← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1444

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

محمد راتب النابلسي

Полный текст (485 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إنّ بين البحرين؛ العذبِ والمالحِ؛ برزخاً وحِجراً محجوراً، حيث تزيد غزارَةُ بعضِ أنهارِ أمريكا على ثلاثمئة ألف مترٍ مكعبٍ في الثانيةِ، وتَصُبُّ في المحيط الأطلسيّ، ويمتدُ مسيرُها في البحرِ ثمانينَ كيلو متراً، هذا الماءُ العذبُ يسيرُ داخلَ الماءِ المالحِ، ومعَ ذلك لا يختلطانِ، ولا يتمازجانِ، لأنَّ: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ ، فهناك بين الماءِ العذبِ، والماءِ المالحِ حجرٌ محجورٌ، والحجرُ المحجورُ يعني أنّ معظمَ أسماكِ المياهِ العذبةِ لا تدخلُ في المياهِ المالحةِ، وأسماكَ المياهِ المالحةِ لا تدخلُ في المياهِ العذبةِ، ففي الحِجر المحجور حَجْرٌ على هذه الأسماكِ مِنْ أنْ تنتقلَ إلى الماءِ المالحِ، وحَجرٌ على تلك الأسماكِ أنْ تنتقلَ إلى الماءِ العذبِ، بينهما برزخٌ، وحجرٌ محجورٌ: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ . هذا مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه، أي إنّ البحارَ لا تختلط، مع أنها متصلةٌ، فهل تستطيعُ أنْ تضعَ في وعاءٍ كأساً من الماءِ المالح، وكأساً من الماءِ العذبِ ولا يختلطان؟ هل تستطيع أن تفصلَهما بعد ذلك؟ هل لك أنْ تشربَ القِسْمَ العذبَ من هذا الوعاءِ؟ هذا شيءٌ فوقَ طاقةِ الإنسانِ: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩-٢١] .

стр. 352

وحينما اطَّلع بعضُ هؤلاء العلماءِ، وهم في نشوةِ اكتشافِهم هذا، على أنَّ في القرآنِ الكريمِ إشارةً إلى هذا الكشفِ العلميِّ، وهي قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، أخذَتْهم الدهشةُ، وقد اكتشفوا أيضاً أنَّ بين البحرين الملحِ الأجاج، والعذب الفراتِ شيئين.. حاجزاً يمنعُ مياهَ كلِّ بحرٍ أنْ تطغى على الآخرِ، كما هو بين البحرين المالحين، وحاجزاً يمنع أسماكَ المياهِ العذبةِ أنْ تنتقلَ إلى المياهِ المالحةِ، ويمنع أسماكَ المياهِ المالحةِ أنْ تنتقلَ إلى المياهِ العذبةِ، فلا يبغي بحرٌ على بحرٍ، بل يحافظُ كلُّ بحرٍ على كثافةِ مياههِ، ودرجةِ ملوحتِه، ومكوِّناتِه، وهذا الحاجزُ بين البحرين ليس ثابتاً، بل هو متحركٌ بفعلِ الرياحِ، وحركةِ المدِّ والجزْرِ، وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى هذا الكشفِ العلميِّ الثاني، فسمّى الحاجزَ الأولَ برزخاً، وسمّى الحاجزَ الثانيَ حِجراً، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ . أمَّا طبيعةُ هذين الحاجزين فما تزال موضعَ دراسةٍ. قال الطبري: "وإنما عرَفْنا قدْرتَه بحجزِه هذا الملحَ الأجاجَ عن إفسادِ هذا العذب الفراتِ مع اختلاطِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحِبه. فأمّا إذا كان كلُّ واحدٍ منهما في حيّزٍ عن حيّزِ صاحِبه فليس هناك حرجٌ، ولا هناك من أعجوبةٍ ما ينبّه عليه أهلُ الجهلِ به من الناسِ ويذكرون به، وإنْ كان كلُّ ما ابتدعه ربُّنا عجيباً، وفيه أعظمُ العِبَرِ والمواعظِ والحُجَحِ البوالِغ". التوافق العددي في القرآن الكريم (البر والبحر)

стр. 353

في القرآنِ الكريمِ أنواعٌ من الإعجازِ وألوانٌ، منها الإعجازُ البلاغيُّ، والرياضيُّ، والتشريعيُّ، والإخباريُّ، ومن اللافتِ للنظرِ هنا التوافقُ العدديُّ، ومنه: أن كلمة البَرّ (اليابسة) وردتْ في القرآنِ ثلاث عشرة مرةً، وأنّ كلمة البحرِ - بلفظِ الإفرادِ- وردَتْ في القرآنِ الكريمِ ثلاثاً وثلاثينَ مرَّة، مع العلم أنّ النبي ﷺ لم يرَ البحرَ، ولا يعنيه منه شيءٌ، وإذا جمَعنا الآياتِ التي وردتْ فيها كلمةُ (البرّ) و (البحر) ، كان الناتجُ ستّاً وأربعين آيةً، تُكوِّنُ وحدةً هي (البَرّ) ، و (البحر) ، فإذا قسَّمْتَ آياتِ (البحرّ) على هذا المجموعِ كانت النِّسْةُ بالضّبْطِ هي نسبةَ البرِّ إلى البحرِ على وجهِ الأرض. إنّ هذه النّسبةَ هي واحدٌ وسبعون بالمئة بحراً، وتسعةٌ وعشرون بالمئة بَرّاً، فإذا قسَّمت ثلاثةَ عشرَ على سِتّة وأربعين يكون الرّقْمُ مُساوياً لهذه النِّسْبة، فهل هذا الكلامُ كلامُ بَشَرٍ؟ كيف جاءَ عددُ آياتِ البَرِّ مع عددِ آياتِ البحرِ، مع نسبةِ آياتِ البَرِّ إلى مجموعِ آياتِ البرِّ والبحرِ، كيف جاءَتْ هذه النِّسْبةُ مطابِقةً لِنْسبةِ البَرِّ إلى البحرِ؟! هذا لَوْنٌ مِن إحكامِ القرآنِ الكريمِ، واصْطُلِحَ على تسميَتِهِ الإحكامَ الحِسابيَّ. لقد ذُكِرَ الشّهرُ اثنتي عشرةَ مرّةً بالتمامِ والكمالِ، هل هذا مصادفةٌ؟ هل هذا كلامُ بَشَرٍ؟ إنه كلّما مرَّتِ الأيامُ، وكلّما تقدّمَ العلمُ، وكلّما تقدَّمَتِ البحوثُ العِلْميّةُ يُكتشفُ في القرآنِ الكريمِ أوجهٌ للإعجازِ لم تكن معلومةً من قَبْلُ. هذا القرآنُ الكريمُ كلامُ اللهِ، وفضْلُ كلامِ اللهِ على كلامِ خلْقِه كَفَضْلِ اللهِ على خلْقِهِ، هذا القرآنُ الكريمُ، هو الكتابُ المقرّرُ، الذي نؤدِّي فيه جميعاً الامتحانَ، فهنيئاً لمن تعلَّمهُ، وهنيئاً لمَن قَرَأَه، وهنيئاً لِمَن علّمه، وهنيئاً لمن تعاملَ معه، وهنيئاً لِمَن جعلهُ دستوراً في حياته، وهنيئاً لمن أَخَذَ به، ولمن صدَّقه، ولمن عَمِلَ به، فالقرآنُ غنًى لا فقْر بَعْده، ولا غنًى دونه، وهو شافعٌ مشفّعٌ، وحَبْلُ اللهِ المتينُ.

стр. 354

فَلْنَعُدْ إلى هذا القرآنِ، ولنرجعْ إليه، فهو النَّبْعُ الأوّلُ للإسلامِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ هاذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ، وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى﴾ [طه: ١٢٣] ، وقال: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] . إنّ ألوانَ الإعجازِ لا تعدّ، ولا تُحصَى، وهذا بعضٌ مِن إعجازِ القرآنِ الكريمِ. تيار الخليج البحري إذا نَزلَ الإنسانُ إلى البحرِ فإنَّ قطراتِ الماءِ التي تمسُّ جلدَه ربّما تكونُ قد وصلتْ من توِّها بعدَ رحلةٍ استغرقَتْ عدَّة سنينَ، لأنّ الماءَ يجري في تياراتٍ من خطِّ الاستواءِ إلى القطبين، ومِن القطبين إلى خطِّ الاستواءِ، وقد يقطعُ مسافةٌ تزيدُ على خمسة عشرَ ألف كيلومتر، فهذا الماءُ الذي تجدُه في البحرِ ماءٌ متبدّلٌ يقطعُ رحلاتٍ طويلةً، بعضُها إلى الشمالِ، وبعضُها إلى الجنوبِ، وبعضُها إلى الشرقِ، وبعضُها إلى الغربِ، وهناك قوانينُ معقّدةٌ جدّاً تحكمُ حركةَ الماءِ في المحيطاتِ، ولكنّ الذي يَعنِينا أنَّ سبَبَ هذه الحركةِ في أصلِها أنَّ أشعَّةَ الشمسِ تسخِّنُ الماءَ الذي في خطِّ الاستواءِ فيتمدَّدُ، ويرتفعُ قرابةَ عشرينَ سنتمتراً، وهذا الارتفاعُ الطفيفُ يساهمُ في تشكيلِ تيارٍ نحوَ الشمالِ، وأنَّ الماءَ في القطبين يبردُ، ومع برودتِه يثقلُ فيغوصُ في الأعماقِ، ويتَّجهُ نحو خطِّ الاستواءِ، فهناك تياراتٌ سطحيّةٌ، وتياراتٌ عميقةٌ. هذه المقدّمة نريدُ أنْ نصلَ منها إلى أنّ مِن آياتِ الله الدالةِ على عظمتِه تيارَ الخليج، هذا التيارُ سرعتُه ثمانية كيلو متراتٍ في الساعة، فإذا دخلتْ فيه السفينةُ، وأطفأتَ محرّكاتِها فإنَّها تسيرُ ثمانية كيلو مترات في الساعة دونَ أنْ تعملَ محرّكاتُها.

стр. 355

عرضُ هذا التيارِ يزيدُ على ثمانين كيلو متراً، وعمقُه يزيد على أربعمئة وخمسين متراً، وهذا التيارُ كثافتُه أربعةُ ملايين طنٍّ من الماءِ في الدقيقةِ؛ ماذا يفعلُ هذا التيارُ؟ يُذيب مئةً وثلاثينَ ألفَ طنٍّ مِن الكُتَلِ الثلجيّةِ في القطبين في عشرةِ أيّامٍ، ولهذا التيارِ فوائدُ لا تُعدُّ ولا تُحصَى، إنَّه يجعلُ المنطقةَ الباردةَ في أوربة منطقةً معتدلةً، وهذه الأجواءُ اللطيفةُ في دولِ إسكندنافية سببُها تيارُ الخليجِ. وهناك تياراتٌ تجري في أعماقِ البحرِ، على عمقِ ثلاثةِ آلافِ مترٍ، والغواصاتُ إذا أطأتْ محرّكاتِها تنتقلُ من مكانٍ إلى آخرَ عَبْرَ هذا التيارِ، وهذا شيءٌ يَلفِتُ النَّظَر.

стр. 356

لكنّ الآيةَ الثانية الدالةَ على عظمةِ الله في هذا الموضوعِ هي: أنّ هناك تياراً بارداً يتَّجِه نحو شواطئ أمريكة الجنوبيّةِ لِيَصلَ إلى بلادِ البيرو والشيلي، ماذا يفعل هذا التيارُ؟ هذا التيارُ يحملُ كمّياتٍ كبيرةً من الأعشابِ البحريّةِ، وهذه الأعشابِ البحريّةُ تجتذبُ أعداداً فلكيّةً من أسماكِ السردين، هذه الأسماكُ هي غذاءٌ لعشراتِ الملايينِ من طيورٍ تعيش على شواطئ هذه البحارِ اسمُها غرابُ البحرِ، وهذه الطيورُ لها مخلّفاتٌ، تُعدُّ المادَّةَ الأولى لِدَخْلِ تلك الشعوبِ، لأنّ أرقى أنواعِ الأسمدةِ في العالَمِ من مُخلَّفاتِ هذه الطيورِ، خمسون مليونَ طائرٍ تؤخذُ مخلّفاتُها بالجرافاتِ، وتُصَدَّر إلى شتَّى أنحاءِ العالمِ، وهذه الأُممُ والشعوبُ في شواطئ أمريكا الجنوبيّةِ دَخْلُها الأوّلُ والأخيرُ مِن مخلّفاتُ الطيورِ التي تعيشُ على أسماكِ السردينِ، وتَلْتَهِمُ في العام بِتَقديرِ العلماءِ ما يزيدُ على ثلاثة ملايين طنٍّ من هذه الأسماكِ، وهذه الأسماكُ تُجتَذبُ إلى هذا المكانِ بِفِعْل الأعشابِ التي يحملُها هذا التيارُ، ولحكمةٍ يريدُها الله أنه يُغَيِّرُ مسارَ هذا التيارِ مِن حينٍ لآخرَ، فإذا غيَّرَ مسارَه لم يأتِ بهذه الأغذيةِ لهذه الأسماكِ، فتموت، وتموت معها الطيور، وعندئذٍ يعاني الشعبُ من حينٍ إلى آخرَ مِن مجاعاتٍ قاتلةٍ بسببِ ضعفِ إنتاجه، أليْسَت هذه آيةً دالّةً على أنَّ اللهَ هو الرزاقُ ذو القوَّةِ المتينُ، يسوقُ هذا التيارَ بما فيه من ذو القوَّةِ المتينُ، يسوقُ هذا التيارَ بما فيه من أعشابٍ مغذِّيةٍ، وتأتي هذه الأسماكُ بأرقامٍ فلكيّةٍ، فتستهلِكُ منها الطيورُ ثلاثةَ ملايين طنّ في العام، وهذه الأسماكُ هي طعمةُ الطيورِ، والطيورُ لها مخلّفاتٌ، ومخلّفاتها أرقى أنواعِ الأسمدةِ، تُصَدَّرُ إلى مختلفِ بلاد العالمِ، فيكاد دخلُ هذه الشعوبِ ينحصرُ في مخلّفاتِ الطيورِ، وهذا بسببِ هذا التيارِ الباردِ الذي يأتي إلى شواطئ أمريكة الجنوبيّة.

стр. 357

هناك مَن يقدِّر أنّ أكثرَ من خمسين مليون طائرٍ يعيش على هذه الشواطئ لِيَلْتَهِمَ هذه الأطنانَ الكثيرةَ مِن أسماكِ السردين، وتتركُ هذه المخلّفاتِ التي تُصدَّر إلى أكثرِ بلادِ العالمِ، هذا تيارُ الخليجِ الحارُّ، وذاك التيارُ الباردُ، وهذا تيارُ السطح، وذاك تيارُ الأعماقِ، ولحركةِ الماءِ في البحارِ موضوعٌ دقيقٌ، وطويل، ومعقَّد، وقد ذكرتُ منه بعضاً. وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَه آيةٌ ... تدلُّ على أنّه الوَاحِدُ مَن رَزَقَ هذه الأسماكَ؟ وتلك الطيورَ؟ إنه اللهُ ﷻ ، مَن رَزَقَ الناسَ بِمُخلّفاتِ الطيورِ، وعاشوا على دخلٍ كبيرٍ؟ هذا تقديرُ الرزَّاقِ العليمِ. إذا أردتَ أنْ تقفَ أمامَ عظمةِ الله فهذا الكونُ أمامك بسمائِه، وأرضِه، وببِحاره، وبأسماكِه، وأجوائِه، وبأطيارِه، وبجبالِه، وبوِدْيانِه، بِنَباتاته، بِحَيواناته، بِخَلقِ الإنسانِ، إنه أقصرُ طريقٍ إلى اللهِ، وأوْسعُ بابٍ إلى معرفته، قال : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] . ماء زمزم طعام طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ لقد وصفَ النبيُّ ﷺ ماءَ بئرِ زمزمَ فقال: "إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ"، وفي روايةٍ عندَ البزَّار بسندٍ صحيحٍ عن أبي ذرٍّ: "وَشِفَاءُ سُقْمٍ". وعن ابن جريجٍ ﵀ قال: سمعتُ أنه يُقَالُ: (خَيْرُ مَاءٍ فِي الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ ... ) . وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ"، وزاد الدارقطني في سنَنِه من حديث ابنِ عباسٍ ﵄ مرفوعاً: "فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ الله، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ أَشْبَعَكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ اللهُ، وَهُو هَزْمَةُ جِبْرِيلَ - أي حفْرُه - وَسُقْيَا اللهِ إِسْمَاعِيلَ".

стр. 358

وأخرج ابن ماجه في المناسك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَالِساً، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ زَمْزَمَ، قَالَ: فَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَتَنَفَّسْ ثَلاَثاً، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَاحْمَدِ اللهَ ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُمْ لا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ". وقد حرصَ الصحابةُ والتابعونَ وكثيرٌ مِن علماءِ الأُمَّةِ وعامَّتِها على التَّضَلُّع مِن ماءِ زمزمَ، أي أنْ تملأَ الضلوعَ منهُ، معَ استحضارِ نيَّاتٍ معينةٍ عند الشُّربِ منه؛ لأنّ الدعاءَ مستحبٌّ عند الشربِ من ماءِ زمزمَ، فزمزمُ لِمَا شُرِبَ له، وقد رُوِي عن جابر أنه إذا شربَ ماءَ زمزم دعا فقال: (اللَّهُمَّ إِنَّي أَشْرَبُهُ لِظَمَأ يَوْمِ القِيَامَةِ) . ووردَ عن ابنِ عباس ﵁ أنه كان إذا شرِبَ ماء زمزم قال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً، وَرِزْقاً وَاسِعاً، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ) . قال بعضُ العلماءِ: "مَاءُ زَمْزَمَ سَيِّدُ الْمِيَاهِ، وَأَشْرَفُهَا، وَأَجَلُّهَا قَدْراً، وَأَحَبُّهَا إِلَى النُّفُوسِ، وَأَغْلاهَا ثَمَناً، وأَنْفَسُهَا عِنْدَ النَّاسِ". هذا ما في السنةِ الصحيحةِ والحسنةِ، والأثرِ عن ماءِ زمزمَ، فماذا في العلمِ وتحليلاتِه الدقيقةِ عن ماءِ زمزمَ؟. أُجرِيتْ في عامِ (١٩٧٣) ، وفي عام (١٩٨٠) تحاليلُ كيميائيةٌ من قِبَلِ شركاتٍ عالَميةٍ عملاقةٍ ومتخصصةٍ، فكانت النتائجُ عجيبةً، حيثُ إنّ مياهَ زمزمَ خاليةٌ تماماً مِن أيِّ نوعٍ مِن أنواعِ الجراثيمِ المسبِّبةِ للتلوُّثِ.

стр. 359

وتعدُّ المياهُ معدنيةً - ويتهافت الناسُ على شرائِها - إذا كانتْ نسبةُ أملاحِ المعادنِ فيها من (١٥٠) إلى (٣٥٠) ملغ في اللتر، أمّا مياهُ زمزمَ فتبلغُ نِسَبُ المعادن فيها (٢٠٠٠) ملغ في اللتر، ومِن أبرزِ هذه الأملاحِ المعدنيةِ الكالسيوم، والصوديوم، والمغنزيوم، والبوتاسيوم وغيرها. ويُعَدُّ ماءُ زمزمَ مِن أغنَى مياهِ العالَمِ بعنصرِ الكالسيوم، إذ تبلغُ نسبتُه فيه مئتي ملغ في اللتر الواحدِ، لقد صَدَقَ رسولُ الله ﷺ حينما قال: "إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ". وقد دلَّتِ البحوثُ العلميةُ الحديثةُ الصحيحةُ على أنّ أمراضَ شرايينِ القلبِ التاجية أقلُّ حدوثاً عند الذين يشربون مثلَ هذه المياه، ولقد صدّقَ رسولُ الله ﷺ حينما قال: "شِفَاءُ سُقْمٍ". وتُعَدُّ المياهُ غازيَّةً هاضمةً إذا احتوتْ ما يزيد على (٢٥٠) ملغ في اللتر مِنَ البيكربونات، ومِن أشهرِ المياهِ الغازيَّة في العالَم مياهُ نَبْع (إِفْيَان) في فرنسا، إذ تبلغُ نسبةُ البيكربونات في (٣٥٧) ملغ في اللتر، أمَّا ماءُ زمزم فنسبةُ البيكربونات فيه (٣٦٦) ملغ في اللتر الواحدِ، ولقد صدّقَ رسولُ الله ﷺ حينما قال: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ". يذكر بعضُ علماءِ الطبِّ أنَّ المياهَ المعدنيةَ تفيدُ في علاجِ كثيرٍ مِنَ أمراضِ الروماتيزم، وزيادةِ حموضةِ المعدةِ، والإسهالِ المزمِنِ، وعُسْرِ الهضمِ، وهي ذاتُ تأثيرٍ مُدِرٍّ، ومُلَيِّنٍ، ومرمِّمٍ لنقصِ المعادنِ في الجسمِ، ولقد صدقَ رسولُ الله ﷺ حينما قال: "فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ الله، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ أَشْبَعَكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ اللهُ". إنّ ماءَ زمزمَ ليس عذباً حلواً، بل يميلُ إلى المُلوحةِ، وإنّ الإنسانَ لا يشربُ مِن هذا الماءِ الذي يميلُ إلى الملوحةِ إلا إيماناً بما فيه مِنَ البركةِ، فيكونُ التضَلُّعُ منه دليلاً على الإيمانِ.

стр. 360

ولعلّ اللهَ لم يجعلْه عذباً حتى لا تُنْسِيَ العذوبةُ فيه معنى التعبّدِ عند شُربِهِ، لكنَّ طعمَه على أيِّ حال مقبولٌ، ولقد صدقَ رسولُ الله ﷺ حينما قال: "إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُمْ لاَ يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ". والآن نسأل: ما المؤسَّساتُ العلميةُ العاليةُ التي كانتْ على عهد النبيِّ ﷺ ، والتي أعطتْهُ هذه الحقائقَ المدهِشةَ عن ماء زمزمَ؟ ومَن هي هيئاتُ البحوثِ المتخصصةُ التي تَوَصَّلَتْ إلى هذه النتائجِ الدقيقةِ عن هذا الماء؟ وما نوعُ المخابرِ العملاقةِ التي حَلَّلَتْ، واستنتجتْ نِسَبَ أملاحِ المعادنِ في ماءِ زمزمَ بدقةٍ بالغةٍ، والتي اعتمد عليها النبيُّ ﷺ في أحاديثه عن هذا الماءِ المبارَكِ؟ إنّه الوحيُ، وما ينطق رسول الله ﷺ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحى. قال الإمام ابن القيم: "وقد جرَّبتُ أنا وغيري مِن الاستشفاءِ بماءِ زمزمَ أموراً عجيبةً، واستشفيتُ بهِ من عِدَّةِ أمراضٍ، فبرأْتُ بإذنِ اللهِ، وشاهدتُ مَن يتغذَّى به الأيامَ ذواتِ العددِ قريباً من نصفِ الشهرِ، أو أكثر، ولا يجدُ جوعاً، ويطوفُ مَعَ الناسِ كَأَحَدِهم، وأخبرني أنّه ربما بَقِيَ عليه أربعين يوماً ... ويصومُ، ويطوفُ مراراً". نسأل اللهَ أنْ يسقيَنا من حوضِ نبيّه الكريمِ يومَ القيامة، يومَ العطشِ الأكبرِ شربةً لا نظمأُ بعْدَها أبداً. النبات أثر القرآن في تقويم سلوك النبات

стр. 361

ثمَةَ باحثٌ من دولةٍ عربيةٍ مجاورة عُرِف بإنتاجِه العلميِّ والعمليِّ على المستويين العربي والدولي، اختصاصُه في علم فزلجةِ النباتِ، وهو أستاذٌ جامعي له وزنُه العلميُّ، وقد اشتهرَ بتجارِبه العمليةِ الرائدةِ، أمّا التجربةُ التي سنعرِض لها فربما لا تصدقونها، إلا أنّ الواقعَ أَثْبَتَها، ويؤكِّدُها قولُه : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولاكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء: ٤٤] ، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] ، وقوله: ﴿هُوَ الله الخالق البارىء المصور لَهُ الأسمآء الحسنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ [الحشر: ٢٤] ، فـ (مَا) في هذه الآيةِ لغيرِ العاقلِ، وقوله: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] . يقولُ هذا الباحثُ: النباتاتُ كالأجرامِ السماويةِ، وكمخلوقاتِ اللهِ الأخرى تشعرُ، وتسمعُ، وتستجيبُ سلباً أو إيجاباً لِمَا حَوْلَها مِن مؤثِّراتٍ خارجيةٍ، هذا مُلخَّصُ البحثِ.

стр. 362

وأمّا مفصَّلُه فقد أَجرَى هذا الباحثُ في حديقةِ كُليّةِ العلومِ تجربةً عام ١٩٩٧، فَنَصَبَ أربعةَ بيوتٍ بلاستيكيةٍ موحَّدةٍ في حجمِها، مَلأَها بكمياتٍ متساويةٍ من الترابِ، وَزَرَعَ فيها قمحاً مِن نوعٍ معيَّن، وغرسَ فيها بذورَ الحنطةِ على عمقٍ واحدٍ، وتمَّ تسميدُها جميعاً بكمياتٍ متساويةٍ مِن سمادٍ معيَّنٍ، وسُقِيَتْ جميعاً بالعددِ ذاتِه مِن السُّقْيَا، وبكمياتِ متماثلةٍ من الماءِ، ثم اختارَ إحدى طالباتِه لتقرأَ السورَ القرآنيةَ التالية: (يس، والفاتحةَ، والإخلاصَ، وآيةَ الكرسيّ) ، مرتين في الأسبوعِ على البيتِ الأولِ، وفي البيتِ الثاني كلَّفَ طالبةً أنْ تأتيَ بنباتٍ وتمزِّقَه، وتعذَّبَه أمامَ النباتِ المغروس، وأنْ تقطعَ أوصالَه، وأنْ تذْكُرَ كلماتٍ قاسيةً نابيةً أمامَ هذا النباتِ، مرتين في الأسبوعِ أيضاً، وكلَّفَ طالبةً ثالثةً بضربِ النباتِ الثالثِ وَكَيِّهِ، وتعريضِ وُرَيْقَاتِه للقصِّ، فهناك نباتٌ عُذِّبَ أمامه نباتٌ آخرُ، ونباتٌ تَلَقَّى التعذيبَ، ونباتٌ قُرئتْ أمامه آياتٌ من كتابِ الله، أمّا البيتُ الرابعُ فَتَرَكَه ينمو نمواً طبيعياً، وأطلقَ عليه اسمَ (البيت الضابط) .. فماذا كانت النتيجةُ؟. كانت النتيجةُ التي عَرَضَهَا في مؤتمرٍ علميٍّ أنّ نباتَ البيتِ الذي قُرِئ أمامه القرآنِ الكريمِ ازداد طولُه أربعةً وأربعين بالمئة على طولِ النباتِ الضابطِ في البيتِ الرابعِ، وازدادتْ غَلَّتُه مئةً وأربعين بالمئة على غَلَّةِ البيتِ الرابعِ الضابطِ، أما البيتُ الثاني والثالثُ اللذان تحمّلا التعذيبَ، أو رَأَيَا التعذيبَ فقد تدنَّى طولُهما خمسةً وثلاثين بالمئةِ، وهَبَطَ إنتاجُه إلى ثمانين بالمئةِ، وهذا تفسيرٌ علميٌّ للبركةِ، فحينما يزرعُ المؤمن يقرأ القرآنَ بنفسٍ طيبةٍ، ويذكرُ اللهَ دائماً، فهذا الذِّكرُ أمامَ النباتِ يزيدُ في الغَلَّةِ.

стр. 363

يقولُ هذا العالِمُ: "إنّ الدُّنُمَ الواحدَ الآن يعطِي ألفاً وخمسمئة كيلو، وكان مِن الممكنِ أنْ يعطيَ أربعةَ عشرَ طناً بالآية الكريمة: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وقد نستغربُ أنّ هذا النباتَ يستمعُ إلى القرآنِ، ويستجيبُ له، فَلِمَ تعجبون؟ فإنّه ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هاذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] ، فأيُّهما أقربُ إلى الحياةِ النباتُ أم الجبلُ؟ هذا القرآنُ الكريمُ أُنزلَ على النبيِّ ﷺ ليكونَ منهجاً لنا، فالإنسانُ الذي أُنزِلَ القرآنُ من أجلِه غَفَلَ عنه، ولكنّ النبات استجابَ له، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولاكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء: الآية ٤٤] ، وقال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هاذا القرآن على جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١]- لا على نبات حيٍّ - ﴿لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] ، وقال سبحانه تعالى: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] . فإذا كان هذا شأنَ النباتِ مع القرآنِ الكريمِ، فهل يُعقَل مِن هذا الإنسانِ، وهو المخلوقُ المكرَّمُ، والمعنيُّ الأولُ أنْ يَغفلَ عن هذا القرآنِ الذي يهدِي للتي هي أَقْوَم، حتّى يَصدُقَ على المسلمين قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هاذا القرآن مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: ٣٠] . النباتات مهمتها تخزين الماء

стр. 364

إنّ بعضَ النباتاتِ في الصّحراءِ مهمّتُها الأساسيّةُ تخزينُ الماءِ، فالمسافرُ في الصّحراءِ يحتاجُ إلى الماءِ بالدرجةِ الأولى، ولذلك فإنّ بعضَ النباتاتِ في الأراضي القاحلةِ، وفي الأراضي الجافّةِ تستطيعُ أنْ تختزِنَ في جَوْفِها الماء، ويستطيعُ الإنسانُ أو الحيوانُ أنْ يأخذَ حاجتهُ مِنَ الماءِ حينما يقْطَعُ بعضَ أطرافِ أغصانِها، عندئذٍ ينسابُ إليه الماءُ العذبُ الزلالُ مِن هذا النباتِ الذي خُلِقَ لِيَكون مُستوْدعاً لك - أيُّها الإنسانُ - في طريقِك، هذه النباتاتُ تختزنُ كمِّياتٍ كبيرةً من الماءِ في نُسجٍ خاصّةٍ تُدعى هذه النّسجُ النسيجَ المُدَّخِرَ للماءِ، وهذا النسيجُ في قلبِ أعضاءِ النباتِ، وهو كالإسفنجِ، ويصلُ هذا المخزونُ في بعضِ الأحيانِ إلى ثلاثةِ آلافِ لترٍ في فصْلِ الجفافِ، هذا خلْقُ اللهِ، خلقٌ تامٌّ، وخلقٌ كامِلٌ، كلُّ حاجاتِ الإنسانِ مَوْفورةٌ، أمّا الفسادُ فيظهرُ حينما نقطعُ الغاباتِ، ونفسِدُ الصحراءَ، وحينما نلوّثُ المياهَ، وحينما نلوّثُ الجوِّ تظهرُ الأمراضُ، وتظهرُ الحالاتُ غيرُ الصحيحةِ. إنّ موضوعَ التلوُّثِ موضوعٌ خطيرٌ، يندرجُ تحت قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥] . انجذاب النبات إنّ النباتَ ينجذبُ إلى الضوءِ، فلو وضعتَ نباتاً في غرفةٍ، ولهذه الغرفةِ نافذةٌ واحدةٌ، ترى أنّ أغصانَ النباتِ، وأوراقَ النباتِ تتّجهُ إلى تلك النافذةِ التي يأتي منها الضوءُ، ولكنّ الأدقَّ مِن ذلك أنّ أوراقَ الشجرِ تنتظمُ بشكلٍ رائعٍ، حيثُ تواجِه كلُّها أشعةَ الشمسِ، فقلَّما تتداخلُ أوراقُ الأشجارِ فيما بينها، وإذا تداخلتْ فإلى حدٍّ أدنى مِن التداخلِ، لا بد مِن أنْ تتّجهَ أوراقُ الأشجارِ جميعُها إلى أشعةِ الشمسِ، فمَن أَوْدَعَ في هذا النباتِ هذه الخاصَّةَ؟ ﴿أإلاه مَّعَ الله﴾ [النمل: ٦٣] .

стр. 365

شيءٌ آخرُ: جاؤوا بنباتٍ، ووضعوهُ بشكلٍ أُفُقِيٍّ في أنبوبٍ، فإذا بالجذرِ يتّجهُ نحو الأسفلِ، وبالساقِ يتّجهُ نحو الأعلى، فالجذرُ يتجهُ نحو الرطوبةِ والماءِ، والساقُ يتّجِهُ نحو الشمسِ والهواءِ، فمن الذي جَعَلَ هذا النباتَ يتجهُ جزءٌ منه نحو أشعةِ الشمس، وجزءٌ يتجهُ نحو الأرضِ ﴿أإلاه مَّعَ الله﴾ . أمْرٌ آخر: هناك أشجارٌ يصلُ طولُ جذورِها إلى ثلاثينَ متراً بحثاً عن الماءِ، فمَن أودعَ في النباتِ هذه الخاصيَّةَ؟ الساقُ يتجهُ نحو الأعلى، والجذرُ يتجهُ نحو الأسفلِ، فلو كان الماءُ في طرفٍ مِنَ التربةِ دون طرفٍ لاتجهتِ الجذورُ نحو الماءِ، وهي في باطنِ الأرضِ، ولو كان الساقُ متجهاً نحو الأعلى، وكان الضوءُ من جهةٍ أخرى لاتجهتِ الأغصانُ نحو الضوءِ، والسؤال: هل المادةُ عاقلةٌ؟ إنّ ظاهرةَ النباتِ وحْدَها تلفتُ النظرَ، فإنّ الانجذابَ نحو الضوءِ، والانجذابَ نحو الماءِ، والانجذابَ نحو الأرضِ للجذورِ، ونحو السماءِ للفروعِ آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه. هناك ظاهرةٌ في النباتِ تؤكِّدُ عظمةَ اللهِ، حيث إنّ النباتَ إذا عطشَ ينبغي أنْ يستهلكَ ماءَ الجذورِ، ومع ذلك فهو لا يستهلكُ إلا ماءَ الأوراق، وبعد أنْ يستهلكَ ماءَ الأوراقِ يستهلكُ ماءَ الأغصانِ، وبعد أنْ يستهلكَ ماءَ الأغصانِ يستهلكُ ماءَ الفروعِ، وبعد أنْ يستهلكَ ماءَ الفروعِ يستهلكُ ماءَ الجذعِ، وبعدَ أنْ يستهلكَ ماءَ الجذعِ يستهلكُ ماءَ الجذورِ، فآخِرُ ماءٍ يستهلِكُه النباتُ حينما يُمنعُ من الريِّ هو ماءُ الجذور، فقد ينسى الفلاحُ أنْ يسقيَ الشجرةَ أياماً طويلةً، وقد تشحُّ السماءُ بماءِ الأمطارِ، لكنّ هذا النباتَ لا يستهلكُ إلا الماءَ الذي لا يضرُّ عدمُ وجودِه، وآخِرُ ماءٍ يستهلكُه النباتُ هو ماء الجذورِ، فإذا استهلك ماءَ الجذورِ، ويبستِ الجذورُ يبسَ النباتُ، وماتَ. أَيُّ حكمةٍ وراءَ هذه القاعدةِ؟ ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .

стр. 366

إنّ كلَّ شيءٍ في الأرضِ يدلُّ على عظمةِ اللهِ، ويدلُّ على حكمةِ اللهِ، ويدلُّ على علمِ اللهِ، ويدلُّ على رحمةِ اللهِ، ويدلُّ على فضلِ اللهِ . معامل الورق الأخضر ليس منا أَحَدٌ إلا ورأى الأرضَ في فصلِ الربيعِ، وقد ازْدانَتْ، وارْتَدَتْ حلَّةً قشيبةً، حيث الأشجارُ مزهرةٌ مثمرةٌ، وبعضُها قد أوْرق، والأرض بِساطٌ أخضرُ، فهل تفكَّرنا في هذه الآيةِ التي أشارَ اللهُ إليها بقوله : ﴿وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وجنات مِّنْ أَعْنَابٍ والزيتون والرمان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] . أنْ تصبحَ الأرضُ مخضرّةً فهذا مِن آياتِ اللهِ تعالى، أنْ تصبحَ هذه الشجرةُ، وقد ارتَدَتْ هذه الحلّةَ القَشيبَةَ فهذا من آيات الله تعالى، أنْ تنبت أنواعُ الأزهار فهذا مِن آياتِ اللهِ تعالى، واللهُ يقولُ أيضاً: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤-٣٢] . فهذا الذي يذهبُ إلى نزهةٍ، ولا يعنِيه إلا أنْ يستمتعَ بالمناظرِ الجميلةِ، دونَ أنْ يسبّحَ اللهَ ، ودونَ أنْ يرى في هذا الفصلِ آيةً كبرى دالّةً على عظمتِه فهو إنسانٌ غافلٌ عن القرآن الكريم، فهذه آيةٌ كريمةٌ تلفِتُ النَّظَر، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] . قد يسألُ سائلٌ: هذا الشّجرُ الأخضرُ لا يحترقُ إلا إذا كان يابساً، فكيف يقولُ اللهُ تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ ؟.

стр. 367

اكتشفَ العلماءُ أنّ الخليّةَ الخضراءَ الواحدةَ تقومُ بِبِناء عشرينَ مركَّباً عُضويّاً في دقيقة واحدةٍ إذا عُرِضَتْ لأشعّةِ الشمسِ، فالنباتُ يتغذّى بالماءِ، وبعضِ الموادِّ المعدنيّةِ والعضويّةِ، وأكثرُ ما يأخذ مِن الهواءِ غازَ الفحْمِ، الذي يُسهِمُ في تكوينِ بنيةِ النباتِ، فإنّ بنيةَ النباتِ لا كما يتوهّمُ الإنسانُ أنّها تَتَأتّى مِن الترابِ، بل تتأتّى من المعملِ العظيمِ الذي أودعهُ اللهُ في الأوراقِ الخُضرِ، فكأنّ الله حينما قال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ ، أشار بذلك إلى أنّه لولا الأوراقُ الخضراءُ في النباتِ لَمَا كان الشّجرُ، وهذه الصّفةُ مترابطةٌ مع الموصوفِ ترابطاً وُجوديّاً، ولولا عملياتُ البناءِ التي تجرِي في الورقةِ الخضراءِ إذا تعرَّضتْ لأشعةِ الشمسِ والهواءِ لَمَا كان نباتٌ، فلو زرعْنا نباتاً في ظلامٍ لم ينبت، ولو لم يتعرّضْ لأشعّة الشمسِ لم يَنْمُ، فهذه الأشجارُ الباسقةُ، وهذه الجذوعُ الكبيرةُ التي تزنُ الأطنانَ إنّما هي نتيجةٌ لِتَفاعلٍ دقيقٍ يجري في أوراقِ الأشجارِ. هذا السؤالُ يَرِدُ، كيف يقولُ اللهُ : ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ ؟. إنّ الشجرَ الأخضرَ لا يحترق! ولكنّ الشجرَ اليابسَ هو الذي يحترقُ، لكنْ هذا إشارةٌ إلى أنّ هذا الشجرَ ما كان له أن يكون شجراً لولا أنّ الله زوَّده بهذه المعامل التي لا تُعدّ ولا تحصى، وإنّ كلَّ خليّةٍ في كلّ ورقةٍ معملٌ ينتِجُ الموادَّ العضويّةَ التي تُسهِمُ في نموّ النباتِ، وفي ازديادِ حجْمِه، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﵊: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْراً، وَصَمْتِي فِكْراً، وَنَظَرِي عِبْرَةً"، فإذَا تنزَّه الإنسانٌ فيجب ألا يكونَ غافلاً عن آياتِ الله، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .

стр. 368

هذه الشجرةُ يراها الإنسانُ في الشتاءِ حطباً، ثم يأتي الربيع فيراها قد أزهرتْ، فمِنْ أين جاءها الزّهرُ؟ وبعدَ الزّهرِ تأتي البراعمُ، وبعد البراعمِ تأتي الأوراقُ، هذا فِعْلُ من؟ ويدُ مَن؟. وإذا رأيْتَ النبْتَ في الصحراءِ يربو وحدَه فاسأْلهُ مَنْ أَرْبَاكَ؟ من جعلك تنمو؟ إنه الله خالقُ كل شيءٍ، ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] . اليخضور في النبات يقال: إنَّ أعظمَ معملٍ صَنَعَه الإنسانُ لا يرقَى إلى ما يجرِي داخلَ الورقةِ الخضراءِ، فماذا في الورقة؟ إنّ في الورقةِ مادةً اسمُها اليخضورُ، إذا تعرّضَتْ هذه المادةُ لأشِعَّةِ الشمسِ تَحَوَّلَتْ جزيئاتُ اليخضورِ إلى مُفاعلٍ حراريٍّ جبَّارٍ، يقومُ بشطرِ جزيئاتِ الماءِ التي في الورقةِ، وإذا انشطرتْ جزئياتُ الماءِ التي في الورقةِ تَحَلَّلتْ إلى أوكسجين، وإلى هيدروجين. وبالمناسبةِ لو أَرَدْنَا أنْ نشطرَ نحن بالوسائلِ الماديةِ جُزيئاً من الماءِ إلى هيدروجين وأكسجين لاحْتَجْنا إلى طاقةٍ تساوِي تسخينَ الماءِ ألفين وخمسمئة درجةٍ، وإنّ الإنسانَ يتنفَّسُ الأكسجينَ باستمرارٍ، وكذلك النباتُ، والحيوانُ، فكيف تبقى النسبةُ ثابتةً؟ تقولُ بعض الإحصائياتِ العلميةِ: إنَّ المجموعَ الخضرِي في الأرضِ يُحَوِّلُ مئةَ بليونِ طُنٍّ من الفحمِ مع خمسةٍ وعشرينَ بليونَ طُنٍّ من الهيدروجين إلى موادّ غذائيةٍ، وإلى مئةِ بليونِ طنٍّ من الأكسجينِ، من أجلِ أنْ يبقى الهواءُ ذا نِسَبٍ نظاميةٍ من حيث الأكسجينُ، والآزوتُ، وغازُ الفحم.

стр. 369

مِن الثابتِ أنّ الطَّاقةَ التي تنتِجُها عملياتُ التحليلِ اليخضوريِّ تساوي عشرةَ أضعافِ الطاقةِ التي يستهلِكُها الإنسانُ في العالَمِ كلِّه كلَّ عامٍ، فأوراقُ شجرةٍ واحدةٍ متوسطةِ العُمُرِ تصنعُ في الساعةِ الواحدةِ كيلو غراماً من الموادِ الغذائيةِ، ويتحوَّلُ هذا الناتجُ الغذائيُّ في أثناءِ الليلِ إلى سكرٍ يغذِّي النباتَ، أو يخزَّن على شكلِ نشاءٍ احتياطيٍّ في النباتِ، قال الله تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] . وكلمةُ ﴿الأخضر﴾ تفيدُ اليخضورَ؛ لأنّ هذه الورقةَ في كلِّ شجرةٍ معملٌ عظيمٌ، يؤدِّي عملاً جباراً لا يستطيعُ الإنسانُ تصوُّرَهُ. البذور وأنواعها إنّ اللهَ سبحانه جَلَّتْ حكمتُه جَعَلَ البذرةَ أساساً لحياةِ النباتِ، وجعلَ البذْرةَ أساساً لتكاثُرِها، ففي البذرةِ عالَمٌ كبيرٌ، لو اطَّلَعْنا عليه لخَشَعَتْ قلوبُنا. إنّ البذرةَ يتبايَنُ حجمُها مِن جوْزةِ الهندِ الكبيرةِ، التي هي بذرةٌ إلى بذارٍ يزيدُ عددُ ما في الغرامِ منها على سبعينَ ألفَ بذرةٍ! إنها كالغبارِ، ولكنّ القاسِمَ المشتركَ بين كلّ البذورِ أنّ في كلّ بذرةٍ كائناً حيّاً، إنّه الرُّشَيمُ، ولهذا الكائنِ الحيِّ غذاءٌ مدروسٌ، ومحدودٌ، وموزونٌ، فإنْ شئتَ أن تعرفَ شيئاً عنه فائْتِ بِبَعضِ حبّاتِ الفاصولياءِ أو الحِمِّصِ، وضَعْهَا على قُطنٍ مُبَلَّلٍ، وانظرْ كيف أنّ هذا الرُّشيمَ الحيَّ ينمو إلى سُوَيقٍ، وإلى جُذَيرٍ، وحجمُ الحِمِّصِ يكفي لِتَغذيةِ هذا الرُّشيمِ إلى أنْ يصبحَ الجذرُ قادراً على امتصاصِ الغذاءِ مِن التربةِ.

стр. 370

أمّا الشيءُ الذي يأخذُ بالألبابِ فهو أنّ هذه البذورَ لها أحوالٌ شتّى، بعضُ هذه البذورِ مجنَّحَةٌ، لها أجنحةٌ، تطيرُ مئات الكيلو متراتِ، تطيرُ فتنقلُ الاخضرارَ من بلدٍ إلى بلدٍ، إنّ الرياح تنقلها، وتقطع بها مئاتِ الكيلومتراتِ لِتُزْرعَ زراعةً طبيعيّةً في أراضٍ رطْبةٍ، فَتَنبُتُ الأشجارُ ذاتُ البهجةِ والجمالِ، وبعضُ هذه البذورِ لها زغَبٌ كَزَغَبِ الصوفِ، تطيرُ أيضاً في الهواءِ، ولكن لِمَسافاتٍ قصيرةٍ، فالتي خُلِقَتْ لِتَنتقلَ عبْرَ القارّاتِ، وعبْر مئات الكيلومتراتِ لها أجنحةٌ، أما التي خُلقَتْ لِتَنتقلَ عبْرَ مسافاتٍ فلها زُغاباتٌ كَزُغاباتِ الصّوفِ. ومِن البذورِ ما لها غلافٌ عازلٌ لا تتأثَّرُ بالماءِ، تنتقلُ عبْرَ الأنهارِ، وعبْرَ السّيولِ، من مكانٍ إلى آخرَ، إنّها مغلّفةٌ تغليفاً محكماً عازِلاً، حيثُ لا تؤثّرُ خُصوبةُ الماءِ في نموِّ الرُّشَيمِ. وإنّ مِن البذورِ ما لها أشواكٌ تلتصقُ بجسمِ بعضِ الحيواناتِ لتنتقلَ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، وإنّ بعضَ البذورِ فيها مادّةٌ لاصقةٌ تلتصقُ بأرجلِ بعضِ الطّيورِ لِتَنتقلَ عبْرَ هجرتِها من بلادٍ إلى بلادٍ. وإنّ مِن البذورِ ما هي مودَعَةٌ في غلافٍ ينفجرُ في بعضِ الظروفِ الطبيعيّةِ، فإذا انفجرَ هذا الغلافُ تناثرَتِ البذورُ. وإنّ مِن البذورِ، ولا سيّما البذورُ الرّعويّةُ ما هي موضوعةٌ في محفظةٍ، والمحفظةُ فوق لوْلبٍ، فإذا وقعَ اللّوْلبُ على الأرضِ ساهَمَتِ الرّيحُ في غرسِهِ في الأرضِ، ثمّ تنتقلُ البذورُ عبْرَ هذا اللّوْلبِ إلى باطن الأرضِ، وهذا يتمُّ مباشرةً من دونِ تَدَخُّلِ الإنسانِ. الشيء المدهِشُ أنّ بعضَ النباتاتِ التي تنمو في الصّحراءِ، أو تنمو في الباديةِ، يزيدُ طولُ جذْرِها على سبعة عشر متراً نحو أعماقِ الأرضِ لِتَمتصَّ الرّطوبةَ منها.

стр. 371

هذا هو خلْقُ اللهِ، في أماكنِ الجفافِ، في أماكنِ الأمطارِ القليلةِ، حيث الحاجةُ إلى نباتاتِ تتحمَّلُ الجفافَ، تكون جذورُها ذاتَ وضْعٍ خاصٍّ، إنّها تضربُ في أعماقِ التربةِ إلى ما يزيدُ على سبعة عشر متراً، كي تأخذَ الرّطوبةَ من الأرضِ، إنّ لهذه النباتاتِ زغاباتٍ تلتقِطُ الرّطوبةَ من الجوِّ، ﴿هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] ؟ بذورٌ لها أجنحةٌ، وبذورٌ لها زغاباتٌ، وبذورٌ لها غلافٌ عازلٌ للماءِ، وبذورٌ لها أشواكٌ، وبذورٌ فيها مادّةٌ لاصقةٌ، وبذورٌ مودَعَةٌ في كيسٍ ينفجِرُ في بعضِ الأحيانِ، وبذورٌ تضرِبُ جذورُها في أبعادٍ كبيرةٍ كي تأخذَ الرّطوبةَ. إنّ البذارَ وحدهُ آيةٌ كبرى مِن آياتِ اللهِ تعالى على عظمتِه. البذور وتحملها لعوامل التعرية إنّ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه أنَّك ترى الأرضَ قاحلةً جرْداءَ، وترى الأرضَ تراباً، وتَمضِي عليها سنواتٌ تلْو سنواتٍ، سنواتٌ سبعٌ، أو سنواتٌ عشرٌ، ولا ترى في هذه الأرضِ إلا الرّمالَ، ولا ترَى في هذه الأرضِ إلا الترابَ، فإذا جاءتْها الأمطارُ الغزيرةُ أنْبتَتِ النباتاتِ، والأزهارَ، والأعشابَ ما تحارُ فيهِ العُقولُ! ألَمْ يخْطُر بِبَالِكَ هذا السّؤالُ: هذه السنواتُ العشرُ التي كانت فيها الأرضُ جرداءَ، مِن أين جاءتْها البذور، فأنبتَتْ هذه النباتاتِ؟ سؤالٌ وجيهٌ، لا أحَدَ أَلْقَى فيها البذورَ، لقد تحوَّلتْ مِن أرضٍ قاحلةٍ إلى جنةٍ خضراءَ، مَنْ ألقى فيها البذورَ؟ وإذا كانتْ قد أُلقِيَتْ فيها البذورُ من قبلُ فلماذا لم تمُتِ البذورُ؟ هنا السؤال، وهنا الآية. على حينِ أنّ الصّخورَ الصلبةَ القاسيَةَ تتأثّرِ بِعَواملِ التعريَةِ، وعواملُ التعريَةِ: الرّياحُ، والأمطارُ، والحرُّ، والقرُّ، هذه تجعلُ الصّخورَ تراباً، وتفعلُ فعْلَها في الصّخورِ، وتفعلُ فعْلها في الجبال، وتفعلُ فعْلَها في مجاري الأنهارِ، وهذه البذورُ التي أَوْدَعَها اللهُ في الأرضِ ألا تؤثِّرُ فيها عواملُ التعريَةِ؟

стр. 372

قال العلماءُ: "إنّ البذورَ قد خُلِقَتْ خَلْقاً يجعلُها في مَنجاةٍ من عواملِ التعْرِيَةِ"، فإذا كانتْ مع الترابِ، ولا ترَاها عيْنُك، فلسنواتٍ تلْوَ سنواتٍ يعتريها حرٌّ وقرٌّ، ورياحٌ شديدةٌ، وطقسٌ قاسٍ، وصقيعٌ شديدٌ، وهذه البذورُ تبقى محافظةً على حياةِ رُشيْمِها، وعلى الغلافِ الرقيقِ الذي يُحيطُ بالرُّشَيمِ، وعلى الجُذَيرِ، وعلى السُّوَيقِ، وعلى مِحفظةِ الغذاءِ سنواتٍ طويلةً، وبعد هذه السنواتِ تأتي الأمطارُ، فإذا الأرضُ جنةٌ خضراءُ، وإذا الأزهار فوّاحَةُ الرائحةِ، وإذا الألوانُ مشرقةٌ، ومتناسبةٌ، فأين كان كلُّ هذا؟ لقد جَعَلَها اللهُ في مَنجاةٍ من عواملِ التَّعريَةِ التي تؤثِّرُ في الصّخورِ.

стр. 373

مثَلٌ قريبٌ، وقريبٌ جدّاً؛ لقد جهَّزَ اللهُ المَعِدةَ بِحمْضٍ من أشدِّ الحموض تأثيراً، إنَّه حمضُ كلورِ الماءِ، إذا تناولْتَ لَحماً مِن أقسى اللّحوم، فإنّ هذا الحمضَ الذي في المعِدَةِ كفيلٌ بأنْ يجعلهُ سائلاً كالحليبِ، وهناك تجارِبُ أُجْرِيَتْ، إذْ وُضِعَتْ قطعةٌ من اللّحم القاسي في كُرةٍ مثقّبةٍ، وأُطْعِمَتْ لبعضِ الحيواناتِ، وبعدَ أنْ ذُبِحَ الحيوانُ، والْتُقِطَت الكرةُ لم يَجِدِ العلماءُ اللّحمَ الذي كان فيها، فقد نفذتِ العُصاراتُ الهاضمةُ إلى الكرةِ الحديديّةِ، وأذابَتِ اللّحمَ، يا تُرَى عمليّةُ الهضْمِ أساسُها حركةٌ ميكانيكيّة، أم أساسُها عصاراتٌ كيماويّةٌ؟ كلاهما، ولكنْ إذا اسْتعَصَى طعامٌ على الهضمِ الميكانيكيِّ تأتي العصاراتُ الكيمياويّةُ فتجعلهُ كَيلوساً، والكَيْلوسُ هو السائلُ، فكلُّ الأطعمةِ التي تأكلُها مهما تكن صلبةً، بِفِعل هذه الخمائرِ، وهذه الأحماضِ، فإنها تغْدو سائلاً سهلاً صالحاً للامتِصاصِ، ومع ذلك فإنّ أنواعاً كثيرةً مِنَ البذورِ تأكلُها مع الفواكهِ تخرجُ كما دخَلَتْ، ولا تستطيعُ العواملُ الميكانيكيّةُ في المعدةِ، ولا العواملُ الكيماويّةُ أنْ تؤثّرَ فيها، وهذه آيةٌ من آياتِ الله ؛ فإنّ اللهَ زوَّدَ البُذورَ بِحَصانةٍ تجعلُها في منجاةٍ من أيِّ تأثيرٍ ميكانيكيٍّ، وأيِّ تأثيرٍ كيماويٍّ، هذه آيةٌ من آياتِ الله ، ولا تنْسَوا أنَّه قد اسْتَخرجَ العلماءُ من الأهراماتِ المصريّةِ قمحاً خُزِّنَ فيها قبلَ سِتَّة آلافِ عامٍ! وزُرِعَ القمحُ ونبتَ! فهذا الرُّشَيْم الصغيرُ الحسّاسُ الذي أوْدَعَ اللهُ فيه الحياةَ، وزوَّدَهُ بِقِشْرةٍ رقيقةٍ، وفي هذه القشْرة غذاؤُه، وزوَّدَهُ بِسُوَيقٍ وجُذَيرٍ، هذه الحياةُ الدقيقةُ اللطيفةُ التي أوْدَعَهَا اللهُ في الرُّشَيمِ بقِيَتْ سِتَّة آلاف عامٍ دون أن تُمسَّ بأذى، قال تعالى: ﴿هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [لقمان: ١١] . قشرة القمح (النخالة) وفائدتها الصحية

стр. 374

إنّ اللهَ تعالى جعلَ القمحَ لبني البشرِ غذاءً كاملاً، ولكنّ عنايةَ الله ، إضافة إلى أنّها جَعَلَتْ هذا القمحَ ينبتُ في كل بقاعِ الأرضِ، ينبتُ في السهولِ، وينبتُ في الجبالِ، وينبتُ في الأغوارِ، وينبتُ في الأجواءِ الباردةِ، وينبتُ في الأجواءِ الحارّةِ، وينبتُ في الأجواءِ المعتدلةِ، وفي كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ الزمنِ هناك قمحٌ على وجهِ الأرضِ ينبتُ، ولكنَّ الإبداعَ الإلهيَّ لهذه الثمرةِ أنه جَعَلَها كاملةَ الغذاءِ، ففيها غلافٌ خارجيٌّ يزن تسعةً في المئةِ من مجموعِ وزنِها، يُسمَّى عند الناس النُّخالة، وفيها قشرةٌ رقيقةٌ تنطوِي على مادةٍ آزوتيةٍ لا تزيدُ على ثلاثةٍ في المئة من وزنِها، وفيها الرُّشَيْمُ الكائنُ الحيُّ الذي ينبتُ إذا توافرت له شروطُ الإنباتِ، ووزنُه لا يزيدُ على أربعةٍ في المئة من وزنِ حبَّةِ القمحِ، والأربعةُ والثمانون في المئة نَشاءٌ خالصٌ، ماذا نفعل نحن؟ ننزعُ عن القمحةِ غلافَها، وغشاءَها، ولا يبقى لنا إلا النّشاءُ الخالصُ، أمّا هذا الغلافُ الذي يسمِّيه الناس نُخالةً ففيه ستةُ فيتامينات، فيتامين ب١، ب٢ ...

стр. 375

ب٦، وفيتامينات أخرى في هذا الغلافِ، وفي هذا الغلافِ مادةٌ فسفوريةٌ هي غذاءٌ للدماغِ والأعصابِ، وفي هذا الغلافِ حديدٌ يَهَبُ الدمَ قوةً، وحيويةً، ويُعِينُ على اكتسابِ الأوكسجين مِنَ الرئتينِ، وفي هذا الغلافِ الكالسيوم، الذي يبني العظامَ، ويقوِّي الأسنانَ، وفي هذا الغلافِ السيليكون، الذي يقوِّي الشعرَ، ويزيدُه قوةً ولمعاناً، وفي هذا الغلافِ اليودُ الذي ينشط عملَ الغدّةِ الدَّرَقِيَّةِ، ويُضفِي على آكلِه السكينةَ والهدوءَ، وفيه البوتاسيوم، والصوديوم، والمغنزيوم، تدخلُ هذه المعادنُ كلُّها في تكوينِ الأنسجةِ، والعصاراتِ الهاضمةِ، أما نحن فننزعُ عن حبَّةِ القمحِ قشرَها، ونرمِيه للبهائمِ، ونأكلُ هذا النشاءَ الصافيَ، الذي هو كما وَصَفَه بعضُ الأطباءِ بأنّه غراءٌ جيدٌ للمعدةِ، وهو يذمُّه بهذا الوصف، لكنّ الإبداعِ الإلهيَّ في خَلقِ هذه القشرة بما فيها من الفوائدِ هو من أجلِ أنْ نأكلَ القمحَ بقشرِه، حتى نستفيدَ مِن هذه الموادِّ التي أودَعَهَا اللهُ في قشرةِ القمحِ. إذا غُلِيَتْ هذه القشورُ بالماءِ الساخنِ كانتْ مهدئةً للسعالِ، والزكامِ، وإذا شُرِبَ هذا المغليُّ كان قابضاً للأمعاءِ، وكان دواءً لتقرُّحاتِ المعدةِ، وللزحار، وهو غذاءٌ للجلدِ، ووقايةٌ له من أمراضِه، وعلى رأسها الإكزيما. لذلك حينمَا نأكلُ كما أرادَ اللهُ لنا أنْ نأكلَ، وحينما نطبِّقُ سنَّةَ النبي ﷺ في الأكلِ نضمنُ لأنفسِنا الصحّةَ، والبُعدَ عن الأمراض.

стр. 376

عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: "سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْخُلاً مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ". ووردَ في الأثرِ أنّ أولَ بدعةٍ ابتدعها المسلمون بعدَ وفاةِ رسول الله ﷺ نخلُ الدقيقِ. الحبة السوداء إنّ مِن دلائل النبوةِ في الحديث الشريف ما يُسمى السبقَ العلميَّ، ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ. هذا حديثٌ صحيحٌ، والنبيُّ ﵊ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى، فكيف فسَّره العلماءُ السابقونَ؟

стр. 377

جاء في فتح الباري في شرح هذا الحديثِ: "قوله: "مِنْ كُلِّ دَاءٍ" هو مِن العامِّ الذي يُرادُ به الخاصّ، لأنه ليس في طبعِ شيءٍ من النباتِ ما يجمعُ جميعَ الأمورِ التي تقابلُ الطبائعَ في معالجةِ الأدواءِ بمقابِلِها، وإنما المرادُ لأنها شفاءٌ من كل داءٍ يحدثُ من الرطوبةِ، وقال أبو بكر بن العربي: العسلُ أقْربُ إلى أنْ يكونَ دواءً من كلِّ داءٍ من الحبةِ السوداءِ، ومع ذلك فإنّ من الأمراضِ ما لو شَرِبَ صاحبهُ العسلَ لَتَأَذَّى به، فإنْ كان المرادُ بقوله في العسلِ: فيه شفاءٌ للناسِ الأكثرَ الأغلبَ، فَحَمْلُ الحبّةِ السوداءِ على ذلك أَوْلَى"، فالعسلُ الذي قال تعالى عنه: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] لا يرقى إلى مثلِ هذا، لم يقلِ اللهُ: فيه الشفاءُ للناسِ، وهو نصٌّ قرآنيٌّ، هكذا شُرِح الحديثُ. جاءَ عالِمان كبيران من علماءِ الطبِّ، يعملانِ في أرقى جامعاتِ العالمِ، فوجدا في الحبةِ السوداءِ ما يقوِّي الجهازَ المناعيَّ في الإنسانِ، والجهازُ المناعيُّ متعلقٌ بكلِّ الأمراضِ، ولا سيما الجرثومية والسرطانية؛ فكلما قَوِيَ الجهازُ المناعيُّ قويتْ قدرةُ الإنسانِ على مكافحةِ الأمراضِ التي أساسُها جرثوميٌّ، والأمراضِ التي أساسُها مناعيٌّ. لقد توصَّل هذانِ الطبيبانِ عن طريقِ المخبرِ إلى أنّ استعمالَ غرامٍ واحدٍ من الحبَّة السوداءِ مرتين يومياً لمدةِ أربعةِ أسابيعَ يؤدِّي إلى زيادةِ فاعليةِ الخلايا اللمفاوية خمسةً وخمسين بالمئة.. والخلايا اللمفاويةُ فيها خلايا مُصَنِّعةٌ للسمّ الخلويّ؛ المصلِ المضادّ، فحينما يأكلُ الإنسانُ غراماً واحداً من الحبّة السوداء مرتين يومياً لمدةِ أربعة أسابيع، فهذه الخلايا اللمفاويةُ التي مهمتها قتلُ الجراثيم، والمكلفةُ بتصنيعِ المصلِ المضادِّ، السلاحِ الجرثوميّ، تزداد فعاليتُها خمسةً وخمسين بالمئة.

стр. 378

وهناك بحوثٌ كثيرةٌ أُجْرِيَتْ على هذه الحبةِ، منها أنّ في الحبةِ السوداءِ الفوسفاتَ، والحديدَ، والفسفورَ، وزيوتاً بنسبةِ ثمانيةٍ وعشرين بالمئة، تحملُ هذه الزيوتُ سرَّ الحبةِ السوداءِ، ففي هذه الزيوتِ مضادّاتٌ حيويةٌ، ومضادّاتٌ للفيروسِ، والميكروباتِ، والجراثيمِ، وفيها موادُّ مضادةٌ للسرطانِ، وفيها هرموناتٌ مقوِّيةٌ، وفيها مُدِرَّاتٌ للبولِ والصفراءِ، وفيها أنزيماتٌ هاضمةٌ، وفيها مضادّاتٌ للحموضةِ، وفيها موادُّ مهدئةٌ ومنبِّهةٌ في آنٍ واحدٍ، وإنّ النبيَّ ﷺ لا ينطق عن الهوى، واللهُ هو الذي أَخبَرَه بذلك عن طريقِ الوحي، فقال: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنء كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ. لقد استعملَ أناسٌ كثيرون هذه الحبَّةَ السوداءَ، ووجدوا نتائجَ طيبةً جداً، فهناك أمراضٌ تزيدُ على خمسين مرضاً تساهِم الحبّةُ السوداءُ في شفائِها، منها الأمراضُ الجلديةُ، والأمراضُ المعويةُ، والأمراضُ العصبيةُ، وأمراضُ الأوعيةِ، والقلبِ، والشرايينِ، فإنْ لم تكن الحبةُ السوداءُ دواءً فهي وقايةٌ، وعلى كلٍّ هذه وصيةُ النبي ﵊: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ. وفي بعضِ المؤتمراتِ الصيدلانيةِ العالميةِ، وهو المؤتمرُ الثالثُ والعشرون قُدِّم بحثٌ مُفادُه أنّ الشونيزَ، أو الحبّةَ السوداءَ تُسهم في خفضِ الضغطِ الدمويِّ، ونحن نعلمُ أنّ ارتفاعَ الضغطِ مرضٌ خطيرٌ، وأنه حتى الآن لا يَعرِفُ الأطباءُ على وجهِ التحديدِ أسبابَ هذا المرضِ. وفي مصرَ قُدِّمَ بحثٌ للجامعةِ عن الحبةِ السوداءِ، بعد التجارِبِ الدقيقةِ عن طريقِ زرعِ الجراثيمِ في بيئاتٍ فيها مِن هذه الحبةِ السوداءِ، مِن محلولِها، أو مسحوقِها، أو ما شاكلَ ذلك، ووجدوا أنّ هذه الحبةَ السوداءَ توقِفُ نموَّ الجراثيمِ في الوسطِ الذي توجدُ فيه.

стр. 379

كما قُدِّمَ بحثٌ ثالثٌ عن الحبةِ السوداءِ خلاصتُه أنها دواءٌ فعالٌ للرَّبْوِ المنتشرِ، ولم يعرفِ الأطباءُ على وجهِ التحديدِ مبعثَه، وعلاجَه إلى يومنا هذا. أما العلماءُ العربُ الذين كتبوا في الطبِّ، كابن سينا في كتابه "القانون"، وهو من أشهرِ كُتب الطبِّ، فيرى هذا المؤلِّفُ الطبيبُ أنّ الحبةَ السوداءَ مضادةٌ للزكام، مدرّةٌ للبولِ، مفتِّتةٌ للحصَى في المثانةِ والكُلى، وهي مدِرَّةٌ لحليبِ الأمِّ، مسكِّنةٌ للصداعِ، وتزيلُ الثآليلَ. وقد يأتي زمانٌ يكتشفُ فيه الناسُ شيئاً آخرَ من هذه الحبةِ السوداءِ، لذلك يجب أن نأخذَ بتوجيهات النبي ﷺ ، فـ: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ"، و (عليكم) هنا اسمُ فعلِ أمرٍ بمعنى افعلوا، أيْ كُلُوها، "فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ. منافع الزنجبيل جَمَعَ أحَدُ الأطبّاءِ الآياتِ التي وردتْ في القرآنِ الكريمِ، والتي وَرَدَ فيها أسماءُ الأعشابِ التي تُصَنَّفُ في بابِ التوابلِ، فرأى ثلاثَ موادَّ وردتْ في آياتٍ مِنَ القرآنِ الكريمِ: المادةُ الأولى هي الزنجبيلُ، قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾ [الإنسان: ١٧] . والمادة الثانية هي المِسك.. قال : ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] . والمادة الثالثة هي الكافورُ، قال سبحانه، وهو أصدقُ الفائلين: ﴿إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ [الإنسان: ٥] . والحديثُ هنا عن الزنجبيل، هذا الطبيبُ قرأَ كلَّ ما كُتِبَ عن الزنجبيلِ في كُتُبِ الطبِّ القديمَةِ، وقرأَ سبعةَ بحوثٍ علميةٍ صدرتْ عن مراكزَ علميةٍ رصينةٍ، وقد أشارَ في مقالتِه إلى أسماءِ البحوثِ التي صدرتْ حولَ هذه المادةِ، فكان الشيءُ الذي يَلفتُ النظرَ:

стр. 380

إنَّ الزنجبيلَ كما وَرَدَ في كتبِ الطبِّ القديمةِ مسخِّنٌ للجسمِ، ومُعِينٌ على الهضمِ، ومُلَيِّنٌ للبطنِ، ومطهِّرٌ ومُقَوٍّ، وينفعُ الزنجبيلُ في التهابِ الحَنجرةِ، ويعالجُ الرَّشحَ، ومسكِّنٌ قويٌّ لالتهابِ المفاصلِ، ومسكِّنٌ قويٌّ للمغصِ المَعَوِيّ، ومُضادٌّ للغَثَيانِ، خلاصتُه المائيَّةُ دواءٌ جيدٌ لأمراضِ العينِ، وَرَدَ هذا في الكتبِ القديمةِ، فماذا وَرَدَ في الكتبِ الحديثةِ؟ في الأبحاثِ الحديثةِ التي أَجْراها علماءُ لا يعرفون أنّ هذه المادةَ وَرَدَتْ في القرآنِ الكريمِ، فقالوا: الزنجبيلُ مُنعشٌ للقلبِ والتنفُّسِ، مُقَوٍّ لتقلُّصِ عضلةِ القلبِ، أيْ إنّه مماثلٌ تماماً للديكوكسين، والزنجبيلُ مُوَسِّعٌ للأوعيةِ والشرايينِ، يمنعُ تجمُّعَ الصُّفيحاتِ الدمويةِ، إذاً هو مميّعٌ للدمِ، يفيدُ في أمراضِ الجلطاتِ الدماغيةِ، والقلبيةِ، وخثراتِ الأطرافِ، يخفِّضُ مِن ارتفاعِ الضغطِ الدمويِّ، وخافضٌ للكولسترولِ. لماذا وَرَدَ هذا العنصرُ في القرآنِ الكريمِ؟ أَلَهُ كلُّ هذه الميزاتِ؟ وهذا الذي أذْكُرُهُ لكم بعضُ ما جاء في المقالةِ الطويلةِ الآنفةِ الذِّكر عن منافعِ الزنجبيلِ. فأنْ يكونَ هذا العنصرُ في الوقتِ نفسِه موسِّعاً للشرايينِ والأوردةِ، مقوِّياً لعضلةِ القلبِ، خافضاً للكولسترول، خافضاً للضغط، مميِّعاً للدمِ، ثم إنه يؤثِّر تأثيراً إيجابياً في الشفاءِ مِن التهابِ المفاصلِ، فهذا من عجيبِ خَلقِ اللهِ سبحانه. قال ابنُ القيّم: "الزنجبيلُ مسخِّنُ مُعِينٌ على هضمِ الطعامِ، مليِّنٌ للبطنِ تلييناً معتدلاً، نافعٌ من سددِ الكبدِ العارضةِ عن البردِ والرطوبةِ، ومن ظلمةِ البصرِ الحادثةِ عن الرطوبةِ، أكلاً واكتحالاً، معينٌ على الجماعِ، وهو محلِّلٌ للرياحِ الغليظةِ الحادثةِ في الأمعاءِ والمعدةِ، وبالجملةِ فهو صالحٌ للكبدِ والمعدةِ الباردتَي المزاج".

стр. 381

فهذا الكونُ فيه كلُّ شيءٍ، وأفضلُ دواءٍ ما كان نباتياً، ليس له تأثيراتٌ جانبيةٌ، وأكثرُ الأدويةِ التي نأخذُها أدويةٌ كيماويَّةٌ، تنفعُ مِن جهةٍ، وتُفسدُ من جهةٍ أخرى، ولو درستَ الأعشابَ دراسةً مستفيضةً علميَّةً لوجدتَ أنّ فيها نفعاً من غيرِ تأثيراتٍ جانبيةٍ. التمر أهميته وتركيباته عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ " فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". عُقِدَ مؤتمرٌ في بلدٍ يصدِّرُ التمورَ، وأُلْقِيَ فيه بحثٌ تَعلَّقَ بمشابهةِ النخلةِ للإنسانِ، فقيل: جذعُها منتصِبٌ كالإنسانِ، ومنها الذَّكرُ والأنثى، ولا تثمِرُ إلا إذا لُقِّحَتْ، وإذا قُطِعَ رأسُها ماتتْ، وإذا تعرَّضَ قلبُها لصدمةٍ هَلَكَتْ، وإذا قُطِعَ سَعَفُهَا لا تستطيعُ تعويضَه، كالإنسانِ تماماً، وهي مغشَّاةٌ بالليفِ الشبيهِ بالشَّعرِ في الإنسانِ، في العالَمِ ما يزيد على تسعين مليونَ نخلةٍ، تقدِّمُ الغذاءَ لبني البشرِ، ولا سيّما للصائمين في رمضانَ حيثُ فائدتُه أعظمُ. قال بعضُ العلماءِ: إنَّ الصيامَ يخفِّفُ العبءَ عن جهازِ الدورانِ، القلبِ والأوعيةِ، حيث تهبطُ نِسَبُ الدسمِ والحمضِ في الدمِ إلى أدنى مستوى، الأمرُ الذي يَقِي مِن تصلُّبِ الشرايينِ، وآلامِ المفاصلِ. ويريحُ الصيامُ الكليتين، وجهازَ الإبرازِ، حيث تَقِلُّ نواتجُ استقلابِ الأغذيةِ، ويتحرَّكُ سكرُ الكبدِ، ويحرِّكُ معه الدهنَ المخزونَ تحت الجلدِ، ويحرِّكُ معه بروتين العضلاتِ، إذاً فصيامُ رمضانَ يُعدُّ دورةً وقائيةً سنويةً، تَقِي من كثيرٍ من الأمراضِ، ودورةً علاجيةً أيضاً بالنسبةِ لبعضِ الأمراضِ، إضافةً إلى أنه يَقِي من أمراضِ الشيخوخةِ، التي تنجُمُ عن الإفراطِ في إرهاقِ العضويةِ، وقد رُوِي عن رسول الله ﵊: "صُومُوا تَصِحُّوا".

стр. 382

لذلك كان النبيُّ ﵊ يفطرُ في رمضانَ على التمرِ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ". وعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْراً فالمَاءُ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ". فالتمرُ الذي يتناولهُ الصّائمُ مع الماءِ فيه خمسةٌ وسبعون بالمئة مِن جزئه المأكولِ موادُّ سُكّريةٌ أُحاديةٌ، سهلةُ الهضمِ، سريعةُ التمثُّلِ، إلى درجةِ أنّ السُّكرَ ينتقلُ من الفمِ إلى الدمِ في أقلَّ مِن عشرِ دقائقَ، وفي الحالِ يتنبَّهُ مركزُ الإحساسِ بالشَّبَعِ في الجملةِ العصبيّةِ، فيشعرُ الصائمُ بالاكتفاءِ، فإذا أقبلَ على الطعامِ أقبلَ عليه باعتدالٍ، وكأنه في أيامِ الإفطارِ، أمّا الموادُّ الدسمةُ فيستغرقُ هضمُها وامتصاصُها أكثرَ مِن ثلاثِ ساعاتٍ. فمهما أكثرَ الصائمُ مِنَ الطعامِ الدسمِ فلن يشعرَ بالشَّبَعِ، ولكنه يشعرُ بالامتلاءِ، والفرقُ كبيرٌ بين الشِّبَعِ والامتلاءِ، الشِّبعُ تنبُّهُ مركزِ الجوعِ في الجملةِ العصبيةِ، وإذا تنبَّه هذا المركزُ شَعَرَ الإنسانُ بالشِّبعِ، ولو لم يكن في معدتِه طعامٌ كثيرٌ، أما الإحساسُ بامتلاءِ المعدةِ فشيءٌ آخرُ. فكان ﵊ يفطِرُ على تمراتِ، ويصلِّي المغربَ، ثم يجلسُ إلى الطعامِ، ومَن لم يطبِّقْ سنَّةَ النبيّ ﵊ في إفطارِه فقد فَاتَهُ خيرٌ كثيرٌ في صيامِه، دينيّاً، وصحيّاً، ونفسيّاً.

стр. 383

وهذا مِن دلائلِ نبوةِ النبيِّ ﵊، حتى في أيامِ الإفطارِ قال بعضُ الأطباءِ: ينبغي أنْ تُقَدَّمَ الفاكهةُ التي فيها من سُكّريّاتٍ أحاديةٍ على وجباتِ الطعامِ التي تحوِي غالباً الموادَّ الدسمةَ، وهذا استنباطٌ ظنيٌّ من قوله تعالى، وهو يصفِ أهلَ الجنةِ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠-٢١] . قال ابن القيم: "وفي فِطْرِ النبيّ ﷺ على التمرِ، أو الماءِ تدبيرٌ لطيفٌ جدّاً، فإنّ الصومَ يخلِي المعدةَ من الغذاءِ، فلا تجدُ الكبدُ فيها ما تجذِبُه، وترسِلُه إلى القُوى، والأعضاءِ، والحلوُ أسرعُ شيءٍ وُصولاً إلى الكبدِ، وأَحَبُّه إليها، ولا سّيما إنْ كان رطباً، فيشتدُّ قَبولُها له، فتنتفعُ به هي، والقُوى، فإنْ لم يكنْ فحسواتُ الماءِ تطفئ لهيبَ المعدةِ، وحرارةَ الصومِ، فتنبِّه بَعْدَه للطعامِ، وتأخذُه بشهوةٍ". وتتركَّبُ هذه التمورُ أيضاً من الموادَّ البروتينيةِ المرمِّمةِ للأنسجةِ، ومِن نِسَبٍ ضئيلةٍ من الدهنِ، ويحوي التمرُ خمسةَ أنواعٍ من الفيتاميناتِ الأساسيةِ، التي يحتاجُها الجسمُ، كما يَحوِي التمرُ ثمانيةِ معادنَ أساسيةٍ، ومئةُ غرامٍ من التمرِ يومياً فيها من نصفٍ إلى خُمسِ حاجةِ الجسمِ من المعادنِ، ويَحوِي التمرُ أيضاً اثني عشر حمضاً أمينياً، وفيه موادُّ مليِّنةٌ، ومهدِّئة، وهناك خمسون مرضاً يسبِّبُها الإمساكُ، والتمرُ يَقِي من الإمساكِ، وله آثارٌ إيجابيةٌ في الوقايةِ من فقرِ الدمِ، ومن ارتفاعِ الضغطِ، ويعينُ على التئامِ الكسورِ، وهو مليّنٌ ومهدئٌ، وقد أثبتتِ الأبحاثُ العلميةُ أنّ التمرَ لا يتلوثُ بالجراثيمِ إطلاقاً، لأنّ تركيزَ السُّكَّرِ العاليَ يمتصُّ ماءَ الجرثومِ، وهذه الخيراتُ كلُّها عَدَّها بعضُ العلماءِ سبعةً وأربعين عنصراً، مُمَثَّلَةً في تمرةٍ تأكلُها، ولا تدري ماذا ينتفعُ الجسمُ بها.

стр. 384

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، أَوْ جَاَعَ أَهْلُهُ"، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثاً. أفْضلُ الدواءِ ما كان غذاءً، وأفضلُ الغذاءِ ما كان دواءً. قال ابنُ القيّم متحدِّثاً عن التمرِ: "وهو مِن أكثرِ الثمارِ تغذيةً للبدنِ، بما فيه من الجوهر الحارِّ الرَّطبِ، وأكْلُه على الريقِ يقتلُ الدودَ، فإنه مع حرارتِه فيه قوةٌ ترياقيةٌ، فإذا أُدِيمَ استعمالُه على الريقِ خَفَّفَ مادةَ الدودِ، وأضْعَفَه، وقَلَّلَه، أو قَتَلَه، وهو فاكهةٌ، وغذاءٌ، ودواءٌ، وشرابٌ، وحلوى". ألياف التمر فوائدها وعناصرها المعدنية إنّ الأطباءَ في حَيرةٍ شديدةٍ من ارتفاعِ نِسَبِ الأمراضِ الخبيثةِ، والوبيلةِ والمستعصيةِ في هذه السنواتِ الأخيرةِ، وأغلبُ الظنِّ أنّ هذا يُعزَى إلى تغييرِ خلْقِ اللهِ، فحينما نعودُ إلى الحياةِ الطبيعيةِ التي أَمَرَنَا اللهُ بنا، والتي رَسَمَها لنا، والتي خلَقها من أجلِ أنْ نعيشَ حياةً مِلْؤُها الصحةُ، والسعادةُ، فإننا سنحيا حياة طيبة ولذلك ينبغي أنْ نعودَ إلى الأصولِ. إنّ هناك أمراضاً وبيلةً، وخطيرةً تعاني منها المجتمعاتُ الغربيةُ، التي أساسُ غذائِها الغذاءُ المُصفَّى، فإذا خلا غذاءُ الإنسانِ من الأليافِ لم يكن طعامُه مفيداً، فيجبُ أنْ يأكل الإنسانُ في اليومِ ثلاثينَ غراماً فما فوق من الأليافِ، وفي مئةِ غرامٍ من التمرِ ثمانيةُ غراماتٍ ونصف من الأليافِ، هذه الأليافُ تقاوِمُ الإمساكَ، والإمساكُ عرَضٌ لخمسينَ مرضاً، وهذه الأليافُ تقاوِم الدهونَ التي قد تسدُّ الشريانَ التاجيَّ، الذي هو المرضُ الأولُ في هذا العصرِ، فالتمرُ له هذه الفائدةُ الكبيرةُ.

стр. 385

التمرُ فقيرٌ جداً إلى الصوديوم، أي المئةُ غرام فيها خمسةُ مليغراماتٍ من الصوديوم، ولكنه غنيٌّ بالبوتاسيوم والمغنيزيوم، وفي المئةِ غرامٍ من التمرِ نصفُ حاجِ الجسمِ إلى البوتاسيوم، وخُمسُ حاجةِ الجسمِ إلى المنغنيزيوم، إذاً هو فقيرٌ إلى العنصرِ الذي يسبِّب ارتفاعَ ضغطِ الدمِ، الذي يسبِّبُ الخثرةَ في الدماغِ، والجلطةَ في الدمِ، ومع انخفاضِ ضغطِ الدمِ يتمتَّعُ الإنسانُ بصحةٍ مريحةٍ. في المئةِ غرامِ من التمرِ واحدٌ إلى ستةِ مليغراماتٍ من الحديدِ، والإنسانُ في أمسِّ الحاجةِ إلى هذا العنصرِ، وله أثرٌ كبيرٌ في الدمِ، وفي بعضِ النشاطاتِ الحيويةِ في الجسمِ، وفي المئةِ غرامٍ من التمرِ ثلثُ حاجةِ الإنسانِ إلى فيتامين (ب ٣) ، وهذا الفيتامينُ أساسيٌّ جدًّا في بعضِ المعادلاتِ الحيويةِ في الجسمِ، وقد ورد في الحديثِ الشريفِ في وصفِ التمرِ أنه يُذهِبُ الداءَ، ولا داءَ فيه. أتمنَّى على اللهِ أن نعودَ إلى الأغذيةِ الطبيعيةِ التي خُلِقَتْ لنا كي نتمتَّعَ بصحَّتنا التي هي رأسُ مالِنا في الحياةِ، أما هذه الأغذيةُ التي فيها أصبغةٌ كيميائيةٌ تتراكمُ، ليكونَ بعضُها مُسَرْطِناً، أو مسَبِّباً لعدّةِ أمراضٍ وبيلةٍ، فعلينا أن نجتنبَها، وكلُّ شيءٍ في هذا العصرِ فيه تغييرٌ لخلقِ اللهِ، وفيه مخاطرَةٌ، ومقامرةٌ وخيمةُ العواقبِ، فالإنسانُ عليه أنْ يدَعَه، وأنْ يعودَ إلى أصلِ الفطرةِ. التمر أساس الولادة الميسرة في الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدّثُ عن قصةِ السيدةِ مريمَ كلماتٌ ثلاثٌ، يكشفُ الطبُّ الحديثُ أنها أساسُ الولادةِ الميسَّرةِ، يقولُ اللهُ تعالى مخاطباً السيدةَ مريمَ ابنة عمران: ﴿فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمان صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ [مريم: ٢٦] .

стр. 386

أمّا كلمةُ: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ ، فقد استنبطَ العلماءُ من هذه الآيةِ أنّ الحالةَ النفسيةَ للمرأةِ قُبَيْلَ الولادةِ لها علاقةٌ وَشِيجةٌ بتيسيرِ الولادةِ، فإذا كانت المرأةُ مطمئنةً، قريرةَ العينِ، هادئةَ البالِ، ليس ثمةَ مشكلةٌ في البيتِ، زوجُها يكرِمُها قُبَيْلَ الولادةِ، فإنّ حالتَها النفسيةَ المريحةَ، وطمأنينتَها، وقُرَّةَ عينِها عاملٌ أساسيٌ في سهولةِ ولادتِها، فأيُّ اضطرابٍ نفسيٍّ، وأيُّ أزمةٍ عاطفيةٍ، وأيُّ مشاجرةٍ بينَ الزوجينِ، والمرأةُ على وَشَكِ الولادةِ، فإنّها تُعِيقُ الولادةَ، وربّما اضطرَّتِ المرأةُ إلى إجراءِ ولادةٍ عسرةٍ، هذا ما استنبطه العلماءُ من: ﴿فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً﴾ . ولحكمةٍ بالغةٍ فإنَّ اللهَ يقول: ﴿فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً﴾ . ومِن أغربِ الكشوفِ العلميةِ أنّ في الرُّطبِ مادةً تُعينُ على انقباضِ الرحمِ، ويزيدُ حجمُه في أثناء الحملِ من اثنين ونصفِ سنتيمترٍ مكعبٍ، إلى سبعمئة وخمسين سنتيمتراً مكعباً، وهذا الجنينُ، وتحته المشيمةُ، والمشيمةُ موصولةٌ بأوعيةِ الأمِّ الدمويةِ، فإذا نزلَ الجنينُ من رحمِ الأمِّ، وتَبِعَتْهُ المشيمةُ، تقطَّعتْ هذه الأوعيةُ وفُتِحَتْ، ولو بقيتْ مفتوحةً لنزفتِ الأمُّ، وماتتْ، لذلك جعَلَ ربُّنا لحكمةٍ بالغةٍ الرحمَ تنقبضُ انقباضاً شديداً، إلى درجةٍ أنّ قوامَ الرحمِ يصبحُ قاسياً كالصخرِ، فإذا وضعتِ القابِلَةُ يَدَها على الرحمِ، ورأتْه قاسياً، تطمئنُّ إلى أنّ الولادةَ صحيحةٌ، فإنّ الرحمَ بانكماشها الشديدِ تغلقُ كلَّ الشرايينِ المفتوحةِ، وبهذا ينقطعُ النزيفُ، وفي التمرِ والرطبِ مادةٌ تعينُ على انقباضِ الرحمِ، لذلك وردتْ كلمةُ الرُّطبِ في آيةِ المخاض: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي﴾ [مريم: ٢٥-٢٦] .

стр. 387

إنّ في الرُّطبِ مادةً تعينُ على انزلاقِ بقايا الطعامِ في الأمعاءِ الغليظةِ، وهي مادةٌ منظِّفةٌ ومليِّنةٌ، وما مِن امرأةٍ على وشكِ أنْ تَضَعَ حمْلَها إلاّ ويحرصُ الطبيبُ، أو القابلةُ على أنْ تكونَ أمعاؤُها خاليةً من كلِّ شيءٍ، لئلاَّ يُعيقَ امتلاءُ الأمعاءِ خروجَ الجنينِ مِنَ الرحمِ، وإنّ في التمرِ نفسِه مادةً مليِّنةً، ومنظِّفةً للأمعاءِ، ولا سيما الغليظةُ. شيءٌ آخرُ، الطَّلْقُ عمليةٌ مُجْهِدَةٌ، فالقلبُ أحياناً تزيدُ ضرباتُه من مئةِ ضربةٍ في الدقيقةِ، أو من ثمانين ضربةً في الدقيقةِ، إلى مئةٍ وثمانين ضربةً في الدقيقةِ، ليواجِهَ هذه التقلُّصاتِ العنيفةَ، قالقلبُ يحتاجُ إلى غذاءٍ، والحركاتُ العضليةُ تحتاجُ إلى غذاءٍ، لذلك فالتمرُ لا يستغرقُ انتقاله أكثرَ مِن عشرِ دقائقَ مِنَ الفمِ إلى الدمِ مباشرةً، فهو أَسْهَلُ مادةٍ للهضمٍ، ولتحوِّلها مِن غذاءٍ إلى طاقةٍ. إنّ هذا التمرَ مركَّزٌ تركيزاً شديداً جداً، فهو يحتاجُ إلى سائلٍ ينحلُّ فيه، كي يَسْهُلَ الامتصاصُ: ﴿فَكُلِي واشربي﴾ . لماذا يحتاجُ الإنسانُ بعد أنْ يأكلَ الحلوَ إلى الماءِ؟ هكذا بُنيتُه الوظيفيّةُ، لأنّ الحلوَ يحتاجُ إلى تمديدٍ، وإلى أنْ ينحلَّ في سائلٍ كي يَسْهُلَ هضمُه، لذلك فإنّ شُربَ الماءِ ضروريٌّ للمرأةِ التي على وَشْكِ الوضعِ، وحالتُها النفسيةُ المطمئنةُ عنصرٌ أساسيٌّ في الولادةِ، وأنْ يكونَ طعامُها فيه أشياءُ أربعةٌ؛ موادُّ تعينُ على انقباضِ الرحمِ، وموادُّ تمنعُ النزيفَ، موادُّ تنظِّفُ الأمعاءَ، وتليِّنُها، وموادُّ أخرى تغذِّي بأقصرِ وقتٍ، وأيسرِ سبيلٍ. هذا القرآنُ الكريمُ، هذا كلامُ ربِّ العالمين، كلماتٌ في قصةٍ، ولكنْ لو وَقَفْتَ عندها لوجدتَ العَجَبَ العُجَابَ: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً﴾ . لا بدَّ من غذاءٍ خاصٍّ، ولا بدّ من شرابٍ خاصٍّ، ولا بدَّ من طمأنينةٍ نفسيّةٍ. هذه بعضُ آياتِ القرآنِ، وكلَّما تقدَّمَ العلمُ ازدادَ الإنسان يقيناً أنّ هذا الكلامَ كلامُ ربِّ العالمين، كلامُ خالقِ الأكوانِ، وليس كلامَ البشرِ.

стр. 388

زيت الزيتون في عامِ (١٩٨٦) ظهرتْ أوّلُ دراسةٍ موضوعيةٍ عن أثرِ زيتِ الزيتونِ في تخفيضِ كوليسترول الدمِ، وأظهرتْ دراسةٌ أخرى تَبِعَتْهَا أنّ أمراضَ شرايينِ القلبِ، واحتشاءَ العضلةِ القلبيةِ كانت نادرةً، بل شبهَ معدومةٍ في جزيرةِ (كريت) ، بسببِ أنّ أهلَ هذه الجزيرةِ يأكلون مِن زيتِ الزيتونِ كمياتٍ لا تُوصَف كثرةً، وقد قال ﵊ في الحديثِ الصحيحِ: "كُلُوا الزَّيْتَ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". قبْلَ عشرِ سنواتٍ تقريباً كان كلُّ الأطباءِ يَنْهَوْنَ مَن يشكو مِن ارتفاع الكوليسترول في دمه عنْ أكلِ زيتِ الزيتونِ، وقد اكتُشِف الآن عكسُ ذلك، حيث إنّ زيتَ الزيتونِ يخفِّضُ نسبةَ الكوليسترول الضارّ في جسمِ الإنسانِ، ويرفعُ نسبةَ الكوليسترول النافعَ. إنّ زيتَ الزيتونِ أسهلُ أنواعِ الزيوتِ هضماً، وفيه قيمةٌ وقائيةٌ، وعلاجيةٌ، وغذائيةٌ، وأجمعَ الأطبّاءُ الآنَ على أنّ هذا الزيتَ له تأثيرٌ علاجيٌّ عجيبٌ، مِن هذا التأثيرِ أنه يمكنُ أنْ نستخدمَه لخفضِ الضغطِ المرتفعِ، ويُستخدَم لمرضِ السكرِ، ويُستخدَم لوقايةِ الشرايينِ، والأوعية مِن تصلُّبِها، وترسُّبِ الموادِّ الدهنيةِ على جُدُرِها. وأظهرت التحليللاتُ الدقيقةُ أنّ مئةَ غرامٍ من زيتِ الزيتونِ فيها غرامٌ بروتينات، وأحدَ عشر غراماً من الدسمِ، وفيه بوتاسيوم، وكالسيوم، ومغنيزيوم، وفسفورٌ، وحديدٌ، ونحاسٌ، وكبريتٌ، وفيه أليافٌ، وهو غنيٌّ بأهمِّ الفيتاميناتِ المتعلقةِ بتركيبِ الخلايا ونشاطِها، والمتعلقةِ بالتناسلِ، وسلامةِ العظام، وهو غذاءٌ للدماغ، وغذاء للأطفال، وله تأثيرٌ في تفتيتِ حصياتِ المرارةِ والمثانةِ. هذه كلُّها أبحاثٌ علميةٌ قُدِّمَتْ في مؤتمراتٍ عِلميةٍ، تثبت أنّ النبيَّ ﵊ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى.

стр. 389

في زيتِ الزيتونِ مادةٌ تَمْنَعُ تَخَثُّرَ الدمِ، وهذا الزيتُ الذي قال ﵊ فيه: "كُلُوا الزَّيْتَ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ"، له أَثَرٌ مُلَطِّفٌ لالتهاباتِ الجِلْدِ، ولبعضِ الأمراضِ الجلديةِ، وله أثرٌ طيِّبٌ ونافعٌ حتى في الاستعمالِ الخارجِيِّ، والنبيُّ ﷺ لا ينطق عن الهوى، والمؤمنُ يعرفُ ماذا يأكل، فلا بد له مِن موادَّ دسمةٍ، فإمّا أنْ يشتريَها نافعةً، وإمّا أنْ يشتريَها ضارَّةً. ذكرتُ هذا الموضوعَ لأنّ معظمَ الناسِ - قَبْلَ أنْ تأتيَهم بينةٌ مِن ربِّهم، وقبْل أنْ يعلَموا أنّ هذا الدينَ كمالٌ مطلقٌ، وصوابٌ مطلقٌ - يظنون أنّ أقوالَ الأطباءِ الذين لم يبلُغوا مرحلةَ النضجِ في علْمِهم، وينهون معظمَ الناسِ عن تناولِ هذا الزيتِ الذي يَخرجُ مِن شجرةٍ مباركةٍ، يظنون أنّ هذه الأقوالَ صحيحةٌ مع أنها مخالفةٌ لحديثِ النبّي ﷺ .

стр. 390

ثَبَتَ في دراسةٍ علميةٍ دقيقةٍ أنّ هذا الزيتَ مِن أهمِّ الضرورياتِ للجسمِ البشريِّ، حيث فيه ماءٌ، وبروتين، ودهن، وماءات للفحم، وكلسٌ، وفسفورٌ، وحديدٌ، وصوديوم، وبوتاسيوم، وفتامين (ب) ، فأمّا الفسفورُ فهو يغذِّي المخَّ، ويقوِّي الذاكرةَ، وينشِّطُ الأعصابَ، ويساعِد على ترسُّبِ الكلسِ في العظامِ، وأمّا ماءاتُ الفحمِ فهي تُوَلِّد الطاقةَ، والتدفئةَ، والنشاطَ، وأمّا الفيتامين (ب) فله علاقةٌ بالإخصابِ، وله علاقةٌ بأمراضِ العينِ، وله علاقةٌ بأمراضِ المفاصلِ، وله علاقةٌ بالتهابِ العضلاتِ، واختلالِ التوازنِ العصبيِّ، وهو مانعٌ للتَّجَلُّطِ، وسقوطِ الشعرِ، وتضخُّمِ البروستاتِ، ويَحُولُ دونَ تجعُّد الوجهِ، وأمّا الصوديوم فله دورٌ خطيرٌ في بلازما الدمِ، وأما البوتاسيوم فهو ضروريٌّ للأعصابِ، والقلبِ، والشرايينِ، والعضلاتِ، وكلما تقَدَّمتْ بالإنسانِ السِّنُّ فهو في أَمَسِّ الحاجةِ إلى البوتاسيوم، وأمّا الحديدُ فنَقْصُه يسبِّبُ فَقْراً في الدم، وأما الكالسيوم فهو لِبِناءِ العظامِ عند الناس، ولا سيما الأطفالُ، فكلُّ هذه المعادنِ نجدها في زيتِ الزيتونِ، إضافةً إلى الدهنِ، وأمّا عن البروتين، وعن الماءِ فما الذي يسبِّبه نقصُ هذه الموادِ في الجسمِ؟ إنه يسبِّبُ انحطاطَ النشاطِ الفكرِيِّ، وضعفَ الذاكرةِ، وتراخيَ الجسدِ، وسرعةَ التعبِ، والحساسيةَ للبردِ في الأصابعِ، والأطرافِ، والإمساكَ، وضعفَ الشهيةِ للطعامِ، وبطءَ شفاءِ الجروحِ، وحكَّةً في الجلدِ، وتسوُّساً في الأسنان، واختلاجاً في الأجفان، وزوايا الفمِ، وتشنُّجاً في العضلاتِ في الليلِ، ونوماً غيرَ مريح، وآلاماً في المفاصلِ، فنقْصُ هذه الموادِّ المجموعةِ في زيتِ الزيتونِ يسبِّبُ هذه المتاعبَ كلَّها. هذا الزيتُ له فعْلٌ مُلَيِّنٌ ملطِّفٌ، يُستعمَل كمضادٍّ للإمساكِ، يلطِّفُ السطوحَ الملتهبةَ، يُستعمَل في تليينِ قشورِ الجلودِ، ويؤخِّر الشيبَ، ويحدُّ مِن انتشارِه.
следующие страницы →