← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1444

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

محمد راتب النابلسي

Полный текст (485 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ويعتقد علماءُ الفَلَكِ حالياً أنَّ النيازكَ والشهبَ ما هي إلا مقذوفاتٌ فَلَكِيةٌ مختلفةُ الأحجامِ، وتتألَّفُ في معظمِها مِن معدنِ الحديدِ، ولذلك كان معدنُ الحديدِ مِنْ أوَّل المعادنِ التي عَرَفَها الإنسانُ على وجهِ الأرضِ، لأنه يتساقطُ بصورةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ السماءِ على شكلِ نيازكَ، يَتَساقطُ في كلِّ عامٍ آلافُ النيازكِ والشُّهُبِ على كوكبِ الأرضِ، التي قد يَزِنُ بعضُها أحياناً عشراتِ الأطنانِ، وقد عُثِرَ على نيزكٍ في أمريكا بَلَغَ وزنُه اثنينِ وستين طناً، مكوَّناً من سبائكِ الحديدِ والنيكلِ، أما في ولاية (أَرِيزُونَا) فقد أَحْدَثَ نيزكٌ فوهةً ضخمةً عُمْقُها مئتا مترٍ، وقُطْرُها ألفُ مترٍ، وقد بَلَغَتْ كمياتُ الحديدِ المُسْتَخْرَجَةُ مِن شَظَايَاهُ الممزوجةِ بالنيكلِ عشراتِ الأطنانِ. ومِن هذا الشرحِ العلميِّ تتبيَّنُ لنا دقَّةُ الوصفِ القرآني ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد﴾ ، ولكنْ ما البأسُ الشديدُ؟ وما هي المنافعُ التي أشارَ إليها القرآنُ بقوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ؟ لقد وَجَدَ علماءُ الكيمياءِ أنّ معدنَ الحديدِ هو أكثرُ المعادنِ ثباتاً، وقوةً، ومرونةً، وتحمُّلاً للضغطِ، وهو أيضاً أكثرُ المعادنِ كثافةً، وهذا يفيدُ الأرضَ في حفظِ توازُنِها، كما يُعَدُّ معدنُ الحديدِ الذي يكوِّن ثلثَ مكوِّناتِ الأرض أكثرَ العناصرِ مغناطيسيةً، وذَلك لِحفظ جاذبيتها. ولا بدّ أنْ نذكرَ أيضاً أنّ الحديدَ عنصرٌ أساسيٌّ في كثيرٍ مِنَ الكائناتِ الحيَّةِ، كمَا في بناءِ النباتاتِ التي تمتصُّ مُرَكّباتِه مِنَ التربة، وتدخلُ أملاحُه في تركيبِ خلايا الدمِ عندَ الكائناتِ الحيَّةِ. وهنا محلُّ الإشارة إلى أنّ هناك توافقاً عددياً عجيباً بين رقمِ سورةِ الحديدِ، وهو سبعة وخمسون (٥٧) في القرآن الكريم، والوزنِ الذرّي لمعدنِ الحديد.

стр. 317

وقد عُقِدَ مؤتمرٌ عامَ (١٩١٠) ، لِيَبحثَ في شؤونِ المعادنِ التي في خبايَا الأرضِ، وكان هناك قلقٌ يساورُ المؤتمرِين مِن أنَّ الحديدَ سوف ينتهي مخزونُه في الأرضِ في عام (١٩٧٠) ! وأصدروا التقاريرَ حولَ وُجودِ هذا الفلزِّ العظيمِ، على أنّه متوافرٌ في الأرضِ بِكَميّاتٍ كبيرةٍ، بل إنّ أحْدثَ الإحصاءاتِ هو أنّ مادّةَ الحديدِ موجودةٌ في القشرةِ الأرضيّةِ بِمُعدّلِ خمسة بالمئة مِن وزنِ القشرةِ الأرضيةِ، بعضُهم قدّرَ فلزاتِ الحديدِ الموجودةَ على سطحِ الأرضِ بسبْعمئة وخمسين ألفَ مليونِ مليُونِ طنّ! هذا شيءٌ لا يعنينا، ولكنّ الذي يعنينا أنْ تكونَ حياتُنا نحنُ بني البشر، وحياةُ كلِّ كائنٍ حيٍّ، وحياةُ كلِّ نباتٍ متوقّفةً على الحديدِ! هذا شيءٌ ربما لا يُصدَّقُ. إنّ الحديدَ يدخلُ في تركيبِ الدّمِ، وإذا افتقرَ الإنسانُ إلى ثلاثةِ غرامات فقط مِنَ الحديدِ تُهدَّدُ حياتُه بالموتِ، ووزْنُ الحديدِ الذي في تركيبِ الإنسانِ لا يزيدُ على هذه الغراماتِ الثلاثةِ، لأنّه داخلٌ في هيموغلوبين الدمِ، والحديدُ هو الذي يجعلُ الدّمَ أحمرَ قانياً في الإنسانِ، وفي كلّ كائنٍ حيٍّ. التربة وما تحتويه من كائنات

стр. 318

ثَمَّةَ شيءٌ لا يكاد يُصدَّق، إنّ متراً مكعَّباً مِن التربةِ التي نستخدمُها للزراعةِ فيه ما يزيدُ على مئتي ألف من الدِيدانِ العنكبيةِ، وعلى مئة ألفٍ من الحشراتِ، وعلى ثلاثمئة مِن ديدانِ التربةِ العاديةِ، وعلى آلاف الملايينِ من الجراثيمِ، والكائناتِ المتناهيةِ في الدقّة، وإنَّ غراماً واحداً مِن هذه التربةِ يحتوي على عدَّةِ ملياراتٍ مِن البكتيريا، مخلوقاتٍ متناهيةٍ في الدقةِ، على شكلِ عُصيَّاتٍ، وعلى شكلِ كريَّاتٍ، وعلى شكلِ لوالبَ، بعضُها يحتاجُ إلى الأوكسجينِ، وبعضُها لا يحتاجُ، بعضها عارٍ، وبعضُها له أهدابٌ تمكِّنه من الحركةِ، إنّ هذا المصنعَ ذو حركةٍ دائمةٍ، يقوم بمهماتٍ هي مِن أكثرِ المهماتِ غموضاً واستغلاقاً حتى اليوم، هذه الكائناتُ ما وظيفتها؟ يعرف العلماءُ بعضَ الوظائفِ، أما وظيفتُها بالضبط فلا يزال هذا سرّاً، وهذا المصنعُ ذو الحركةِ الدائمةِ يقومُ بمهماتٍ مِن أكثرِ المهماتِ أهميةً، ونَفْعاً للإنسانِ، فلو أنّ الجنسَ البشريَّ كلَّه أُبيدَ على بكرةِ أبيه لبقيتِ الحياةُ مستمرةً، أما هذه الكائناتُ فإنها لو أُبِيدَتْ لانتهتِ الحياةُ مِن سطح الأرضِ كليّاً، فربما كان وجودُ هذه الكائناتِ أخطرَ مِن وجودِ الإنسانِ، فكلُّ شيءٍ نأكله على نحوٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ، إنما أصْلُه مِن النباتِ الأخضرِ، فإذا أكلتَ اللحمَ، فاللحمُ نَبَتَ من العشبِ، فهذا الخروفُ أكَلَ العشبَ فَنَمَا جسمُه، فأكلتَ أنتَ لحمَه، فغذاؤُك على نحو مباشر وغير مباشر أساسُه النباتُ الأخضرُ، قال تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] . لقد حار العلماءُ في كلمةِ ﴿الأخضر﴾ هنا، كيف يكونُ الشجرُ أخضرَ، وكيف يُجْعَل وقوداً؟ ولا يكون الشجرُ وقوداً إلا إذا كان يابساً، فلماذا قال تعالى: ﴿مِّنَ الشجر الأخضر﴾ ؟

стр. 319

قال بعض العلماء: إن كلمةَ ﴿الأخضر﴾ إشارةٌ علميةٌ إلى أنَّ هذا الشجرَ ما كان له أنْ يكونَ شجراً لولا أوراقُه الخضراءُ، فالأوراقُ الخضراءُ أساسُ وجودِه، بل إنَّ نموَّ النباتِ يعتمدُ على حادثةٍ اسمُها التحليلُ والتمثيلُ الضوئيُّ، فلا نباتَ بلا ضوءٍ، ولا نباتَ بلا شمسٍ، ولا نباتَ بلا ماءٍ، فالماءُ، والشمسُ، وغازُ الفحمِ الذي أودعه اللهُ في الجوِّ هو سببُ نموِّ النباتِ، وما أوراقُ الأشجارِ إلا معاملُ تصنعُ موادَّ النباتِ الأساسيةَ، والموادَّ العضويةَ. تتساقطُ الأوراقُ، فتأتي الرياحُ، وتوزِّع هذه الأوراقَ المتساقطةَ على أنحاءِ التربةِ كلِّها، وتأتي ملياراتُ الكائناتِ المجهريةِ فتلتهمُها، فإذا التهمَتْهَا أصبحت غذاءً صالحاً للكائناتِ الأكبرِ منها، هي وحيدةُ الخَلِيَّةِ، فإذا التهمَتْهَا أصبحت غذاءً صالحاً لكائناتٍ أرقى منها، هي البكتريا، يتمُّ هذا على ثلاثِ مراحلَ؛ وهذه العملياتُ الحيويةُ تحتاجُ إلى الهواءِ، فمِن أينَ يأتي الهواءُ داخلَ التربةِ؟ وظيفةُ الديدانِ أنْ تفتحَ أنفاقاً في التربةِ، فالديدانُ، والقوارضُ، والأفاعِي، وكلُّ الكائناتِ التي تعيشُ تحتَ التربةِ وظيفتُها تهويةُ التربةِ، فلو أُلغيتْ لانعدمَ الإنباتُ على سطحِ الأرضِ. هذه الديدانُ تلتهمُ الترابَ، وتفرزُ السمادَ، ولا يعلمُ - إلاّ اللهُ - كم مِن الأطنانِ التي تنتجها الديدانُ في الهكتارِ الواحدِ، وكم مِن الأطنانِ مِن الأسمدةِ التي تنتجهَا الديدانُ في الكيلومتر المربعِ الواحدِ. إنّه كونٌ عظيمٌ، وخالقٌ عظيمٌ، وشرعٌ حكيمٌ، فأينَ نذهبُ؟ وما الذي يصرفنا عن اللهِ ، وعن تطبيق أمره؟ هذه بعض الحقائق المهِمَّة، ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] ، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .

стр. 320

في الغرامِ الواحدِ عدةُ ملياراتٍ مِن البكتريا، ماذا يجري تحتَ الترابِ؟ لا يعلمُه إلا اللهُ، إنّها معاملُ، كائناتٌ، وعملياتُ تحويلٍ، ومعادلاتٌ، ونحن لا ندري، ليس لنا إلا أنْ نقطفَ الثمارَ، ونأكلَها، أنْ نجني الخضرَاواتِ، ونأكلَها، أنْ نحصدَ المحاصيلَ، ونأكلَها، وعلى الله الباقي، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] . خَلَقَ اللهُ الأرضَ وما فيها، وما تحتها، وما عليها مِن أجلِ أنْ نعرفَه، فإذا عرفنَاه فقد حقَّقنا الهدفَ مِن خَلْقِه لنا، وإنْ لم نعرفْه فيا حسرةً علينا، قال سبحانه: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ [الزمر: ٥٦] . تصريف الرياح مِنَ الآياتِ الناطقةِ بعظمةِ اللهِ سبحانه قولُه تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ [البقرة: ١٦٤] ، فهذه الرياحُ التي هي سببٌ مِن أسبابِ حياتنا، إنها روحُ الأحياءِ، كيف يصرفها الله ؟ قال بعضُ العلماءِ: "إنّ الماءَ إذا عُرِّضَ للحرارةِ، وإلى جانبِه جسمٌ صُلْبٌ معرَّضٌ للحرارةِ نفسها، كان أَبْطَأَ في اكتسابِه للحرارةِ مِن الجسمِ الصُلب"، فلو وضعتَ كميةً مِن الماءِ بحجمٍ يساوي جسماً صلباً، ووضعتَهُما تحت أشعَّةِ الشمسِ ساعةً كاملةً، فإنَّ حرارةَ الماءِ ترتفعُ ستَّ درجاتٍ، ويرتفعُ الجسمُ الصلبُ عشرَ درجاتٍ، فالماءُ بطيءٌ في اكتسابِ الحرارةِ، وبطيءٌ في طرحِها، وفي التخلِّي عنها. لذلك حينما تكونُ أشعةُ الشمسِ مُسَلَّطةً على المناطقِ الساحليةِ يسخنُ البَرُّ بأسرعَ ممّا يسخنُ البحرُ، فإذا سَخَنَ البَرُّ بسرعةٍ أكثرَ يتمدَّدُ الهواءُ، ويصعدُ نحو الأعلى، ويتخلخلُ، ويقلُّ الضغطُ هناك، فإذا كان هواءُ البحرِ أكثرَ كثافةً، وأكثرَ برودةً، وأكثرَ ضغطاً، فإنه ينتقل إلى البَرِّ، لذلك في أيِّ مكانٍ من أماكنِ السواحلِ ترى نسيمَ البحرِ ينتقلُ بعدَ الظُّهْرِ مِنَ البحرِ إلى البَرِّ، قال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ .

стр. 321

قال الإمامُ الطبريُّ في تفسيره: "القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ ... وتصريفُ الله إياها أنْ يرسلها مرةً لواقحَ، ومرة يجعلُها عقيماً، ويبعثُها عذاباً تدمِّر كلَّ شيءٍ بأمرِ ربِّها ... وعن قتادة قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر﴾ [البقرة: ١٦٤] قال: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك، إذا شاء جَعَلَها عذاباً، ريحاً عقيماً، لا تلقح، إنما هي عذابٌ على مَن أُرْسِلَتْ عليه ... وزعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنّ معنى قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ أنّها تأتي مرةً جنوباً، وشمالاً، وقبولاً، ودبوراً، ثم قال: وذلك تصريفُها، وهذه الصفةُ التي وَصَفَ الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصرِيفِها، لأنّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفُها اختلافُ هبوبِها". تلوث الهواء والبيئة ٨٧٢٦٣١> الصفحة غير موجودة القوانين الفيزيائية والكيميائية إنّ المؤمنَ إذا قرأَ العلومَ يربطُها بخالقِ الكونِ، ويكشفُ الحكمةَ البالغةَ مِن هذه القوانينِ التي قنَّنها اللهُ . كلُّنا يعلمُ أنّ هناك ظاهرةً مِن خصائصِ المعادنِ، هي الانصهارُ، فالموادُّ الصلبةُ تتحوَّلُ إلى حالةٍ سائلةٍ بالانصهارِ، كيف يمكنُ أنْ نستخرجَ المعادنَ مِن مظانِّها لولا اختلاطُها بالتربة، وكيف يمكنُ أنْ نعيدَ تشكيلَها لولا انصهارُها وتجمُّدُها، فالانصهارُ والتجمُّدُ بهما نأخذُ المعادنَ مِن أعماقِ الأرضِ، وبهما نشكِّلُ المعادنَ كما نريدُ، هذا قانونٌ أرادهُ اللهُ . شيءٌ آخرُ: التبخُّر والتكثيفُ، لولا هذانِ القانونانِ هل مِن الممكنِ أنْ تنزلَ الأمطارُ؟ البحرُ مِلْحٌ أُجَاجٌ، أشعةُ الشمسِ تبخِّرُه، فمَن الذي قنّنَ؟ أنّ الموادَّ المنحلَّة في السائلِ حيث لا تتبخَّرُ، بل تبقَى في السائلِ، ويتبخَّرُ الماءُ الصرفُ؟ ومَن قنَّن قانونَ التكثيفِ؟ يتحولُ الماءُ إلى بخارٍ، والبخارُ إلى ماءٍ دون أنْ تَعْلَقَ الموادُّ الرَّاسبةُ في السائلِ في البخارِ، لولا قانونُ التبخُّرِ والتكثيفِ لَمَا كانت أمطارٌ، ولَمَا كانت مياهٌ عذبةٌ نشربُها، ونرتوي بها.

стр. 322

شيءٌ آخرُ: ظاهرةُ الترسبِ، الإنسانُ خُلِقَ مِن ماءٍ مهينٍ، لهُ عظامٌ، عظمُ عُنُقِ الفخذِ يتحمَّلُ مِن الوزنِ ما يزيدُ على مئتين وخمسين كيلو غراماً، فالإنسانُ العتيدُ الشديدُ يمكنُ أنْ يتحمَّلَ خمسمئة كيلو فوقَه، هذه الصلابةُ التي اكتسبَتْها العظامُ أنَّى لها أنْ تكونُ لولا ظاهرةُ الترسُّبِ؟ حيثُ إنّ الموادَّ الذائبةَ في سائلٍ تنفصلُ عنه، وتترسَّبُ، وتشكِّلُ هذا العظمَ. يقولُ الأطباءُ: إنّ ميناءَ الأسنانِ يأتي بعد الماسِ في صلابتِه، لولا الترسُّبُ لَمَا كانت الأسنانُ بهذا القوام، ولَما كانت العظامُ، ولما كنَّا نحن. وظاهرةٌ أخرى هي الذوبانُ، لولا ذوبانُ أملاحِ المعادنِ في الماءِ لَمَا أمكنَ للنباتِ أنْ يأخذَ كلَّ المعادنِ مِن التربةِ، كلُّ أملاحِ المعادنِ تذوبُ في الماءِ، ويصعدُ الماءُ مع أملاحِ المعادنِ المذابةِ، فتأخذ الأوراقُ حاجتَها، ولولا ظاهرةُ الذوبانِ لَمَا ذابتِ الأطعمةُ على شكلِ سائلٍ، وينتقل هذا السائلُ إلى الدمِ، والدّمُ ينقلُ كلَّ هذه الموادِّ إلى الخلايا. فإذا وَقَفْنَا عند قانونِ الانصهارِ، وقانونِ التجمدِ، وقانونِ الذوبانِ، وقانونِ الترسبِ، وقانونِ التبخُّرِ، وقانونِ التكثيفِ اكتشفْنَا قدرةَ اللهِ وحكمتَه. إنّ المؤمنَ إذا أرادَ أنْ يعرفَ اللهَ دلَّه كلُّ شيءٍ عليه، كلُّ قانونٍ يقرؤه المرءُ حتى في الكتبِ العلميةِ المحضةِ، يجد أنّ هذا القانونَ يشيرُ إلى عظمةِ اللهِ ، لولا تحوُّلُ المعادنِ إلى أملاحٍ، ولولا ذوبانُ الأملاحِ في الماءِ لَمَا كنا في هذا المكان، كيف أنك تمشي على قَدَمَيْنِ؟ هناك هيكلٌ عظميٌّ يحمِي هذه العضلاتِ، لولا ظاهرةُ الترسُّب لَمَا كان هناك إنسانٌ يمشي على قَدَمَيْن، ولولا ظاهرةُ الذوبانِ لَمَا أمكنك أنْ تأخذَ كلَّ الغذاءِ، إنّك تأكلُ مركباتِ الحديدِ، وأنت لا تشعرُ، أملاحُ المعادنِ كلُّها ذائبةٌ في دَمِكَ، لولا ظاهرةُ الذوبانِ لَمَا أمكنَ أنْ تستفيدَ مِن المعادنِ، ولَمَا أمكنَ أنْ تستفيدَ من الغذاءِ.

стр. 323

دقِّقوا في هذه القوانينِ الستةِ: الذوبانِ، والترسيبِ، والتبخُّرِ، والتكثيفِ، والانصهارِ، والتجمُّدِ، هذه ستةُ قوانينَ لولاها لَمَا قامتِ الحياةُ على سطحِ الأرضِ، قال : ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] . قال الطبري في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكْرُه: قل يا محمّدُ لهؤلاء المشركين من قومِك السائلينَ الآياتِ على صحةِ ما تدعوهم إليه من توحيد الله، وخلْعِ الأندادِ والأوثان: انظروا أيّها القومُ ماذا في السماواتِ من الآياتِ الدالةِ على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله؛ من شمسِها، وقمرِها، واختلافِ ليلِها ونهارِها، ونزولِ الغيثِ بأرزاقِ العبادِ من سحابِها، وفي الأرضِ من جبالِها، وتصدُّعِها بنباتِها، وأقواتِ أهلِها، وسائرِ صنوفِ عجائبِها، فإنّ في ذلك لكم إنْ عقلتُم وتدبّرْتُم موعظةً ومُعتبراً، ودلالةً على أنّ ذلك مِن فِعْلِ مَن لا يجوزُ أن يكونَ له في مُلكه شريكٌ، ولا له على تدبيرِه وحِفْظِه ظهيرٌ، يغنيكم عما سواه مِن الآياتِ. زلازل الدنيا وزلزلة الساعة أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ، حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ". ففي كلِّ حينٍ نسمعُ في الأخبارِ أنَّ زلزالاً وقعَ في بلدٍ، وزلزالاً في بلدٍ آخرَ، وتتعاظمُ درجاتُ هذه الزلازلِ، وتودِي بحياةِ كثيرٍ منَ الناسِ، بيْدَ أنّ كثرتَها وشدَّتها مصداقُ حديثِ رسولِ الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، إنَّ هذه الزلازل من وظائفها أنها تعطينا معنى الزلزلة الكبرى، التي أوعد الله بها، قال تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] .

стр. 324

إنّ الأرضَ مِن أكثرِ الكواكبِ في المجموعةِ الشمسيةِ كثافةً، فكثافةُ الأرضِ تزيدُ على كثافةِ الماءِ خمسةَ أضعافٍ، ويفسِّرُ العلماءُ الزلزلةَ بأنّها حركةٌ في باطنِ الأرضِ، حيثُ ينشأُ عنها ضغطٌ هائلٌ، لا تحتمِلُه قشرةُ الأرضِ، عندئذٍ تتصدَّعُ هذه القشرةُ، وهذا التصدُّعُ في قشرةِ الأرضِ هو الزلزالُ الذي نستمعُ إلى أخبارهِ مِن حينٍ إلى آخرَ، عِلْماً أنَّ هذه القشرةَ يزيدُ سَمكُها على تسعينَ كيلو متراً، وهي مِن صخورِ البازلت، وهذه الصخورُ مِن أقْسَى أنواعِ الصخورِ، ومع ذلك تتصدّعُ، فهذا الضغطُ من باطنِ الأرض الذي يصدِّعُ قشرةً من البازلت يزيدُ سمكُها على تسعينَ كيلو متراً، وهذا طرفٌ من معنى: إن اللهَ قويٌّّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] . ويقول بعضُ علماءِ الزلازلِ: هناك زلزالٌ حَدَثَ في الصينِ في عامِ (١٥٥٦) ، أودَى بحياةِ ثمانمئة وثلاثين ألفاً في ثوانٍ، وفي عام (١٧٣٧) حدثَ زلزالٌ في الهند، أودَى بحياةِ مئة وثمانين ألفاً، وفي عام (١٩٢٣) حدث زلزال في اليابان أودى بحياةِ مئة ألف، وفي عام (١٩٧٦) حدث زلزالٌ في الصينِ أودَى بحياة مئة ألف، وحدث زلزالٌ في إيطاليا أودى بحياة خمسة وثلاثين ألفاً، في ثوانٍ معدودة، قال : ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] . سألوا عالماً كبيراً من علماءِ الزلازلِ: "هل يمكنُ بما أُوتِينا من عِلمٍ متقدِّم أنْ نتّنبأَ بالزلزالِ قَبْلَ وقوعه، ولو بدقيقة؟ فقال: لا، إلاّ أنّ حيواناتٍ كثيرةً في مقدّمتِها مَن يُضْرَب المثلُ بغبائِه - الحمار - يشعرُ بالزلزالِ قبل وقوعه بربعِ ساعةٍ"، ذلك لأنّ هذه الحيواناتِ ليست مكلفةً كالإنسانِ، وليست مقصودةً بالزلزالِ، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] .

стр. 325

قال : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] ، زلزلت: أيْ تحرَّكتْ تحرُّكاً شديداً، واضطربتْ، وزُلزِلتْ زلزالَها العظيمَ، والكبيرَ، والأخيرَ، الذي ليس بعدَهُ زلزالٌ، وذلك عند قيامِ الساعةِ، وما هذه الزلازلُ إلا نماذجُ مصغرةٌ ومحدودةٌ. ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] ، وهو الإنسانُ، المخلوقُ المكلَّفُ الذي خُلِقَ لجنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ، لأنه قَبِلَ حملَ الأمانةِ، سخَّر اللهُ له ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ جميعاً منه، وجعلَه مُسْتَخْلَفاً في الأرضِ، فإنْ سَمَا عقلُه على شهوتِه كان فوقَ الملائكةِ، وإنْ سَمَتْ شهوتُه على عقلِه كان دونَ الحيوانِ. ﴿وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣] ، تعجباً وخوفاً، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] ، ما عمِلَه الإنسانُ على وجهِ الأرضِ مِن خيرٍ أو شرٍّ. ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] ، أقْدَرَها على الكلام، وأذِن لها فيه، وأَمَرَهَا به. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة: ٦] ، فُرادَى، متفرِّقين، فلا تجمُّعات، ولا تكتلات، ولا تناصرَ على باطل، ولا هيمنة، ولا غطرسة، قال تعالى: ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] . قال تعالى: ﴿لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٦-٧] ، أيْ مقدارَ ذَرَّةٍ، وهي الجزءُ الذي لا يتجزأ، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: الآية ٧-٨] ، أيْ سيجدُ جزاءَه وعاقبتَه.

стр. 326

ويمكن الإشارةُ هنا، ونحنُ في صَدَدِ هذه السورةِ القصيرةِ إلى دراسةٍ طويلةٍ ومعقّدةٍ ومُكْلِفةٍ جداً توصَّل علماءُ الجيولوجيا من خلالها إلى أن هناك علاقةً متينةً مترابطةً بين الزلازلِ والبراكينِ، فمرةً يكونُ الزلزالُ بسببِ تحرُّكِ الكُتَلِ الملتهِبةِ، وضغطِها على قشرةِ الأرضِ، فيكونُ الزلزالُ نتيجةَ هيجانِ الكتلِ المحمومةِ في باطنِ الأرضِ، ومرةً يكونُ الزلزالُ سبباً للبركانِ، على كلٍّ فهناك علاقةٌ مترابطةٌ بين الزلازلِ والبراكينِ، ثم اكتشفَ العلماءُ أنّ الحِمَمَ في باطنِ الأرضِ لها وزنٌ نوعيٌّ مرتفعٌ جداً، فلمّا قرأَ أحدُهم هذه الآية: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ ، وقد وُصِفَ ما فيها بالأثقالِ، لأنَّ وزنَها النوعيَّ مرتفعٌ جداً أخَذَتْهُ الدَّهشةُ. هذا الربطُ بين الزلازل والبراكينِ، في هذه السورةِ القصيرةِ إشارةٌ لطيفةٌ مِن الله إلى أنَّ خالقَ الأكوانِ هو الذي أنزلَ القرآنَ، هذه حقيقةٌ صارخةٌ، وهو الذي خَلَقَ مئة ألفِ مليون مجرّةٍ، والذي خَلَقَ هذه المذنباتِ، وتلك الكازراتِ، وهذه الكواكبَ، وهذه النجومَ، فإنَّ خالقَ الأكوانِ هو الذي أنزلَ القرآنَ، فيجبُ أنْ تعلمَ مَن هو المرسِلُ، هذا خطابُ مَن؟ إنه خطابُ اللهِ خالقِ كلِّ شيء، وفضلُ كلامِ اللهِ على خَلْقِه كفضلِ اللهِ على خَلْقِهِ. إنها نعمةٌ كبرى أنْ تستيقظَ صباحاً، وترى الأرض مستقرَّةً، ولن تعرف هذه النعمةَ إلاّ إذا شهدتَ زلزالاً يكادُ تنفطرُ منه القلوبُ لهولِ الدمار، وقد لفت الله تعالى نظرنا إلى هذا فقال: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً﴾ [النمل: ٦١] ، ولولا هذا الاستقرار ما بقي بناءٌ على وجه الأرض، وما نعم بيتٌ بقرارٍ، وقد قال سبحانه: ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: ١٢] ، فمِن لوازمِها التصدُّع، الذي هو أداة تخويف، كما قال : ﴿وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء: ٥٩] ، فالطاعةَ الطاعةَ قبلَ الحادثِ العَمِيمِ. زلزال القاهرة

стр. 327

حين يركبُ الإنسانُ طائرةً قد يشعرُ بالقلقِ، ولا يطمئنُّ قلبُه إلا إذا دَرَجَتْ عجلاتُها على أرضِ المطارِ، فيقول لزميله: حمداً لله على السلامة، وحين يركبُ الإنسانُ البحرَ، ويهيج الموجُ، تضطربُ نفسُه، فلا يطمئنُّ الإنسانُ إلا إذا كان على الأرضِ، ولكن المؤمن لا يطمئنُّ إلا إذا أرادَ اللهُ له السلامةَ، فهذه الأرضُ الثابتةُ المستقرةُ الساكنةُ قد تتحرك مِن تحت أقدامنا بين الفينةِ والأخرى، قال : ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] . قال بعضُ علماءِ الزلازلِ: "لو أنَّ زلزالَ القاهرةِ استمرَّ عشرَ ثوانٍ فقط لدَمَّرَ نصفَ بيوتها، ولَمَاتَ أكثرُ مِن خمسةِ ملايين إنسان"، ولكنَّ اللهَ لطَفَ بهم لطفاً شديداً، فماذا يمنَعُنا مِن عذاب الله؟ اللهمّ إلا رحمته، بيتٌ إسمنتيٌّ عميقُ الأسسِ، شامخُ البنيانِ، ليس فيه ضمانٌ مِن أيِّ خطرٍ إلاّ أنْ يشاءَ اللهُ السلامةَ، فإنْ لم يشأْ زلزلَ الأرضَ مِن تحتِ الأقدامِ. ثمة عمارةٌ تزيدُ على أربعة عشرَ طابقاً أصبحتْ ركاماً، وكأنّها إسمنتٌ مطحونٌ، بأساسِها، وبأشخاصِها، وبآلاتِها الكهربائيةِ، وبتزييناتِها، وبفُرُشِها، إنّها موعظةٌ بليغةٌ، آياتٌ كثيرةٌ يجب أنْ نقفَ عندَها. يمكن أنْ يُفَسَّرَ الزلزالُ تفسيراً علمياً، يقول علماءُ الزلازلِ: "تتصادمُ القشرةُ الأرضيةُ وتُضغَطُ، وفي بعضِ الحالاتِ يكونُ الضغطُ شديداً فتُزَاحُ القشرةُ عن مثيلتِها، فيحدثُ الزلزالُ". هذا التفسيرُ العلميُّ للزلزالِ هل يُلْغِي التفسيرَ الدينيَّ الإلهيَّ؟ لا واللهِ، مَن هو مُسَبِّبُ الأسبابِ؟ إنه اللهُ ، هذا الذي يرفضُ التفسيرَ الدينيَّ للزلزالِ تنطبقُ عليه الآيةُ الكريمةُ: ﴿إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إلاه إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ، وينطبقُ عليه قولُه سبحانه: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] .

стр. 328

هناك تفسيرٌ علميٌّ جغرافي للزلزالِ، لا مجالَ لتفصيله هنا، حركةٌ في باطن الأرض، تموُّجات في القشرةِ الأرضيةِ، ضغطٌ شديدٌ، تصدُّعٌ في السطوحِ، زلزالٌ أفقيٌّ، زلزالٌ عموديٌّ، زلزالٌ له موجاتٌ واسعةٌ، تُقاسُ بمقياسِ رِخْتَر كما هو معلومٌ، لكنَّ التفسيرَ العلميَّ للزلزالِ لا ينفي التفسيرَ الدينيَّ له، دقِّقوا في هذه الآيةِ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] . لقد لَطفَ اللهُ لطفاً شديداً بأهل مصرَ، إذْ وقعَ زلزالٌ في الصينِ في عامِ (١٥٥٦) أَوْدَى بحياة ثمانمئة وثلاثين ألفَ قتيلٍ، وذَهَبَ ضحيةَ زلزالٍ في الهند ِ ثلاثمئة ألفِ قتيلٍ، إنها أعدادٌ كبيرةٌ جداً، لكنّ اللهَ لَطَفَ، ونبَّهَنَا ولوَّحَ لنا بالعَصَا، لأنّ اللهَ يقول: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ [الإسراء: ٥٨] . إنّ كلَّ قريةٍ فسدتْ، وخرجَتْ نساؤُها كاسياتٍ عارياتٍ، وأُكِلَ الرِّبا، وضُيِّعتِ الحقوق، إذا ارْتُكِبَتْ هذه المعاصي، وأُكِل الحقُّ، فالعاقبةُ وخيمةُ الوبالِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمِ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا".

стр. 329

لذلك يقولُ : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ أيْ: هذا مستحيلٌ، وليس هذا مِن شأنِه سبحانه، وهو القائلُ: ﴿وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً﴾ [الكهف: ٥٩] . إذاً لنْ يَسلَمَ الإنسانُ إلا في حالةٍ واحدةٍ؛ أنْ يشاءَ اللهُ له السلامةَ، ولن يطمئنَّ الإنسانُ إلا في حالةٍ واحدةٍ؛ أنْ يشاءَ اللهُ له الأمنَ، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨١-٨٢] ، لذلك وجَب علينا أن نلوذَ باللهِ ، ونعودَ إليه، فالسعيدُ مَن اتَّعَظَ بغيره، والشقيُّ لا يتَّعظُ إلا بنفسِه، والخسائرُ التي وقعتْ لا تُذْكَرُ أمام الزلازلِ الكبيرةِ، وهذا تلويحٌ بالعصا، قال الله تعالى: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ * واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤-٥٥] .

стр. 330

يأتي العذابُ بغتةً، لذلك لو قرأَ الإنسانُ عن تاريخِ الزلازلِ في العالَم لوجدها وقعتْ في كثيرٍ مِن البلدان، لذا علينا أنْ نَتَّعِظَ، وأنْ نعودَ إلى الله، وأنْ نضبطَ أمورَنا، وأنْ نقيمَ بيوتَنا على منهجِ الله ، وأنْ نسترجعَ، وأنْ نصلحَ، فلعلَّ اللهَ يَحفظُنا، فما مِن بلدةٍ إلا ويمكنُ أنْ تَتَعَرَّضَ لزلزالٍ، وقد وقعَ في هذه البلدةِ زلزالٌ قبل خمسين عاماً، ولم تبقَ مئذنةٌ في مساجدِنا إلا تَهَدَّمَتْ، وهذا الزلزالُ يقعُ في أيِّ مكانٍ، وإنّ تلك المقولة: إنّ منطقةَ بَلَدِنَا ليست منطقة زلازلَ كلامٌ هراءٌ، ولا يذكرُ أحدٌ أنه وقعَ في القاهرةِ زلزالٌ لفترةٍ طويلةٍ، ومع ذلك جاء فجأةً، ومع ذلك لو استمرَّ عشرَ ثوانٍ أخرى لهُدِم نصفُ أبنيةِ القاهرةِ، ولماتَ أكثرُ مِن خمسةِ ملايينِ إنسانٍ، ولكنَّ اللهَ لَطَفَ، وأَكْرَمَ. واعلموا أن اللهَ خالقُ الأسباب والمسبِّبات، وهو الذي يمسكُ الأرضَ والسماواتِ، فإنْ شاءَ زلزلَ، وعطَّلَ الأسبابَ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. الكعبة مركز العالمين القديم والحديث إنّ الأرضَ اليابسةَ موزَّعةٌ حولَ بيتِ اللهِ الحرامِ بصورةٍ منتظمةٍ، هذه الحقيقة أكَّدَتْها أحدثُ الدراساتِ العلميَّةِ لمركزِ البحوثِ الفلكيَّةِ في أحدِ الأقطارِ العربيَّةِ الشقيقةِ، وذلكَ باستخدامِ الحاسبِ الآلي في حسابِ المسافاتِ بين مكَّةَ وعددٍ من المدنِ التي تقعُ في أطرافِ العالمَيْن القديمِ والحديثِ. فقد ثبتَ بعد الحساباتِ التي أُجْرِيَتْ على الحاسبِ الآلي أنّ أقصَى أطرافِ الأرضِ في إفريقية وأوربة وآسية تقعُ على مسافةِ ثمانيةِ آلافِ كيلو مترٍ من مكةَ المكرمةِ، أوربة آسية وإفريقية، هذه قارات العالم القديم، المدنُ التي على أطرافِها بُعْدُها عن مكةَ المكرمةِ ثمانيةَ آلافِ كيلو مترٍ، فمكةُ تقعُ في وسطِ العالَمِ القديمِ.

стр. 331

وأمّا بالنسبةِ لأطرافِ العالَمِ الجديدِ، وهو قارةُ أمريكة شمالاً وجنوباً، وأسترالية، والقارةُ المتجمِّدةُ الجنوبيةُ، فجميعُ أطرافِ هذه القاراتِ الثلاثِ تقعُ على مسافةِ ثلاثة عشر ألفَ كيلو مترٍ من مكةَ المكرمةِ، ولا يقابِلُ مكةَ المكرمةَ على سطحِ الأرضِ مِن الطرفِ الآخرِ يابسةٌ، بل كلُّه بحرٌ، إنه المحيطُ الهادي، إذاً بحسبِ هذه الدراسةِ التي أُجْرِيَتْ على الحاسبِ الآلي يتبيَّنُ أنّ بيتَ اللهِ الحرامَ هو المركزُ الهندسيُّ المتوسِّطُ لليابسةِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] ، وهذه من آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتهِ. أرض العرب كانت وستعود مروجاً وأنهاراً

стр. 332

هذا عالمٌ مِن أشْهرِ علماءِ البيولوجيا، ومتخصّصٌ في المنطقةِ الواقعةِ بين إفريقية، والجزيرةِ العربيّةِ، التقى بِعَالِمٍ مسلمٍ، فسَألَه هذا العالِمُ المسلمُ: "هل عندكَ دليلٌ على أنّ أرضَ العربِ كانتْ بساتينَ وأنهاراً؟ فقال: هذا معروفٌ عندنا، وهذا شيءٌ يعرِفُه العلماءُ المتخصّصون، قال له: ما الدليلُ؟ قال: في الجزيرةِ العربيّةِ رواسبُ نهريّةٌ، تُلاحَظُ في أماكنَ عِدَّةٍ، وقد عُثِرَ على قريةٍ مدفونةٍ تحتَ الرّمالِ في الرُّبعِ الخالي، وفيها مناطقُ متحجّرةٌ، وقد عُثِر على مناطقَ أخرى متحجّرةٍ، فلمّا فُحِصَتْ إذا هي جذوعٌ لأشجارٍ كبيرةٍ"، وهذا كلُّه يؤكّدُ أنّ هذه البلادَ كانتْ بساتينَ وأنهاراً، فمنطقةُ الرّبعِ الخالي، هذه الصحراءُ الجرداءُ القاحلةُ كانتْ مُفعمةً بالبساتينِ والأنهارِ، وهذا شيءٌ ثابتٌ عندَ علماءِ الجيولوجيا، الذين وَجَدوا مِن المُسْتَحَاثاتِ ما يؤكّدُ ذلك، ثم سألَه سؤالاً آخر فقال: "هل عندكَ دليلٌ على أنّ بلادَ العربِ ستعودُ بساتينَ وأنهاراً؟ فقال: هذا شيءٌ أيضاً معروفٌ عندنا، فقال: وما الدليل؟ قال: إنّ كُتَلَ الجليدِ الضّخمةَ تتَّجهُ نحو الجنوبِ، وهذا الذي سبَّبَ قبلَ أعوامٍ شتاءً قارساً جدّاً في أوربة وأمريكا، وإنّ اتّجاهَ هذه الكتلِ الجليديّةِ نحو الجنوب سوف يغيّرُ مناخَ الأرض، وبِتَغْيير مناخِ الأرضِ سوف تتغيّرُ خطوطُ المطرِ، ولا بدّ أنْ يأتيَ يومٌ تعودُ بلادُ العرب فيه كما كانتْ، مُروجاً وأنهاراً، فقال هذا العالِمُ المسلم لهذا العالم الجيولوجي: ما قولُك في رجلٍ قال قَبْلَ ألفٍ وأربعمئة عامٍ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلاَ يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجاً وَأَنْهَاراً"؟!

стр. 333

إنّ دِقّة الحديث في كلمة (تَعُودُ) ، يعني أنَّها كانتْ، وبهذه الكلمة يعني أنّها ستكون، وتعود؛ لقد كانتْ مروجاً وأنهاراً، وستعود مروجاً وأنهاراً كما كانت، هذا حديثٌ صحيحٌ، فبُهِتَ هذا العالِمُ الأجنبيُّ، لأنَّ هذه الحقائقَ عرفَها في هذه السَّنوات العشرِ الأخيرة، فما بالُ هذا النبيِّ - رسول الله ﷺ عَرَفَ هذه الحقيقةَ التي تحتاجُ إلى بحثٍ طويلٍ، وإلى درسٍ طويلٍ، وإلى رحلاتٍ شاقّةٍ في أعماقِ الصّحراءِ، وإلى تنقيبٍ، ودراسةٍ لِطَبيعةِ المناخِ في الأرضِ؟ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٣-٤] . إنّ من بلاغةِ النبيِّ ﷺ في هذا الحديث: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى ... وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجاً وَأَنْهَاراً" تُسْتشَفُّ من كلمةِ (تعود) ، فلو قال: حتى تصبحَ لدَلَّ ذلك أنّ الماضي لمْ يدخلْ في هذا الحديثِ، ولو قال: كانتْ، فالمستقبل لم يدخلْ، أما كلمةُ (تعود) وحدها فهي التي أدْخلَ فيها النبيُّ ﷺ الماضيَ والمستقبلَ، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ . الماء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ?لْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ إنّ الحياةَ على وجهِ الأرضِ؛ حياةَ الإنسانِ، وحياةَ الحيوانِ، وحياةَ النباتِ، قوامُها الماءُ، فالماءُ هو الوسيطُ الوحيدُ الذي يحملُ الأملاحَ والموادَّ الغذائيةَ منحلةً فيه إلى الكائنِ الحيِّ، ولولا الماءُ لَمَا كان على وجهِ الأرضِ حياةٌ. ولكنْ مَن منَّا يُصدِّقُ أنَّه في كلِّ ثانيةٍ حصراً، في كلِّ ثانيةٍ تمضي يهطلُ مِن السماءِ إلى الأرضِ على مستوَى الكرةِ الأرضيةِ ستة عشر مليونَ طنٍّ مِن الماءِ، قال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً﴾ [عبس: ٢٥] .

стр. 334

مِن أجْلِ قوامِ الحياةِ تسقطُ في كلِّ ثانيةٍ ستةَ عشرَ مليوناً مِن الأطنانِ مِنَ الماءِ، تسقطُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ولكنَّ هذا السقوطَ يتبدَّى فيه اسمُ (اللطيف) ، فلو أنَّ هذا الماءَ هَوَى على الأرضِ بشكلٍ متصلٍ مجمَّعٍ لأَتْلَفَ كلَّ شيءٍ، ولحطَّم كلَّ شيءٍ، ولأَنْهَى الحياةَ، ولكنَّه ينزلُ على شكلِ قطراتٍ صغيرةٍ فيها لُطفٌ، وفيها رحمةٌ، وفيها حكمةٌ. رقماً ثالثاً قرأتُه، هو أنَّ المناطقَ الرَّعَوِيَّةَ في بلدنا سوريةَ، بفضل نزولِ الأمطارِ الغزيرةِ التي انهمرت عام (١٩٨٨) أنبتتْ هذه المناطقُ مِن العُشْبِ الرَّعَوِيِّ الذي تأكلُه الماشيةُ، ما لو أردنا أنْ نستوردَه لكلَّفنا عشرةَ آلافِ مليون ليرةٍ، أيْ عشرة ملياراتٍ ليرة، لكنْ بتلك الأمطارِ الغزيرةِ التي تفضَّلَ اللهُ بها علينا استغنَيْنا عن دَفْعِ هذه المبالغِ الطائلةِ ثمناً للأعلافِ. حينما يقولُ اللهُ : ﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] ، فمعنى الآيةِ أنّ الطعامَ الذي نأكلُه ما كان ليكونَ لولا تلك الأمطارُ التي تنزلُ مِن السماءِ، وأنّ هناك محصولاً مِن الفواكهِ والثمارِ في ذاك العام ما لا يمكنُ تصوُّره، فسبحان الله إذا أعطى أدهش!! وأنّ اللهَ هو المسعِّرُ، فتتضاعفُ الكمياتُ بأمطارٍ غزيرةٍ، فيصبحُ الإنتاجُ وفيراً، وتهبطُ الأسعار، قال تعالى: ﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ، وقال : ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .

стр. 335

إنَّ اللهَ هو الرزاقُ، ذو القوةِ المتينُ، فِمن ستة عشر مليونَ طنٍّ من الماء في الثانية الواحدة، إلى أمطارٍ أغنَتْ عن دفعِ عشرة آلاف مليون ليرة ثمناً للأعلاف، فهذه الأرقامُ لها دَلالاتٌ عند المؤمنين، هذا عطاءُ الله، قال : ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هاؤلاء وهاؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء: ٢٠] ، وقال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤-٣٢] . فائدة: قال ابن كثير في تفسيره: " ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ، أيْ وهُمْ يُشاهدُونَ المخلوقاتِ تَحْدُثُ شيئاً فشيئاً عَيَاناً، وذلك كلُّه دليلٌ على وجودِ الصانعِ، الفاعلِ المختارِ، القادرِ على ما يشاءُ: ففِي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ" وفي تفسير الجلاليْنِ: "وجعلْنَا مِن الماءِ النازلِ مِن السماءِ والنابعِ من الأرض كلَّ شيءٍ حيٍّ، مِن نباتٍ وغيرِه، أي فالماءُ سببٌ لحياتِه، أفلا يؤمنون". العلاقة بين الماء والهواء لنذكرْ نعمةَ الهواءِ، ونعمةَ الماءِ، لنذكرِ العلاقةَ بينهما، إذ لولا هذه العلاقةُ لَمَا كان بَشَرٌ على وجهِ الأرضِ. إنّ العلاقةَ بين الماءِ والهواءِ هي أنّ الهواءَ يتحمَّلُ بخارَ الماءِ، والآيةُ العُظمَى أنّ الهواءَ يتحمَّلُ بخارَ الماءِ بِنِسبٍ متفاوِتَةٍ مع درجاتِ الحرارةِ، فإنَّ متراً مكعباً مثلاً مِن الهواءِ في درجةِ الصفر يتحمَّلُ خمسةَ غراماتٍ مِن بخارِ الماءِ، مع أنه إذا سُخِّنَ هذا الهواءُ إلى درجةِ عشرين، أو ثلاثين فقد يتحمَّلُ مئةً وثلاثينَ غراماً مِن بخارِ الماءِ.

стр. 336

إنَّ تفاوُتَ نِسَبِ تحمُّلِ الهواءِ لِبُخارِ الماءِ بحسبِ درجاتِ الحرارةِ هو سببُ هطولِ الأمطار، وإذا لم تَكُنِ الأمطارُ لم تَكُنِ النباتاتُ، وإذا لم تكنِ النباتاتُ لم يكن الحيوانُ، وإذا لم يكنِ الحيوانُ لم يكنِ الإنسانُ، لأنّ الماءَ أساسُ الحياةِ، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] . أمَّا كيف يسوقُ اللهُ الماءَ مِن البِحارِ إلى كلِّ القارَّاتِ عن طريقِ الأمطارِ؟ فبفضلِ خاصّةِ تحمُّلِ الهواءِ لبخارِ الماءِ، بِنِسَبٍ تتفاوتُ مع درجاتِ الحرارةِ، فإذا حمَّلتَ متراً مكعباً مِنَ الهواءِ مئةً وثلاثينَ غراماً مِنْ بخارِ الماءِ، عَن طريقِ التسخينِ والتبخيرِ، ثم نَقلتَ هذا الهواءَ المشْبعَ ببخارِ الماءِ إلى مكانٍ باردٍ، فإنه يتخلَّى فوراً عن بخارِ الماءِ، ويطرحُ هذا البخارَ الذي يزيدُ على حاجتِه بفعلِ انخفاضِ درجاتِ الحرارةِ، يطرحُه قطراتِ ماءٍ، وهذا هو مبدأُ الأمطارِ. تُسلَّط أشعةُ الشمسِ على مساحاتٍ واسعةٍ جداً مِن الكرةِ الأرضيةِ، وهي البحارُ، لأنَّ البحرَ يشملُ ٧٢% من مساحتها، هذا الماءُ يتبخَّر، والهواءُ يحملُ البخارَ، واختلافُ درجاتِ الحرارةِ بين الصحارى والمناطقِ الساحليةِ، وبين خطِّ الاستواءِ والقطبِ، هذا التفاوتُ الكبيرُ في درجاتِ الحرارةِ يسوقُ الرياحَ، والرياحُ تحملُ معها بخارَ الماءِ، فإذا واجهَ الهواءُ المشبعُ ببخارِ الماءِ جبهاتٍ باردةً طرَحَ الماءَ الذي يزيدُ على حاجتِه، فتهطلُ الأمطارُ. مَن قَنَّنَ هذا القانونَ؟ مَن أعطى الماءَ هذه الخاصةَ، خاصةَ التبخُّرِ؟ مَن أعطى الهواءَ هذه الخاصيّة، خاصيّةَ تحمُّلِ بخارِ الماءِ؟ مَن جعلَ لكلِّ درجةِ حرارةٍ كميةَ بخارِ ماءٍ محددَّةً لا تزيدُ عليها يحملها الهواءُ؟ في درجةِ الصفرِ خمسةُ غرامات، وفي عشرين درجة مئة وثلاثون غراماً، فإذا خَفَّضْنا الحرارةَ إلى الصفرِ طَرَحَ الهواءُ كميةَ بخارِ الماءِ التي تزيدُ على الكميةِ التي يتحمَّلُها بخارُ الماءِ في درجةِ الصفرِ فكانت الأمطارُ.

стр. 337

هذه الحقائقُ مبسطةٌ تبسيطاً أوَّلياً، لكنَّ الأمطارَ أَعْقَدُ مِن هذا بكثير، ولكن مِن أجل تقريبِ الحقيقةِ، هذه الخاصيَّةُ التي أَوْدَعَها اللهُ في الماءِ، وتلك الخاصيَّةُ التي أَوْدَعَها اللهُ في الهواءِ وهذه العلاقةُ بينهما، وهذه المساحاتُ الكبيرةُ من الماءِ التي تشغلها المحيطاتُ، وتلك أشعةُ الشمسِ التي تبخِّرُ الماءَ، وهذه الرياحُ التي تنشأُ مِن تفاوتِ درجاتِ الحرارةِ، تسوقُ السُّحبَ إلى أرضٍ عطشى، فتحيِيها بعدَ موتِها، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ ، ونعمةٌ من نِعمه، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] . الماء وخصيصة التمدد والانكماش قال العليمُ الخبيرُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] . هذه الآيةُ لا تتَّسِعُ المجلّداتُ لِتَفسيرها، ولكنْ نأخذُ جانباً يسيراً منها. إنّ الماءَ الذي جَعلَهُ اللهُ أساسَ الحياةِ، مِن العلماءِ مِن يقول فيه: "إنّ خصيصيةً صغيرةً للماءِ، لو أنّها فُقِدَتْ لانتَهتِ الحياةُ على سطحِ الأرضِ"، فما هذه الخصيصةُ؟ هي أنّ الماءَ إذا برَّدْتهُ ينكمشُ، شأنهُ في ذلك كشأنِ كلّ العناصرِ التي على وجهِ الأرضِ، (الغازات، والسوائل، والأجسامِ الصلبةِ، فالعناصرُ كلمةٌ تجمعُ الغازاتِ، والسوائلَ، والأجسام الصلَبةَ، حيث إنّ كلّ العناصرِ التي خَلَقَها اللهُ تتمدّدُ بالحرارةِ، وتنكمشُ بالبرودةِ، والماءُ منها، فإذا أردتَ أنْ تبرّدَ الماءَ، وكان في درجةِ الغليانِ وراقبَتَ حجْمَه بأجهزةٍ حسّاسةٍ فإنّه ينْكمشُ، فإذا انخفضَتِ الدرجةُ مِن مئةٍ إلى ستّين، إلى أربعين، إلى ثلاثين، إلى عشرين، إلى عشرٍ، إلى خمسٍ، فإذا وصَلَ الماءُ إلى زائد أربع درجات؛ عندئذٍ تنعكسُ القاعدة، فيزدادُ حجمهُ ويتمدّدُ.

стр. 338

إنّ هذا شيءٌ ترونهُ بأمِّ أعينكم، ضَعوا في الثلاجةِ ماءً في وعاءٍ، وراقبوا حجمَهُ، تَرَوْنَهُ بعد التجمّدِ يزدادُ حجمُهُ، فإذا كانَ في قارورةٍ تنكسر، هذا شيءٌ معروفٌ لدى الإنسان، ولكن ما علاقةُ هذه الخصيصةِ بِوُجودِ الحياةِ على وجهِ الأرضِ؟ فلو أنّ الماءَ إذا تجمّدَ انكمشَ، أي قلَّ حجمُهُ، فزادَتْ كثافتهُ، فغاصَ في أعماقِ البحارِ، يأتي يومٌ تصبحُ جميعُ البحارِ متجمّدةً مِن سطحِها إلى أعماقِها، فإذا تجمّدَتْ انعدم التبخّرُ، وإذا انعدَم التبخّرُ انعدَمَت الأمطارُ، فماتتِ النباتاتُ، ومات الحيوانُ، ومات الإنسانُ، فلو أنّ الماءَ شأنهُ في التمدّدِ والانكماشِ كشأنِ جميعِ العناصرِ التي خَلَقَهَا الله ، لكانتِ الحياةُ قد انتهَتْ منذ ملايينِ السّنينِ، ولكنّ ازديادَ حجْمِ الماءِ، وتمدُّدَهُ في هذه الدرجةِ الحرجةِ، في درجةِ زائد أربعٍ، هذه الخصيصةُ التي أوْدَعَها اللهُ في الماءِ هي التي تجعلُ الحياةَ مسْتمرّةً على وجْهِ الأرض، فإذا تجمّدتِ المحيطاتُ كان هذا التجمّد باعثاً على ازديادِ حجمِ الماءِ، وإذا ازدادَ حجمهُ قلَّتْ كثافتهُ، وإذا قلَّتْ كثافتهُ طَفَا على وجْهِ الماءِ، فلو ذهبْنَا إلى المحيطاتِ المتجمّدةِ في القطبين لَرَأَيْنا التجمّدَ في الطّبقةِ السّطحيّةِ، وأمَّا في أعماقِ البحرِ فالمياهُ سائلةٌ تَسْبَح فيها الكائناتُ الحيّةُ كما لو أنّها في أماكنَ أخرى. هل هذه الخصيصةُ التي أوْدَعَها اللهُ في الماءِ هو شيءٌ جاء مصادفةً؟ ولولا هذه الخصيصةُ لَمَا تكلَّم أحدُنا، بل لمَا كانتِ الحياةُ على وجه الأرض. كلّما تأمَّلْتُمْ في آياتِ اللهِ التي بثّها اللهُ في الأرضِ عَرَفتُم أنّ لهذا الكون خالقاً عظيماً، ومُدبِّراً حكيماً، سميعاً بصيراً، قويّاً، رحيماً، لطيفاً، هذا الكونُ هو الذي يدلّ عليه، كما أن الأقدام تدل على المسير.. أفسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فِجاجٍ، ألا تَدُلانِ على الحكيمِ الخبيرِ؟!. ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾

стр. 339

صحَّ في الحديثِ القدسيِّ أنّ اللهَ يقولُ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ". ممّا يؤكدُ أنّ تقتيرَ الأمطارِ لا يمكنُ أنْ يكونُ تقتيرَ عجزٍ كشأنِ البشرِ، ولكنّه تربيةٌ وتأديبٌ، هذا الخبرُ الذي أعلمتْ فيه وكالةُ الفضاءِ الأوربيةُ أنَّ مرصدَ الفضاءِ الأوربيَّ العاملَ بالأشعةِ تحتَ الحمراءِ رصدَ غيمةً مِن البخارِ في الفضاءِ الخارجيِّ، يمكنُ لها أنْ تملأَ محيطاتِ الأرضِ ستينَ مرةً في اليوم الواحدِ بالمياهِ العذبةِ. وعلَّقَ أحدُ علماءِ الفلَكِ فقال: "إنّ المرصدَ عثرَ على غيومٍ للبخارِ في أكثرَ مِن مكانٍ في الكونِ"، إلا أنّ هذه الغيمةَ التي اكتشفَها مؤخراً تعدُّ مصنعاً عظيماً لبخارِ الماءِ، وهذا مصداقُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] . وأما معنى التقتيرِ التربويِّ أو التأديبيِّ ففي قولِه سبحانه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولاكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآء﴾ [الشورى: ٢٧] ، وقولِه: ﴿وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن: ١٦-١٧] ، وقولِه : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ [المائدة: ٦٦] . إنّ الجاهلين والشاردين يخوِّفون أهلَ الأرضِ، مرةً بنقصِ الغذاءِ، وأخرى بنقصِ الماءِ، وتارةً باقترابِ نضوبِ آبارِ النفطِ، فيفتعلون حروباً مِن أجلِ المياهِ تارةً، وحروباً مِن أجلِ القمحِ تارةً أخرى، وأحدثُ هذه الحروبِ مِن أجلِ النفطِ، وفاتَهُم أنَّ تقليلَ اللهِ لمادّةٍ مَا هو تأديبٌ، وليس عجزاً منه.

стр. 340

قانون الدفع نحو الأعلى إنّ هذه الأمطارَ التي يُكرِمُنا اللهُ بها، وهذه الثلوجَ التي يمتنُّ اللهُ بها علينا ما مصدرُها؟ هذا سؤالٌ دقيقٌ، لأن اللهَ يَحُثُّنا أنْ ننظرَ في مَلكوت السماواتِ والأرضِ، قال سبحانه: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ١٠١] . إنّ مصدرَ هذه الأمطارِ الأولَ هذا البحرُ، ونسبةُ مساحةِ البحرِ كما تعلمون إلى مساحةِ الأرضِ بكاملِها واحدٌ وسبعون في المئة، فسطحُ الأرضِ واحدٌ وسبعون بالمئة منه بحرٌ، وتسعةٌ وعشرون بالمئة بَرٌّ، سؤالٌ دقيقٌ: مِن أينَ جاءتْ هذه المياهُ الكثيرةُ؟ يزيدُ عمقُ بعضِ النقاطِ في المحيطِ الهادِي على اثني عشرَ ألف مترٍ، أي اثني عشر كيلو متراً، فإذا كانت قارّةُ آسيا، وقارةُ أوروبة، وقارةُ أمريكا، وقارةُ إفريقية، وقارة أوقيانوسيا، والقارةُ السادسةُ، (القطبُ الجنوبيُّ) ، إذا كانت كلُّ هذه القارَّاتِ بما فيها مِن بلادٍ، وعبادٍ، وسهولٍ، وجبالٍ، وصحارى، نسبتها تسعٌ وعشرون بالمئة مِن مساحةِ الأرضِ، وما تبقَّى بحرٌ، وبأعماقٍ متفاوتةٍ، وقد تبلغُ بعضُ أعماقه اثني عشرَ ألف مترٍ، فمِن أينَ جاءتْ هذه المياهُ؟ ومِن أينَ جاءَ هذا المِلحُ؟ لا تزالُ نظريةُ ملوحةِ البحرِ نظريةً تائهةً، لا تهتدي إلى تفسيرٍ صحيحِ. شيءٌ آخرُ، مَن جَعَلَ هذا البحرَ يمتلئ بالأسماكِ؟ إنه مستودعٌ لأغذيةِ البشرِ، على تعاقُبِ القرونِ والعصورِ، إذْ إنَّ في البحرِ ما يزيدُ عَلى مليونِ نوعٍ من السَّمَكِ، فأنواعُ الأسماكِ لا تعدُّ ولا تُحصَى، وأعدادُها لا تعدُّ ولا تحصى، وقد جَعَلَه اللهُ مخزناً غذائياً لبني البشرِ. شيءٌ آخرُ، جَعَلَ اللهُ البحرَ وسيلةَ اتصالٍ بين القارَّاتِ، وجَعَلَ سطْحَه موزعاً بين القارَّات، هذا كلُّه فيه أبحاثٌ طويلةٌ، ولكنْ أريدُ هنا أنْ أَقِفَ عند قانونٍ أساسيٍّ في البحرِ. إنّ هذا القانونَ يقول: إنَّ كلَّ جسمٍ غاطسٍ في الماءِ يتلقَّى مِن الأسفلِ إلى الأعلى دَفْعاً عَمودياً، قائماً، مساوياً لوزنِ الماءِ المزاحِ المُعادِل لحجمِ هذا الجسمِ.

стр. 341

احملْ شيئاً ثقيلاً، واغْمِسْه في الماءِ، تشعر أنّ نصفَ وزنِه قد تَلاشَى، كأنَّ قوةً تَدْفَعُه نحو الأعلى، هذه القوةُ يحكُمُها قانونٌ، إنَّ قوةَ الدفعِ نحو الأعلى تساوِي وزنَ الماءِ المُعَادِلَ لحجمِ هذا الجسمِ، ولولا هذا القاونُ لَمَا أمكنَ أنْ يُرْكَبَ البحرُ، هذا القانونُ بسببه تَسْبَح الأسماكُ، ولولا قانونُ القوةِ الدافعةِ نحو الأعلى لمَا وجدتَ في البحرِ سمكةً واحدةً، فالأسماكُ تَسْبَح في البحرِ لأنّ وزنَها أقلُّ مِن وزنِ الماءِ الذي أَزَاحَتْهُ بانغماسِها في الماءِ، لذلك تجدُ السمكةُ قوةً دافعةً نحوَ الأعلى. لولا هذا القانونُ لما أَمْكَنَ لسفينةٍ أن تَمْخُرَ عُبَابَ البحرِ، لذلك قال ربُّنا : ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] . إنّ أحدثَ رقمٍ اطَّلعتُ عليه: أنّ هناك ناقلاتِ نفطٍ تزيدُ حمولتُها على مليونِ طنٍّ، سَمِعْنا قبل سنواتٍ عن سبعمئة ألف طنٍ، وثمانمئة ألفِ طنٍّ، ونصف مليونِ طنٍّ، أَحْدَثُ ناقلاتِ النفطِ تزيدُ حمولتُها على مليونِ طنٍّ، إنَّها مدينةٌ تَمْخُرُ عُبَابَ الماءِ، بفضل مَنْ؟ بفضلِ هذه القوةِ التي أَوْدَعَهَا اللهُ في الماء، قوةِ الدفعِ نحو الأعلى، وهي تعملُ بأمرِ اللهِ، هذا القانونُ اكتشفه عالمٌ مِن علماءِ الغَربِ وهو أرخميدس. لقد أشارَ ربُّنا إلى هذا القانونِ في آياتٍ كثيرةٍ. الآية الأولى: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ ، تنقلون البضائعَ، والحبوبَ، والأغذيةَ، والآلاتِ عَبْرَ المحيطاتِ على ظَهْرِ هذه السفنِ، التي هي في البحرِ كالأعلامِ، أي كالجبالِ، ثم قال سبحانه: ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] . آيةٌ ثانيةٌ تشير إلى هذا القانونِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله﴾ [لقمان: ٣١] ، بفضل هذا القانون. آيةٌ ثالثة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢] . آيةٌ رابعة: ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ [الرحمن: ٢٤] .

стр. 342

آيةٌ خامسة: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: ١٦٤] . آيةٌ سادسة: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] ، أي إنّ هذا اللؤلؤَ خُلِقَ خِصِّيصي لكم أيها البشر.. ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] . هذه مِن آياتِ الله ، أي إنّك إذا استعملتَ شيئاً قد جُلِب واستُورِدَ مِن بلادٍ بعيدة فاذكرْ هذه الآياتِ، ولولا أنّ اللهَ جَعلَ هذا القانونَ - قانونَ الدفع نحو الأعلى - لَمَا أَمْكَنَ لسفينةٍ أنْ تنقلَ لك هذه البضاعةَ التي تستعملُها، إذاً هذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته، ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] . علاقة الماء بلون الصخور إنْ مِن آياتِ الإعجازِ العلميِّ المتعلقةِ بالماءِ قولَ اللهِ ﷻ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧-٢٨] . وَرَدَ اختلافُ الألوانِ في ثلاثِ فقراتٍ في هذه الآيةِ.

стр. 343

قد يعجبُ الإنسانُ مِن علاقةِ إنزالِ الماءِ من السماءِ باختلافِ ألوانِ الجبالِ، ففي بحثٍ مطوَّلٍ ومعقَّدٍ جداً ملخَّصُه أنّ الماءَ، هذا العنصرَ الحيويَّ، والذي يُعَدُّ مِن أعلى العناصرِ المُذيبَةِ والفعَّالةِ، تبيَّن أنه هو العاملُ الحاسمُ في تلوينِ الجبالِ، التي تأخذُ ألوانَها من ألوانِ معادنِها التي تشتركُ في بنيتها، والمعادنُ تتلوَّنُ بِقدْرِ أَكْسَدَتِها، حيث إنّ الماءَ له علاقةٌ بهذه الأكسدةِ، لذلك تجدُ أنّ أحدَ عواملِ تلوينِها، واختلافِ ألوانِها؛ من جبالٍ كالغرابيبِ السودِ، وجبالٍ جُدَدٍ بيضٍ، وحمرٍ مختلفٍ ألوانُها يعودُ إلى الماءِ، لذلك قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ .

стр. 344

فكلما تقدّمَ العلمُ كَشَفَ عن جانبٍ من إعجازِ القرآنِ الكريمِ العلميِّ، مِن أجلِ أن نعلمَ علمَ اليقينِ أنَّ الذي أنزلَ هذا القرآنَ هو الذي خَلَقَ الأكوانَ، وأنّ هذا التوافقَ بين معطياتِ العلمِ، ومعطياتِ الوحيِ هو منطقيٌّ إلى درجةٍ قطعيةٍ، لأنّ الوحيَ كلامُ اللهِ، ولأنّ الكونَ خَلْقُ الله، واتِّحادُ المصدرِ يعني اتِّحادَ الفروعِ، فلا بدَّ مِن تطابقِ العلمِ الحقيقيِّ مَع النقلِ الصحيح، لذلك كنتُ أقول دائماً: إن الحقَّ دائرةٌ لا بدَّ أنْ تتقاطعَ فيها خطوطُ النقلِ الصحيحِ مع التأويل الصحيحِ، وخطوطُ العقلِ الصريحِ غيرِ التبريريِّ مع خطوطِ الفطرةِ السليمةِ غيرِ المشوَّهةِ، وخطوطِ الواقعِ الموضوعيِّ غير المزوَّر، فلا بد أنْ نعلمَ عِلْمَ اليقينِ أنّ الذي خَلَقَ الأكوانَ هو الذي أنزلَ هذا القرآنَ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] ، هنا عطفٌ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧-٢٨] . ﴿إِنَّمَا﴾ تفيدُ القَصْرَ والحصرَ، أيْ: ما لمْ تطلبِ العلمَ فلا سبيلَ إلى أنْ تخشى اللهَ، فإنْ أردتَ أنْ تخشى اللهَ الخشيةَ الحقيقيةَ فلا بد مِن طلبِ العلمِ، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ ، أي العلماءُ وَحْدَهُم هم الذينَ يخشونَ اللهَ، ولا أَحَدَ سِواهُم.

стр. 345

قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ هاتين الآيتين: "يقولُ تعالى منبِّهاً على كمالِ قدرتِه في خَلْقِهِ الأشياءَ المتنوِّعةَ المختلفةَ مِن الشيءِ الواحدِ، وهو الماءُ الذي ينزِّله من السماءِ، يُخرِجُ به ثمراتٍ مختلفاً ألوانُها، من أصْفرَ وأحمرَ وأخضرَ وأبيضَ، وغيرِ ذلك من ألوانِ الثمارِ كما هو مشاهَدٌ من تنوُّعِ ألوانِها، وطعومِها، وروائحِها، كما قال تعالى في الآيةِ الأخرى: ﴿وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ، وقولُه ﵎: ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ ، أي: وَخَلَقَ الجبالَ كذلك مختلفةَ الألوانِ كما هو المشاهَدُ أيضاً، من بيضٍ وحمرٍ، وفي بعضها طرائقُ، وهي الجُدَدُ، جمع جُدَّة، مختلفةُ الألوانِ أيضاً، قال ابنُ عباسٍ ﵄: الجُدَد: الطرائقُ ... والغرابيبُ: الجبالُ الطوالُ السودُ، قال ابن جريرٍ: والعربُ إذا وصفوا الأسودَ بكثرة السواد قالوا: أسودُ غِربِيب ... وقوله تعالى ﴿وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ ، أي: كذلك الحيواناتُ مِن الأناسِيّ والدوابِّ، وهو كلُّ ما دَبَّ على القوائمِ، ﴿والأنعام﴾ من بابِ عطْفِ الخاصِّ على العامِّ، كذلك هي مختلفةٌ أيضاً، فالناسُ منهم بَربَر، وحبوشٌ، وطماطم في غاية السواد، وصقالبة، وروم في غايةِ البياضِ، والعربُ بين ذلك، والهنودُ دون ذلك، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] ، وكذلك الدوابُّ والأنعامُ مختلفةُ الألوانِ، حتى في الجنسِ الواحدِ، بل النوعُ الواحدُ منها مختلفُ الألوانِ، بل الحيوانُ الواحدُ يكونُ أبلق، فيه من هذا اللونِ، وهذا اللونِ، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين ...

стр. 346

ولهذا قال تعالى بعد هذا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ ، أي: إنما يخشاه حقَّ خشيتِه العلماءُ العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفةُ للعظيمِ القديرِ العليمِ الموصوفِ بصفاتِ الكمالِ، المنعوتِ بالأسماءِ الحسنى، كلما كانت المعرفةُ به أتمَّ، والعلمُ به أكْمَلَ، كانت الخشيةُ له أعظمَ وأكثرَ". البحر المسجور مِن أكثرِ الآياتِ الباهرة في البحارِ والمحيطاتِ ما جاءَ بهِ القرآنُ الكريمُ في مطلعِ سورةِ الطورِ في وصْفِ البحرِ بأنه مَسْجورٌ، قال تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ [الطور: ٦] . يقسمُ اللهُ ﵎ بهذا البحرِ المسجورِ، وهو تعالى غنيٌّ عن القَسَمِ لعبادِه، ولكنه يَلفت نظرَهم إلى عظمة المقْسَمِ به، فإنه تعالى لا يقسِمُ إلا بعظيمٍ، والمسجورُ في اللغةِ هو الذي أُوقِدَ عليه حتى أصبحَ حاراً، والماءُ يتناقضُ مع النارِ، لأنّ وجودَ أحدِهما ينقضُ وجودَ الآخرِ، حيث إننا نطفىء النارَ بالماءِ، فكيفَ يكونُ البحرُ مسجوراً؟ بعضُهم قال: ألاَ تتألف ذرةُ الماءِ مِن الأوكسجين والهيدروجين؟ والأوكسجين غازٌ مشتعلٌ، والهيدروجين غازٌ يُعِينُ على الاشتعالِ، فلو أنّ اللهَ فكَّ هذه العلاقةَ الباردةَ بينهما لأصبحَ البحرُ كتلةً من اللهبِ، هذا معنًى، بيْدَ أنّ عالماً معاصراً قال: "ثَبَتَ أنّ في قاعِ المحيطاتِ براكينَ تقذفُ باللهبِ من الصُّدوع"، وهذه آيةٌ من آياتِ الله في خَلْقِه، حيث إنه لولا هذه النارُ لَمَا استطاعتِ الكائناتُ الحيةُ في قاعِ المحيطِ أنْ تعيشَ في هذه الظلمةِ الحالكةِ، والعلماءُ في أواخرِ الستينيات من القرنِ العشرين، أي بعد أكثرَ من ألفٍ وأربعمئة عامٍ مِن نزولِ هذا القرآنِ يقرِّرون أنّ جميعَ المحيطاتِ، وعديداً من البحارِ قيعانُها مسجورةٌ بالنيرانِ، وهي الحقيقةُ التي ذَكَرَها القرآنُ قبلَ ألفٍ وأربعمئة عام، وسمَّاها: الْبَحْرَ الْمَسْجُورَ. ﴿هَـ?ذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـ?ذَا مِلْحٌ﴾

стр. 347

إنّ مِن آياتِ اللهِ الدالّةِ على عظمتِه هذه الملوحةَ التي نجدُها في البحارِ، حيث يقول العلماءُ: إنّ في كلِ لترٍ واحدٍ مِن ماءِ البحرِ سبعةً وعشرين غراماً مِن المِلحِ، وإنَّ العالَمَ بأَسْرِه يستهلِكُ في السنةِ ما يزيدُ على خمسين مليونَ طنٍّ مِن مِلحِ البحرِ، وإنّ نسبةَ الملحِ في مياهِ البحرِ تعادِلُ ثلاثةً ونصفاً بالمئة مِن مجموعِ مياهِ البحرِ، بل إنَّ في الكيلو مترِ المكعَّب، (وهو مكعبٌ ضلعُه كيلو متر) من مياهِ البحرِ أربعةً وثلاثين مليون طنٍّ مِن الملحِ. لو استُخرِجَ ملحُ البحارِ وجُفِّفَ، ووُضِعَ على اليابسة - على قارّاتها الخمسِ - ولم نغادرْ مكاناً إلا فَرَشْنَا عليه هذا الملحَ الذي استخْرَجْناهُ مِن مياهِ البحارِ، لبلَغَ ارتفاعُ الملحِ المجفَّفِ على سطحِ اليابسةِ كلِّها مئةً وثلاثةً وخمسين متراً. السؤالُ الذي يَلفِتُ النَظرَ: مِن أينَ جاءتْ هذه الكميةُ الكبرى مِن ملحِ البحارِ، الذي هو كلور الصوديوم؟ يقول بعضُهم: إنّ في البحارِ مِن الملحِ ما يساوي أربعةَ ملايين ونصفَ ميلٍ مكعبٍ، هذه كلُّها أرقامٌ دقيقةٌ مستخلَصَة مِن كتبٍ علميةٍ.

стр. 348

فمِن أينَ جاءَ هذا الملحُ؟ كيف وُضِعَ في البحرِ؟ هناك نظرياتٌ كثيرةٌ، بعضُها يقول: إنّ في قيعانِ البحارِ صخوراً مِلْحِيّةً تَفَتَّتتْ، وذابتْ في هذا الماءِ، وبعضُهم يقول: إنَّ السببَ مياهُ الأنهارِ، كلُّ هذه النظرياتِ التي تحاولُ أنْ تفسِّرَ ملوحةَ مياهِ البحرِ تجدُ الطريقَ مسدوداً لسببٍ بسيطٍ، هو أنَّ في الأرضِ عدداً كبيراً من البُحيراتِ العَذبةِ، فإذا كانتْ مياهُ الأنهارِ وحْدَها كافيةً لتمليحِ مياهِ البحارِ، فلماذا بقيتْ هذه البحيراتُ الضخمةُ عذبةً حلوةَ المَذاقِ - وهي أَشْبَهُ ما تكونُ ببحارٍ صغيرةٍ - مئاتِ الملايينِ مِن السنين، وما تفسيرُ ذلك؟ لا يزالُ سببُ تكون الملوحةِ في مياهِ البحرِ لُغْزاً كبيراً، ولا يفسَّرُ إلا بالآياتِ التاليةِ، يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ، فلن يصبحَ مالحاً؛ ولو صُبَّتْ عليه الأنهارُ، ولو تَفَتَّتَتْ فيه الصخورُ، ولو كانت على مَسِيرِ الأنهارِ جبالٌ من الملحِ، تبقى البحيرةُ العذبةُ عذبةً. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ، فهذا الملحُ الأجاجُ مِن خَلْق الله، ومِن إرادة الله ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾ [الفرقان: ٥٣] ، فلا يبغي هذا على هذا، ولو أن نهراً عذباً صُبَّ في بحرٍ لَسَارَ عشراتٍ، بل مئاتِ الكيلو مترات، وبقي عذباً، لأنّ بَيْنَ البَحْريْنِ برزخاً ما زالتْ طبيعتُه مجهولةً حتى الآن. أمّا: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٥٣] فإنّ الحِجْرَ يمنعُ انتقالَ أسماكِ المياهِ العذبةِ إلى المياهِ المالحة، والعكسُ صحيحٌ. يقولُ اللهُ في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨-٧٠] ، فلو شاء لجعله أجاجاً كمياهِ البحرِ ... أفلا تشكرون هذه النعمةَ؟!!

стр. 349

آيةٌ ثالثة، قال سبحانه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] . ثمَّةَ قصصٌ كثيرةٌ تتحدَّثُ عن موتِ ألوفِ الأشخاصِ في مياهِ البحرِ عطشاً، فقد تغرقُ السفنُ، وينجو بعضُ ركَّابِها، ويركبون سفينةَ النجاةِ، لكنَّهم يموتون عطشاً، وهم على ظهرِ البحرِ، إذاً: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] . آيةٌ أخرى، هذه البحارُ ما كان لها أنْ تكونَ لولا أنّ اللهَ حينما خلَقَ الأرضَ جَعَلَ لها أحواضاً كبيرةً، يكفِي أنَّ بعضَ المحيطاتِ يزيدُ عُمْقُها على عشرةِ كيلو متراتٍ، مَن خَلَقَ هذه الأحواضَ؟ إنّ أحواضَ البحارِ آيةٌ، ومياهَ البحارِ آيةٌ، وملوحتَها آيةٌ، وما فيها مِن أسماكٍ آيةٌ، وما فيها مِن أصدافٍ وحليٍّ آيةٌ، واللهُ بَثَّ في الأرضِ آياتٍ كثيرةً، فقال تعالى: ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] . البرزخ بين البحرين والحجر المحجور آيتان في القرآنِ الكريمِ، واحدةٌ في سورةِ الرحمنِ، والثانيةُ في سورةِ الفرقانِ، الأولى قولُه سبحانه: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩-٢١] . لقد حارَ العلماءُ في تفسيرِ هذا البرزخِ، أين هو؟ أهو بين البحرِ الأحمرِ والبحرِ الهندي؟ أم بين البحرِ الأبيضِ والبحرِ الأسودِ؟ أم بين البحرِ الأبيضِ والمحيط الأطلسيّ، عند جبلِ طارقٍ، أين هذا البرزخُ؟ ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩-٢١] .

стр. 350

الشيءُ الذي يَلفِتُ النظرَ أن لكلِّ بحرٍ درجةَ ملوحةٍ ثابتةً، لا تنقصُ، ولا تزيدُ، مع أنّ البحرينِ متصلان، وله كثافةٌ لا تنقص ولا تزيد، وله حرارةٌ لا تنقص ولا تزيد، وله لونٌ لا يتغيَّر، فلو ركبَ الإنسانُ طائرةً، وحلَّقتْ به في الجوِّ، فوق بابِ المَنْدَبِ، أو فوق البوسفور، أو فوق مضيقِ جبلِ طارقٍ لَرَأَى أنّ هذا البحرَ شيءٌ، وذاك شيءٌ آخرُ. لقد وجَدَ علماءُ البحارِ أنّ ذراتِ الماءِ في البحرِ الأحمرِ إذا وصلتْ في أثناءِ حركتها إلى خطٍّ وهميٍّ عند بابِ المندب تعودُ إلى البحرِ الأحمرِ، وأنّ ذراتِ المحيطِ الهندي إذا اتجهت إلى البحرِ الأحمرِ تنخفضُ نحو الأسفلِ عندَ هذا البرزخِ، وتعاودُ الكَرَّةَ نحو المحيط الهندي، فلا يطغى المحيطُ الهنديُّ على البحرِ الأحمرِ، وأنّ البحرَ الأحمرَ لا يختلطُ بالمحيطِ الهندي، لأن: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ، ولكلٍ منهما كثافةٌ، وحرارةٌ، ومُلوحةٌ، لا تزيدُ، ولا تنقصُ، كذلك البحرُ الأبيضُ، مع البحرِ الأسودِ، والبحرُ الأبيضُ مع المحيطِ الأطلسيّ. قال تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ ، لكنّ هذا البرزخَ ليس جداراً، إنه مرنٌ، وهذا الالتقاءُ المذكورُ في الآية: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ﴾ ، يكون على شكلِ تماوُجٍ. أما الآيةُ الثانيةُ التي في سورةِ الفرقانِ ففيها شيءٌ آخر: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٥٣] .

стр. 351

إنّ بين البحرين؛ العذبِ والمالحِ؛ برزخاً وحِجراً محجوراً، حيث تزيد غزارَةُ بعضِ أنهارِ أمريكا على ثلاثمئة ألف مترٍ مكعبٍ في الثانيةِ، وتَصُبُّ في المحيط الأطلسيّ، ويمتدُ مسيرُها في البحرِ ثمانينَ كيلو متراً، هذا الماءُ العذبُ يسيرُ داخلَ الماءِ المالحِ، ومعَ ذلك لا يختلطانِ، ولا يتمازجانِ، لأنَّ: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ ، فهناك بين الماءِ العذبِ، والماءِ المالحِ حجرٌ محجورٌ، والحجرُ المحجورُ يعني أنّ معظمَ أسماكِ المياهِ العذبةِ لا تدخلُ في المياهِ المالحةِ، وأسماكَ المياهِ المالحةِ لا تدخلُ في المياهِ العذبةِ، ففي الحِجر المحجور حَجْرٌ على هذه الأسماكِ مِنْ أنْ تنتقلَ إلى الماءِ المالحِ، وحَجرٌ على تلك الأسماكِ أنْ تنتقلَ إلى الماءِ العذبِ، بينهما برزخٌ، وحجرٌ محجورٌ: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ . هذا مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه، أي إنّ البحارَ لا تختلط، مع أنها متصلةٌ، فهل تستطيعُ أنْ تضعَ في وعاءٍ كأساً من الماءِ المالح، وكأساً من الماءِ العذبِ ولا يختلطان؟ هل تستطيع أن تفصلَهما بعد ذلك؟ هل لك أنْ تشربَ القِسْمَ العذبَ من هذا الوعاءِ؟ هذا شيءٌ فوقَ طاقةِ الإنسانِ: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩-٢١] .

стр. 352

وحينما اطَّلع بعضُ هؤلاء العلماءِ، وهم في نشوةِ اكتشافِهم هذا، على أنَّ في القرآنِ الكريمِ إشارةً إلى هذا الكشفِ العلميِّ، وهي قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، أخذَتْهم الدهشةُ، وقد اكتشفوا أيضاً أنَّ بين البحرين الملحِ الأجاج، والعذب الفراتِ شيئين.. حاجزاً يمنعُ مياهَ كلِّ بحرٍ أنْ تطغى على الآخرِ، كما هو بين البحرين المالحين، وحاجزاً يمنع أسماكَ المياهِ العذبةِ أنْ تنتقلَ إلى المياهِ المالحةِ، ويمنع أسماكَ المياهِ المالحةِ أنْ تنتقلَ إلى المياهِ العذبةِ، فلا يبغي بحرٌ على بحرٍ، بل يحافظُ كلُّ بحرٍ على كثافةِ مياههِ، ودرجةِ ملوحتِه، ومكوِّناتِه، وهذا الحاجزُ بين البحرين ليس ثابتاً، بل هو متحركٌ بفعلِ الرياحِ، وحركةِ المدِّ والجزْرِ، وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى هذا الكشفِ العلميِّ الثاني، فسمّى الحاجزَ الأولَ برزخاً، وسمّى الحاجزَ الثانيَ حِجراً، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ . أمَّا طبيعةُ هذين الحاجزين فما تزال موضعَ دراسةٍ. قال الطبري: "وإنما عرَفْنا قدْرتَه بحجزِه هذا الملحَ الأجاجَ عن إفسادِ هذا العذب الفراتِ مع اختلاطِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحِبه. فأمّا إذا كان كلُّ واحدٍ منهما في حيّزٍ عن حيّزِ صاحِبه فليس هناك حرجٌ، ولا هناك من أعجوبةٍ ما ينبّه عليه أهلُ الجهلِ به من الناسِ ويذكرون به، وإنْ كان كلُّ ما ابتدعه ربُّنا عجيباً، وفيه أعظمُ العِبَرِ والمواعظِ والحُجَحِ البوالِغ". التوافق العددي في القرآن الكريم (البر والبحر)

стр. 353

في القرآنِ الكريمِ أنواعٌ من الإعجازِ وألوانٌ، منها الإعجازُ البلاغيُّ، والرياضيُّ، والتشريعيُّ، والإخباريُّ، ومن اللافتِ للنظرِ هنا التوافقُ العدديُّ، ومنه: أن كلمة البَرّ (اليابسة) وردتْ في القرآنِ ثلاث عشرة مرةً، وأنّ كلمة البحرِ - بلفظِ الإفرادِ- وردَتْ في القرآنِ الكريمِ ثلاثاً وثلاثينَ مرَّة، مع العلم أنّ النبي ﷺ لم يرَ البحرَ، ولا يعنيه منه شيءٌ، وإذا جمَعنا الآياتِ التي وردتْ فيها كلمةُ (البرّ) و (البحر) ، كان الناتجُ ستّاً وأربعين آيةً، تُكوِّنُ وحدةً هي (البَرّ) ، و (البحر) ، فإذا قسَّمْتَ آياتِ (البحرّ) على هذا المجموعِ كانت النِّسْةُ بالضّبْطِ هي نسبةَ البرِّ إلى البحرِ على وجهِ الأرض. إنّ هذه النّسبةَ هي واحدٌ وسبعون بالمئة بحراً، وتسعةٌ وعشرون بالمئة بَرّاً، فإذا قسَّمت ثلاثةَ عشرَ على سِتّة وأربعين يكون الرّقْمُ مُساوياً لهذه النِّسْبة، فهل هذا الكلامُ كلامُ بَشَرٍ؟ كيف جاءَ عددُ آياتِ البَرِّ مع عددِ آياتِ البحرِ، مع نسبةِ آياتِ البَرِّ إلى مجموعِ آياتِ البرِّ والبحرِ، كيف جاءَتْ هذه النِّسْبةُ مطابِقةً لِنْسبةِ البَرِّ إلى البحرِ؟! هذا لَوْنٌ مِن إحكامِ القرآنِ الكريمِ، واصْطُلِحَ على تسميَتِهِ الإحكامَ الحِسابيَّ. لقد ذُكِرَ الشّهرُ اثنتي عشرةَ مرّةً بالتمامِ والكمالِ، هل هذا مصادفةٌ؟ هل هذا كلامُ بَشَرٍ؟ إنه كلّما مرَّتِ الأيامُ، وكلّما تقدّمَ العلمُ، وكلّما تقدَّمَتِ البحوثُ العِلْميّةُ يُكتشفُ في القرآنِ الكريمِ أوجهٌ للإعجازِ لم تكن معلومةً من قَبْلُ. هذا القرآنُ الكريمُ كلامُ اللهِ، وفضْلُ كلامِ اللهِ على كلامِ خلْقِه كَفَضْلِ اللهِ على خلْقِهِ، هذا القرآنُ الكريمُ، هو الكتابُ المقرّرُ، الذي نؤدِّي فيه جميعاً الامتحانَ، فهنيئاً لمن تعلَّمهُ، وهنيئاً لمَن قَرَأَه، وهنيئاً لِمَن علّمه، وهنيئاً لمن تعاملَ معه، وهنيئاً لِمَن جعلهُ دستوراً في حياته، وهنيئاً لمن أَخَذَ به، ولمن صدَّقه، ولمن عَمِلَ به، فالقرآنُ غنًى لا فقْر بَعْده، ولا غنًى دونه، وهو شافعٌ مشفّعٌ، وحَبْلُ اللهِ المتينُ.

стр. 354

فَلْنَعُدْ إلى هذا القرآنِ، ولنرجعْ إليه، فهو النَّبْعُ الأوّلُ للإسلامِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ هاذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ، وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى﴾ [طه: ١٢٣] ، وقال: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] . إنّ ألوانَ الإعجازِ لا تعدّ، ولا تُحصَى، وهذا بعضٌ مِن إعجازِ القرآنِ الكريمِ. تيار الخليج البحري إذا نَزلَ الإنسانُ إلى البحرِ فإنَّ قطراتِ الماءِ التي تمسُّ جلدَه ربّما تكونُ قد وصلتْ من توِّها بعدَ رحلةٍ استغرقَتْ عدَّة سنينَ، لأنّ الماءَ يجري في تياراتٍ من خطِّ الاستواءِ إلى القطبين، ومِن القطبين إلى خطِّ الاستواءِ، وقد يقطعُ مسافةٌ تزيدُ على خمسة عشرَ ألف كيلومتر، فهذا الماءُ الذي تجدُه في البحرِ ماءٌ متبدّلٌ يقطعُ رحلاتٍ طويلةً، بعضُها إلى الشمالِ، وبعضُها إلى الجنوبِ، وبعضُها إلى الشرقِ، وبعضُها إلى الغربِ، وهناك قوانينُ معقّدةٌ جدّاً تحكمُ حركةَ الماءِ في المحيطاتِ، ولكنّ الذي يَعنِينا أنَّ سبَبَ هذه الحركةِ في أصلِها أنَّ أشعَّةَ الشمسِ تسخِّنُ الماءَ الذي في خطِّ الاستواءِ فيتمدَّدُ، ويرتفعُ قرابةَ عشرينَ سنتمتراً، وهذا الارتفاعُ الطفيفُ يساهمُ في تشكيلِ تيارٍ نحوَ الشمالِ، وأنَّ الماءَ في القطبين يبردُ، ومع برودتِه يثقلُ فيغوصُ في الأعماقِ، ويتَّجهُ نحو خطِّ الاستواءِ، فهناك تياراتٌ سطحيّةٌ، وتياراتٌ عميقةٌ. هذه المقدّمة نريدُ أنْ نصلَ منها إلى أنّ مِن آياتِ الله الدالةِ على عظمتِه تيارَ الخليج، هذا التيارُ سرعتُه ثمانية كيلو متراتٍ في الساعة، فإذا دخلتْ فيه السفينةُ، وأطفأتَ محرّكاتِها فإنَّها تسيرُ ثمانية كيلو مترات في الساعة دونَ أنْ تعملَ محرّكاتُها.

стр. 355

عرضُ هذا التيارِ يزيدُ على ثمانين كيلو متراً، وعمقُه يزيد على أربعمئة وخمسين متراً، وهذا التيارُ كثافتُه أربعةُ ملايين طنٍّ من الماءِ في الدقيقةِ؛ ماذا يفعلُ هذا التيارُ؟ يُذيب مئةً وثلاثينَ ألفَ طنٍّ مِن الكُتَلِ الثلجيّةِ في القطبين في عشرةِ أيّامٍ، ولهذا التيارِ فوائدُ لا تُعدُّ ولا تُحصَى، إنَّه يجعلُ المنطقةَ الباردةَ في أوربة منطقةً معتدلةً، وهذه الأجواءُ اللطيفةُ في دولِ إسكندنافية سببُها تيارُ الخليجِ. وهناك تياراتٌ تجري في أعماقِ البحرِ، على عمقِ ثلاثةِ آلافِ مترٍ، والغواصاتُ إذا أطأتْ محرّكاتِها تنتقلُ من مكانٍ إلى آخرَ عَبْرَ هذا التيارِ، وهذا شيءٌ يَلفِتُ النَّظَر.
следующие страницы →