً كَتَبَ عليها: (٠) ، (٣) ، (٦) ، (١٢) ، (٢٤) ، (٤٨) ، (٩٦) ، (١٩٢) ، كل رقمٍ ضعفُ الذي قَبْلَه، وأعطى عطاردَ أولَ رقمٍ (٠) ، والزهرة (٣) ، والأرض (٦) ، والمريخ (١٢) ، وتوقف هنا، ثم أضاف رقم (٤) إلى كل هذه الأرقامِ، ثم قَسَّمها على (١٠) ، فإذا الناتجُ هو بُعْدُ كلِّ كوكبٍ عن الشمسِ، هذا القانونُ ظَهَرَ في القرنِ التاسعِ عشرَ، وقامتْ حوله ضجةٌ كبيرةٌ، وعليه مأخذان، رقم (٢٤) غيرُ موجودٍ، ولا يوجد نجمٌ في هذا المكانِ، ورقم (١٩٢) غير موجود، لا يوجد نجمٌ في ذاك المكانِ، واتُّهِم هذا القانونُ بأنه غيرُ صحيحٍ، ثم اكتُشِفَ في الرقم (٢٤) أنّ هناك مجموعةَ كُوَيْكِبَاتٍ، وفي موقع (١٩٢) هناك كوكبُ أورانوس، فهذه المجموعةُ الشمسيةُ تخضعُ لقانونٍ دقيقٍ جداً، فكل نجمٍ رتَّبه بسلسلةٍ هندسيةٍ أو حسابيةٍ، وأضاف رقم (٤) ، وقسم على (١٢) ، الناتجُ هو بُعْدُ كل كوكبٍ عن الشمسِ. هذا الكونُ تبدُو فيه عظمةُ اللهِ ، وهو تجسيدٌ لأسماءِ اللهِ الحسنَى، قال تعالى: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ١٠١] . الشمس والأرض

стр. 284

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى". يبدو من خلالِ هذا الحديثِ الشريفِ أنّ الذكرَ له شأنٌ كبيرٌ في حياةِ المؤمنِ، كيف لا وقد وَرَد الذكرُ في القرآنِ الكريمِ في أكثرَ من ثلاثمئة آيةٍ، تؤكِّدُ في مجموعها أنّ الذكرَ ينبغي أن يدورَ مع الإنسانِ، في كلّ شؤونِه، وأحوالِه، وأطوارِه، لأنّه عبادةُ القلبِ، والفكرِ، واللسانِ، فمِنَ الذكرِ أنْ تذكرَ اللهَ في آياتِه الكونيةِ، وفي آياتِه القرآنيةِ، وفي آياتِه التكوينيةِ، وأنْ تذكرَه من خلالِ نعمِه الظاهرةِ والباطنةِ، وأنْ تذكرَه في أمرِه ونهيِه، وأن تذكرَه لعبادهِ معرِّفاً به، وأنْ تذكرَه في قلبِك، وعلى لسانِك، مُسبِّحاً، وحامداً، وموحِّداً، ومُكبِّراً، وأنْ تذكرَ ربوبيتَه لك، فتدعوَه وحدَه في أحوالك كلّها، وأطوارِك جميعِها، وأنْ تذكرَه ذكراً كثيراً؛ ليطمئنّ قلبُك، ولينجليَ همُّك، ولينشرحَ صدرُك، وليتَّسعَ رزقُك، ولتنتصرَ على عدوّك. فمِن الذكرِ التفكُّرُ في آياتِ اللهِ في الآفاقِ، وفي الأنفسِ، وهذا التفكُّرُ منْ أجلِ أنْ نعرفَ الله جلَّ وعلاَ، وأنْ نُقَدِّره حقَّ قدْرِه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] . فمِن هذه الآياتِ التي بثَّها اللهُ في الآفاقِ التجاذبُ الحركيُّ فيما بين الكواكبِ والنجومِ، قال تعالى: ﴿الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] .

стр. 285

فكلمة (تَرَوْنَهَا) تفيد فيما تفيد أنّ اللهَ جلّ وعلا رفعَ السماواتِ بعمدٍ لا نراها، إنها قُوى التجاذبِ التي تنظِّمُ الكونَ كلّه، بدءاً من الذرَّةِ، وانتهاءً بالمجرَّة. فالشمسُ مثلاً تجذِبُ إليها الأرضَ بقوةٍ هائلةٍ، إذْ تجري الأرضُ في مَسَار مُغلقٍ حولَ الشمسِ، ولو انعدم جذبُ الشمسِ للأرضِ لخرجت الأرضُ عن مسارِها حولَ الشمسِ، ولاندفعتْ في متاهاتِ الفضاءِ الكونيِّ، حيثُ الظلمةُ والتجمُّدُ، وبزوالِها عن مسارِها، أي بانحرافِها عنه، تزولُ الحياةُ فيها، إذ تصلُ درجةُ حرارتِها إلى مئتين وسبعين درجةً تحت الصفر، وهي درجةُ الصفرِ المُطلقِ التي تنعدمُ فيها حركةُ الذراتِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] . ولكي ندركَ قوةَ جذبِ الشمسِ للأرضِ نفترضُ أنّ هذه القوةَ انعدمتْ لسببٍ أو لآخرَ، ومن أجلِ أنْ تبقى الأرضُ مرتبطةً بالشمسِ تجري في مسارٍ حولها، لا بدَّ من أنْ نربطَها إلى الشمس بأعمدةٍ مرئيةٍ من الفولاذِ، والفولاذُ من أمتنِ المعادنِ، ومن أعظمِها تحمّلاً لِقُوى الشدِّ، فالسلكُ الفولاذيّ الذي قطرُه ميليمتر واحد يتحمّلُ من قُوى الشدِّ ما يعادلُ مئةَ كيلو غرام، إننا بحاجة إلى مليون مليونِ حبلٍ فولاذيٍّ، طولُ كلِّ حبلٍ مئةٌ وستة وخمسون مليون كيلو متر، وقطرُ الحبلِ الواحدِ خمسةُ أمتارٍ، والحبلُ الواحدُ مِن هذه الحبالِ يتحمّلُ من قُوى الشدِّ ما يزيدُ على مليوني طنٍّ، فكم هي قوة جذبِ الشمسِ للأرضِ؟ إنها مليونا طنٍّ مضروبةً بمليونِ مليونٍ، ثم لو زرعْنا هذه الحبالَ على سطحِ الأرضِ المقابلِ للشمسِ لفوجئنا أننا أمامَ غابةٍ من الحبالِ الفولاذيةِ، حيث تقلُّ المسافةُ بين الحبلين عن قطرِ حبلٍ ثالثٍ، هذه الغابةُ مِنَ الحبالِ تحجبُ عنا أشعةَ الشمسِ، وتعيقُ كلَّ حركةٍ، وبناءٍ، ونشاطٍ، كل هذه القُوى الهائلةُ من أجلِ أنْ تحرفَ الأرضَ في مسارِها حول الشمسِ ثلاثةَ ميليمتراتٍ كلَّ ثانيةٍ، لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقول: ﴿الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ .

стр. 286

ومن الحقائقِ الثابتةِ أنّ الأرضَ تدورُ حولَ الشمسِ في مسارٍ بيضويٍّ، ولهذا المسارِ قُطرانِ؛ أصغرُ وأكبرُ، وأن قانونَ الجاذبيةِ يحكمُ العلاقةَ بين الأرضِ والشمسِ، إذ إنّ الكتلةَ الأكبرَ تجذبُ الكتلةَ الأصغرَ، وكلما كبُرت الكتلةُ كان جذبُها أقوى، وأنه إذا بعُدت المسافةُ بين الكتلتين ضَعُفت قوةُ الجذب، فالأرضُ وهي في مسارِها حول الشمس بسرعة ٣٠ كم / ثا، حينما تقترب من القطر الأصغر تقترب من الشمس، وعندئذٍ تزدادُ قوةُ الجذبِ لها، فيمكن أنْ تنجذبَ إلى الشمسِ، وعندئذٍ تتبخرُ الأرضُ في وقتٍ قصيرٍ جداً، لأنّ حرارةَ الشمسِ ستة آلافِ درجةٍ على سطحِها، وعشرون مليون درجةٍ في مركزِها، ويتَّسعُ جوفُ الشمس لمليون وثلاثمئة ألفِ أرضٍ، فلئلا تنجذبَ الأرضُ إلى الشمسِ، وتنتهي الحياةُ عليها تزيدُ الأرضُ من سرعتِها كي تنشأَ من زيادةِ السرعةِ قوةٌ نابذةٌ جديدةٌ تكافِىءُ القوةَ الجاذبةَ الناشئةَ مِن اقترابِ الأرضِ مِن الشمسِ، وحينما تصلُ إلى القطرِ الأكبرِ تضعفُ قوةُ جذبِ الشمسِ إلى الأرضِ، فربما تفلَّتت الأرضُ من جاذبيةِ الشمسِ، فتاهتْ في الفضاءِ الكونيِّ، فتجمّدَتْ، وانتهتِ الحياةُ عليها، لذلك تبطِىءُ الأرضُ مِن سرعتِها حتى تضعفَ قوةُ النبذِ، وتتناسبَ مع ضعفِ الجاذبيةِ الناشئةِ عن بُعدِ الأرضِ عن الشمسِ، ولو أنّ تسارعَ الأرضِ كان سريعاً أو مفاجئاً لانهدم كلُّ ما عليها، ولو كان التباطؤُ سريعاً أو مفاجئاً لانهدم كلُّ ما عليها، لذلك يكونُ التسارعُ بطيئاً، والتباطؤ بطيئاً، تحقيقاً لاسمِ (اللطيفِ) ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] . التفكر في المسافة بيننا وبين الشمس يقولُ ربُّنا : ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] ، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .

стр. 287

قال العلماءُ: "إنَّ الشمسَ تَكْبُرُ الأرضَ بمليونٍ وثلاثمئة ألفِ مرةٍ، وإنّ لسانَ اللهبِ الذي يَخرجُ مِن الشمسِ يزيدُ طولُه على مليون كيلومترٍ، وإنّ الأرضَ إذا أُلْقِيَتْ في الشمسِ تبخَّرتْ في ثانيةٍ واحدةٍ"، وبعضُ العلماءِ يقدّرون أنّ عُمُرَ الشمسِ يزيدُ على خمسة آلافِ مليونِ سنةٍ، وأنّ بينَ الشمسِ والأرضِ مئةً وستةً وخمسين مليون كيلومتر، وأنّ في بُرْجِ العَقربِ نجماً متألقاً يُرى مِن الأرضِ اسمُه قلبُ العقربِ، يقعُ في الوَسَطِ الهندسيِّ لبرجِ العقربِ، وهو أشدُّ تألقاً، ويتَّسعُ للشمسِ والأرضِ مع المسافةِ بينهما، ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] . بَيْنَنَا وبين القمرِ ثانيةٌ ضوئيةٌ واحدةٌ تقريباً، ويقطعُ الضوءُ مسافةَ ثلاثمئة ألفِ كيلومترٍ في ثانيةٍ واحدةٍ، وبَيْنَنَا وبيْن الشمسِ ثماني دقائقَ ضوئيةٍ، أيْ إنّ ضوءَ الشمسِ يقطعُ المسافةَ بين الشمس والأرض في ثماني دقائقَ. وبَيْنَنَا وبين أَبْعَدِ نجمٍ في المجموعةِ الشمسيةِ ثلاثَ عشرةَ ساعةٍ ضوئيةٍ. وإنّ أقْربَ نجمٍ إلى الأرضِ مِن غيرِ المجموعةِ الشمسيةِ هو نجمُ القطبِ، بُعْدُه عنا أربعةُ آلافِ سنةٍ ضوئيةٍ، والقمرُ ثانيةٌ واحدةٌ. وبيْن الأرضِ وأقصى نجمٍ في درب التبابنة مئة وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، وبعضُ المجراتِ يبْعدُ عنا عشرين ألفَ مليونِ سنةٍ ضوئيةٍ، قال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ ، قال العليم الخبير: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ .

стр. 288

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار﴾ ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَتَسَوَّكَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى". وقال الحسن: (تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ عَاماً) ، "وَلا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ"، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . شمس الأرض قال تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ * فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ١٧-٣٢] . وقال تعالى: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .

стр. 289

هذه الشمسُ آيةٌ ساطعةٌ دالةٌ على اللهِ كسطوعِها، وهي نجمٌ متوسِّطُ الحجمِ إذا قِيستْ بالنجومِ الأخرى، ومع أنها تَكْبُرُ الأرضَ بمليونٍ وثلاثمئة ألفِ مرةٍ حجماً، وتبعدُ عنها مئةً وستةً وخمسين مليونَ كيلو متر وَسَطِيّاً، ويقطعُ ضوءُ الشمسِ هذه المسافةَ في ثماني دقائقَ، وهناك نجومٌ يزيدُ حجمُ أحدِها على حجمِ الشمسِ والأرضِ مع المسافةِ بينهما. وأمَّا عن حرارَتِها فهي تصلُ إلى عشرين مليونَ درجة في مركزِها، فلو أُلْقِيَتِ الأرضُ في جوفِ الشمسِ لتَبَخَّرَتْ في وقتٍ قصيرٍ، ويزيدُ طولُ ألسنةِ اللهبِ المنطلقةِ من سطحِها من نصفِ مليون كيلو مترٍ إلى مليون كيلو متر، وتُنتِج الشمسُ مِن الطاقةِ في كلّ ثانيةٍ ما يعادلُ إحراقَ أَلْفَيْ مليارِ طُنٍّ من الفحمِ الحَجَريِّ، وتفقدُ الشمسُ كلَّ يومٍ مِن كتلتِها ما يعادلُ ثلاثمئةٍ وستينَ ألفَ مليون طنٍّ، ويظنُّ علماءُ الفَلَكِ أنَّه مضَى على اتِّقادها ما يزيدُ على خمسةِ آلافِ مليون عامٍ، وهم يُطَمْئِنون الناسَ إلى أنّ الشمسَ لن تنطفئ قبلَ خمسة آلاف مليون عام أخرى، ولو انطفأتِ الشمسُ فجأةً لَغَرِقَتِ الأرضُ في ظلامٍ دامسٍ، ولهبطتْ درجةُ الحرارةِ فيها إلى مئتين وسبعينَ درجةً تحتَ الصفرِ، ولتحوَّلتِ الأرضُ إلى قبرٍ جَلِيديٍّ، وإنّ انعدامَ الدفءِ والنورِ كافيان لقتلِ كلِّ مَظهرٍ من مظاهرِ الحياةِ على سطحِ الأرضِ. سَلِ الشمسَ مَن رفعَها ناراً، ونَصَبَها مَناراً، وضَرَبَها ديناراً، ومَن عَلَّقها في الجو ساعةً، يَدِبُّ عَقْرَبِاها في الجوِّ إلى قيام الساعةِ، ومَن الذي آتاها مِعراجَها، وهَدَاها أَدْراجَها، وَأَحَلَّها أبْراجَها، ونَقَّل في سماءِ الدنيا سِراجَها؟ إنّ الزمانَ هي سببُ حصولِه، ومُنْشَعبُ فروعِه وأصولِه، وكتابُه بأجزائِه وفصولِه، لولاها ما اتّسقتْ أيامُه، ولا انتظمتْ شهورُه وأعوامُه، ولا اختلفَ نورُه وظلامُه، ذهبُ الأصيلُ من مناجمِها، والشفقُ يسيلُ من محاجمِها، تحطَّمتِ القرونُ على قَرْنِها، ولم يَمْحُ التقادمُ لَمحةَ حُسْنِها.

стр. 290

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ واسجدوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] ، وقال : ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] . السنة الشمسية، والسنة القمرية

стр. 291

مِن إعجازِ القرآنِ العلميِّ أنّ السَّنةَ الشمسيةَ التي تُسَمَّى السنةَ الانقلابيةَ هي مدةٌ تنقضِي بيْن مُرُورَيْنِ مُتَتَالِيَيْنِ للشمسِ في نقطةِ اعتدالٍ واحدٍ، ومقدارُ هذه السنةِ ثلاثمئة وخمسةٌ وستون يوماً، وألف وأربعمئة واثنان وعشرون بَعْد الفاصلةِ، هذه السنةُ الشمسيةُ بالدقَّةِ، وبمرورِها يحدثُ الصيفُ، والخريفُ، والشتاءُ، والربيعُ، أمّا السنةُ القمريةُ فتتكوَّنُ من ثلاثمئة وأربعة وخمسين يوماً، وبعد الفاصلة ستة وثلاثون ألفاً وسبعمئة وثمانون، وهي المدةُ بين كُسُوفَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ مقسومةً على عددِ الحركاتِ القمريةِ الدائريةِ، والفرقُ بين السنةِ الشمسيةِ والقمريةِ عشرةُ أيامٍ، وبعدَ الفاصلةِ ثمانمئة وخمسة وسبعون ألفاً، ومئة وسبعة وثلاثون، وبذلك يقعُ في كل ثلاثٍ وثلاثين سنةً فرقٌ قَدْرُه ثلاثمئة وثمانية وخمسون يوماً، أو نحو سنة تقريباً، وعلى ذلك فإنّ كلَّ مئة سنة تزيدُ ثلاثَ سنواتٍ، وتكون الثلاثمئةُ سنةٍ الشمسيةُ يقابلُها ثلاثمئة وتسع سنواتٍ قمرية، هذا حسابُ الفلكيِّين الدقيقُ، ستةُ أرقامٍ بعدَ الفاصلةِ، وهذه الحقيقةُ الكونيةُ ثابتةٌ، والتي اطمأنَّ إليها العلمُ الحديثُ، واستقرَّ عليها، وقد سبقَ إليها القرآنُ في سَرْدِهِ لقصةِ أصحابِ الكهفِ في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥] ، هذه سنواتٌ شمسيةٌ، ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥] ، هذه سنواتٌ قمريةٌ، إنه شيءٌ دقيقٌ جداً، وبحساباتٍ دقيقةٍ في مراصدَ عملاقةٍ، بحساباتٍ فلكيةٍ بالغةِ الدقةِ بستةِ أرقامٍ بَعْد الفاصلةِ، وبعدَ الحسابِ الدقيقِ فإنّ ثلاثمئةِ سنةٍ شمسيةٍ تساوي ثلاثمئة وتسعَ سنواتٍ قمريةٍ.

стр. 292

قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه لقولِه تعالى: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ﴾ : "هذا خبرٌ مِنَ اللهِ تعالى لرسولِه ﷺ بمقدارِ ما لبثَ أصحابُ الكهفِ في كهفهم منذ أَرْقَدَهُمْ إلى أنْ بَعَثَهم اللهُ، وأَعْثَرَ عليهم أهلَ ذلك الزمانِ، وأنه كان مقدارُه ثلاثمئة سنةٍ تزيد تسعَ سنينَ بالهلالية - أيْ بالقمرية - وهي ثلاثمئة سنة بالشمسية، فإنّ تفاوُتَ ما بينَ كلِّ ثلاثمئة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاثُ سنينَ، فلهذا قال بعد الثلاثمئة: ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾ ". وفي تفسير الجلاليْنِ: "قوله: ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾ ، أي تسعَ سنين، فالثلاثمئة الشمسيةُ ثلاثمئة وتسعٌ قمريةٌ". ولقد صدَق اللهُ إذْ يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . الأرض الخسوف والكسوف لقد توفِّي سيدنا إبراهيم، ابن رسول الله ﷺ ، فوَقَفَ النبيُّ ﷺ موقفَ الأبِ الرحيمِ الحاني، المؤمنِ بقضاء الله وقدره، الصابرِ لحكمه، الراضي بمشيئتِه، فعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْراً لإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ"، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".

стр. 293

وقد رافق موتَ سيدِنا إبراهيمَ كسوفُ الشمسِ، فظنَّ الصحابةُ الكرامُ أنّ الشمسَ كَسَفتْ لموتِ إبراهيمَ، فوقفَ النبيُّ ﷺ خطيباً في أصحابه، وهو أمينُ وحيِ السماءِ، فرفضَ أنْ تختلطَ حقائقُ العلمِ بمشاعرِ المسلمين، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ". الخسوف: هو اختفاءُ القمرِ أو بعضِه في أثناءِ مرورِ الأرضِ بينَه وبينَ الشمسِ. أما الكسوفُ فهو اختفاءُ الشمسِ أو بعضِها في أثناءِ مرورِ القمرِ بينَها وبينَ الأرضِ، وإنّ الكسوفَ والخسوفَ إشارتانِ إلى نعمةِ الشمسِ والقمرِ، فهما آيتان دالَّتان على عظمةِ الله ورحمتِه، قال العليُّ العظيمُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ واسجدوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] ، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إلاه غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] . وقد يسأل سائلٌ فيقول: كيف يغطِّي القمرُ قرصَ الشمسِ، مع أنه أصغرُ منها بأربعمئةِ مرةٍ؟ والجواب: إنّ الشمسَ أَبْعَدُ عن الأرضِ مِنَ القمرِ بأربعمئة مرة، وهذا ما يجعلهُما يظهرانِ بالحجمِ نفسِه؛ لذلك يمكنُ للقمرِ أنْ يحجُبَ أشعةَ الشمسِ كلياً إذا مرّ بينها وبينَ الأرض. ويجبُ ألاَّ يشغلَنا جمالُ منظرِ الكسوفِ عن خطرِ الأشعةِ الشمسيةِ على أعيننَا، إذِ النظرُ إلى الشمسِ في أثناءِ الكسوفِ دونَ نظارةٍ سوداءَ خاصةٍ بالكسوفِ يتسبّبُ في أضرارٍ بالغةٍ للعينٍ، دونَ أنْ يشعرَ الإنسانُ، لأنّ شبكيّةَ العينِ لا تحتوي على أيِّ مستقبِلٍ للألمِ، وهنا يجبُ الانتباهُ على نحوٍ خاصٍّ للأطفالِ الذين لا يقدِّرونَ الخطرَ، ولأنّ شبكياتِ أعيُنِهم أكثرُ حساسيةً مِنَ الكبار.

стр. 294

لقد سنّ لنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الكسوف، ونَدَبَ أنْ نطيلَ القراءةَ فيها، وأنْ نطيلَ السجودَ، ليغطِّيَ سجودُنا وقتَ الكسوفِ. كان الكسوفُ - استناداً للحساباتِ الفلَكيةِ - في الحادي عشرَ مِن شهرِ آبٍ من عام (١٩٩٩) مرئياً في جميع أنحاءِ الوطنِ العربي، لكنه لم يكنْ كلِّياً إلا في أقصى الشمالِ الشرقي منه، ففي الشمالِ الشرقيِّ مِن سوريةَ بدأَ ذلك العرضُ الفلكيُّ بُعَيْدَ ظُهْرِ ذلك اليوم بمرحلة الكسوفِ الجزئي، الذي استمرَّ ساعةً تقريباً، ومِن ثَمَّ غربتِ الشمسُ واختفتْ كلياً، وحلَّ الظلامُ التامُّ مدةَ دقيقتين. وفي هاتين الدقيقتين أُتيحَ لنا أنْ نشاهدَ الانفجاراتِ التي تحدثُ على سطحِ الشمسِ، وقد يمكنُنا أنْ نرى ألسنةَ اللهبِ التي يقتربُ طولُها من مليون كيلو متر، وسيكونُ بالإمكانِ رؤيةُ الكواكبِ الخمسة؛ عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل. وهناك تعبيرٌ شائعٌ بين الناس، حينما يتحمّلُ الإنسانُ ما لا يحتملُ، يقال عنه: رأى النجومَ ظهراً، لكن ... في أثناء الكسوفِ نرَى النجومَ ظهراً حقيقةً لا مجازاً. فائدة لغوية في لفظ الكسوف والخسوف: كثيراً ما يجري على لسان الناس إطلاقُ هاتين الكلمتين (الكسوف والخسوف) ، فيحدِّدون إحداهما للقمر، والأخرى للشمس، فارتأينا إدراجَ هذه الفائدةَ اللغويةَ هنا، عسى أنْ يكونَ فيها شيءٌ مِن النفعِ.

стр. 295

جاء في لسان العرب: "كسَف القمرُ يَكْسِفُ كُسوفاً، وكذلك الشمس كَسَفَتْ تكْسِف كسوفاً: ذهب ضوءُها، واسْوَدَّت، والبعض يقول: انكسف وهو خطأٌ، وكَسَفَها اللهُ وأَكْسَفَها ... والقمرُ في كل ذلك كالشمس، وكسف القمرُ: ذهبَ نورُه، وتغيَّر إِلى السوادِ ... وكسفتِ الشمسُ وخسَفتْ بمعنًى واحدٍ، وقد تكرَّر في الحديثِ ذكرُ الكُسوف والخُسوف للشمس والقمر، فرواه جماعة فيهما بالكاف، ورواه جماعة فيهما بالخاء، ورواه جماعةٌ في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء، وكلهم روَوا أَن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يَنْكسفان لموتِ أَحَدٍ ولا لحياته، والكثيرُ في اللغة وهو - اختيار الفراء - أَنْ يكونَ الكسوفُ للشمسِ، والخسوفُ للقمر، يقال: كسَفت الشمسُ، وكَسَفَها اللهُ، وانكسفت، وخسف القمرُ وخسفَه اللهُ وانخسف ... قال أَبو زيد: كسفت الشمسُ إِذا اسْودَّت بالنهار، وكسفتِ الشمسُ النجومَ إِذا غلبَ ضوءُها على النجوم فلم يَبْدُ منها شيءٌ، فالشمسُ حينئذٍ كاسفةُ النجومِ". قال ثعلب: "كسفت الشمسُ، وخَسَفَ القمرُ، هذا أَجْوَدُ". قال ابن الأثير: "وقد وَرَد الخُسوفُ في الحديثِ كثيراً للشمسِ، والمَعْروفُ لها في اللغةِ الكُسُوفُ لا الخُسُوفُ، فأما إطلاقُه في مِثلِ هذا الحديثِ فَتَغْليباً للقمرِ لتذكيرِه على تأنيثِ الشمسِ، فجَمع بينهما بما يَخُصُّ القمرَ، وللمعاوَضَةِ أيضاً، فإنه قد جاء في رواية أخرى: إن الشمس والقمر لا يَنْكَسفان، وأمّا إطلاقُ الخُسُوفِ على الشمسِ منفردةً فلاشتراكِ الخسُوفِ والكُسُوفِ في معنى ذهابِ نورِهما، وإظلامِهما". الضغط الجوي وآثاره قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .

стр. 296

هذه الآيةُ مِن دلائلِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ومِن دلائلِ نبوَّةِ النبي ﵊، فقدْ أثبتَ علمُ طبِّ الطيرانِ والفضاءِ أنَّ تعرُّضَ الإنسانِ للارتفاعاتِ العاليةِ عندما يصعدُ مِن سطحِ الأرضِ إلى الطبقاتِ العُلْويَةِ في السماءِ يُحدِث له أعراضاً عضويةً، تتدرَّج من الشعورِ بالضيق الذي يتركَّزُ في منطقةِ الصدرِ حتى يصلَ إلى المرحلةِ الحرجةِ التي ذكرَها القرآنُ الكريمُ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ ، وذلك أنه كلّما استمرَّ في الارتفاعِ انخفضَ الضغطُ الجوي، ونقَصَ الأكسجينُ. إنّ الإنسانَ إذا ارتفعَ عن مستوى سطحِ البحرِ إلى عشرةِ آلافِ قدمٍ لمْ يشعرْ بشيء مِن أعراض نقصِ الأكسجين، وخفْضِ الضغطِ، أمّا إذا تجاوزَ عشرةَ آلاف قدمٍ إلى ستة عشر ألف قدمٍ، فإننا نجد عندئذٍ ما زوَّد اللهُ به الجسمَ من أجهزةٍ تتكافأُ مع هذا التبدُّلِ في الضغطِ، وفي نقصِ الأكسجينِ، فإذا بقيَ في هذا المكانِ بين عشرة آلاف قدم وستة عشر ألف قدمٍ يزدادُ نبْضُ قلبِه، ووجيب رئتيه، ويرتفعُ ضغطُه من أجل أن توفِّرَ هذه الأجهزةُ للجسمِ حاجتَها مِن الأكسجين، أما إذا تجاوزَ الإنسانُ ستة عشر ألف قدم إلى خمسة وعشرين فإنّ أجهزةَ الجسمِ عندئذ لا تفي بغرضِها في هذا الارتفاع المفاجئ، فما الذي يحصلُ؟ تظهرُ أعراضٌ، في مقدّمتِها ضيقُ الصدرِ، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ . أمّا إذا ارتفعَ خمسة وعشرين ألف قدم فأكثر فإنّه يفقدُ الوعِيَ عندئذٍ تماماً، لذلك فإنّ الطائرةَ التي تحلِّقُ على ارتفاعِ أربعين ألف قَدَمٍ تكونُ مضغوطةً ثمانيةَ أمثالِ الهواء الذي عليها حين تكون على سطح الأرضِ، مِن أجْلِ أنْ يكونَ الضغطُ الجويُّ في الطائرةِ موافقاً لما هو عليه حين يكون على سطحِ الأرضِ، وإلا غابَ الرُّكّابُ عن الوعيِ تماماً، وهذه الآيةُ مِن أدلةِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ومِن أدلةِ نبوَّة النبيِّ ﵊. هذه أعراضُ نقصِ الأكسجين، فماذا عن أعراضِ انخفاضِ الضغطِ؟

стр. 297

قال العلماءُ: "إنَّ كلَّ الغازاتِ في الجسمِ تتمدَّد مع انخفاضِ الضغطِ، ومع تمدُّدِها تتمزَّقُ الأنسجةُ والأجهزةُ، وتتهَتَّكُ الرئتان، ويتهتَّك القولون، وتتهتَّك الأذنُ الوُسطى، فإنّ انخفاضَ الضغطِ له آثارٌ خطيرةٌ، منها آلامُ البطنِ التي لا تُحْتَمَلُ، ولا سيَّما آلامُ القولونِ، وكذا آلامُ الرئتين، وآلامُ الأذنِ، وآلامُ المفاصلِ، هذه كلُّها أعراضُ نقصِ الضغطِ، فهل صعدَ النبيُّ ﷺ إلى السماءِ فقال هذا الكلامَ؟ هل صعِدَ أحدٌ في حياته؟ هل ركبَ الطائرةَ أحدٌ في حياتِه حتى وصفَ هذه الأعراضَ؟ يقول الله : ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ ، لذلك قال سيدنا علي ﵁: (فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ آيَاتٌ لَمَّا تُفَسَّرْ) . بعْدَ أنْ تقدَّم العلمُ، وركبَ الإنسانُ الطائرةَ والمنطادَ، وصعدَ بهما في طبقاتِ الجوِّ العليا كشفَ هذه الحقائقَ، وحينما تركبُ الطائرةَ لا تشعرُ بشيء مِن هذا القبيلِ، لأنّ أجهزةَ الطائرةِ قد ضَغَطَت الهواءَ ثمانيةَ أمثالٍ، ليكونَ الضغطُ الجويُّ ونسبةُ الأكسجين موافقةً لِمَا هي عليه في سطحِ الأرض، فلو تعطلتْ أجهزةُ الضغط فجأةً في الجوِّ فلا بدَّ للطيارِ أنْ يهبطَ اضطراراً لئلا يموتَ الرُّكابُ، وهذا معنى قولِه تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ . وقد عُرِضَ بحثٌ عنوانه: الضغوطُ العاليةُ، وبدأَ بتعريفِ وَحْدة الضغط، وهو الضَّغطُ الجويُّ الذي يساوي ألفاً وثلاثةً وثلاثين غراماً على السنتمتر المربع، وهو وزنُ ستة وسبعين سنتمتراً مكعباً مِن الزئبق، هذا الضغطُ الجويُّ هو وحدةُ قياسِ الضغطِ، ونعلمُ أنّ مساحةَ جسمِ الإنسانِ مِن مترٍ إلى مترين، حيث يتحمَّل ضغطاً فوْقَه من عشرةٍ إلى عشرين طناً دون أنْ يشعرَ، ونحن جميعاً في قاعِ بحر ملؤُه الهواءُ، وكلٌّ منّا يحملُ فوقَه مِن عشرةٍ إلى عشرين طناً من الضغطِ الجويِّ، هذه وحدةُ الضغطِ.

стр. 298

قال العلماءُ: إنّ ضغْطَ باطنِ الأرض ثلاثةُ آلاف وستمئة مليون ضغطٍ جويٍّ، كما أنّ ضغْطَ باطنِ الشمسِ مئةُ بليون ضغطٍ جويٍّ، وهناك نجمٌ نترويٌّ كان بحجمِ الشمسِ فصارَ قُطْرُه أربعةَ عشرَ كيلو متراً، ضغطُه مليون مليُون بليون ضغط جويٍّ، هذه هي الضغوطُ العالية. إنّ أقْسَى عنصرٍ مضغوطٍ في الأرضِ هو المَاس، فإنه مضغوطٌ أربعةَ ملايين ضغطٍ جويٍّ، بل هو أكثرُ مِن ضغطِ مركزِ الأرضِ، لكنَّ بعضَ الهيئاتِ العلميةِ استطاعتْ أنْ تضغطَ الفحمَ العاديَّ خمسةَ آلاف ضغطٍ جويّ بحرارة ألفيْ درجةٍ، فجعَلَتْه ماساً صناعياً، والماسُ الصناعيُّ الذي في الأسواق هو فحمٌ ضُغِط خمسةَ آلاف ضغطٍ جويٍّ بحرارة ألفيْ درجةٍ. وقد اكتشفَ علماءُ الطبِّ أنَّ الأدويةَ السائلةَ أنفعُ مِن الأدويةِ المضغوطةِ، لأنَّ الضغطَ قد يؤَثِّر على بُنْيةِ المادةِ. ثمّةَ حقيقةٌ أَضَعُها بين أيديكم، نستفيدُ منها في الأمورِ النفسيةِ، وهي أنّ أكبرَ جوهرةٍ في العالَم ثمنُها مئةٌ وأربعون مليون دولار، لو جئتَ بفحمةٍ في حجمِها، ووازنْتَ بينهما وجدتَ أنّ الضغوطَ العاليةَ تُحِيلُ الفحمَ إلى ماسٍ. إذا آمنَ المؤمنُ بالله، وآمنَ برسوله، وعاشَ لقضيةٍ كبرى، وتحمّل ضغوطاً عاليةً؛ فإنّ هذه الضغوطَ تُحِيلُه إلى إنسانٍ مُتَأَلِّقٍ. هذا فحمٌ عاديٌّ، لا تساوي القطعةُ منه قرشاً واحداً، تصبحُ بالضغوطِ العاليةِ قطعةَ ماسٍ لا تُقَدَّرُ بثمنٍ. إنّ الاسترخاءَ، والاستجمامَ، والانسياقَ وراءَ الشهواتِ واللذاتِ هذه لا تصنعُ إيماناً، ولا بطولةً، ولا تفوُّقاً، ولكنّ الضغوطَ في سبيلِ اللهِ تجعلُ الإنسانَ متألقاً. يمكن بهذا أنْ نستفيدَ مِن هذا المثالِ الفيزيائيِّ في علاقاتنا مع الله ، فإنّ النبي ﵊ عاش حياةً مفعمةً بالضغوطِ، فقد هاجرَ، وذاق ألوانَ العذابِ، وكلما ذاقَ منها شيئاً ازدادَ قرباً مِن الله ، وإنّ الأمرَ لا يتَّسع إلا إذا ضاق، وإنّ الصبحَ لا يتنفَّسُ إلا بعد ليلٍ حالِكٍ، قال : ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] . كروية الأرض، وكلمة "عميق "

стр. 299

في القرآنِ الكريمِ إشاراتٌ تَلفِتُ النظرَ، قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: ٢٧] . قد يسأل سائل: لِمَ قال: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ ، ولمْ يقل: "مِن كل فجٍ بعيدٍ؟ ". قال العلماءُ: إنّ في استعمالِ هذه الكلمةِ - ﴿عَميِقٍ﴾ - مكانَ كلمةِ (بعيدٍ) إشارةً إلى كُرَوِيَةِ الأرضِ، فالخطوطُ على سطحِ الأرضِ ليست مستقيمةً، ولكنها مُنْحَنِيَةٌ، والخطُّ المُنحنِي يحتاج إلى بُعْدٍ ثالثٍ، يحتاجُ إلى سَطْحٍ، وإلى عُمْقٍ، لذلك أشارَ ربُّنا في هذه الآيةِ إلى أنّ هذه الأرضَ التي نحن عليها هي أرضٌ كرويةُ الشكل. ولكنَّ الشيءَ الذي يَلفتُ النظرَ أيضاً هو أنّ حكمةَ القرآنِ الكريمِ وفَّقتْ بين معطياتِ العصرِ الذي أُنْزِلَ فيه القرآنُ، ومعطياتِ العصورِ اللاحقةِ. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ?لأَرْضَ كِفَاتاً﴾ يقولُ ربُّنا سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا﴾ [المرسلات: ٢٥-٢٦] . إنّ ﴿كِفَاتاً﴾ مأخوذةٌ من فِعْل كَفَتَ، وكفَتَ يكْفِتهُ كَفْتاً، وكفَّته: ضمَّه وقَبَضَه، فالأرضُ مِن صِفاتِها أنّها تكفِتُ، أي تجذِب، وتضمّ، وتقبضُ، وهذه الآيةُ فيها إشارةٌ واضحةٌ جليّةٌ إلى الجاذبيّةِ، فكلّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ ينجذبُ إليها، وما وزنُ الأشياءِ في حقيقةِ الأمرِ إلاّ قوّةُ جذبِها نحو الأرضِ، ووزْنُ الشيءِ يتناسبُ مع حجمِ الأرضِ، فالشيءُ الذي على وجهِ الأرضِ، والذي يزنُ مئة كيلو غرامٍ يزنُ على القمرِ سُدسَ هذا الوزن، والإنسانُ الذي وزنهُ على سطحِ الأرضِ ستّون كيلو غراماً يزنُ على القمرِ عشرةَ كيلو غرامات! فوَزنُ الشيءِ هو قوّة جَذبِه نحو الأرضِ، ووزنُ الشيءِ على سطحِ القمرِ هو قوّةُ جَذْبِه إلى مركزِ القمرِ، فاللهُ تعالى يقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا﴾ .

стр. 300

كيف تكونُ الحياةُ لولا قوّةُ الجذبِ؟ كيف يستقرُّ الماءُ على وجهِ الأرضِ لولا جذبُ الأرضِ له؟ كيف يبقى الهواءُ مرتبطاً بالأرضِ لولا جذبُ الأرضِ له؟ لولا أنّ الأرضَ تجذبُ الهواءَ لأصبحَ الهواءُ ثابتاً، والأرضُ متحرّكةً، ومع حركةِ الأرضِ، وسكونِ الهواءِ تنشأُ تياراتٌ من الأعاصيرِ تزيدُ سرعتُها على ألفٍ وستّمئة مِن الكيلو متراتٍ في الساعةِ، وهذه السرعةُ كافيةٌ لِتَدميرِ كلِّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ. مَن جعلَ الهواءَ مرتبطاً بالأرضِ؟ إنها الجاذبيّة، مَن جَعَلَ البحارَ مرتبطةً بالأرضِ؟ إنها الجاذبيّةِ. إنّ انعدامَ الوزنِ حالةٌ لا تُطَاقُ، قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ [النمل: ٦١] ، فجَعَلَها تدورُ وهي مستقرّةٌ، وجَعَلَ الأشياءَ تستقرُّ عليها، وتنجذبُ إليها، وما الأوزانُ إلا قوّةٌ للجذبِ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا﴾ . وقد تَوَهَّمَ بعضُهم أنّ الأرضَ في النّهايةِ تجذبُ الإنسانَ إليها لِيُقْبَرَ فيها، ولكنَّ اللهَ يقولُ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا﴾ . إنّ الإنسانَ الحيَّ مرتبطٌ بالأرضِ، منجذبٌ إليها، وهذا هو وزنهُ، فما معنى أنّ هذا الإنسانَ يَزِنُ ثمانين كيلو غراماً؟ يعني ذلك أنّ قوّةَ جَذْبهِ للأرضِ تُعادِلُ هذا الرّقمَ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا﴾ . أليس هذا كلامَ اللهِ ؟ هذه النظريّاتُ العلميّةُ، أو هذه الحقائقُ العلميّةُ التي قُطِعَ بها إنّما وردَتِ الإشارةُ إليها في القرآنِ الكريمِ. استقرار الأرض آيةٌ في القرآنِ الكريمِ، هي قولُه تعالَى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ [النمل: ٦١] .

стр. 301

مَن الذي جعلَها مستقرةً؟ يستقرُّ عليها البناءُ ولا يتداعَى، من الذي جعَلَها مستقرَّة؟ مع أنّ الأرضَ تتحرَّك، وتسيرُ في الثانيةِ الواحدة ثلاثين كيلو متراً، ومع ذلك فهي مستقرةٌ استقراراً مطلَقاً، فلو اهتزَّت لَمَا بقيَ عليها بناءٌ، اللهم أرِنا نِعَمَكَ بوفْرتِها لا بفَقْدِها، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ [النمل: ٨٨] . تظنُّ أنّ هذا الجبلَ ثابتٌ، وهو يمرُّ مرَّ السحابِ؛ لأنه يدورُ مع الأرضِ. الحلفُ الذي قَصَفَ دولةً من دول البَلْقَانِ ستَّةَ أشهرٍ بأكملِها، بأشدِّ أنواعِ الأسلحةِ تطوُّراً، بطائراتِ الشَّبحِ، وباستخدامِ أشعَّةِ الليزرِ، وباستخدامِ الحواسيبِ، وباستخدامِ الأقمارِ الصناعيةِ، أحدثُ أسلحةٍ تمَّ القصفُ بها، ليلاً نهاراً، في اليومِ الواحدِ أربعمئةِ طلعةٍ للطائراتِ، مع إِحْكَامِ القصفِ إلى درجةٍ كبيرةٍ، تنزلُ القنبلةُ في غرفةِ النومِ، وفي مدخنةِ المصنعِ، وفي ستةِ أشهرٍ مِن القصفِ المستمرِّ، والكلفةُ تزيدُ تقريباً على ثلاثمئة ألف مليون دولارٍ. إنَّ ما فَعلَه هذا القصفُ في ستة أشهرٍ بنفقة فَلكية يفعله زلزالٌ في خمس وأربعين ثانية، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ ، إننا لا نملكُ شيئاً، مَن يدري أنّها إذا اهتزَّتِ الأرضُ ثمانيَ درجاتٍ بقياسِ ريختر لا يبقى بناءٌ، بل إنّ الإنسانَ يصبحُ تحتَ الأنقاضِ يئِنُّ، ولا أحدَ يسمعُه، بل لا أحدَ يلقي له بالاً. قال : ﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الصواعق والصواريخ ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] ، الزلازل، والألغام، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] ، بالحروب الأهلية. وقال : ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .

стр. 302

والمعنى الثاني: مَن خلق نظام الجاذبية؟ وإنّ كلَّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ ينجذبُ إليها، هذا هو الوزنُ، روادُ الفضاءِ ينامون على فُرُشِهم، فإذا وصلوا إلى نقطةِ انعدامِ الجاذبيةِ يستيقظُ أحدُهم، وهو في سقفِ المركبةِ، ليس له وزنٌ، والحياةُ بلا وزنٍ لا تُطاق، وكلُّ شيءٍ يذهبُ مِن بين يديك، فمَن جعل هذا الشيءَ يستقرُّ على سطحِ الأرضِ؟ ومَن خَلَقَ نظامَ الجاذبيةِ؟ إنه اللهُ ، هذا المعنى الثاني لقوله: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ . المعنى الثالث: مَن جعل لك - أيها الإنسانُ - في الأرضِ كلَّ حاجاتِك؟ وهل تستقرُّ في مكانٍ ليس فيه ماءٌ؟ أنت لا تستقرُّ إلا في مكانٍ فيه ماءٌ ومسكَنٌ، فالذي جعلَ الناسَ يستقرون على سطحِ الأرضِ أنّ فيها كلَّ حاجاتهم، وقد عدَّ بعضُ العلماءِ أنّ في الأرضِ مئتين وخمسة وثمانين ألف مادةٍ غذائيةٍ، يأكلها الإنسانُ منوَّعةً. آياتُ اللهِ بين أيدينا، ولكنَّ السعيدَ مَنْ يتَّعظ بغيرِه، والشقيُّ لا يتَّعظ إلا بنفسه، فإذا هانَ أمرُ اللهِ على الناسِ هانُوا على الله، قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] . وَقَفَ رجلٌ، وألقى محاضرةً عن زلزالِ تركيا، قال: حَارَبْنا اللهَ ورسولَه، وحاربْنا الحجابَ، واتَّفقنا مع اليهودِ ضدَّ المسلمين، وأَبَحْنَا للمحطَّاتِ الفضائيةِ أنْ تبثَّ سمومَها بين الناسِ، فعاقَبَنَا اللهُ ، هذا كلامٌ قال أحدُ زعماءِ الأتراكِ في مجلسِ نوابِهم. إنّ اللهَ رحيمٌ بنا، ولكنْ إنْ لم نَرحَمْ أنفسَنا فلا بدَّ أنْ يعالِجَنا بأفعالِه سبحانه، وروي في الأثرِ القدسي: "إنْ تابوا فأنا حبيبُهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبُهم، أبْتلِيهم بالمصائبِ لأُطَهِّرَهم مِن الذنوبِ والمعايبِ، الحسنةُ بعشرِ أمثالها، وأزيد، والسيئةُ بمثلها وأعفو، وأنا أرأفُ بالعبدِ مِن الأمِّ بولدِها". ﴿? لَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ?لأَرْضَ مَهْداً﴾

стр. 303

نحنُ على كوكبٍ اسمهُ الأرضُ، وكلُّنا يعلم أنّ هناك مجموعةً شمسيّةً، كَعُطارِد، والزُّهْرة، والمريخِ، والمشترِي، وزُحَلَ، وأورانوس، ونبتون، وبلوتون، هذه الكواكبُ السيارةُ حول الشّمس ليست صالحةً للحياةِ، فلماذا كانت الأرضُ وحْدَها صالحةً للحياةِ؟ كوكبُ عطارد يومُهُ ثمانيةٌ وثمانون يوماً، أيْ أربعة وأربعون يوماً ليلاً، وأربعة وأربعون يوماً نهاراً! فهل يصلُح للحياة؟ تنامُ وتستيقظُ، وتنامُ وتستيقظُ، ولا يزالُ الليلُ طويلاً، والسَّنةُ ثمانيةٌ وثمانون يوماً، أربعةُ فصولٍ في ثمانية وثمانين يوماً، فهذا النَّجمُ يدورُ حولَ الشمسِ في ثمانيةٍ وثمانينَ يوماً، وليس في هذا النّجمِ هواءٌ، فهو ليس صالحاً للحياة، فما سرُّ أنّ الأرضَ وحْدَها صالحةٌ للحياةِ؟ شيءٌ آخر، كوكبُ "الزُّهرة" يومهُ مئتان وخمسة وعشرون يوماً، أيْ مئة وزيادة نهارٍ، ومئةٌ وزيادة ليلٍ، وسنتهُ أيضاً مئتان وخمسة وعشرون يوماً، لكنّ حرارةَ هذا الكوكبِ في النهارِ تصلُ إلى عشرين درجةً، نستمعُ أحياناً إلى أنّ الأراضي المقدّسةَ قد بلغَتِ الحرارةُ فيها أربعين درجةً، إلى خمسين، شيءٌ لا يُحتمل! هذا الكوكبُ في النهارِ تصلُ الحرارةُ فيه إلى عشرين درجة، وأمّا في الليلِ فَعِشرون تحت الصِّفر، فهل يصلحُ هذا الكوكبُ للحياةِ، حيثُ لا هواءَ ولا ماءَ. وأما كوكبُ "المرِّيخ" فنهارهُ كنهارِ الأرضِ، أربعٌ وعشرون ساعة، ولكنّ سَنته ستّمئة وسبع وثمانون سنة، فالإنسانُ يعيشُ ويعيشُ أولادُه، وأولادُ أولادِه، ولا يرَون جميعاً الصَّيْف، يعيشُ الإنسانُ وأولادهُ وأولادُ أولادِه في الشّتاء، فهل هذا الكوكبُ صالحٌ للحياةِ؟ مِن أينَ يأتي النباتُ؟ مِن تبدُّلِ الفُصولِ، سنتهُ ستّمئة وسبعة وثمانون عاماً!! وهذا الكوكبُ يدور حولَ الشمسِ في هذه المدةِ الطويلةِ، وحرارتُه سبعون درجةً تحت الصِّفر، لا ماءَ فيه، ولا هواءَ، إذاً فهو لا يصلحُ للحياةِ. و"المشتري" نهارهُ عشرُ ساعات، في خمس ساعات ينتهي النهار، وسنتهُ اثنتا عشرة سنة، وحرارتُه مئة وثلاثون درجةً تحت الصّفر، وكثافتُه رُبْعُ كثافةِ الأرضِ، إذاً هو كوكبٌ مِن الغازاتِ، فهو لا يصلحُ للحياةِ.

стр. 304

و"زُحلُ" سنتُهُ تسعةٌ وعشرون عاماً من سنيّ الأرض، وبُعْدهُ عنِ الشّمسِ مليارٌ وأربعمئة ألفِ كيلو مترٍ. و"أورانوس" سنتهُ ثمانيةٌ وأربعون عاماً. و"نبتون" سنتهُ مئةٌ وتسعةٌ وسِتُّون عاماً. و"بلوتون" سنتهُ مئتان وسبعة وأربعون عاماً. قال تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ . كيف تجعلُ الطفلَ الصغيرَ في مهْدٍ مريحٍ، ليِّنٍ، وحرارةٍ معتدلةٍ؟ كيف أنّ مهْدَ الصبيِّ الصغيرِ يناسبهُ من كلّ النواحي؟ ربّنا تفضَّل علينا، فجعَلَ الأرضَ مهداً، وجَعَلَ قُرْبَها مِن الشّمسِ معتدلاً، وجعلَ حرارتَها معتدلةً، بين الأربعين والصّفْر، وجعلَ كثافتَها معتدلةً، وجعلَ شمسَها معتدلةً، وجعلَ جاذبيّتها معتدلةً، وجعلَ دورتَها اليوميّةَ معتدلةً، وجعلَ دورتَها السنويّةَ معتدلةً، هذا مِن نِعَم اللهِ تعالى، وقد أشارَ ربُّنا إلى ذلك فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . إنّ اللهَ يوقِظُ أفكارَنا، وينبِّه عقولَنا، ويَلْفِتُ أنظارَنَا، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا﴾ [النبأ: ٦] ، فهذه الأرضُ جُهِّزَتْ لكم أيّها الناسُ، وهُيِّئتْ لاسْتقبالِكم، فهل فكَّرْتم في ذلك؟ هل فكَّرتم في هذه الأرضِ التي جَعَلَها اللهُ مستقِرَّةً؟ في كلّ ثانيةٍ تقطع ثلاثين كيلو متراً، فهل تحرّك شيء؟ هل اهْتزَّ جِدَارٌ؟ هل تشقّق سقفٌ؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا﴾ .

стр. 305

الهواء مع الأرض، ومتحرِّك معها، هناك رياحٌ لطيفةٌ، رياحٌ معقولةٌ تبدّلُ الأجواءَ وتنقّيها، وهكذا، ولو كان الهواءُ منفصِلاً عنها في الحركةِ لنشأَتْ عواصفُ سُرعتُها ألفٌ وستّمئة كيلو مترٍ في الساعةِ، وعلماً بأنّ أشدَّ أنواعِ الأعاصيرِ المدمّرةِ لِكلِّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ لا تزيدُ سُرعتُها على ثمانمئة كيلو مترٍ، وفي المئتي كيلو مترٍ تكون الرياحُ مدمّرةً، بسرعةِ ثمانمئةِ كيلو مترٍ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ شيئاً فوقَ الأرضِ، لو أنّ الهواءَ شيءٌ، والأرضَ شيءٌ، والأرضُ تدورُ لنشأَتْ أعاصيرُ سُرعتُها ألفٌ وستّمئة كيلو مترٍ في الساعة، ولدُمِّرَ كلُّ شيءٍ، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا﴾ . مَن جعلها ممهَّدَة وهي متحرّكة؟ تبني البناءَ طوابقَ متعدّدةً، لو أنّها اهتزّتْ قليلاً لانهار البناءُ، وتهدَّمت البيوتُ، وتقطَّعَت الجسورُ، ولَرُدِمَت التُّرَعُ، مَن جعلها مستقرّةً؟ ولكي لا تبقى في غفلةٍ أيُّها الإنسانُ، جعلَ الزلازلَ أنموذجاً، بعضُها يجعلُ الأرضَ عاليَها سافلَها، في ثوانٍ معدودةٍ، فتُصبحُ المدنُ تحتَ أطباقِ الثَّرى، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا﴾ . مَن جعلَ الأرضَ على مسارِها؟ مَن جعلها تزيدُ من سرعتِها إذا اقتربَتْ من القطرِ الأدنى؟ مَن جعلَ هذه الزّيادةَ تدريجيّةً؛ في تسارع منظّمٍ بطيءٍ، مَن جعلها كذلك؟ يدُ مَنْ أمسَكَتْها أنْ تزولَ؟ إنها يدُ اللهِ اللطيفِ الخبيرِ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا﴾ . من أعطى الأرضَ الحرارةَ المناسبةَ؟ لو أنّها توقَّفت عن الدّوران لأصبَحَت حرارتُها ثلاثمئة وخمسين درجةً في النهار، ومئتين وسبعين درجةً تحت الصّفر في الليل! مَن جعلها في درجاتٍ معتدلةٍ تتوافق مع أجسامنا؟ مَن جَعل الليلَ والنهارَ بِطُولٍ يُساوي حاجاتِنا إلى النومِ والعملِ؟ مَن؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا﴾ .

стр. 306

فإذا قرأتُم القرآنَ الكريمَ لا تقرؤوه سرداً، توقَّفوا عند آياته، تأمَّلوا فيه، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا﴾ ، كيف هيَّأها لك؟ وهيَّأك لها؟ كيف جَعلَها بِحَجمٍ، وبِسُرعةٍ، وباستقرارٍ مع الهواءِ، والماءِ، والشّمسِ، والنباتِ، والحيوانِ، والتضاريسِ، والليلِ، والنهارِ، والحركةِ، والجاذبيّةِ، على نحْوٍ يوافق حاجاتك؟ وجعل لك قدَمَين، ويَدَيْنِ، وعينين، ورئتين، وأُذنين، وقوّةً مدركةً، وأخرى محاكِمةً، ولساناً طليقاً يتحدّثُ ويبيّنُ، وأذناً مصغيةً تدرِكُ بها ما عندَ الآخرِين. القرآنُ كونٌ ناطقٌ، والكونُ قرآنٌ صامِتٌ، والنبيُّ ﷺ قرآنٌ يمشي، فتأمَّلْ في صُنْعِ الله ، مِن أجلِ أن تعرفَ اللهَ من خلال كونه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] . سرعة الأرض في القرآنِ الكريمِ آيتانِ على سبيلِ الحصرِ تشيران إلى سرعةِ الأرضِ، الأُولى قولُه سبحانه: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ، والثانيةُ قولُه تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسمآء بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ [غافر: ٦٤] .

стр. 307

إنّ سرعةَ الأرضِ آيةٌ عظيمةٌ غَفَل عنها كثيرٌ منَ الناسِ، وأعرضوا عن التأمُّلِ فيها، فهذه الأرضُ تدورُ حولَ نفسِها بسرعةٍ تبلغُ في خطِّ الاستواءِ ١٦٠٠ كيلومتر في الساعةِ، وهذه الأرضُ تدورُ حولَ الشمسِ بسرعةٍ قَدَّرها العلماءُ بثلاثينَ كيلومتراً في الثانيةِ الواحدةِ، فلها حركةٌ حول نفسِها، وحركةٌ حول الشمسِ، ومع ذلك فإنّ الأرضَ مستقرةٌ استقراراً تاماً، بدليلِ أنه لو اهتزَّتْ قيدَ أَنْمُلَةٍ لتصدَّعتِ الأبنيةُ، ولانهارت، ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ ، مَن الذي يَملكُ أنْ يجعلَها مستقرةً؟ أتملكون أنتم أيها العبادُ الضعفاءُ أنْ تجعلوها مستقرةً؟ حينما اهتزتْ في بعضِ البلادِ أصبحتْ مدينةٌ مِن مدُنِها قاعاً صفصفاً، فلِمَ لمْ تقدروا على دفعها؟ أو تُبقُوا على استقرارها؟ ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٤] . ماذا فعلتم؟ هل تملكون دفْعَ اهتزازِها؟ أو جَلْبَ استقرارِها؟ ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ ، فهذا البيتُ الذي تدفعُ ثمنَه عشراتِ الملايين في بعضِ الأحياء الراقيةِ، ما قيمتُه لو اهتزَّتِ الأرضُ قليلاً، وتصدَّع البناءُ، وهذه الثروةُ التي تملكُها، لو اشتريتَ بها بيوتاً، واهتزَّتِ الأرضُ هزاً يسيراً فتصدَّعتْ، ماذا تفعل؟ ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ ، اركبْ طائرةً، وانظرْ إلى طرَفِ الجناحيْنِ، إنهما يهتزان يمنةً ويسرةً، فهل يستطيعُ الإنسانُ أنْ يصنعَ مركبةً لا تهتز أبداً، إنه استقرارٌ تامٌّ، يمضي على البناءِ مئةُ عامٍ، ومئتان، بل القرونُ، ويبقى كما هوَ، لا تجدُ له تحويلاً، ولا تغييراً، وهذا دليلٌ على أنّ الأرضَ مستقرةٌ. يقولُ ربُّنا : ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] . إذا كانت الجبالُ تمرُّ مرَّ السحابِ، فإنّ الأرضَ تدورُ، وهذه إشارةٌ لطيفةٌ في كتابِ اللهِ إلى دورةِ الأرضِ حَوْلَ نفسِها.

стр. 308

تقطعُ الأرضُ حولَ نفسِها في الثانيةِ الواحدةِ نصفَ كيلو مترٍ، لأنّ محيطَها أربعونَ ألفَ كيلو مترٍ، فالنقطةُ في المحيطِ تعودُ إلى مكانِها السابقِ بعد أربعٍ وعشرين ساعةً، فإذا قسَّمتَ أربعينَ ألفَ كيلو مترٍ على أربعٍ وعشرينَ ساعةً كانت النتيجةُ ألفاً وستمئة كيلو مترٍ في الساعة، أي نصفَ كيلو متر في الثانية، هذه سرعةُ الأرضِ في دورتِها حولَ نفسِها. ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ ، مَن جعَلها مستقرةً استقراراً ثابتاً؟ وهي تدورُ حول نفسها، وحول الشمس، ومع الشمسِ، والشمسُ مع المجرةِ، قال تعالى: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .

стр. 309

المعنى الثاني: لو أنّ إنساناً ركبَ مركبةً فضائيةً، وتخطَّى بها نطاقَ الجاذبيةِ الأرضيةِ، حيث ينعدم الوزنُ هناك، ولا تُطَاقُ الحياةُ، لأن المركبةَ بلا وزنٍ، فإذا أُفِلتَ منها شيءٌ طارَ في السماءِ، واستقرَّ في السقفِ، فمَن جعَلَ الأشياءَ ترتبطُ بالأرضِ؟ إنه اللهُ ﴿خالق كُلِّ شَيْءٍ فاعبدوه﴾ [الأنعام: ١٠٢] ، ولو أنّ الأرضَ أسرعتْ في دورانِها لطارَ مَنْ عليها، ولو تضاعفتْ سرعتُها سبعةَ عشرَ ضعفاً لطار جميعُ من عليها، فمَن جعلنا مستقرِّين عليها؟ إذا أمسكتَ كأسَ الماءَ، ووضعتَه على الطاولةِ، لماذا يبقى عليها؟ إنها قوّةُ الجاذبيةِ، حيث ينجذبُ كلُّ شيءٍ إلى مركزِ الأرضِ، ومَن الذي جعلَ البحارَ في قسمِ الكرةِ الجنوبيِّ مرتبطةً بالأرض؟ فلو ذهبَ إنسانٌ إلى نصفِ الكرةِ الجنوبيِّ، إلى استراليا، إلى الأرجنتين، ماذا يرى؟ يرى الأرضَ أرضاً، والسماء سماءً، انظرْ إلى أستراليا على الكرةِ الأرضيةِ، فإنك تراها في القسم الجنوبي، ما تعريفُ السماءِ إذاً؟ هي الجهةُ المقابلةُ لمركزِ الأرضِ، ولو ذهبتَ إلى القسمِ الجنوبيِّ منها، ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ ، مَن جعل البحارَ ترتبطُ بالأرضِ في قِسْمِها الشماليِّ، وقِسْمِها الجنوبيِّ؟ مَن جَعَلَ كتلةَ الهواءِ ترتبطُ بالأرضِ؟ فلو أنّ الهواءَ لم يرتبطْ بالأرض لنشأتْ عواصفُ وأعاصيرُ تدمِّر كلَّ شيءٍ، ولكنَّ الغلافَ الهوائيَّ مرتبطٌ بالأرضِ، ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ ، إذَا وضعتَ شيئاً على الأرضَ يبقى في مكانِه، بقدرةِ قادرٍ، عن طريقِ نظامِ الجاذبيةِ، إذْ إنّ كلَّ شيءٍ ينجذبُ إلى الأرضِ. إنهما آيتان في القرآن الكريمِ على سبيلِ الحصرِ، الأولى قولُه تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ، والثانيةُ قولُه: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسمآء بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ [غافر: ٦٤] .

стр. 310

لو صعدتَ إلى سطحِ القمرِ لهبَطَ وزنُك إلى السدسِ، ولو أنَّ وزنَك في الأرضِ ستون كيلو غراماً لصار وزنُك في القمر عشرة كيلو غرامات، هذا نظامُ الجاذبيةِ. إنّ اللهَ في هاتين الآيتين يَلفِتُ نَظَرَنَا إلى هذه الحقيقةِ، فالسعيدُ مَن تأمل فيهما، وإنّ تفكُّرَ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ستينَ عاماً، ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُون﴾ [يونس: ١٠١] . من الإعجاز اللغوي في القرآن ﴿فِي? أَدْنَى ?لأَرْضِ﴾ مِن دلائلِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ أنَّه أنبأَ عنِ المُستقبلِ، وقد وقعَ ما أنبأَ اللهُ به، من هذا قولُه تعالى: ﴿الاما * غُلِبَتِ الروم * في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون﴾ [الروم: ١-٤] . يَعنِينا من هذه الآيةِ كلمةُ: ﴿في أَدْنَى الأرض﴾ ، ماذا يريدُ اللهُ بها؟ وأيُّ مكانٍ هو أدنى الأرضِ؟ الأرضُ كرةٌ، ولأنّها كرةٌ فَخُطوطها متّصلةٌ، ومستمرّةٌ، وهو الشكلُ الهندسيُّ الوحيدُ الذي إذا سرْتَ بِخَطّ عليه امْتدَّ إلى ما لا نهاية، وليس لهذا الشكل حوافٌ، وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ في آيات أخرى إلى كُروِيَّة الأرضِ حيث قال سبحانه: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ [الحجر: ١٩] ، أي إنّ الخطوطَ على الأرضِ لا تنقطعُ، ولا تقفُ عند حدٍّ، بل إنّها تتَّصلُ، فلو اتَّجَهْتَ نحو الشّمالِ نظريّاً، ثم وصلْتَ إلى القطبِ، وعُدْتَ بعدها في نصفِ الكرةِ الآخرِ لعدتَ إلى النقطةِ التي بدأتَ منها، هذا معنى: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ .

стр. 311

إنّ في هذه الآيةِ إشارةً إلى أنّ الأرضَ كرةٌ، ولكن ما معنى ﴿أَدْنَى الأرض﴾ ؟ إنّ كلمة: ﴿أَدْنَى﴾ تعني شيئين؛ تعني أنّه الأسْفلُ، وتعني أنَّه الأقربُ، فإذا اسْتبْعدنا معنى الأقرب لِكَون الأرضِ كرةً، بقيَ المعنى: هو الأسْفل، وقد أجْمَعَ المؤرخون على أنّ المعركة التي انْتصرَ فيها الرُّوم على الفُرْس تحقيقاً لِوَعد الله في بضْع سِنين كانت في الأغْوار، في أغوار فلسطين، حيث اتَّجَهَ بعضُ علماءِ المسلمين إلى أكبرِ علماءِ الجيولوجيا في العالمِ الغربيِّ، وسألهُ هذا السُّؤال: أيُّ مكانٍ في الأرضِ هو أشدُّها انْخِفاضاً؟ لو قلنا: أيّ مكانٍ على سطح الأرض بِما فيها البحر، لأجاب هذا العالم: إنَّه خليجُ مريانة، أو إنّه وادي مريانة، إذْ إنّه في أعْمق نقطةٍ في قعْرِ البِحار، هذه النُّقطة يزيدُ انْخِفاضُها على اثني عشر ألفَ مترٍ، ولكنّ أدنى الأرضِ اليابسةِ تقعُ في أرضِ فلسطينَ، ولم يكُن وقتَ نُزولِ هذه الآية بِوُسْعِ الإنسانِ أنْ يمْسحَ القاراتِ الخمْسَ، وأن يعرفَ ارتِفاعَ أعلى نقطةٍ فيها، وأدنى نقطةٍ في انخفاضِها، ولكنّ القرآنَ أشار إلى أنّ الرومَ غُلِبَتْ في أدنى الأرضِ، وهم مِن بعدِ غَلَبِهم سيغْلِبون، وأدنى الأرضِ يعني أخْفض نقطةٍ في الأرض، وقد توافَقَتْ كتبُ التاريخِ مع قوله تعالى في أنّ أخْفضَ نقطةٍ في الأرض هي غوْر فلسطينَ ٣٩٢م تحت سطح البحر، وهو البحر الميت. إنّ في القرآنِ آياتٍ - كما قال سيدنا عليٌّ ﵁ لمَّا تُفسَّرْ بَعْدُ، وهذا مِصداقُ قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ [فصّلت: ٥٣] . إنَّه كتابُ الله، وإنَّ خالقَ الكونِ يعلم أيَّ نقطةٍ في الأرضِ أخْفَضَ مِن غيرها، بل إنّ هناك آيةً أخرى تؤدِّي بعضَ المعنى الذي نحن بصددِه، قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: ٢٧] .

стр. 312

لمْ يَقُلِ اللهُ : وعلى كلّ ضامرٍ يأتين مِن كلّ فجٍّ بعيدٍ، فلو أنّ الأرضَ مسطّحةٌ لكانت كلمةُ (بعيد) أنْسَبَ مِن كلمةِ ﴿عَميِقٍ﴾ ، ولأنّ الأرضَ كرةٌ، وأنّك كلّما ابْتَعَدْتَ في سطحِ الأرضِ عن نقطةٍ ما انحنى المسارُ، فجاءت كلمة ﴿عَميِقٍ﴾ ، وكلَّما ابْتعَدْت عن مكّةَ فلا بدّ من أنْ يكونَ المسارُ منحنِياً، فيُصْبِحُ هذا الفجُّ عميقاً، وهو أصحُّ مِن أنْ يوصَفَ بأنّه بعيدٌ، ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ . الجبال يقولُ ربُّنا سبحانه في القرآنِ الكريمِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾ [المرسلات: ٢٧] . ويقول : ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-١٩] . ويقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا * والجبال أَوْتَاداً﴾ [النبأ: ٦-٧] . نحن مدعوُّون بنصِّ الآياتِ الكريمةِ إلَى النظرِ إلى الجبالِ كيف نُصِبَتْ، فإنّ هذه الآياتِ في القرآنِ الكريمِ تتحدث عن الجبالِ. الجبلُ وَتِدٌ، ثُلُثَاهُ مغروسٌ في الأرضِ عَبْرَ طبقاتِها المتعددةِ، وفي أثناءِ الدورانِ لا تُزاحُ الطبقاتُ المتبايِنةُ بعضُها عن بعضٍ بسببِ أنّ وتِداً، وهو الجَبَلُ يربطُها جميعاً. معنى آخرُ: يشيرُ اللهُ في قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا * والجبال أَوْتَاداً﴾ إلى أنّ هذا الجبلَ الذي تراه عينُك إنما ترى منه الثلثَ الظاهرَ، وله ثُلُثانِ تحتَ الأرضِ، فكلُّ جبلٍ ثُلُثه فوقَ الأرضِ، وثلثاه تحتَها، فجبالُ هِمَالايَا التي فيها أعلى قمة، وهي قمة إيفرست ٨٨٨٠م، هذا هو الثلثُ الظاهرُ، ولكنَّ ضِعْفَي هذا الارتفاعِ مغروزٌ تحتَ الأرضِ كالوتِد، مِن هنا قال تعالى: ﴿والجبال أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٢-٣٣] .

стр. 313

وهناك معنى ثالثٌ: قال تعالى: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَاناً﴾ [النحل: ٨١] ، فالسلاسلُ الجَبَلِيّةُ التي على السواحلِ تجعلُ المنطقةَ التي خَلْفَها منطقةً جافَّةً، وليستْ رطبةً، ومنطقة هادئة، وليست منطقةَ رياحٍ عاتيةٍ، فلو ذهبتَ إلى مدينة حمصَ لرأيتَ أنَّ الأشجارَ كلَّها مائلةٌ نحو الشرق، لوجودِ فتحةٍ بين سلسلتي الجبالِ المنصوبةِ على السواحلِ جبال اللاذقية وجبال لبنان، فالجبالُ في هذه الآيةِ جَعَلَها اللهُ أكناناً، قال : ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَاناً﴾ ، فتبدُّلُ الطَّقسِ والمناخِ متعلِّقٌ بالجبالِ، وبفتحاتِها، لأنّها مَصَدّاتٌ للرياحِ، تصدُّها، وتُوقِفُها. معنى رابعٌ: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً﴾ [الرعد: ٣] ، فالعلاقةُ بين الأنهارِ والجبالِ هي أنّ الجبالَ مستودعاتٌ للأنهارِ، ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً﴾ . معنى خامسٌ: قال تعالى: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] . هذه الكُرَةُ مع دورانها السريعِ لا بد أنْ تضطربَ، أمّا إذا وُزِّعَتِ الجبالُ توزيعاً دقيقاً مُحْكَماً على سطحِها فإنَّ هذا التوزُّعَ سوف يؤدي إلى استقرارِها مع دورانِها، فهذا ممّا تَعنِيهِ هذه الآيةُ: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ، أيْ: لِئَلاّ تضطربَ الأرضُ في أثناءِ الدورانِ. معنى سادسٌ: قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ [النمل: ٦١] . مَن جَعَلَها مستقرةً، مَن جعَلَها ساكنةً سكوناً تامّاً، مع أنها متحركةٌ؟ حيث تقطعُ الأرضُ في الثانيةِ الواحدةِ ثلاثين كيلومتراً، تدور حول نفسِها بسرعةِ ألفٍ وستمئة كيلو مترٍ في الساعة، ومع ذلك تَبْنِي البناءَ فلا يتَشَقَّقُ، ولو أنّها اضطربتْ بميزانِ الزلازلِ بأقلِّ وحدةٍ لتَهَدَّمَتِ الأبنيةُ، ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل: ٦١] .

стр. 314

شيءٌ آخرُ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾ [المرسلات: ٢٧] . قال العلماءُ: "الجبالُ تُضاعِفُ مساحةَ الأرضِ أربعةَ أضعافٍ، فلو أخذتَ المساحةَ التي يشغلُها الجبلُ لكانتْ أَقَلَّ مِن مجموعِ سطوحِه بخمسةِ أجزاء، فهذه الجبالُ تضاعِفُ المساحاتِ، وتُلَطِّفُ الأجواءَ، ولها وظائفُ لا يعلمُها إلا اللهُ"، لذلك يقول ربُّنا : ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-١٩] . معدن الفضة ذُكِرَ أنَّ معاملَ تعبئةِ الزجاجاتِ الغازيةِ تجعلُ في آخرِ مرحلةٍ مِن تصنيعِها للموادِّ أنابيبَ مِن الفضَّةِ، يجري الماءُ فيها مِن أجلِ التعقيمِ مِن الجراثيمِ، وبعدها وقعتْ يدي على كتابٍ يتحدَّثُ عنِ الفلزّاتِ، وعن المعادنِ، ففتحتُ على عنوانِ (الفضة) ، وقرأتُ عنها، فإذا بمؤلِّفِي الكتاب - والكتابُ مترجَمٌ - لا يعرفون شيئاً عَنِ كتاب اللهِ، ولا عنِ الإسلامِ إطلاقاً، بل ربما لا يقيمون قيمةً لكلِّ الأديانِ - مؤلِّفو الكتاب يقولونَ: "إنَّ للفضةِ خاصّةً مهمّةً - هذه العبارةُ الدقيقةُ كما وردتْ - وهي أنّها تَقضِي على الجراثيمِ الموجودةِ في الماءِ، لخاصَّةٍ إشعاعيَّةٍ، فإمَّا أنْ يمرَّ الماءُ في أنابيبَ من الفضة، وإمَّا أنْ توضعَ فيه بعضُ قِطَعِ الفضَّةِ. وفي مكانٍ آخرَ يقولون: هذا الفِلز قاتلٌ للبكتريا. وفي مكانٍ ثالثٍ يقولون: إنَّ مجرَّدَ تمَاسِ الماءِ مع معدن الفضةِ فإنه يَطْهُرُ ممَّا به مِن جراثيمَ. وفي فقرةٍ أخرى يقولُ مؤلفُ الكتابِ: مِن أجلِ تعقيمِ لترٍ مِنَ الماءِ يكفِي أنْ توضعَ فيه بضعةُ أجزاءٍ من الغرامِ مِن معدنِ الفضَّةِ. وشيءٌ خامسٌ: أنَّ لونَ الفضةِ لا يتغيَّرُ إلاّ إذا كان الجوُّ غيرَ نقيٍّ، فلو أنَّ في جوّ البيت غازاتٍ غيرَ صحيَّةٍ لتغيَّرَ لونُ الفضةِ، فكأنَّ معدنَ الفضةِ صارَ مقياساً لنقاوةِ الجوِّ.

стр. 315

إضافةً إلى الميزاتِ الكثيرةِ للفضةِ التي تُسْتَخْدَمُ في الصناعةِ، وفي التصويرِ، وفي التوصيلاتِ، وما شابه ذلك، إضافةً إلى قيمةِ الفضةِ كمعدنٍ لتقييمِ السلعِ، كنقدٍ، فإنّ اللهَ يقولُ في سورةِ الإنسانِ: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ [الإنسان: ١٥-١٦] . لِمَ ذَكَرَ اللهُ الفضةَ، ولمْ يذكرِ الذهبَ، والذهبُ أثمنُ، والذهبُ آنيةٌ مِن أوانِي أهلِ الجنةِ؟! هذه إشارةٌ قرآنيةٌ إلى خواصِّ الفضةِ، وهذه الآيةُ تؤكِّدُ أنَّ الأصولَ العلميَّةَ موجودةٌ في كتابِ اللهِ . ﴿وَأَنزَلْنَا ?لْحَدِيدَ﴾ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . فالبيّناتُ هي المعجزاتُ التي تؤكِّد صدقَ الرسلِ، والكتابُ هو المنهجُ، والميزانُ هو العقلُ الذي هو مناطُ التكليفِ، والهدفُ إقامةُ العدلِ في الأرض، وقوةُ الردعِ هي الحديدُ الذي فيه بأسٌ شديدٌ، ومنافعُ للناسِ.

стр. 316

ويعتقد علماءُ الفَلَكِ حالياً أنَّ النيازكَ والشهبَ ما هي إلا مقذوفاتٌ فَلَكِيةٌ مختلفةُ الأحجامِ، وتتألَّفُ في معظمِها مِن معدنِ الحديدِ، ولذلك كان معدنُ الحديدِ مِنْ أوَّل المعادنِ التي عَرَفَها الإنسانُ على وجهِ الأرضِ، لأنه يتساقطُ بصورةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ السماءِ على شكلِ نيازكَ، يَتَساقطُ في كلِّ عامٍ آلافُ النيازكِ والشُّهُبِ على كوكبِ الأرضِ، التي قد يَزِنُ بعضُها أحياناً عشراتِ الأطنانِ، وقد عُثِرَ على نيزكٍ في أمريكا بَلَغَ وزنُه اثنينِ وستين طناً، مكوَّناً من سبائكِ الحديدِ والنيكلِ، أما في ولاية (أَرِيزُونَا) فقد أَحْدَثَ نيزكٌ فوهةً ضخمةً عُمْقُها مئتا مترٍ، وقُطْرُها ألفُ مترٍ، وقد بَلَغَتْ كمياتُ الحديدِ المُسْتَخْرَجَةُ مِن شَظَايَاهُ الممزوجةِ بالنيكلِ عشراتِ الأطنانِ. ومِن هذا الشرحِ العلميِّ تتبيَّنُ لنا دقَّةُ الوصفِ القرآني ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد﴾ ، ولكنْ ما البأسُ الشديدُ؟ وما هي المنافعُ التي أشارَ إليها القرآنُ بقوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ؟ لقد وَجَدَ علماءُ الكيمياءِ أنّ معدنَ الحديدِ هو أكثرُ المعادنِ ثباتاً، وقوةً، ومرونةً، وتحمُّلاً للضغطِ، وهو أيضاً أكثرُ المعادنِ كثافةً، وهذا يفيدُ الأرضَ في حفظِ توازُنِها، كما يُعَدُّ معدنُ الحديدِ الذي يكوِّن ثلثَ مكوِّناتِ الأرض أكثرَ العناصرِ مغناطيسيةً، وذَلك لِحفظ جاذبيتها. ولا بدّ أنْ نذكرَ أيضاً أنّ الحديدَ عنصرٌ أساسيٌّ في كثيرٍ مِنَ الكائناتِ الحيَّةِ، كمَا في بناءِ النباتاتِ التي تمتصُّ مُرَكّباتِه مِنَ التربة، وتدخلُ أملاحُه في تركيبِ خلايا الدمِ عندَ الكائناتِ الحيَّةِ. وهنا محلُّ الإشارة إلى أنّ هناك توافقاً عددياً عجيباً بين رقمِ سورةِ الحديدِ، وهو سبعة وخمسون (٥٧) في القرآن الكريم، والوزنِ الذرّي لمعدنِ الحديد.

стр. 317

وقد عُقِدَ مؤتمرٌ عامَ (١٩١٠) ، لِيَبحثَ في شؤونِ المعادنِ التي في خبايَا الأرضِ، وكان هناك قلقٌ يساورُ المؤتمرِين مِن أنَّ الحديدَ سوف ينتهي مخزونُه في الأرضِ في عام (١٩٧٠) ! وأصدروا التقاريرَ حولَ وُجودِ هذا الفلزِّ العظيمِ، على أنّه متوافرٌ في الأرضِ بِكَميّاتٍ كبيرةٍ، بل إنّ أحْدثَ الإحصاءاتِ هو أنّ مادّةَ الحديدِ موجودةٌ في القشرةِ الأرضيّةِ بِمُعدّلِ خمسة بالمئة مِن وزنِ القشرةِ الأرضيةِ، بعضُهم قدّرَ فلزاتِ الحديدِ الموجودةَ على سطحِ الأرضِ بسبْعمئة وخمسين ألفَ مليونِ مليُونِ طنّ! هذا شيءٌ لا يعنينا، ولكنّ الذي يعنينا أنْ تكونَ حياتُنا نحنُ بني البشر، وحياةُ كلِّ كائنٍ حيٍّ، وحياةُ كلِّ نباتٍ متوقّفةً على الحديدِ! هذا شيءٌ ربما لا يُصدَّقُ. إنّ الحديدَ يدخلُ في تركيبِ الدّمِ، وإذا افتقرَ الإنسانُ إلى ثلاثةِ غرامات فقط مِنَ الحديدِ تُهدَّدُ حياتُه بالموتِ، ووزْنُ الحديدِ الذي في تركيبِ الإنسانِ لا يزيدُ على هذه الغراماتِ الثلاثةِ، لأنّه داخلٌ في هيموغلوبين الدمِ، والحديدُ هو الذي يجعلُ الدّمَ أحمرَ قانياً في الإنسانِ، وفي كلّ كائنٍ حيٍّ. التربة وما تحتويه من كائنات

стр. 318

ثَمَّةَ شيءٌ لا يكاد يُصدَّق، إنّ متراً مكعَّباً مِن التربةِ التي نستخدمُها للزراعةِ فيه ما يزيدُ على مئتي ألف من الدِيدانِ العنكبيةِ، وعلى مئة ألفٍ من الحشراتِ، وعلى ثلاثمئة مِن ديدانِ التربةِ العاديةِ، وعلى آلاف الملايينِ من الجراثيمِ، والكائناتِ المتناهيةِ في الدقّة، وإنَّ غراماً واحداً مِن هذه التربةِ يحتوي على عدَّةِ ملياراتٍ مِن البكتيريا، مخلوقاتٍ متناهيةٍ في الدقةِ، على شكلِ عُصيَّاتٍ، وعلى شكلِ كريَّاتٍ، وعلى شكلِ لوالبَ، بعضُها يحتاجُ إلى الأوكسجينِ، وبعضُها لا يحتاجُ، بعضها عارٍ، وبعضُها له أهدابٌ تمكِّنه من الحركةِ، إنّ هذا المصنعَ ذو حركةٍ دائمةٍ، يقوم بمهماتٍ هي مِن أكثرِ المهماتِ غموضاً واستغلاقاً حتى اليوم، هذه الكائناتُ ما وظيفتها؟ يعرف العلماءُ بعضَ الوظائفِ، أما وظيفتُها بالضبط فلا يزال هذا سرّاً، وهذا المصنعُ ذو الحركةِ الدائمةِ يقومُ بمهماتٍ مِن أكثرِ المهماتِ أهميةً، ونَفْعاً للإنسانِ، فلو أنّ الجنسَ البشريَّ كلَّه أُبيدَ على بكرةِ أبيه لبقيتِ الحياةُ مستمرةً، أما هذه الكائناتُ فإنها لو أُبِيدَتْ لانتهتِ الحياةُ مِن سطح الأرضِ كليّاً، فربما كان وجودُ هذه الكائناتِ أخطرَ مِن وجودِ الإنسانِ، فكلُّ شيءٍ نأكله على نحوٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ، إنما أصْلُه مِن النباتِ الأخضرِ، فإذا أكلتَ اللحمَ، فاللحمُ نَبَتَ من العشبِ، فهذا الخروفُ أكَلَ العشبَ فَنَمَا جسمُه، فأكلتَ أنتَ لحمَه، فغذاؤُك على نحو مباشر وغير مباشر أساسُه النباتُ الأخضرُ، قال تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] . لقد حار العلماءُ في كلمةِ ﴿الأخضر﴾ هنا، كيف يكونُ الشجرُ أخضرَ، وكيف يُجْعَل وقوداً؟ ولا يكون الشجرُ وقوداً إلا إذا كان يابساً، فلماذا قال تعالى: ﴿مِّنَ الشجر الأخضر﴾ ؟

стр. 319

قال بعض العلماء: إن كلمةَ ﴿الأخضر﴾ إشارةٌ علميةٌ إلى أنَّ هذا الشجرَ ما كان له أنْ يكونَ شجراً لولا أوراقُه الخضراءُ، فالأوراقُ الخضراءُ أساسُ وجودِه، بل إنَّ نموَّ النباتِ يعتمدُ على حادثةٍ اسمُها التحليلُ والتمثيلُ الضوئيُّ، فلا نباتَ بلا ضوءٍ، ولا نباتَ بلا شمسٍ، ولا نباتَ بلا ماءٍ، فالماءُ، والشمسُ، وغازُ الفحمِ الذي أودعه اللهُ في الجوِّ هو سببُ نموِّ النباتِ، وما أوراقُ الأشجارِ إلا معاملُ تصنعُ موادَّ النباتِ الأساسيةَ، والموادَّ العضويةَ. تتساقطُ الأوراقُ، فتأتي الرياحُ، وتوزِّع هذه الأوراقَ المتساقطةَ على أنحاءِ التربةِ كلِّها، وتأتي ملياراتُ الكائناتِ المجهريةِ فتلتهمُها، فإذا التهمَتْهَا أصبحت غذاءً صالحاً للكائناتِ الأكبرِ منها، هي وحيدةُ الخَلِيَّةِ، فإذا التهمَتْهَا أصبحت غذاءً صالحاً لكائناتٍ أرقى منها، هي البكتريا، يتمُّ هذا على ثلاثِ مراحلَ؛ وهذه العملياتُ الحيويةُ تحتاجُ إلى الهواءِ، فمِن أينَ يأتي الهواءُ داخلَ التربةِ؟ وظيفةُ الديدانِ أنْ تفتحَ أنفاقاً في التربةِ، فالديدانُ، والقوارضُ، والأفاعِي، وكلُّ الكائناتِ التي تعيشُ تحتَ التربةِ وظيفتُها تهويةُ التربةِ، فلو أُلغيتْ لانعدمَ الإنباتُ على سطحِ الأرضِ. هذه الديدانُ تلتهمُ الترابَ، وتفرزُ السمادَ، ولا يعلمُ - إلاّ اللهُ - كم مِن الأطنانِ التي تنتجها الديدانُ في الهكتارِ الواحدِ، وكم مِن الأطنانِ مِن الأسمدةِ التي تنتجهَا الديدانُ في الكيلومتر المربعِ الواحدِ. إنّه كونٌ عظيمٌ، وخالقٌ عظيمٌ، وشرعٌ حكيمٌ، فأينَ نذهبُ؟ وما الذي يصرفنا عن اللهِ ، وعن تطبيق أمره؟ هذه بعض الحقائق المهِمَّة، ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] ، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .

стр. 320

في الغرامِ الواحدِ عدةُ ملياراتٍ مِن البكتريا، ماذا يجري تحتَ الترابِ؟ لا يعلمُه إلا اللهُ، إنّها معاملُ، كائناتٌ، وعملياتُ تحويلٍ، ومعادلاتٌ، ونحن لا ندري، ليس لنا إلا أنْ نقطفَ الثمارَ، ونأكلَها، أنْ نجني الخضرَاواتِ، ونأكلَها، أنْ نحصدَ المحاصيلَ، ونأكلَها، وعلى الله الباقي، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] . خَلَقَ اللهُ الأرضَ وما فيها، وما تحتها، وما عليها مِن أجلِ أنْ نعرفَه، فإذا عرفنَاه فقد حقَّقنا الهدفَ مِن خَلْقِه لنا، وإنْ لم نعرفْه فيا حسرةً علينا، قال سبحانه: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ [الزمر: ٥٦] . تصريف الرياح مِنَ الآياتِ الناطقةِ بعظمةِ اللهِ سبحانه قولُه تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ [البقرة: ١٦٤] ، فهذه الرياحُ التي هي سببٌ مِن أسبابِ حياتنا، إنها روحُ الأحياءِ، كيف يصرفها الله ؟ قال بعضُ العلماءِ: "إنّ الماءَ إذا عُرِّضَ للحرارةِ، وإلى جانبِه جسمٌ صُلْبٌ معرَّضٌ للحرارةِ نفسها، كان أَبْطَأَ في اكتسابِه للحرارةِ مِن الجسمِ الصُلب"، فلو وضعتَ كميةً مِن الماءِ بحجمٍ يساوي جسماً صلباً، ووضعتَهُما تحت أشعَّةِ الشمسِ ساعةً كاملةً، فإنَّ حرارةَ الماءِ ترتفعُ ستَّ درجاتٍ، ويرتفعُ الجسمُ الصلبُ عشرَ درجاتٍ، فالماءُ بطيءٌ في اكتسابِ الحرارةِ، وبطيءٌ في طرحِها، وفي التخلِّي عنها. لذلك حينما تكونُ أشعةُ الشمسِ مُسَلَّطةً على المناطقِ الساحليةِ يسخنُ البَرُّ بأسرعَ ممّا يسخنُ البحرُ، فإذا سَخَنَ البَرُّ بسرعةٍ أكثرَ يتمدَّدُ الهواءُ، ويصعدُ نحو الأعلى، ويتخلخلُ، ويقلُّ الضغطُ هناك، فإذا كان هواءُ البحرِ أكثرَ كثافةً، وأكثرَ برودةً، وأكثرَ ضغطاً، فإنه ينتقل إلى البَرِّ، لذلك في أيِّ مكانٍ من أماكنِ السواحلِ ترى نسيمَ البحرِ ينتقلُ بعدَ الظُّهْرِ مِنَ البحرِ إلى البَرِّ، قال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ .
следующие страницы →