← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1444

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

محمد راتب النابلسي

Полный текст (485 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أمّا كلمةُ: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ ، فقد استنبطَ العلماءُ من هذه الآيةِ أنّ الحالةَ النفسيةَ للمرأةِ قُبَيْلَ الولادةِ لها علاقةٌ وَشِيجةٌ بتيسيرِ الولادةِ، فإذا كانت المرأةُ مطمئنةً، قريرةَ العينِ، هادئةَ البالِ، ليس ثمةَ مشكلةٌ في البيتِ، زوجُها يكرِمُها قُبَيْلَ الولادةِ، فإنّ حالتَها النفسيةَ المريحةَ، وطمأنينتَها، وقُرَّةَ عينِها عاملٌ أساسيٌ في سهولةِ ولادتِها، فأيُّ اضطرابٍ نفسيٍّ، وأيُّ أزمةٍ عاطفيةٍ، وأيُّ مشاجرةٍ بينَ الزوجينِ، والمرأةُ على وَشَكِ الولادةِ، فإنّها تُعِيقُ الولادةَ، وربّما اضطرَّتِ المرأةُ إلى إجراءِ ولادةٍ عسرةٍ، هذا ما استنبطه العلماءُ من: ﴿فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً﴾ . ولحكمةٍ بالغةٍ فإنَّ اللهَ يقول: ﴿فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً﴾ . ومِن أغربِ الكشوفِ العلميةِ أنّ في الرُّطبِ مادةً تُعينُ على انقباضِ الرحمِ، ويزيدُ حجمُه في أثناء الحملِ من اثنين ونصفِ سنتيمترٍ مكعبٍ، إلى سبعمئة وخمسين سنتيمتراً مكعباً، وهذا الجنينُ، وتحته المشيمةُ، والمشيمةُ موصولةٌ بأوعيةِ الأمِّ الدمويةِ، فإذا نزلَ الجنينُ من رحمِ الأمِّ، وتَبِعَتْهُ المشيمةُ، تقطَّعتْ هذه الأوعيةُ وفُتِحَتْ، ولو بقيتْ مفتوحةً لنزفتِ الأمُّ، وماتتْ، لذلك جعَلَ ربُّنا لحكمةٍ بالغةٍ الرحمَ تنقبضُ انقباضاً شديداً، إلى درجةٍ أنّ قوامَ الرحمِ يصبحُ قاسياً كالصخرِ، فإذا وضعتِ القابِلَةُ يَدَها على الرحمِ، ورأتْه قاسياً، تطمئنُّ إلى أنّ الولادةَ صحيحةٌ، فإنّ الرحمَ بانكماشها الشديدِ تغلقُ كلَّ الشرايينِ المفتوحةِ، وبهذا ينقطعُ النزيفُ، وفي التمرِ والرطبِ مادةٌ تعينُ على انقباضِ الرحمِ، لذلك وردتْ كلمةُ الرُّطبِ في آيةِ المخاض: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي﴾ [مريم: ٢٥-٢٦] .

стр. 387

إنّ في الرُّطبِ مادةً تعينُ على انزلاقِ بقايا الطعامِ في الأمعاءِ الغليظةِ، وهي مادةٌ منظِّفةٌ ومليِّنةٌ، وما مِن امرأةٍ على وشكِ أنْ تَضَعَ حمْلَها إلاّ ويحرصُ الطبيبُ، أو القابلةُ على أنْ تكونَ أمعاؤُها خاليةً من كلِّ شيءٍ، لئلاَّ يُعيقَ امتلاءُ الأمعاءِ خروجَ الجنينِ مِنَ الرحمِ، وإنّ في التمرِ نفسِه مادةً مليِّنةً، ومنظِّفةً للأمعاءِ، ولا سيما الغليظةُ. شيءٌ آخرُ، الطَّلْقُ عمليةٌ مُجْهِدَةٌ، فالقلبُ أحياناً تزيدُ ضرباتُه من مئةِ ضربةٍ في الدقيقةِ، أو من ثمانين ضربةً في الدقيقةِ، إلى مئةٍ وثمانين ضربةً في الدقيقةِ، ليواجِهَ هذه التقلُّصاتِ العنيفةَ، قالقلبُ يحتاجُ إلى غذاءٍ، والحركاتُ العضليةُ تحتاجُ إلى غذاءٍ، لذلك فالتمرُ لا يستغرقُ انتقاله أكثرَ مِن عشرِ دقائقَ مِنَ الفمِ إلى الدمِ مباشرةً، فهو أَسْهَلُ مادةٍ للهضمٍ، ولتحوِّلها مِن غذاءٍ إلى طاقةٍ. إنّ هذا التمرَ مركَّزٌ تركيزاً شديداً جداً، فهو يحتاجُ إلى سائلٍ ينحلُّ فيه، كي يَسْهُلَ الامتصاصُ: ﴿فَكُلِي واشربي﴾ . لماذا يحتاجُ الإنسانُ بعد أنْ يأكلَ الحلوَ إلى الماءِ؟ هكذا بُنيتُه الوظيفيّةُ، لأنّ الحلوَ يحتاجُ إلى تمديدٍ، وإلى أنْ ينحلَّ في سائلٍ كي يَسْهُلَ هضمُه، لذلك فإنّ شُربَ الماءِ ضروريٌّ للمرأةِ التي على وَشْكِ الوضعِ، وحالتُها النفسيةُ المطمئنةُ عنصرٌ أساسيٌّ في الولادةِ، وأنْ يكونَ طعامُها فيه أشياءُ أربعةٌ؛ موادُّ تعينُ على انقباضِ الرحمِ، وموادُّ تمنعُ النزيفَ، موادُّ تنظِّفُ الأمعاءَ، وتليِّنُها، وموادُّ أخرى تغذِّي بأقصرِ وقتٍ، وأيسرِ سبيلٍ. هذا القرآنُ الكريمُ، هذا كلامُ ربِّ العالمين، كلماتٌ في قصةٍ، ولكنْ لو وَقَفْتَ عندها لوجدتَ العَجَبَ العُجَابَ: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً﴾ . لا بدَّ من غذاءٍ خاصٍّ، ولا بدّ من شرابٍ خاصٍّ، ولا بدَّ من طمأنينةٍ نفسيّةٍ. هذه بعضُ آياتِ القرآنِ، وكلَّما تقدَّمَ العلمُ ازدادَ الإنسان يقيناً أنّ هذا الكلامَ كلامُ ربِّ العالمين، كلامُ خالقِ الأكوانِ، وليس كلامَ البشرِ.

стр. 388

زيت الزيتون في عامِ (١٩٨٦) ظهرتْ أوّلُ دراسةٍ موضوعيةٍ عن أثرِ زيتِ الزيتونِ في تخفيضِ كوليسترول الدمِ، وأظهرتْ دراسةٌ أخرى تَبِعَتْهَا أنّ أمراضَ شرايينِ القلبِ، واحتشاءَ العضلةِ القلبيةِ كانت نادرةً، بل شبهَ معدومةٍ في جزيرةِ (كريت) ، بسببِ أنّ أهلَ هذه الجزيرةِ يأكلون مِن زيتِ الزيتونِ كمياتٍ لا تُوصَف كثرةً، وقد قال ﵊ في الحديثِ الصحيحِ: "كُلُوا الزَّيْتَ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". قبْلَ عشرِ سنواتٍ تقريباً كان كلُّ الأطباءِ يَنْهَوْنَ مَن يشكو مِن ارتفاع الكوليسترول في دمه عنْ أكلِ زيتِ الزيتونِ، وقد اكتُشِف الآن عكسُ ذلك، حيث إنّ زيتَ الزيتونِ يخفِّضُ نسبةَ الكوليسترول الضارّ في جسمِ الإنسانِ، ويرفعُ نسبةَ الكوليسترول النافعَ. إنّ زيتَ الزيتونِ أسهلُ أنواعِ الزيوتِ هضماً، وفيه قيمةٌ وقائيةٌ، وعلاجيةٌ، وغذائيةٌ، وأجمعَ الأطبّاءُ الآنَ على أنّ هذا الزيتَ له تأثيرٌ علاجيٌّ عجيبٌ، مِن هذا التأثيرِ أنه يمكنُ أنْ نستخدمَه لخفضِ الضغطِ المرتفعِ، ويُستخدَم لمرضِ السكرِ، ويُستخدَم لوقايةِ الشرايينِ، والأوعية مِن تصلُّبِها، وترسُّبِ الموادِّ الدهنيةِ على جُدُرِها. وأظهرت التحليللاتُ الدقيقةُ أنّ مئةَ غرامٍ من زيتِ الزيتونِ فيها غرامٌ بروتينات، وأحدَ عشر غراماً من الدسمِ، وفيه بوتاسيوم، وكالسيوم، ومغنيزيوم، وفسفورٌ، وحديدٌ، ونحاسٌ، وكبريتٌ، وفيه أليافٌ، وهو غنيٌّ بأهمِّ الفيتاميناتِ المتعلقةِ بتركيبِ الخلايا ونشاطِها، والمتعلقةِ بالتناسلِ، وسلامةِ العظام، وهو غذاءٌ للدماغ، وغذاء للأطفال، وله تأثيرٌ في تفتيتِ حصياتِ المرارةِ والمثانةِ. هذه كلُّها أبحاثٌ علميةٌ قُدِّمَتْ في مؤتمراتٍ عِلميةٍ، تثبت أنّ النبيَّ ﵊ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى.

стр. 389

في زيتِ الزيتونِ مادةٌ تَمْنَعُ تَخَثُّرَ الدمِ، وهذا الزيتُ الذي قال ﵊ فيه: "كُلُوا الزَّيْتَ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ"، له أَثَرٌ مُلَطِّفٌ لالتهاباتِ الجِلْدِ، ولبعضِ الأمراضِ الجلديةِ، وله أثرٌ طيِّبٌ ونافعٌ حتى في الاستعمالِ الخارجِيِّ، والنبيُّ ﷺ لا ينطق عن الهوى، والمؤمنُ يعرفُ ماذا يأكل، فلا بد له مِن موادَّ دسمةٍ، فإمّا أنْ يشتريَها نافعةً، وإمّا أنْ يشتريَها ضارَّةً. ذكرتُ هذا الموضوعَ لأنّ معظمَ الناسِ - قَبْلَ أنْ تأتيَهم بينةٌ مِن ربِّهم، وقبْل أنْ يعلَموا أنّ هذا الدينَ كمالٌ مطلقٌ، وصوابٌ مطلقٌ - يظنون أنّ أقوالَ الأطباءِ الذين لم يبلُغوا مرحلةَ النضجِ في علْمِهم، وينهون معظمَ الناسِ عن تناولِ هذا الزيتِ الذي يَخرجُ مِن شجرةٍ مباركةٍ، يظنون أنّ هذه الأقوالَ صحيحةٌ مع أنها مخالفةٌ لحديثِ النبّي ﷺ .

стр. 390

ثَبَتَ في دراسةٍ علميةٍ دقيقةٍ أنّ هذا الزيتَ مِن أهمِّ الضرورياتِ للجسمِ البشريِّ، حيث فيه ماءٌ، وبروتين، ودهن، وماءات للفحم، وكلسٌ، وفسفورٌ، وحديدٌ، وصوديوم، وبوتاسيوم، وفتامين (ب) ، فأمّا الفسفورُ فهو يغذِّي المخَّ، ويقوِّي الذاكرةَ، وينشِّطُ الأعصابَ، ويساعِد على ترسُّبِ الكلسِ في العظامِ، وأمّا ماءاتُ الفحمِ فهي تُوَلِّد الطاقةَ، والتدفئةَ، والنشاطَ، وأمّا الفيتامين (ب) فله علاقةٌ بالإخصابِ، وله علاقةٌ بأمراضِ العينِ، وله علاقةٌ بأمراضِ المفاصلِ، وله علاقةٌ بالتهابِ العضلاتِ، واختلالِ التوازنِ العصبيِّ، وهو مانعٌ للتَّجَلُّطِ، وسقوطِ الشعرِ، وتضخُّمِ البروستاتِ، ويَحُولُ دونَ تجعُّد الوجهِ، وأمّا الصوديوم فله دورٌ خطيرٌ في بلازما الدمِ، وأما البوتاسيوم فهو ضروريٌّ للأعصابِ، والقلبِ، والشرايينِ، والعضلاتِ، وكلما تقَدَّمتْ بالإنسانِ السِّنُّ فهو في أَمَسِّ الحاجةِ إلى البوتاسيوم، وأمّا الحديدُ فنَقْصُه يسبِّبُ فَقْراً في الدم، وأما الكالسيوم فهو لِبِناءِ العظامِ عند الناس، ولا سيما الأطفالُ، فكلُّ هذه المعادنِ نجدها في زيتِ الزيتونِ، إضافةً إلى الدهنِ، وأمّا عن البروتين، وعن الماءِ فما الذي يسبِّبه نقصُ هذه الموادِ في الجسمِ؟ إنه يسبِّبُ انحطاطَ النشاطِ الفكرِيِّ، وضعفَ الذاكرةِ، وتراخيَ الجسدِ، وسرعةَ التعبِ، والحساسيةَ للبردِ في الأصابعِ، والأطرافِ، والإمساكَ، وضعفَ الشهيةِ للطعامِ، وبطءَ شفاءِ الجروحِ، وحكَّةً في الجلدِ، وتسوُّساً في الأسنان، واختلاجاً في الأجفان، وزوايا الفمِ، وتشنُّجاً في العضلاتِ في الليلِ، ونوماً غيرَ مريح، وآلاماً في المفاصلِ، فنقْصُ هذه الموادِّ المجموعةِ في زيتِ الزيتونِ يسبِّبُ هذه المتاعبَ كلَّها. هذا الزيتُ له فعْلٌ مُلَيِّنٌ ملطِّفٌ، يُستعمَل كمضادٍّ للإمساكِ، يلطِّفُ السطوحَ الملتهبةَ، يُستعمَل في تليينِ قشورِ الجلودِ، ويؤخِّر الشيبَ، ويحدُّ مِن انتشارِه.

стр. 391

وفي عام (١٩٩٠) جَرَتْ دراسةٌ مستفيضةٌ، ثَبَتَ بموجِبِها أنّ زيتَ الزيتونِ يخفِّفُ الضغطَ، ويخفِّف سكرَ الدمِ، ويخفِّفُ الكولسترول في الدمِ، وكانت نسبةُ الضغطِ والسكرِ والكولسترول أَقَلَّ بكثيرٍ عند الذين يأكلون زيتَ الزيتونِ، مقارنةً بالذين لا يأكلونه، وقد أُجْرِيَتْ هذه الدراسةُ على مئةِ ألفِ شخصٍ. وقد عثرتُ في موقعٍ معلوماتيٍّ على حقيقةٍ دقيقةٍ جداً، وهي أنّ علماءَ بريطانيِّين توصَّلوا إلى أدلةٍ جديدةٍ تثبتُ المنافعَ الوقائيةَ لزيتِ الزيتونِ في علاجِ سرطانِ الأمعاءِ، الذي يذهبُ ضحيتَه عشرون ألفَ شخصٍ سنوياً في بريطانيا وحْدَها، وفي العالَمِ رقمٌ كبيرٌ لمَرضَى وَرَمِ الأمعاءِ الخبيثةِ. وثَمَّةَ باحثون آخرون وَجَدوا أنّ زيتَ الزيتونِ يتفاعلُ في المعدةِ مع حامضٍ مِعَوِيٍّ، ويمنعُ الإصابةَ بمرضِ السرطانِ. إنّ الإصابةَ بهذا المرضِ (السرطان) منتشرةٌ في ثمانيةٍ وعشرين بلداً في العالمِ، يقعُ معظمُها في أوربة، وأمريكا، والبرازيل، وكولومبيا، وكندا، والصينِ، ووَجَدَ الباحثون أنّ عواملَ غذائيةً تسبِّبُ إصابةَ الشخصِ بهذا المرضِ، وهذه النِّسَبُ تَقِلُّ كثيراً عند مَن يأكلون الخَضْراواتِ والحبوبَ. وبَعْدَ دراسةٍ مستقصيةٍ دقيقةٍ جداً وجَدوا أنّ غذاءَ شعوبِ الشرقِ الأوسطِ أفضلُ غذاءٍ في العالَمِ، لأنهم فقراءُ، ولأنّ اعتمادَهم على الخضراواتِ الكاملةِ، فلا تجد العصيرَ المعلَّبَ عندهم، فهذه الموادُّ السيللوزيةُ التي هي قوامُ الخضراواتِ والفواكهِ تسرِّعُ عمليةَ الهضمِ، وتمتصُّ الفائضَ من الكوليسترول، وتقَلِّلُ مدَّةَ بقاءِ الطعامِ في الأمعاءِ، ثم إنّ زيتَ الزيتونِ غذاءٌ أساسيٌّ في هذه البلادِ، وإنّ البروتينَ النباتيَّ المفضَّلَ عندهم كالحِمِّصِ والفولِ أيضاً هو أفضلُ أنواعِ البروتينِ، أمّا الأمراضُ الخطيرةُ في البلادِ الغنيةِ جداً فإنّها تصل إلى ثمانيةِ أضعافٍ، لأنهم أغنياءُ، ويأكلون اللحومَ بكمياتٍ كبيرةٍ.

стр. 392

وفي هذه الدراسة أيضاً وُجِدَ أنّ خطرَ الإصابةِ بأمراضِ الأمعاءِ تَقِلُّ مع تناولِ وجباتٍ غذائيةٍ غنيةٍ بزيتِ الزيتونِ، بل إنّ فوائدَ زيتِ الزيتونِ لا تقتصِرُ على الوقايةِ من أمراضِ القلبِ، فهي تَقِي من أمراضٍ كثيرةٍ جداً، وقد ذُكِرَ بعضُها في هذه الدراسةِ، بل إنّ عُمُرَ الإنسانِ كما يقولُ بعضُ الأطباءِ من عمُرِ شرايينِه، وزيتُ الزيتونِ أحدُ الأغذيةِ الأساسيةِ في الحفاظِ على مرونةِ الشرايينِ. لقد سمَّاها اللهُ في القرآنِ شجرةً مباركةً، فكلوا الزيتَ، وادَّهِنوا به، "فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". إنّ المقالاتِ التي كانت تُنْشَرُ، وتُحَذِّرُ من زيتِ الزيتونِ ليست مقالاتٍ علميةً، لأنها كانتْ تابعةً لمعاملَ تصنعُ الزيوتَ التي تنتجُها تلك الدولُ الغنيةُ، فمِن أجلِ ترويجِها، وصرفِ الناسِ عن الزيوتِ الأساسيةِ كانت تُنْشَرُ هذه المقالاتُ، فَلْنَحْذَرْ هذا الوهمَ، وهذا الدجلَ حتى فِي القالاتِ العلميةِ. سقتُ هذه الحقائقَ لأَبيِّنَ لكم حقيقةَ قولِ اللهِ في القرآنِ الكريم: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] . وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". أليست هذه الدراسةُ العلميةُ حولَ مكوِّناتِ الزيتِ، وحولَ الفوائدِ الجمَّةِ التي تحقِّقُها هذه المعادنُ في جسم الإنسانِ دليلاً على نبوَّةِ النبيِّ ﵊؟ ينبغي ألا نُؤْخَذَ بأقوالِ الشاردينَ، فهؤلاءِ عرفوا بعضَ الحقائقِ، ولم يعرفوا الحقائقَ كلَّها، كما ينبغي أنْ نتيقَّنَ مِن أنّ هذه المقالةَ علميةٌ، أم هدفُها توفيرُ ربحٍ جزيلٍ لجهاتٍ اقتصاديةٍ، وهناك فرقٌ كبيرٌ بين الحالتين. زيت الزيتون وقود للجسم البشري

стр. 393

لقد سمَّى ربُّنا زيتَ الزيتونِ وقوداً، فقال سبحانه: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] ، ومعنى كونِه وقوداً أنه وقودٌ لهذا الجسمِ البَشَرِيِّ. لقد اكتشفَ العلماءُ أنّ كلَّ غرامٍ واحدٍ من زيتِ الزيتونِ فيه ثماني حُرَيْرَاتٍ - ثماني وحداتٍ حراريةٍ - فإذا تناولَ الإنسانُ مئةَ غرامٍ فكأنما استمدَّ طاقةً تزيدُ على ثمانمئة حُريرةٍ، أي على نصفِ حاجتهِ اليوميةِ مِنَ الغذاءِ. الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ أنّ اللهَ جَعَلَ في هذا الزيتِ خاصّةً، وهي أنه مادّةٌ دسمةٌ غيرُ مُشْبَعَةٍ، ومعنى أنها غيرُ مشبَعةٍ، أي تلتهمُ ذرَّاتِ الدهنِ العالقةَ في الدمِ. يقولُ بعضُ الأطباءِ: "إنَّ عمُرَ الإنسانِ من عُمُرِ شرايينِه"، ومن الأمراضِ الخطيرةِ مرضُ تصلُّبِ الشرايينِ، وترسُّبِ الموادِّ الدهنيةِ على جُدُرِها، حيثُ تضيقُ اللمعةُ، ويجهدُ القلبُ. والشيءُ الدقيقُ أنّ اللهَ جَعَلَ في هذا الزيتِ مادّةً مليِّنةً للشرايينِ، ومادّةً مجرِّفةً للدهونِ التي تترسَّبُ على جدرانها، وجعلَ في هذا الزيتِ مادّةً دهنيةً غيرَ مشبعةٍ، أمّا الزيوتُ الحيوانيةُ المشبعةُ فهي تبقى عالقةً في الدمِ، ويمكنُ مع النومِ الطويلِ المديدِ أنْ تترسَّبَ على جدرانِ الشرايينِ، ممّا يسبِّبُ ضيقَها، وتصلُّبَها، وما إلى ذلك من متاعبَ قلبيَّةٍ خطيرةٍ، يقول تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] . وفي آيةٍ ثانيةٍ يقولُ اللهُ ﷻ : ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ [النور: ٣٥] .

стр. 394

لقد وقفَ العلماءُ عند هاتينِ الآيتينِ، أمامَ هذه الشجرةِ المباركةِ، شجرةِ الزيتونِ، وحِيَالَ زيتِها الذي يُعدُّ المادةَ الدهنيةَ الأولى في حياةِ الإنسانِ. ظنَّ بعضُ العلماءِ لعدمِ اطِّلاعِهم، أو لعدمِ تحقُّقِهم من خيريةِ هذه الشجرةِ، أنَّ الموادَ التي تنتجُها ضارَّةٌ، لكنّ القرآنَ الكريمَ، وسنّةَ النبي ﵊ ذَكَرَا غيرَ ذلك. وتؤكِّدُ البحوثُ العلميةُ الصحيحةُ التي ظهرتْ قبل سنواتٍ أنّ زيتَ هذه الشجرةِ وقودٌ للإنسانِ، فهو طاقةٌ مُثلَى للبَشَرِ. كمَا مَيَّز علماءُ التغذيةِ بينَ الحوامضِ الدهنيةِ المشبعةِ وغيرِ المشبعةِ، فهناك موادُّ دسمةٌ مشبعةٌ، وهذه تبقى عالقةً في الدمِ، وربما تراكمتْ في جدرانِ الشرايينِ فسبَّبَتْ تضيُّقَها، وسبَّبتْ تصلُّبَها، وسبَّبتْ ضَعفَ القلبِ، فالموادُّ الدهنيةُ المشبعةُ ضارةٌ بالإنسانِ، لكنّ الموادَّ الدهنيةَ غيرَ المشبعةِ تتوازنُ حينما تلتهمُ بقيةَ الأنواعِ الدهنيةِ، فوَصَفَ العلماءُ زيتَ الزيتونِ بأنه حوامضُ دهنيةٌ غيرُ مشبعةٍ، تفيدُ الجسمَ، وتمنعُ الترسباتِ الدُّهنيةَ في جدرانِ الشرايينِ الدمويةِ، بعكس الحوامضِ الدهنيةِ المشبعةِ الموجودةِ في أكثرِ الزيوتِ الحيوانيةِ، وهذه الزيوتُ الحيوانيةُ المشبعةُ تسبِّبُ تصلُّبَ الشرايين، وضعفَ القلبِ، لذلك ينصحُ الأطباءُ أنْ يتناولَ الإنسانُ مِلعقةً من زيتِ الزيتونِ كلَّ يومٍ لِيَقِيَ، ويعالِجَ بها تصلُّبَ الشرايينِ، وهذا الزيتُ يُطلِقُ البطنَ، ويسكِّنُ أوجاعَه، ويخرج الدودَ، وأغلبُ الدهونِ الحيوانيةِ يزعجُ المعدةَ، إلا زيتَ الزيتونِ، وهو يُقَوِّي اللِّثةَ والأسنانَ، ويُلينُ الجلدَ، وهو حمضٌ دهنيٌّ غيرُ مشبعٍ، ولا يترسَّبُ على جُدُرِ الأمعاءِ، ولا يسبِّبُ تضيقاً في الشرايين، ولا تصلُّباً لها، هذا معنى قولِ اللهِ : ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ، وقولِه: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] ، وفي آيةٍ ثالثةٍ: ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١] .

стр. 395

وفي حديثٍ صحيحٍ عن النبيِّ ﷺ : "كُلُوا الزَّيْتَ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا؛ بِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". فكلَّما تقدَّمَ العلمُ اقتربَ ممّا في القرآنِ والسنةِ من حقائقَ، وكلما ابتعدَ عن القرآنِ والسنةِ فهذا دليلُ تخلُّفِه، ودليلُ نقصِه، وانحرافِه عن الحقيقةِ التي جاء بها القرآنُ والسُّنةُ. قال ابنُ القيِّم عن زيتِ الزيتونِ: "فالمعتَصَرُ من النضيحِ أعدَلُه وأجودُه ... ومن الأسودِ يسخِّن ويرطِّب باعتدالٍ، وينفعُ من السمومِ، ويطلقُ البطنَ، ويخرجُ الدودَ، والعتيقُ منه أشدُّ تسخيناً وتحليلاً، وما استُخرِجَ منه بالماءِ فهو أقلُّ حرارةً، وألطفُ، وأبلغُ في النفعِ، وجميعُ أصنافِه مُلَيِّنةٌ للبشرةِ، وتبطىء الشيبَ، وماءُ الزيتونِ المالحِ يمنعُ من تنفُّطِ حَرقِ النارِ، ويشدُّ اللِّثةَ، وورقُه ينفعُ من الحمرةِ، والنملةِ، والقروحِ الوسخةِ، ويمنع العرق، ومنافعُه أضعافُ ما ذَكَرْنَا". اليقطين يقولُ الله : ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ، يعني على النبيِّ الكريمِ يونسَ ﵇. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: "إِنَّ خَيَّاطاً دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خُبْزاً مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقاً فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ". وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ يَأْكُلُهَا".

стр. 396

وعَنْ أَبِي طَالُوتَ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يَأْكُلُ الْقَرْعَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا لَكِ شَجَرَةً، مَا أَحَبَّكِ إِلَيَّ لِحُبِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاكِ". قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ هذه الآيةِ: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ : "وذَكرَ بعضُهم في القرعِ فوائدَ، منها سرعةُ نباتِه، وتظليلِ ورقِه لِكِبَرِه، ونعومَتهِ، وأنه لا يقربُها الذبابُ، وجودةُ تغذيةِ ثمرِه، وأنه يُؤكَلُ نِيْئاً، ومطبوخاً بِلُبِّهِ، وقشره أيضاً، وقد ثبتَ أنّ رسول الله ﷺ كان يحبُّ الدباءَ، وَيتَتَبَّعهُ من نواحي الصَّحْفةِ". وقال ابنُ قيِّم الجوزيةِ: "اليقطينُ باردٌ رطبٌ، يغذو غذاء يسيراً، وهو سريع الانحدار، وإن لم يفسُدْ قبلَ الهضمِ توَلَّد منه خلطٌ محمودٌ ... وهو لطيفٌ مائيٌّ، يغذو غذاءً رطباً بلغميّاً، وينفعُ المحرورين، ولا يلائِم المبرودين، وماؤهُ يقطعُ العطشَ، ويُذهِبُ الصداعَ الحارَّ إذا شُرِبَ، أو غُسِلَ به الرأسُ، وهو مليِّن للبطنِ ... وبالجملةِ فهو مِن ألطفِ الأغذيةِ، وأسرعِها انفعالاً". وهو غنيٌّ بالسكريات - هذا كلام الأطباء المحدثين - والفيتامينات (أ - ب) ، وفيه حديدٌ وكلسٌ، وفيه عناصرُ فعالةٌ كالقَرعِين، وفيه حوامضُ أمينيةٌ كاللوسين، وهو غيرُ مُهَيِّجٍ، وهو هاضِمٌ، مسكِّن، مُرطِّب، مُلَيِّنٌ، مُدِرٌّ للبولِ، ويطردُ سوائلَ الوزماتِ والانصباباتِ، مطهِّرٌ للصدرِ، والمجاري التنفسيةِ، والمجارِي البوليةِ، ويفيدُ في معالجةِ التهابِ المجارِي البوليةِ، والبواسيرِ، والإمساكِ، وانحباس البول، كما يفيدُ في معالجةِ الوَهَنِ، وعسرِ الهضمِ، والتهاباتِ الأمعاءِ، ويفيدُ المصابين بالعللِ القلبيةِ، والأرقِ، ومرضى السكريِّ، ويفيدُ في آفاتِ المستقيمِ. والقاعدةُ الذهبيةُ تقولُ: " أفضلُ دواءٍ ما كان غذاءً، وأفضل غذاءٍ ما كان دواءً".

стр. 397

قال ابنُ القيِّم في زادِ المعادِ: "يقطين: وهو الدُّباءُ والقرعُ، وإن كان اليقطينُ أعَمَّ، فإنّه في اللغة كلُّ شجرةٍ لا تقومُ على ساقٍ، كالبطيخِ، والقثَّاءِ، والخيارِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ، فإنْ قيل: ما لا يقومُ على ساقٍ يُسمَّى نجماً لا شجراً، والشجرُ: ما له ساقٌ، قاله أهلُ اللغةِ، فكيف قال: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ ؟ فالجواب أنّ الشجرَ إذا أُطْلِقَ كان ماله ساقٌ يقومُ عليه، وإذا قُيِّدَ - كما هو في قوله "شجرة من يقطين" - بشيءٍ تَقَيَّدَ له، فالفرقُ بين المطلقِ والمقيَّدِ في الأسماءِ بابٌ مهمٌّ، عظيمُ النفعِ في الفهمِ، ومراتبِ اللغة". اللفت غذاء ودواء

стр. 398

لفتَ نظري أنّ هذا الغذاءَ الذي نأكلُه هو إلى أن يكون دواءً أقربُ منه إلى أنْ يكونَ غذاءً، فهذه الأغذيةُ أوْدَعَ اللهُ فيها موادَّ فعّالةً تَشفِي كثيراً من الأمراضِ، فهذا اللّفتُ يُعدّ مِن أفْضلِ مرمّماتِ الدّمِ، لِمَا فيه مِنَ الأملاحِ المعدنيّةِ، فالدمُّ يحتاجُ إلى ترميمٍ دائمٍ، ويُعدّ اللّفتُ من أفضلِ مرمِّماتِ الدّم ومقوّماتِه، وهو أحدُ النباتاتِ التي تحوي أكبرَ كميّةٍ من الكالسيوم لبناءِ العظامِ والأسنانِ، وهذا اللّفتُ يَقِي مِن كثيرٍ من الأمراضِ، بِفَضلِ كميّةِ المِغْنِزْيُوم التي يحتوي عليها، فهو يَقِي - كما يقول بعضُ الأطبّاءِ - مِن الأورامِ السرطانيّةِ، بفضْلِ مادّةِ المغنزيوم، وبفضل آزوتِه، فهو مُنَقٍّ للدّمِ، ويحصّنُ العضويّةَ من الأمراضِ، والبوتاسيوم الذي في اللّفتِ يجعَلُ منه أحسنَ الخُضَرِ التي تجنّبُ العضويَةَ تراكمَ الشّحومِ، فهو مُذيبٌ للشّحومِ في الدّمِ، وفيه زرنيخ، والزرنيخُ يُسْهم في تكوينِ الكرياتِ البيضِ والحمرِ، وهو غنيّ بِحامضِ الفوسفورِ، وحامضُ الفوسفورِ يغذّي الخليّةَ العصبيّةَ، كمن كان له عملٌ فكريٌّ، فاللّفتُ يُغذّي الدّماغَ والأعصابَ، وأوراقُ اللّفتِ غنيّةٌ بالحديدِ والنحاسِ، وهذه تفيدُ في إغناء الدمِّ، وغنيّةٌ باليودِ، وهذه تفيدُ في الغدّةِ الدرقيّةِ، وغنيّةٌ بالفيتامينات (أ) ، و (ب) ، و (س) ، وعصيرُ اللّفتِ يسهّلُ تفتُّتَ حصيَاتِ الكليَّةِ، فمَن يشكو حصاةً في كُليتِهِ فلْيشْربْ عصيرَ اللّفتِ، ومغليُّ اللّفتِ يُطهّرُ المجارِي التنفسيّةَ، والحَلْقَ، والبلعوم، ويَقِي من الدماملِ، والخراجات، وبصول الجلديّةِ، ويُستعمَلُ اللّفتُ كلُصَاقَاتٍ للجلدِ أيضاً، سبحان الله! أغذاءٌ هُوَ، أم دواءٌ؟! هكذا أوْدعَ اللهُ في هذه الخَضراواتِ بعضَ الأدويَةِ، لذلك يقولُ الأطبّاءُ: اعْدِل عن الدواءِ إلى الغذاءِ، ونوِّع فيه، وإذا أكلتَ من كلِّ الخَضراواتِ، فقد جمعْتَ كلّ الأدويَةِ، وأنتَ لا تشعرُ. نبات الفجل

стр. 399

إننا نجدُ نباتَ الفجلِ في الأسواق، قد نشتريهِ، وربَّما لا نشتريهِ، وقد يتندَّرُ بعضُ الناسِ فيقولُ: أَرْخَصُ مِن الفجلِ، لِقِلَّةِ شأنِ هذا النباتِ عندهم. قال العلماءُ: يَحوِي هذا النباتُ موادَّ آزوتيةً، ومقاديرَ من الموادِّ النشويةِ، والمعدنيةِ، كما يَحوِي نسبةً جيدةً مِنَ الفيتامين (س) ، وباحتوائِه هذه الفيتاميناتِ فإنه يَحوِي أيضاً على الكالسيوم، والحديدَ، ونظراً لاحتوائِه هذه الفيتاميناتِ، فإنه مُقَوٍّ للعظامِ، ومُدِرٌّ للبولِ، ويفيدُ عصيرُه في تفتيتِ حَصَيَاتِ الكُليتين، وفي تفتيتِ حَصَيَاتِ الصفراءِ، ويذيبُ الرمالَ البوليةَ، ويشفي من النوبةِ الكبديةِ، ويساعدُ على الهضمِ، ويُستعمَلُ في بعضِ الدولِ المتقدمةِ - بِمقياسِ العصرِ طبعاً - كعلاجٍ لمكافحةِ السعالِ الديكِيِّ. سبحانك يا رب! كلُّ هذه الموادِّ، وهذه المعادنِ، وهذه الفيتاميناتِ في هذا النباتِ الذي لا يعبأُ الناسُ بهِ! خَلَقَ اللهُ كلَّ شيءٍ فأبدعَ خَلْقَه، وأتقنَ صُنْعَه، وجعلَ مِن هذا النباتِ شيئاً موزوناً.. ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحِجر: ١٩] . إنّ نسبةَ احتوائِه على هذه الموادِّ: خمسةٌ وثمانون بالمئة ماءً، وفيه موادُّ آزوتيةٌ، ومقاديرُ من الموادِ النشويةِ، والمعدنيةِ، وفيتامين (أ) ، وفيتامين (س) ، وكالسيوم، وحديدٌ، وحموضٌ معيّنةٌ، هذه كلُّها مِن أجلِ أنْ تقيَ الإنسانَ بعضَ الأمراضِ، وأنْ تُعِينَه على ترميمِ بعضِ الأعضاءِ، وإنّ اللهَ جَعَلَ مِن هذه النباتاتِ آيةً دالةً على عظمتِه .. ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤-٣٢] . نبات الملفوف

стр. 400

في بحثٍ طريفٍ عن "الملفوف"، هذا النباتُ الذي يأكلُه الناسُ في الشتاءِ ثَبَتَ أنه يَحوي أَعْلَى درجةٍ مِن الفيتامينِ (س) مِن بينِ كلِّ الخضراواتِ، حتّى إنّ نسبةَ هذا الفيتامينِ فيه أعلى مِن نسبتِه في الليمونِ، وينبتُ هذا النباتُ في الشتاءِ، وأمراضُ البردِ معروفةٌ، فما هذا التوافقُ العجيبُ بينَ كونِ هذا النباتِ ينبتُ شتاءً، واحتوائِه أعلى نسبةٍ من الفيتامين (س) الذي يقاوِمُ أمراضَ البردِ، وهذه النسبةُ موجودةٌ في هذا النباتِ، وفي الليمونِ، والحمضياتِ، ويحتلُّ الملفوفُ الدرجةَ العُلْيَا في نسبةِ هذا الفيتامينِ (س) . شيءٌ آخرُ، يَحوِي الملفوفُ فيتاميناتٍ أخرى، كالفيتامين (ب) ، و (ك) وفيه معادنُ، كالكلسِ، والكبريتِ، والفوسفورِ. قال العلماءُ: "إنّ هذا النباتَ يُزِيلُ التَّعَبَ، ويقاوِمُ الزُّكامَ، ويَشفِي مِنَ الطَّفحِ الجِلديِّ، ويُقّوِّي الشَّعْرَ، والأظافرَ، ويُنَمِّي العظامَ، وهذه استطباباتُه الوقائيةُ". وأمّا استطباباتُه العلاجيةُ: فهو يقاوِمُ ديدانَ البطنِ، والتهابَ القصباتِ، وهو مفيدٌ للأطفالِ والمراهقينَ، لأنّ فيه نسبةً عاليةً من الكِلْس تساعدُ على نموِّ عظامِهم، وهو علاجٌ للقصورِ الكُلَوِيِّ، ففيه البوتاس، الذي يطردُ الماءَ الزائدَ مِن الأنسجة، فهو علاجٌ فعّالٌ للأمراضِ الكُلويّةِ، وفيه علاجٌ لأمراضِ القلبِ، وفيه مادةٌ مشابهةٌ تماماً للأنسولين، إذاً فيه علاجٌ لمرضِ السُكّر، وفيه علاجٌ مِن حالةِ التسمُّمِ الدوائيِّ، وفيه علاجٌ لمرضِ القَرحةِ، وهو مبذولٌ في الأسواقِ. كأنّ هذا الغذاءَ الذي نظنُّ أنه غذاءٌ، إنما هو إلى أنْ يكونَ دواءً أقربُ، كأن هذه النباتاتِ التي خلقها الله ، خلقها لتحقّقَ طبًّا وقائياً، وإذا كان الخَلَل حقّقتْ طبًّا علاجياً. يجبُ أنْ نعلمَ علمَ اليقينِ أنّ الذي خَلَقَ الإنسانَ هو الذي خَلَقَ هذا النباتَ، فما هذا التوافقُ العجيبُ؟ ومَا هذه العلاقةُ الوَشِيجةُ بين بُنْيَة خَلْق الإنسان، ونِسَب هذه الموادِّ في هذا النبات؟ إنه خَلْقُ الله .

стр. 401

قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤-٣٢] . يقولُ النبيُّ ﵊: "أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ؛ خَشْيَةِ اللهِ فَي السِّرِّ وَالْعَلانَيَّةِ، وَالْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي، وَأنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً، وَنُطْقِي ذِكْراً، وَنَظَرِي عِبْرَةً". فإذَا قرأتَ، وإذَا نظرتَ، وإذَا تأمَّلتَ فلا تنسَ أنْ تستنبطَ الموعظةَ، لأنّ اللهَ بثَّ في الأرضِ آياتٍ للموقنينَ، وبثَّ في النفسِ وفي السماواتِ والأرضِ آياتٍ لا حصْرَ لها. الشاي الأخضر وعلاقته بالأورام الخبيثة سُئِلَ أحدُ المفكِّرين: ماذا نأخذُ، وماذا نَدَعُ من الغربيين؟ فقال: نأخذُ ما في رؤوسِهم، ونَدَعُ ما في نفوسِهم، إحساسُنا ملْكُنا، وإحساسُهم لهم، قِيَمُنا لنا، وقِيَمُهُم لهم، أمّا هذه العلومُ فهي قاسمٌ مشترَكٌ بين كلِّ الأممِ والشعوبِ، بل إنه قال أيضاً: ثقافةُ أيِّ أمَةٍ هي ملكُ البشرية جمعاءَ، فهي بمثابةِ عسلٍ استُخِلصَ من زهراتٍ مختلفِ الشعوبِ على مرِّ الأجيالِ، فهذا العسلُ هو مُلكُ الإنسانيةِ كلِّها، وهل يُعقلُ إذا لَدَغَتْنا جماعةٌ مِنَ النحلِ أنْ نقاطِعَ عَسَلَها.

стр. 402

إنّ نِسَبَ الأورامِ الخبيثةِ في ازديادٍ مستمرٍّ، ومُخِيفٍ، وبسلاسل أعلى مِن عدديةٍ لعلّها هندسيةٌ، والسببُ كما تعلمون أنّ العصرَ الحديثَ فيه ظاهرةُ تغييرِ خَلْقِ اللهِ، وهذا التغييرُ وراءَ ارتفاعِ نِسَبِ الأورامِ الخبيثةِ في أكثرِ البلادِ المتخلفةِ، وكلُّكم يعلمُ أنّ في الإنسانِ جهازاً خطيراً جداً، هو جهازُ المناعةِ المكتسبُ، وهذا الجهازُ هو جيشٌ بكلِّ ما في هذه الكلمةِ من معنى، فيه فرقةُ استطلاعٍ، وفرقةُ تصنيعِ أسلحةٍ، وفرقةُ قتالٍ، وفرقةُ هندسيةٍ، وهناك فرقةُ مغاوير، هذه الفرقةُ تستطيعُ أنْ تكتشفَ انحرافَ الخليةِ في وقتٍ مبكِّرٍ جداً، وتلتهمَها، بل إنّ أحدثَ العلومِ التي تبحثُ في علمِ الهندسةِ الوراثيةِ اكتشفَ أنّ في الإنسانِ موَرِّثاً للورمِ الخبيثِ، له قامعٌ يمنعُه من أنْ يكونَ فعَّالاً، هذا القامعُ ما الذي يَفُكُّه؟ قالوا: يَفُكُّهُ ذرّةُ البلاستيك، فإذا استعْمَلْنا البلاستيك على نحوٍ مكثَّفٍ مع الموادِّ الحارّةِ، والموادِّ الحامضيةِ، وإذا استعملناهُ على نحوٍ ميكانيكي، أي: كَشَطْنا بالسكينِ مادةً غذائيةً معبَّأةً في البلاستيك، فربّما دخلتْ بعضُ ذرّاتِ البلاستيك إلى أجسامِنا، وهذه الذرةُ يمكنُ أنْ تَفُكَّ القامعَ الذي يمنعُ مُوَرِّثَ الورمِ الخبيثِ مِن أنْ يفعلَ فعْلَهُ. شيءٌ آخرُ؛ ذرّةُ البترول هذه لو استنْشَقْنَاها، أو أكلْنَاها بطريقةٍ أو بأخرَى خطأً، أو بغير خطإٍ، هذه أيضاً تَفُكُّ القامعَ الذي يقمعُ هذا المورِّثَ عن أنْ يفعلَ فعْلَه. والموادُّ المشعَّةُ لها دورٌ كبيرٌ في إحداثِ هذه الأورامِ، ثم إنّ الشدةَ النفسيةَ التي يعاني منها معظمُ الناسِ، والواقعين في الشركِ الخفِيِّ، إنهم يتحمَّلون من الضغطِ ما لا يتحملون، وهذه الشدةُ النفسيةُ أحدُ أسبابِ هذه الأورامِ، والآية الكريمة: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ [الشعراء: ٢١٣] .

стр. 403

قال العلماءُ عن جهازِ المناعةِ المكتَسَبِ: "إنّ قيادَتَه خارج الجسمِ بيدِ اللهِ ، وإنّ الحُبَّ، والأمنَ، والمودَّةَ تقوِّي هذا الجهازَ، وإنّ الخوفَ، والقلقَ، والحقدَ تُضعِفُ هذا الجهازَ"، وقد ذكَرَ النبيُّ ﵊ أنّ الحبّةَ السوداءَ تشفِي من كلِّ داءٍ، وقد عُقِدَ مؤتمرٌ في القاهرةِ من أجلِ بحثِ ما في هذه الحبةِ السوداءِ، فإذا هي تُقَوِّي جهازَ المناعةِ، وجهازُ المناعةِ هذا مسؤولٌ عن الأمراضِ الخبيثةِ، والجرثوميةِ. لكنّ هذا تمهيدٌ لموضوعٍ دقيق، فمَن منّا يصدِّقُ أنّ استهلاكَ العالَمِ للشايِ خمسةُ ملايين طنٍّ، وأنّ خُمسَ هذه الكميةِ من الشايِ الأخضرِ، وقد ثَبَتَ بالتجارِبِ العلميةِ أنّ له مفعولاً مضاداً للسرطانِ، كما يَنْصِبُ فخّاً للموادِ الكيماويةِ المسبِّبة للسرطانِ، وهيَ تَقِي في الأعمِّ الأغلبِ مِنَ الورمِ الخبيثِ المَعَوِيِّ. إنّ شُربَ الشايِ الأخضرِ مع الطعامِ عادةٌ شعبيةٌ في اليابانِ، لذلك فإنّ هذا البلدَ أقلُّ نسبةً من حيث الإصابةُ بهذا المرض، هذه الحقيقةُ قرأتُها في مجلةٍ رصينة، أردتُ أنْ أضعَها بين أيديكم. على كلٍّ، فإنّ صحةَ الإنسانِ ليست مُلْكَه، إنها مُلكُ أُسْرتِه، ومُلكُ المسلمين، وهي رأسُماله، وإنّ الأجلَ لا يتقدَّم، ولا يتأخَّرُ، ولكنَّ الإنسانَ قد يعيشُ مريضاً، وقد يعيش صحيحاً، هذا متعلِّق بمدى اتّباعِه لسنةِ النبيِّ ﵊، وإنّ التوحيدَ رأسُ الوقايةِ مِن هذه الأمراضِ، لأنّه يُبعِدُك عن الشدةِ النفسيةِ التي وراءَ أكثرِ الأمراضِ. هذه حقائقُ يجبُ أنْ نأخذَ بها، وأنْ نعتنيَ بصحّتِنا؛ لأنها رأسُ مالنا، ووعاءُ أعمالِنا، وسبيلُنا إلى كسبِ رضاءِ اللهِ . الحمضيات وعلاقتها بفصل الشتاء في هذه الفواكهِ التي خَلَقَهَا اللهُ لنا حِكَمٌ بالغةٌ لا يعرفُها إلا العلماءُ الذين نَقَّبوا في أسرارِها، فلماذا كانت الحمضياتُ في الشتاءِ؟.

стр. 404

هذا بحثٌ علميٌّ دقيقٌ يتحدثُ عن فوائدِ بعضِ الحمضياتِ، وكيفَ أنّها تنضجُ في فصلِ الشتاءِ دونَ غيرِه من الفصولِ؟ قال بعضُ العلماءِ: لأنَّ في البرتقالِ مركباتٍ غذائيةً، وفيتاميناتٍ واقيةً، أبرزُ هذه الفيتاميناتِ فيتامينُ (ج) ، هذا الفيتامين يقاوِمُ ضَعْفَ البُنْيةِ، ويقاوِمُ إدماءَ الجلدِ، ويقاوِم تَحَلُّلَ المادةِ الكلسيةِ في العظامِ، ويقاوِم ارتباكَ الهضمِ، ويقاوِم فَقْدَ الشهيةِ، ويقاوِم الالتهاباتِ، وفي مقدورِ برتقالةٍ واحدةٍ أنْ تُمِدَّ الإنسانَ بكلِّ ما يحتاجُه مِن هذا الفيتامين في اليومِ، ونقصُ هذا الفيتامين في لَبَنِ الأمِّ، أو في لبنِ الإرضاعِ الصناعيِّ يعوَّض عنه بإعطاءِ الرضيعِ عصيرَ البرتقالِ، فلو أنّ الحليبَ الصناعيَّ الذي يأخذه الصغارُ حدِيثِي الولادةِ كان فيه نقصٌ في الحديدِ، وفي هذا الفيتامين فإنّ عصيرَ البرتقالِ للرضيعِ يعوِّضُ له كلَّ ما فَقَدَهُ من الحليبِ الصناعيِّ، ونقصِ الحديدِ في الغذاءِ. هذا الفيتامين يقاوِمُ كثيراً مِنَ السمومِ، وفي الدرجةِ الأولى أنَّ الليمونَ فيه خصائصُ لا تُصدَّقُ، فمثلاً لو وضعتَ عشرَ غراماتٍ في لترٍ، فإنَّ هذا المحلولَ يقتلُ كلَّ الجراثيمِ، فإذا أردتَ أنْ تعقِّمَ ماءً للشربِ في منطقةٍ ماؤُها مُلَوَّثٌ فما عليك إلاّ أنْ تَضَعَ في ماءِ الشربِ بضعَ قطراتٍ مِنْ عصيرِ الليمونِ، فإنَّ هذه القطراتِ تكفي للقضاءِ على جرثوم الكوليرا، والحُمَّى التيفيةِ، وهذه الفاكهةُ التي خَلَقَهَا اللهُ تقاوِمُ الروماتيزم، وتقاوِم أمراضَ المعدةِ، وتقوِّي القلبَ، وتقاوِم، أو تقضي على السُّمومِ التي يتناوُلها الإنسانُ خطأً في طعامِه، فهذا الليمونُ وُجِدَ ليكونَ دواءً قبلَ أنْ يكونَ غذاءً، بكلِّ ما في هذه الكلمةِ من معنى. هذه آياتُ اللهِ في خَلْقِه، هذه الفاكهةُ التي نظنُّ أنّها فاكهةٌ، هي مستودعٌ للأدويةِ، يَقِي، ويُقَوِّي، وَينشِّطُ، فإذَا فكَّرَ الإنسانُ في طعامِه خَشَعَ قلبُه، وانهمرتْ عيناه، وخَرَّ للهِ ساجداً. الموز قال تعالى متحدثاً عن فاكهة أهل الجنة: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] .

стр. 405

إنَّ مِنَ العجيبِ أنّ المئةَ غرامٍ من فاكهةِ المَوزِ تُعطِي مِن الحُرَيْرَاتِ ما تُعطِيه مئةُ غرامٍ أخرى مِنَ اللحمِ، فهي مِنَ الموادِّ التي تُعطِي الطاقةَ، وفي هذه الفاكهةِ نسبةٌ من الكالسيوم، والفوسفورِ، والحديدِ، والبوتاسيوم، والنحاسِ، والفلورِ، وهذه كلُّها معادنُ أساسيةٌ جداً يحتاجُها الإنسانُ، بل إنّ ثلاثَ حباتٍ من هذه الفاكهةِ تعطِي الإنسانَ كِفايتَه التامَّةَ مِن هذه المعادنِ في اليومِ، كما أنّ في هذه الفاكهةِ ثمانيَةَ فيتاميناتٍ أساسيةٍ، لها تأثيرٌ كبيرٌ في عملِ أجهزةِ الإنسانِ، ثم إنَّ هذه الفاكهةَ يكمِّلُها الحليبُ الذي امتنَّ اللهُ به علينا، والخبزُ الذي جَعَلَه قوتاً لنا. إذاً فالإنسانُ الذي يأكلُ هذه الفاكهةَ ينبغي أنْ يعلمَ علمَ اليقينِ أنّها مخلوقةٌ خِصِّيصى له، وإنّ الإنسانَ المؤمنَ يرى أنّ اللهَ سَخَّرَ له ما في الأرضِ جميعاً من تسخيرَ تكريمٍِ، وتسخيرَ تعريفٍ، فهذه العلاقةُ بين حاجةِ الجسمِ، ولا سيما جسمِ الأطفال، ومقوِّماتِ هذه الفاكهةِ علاقةٌ دقيقةٌ جداً، الكالسيوم مع الفوسفور، مع البوتاسيوم، مع النحاس، مع الفلور الذي يقاوِمُّ نخْرَ الأسنانِ، كلُّها في هذه الفاكهةِ، والفيتامين (ب ١) ، و (ب ٢) ، و (ب ٦) ، و (ب ١٢) ، وفيتامين (د) ، وفيتامين (و) ، ثمانيةُ أنواعٍ من الفيتامينات موجودةٌ في هذه الفاكهةِ، وفيها مِنَ الموادِّ السكريةِ، وبعضِ الموادِّ الدهنيةِ، وبعضِ الموادِّ البروتينيةِ، والماءِ، فهذه مِن نِعَمِ اللهِ التي امتنَّ اللهُ بها علينا؟!. المقدونس وفوائده الصحية كلما ازددتَ معرفةً بآياتِ اللهِ ازددتَ معرفةً باللهِ، فثمَّةَ شيءٌ لا يخطرُ على البالِ، هذا البقدونس الذي نأكله كلَّ يومٍ، فيه كثيرٌ من العناصرِ النادرةِ، وفيه زيتٌ طيار، مِلْعَقَتَا طعامٍ من هذا النباتِ مفروماً فرماً ناعماً تُمِدُّ الكائنَ الحيَّ بثلث الجرعةِ اليوميةِ من طليعةِ الفيتامين (أ) ، وثلثي الفيتامين (س) ، وثمنَ جرعةِ الحديدِ اليوميةِ.

стр. 406

الموادُّ النادرةُ في هذا البقدونس هي الزرنيخ، والبورون، والنحاس، والتيتانيوم، هذه موادٌّ نادرةٌ، موجودةٌ في البقدونس، لذلك قال بعض الأطباء: كُلْ كلَّ شيء باعتدالٍ؛ لأنّ كلَّ شيء فيه موادٌ مرمِّمةٌ، ومعالِجةٌ للجسمِ. ينصحُ الأطباءُ أنْ يوضعَ على المائدةِ قبلَ خمسِ دقائقَ من تناولِ الطعامِ؛ لأنّ فيه زيتاً طيّاراً، والفائدة في هذا الزيت الطيّارِ. هذا النباتُ دواءٌ مدرٌّ للبولِ، يُستخدَم في حالاتِ الاستسقاءِ، وفي حالاتِ الوزماتِ ذاتِ المنشأ القلبيِّ، ويُستخدمَ في تفتيت الحصى، ومعالجة أمراضِ الكليةِ، وأمراضِ المثانةِ، وفي أمراضِ الكبدِ، وفي الحويصلةِ الصفراويةِ (المرارة) ، وهذا النباتُ ينظِّم التنفسَ، وينشِّطُ القلبَ، ويعينُ على خروجِ الغازاتِ من الجسمِ، ويحسِّنُ الرؤية، ويقِي اللَّثةَ، ويشفي من لدغاتِ البعوضِ، والزنابيرِ، والنحلِ، ويقتلُ الطفيلياتِ، هذا النباتُ الذي لا نأبه له موجودٌ ومبذولٌ، وهو دواءٌ في الحقيقة، هذا النباتُ يُزيلُ رائحةَ الموادِّ الكريهةَ في الجسمِ، ويقوِّي غُدَّتَي الكظرِ، وهما الغدَّتان المسؤولتان عن معالجةِ حالاتِ الشدةِ التي تصيبُ الإنسانَ، والكظرُ يرفعُ ضرباتِ القلبِ، ويضيقُ الأوعيةَ الدمويةَ المحيطيةَ، ويرفعُ نسبةَ السكرِ في الدمِ، ويزيدُ وَجيبَ الرئتين. وهذا النباتُ يفيدُ الغدةَ الدرقيةَ، المسؤولةَ عن الاستقلابِ، ويقوِّي الأوعيةَ الدمويةَ، ويمنعُها مِنَ الانفجارِ عند ارتفاعِ الضغطِ، وهو نافعٌ لأمراضِ الجهازِ البولِيِّ التناسلِيِّ، ويساعدُ في حالِ تكوُّن الحصى في الكُليتين، وفي المثانةِ على تفتيتِها، ويعالجُ مرضَ الاستسقاءِ، ويعالجُ بعضَ أمراضِ العيونِ، ويحسِّنُ الدورةَ الشهريةَ، كما يُعدُّ مادَةً مِن موادِّ التجميلِ.

стр. 407

هذا النباتُ الذي بين أيدينا، لو تفكَّرَ الإنسانُ في هذا الغذاءِ الذي يأكله لأدرك عظمة خالقه، مَن أَوْدَعَ فيه هذه النِّسبَ مِن معادنَ وفيتاميناتٍ نادرةٍ؟ لذلك قالوا: خيرُ الدواءِ ما كان غذاءً، وخيرُ الغذاءِ ما كان دواءً.. دواءٌ نباتيٌّ متوازنٌ غيرُ مُؤْذٍ، أمّا الأدويةُ الكيماويةُ التي نأخذُها فهذه تَشفِي من جهةٍ، وتؤذِي من جهةٍ أخرى.. الخل عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ يَقُولُ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ فِلَقاً مِنْ خُبْرٍ، فَقَالَ: "مَا مِنْ أُدُمٍ؟ " فَقَالُوا: لاَ، إِلاَّ شَيءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: "فَإِنَّ الْخَلَّ نِعْمَ الأُدُمُ"، قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِيِّ اللهِ". وفي حديثٍ آخرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ الأُدُمُ أَوِ الإِدَامُ الْخَلُّ". اكتشفَ العلماءُ أنّ للخلِّ فوائدَ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، فقالوا: "الخلُّ يقتلُ الجراثيمَ خلالَ دقائقَ داخلَ المعدةِ"، فإذا لم يكن تعقيمُ طبقِ السَّلَطة جيداً فالخلُّ الذي فيها يعقّمُه، بل إنّه يَقِي المعدةَ من الإلتهابات والتَّسَمُّماتِ، وفيه مِنَ المعادنِ: البوتاسيوم، والفوسفور، والكلورين، والصوديوم، والمغنيزيوم، والكالسيوم، والكبريت، وقيمتُه الحروريةُ أو الكالورية صفرٌ، وهو يُداوِي التهاباتِ الفمِ والحلقِ، ويُزيلُ الشحومَ، ويسكِّنُ ألمَ الشقيقةَ، ويَشفِي التهابَ المفاصلِ، ويزيلُ الترسباتِ داخلَ شرايينِ الجسمِ، فكلامُ النبيِّ ﷺ هذا ليس من عندِه، إنِ هو إلا وحيٌ يوحَى، إنه طبيبُ القلوبِ، وطبيبُ الأجسامِ، والخلُّ مِن الطبِّ النبوي، ولا سيما خلُّ التفاحِ.

стр. 408

قال ابنُ القيِّم: "الخلُّ مركَّبٌ من الحرارةِ، والبرودةُ أغلبُ عليه ... يمنعُ من انصبابِ الموادِّ، ويلطِّفُ الطبيعةَ، والخَلُّ ينفعُ المعدةَ الملتهبةَ، ويقمعُ الصفراءَ، ويدفعُ ضررَ الأدويةِ القتَّالةِ، ويحلِّل اللبنَ والدمَ إذا جَمَدا في الجوفِ، وينفعُ الطحالَ، ويدبغُ المعدةَ، ويعقلُ البطنَ، ويقطعُ العطشَ، ويمنعُ الورمَ حيثُ يريدُ أنْ يحدثَ، ويُعِينُ على الهضمِ، ويضادُّ البلغمَ، ويلطِّف الأغذيةَ الغليظةَ، ويُرِقُّ الدمَ، وإذا شُرِبَ بالملحِ نَفَعَ مَن أَكَلَ الفِطْرَ القاتلَ، وإذا احتُسِيَ قَطَعَ العلقَ المتعلِّقَ بأصلِ الحنكِ، وإذا تُمُضمِضَ به مسخَّناً نَفَعَ من وجعِ الأسنانِ، وقَوَّى اللثةَ ... وهو نافعٌ للأورامِ الحارة، وحرِق النارِ، وهو مُشَهٍّ للأكلِ، مُطَيِّبٌ للمعدةِ ... ". لقد صَدَقَ رسولُ الله - الصادقُ المصدوقُ ﷺ حين قال: "نِعْمَ الأُدُمُ، أَوِ الإِدَامُ الْخَلُّ". السواك وأثره في الجراثيم عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ". وَرَدَ في مجلةٍ مشهورةٍ تصدرُ في بعضِ البلادِ العربيةِ الشقيقةِ مقالٌ لعالِمٍ متخصِّصٍ في علمِ الجراثيمِ والأوبئةِ في ألمانيا، يقول: "قَرأتُ عن السواكِ الذي يستعملُه العربُ كفرشاةٍ للأسنانِ في كتابٍ لرحَّالةٍ زارَ البلادَ العربيةَ". وعَرَضَ الكاتبُ الأمرَ بأسلوبٍ ساخرٍ لاذعٍ، اتّخذهُ دليلاً على تأخُّرِ هؤلاءِ الناسِ، الذين ينظِّفون أسنانَهم بأعوادٍ في القرنِ.

стр. 409

يقولُ هذا العالِمُ الألمانيُّ: "ولكنِّي أخذتُ هذه المسألةَ مِن وجهةِ نظرٍ أخرى، وفكَّرتُ: لماذا لا يكونُ وراءَ هذه القطعةِ مِنَ الخشبِ، والتي سَمَّيتُها فرشاةَ الأسنانِ العربيةَ حقيقةٌ علميةٌ، وتمَنَّيْتَ لو استطعتُ إجراءَ التجارِبِ عليها، ثم سافرَ زميلٌ لي إلى السودانِ، وعادَ، ومعه مجموعةٌ منها، وفوْراً بدأتُ إجراءَ تجارِبي عليها، سَحَقْتُهَا، وبلَّلتُها، ووضعتُ المسحوقَ المبَلَّلَ على مزارعِ الجراثيمِ، فظهرتْ لي المفاجأةُ التي لم أكنْ أتَوَقَّعُها، ظهرتْ على مزارعِ الجراثيمِ الآثارُ نفسُها التي يحقِّقها البنسلين، وهي مادةٌ فعَّالةٌ في قتلِ الجراثيمِ"، هذا ما قالَه العالِمُ الألمانيُّ المتخصِّصُ في علمِ الجراثيمِ والأوبئةِ. قال ابنُ القيَّم: "وفي السواكِ عدةُ منافعَ؛ يطيِّبُ الفمَ، ويشدُّ اللِّثَةَ، ويقطعُ البلغمَ، ويجلو البصرَ، ويُذهِبُ بالحَفَرِ، ويصحُّ المعدةَ، ويصفِّي الصوتَ، ويعينُ على هضمِ الطعامِ، ويسهِّلُ مجاري الكلامِ، وينشّطُ للقراءةِ، والذِّكرِ، والصلاةِ، ويطردُ النومَ، ويرضِي الربَّ، ويُعجِبُ الملائكةَ، ويُكثِرُ الحسناتِ". وقال: "وأصلِحُ ما اتُّخِذَ السواكُ مِن خشبِ الأراكِ ونحوِه، ولا ينبغي أنْ يؤخَذَ مِن شجرةٍ مجهولةٍ، فربما كانت سُمّاً، وينبغي القصدُ في استعمالِه، فإنْ بالغَ فيه فربما أذهبَ طلاوةَ الأسنانِ، وصقالتَها، وهيّأها لقبولِ الأبخرةِ المتصاعِدةِ منَ المعدةِ والأوساخِ". الحيوان قلب الأم في الكائنات الحية من آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه قلبُ الأمِّ، ليس ذلك القلبَ الماديَّ، المؤلَّفَ من أذينين وبطينين، وشرايين، وأوردةٍ، ولكنه قلبُ النفسِ، العلماءُ يقولون: إنَّ أقوى الدوافعِ في النوعِ البشريِّ دافعُ الأمومةِ، بل إنَّ دافعَ الأمومةِ أقوى الدوافعِ في الكائنات الحيةِ، والشواهدُ على رحمةِ الأمِّ في الكائناتِ الحيةِ لا في البشرِ وحْدَهم أكثرُ من أنْ تُحْصَى.

стр. 410

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْزِلاً، فَانْطَلَقَ إِنْسَانٌ إِلَى غَيْضَةٍ فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَيْضَ حُمَّرَةٍ، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ تَرِفُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرُؤُوسِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ فَجَعَ هَذِهِ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا أَصَبْتُ لَهَا بَيْضاً، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ارْدُدْهُ"، وفي رواية: وَقَالَ: "رُدَّهُ رَحْمَةً لَهَا"، وفي رواية أبي داود: "تفرش جناحها"، بدل "ترفُّ". قال العلماء: "تحمل الدِّبَبة، والكلابُ، والقطط أولادَها بأنيابِها الحادّةِ، وتعدو بها مسافاتٍ شاسعةً دون أنْ تخدشَ جلدَها. يعيش الإكسيلوب منفرداً في فصل الربيع، ومتى باض مات، فالأمُّ لا ترى صغارها التي لا تستطيعُ الحصول على غذائها لمدةِ سنّة، بل تضعُ الأمُّ ثمّ تموتُ، وهذا الذي وضعَتْه مِن أين يتغذّى؟ لن يستطيعَ أن يأكلَ مباشرةً إلا بعدَ سَنةٍ، ما الذي يحصل؟ تحفر الأمُّ في خشبٍ حفرةٌ مستطيلةٌ تجلبُ طلْعَ الأزهارِ، وبعضَ الأوراقِ السكريةِ، وتحشو به ذلك السردابَ، ثم تبيضُ بيضةً، ثم تأتي بنشارةِ خشبٍ، وتجعلُها سقفاً لهذا السردابِ، وبعْدَها تموتُ، وبعد أن تفقسَ يخرج البيضُ، وتجدُ طعاماً يكفِيها سنةً، ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] . إنها حشرة تُدعى الحفَّار، تحفرُ أنثاهُ نفقاً في الأرضِ، ثم تبحثُ عن دودةٍ تَلْسَعُها، وتُخَدِّرُها، ولا تميتُها، ثم تسحبُها إلى النفقِ، ثم تضعُ البيضَ، وتسدُّ النفقَ، وقد هيَّأَتْ للصغارِ طعاماً طازجاً يكفيها مدةً طويلةً، وبعدها تموتُ. بعضُ أنثى الطيرِ تطعِمُ صغارَها أكثرَ مِن ألفٍ وثلاثمئة مرةٍ في اليومِ، تُلقِم صغارَها الطعامَ، ما بين الفجرِ والغروبِ. والناقةُ تبكي على فَقْدِ صغارِها، والكلبةُ تبكي على جَرْوِها الميتِ.

стр. 411

وإذا فَقَدَتِ الخيلُ صغيرَها نَهْنَهَتْ بصوتٍ مسموعٍ، وتَوَحَّشَتْ، ولا تَدَعُ أحداً يقتربُ من صغيرِها، فإذَا حُمِلَ صغيرُها ليُدْفَنَ سارتْ خَلْفَه، فإذَا دُفِنَ لازمتْ قَبْرَهُ، وانقطعتْ عن الأكلِ والشربِ. إنّ من آياتِ اللهِ الدالّةِ على عظمتِه قلبَ الأمِّ، لا في بني البشرِ فحسبُ، بل في الكائناتِ الحيَّةِ. فوائد البيض هذه البيضةُ التي نأكلُها مَن يصدِّقُ أنَّ فيها ستةَ عشرَ معدناً نادراً، وثمانيةَ معادنَ معروفةً؟ والمعادنُ في البيضةِ تحتلُّ نسبةَ اثنين بالمئة، أمّا المعادنُ من قِشرِ البيضةِ فإنّها تحتلُّ عشرةً بالمئةِ. مَن يصدِّقُ أنّ في البيضةِ ما يساوي مئتي نوعٍ من البروتينات؟ وفيها أيضاً أربعةَ عشرَ نوعاً من الفيتامينات، وفيها موادُّ سكريةٌ، وفيها مضاداتٌ حيويةٌ؛ تقاومُ تفسُّخَها وفسادَها، وفيها أيضاً من الدهونِ الخفيفةِ والثقيلةِ. ولها شكلٌ بيضويٌّ، مِن ميزاتِه الهندسيةِ أنه لا يتدحرجُ إلى مسافاتٍ طويلةٍ، فلو كان شكْلُها كرويّاً لتدحرجتِ البيضةُ إلى مسافاتٍ بعيدةٍ جداً. هذا الشكلُ مِن أقوى الأشكالِ هندسياً، يتحمّلُ مقاومةً كبيرةً، الشكلُ البيضويُّ تتوزَّعُ مقاومتُه على كلِّ أنحاءِ سطحِه، وبُنيةُ البيضةِ سهلٌ فتحُها واستعمالُها، وسهلٌ حفظُ بعضِها فوقَ بعضٍ. مرض جنون البقر (الاعتلال الدماغي) حينما كفَرَ الإنسانُ بوحيِ السماءِ، واعتمدَ على عقلِه فقط أضلَّه، وهداه إلى أنْ يُطعِمَ البقرةَ المشيماتِ، التي تؤخَذُ من المستشفياتِ، وتجفَّفُ وتُطحَنُ، وتوضَعُ عظامُ الخنزيرِ، والجيفُ التي تفسخَّتْ في مراجلَ، وتُغلَى، ثم تجفَّف، وتطحَنُ، وتُطعَم للبقرِ، فإذا بمرضٍ خطيرٍ خطِيرٍ يصيبُ البقرَ، سمّاهُ العلماءُ: جنونَ البقرِ، أو مرضَ الاعتلال الدماغيِّ. هذا المرضُ الخطيرُ سيضطرُّ مُنْتِجِي البقرِ إلى إحراقِ أحدَ عشرَ مليونَ بقرةٍ، ثمنُها ثلاثةٌ وثلاثون ملياراً من الجنيهات الإسترلينيةِ؛ لأنهم خالفوا منهجَ اللهِ في تغذيةِ هذا الحيوانِ.

стр. 412

هذا المرضُ اسمُه: الاعتلالُ الدِّمَاغِيُّ الإسفنجيُّ، ومسبِّباتُ هذا المرضِ كائناتٌ بالغةُ الصِّغَرِ، لم تُعرَفْ حتى الآنَ، ذاتُ دورِ حضانةٍ طويلٍ جداً، يمتدُّ إلى ثماني سنواتٍ، وفي الإنسانِ يمتدُّ إلى عشرين سنةً، وليس لهذا المرضِ الخطيرِ مظهرٌ التهابيٌّ، ولا مظهرٌ مناعيٌّ، واكتُشِفَ أخيراً أنّ هذا المرضَ يصيبُ البقرَ، ويصيبُ البشرَ، بل إنّ البشرَ إذا أكلوا من لحمِ هذا البقرِ أصيبوا بمرضٍ مشابهٍ لمرضِ البقرِ، وأعراضُ هذا المرضِ في البقرةِ تكلُّفٌ في المشيِ، ورفعُ القوائمِ عالياً، وفرطُ الإدراكِ الحسيِّ، والحكُّ، وفَقْدُ الشهيةِ، وفرطُ اللّعَقِ، وعدمُ التحكُّمِ العصبيِّ، واقترانُ هذا كلِّه بسلوكٍ عدوانيٍّ، ثم الموتُ. ما يفعلُه الإنسانُ الشارِدُ، وما يفعلُه الإنسانُ الذي كَفَرَ بمنهجِ الخالقِ، ما يفعلُه الإنسانُ الذي اعتمدَ على عقلِه القاصِرِ فقط، بيَّنَتْهُ آيةٌ كريمةٌ وردتْ في كتابِ الله ، قال تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ [النساء: ١١٩] ، يُغَيِّرونَ سُنَنَه، يغيِّرونَ قوانينَه. هذا البقرُ الذي أصيبَ بالجنونِ بسببِ جنونِ البشرِ، وما المجنونُ في تعريفِ النبي ﷺ ؟ إنّ النبيَّ ﵊ مرَّ بجماعةٍ فقال: "مَا هَذِهِ؟ " قَالُوا: مَجْنُونٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ بِالْمَجْنُونِ، وَلَكِنَّهُ مُصَابٌ، إِنَّمَا الْمَجْنُونُ الْمُقِيمُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى". أمّا الشكلُ البشريُّ لهذا المرضِ فقال العلماءُ: فقدانُ الذاكرةِ، وفَقْدُ التناسقِ العضليِّ، وفَقْدُ التوازنِ، والعَمَى، وفَقْدُ النطقِ، وتحدثُ الوفاةُ بين ثلاثةِ أشهرٍ وعامٍ، من بداية ظهورِ الأعراضِ، ويرافق هذا قلقٌ، واكتئابٌ، وتغيّراتٌ سلوكيةٌ، واضطرابٌ في نشاطِ الدماغِ الكهربائيِّ، هذا المرضُ يصيبُ البقرَ، ويصيبُ البشرَ، بل يصيبُ البشرَ الذين يأكلون لحمَ هذا البقرِ، لذلك حَرَصَتْ معظمُ الدولِ على منعِ استيرادِ هذه اللحومِ من المواقعِ التي أصيبتْ بها البقرُ بالجنونِ.

стр. 413

فيُحظَرُ أكلُ واستعمالُ لحومِ البقرِ، منتجاتِها، ودهونِها، وأحشائِها، ومخلّفاتِها، والأعلافِ المصنوعةِ منها، ومنتجاتِ التجميلِ المصنعةِ منها، ولحومِ العلبِ، وأنواعِ الحليبِ، ومشتقاتِه، وأنواعِ الحلوياتِ التي تستخدِمُ هذه الدهونَ، أو الزبدةِ، أو القشدةِ، هذا كلُّه ربما أصابَ الإنسانَ بهذا المرضِ. فإنْ قلت: ألاّ تُحَلُّ هذه المشكلةُ بطبخِ اللحمِ؟ قلت: لا، فإنّ الطبخَ ينضَجُ إذَا كانت درجةُ الحرارة مئةً، وهذا النوعُ لو طُبِخ، وكانت درجةُ الحرارةِ مئةً وعشرين فإنها لا تغنِي شيئاً، إذْ يظلُّ فيروسُ المرضِ فيه، لأنّ العاملَ المسبِّبَ لمرضِ جنونِ البقرِ يتحمّلُ درجاتِ الحرارةِ المرتفعةَ. هذه الحقائقُ التي وضعتُها بين أيديكم ملخَّصَةٌ من نشرةٍ إعلاميةٍ أصدرَتْها منظمةُ الصحةِ العالميةُ بعيداً عن المبالغاتِ. لقد أقسمَ الشيطانُ أنْ يُضِلَّ الناسَ، فكان هذا من إضلالِه: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١١٩] . وشتَّانَ ما بين منهج اللهِ، ومنهجِ الشيطان، قال : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال فأنى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] . حليب الأبقار يُعَدُّ الحليبُ الذي يستهلكُه كلُّ واحدٍ منا غذاءً كاملاً، بشكلٍ أو بآخرَ؛ سواءٌ أكان حليباً، أم لبناً، أم جبناً، أم سمناً، وما شاكل ذلك، إذْ يحوي نسبةً من الماءِ تتراوحُ بين ٨٧% إلى ٩١%، كما يحوي الحليبُ الدسمَ، والسُكرياتِ، والبروتيناتِ، والمعادنَ، والفيتاميناتِ، وغازاتٍ منحلَّةً، فهو غذاءٌ كاملٌ، فيه غازاتٌ منحلةٌ، كغازِ الفحمِ، والأوكسجينِ، والنشادرِ، والفيتاميناتِ: (أ، ب، ث، د) ومِن المعادنِ: الكالسيوم، والفوسفور، ومن البروتينات: الكاثرين، والألبومين، وما شاكل ذلك، ومن السكريات: سكر العنب، والدسم، والماء. لكنّ المعجزةَ أنّ هذا اللبنَ يخرجُ من بطونِ البقرِ خالصاً مِن بينِ فرثٍ، ودمٍ.

стр. 414

أحْدَثُ البحوثِ العلمية توصَّلتْ إلى أنَّ في البقرةِ غدةً ثدييةً، هذه الغدةُ الثدييةُ مقسمةٌ إلى فصوصٍ، وهذه الفصوصُ مقسمةٌ إلى فصيفصاتٍ، وهذه الفصيفصاتُ مقسمةٌ إلى أجوافٍ صغيرةٍ هي الأسناخُ، وهي محاطةٌ بغشاءٍ من الخلايا، حولَ هذه الخلايا شعيراتٌ دمويةٌ، تأخذُ الخلايا مِن الدمِ ما تحتاجُ إليه، وتفرزُ الحليبَ في جوفِ هذا التجويفِ، ينتهي هذا الجوفُ بقناةٍ، إلى حوضِ الغدةِ، ثمَّ إلى حوضِ ثديِ البقرةِ، ثمَّ إلى حُلمتِها. ولكن حتى هذه الساعةِ لا تُعرَفُ طبيعةُ عملِ هذه الخليةِ، التي تأخذُ من الخارجِ ما تحتاجُ من الدمِ، وتفرزُ الحليبَ في باطنِها. قال العلماءُ: إنّ ثلاثمئة حَجْمٍ، إلى أربعمئةِ حجمٍ من الدمِ يسيرُ حولَ هذه الأسناخِ، من أجلِ تحصيلِ حجمٍ واحدٍ من الحليبِ، أَيْ كلُّ لترٍ من من الحليبِ مصنَّعٌ من ثلاثمئة، أو أربعمئة لترٍ من الدمِ، يجولُ حوْلَ هذه الشَّعْرِيَّاتِ، فالبقرةُ معملٌ ضخمٌ، ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً﴾ [النحل: ٦٦] . الشيءُ الذي يدعو إلى العجبِ أنه لم يُعرَفْ حتى الآن كيف تعملُ هذه الخليةُ، تأخذُ من الجهةِ الوحشيةِ، من شعرياتِ الدمِ: الموادَّ، والفيتاميناتِ، والمعادنَ، والبروتيناتِ، والسكرياتِ، والدسمَ، والماءَ، تخلطُها، وتفرزُ من الداخلِ الحليبَ، إذْ تنتِجُ البقرةُ الواحدةُ تقريباً من ثلاثين إلى أربعين كيلو غراماً من الحليبِ في اليوم الواحد، وكل كيلو هو محصّلةُ دورانِ ثلاثمئة لترٍ من الدم. في هذه الشعرياتِ ثلاثمئة حجمٍ، إلى أربعمئة حجم لتصنيعِ لترِ حليبٍ واحدٍ، فلما قال ربُّنا تعالى: ﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] فقد أشار إلى آيةٍ عظمى دالّةٍ على عظمته .

стр. 415

بحَثَ العلماءُ عن الذي يُعطِي الأوامرَ، مَن ينظِّم؟ من ينسِّقُ؟ مَن يعطي هذه الخليةَ أمراً بأخذِ البوتاس، والفوسفور، والكالسيوم، والفيتامينات، والمعادنَ، وأشباهَ المعادن، والغازات، والسُّكَّرياتِ، والموادَّ الدسمةَ مِن الدم؟ كيف تُخْلَطُ؟ كيف تُمْزَجُ؟ كيف تصبح حليباً ناصعَ البياضِ؟ خالصاً مِن كلِّ شائبةٍ؟ لا أثرَ للدمِ فيه؟ ولا أثرَ للفرثِ فيه؟ فلم يجدوا إلا يَدَ اللهِ تعملُ في الخفاءِ. لو أن الإنسانَ فكَّرَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ، أو فكّرَ في الحيواناتِ التي حوله، أو فكّرَ في النباتاتِ التي يأكلّ منها، أو فكّرَ في خَلْقِهِ، لأخَذه العجبُ العُجابُ، ولخرَّ للهِ ساجداً، ولأطَاعَهُ حقَّ الطاعةِ، ولَعَبَدَهُ حقَّ العبادةِ، هذا الإلهُ العظيمُ الذي يصنعُ لكَ الحليبَ من هذا الحشيشِ الذي تأكُه البقرةُ، هل تستطيعُ أنت أن تحوّلَ هذا الحشيشَ إلى حليبٍ؟ إنك لن تستطيعَ ذلك، كيف يُعَدُّ الحليبُ غذاءً أساسياً في حياتِك؟ تصنعُ منه اللبنَ، والحليبَ، والجبنَ، والقشدةَ، وما إلى ذلك، إنّ هذا كلَّه عطاءُ اللهِ ، قال تعالى: ﴿والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ، وقال: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] . جعلناها مُذَلَّلة، طفلٌ صغيرٌ يحلبُ ثديَ البقرةِ! طفلٌ صغيرٌ يقودُ بقرةً! ولو توحَّشَتْ لقتلتِ العَشراتِ!. خُلِقَتْ لنا، وذُلِّلَتْ لنا، أفلا نشكُرُ اللهَ؟ أفلا نعبدهُ؟ أفلا نطيعُه؟ أفلا نحبُّه؟. الجمل

стр. 416

لو أمعنَ المرءُ النظرَ إلى الجملِ لرآه من أبدعِ المخلوقاتِ، إنه أعجوبةٌ في الهندسةِ التشريحيَّةِ، فالجَملُ يُعَدُّ وسيلَةً لا تُقَدَّرُ بثمنٍ في المناطقِ القاحلةِ المنبسطةِ التي تغطِّي سُدسَ مساحةِ اليابسةِ، والتي تستعصِي على أقوى المَركباتِ، وفي العالم ما يزيدُ على خمسة عشرَ مليوناً من الجمالِ، تزدادُ باستمرارٍ، فكلُّ ما في الجملِ متقَنُ الإبداعِ، للتكيُّفِ مع بيئتِه القاسيةِ، فعينُه لها رُموشٌ كثيفةٌ مزدوجةٌ، تَحجُبُ عنها رمالَ الصحراءِ المتطايرةَ، وتتميّزُ بقدرتِها على التكبيرِ، والتقريبِ، فهي ترِيهِ البعيدَ قريباً، والصغيرَ كبيراً، وهذا سرُّ انقيادِه لطفلٍ صغيرٍ، أو لدابةٍ ضعيفةٍ، قال سبحانه: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] . وفي إمكانِ الجملِ إغلاقُ أُذُنيه، ومنخرَيْهِ للغايةِ نفسِها، أمّا أخفافُه الضخمةُ فهي تسهِّلُ له الحركةَ على الرمالِ، من دون أنْ يغرزَ فيه، وشَفَتَا الجملِ مطّاطيتَانِ، قاسيتانِ، تلتهمانِ الأشواكَ الحادّةَ، وهما فعَّالتانِ في تجميعِ الطعامِ، والأشواكِ، حيث لا يفقدُ الجملُ أيَّ رطوبةٍ بمدِّ لسانِه إلى الخَارجِ، ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] . ومن أبرزِ مزايا الجملِ قلَّةُ حاجتِه إلى الماءِ، ومع أنّه يمكنُه أنْ يشربَ ما يملأُ حوضَ استحمامٍ، لكنه يستطيعُ أنْ يستغنيَ عن الماءِ كلياً عشراتِ الأيامِ، بل بضعةَ أشهرٍ، حيث يستطيعُ في حالاتٍ طارئةٍ أنْ يأخذَ ما يحتاجُ إليه مِنَ الماءِ مِن أنسجةِ جسمِه، فيخسرَ ربعَ وزنِه، من غيرِ أنْ يضعفَ عن الحركةِ، وفي السنامِ يخزِّن الجملُ من الشحمِ ما يعادِلُ خمسَ وزنِه، ومنه يَسحبُ ما يحتاجُ إليه مِن غذاءٍ، إنْ لم يجدْ طعاماً، ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ . ويزيد متوسِّطُ عمرِ الجملِ على أربعين عاماً، ولا يسلسُ قيادُ الجملِ إلا إذا عومل بمودةٍ، وعطفٍ، وفي هذا عبرةٌ لبني البشر، قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ . الخيل

стр. 417

ممّا يَلفتُ النظرَ في آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه سبحانه الخيلُ التي قال عنها النبي ﷺ : "الْخَيْلُ مَعْقودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". فمِن عجيبِ خصائصِ هذا الحيوان الذي سخّره اللهُ للإنسان تكريماً له أنّه قويُّ السمع، فالخيلُ تسمعُ وقَعَ الخُطَى قبلَ أنْ ترى الذي يمشي، وتسمعُ وقَعَ حوافرِ خيلٍ أخرى قبلَ أن تَتَبَدَّى لها في الأفقِ، وتنبِّه صاحبَها. والخيلُ لا تفقِدُ قدرتَها على التناسلِ وإنْ تقدمتْ في السنِّ، "الْخَيْلُ مَعْقودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ"، وهي سريعةُ الشفاءِ من جروحِها وأمراضِها سرعةً غيرَ معقولةِ، فشفاؤُها أسرعُ من شفاءِ الإنسانِ، وتلتئمُ كسورُ عظامِها بسرعةٍ عجيبةٍ جداً، ويكفي الحصانَ علفٌ قليلٌ ليقومَ بجريٍ كثيرٍ. وجهازُ الحصانِ التنفسيُّ قويٌّ، فهو ذو قصبةٍ هوائيةٍ واسعةٍ جداً، وقفصٍ صدريٍّ واسعٍ جداً، يُعِينُه على استنشاقِ أكبرِ كميةٍ من الأكسجينِ لتعينَه هذه الكميةُ على الجريِ الطويلِ. والحصانُ له قدرةٌ على تحمُّلِ المصاعبِ والمشاقِّ، ويستطيعُ أنْ يحملَ رُبعَ وزنِه، فإذَا كان وزنُه أربعمئة كيلو غرامٍ فإنه يحملُ مئةَ كيلو، ويستطيعُ أن يعدوَ مسافاتٍ طويلةً، ولأمدٍ طويلٍ دون طعامٍ ولا ماءٍ، ويتميزُ الحصانُ بذاكرةٍ حادّةٍ جداً، وهذه الذاكرةُ تنصبُّ على الأماكنِ التي يعيشُ فيها، فبإمكانِه إذا أصابَ صاحبَه مكروهٌ أنْ يعيدَه إلى البيتِ بذاكرتِه، بل إنّه يستطيعُ أنْ يحفظَ أدقَّ الأماكنِ، وأدقَّ التفاصيلِ، وهو يعرفُ صوتَ صاحبِه، ولو لم يَرَهُ، بل إنه ليعرفُ صاحبَه من طريقةِ ركوبِه الفرسَ، فيعرفُه إمّا مِن صوتِه، أو مِن رائحتهِ، أو من طريقةِ ركوبه الفرسَ. ويستجيبُ الحصانُ بردودِ فعلٍ سريعةٍ جداً لحركاتِ فارسِه. ومن القصصِ التي تُروى أنّ حصاناً عَلَتْهُ ابنةُ صاحبِه ففَزِعَ، فأنزلَها عن ظهرِه، ثم عدَا هارِباً وفاءً لصاحِبه مِن أن يمسّ ابنتَه سوءٌ.

стр. 418

وهو مِن أذكى الحيواناتِ، ومن أشدِّها وفاءً، والشيءُ الآخِذُ بالألباب - كما ذُكِرَ في بعضِ البحوثِ العلميةِ - أنّ ركوبَ الخيلِ يَقِي مِن أمراضِ القلبِ، وأمراضِ الكبدِ، والكليتينِ، وأمراضِ جهازِ الهضمِ، بخلافِ الإدمانِ على ركوبِ السيارةِ فإنَّه يجلبُ أمراضَ القلبِ، وأمراضَ الكليتين، وأمراضَ الكبدِ. وقد وصفَ الشاعرُ الجاهليُّ حصانَه فقال: فازْورّ من وققْعِ القنا بلَبانِهِ ... وشكا إليّ بعَبْرةٍ وَتَحَمْحُمِ لو كان يدْري ما المُحاورةُ اشْتكى ... وَلَكَانَ لو عَلِمَ الكلامَ مُكَلِّمِي وهذان البيتان يدلاَّنِ على ذكاءِ الحصانِ ووفائِه لصاحبِه، وصدَق النبي ﷺ حين قال: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". الزرافة قال اللهُ تعالى: ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] ، وقال سبحانه: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] . إنّ الزرافةَ هي ذلك الحيوانُ الذي يُعَدُّ من أطولِ الحيواناتِ قامةً، طولُها يزيدُ على ستةِ أمتار، هذا الحيوانُ من أشدِّ المخلوقاتِ تيقظاً وخفةً، زوَّدَها اللهُ بعينينِ جاحظتينِ، تستطيعانِ أنْ تَرَيَا ثلاثمئة وستين درجةً، وهي واقفةٌ رأسُها كالبرج، وعيناها تجوسانِ الأفقَ كلَّه مِن كلِّ الزوايا، وتَزِنُ طناً واحداً، وإذا عَدَتْ تجاوزتْ سرعتُها الستينَ كيلومتراً في الساعةِ.

стр. 419

لها رغامى تُعَدُّ أطولَ رغامى في الكائناتِ التي خَلَقَها اللهُ ، رغَامتُها تزيدُ على مترٍ ونصفٍ، رأسُها ضخمٌ. أريدُ من هذا الموضوعِ شيئاً واحداً، أنّ هذا الرأسَ الضخمَ، وهذه الرقبةَ الطويلةَ التي تزيدُ على مترين إذا أرادتْ أنْ تضعَ رأسَها في الأرضِ لتأكلَ ممّا عليها ينهمرُ الدمُ كلُّه إلى رأسِها، فإذا تدفّقَ الدمُ إلى رأسِها احتقنتْ شرايينُ الدماغِ، فإذا رفعتْ رأسَها فجأةً فلا بد أنْ تصابَ بالدُّوَارِ، والإغماءِ قطعاً، لذلك جَهَّزَها اللهُ بآليةٍ عجيبةٍ حَيَّرتِ العلماءَ، شرايينُ رأسِ هذه الزرافةِ من طبيعةٍ خاصّةٍ، لهذه الشرايينِ عضلاتٌ إذا جاءَها الدمُ تتّسِعُ بفعلِ انبساطِها حتى تستوعبَ جميعَ الدمِ الذي جاء إلى الرأسِ بفعلِ الجاذبيّةِ. ولكلِّ هذه الشرايينِ صمّامَاتٌ، حينما ترفعُ رأسَها فجأةً تُغْلَقُ الصماماتُ كلُّها، فتبقى هذه الكميةُ من الدمِ في رأسِها، ثم تفتحُ شيئاً فشيئاً، عندَها يعودُ الدمُ تدريجيّاً إلى بقيةِ شرايينِ الجسمِ، وآليةُ هذه الشرايينِ تلفتُ النظرَ، إذا جاءَها الدمُ كثيفاً توسَّعتْ، واستوعبتْ، فإذا رفعتِ الزرافةُ رأسَها فجأةً أغلقتِ الشرايينُ صمّاماتِها محتبسةً الدمَ فيها، كي لا تصابَ بالدُّوارِ والإغماءِ، مَن جَهَّزَها بهذا الجهازِ؟ مَن جَعَلَ لهذه الشرايينِ هذه العضلاتِ؟ مَن زَوَّدَ هذه الشرايينَ بهذه الصماماتِ؟ أليس هو العليمُ الحكيمُ؟ أليس هو العليمُ الخبيرُ؟ أليس هو الخالقُ القادرُ؟ أليس هو الغنيُّ الحميدُ؟ ما مِن مخلوقٍ على وجهِ الأرضِ، وتحتَ الأرضِ، وفوقَ الأرضِ إلا وخَلَقَه اللهُ أبدعَ خَلْقٍ، وصَنَعَهُ أتقنَ صنعةٍ، ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] . إنّ قَلْبَ الزرافةِ يدفعُ في الدقيقةِ الواحدةِ خمسةً وخمسين لتراً من الدمِ. قال الله تعالى: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .

стр. 420

فأيُّ شيءٍ وقعتْ عينُك عليه هو آيةٌ دالةٌ على عظمتِه، أيُّ شيءٍ تفَحَّصْتَه، أيُّ شيءٍ دَرَسْتَه، أيُّ شيءٍ دَقَّقْتَ فيه، إنما هو آيةٌ تدلُّ على أن الله هو الواحدُ الدَّيَّانُ، الواحدُ الأحدُ، الفردُ الصَّمَدُ. الخنزير وحكمة تحريم أكله اطّلعتُ على مقالةٍ تلخِّصُ كتاباً أَلَّفَه عالِمٌ غربيٌّ يتحدثُ فيه عن الخنزيرِ، مفادُه أنَّ اللهَ حينما حَرَّم أكلَ لحمِ الخنزيرِ، فإنّ هذا التحريمَ ينطوي على حِكَمٍ لا حصرَ لها. يقولُ مؤلِّفُ الكتاب: "إنَّ الخنزيرَ حيوانٌ لاحمٌ عاشِبٌ، أي يأكلُ العشبَ واللحمَ معاً، وقد حرَّمتِ الشرائعُ كلُّها أَكْلَه، وله طباعٌ من أقبحِ الطبائعِ والعاداتِ، ففيه الغباوةُ، والقذارةُ، وفيه سوءُ الخُلُقِ، ولا يعفُّ في نكاحِه حتى عن أمِّه". شيءٌ آخرُ، إنّ أَحَبَّ الطعامِ إليهِ النجاساتُ، والجرذانُ الميتةُ، وإنَّ أَحَبَّ الطعامِ إليه طعامُ الجِيَفِ، فإذا وضعتَ الخنزيرَ في مكانٍ نظيفٍ، وفي طَرَفِ المكان أقذارٌ فلا بدّ أنْ يتمرَّغَ فيها، هذا شيءٌ عجيبٌ في طباعِ الخنزيرِ. إنَّ البيضَ، بيضَ الديدانِ التي يمكنُ أنْ تكونَ في لحمِه لا ينجو من خطرِها إنسانٌ، ولو بقيَ هذا اللحمُ يغلِي ساعةً بأكملِها، وإنّ الطبخَ العاديَّ، والشَّيَّ السطحيَّ لا ينقذُ الإنسانَ من أخطارِ لحمِ الخنزيرِ. قلتُ: سبحانَ الله!! إنّ أمراضاً كثيرةً، وديداناً خطيرةً تعيش في خلاياه، وفي ثنايا لحمِه، وهذه الديدانُ محصّنةٌ، فلو طُبخَ هذا اللحمُ طبخاً عادياً، أو شُوِيَ شيَّاً سطحياً لم تَمُتْ هذه اليرقاتُ، فلا بدَّ من تبريدٍ يَقِلُّ عن ثلاثين درجةً تحتَ الصفرِ، أو أن يغليَ أكثرَ من ساعةٍ، حتى تموتَ هذه اليرقاتُ في لحمِه. حينما حرَّمَ ربُنا هذا اللحمَ حَرَّمَهُ لِحِكَمٍ كبيرةٍ، وهذه بعضُ الحِكَمِ. إنّ مؤلِّفَ الكتابِ يقول: "إنّ هذا الحيوانَ له وظيفةٌ في تنظيفِ الأرضِ من الجيفِ، والأوساخِ، والنجاساتِ"، هذه مهمّتُه، فإذا ببعضِ الناسِ يجعلونه طعامَهم الأول.

стр. 421

إذا حَرَّمَ اللهُ شيئاً كان هناك علةٌ علميةٌ بين النتائج وعلّةِ التحريمِ، فأيُّ لحمٍ مليءٍ بالديدانِ واليرقاتِ لو طبَخْتَه طبخاً عادياً، أو شويته شيّاً عادياً، فإنّ هذه اليرقاتِ لا تموتُ، لذلك حينما تشيعُ الأمراضُ في بعضِ البلادِ التي تأكلُ لحمَ الخنزيرِ، كان ذاك شيئاً طبيعيّاً جداً، بل إنَّ ستَّ حالاتِ وفاةٍ، إحداها من هذه الدودةِ التي تعيشُ في خلايا الخنزيرِ. شيءٌ آخرُ، إنّ الدهونَ التِي في هذا الحيوانِ فيها نسبةٌ عاليةٌ من الكولسترول، لذلك فإنّ الذبحة القلبيةَ، وتصلُّبَ الشرايينِ تزدادُ ثمانيةَ أضعافٍ في الدولِ التي تأكل هذا اللحمَ، وتقلُّ في الدولِ التي لا تأكلُ هذا النوعَ من اللحمِ. أردتُ من هذه المقالةِ التي نُشِرَتْ في مجلةٍ أنْ يعرفَ المسلمُ لماذا حَرَّمَ اللهُ عليه لحمَ الخنزيرِ؟ والمقالةُ طويلةٌ، تنطوي على تفصيلاتٍ كثيرةٍ، ولكن أتيت على بعضِ ما فيها من فقراتٍ. إنّ اللهَ حَرّم الخبائثَ، وأحلَّ الطيباتِ، فالشيءُ التي تطيبُ النفسُ به حلالٌ، والشيءُ الذي يتلِفُ الجسَدَ، أو يذهبُ العقلَ فهو حرام. وعلى كل فإن علّةَ أيِّ أمرٍ إلهيٍّ أنّه أمرٌ إلهيٍّ وكفى، فبَعدَ جدالٍ طويلٍ بينَ عالِمَيْنِ مسلمَيْن حوْلَ حكمةِ تحريمِ لحمِ الخنزيرِ قال الأكثرُ فقهاً: يكفيك من هذا الجدلِ الطويل أن تقولَ لي: إنّ اللهَ حرّمه. حيوان يعيش في الصحاري شبيه بالكنغر مِن عجائبِ المخلوقاتِ حيوانٌ من الحيواناتِ التي تعيشُ في الصحارى، هذا الحيوانُ له رِجلانِ طويلتان، يقفزُ بهما كما يقفزُ حيوانُ أستراليا الكنغر، ولِذَنبِه خصلةٌ من شَعرٍ يستطيعُ به في أثناءِ قفزتِه أنْ يحوّلَ اتِّجاهه، وهو في الهواءِ كَذَيْلِ الطائرةِ تماماً، هذا الحيوانُ فيه ظاهرةٌ عجيبةٌ، حيوانٌ كأيِّ حيوانٍ، له جهازُ هضْمٍ، وله جهازُ دورانٍ، وفيه سوائلُ كثيرةٌ، ولكنَّ هذا الحيوانَ لا يتناوَلُ قطرةَ ماءٍ في كلّ حياتِه، واللهُ يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .

стр. 422

فما مِن كائنٍ حيٍّ إى والماءُ جزءٌ أساسيٌّ منه، فالإنسانُ مثلاً فيه سبعون بالمئة من وزنِه ماءً، وهذا الحيوانُ لا يتناولُ الماءَ أبداً في كلّ حياتِه. بعضُ علماءِ الحيواناتِ اسْتأنسوا هذا الحيوانَ، فوَضَعُوه في مزارعَ، وحَمَلُوه على شُربِ الماءِ فلم يفلحوا، لا يتناولُ الماءَ في حياتِه أبداً، سؤالٌ كبيرٌ، مِن أين يأتيه الماءُ إذاً؟ معَ أَنَّ السوائلَ موجودةٌ في كلِّ أجهزتِهِ، ثم اكتشفوا أخيراً أنّه يصنعُ الماءَ في جهازهِ الهضميِّ، من الأكسجينِ الذي يستنشقُه، ومن الهيدروجينِ، وهذا يحتاجُ إلى أجهزةٍ بالغةِ التعقيدِ، فهذا الحيوانُ الذي يعيشُ في الصّحارى، ويصنعُ الماءَ بِجهازه الهضميِّ، يأخذُ الأكسجينَ من الهواءِ، ويأخذُ الهيدروجينَ، وهما مكوّنا الماءِ، من بعض الحبوبِ الجافّةِ التي يحرصُ على أكلِها، يأخذ منها الهيدروجين، ويصنعُ من هذا الهيدروجين، وذاك الأكسجين الماءَ الذي يُعِينُه على أنْ تستمرَّ حياتُه على النَّحوِ الذي ينبغي. في الكَونِ أشياءُ من العَجَب العُجاب لو تراه العيونُ الباحثةُ عن الحقيقةِ لأيقَنَتْ بعظمةِ الله، فاللهُ على كلّ شيءٍ قديرٌ، وإنّ كلَّ حيوانٍ قد يتفوّقُ على الإنسانِ بِشَكل أو بآخرَ، ولكنَّ الإنسانَ أكرَمه اللهُ بأنْ حمَّلَهُ أمانةَ التكليفِ، فإذا غَفَلَ عن هذه الأمانةِ فأيُّ حيوانٍ يعدُّ أرْقَى منه، لأنه مسيَّرٌ، وغيرُ مكلَّفٍ، ولا يُعَذَّبُ، تفكَّروا في مخلوقاتِ اللهِ، ففي الكونِ آياتٌ لا حصْرَ لها، وفي الأرض آياتٌ للموقنين؛ في طعامِكم، وفي شرابِكم، فيما حوْلكم من الظواهرِ التي تروْنَها في كلِّ مكانٍ، آياتٌ دالّةٌ على عظمةِ اللهِ. الكلاب وما ينتج عنها من أمراض اطَّلعتُ على بحثٍ علميٍّ متعلّقٍ بالكِلابِ، هذا البحثُ مُصَدَّرٌ بثلاثةِ أحاديثَ شريفةٍ صحيحة. فالأوّلُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ".

стр. 423

وفي الحديثِ الثاني: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْباً لا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعاً وَلا ضَرْعاً نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ". والثالثُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: إِنِّي لَمِمَّنْ يَرْفَعُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: "لَوْلاَ أَنَّ الْكِلاَبَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهيمٍ، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْباً إِلا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ". مؤلِّفُ هذا البحثِ العلميِّ ذَكَرَ ستّةً وثلاثين مرضاً، يسبِّب الكلبُ العدوى بها، وليس من طريقٍ للتخلُّصِ من هذه الأمراضِ إلا أنْ نتخلَّصَ من الكلابِ نفسِها، والجديرُ بالذكرِ أن هناك مرضاً خطيراً هو مرضُ الكلَب، إنه مرضٌ قاتلٌ يتربَّصُ بالمرءِ خمسةَ أيامٍ ثم يهلكُه، ولعلك تسألُ: أليس هناك حيواناتٌ أخرى تسبِّبُ العدوى، فنقول: شتَّانَ ما بينهما، فنسبةُ نقلِ القططِ - مثلاً - للأمراضِ لا تتعدَّى ٧%، ولكنها في الكلابِ ربما تصل إلى ٩٢%. في فرنسا وحْدَها كان عددُ الكلاب عام (١٩٧٦) سبعةَ ملايين كلبٍ، وكان عددُ سكانها اثنين وخمسين مليوناً، والعالَمُ الغربيُّ يعتني بالكلابِ إلى درجةٍ غيرِ معقولةٍ إطلاقاً، وكأنه استغنى عن الأولادِ بالكلابِ. ومن الغريبِ أنّ لهذه الكلابِ ذاتِ العددِ الكبيرِ في ظلِّ الفراغِ الروحيِّ دوراً قَذِراً في الشذوذِ الجنسيِّ في أوربة وأمريكا. وأمّا في إسلامِنا الحنيفِ، ودينِنا الطاهرِ فلا بأسَ بوجودِ كلبِ الصيدِ، وكلبِ الحراسةِ، أمّا لغير هذه الأهدافِ فلا يجوزُ أنْ تقتنيَ كلباً، "مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". حاسة الشم عند الكلاب أودعَ ربُّنا سبحانه في الحيواناتِ آياتٍ عجيبةً، وخصَّ كُلاًّ بآيةٍ فريدةٍ، فهذه الكلابُ فيها حاسَّةُ شمٍّ تفوقُ حاسَّة البشرِ بمليونِ ضِعفٍ.

стр. 424

يمكنُ أنْ تضعَ بضعَ غراماتٍ من مادةٍ مخدِّرة في علبةٍ مُحكَمَةِ الإغلاق، وهذه المادةُ مغلَّفةٌ بوَرَقٍ كتيم، والعلبةُ محكمةٌ ضمنَ علبةٍ، والعلبتان ضمنَ صندوقٍ، وأنْ تأتيَ بمئةِ صندوقٍ متشابهةٍ، وأنْ ترسلَ كلباً، فإذا هو يهتدي إلى هذه المادةِ من بين مئة صندوقٍ، لقد أعطاه اللهُ هذه القدرةَ، وتسأل حينئذٍ: كيف تنقذُ الرائحةُ؟ وكيف تصل إلى أنفِ هذا الحيوانِ؟!! إنّه شيءٌ معجِزٌ. لقد أثبتَ العلمُ الحديثُ أنّ لكلِّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ رائحةً خاصَّةً، ولا يتشابَهُ اثنان في رائحةٍ، بل إنّ لكلّ من التَّوْأَمَيْنِ اللذين وُلِدَا من بويضةٍ واحدةٍ رائحةً خاصةً، فيكفي أنْ تقرِّبَ إلى أنفِ هذا الحيوانِ شيئاً مِن رائحةِ عَرَقِ الإنسانِ، ولو كان هذا الإنسانُ بين مئاتِ الألوفِ من البشرِ، فإنَّ الكلب يهتدي إليه، وهذا شيء معجِزٌ. تحتلُّ خلايا الشمِّ في الإنسانِ مسَاحةً لا تزيدُ على خمسةِ سنتيمتراتٍ مربعةٍ، وأمَا خلايا الشمِّ في هذا الحيوان فتحتلُّ مساحةً تزيدُ على مئةٍ وخمسين سنتيمتراً مربعاً، هناك ما يزيد على خمسة ملايين خلية لِتَحَسُّسِ الروائحِ، أمّا في هذا الحيوانِ فهناك ما يزيد على مئةٍ وخمسين مليونَ خلية لِتَحَسُّسِ هذه الروائح. تفوق حاسّةُ الشمِّ لدى هذا الحيوان حاسَّةَ الإنسانِ بمليونِ مرةٍ، لذلك مهما احتال مهربو المخدِّراتِ، ومهم أخفَوْها في حرزٍ حريز، فإنّ هذه الحيواناتُ تستطيعُ أنْ تكتشفَ هذه المادةَ، التي تقضي على سعادة الأُسرِ. ويستطيع الحيوانُ المدرَّبُ على تَتَبُّعِ الروائحِ أنْ يشمَّ رائحةَ إنسانٍ من بينِ مئةِ ألفِ إنسان، بشرطِ أنْ يُعْطَى بادئَ ذي بدءٍ شيئاً مِن رائحته، ولو كان ذا دلالةٍ طفيفةٍ. مَن يصدِّق أنَّ ذاكرةَ هذا الحيوانِ يمكنُ أنْ تستوعبَ ملايينَ الروائحِ، فإذا دُرِّبَ على كشفِ روائحَ معينةٍ، فأيُّ رائحةٍ مدرجةٍ في ذاكرتِه يكتشفُها. شيءٌ آخرُ: إذَا كان لديك وعاءان، وفي كل وعاء خمسون لتراً من الماء، ووضعتَ في أحدهما ملعقةً صغيرةً من الملحٍ، فإن هذا الحيوانَ يفرِّق بين العذبِ والمالحِ عن طريقِ الشمِّ فقط.

стр. 425

شيءٌ آخرُ: لو وضعتَ ملعقةَ خلٍّ في خمسةِ آلاف لترٍ، أي في خمسة أطنانٍ، ووضعتَ في خمسة آلاف لتر أخرى ماءً عذباً لاهتدى هذا الحيوانُ إلى الماءِ الذي فيه ملعقةُ الخل، فما هذه الحاسّةُ العجيبةُ؟. ومِنَ الطريفِ أنْ يُشارَ إلى بعضِ الدولِ التي تستخدمُ هذا الحيوانَ لكشفِ تسرُّبِ الغازِ في الأنابيبِ المدفونةِ تحتَ الأرضِ، إنه يتَّبعُ هذا الأنبوبَ، ويعوِي في أي مكانٍ شمَّ منه الغازَ، ليشيرَ إلى مكانِ تسرُّبِ الغازِ. لقد سَخَّرَ اللهُ لنا هذا، فماذا فعلنا؟ هل شَكَرْنَاهُ على هذا الكونِ العظيمِ؟ هل شكرناهُ على هذه المخلوقاتِ التي سُخِّرتْ مِن أجلِنا ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] . العقرب والانفجار النووي الإنسانُ له خصائصُ يتميَّزُ بها، وخصائصُ يشتركُ فيها مع بقيةِ الخَلْقِ، وأيُّ صفةٍ يفتخرُ بها ففي المخلوقاتِ مَا يفوقُه فيها، لكن الإنسانَ ميَّزهُ اللهُ بالعلمِ، والحكمةِ، والقوةِ الإدراكية، وميَّزَه بأنْ جعله المخلوق المكرَّم، كلَّفه عمارةَ الأرضِ، وكلَّفه تزكيةَ نفسِه، فإذا اشتغلَ الإنسانُ بما انفردَ به خيرٌ له مِن أنْ يسعى إلى التفوُّقِ في أشياء قد ميزَّ اللهُ بها بعضَ مخلوقاتِه عليه. وقعتْ تحت يدي مقالةٌ، مضمونُها أنّ فرنسا قبل خمسٍ وثلاثين سنةً قامت بتفجيرٍ نوويٍّ في صحراءِ الجزائرِ، وهذا التفجيرُ النوويُّ لهيبٌ حارقٌ، أو ضغطٌ ماحقٌ، لا يبقِي نباتاً، ولا حيواناً، ولا إنساناً، وأحْدَثَ هذا الانفجارُ حفرةً كبيرةً جداً، وكوَّنَ كرةً من النارِ تعلو مساحاتٍ شاسعةً، وبَعْدَ نهايةِ الانفجارِ، وسكونِ الأرضِ؛ وجدُوا عقرباً يمشِي في أرضِ الانفجار، إنها مفاجأة غريبة عجيبةٌ.
следующие страницы →