Полный текст (380 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بمائة ألف سيئة وهي واحدة , وبين أن تكون بمائة ألف سيئة عددا , فالجواب أنه قد جاء: أن من زادت حسناته على سيئاته في العدد دخل الجنة , ومن زادت سيئاته على حسناته في العدد دخل النار , ومن استوت حسناته وسيئاته عددا كان من أهل الأعراف , فلا يبعد أن يكون في الغلظ من غير تعدد معنى من عدم الزيادة العددية المرجحة بسبب فضل السيئات في الحرم في الحالة التي لولا هذا التأويل لرجح جانب السيئة , أو معنى غيره يحصل به.
الثامن والعشرون:
العقاب على الهم فيه بالسيئات وإن لم يفعلها. قال تعالى: ((ومن يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظلم نُذقْه من عذابٍ أليمٍ)). ولهذا عُدّى فعل الإرادة بالباء ولا يقال: أردت بكذا , لما ضمنه بمعنى يهم , فإنه يقال: هممت بكذا.
وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها. كل ذلك تعظيما لحرمته , وكذلك فعل الله سبحانه بأصحاب الفيل , أهلكهم قبل الوصول إلى بيته. وقال أحمد بن حنبل: لو أن رجلا هم أن يقتل في الحرم أذاقه الله من العذاب الأليم ثم قرأ الآية وقال ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد في بالهم قبل الفعل إلا مكة. وتلا هذه الآية.
التاسع والعشرون:
كره جماعة من السلف المجاورة بمكة. وحكى ذلك عن أبي حنيفة وغيره من العلماء المحتاطين لمعان ثلاثة , أحدها خوفا من التقصير في
стр. 107
حرمتها , والتبرم , واعتياد المكان , والأنس به , وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم , ولهذا كان عمر يأمر الحاج بالرجوع إلى أوطانهم , ويمنع الناس من كثرة الطواف بالبيت. وقال: خشيت أن تنتهك حرمة هذا البيت بخلاف الذي يقدم زائرا , ثم يذهب , فإنه يهاب المكان ويعظمه أكثر من القاطنين , ولمثل هذا نهى السلف عن الكلام في ذات الله تعالى لأن كثرة النظر في ذلك تسقط مهابة الرب من القلب ولهذا قال الشاعر
وأخ كثرت عليه حتى ملني ... والشئ مملول إذا ما يكثر
وفي الحديث: زر غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا
الثاني: تهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العود قال تعالى: ((وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا)) أي يثوبون إليه ويترددون إليه مرة بعد أخرى , لا يقضون منه وطرا. وقال بعضهم: لأن تكون في بلد وقلبك مشتاق إلى مكة , متعلق بهذا البيت , خير لك من أن تكون فيه , وأنت متبرم بالمقام وقلبك في بلد آخر. ويقال إن لله عبادا يطوف بهم الكعبة تقربا إلى الله تعالى.
الثالث: الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها فإن ذلك محظور , وبالحرا أن يورث مقت الله تعالى لشرف الموضع. وروى عن وهيب ابن الورد المكي قال: كنت ذات ليلة في الحجر أصلي سمعت قائلا بين الكعبة والأستار
стр. 108
يقول: إلى الله أشكو. ثم إليك يا جبريل ما ألقى من الطائفين حولي] من [تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذي قطع منه. ولهذا انتهى حال بعض المقيمين بمكة إلى أنه لم يقض حاجته في الحرم , بل كان يخرج إلى الحل , ولهذا كره بعض العلماء أجور دور مكة.
قال الغزالي: في الإحياء: ولا تظنن كراهة المقام يناقض فضل الكعبة , لأن هذه كراهة سببها ضعف الخلق عن القيام بحقوق الله. وحكى ابن الصلاح عن سعيد بن المسيب أنه قال لرجل من أهل المدينة جاء يطلب العلم: ارجع إلى المدينة , فإنا كنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون الحرم عنده بمنزلة الحل. وذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما إلى استحباب المجاورة بها لما يحصل فيها من الطاعات التي لاتحصل في غيرها من الطواف وتضعيف الصلوات والحسنات وحكاه صاحب الغاية عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقد ذكر ابن الجوزي في مثير الغرام عدة من استوطن مكة من الصحابة. فبلغوا أربعا وخمسين صحابيا ,
стр. 109
وجماعة كثيرة من التابعين. قال وقد جاور بها عبد الله بن عمر , وجابر بن عبد الله , قال النووي: والمختار أن المجاورة بها مستحبة , إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في الأمور المحذورة. وينبغي له أن يتذكر بها ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لخطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة بغيرها. وفي بعض كتب الحنابلة: سأل أحمد عن الجوار بمكة. وكان هو لما أراد الخروج استأذن المتوكل أن يجاور بها فقيل له: حرها شديد. فأمسك وقال: الجوار لا بأس به , إنما كره عمر الجوار لمن هاجر منها. قال: وسئل عن رجل يقتل الدر بمكة – فقال لابأس به.
الثلاثون:
مذهب أحمد أنه لا يكره المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام , وأن الصلاة لا يقطعها بمكة شئ ولو كان المار امرأة بخلاف غيرها. حكاه القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية. ونقل ذلك عن مالك وعبد الرزاق , واحتج عليه عبد الرزاق في كتاب الصلاة تأليفه – بما رواه عن عمر بن قيس أخبرني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه عن جده. قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في المسجد الحرام , والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القبلة بين يديه ليس بينه وبينهم سترة , وفي رواية أخرى. رأيته يصلي فيما يلي باب بني سهم.
стр. 110
الحادي والثلاثون:
يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام , لا في الصحراء لفضل البقعة ومشاهدة الكعبة , ولحصول المضاعفة لهم في الصلاة. وألحق الصيدلاني به بيت المقدس , وأما غيرها من البلدان ففيها خلاف. والمصحح أن فعلها في المسجد أفضل. وقال القاضي ابن كج في كتاب التجريد: قال الشافعي في الأم: تصلى في المصلى في سائر البلدان إلا في مكة فإنه تصلى في مسجدها , لأنه خير بقاع الأرض. وقال: إن كان لو وسعهم مسجد ذلك البلد أحببت أن يصلوا فيه انتهى لفظ الشافعي بحروفه وفيه فوائد لم يقفوا عليها.
الثاني والثلاثون:
تحريم استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء والبنيان عند كثير من العلماء بخلاف التشريق والتغريب , وعند الشافعي في الصحراء لا في البنيان. وهذا لا يختص بالحرم بل يعم كل مكان. واختلف أصحابنا في علة النهي. فقيل: إنه احترام الكعبة وتعظيمها. وقد روى في حديث سراقة مرفوعا: إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله ولا يستقبل القبلة والذي قاله جمهور الأصحاب: إن العلة في ذلك كون القبلة لا تخلو عن مصل من جن أو إنس , فربما يقع بصره على فرجه حالة الاستقبال أو الاستدبار فيتأذى بذلك بخلاف البيوت.
стр. 111
لا سيما المتخذة لذلك , وخدش بعضهم في هذا التعليل , بأن المصلى ممن ذكر , ظهره إلى جهة من يقضي الحاجة , فالتعليل بهذا يقتضي أن يكون الاعتبار باليسير من الجهة التي تقابل القبلة لا من جهة القبلة , والحديث إنما تعرض لاستقبال القبلة واستدبارها , فالتعليل الأول أقوى. ورد عليه جواز ذلك في البيوت.
الثالث والثلاثون:
تورع بعضهم عن قضاء الحاجة بمكة وكان يتأول أنها مسجد. وهذا التأويل مردود بالإجماع والنص , وقد فعله صلى اله عليه وسلم وأصحابه والسلف. نعم. روى الحافظ أبو علي ابن السكن في سننه الصحاح من حديث ابن عمر أنه ﷺ لما كان بمكة كان إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس وهو على ثلاثة فراسخ منها. ورواه أبو جعفر الطحاوى في تهذيب الآثار. وقال: على ميلين من مكة. ورواه الطبراني في الأوسط من حديث نافع بن عمر عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: ((كان رسول الله ﷺ يذهب بحاجته إلى المغمس)) قال نافع: نحو ميلين من مكة. وقال: لم يروه عن عمرو إلا نافع بن عمر تفرد به سعيد بن أبي مريم.
стр. 112
الرابع والثلاثون:
حكى الماوردى وجهين في جواز الاستنجاء بحجارة الحرم. وقال: ظاهر المذهب سقوط الفرض بذلك مع تأثيمه.
الخامس والثلاثون:
كره أحمد في رواية الوضوء والغسل بماء زمزم , والمشهور الجواز بلا كراهة. وقد روى هو في مسنده عن علي في حديث له , ثم أفاض رسول الله ﷺ فدعا بسجل من ماء زمزم , فشرب منه وتوضأ. وقال ابن الزاغوني من الحنابلة, لا يختلف المذهب أنه ينهى عن الوضوء به , لقول العباس: لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ واختلف في السب الذي لأجله ثبت النهي على طريقتين: إحداهما أنه اختيار الواقف وشرطه , وهو قول العباس. وهذا كما لو سبّل ماء للشرب لا يجوز الوضوء منه؛ لأنه خالف مراد الواقف , والثانية أن سببه الكرامة والتعظيم , فإن قلنا: إن ما ينحدر من أعضاء المتوضئ طاهر غير مطهر كره الوضوء بماء زمزم وإن قلنا إنه نجس كمذهب أبي حنيفة حرم التوضؤ به , وإن قلنا إنه طهور كمذهب مالك لم يحرم ولا يكره , لأنه لم يؤثر فيه الوضوء ما يوجب رفع التعظيم , وكره بعض المتأخرين منهم الغسل به دون الوضوء.
стр. 113
وفرق بأن غسل الجنابة يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه , ولهذا عم البدن كله لما صار جنبا؛ ولأن حدثها أغلظ , ولأن العباس إنما حجرها على المغتسل خاصة , وأما إزالة النجاسة به فيحرم. وقالت الحنابلة. إن تغير كان حراما , وإن لم يتغير وكان في الغسلة السابعة فهل يحرم أو يكره على روايتين , وإن قلنا: إن الماء لا ينجس إلا بالتغير فمتى انفصل غير متغير في أي الغسلات كان كره ولم يحرم وأما الاستنجاء به فحرام صرح به الماوردي في باب الاستطابة من الحاوي فقال: ولماء زمزم حرمة تمنع من الاستنجاء به انتهى. وكذلك من استعماله إلا فيما وردت فيه الرخصة وقد صح أنه ﷺ توضأ به , وأمر أن تبرد به الحمى فلا يتعدى به ما ورد. قال: لكن إن استنجى به أجزأ بالإجماع. وجزم المحب الطبري أيضا بتحريم إزالة النجاسة به. وقال: إن بعض الناس استنجى به فحدث به البواسير , وقال الروياني: تكره إزالة النجاسة به لحرمته. وقال العجلي: الأولى ألا يتطهر به لكرامته , وفي شرح المهذب المسمى بالاستقصاء عن الصيمري: إن غيره من الماء أولى منه. وقضية إطلاق الجمهور أنه كغيره فتحصلنا في الاستنجاء به على وجوه , الكراهة , والتحريم , وخلاف الأولى. وههنا بحث , وهو أن القائل بالتحريم أو الكراهة إما أن يكون مدركه أنه من أنهار الجنة أو كونه من منبع شريف , فإن كان الأول , فينبغي أن يقال: بالكراهة في النيل والفرات , لأنهما من
стр. 114
أنهار الجنة , ولاقائل به , وإن كان الثاني فينبغي أن يقال: بالكراهة في عين سلوان بالقدس , وسائر مياه الحرم , ولا قائل به. نعم. قد يقال مدركه أنه له خصوصية انفرد بها وهو كونه يقتات به كالطعام كما في صحيح مسلم في حديث أبي ذر في بدء إسلامه: إنها طعام طعم , وشفاء سقم فليلتحق في الاحترام بالمطعومات , ولعل هذا مأخذ الماوردي. وهذا البحث من فوائد شيخنا العلامة أبي العباس ابن الأذرعي الحلبي.
السادس والثلاثون:
يجوز إخراج ماء زمزم وغيره من مياه الحرم , ونقله إلى جميع البلدان ,لأن الماء يستخلف , بخلاف نقل التراب والحجر , وكانت عائشة ﵂ تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله. رواه الترمذي وقال: حسن , والحاكم وقال: صحيح الإسناد. قال في شرح المهذب: ويستحب نقله للتبرك.
السابع والثلاثون:
يحرم نقل تراب الحرم وأحجاره عنه , وسواء في ذلك تراب نفس مكة وما حواليها من جميع الحرم. هذا هو الأصح في شرح المهذب للنووي والذي أورده الرافعي في باب محرمات الإحرام , كراهته. وعند الحنفية: أنه لا بأس بإخراج الأحجار وترابه , ونقله الشافعي في الأم
стр. 115
عن أبي حنيفة وهو المنقول عن عمر؛ وابن عباس لكنهما كرهاه , وقال أحمد: إذا أردت أن تستشفي بتراب الحرم فلا تأخذه لكن ألصق عليه طينا من غير طين الحرم , ونقل القاضي أبو الطيب عن الشافعي أنه قال: رخص بعض الناس في ذلك , واحتج بشراء البرام من مكة. قال الشافعي , وهذا غلط فإن البرام ليست من حجارة الحرم بل يحمل من مسيرة يومين أو ثلاثة من الحرم , وإذا أخرج ذلك فلا ضمان ويجب رده وأما عكسه وهو نقل تراب الحل إلى الحرام ففي الروضة والمناسك أنه مكروه , وفي شرح المهذب أنهم اتفقوا على أنه خلاف الأولى , لئلا يحدث لها حرمة لم تكن. قال: ولا يقال: مكروه لعد ثبوت النهي عنه: وفي البيان: قال الشيخ أبو إسحق ولا يجوز إدخال شئ من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم. وهذا يرد نقل الاتفاق.
الثامن والثلاثون:
أن الشخص إذا مات وأريد نقله إلى بلد آخر قبل دفنه فإنه يحرم على الأصح , لا سميا إذا كان بمكة أو المدينة , أو بيت المقدس لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته بخلاف ما لو كان بقرب مكة , أو المدينة , أو بيت المقدس فإن الماوردي حكى في الحاوي عن نص الشافعي أنه يختار نقله إليها لفضل الدفن بها , فقد روى ابن عباس وأنس أن النبي ﷺ قال: من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة.
стр. 116
وفي رواية الزهري: من قبر بالمدينة كنت عليه شاهدا , وله شافعا , ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا انتهى.
وحكاه عنه النووي في زوائد الروضة عن النص , وكذا فعل في المنهاج والحق أن هذا لم يتعرض له الشافعي , وإنما هو من كلام الماوردي يعرفه من وقف عليه. وقد تبعه عليه الروياني في الحلية , ولم يعزه إلى الشافعي , وقد نقل القاضي أبو الطيب وابن الصباغ نص الأم بلفظ: إن من مات بمكة أو المدينة , أحببت أن يدفن في مقابرها , وكذلك إن مات ببلد قد ذكر في مقبرته خير أحببت أن يدفن بها , وساق النص إلى آخره. وليس فيه تعرض للاستثناء السابق. وقد قال صاحب البيان وأبو نصر البندنيجي في المعتمد إنه لا نص للشافعي في نقل الميت من بلد إلى بلد. وقال ابن الرفعة: قال الشافعي في الأم. ولا أحب إذا مات في بلد أن ينقل إلى غيرها , وخاصة إذا كان قد مات بمكة أو المدينة , أو بيت المقدس. قال الماوردي: نعم. لو مات بقرب مكة , أو المدينة , أو بيت المقدس. فيختار أن ينقل إليها. قال ابن الرفعة: والجمهور على منع النقل يعني مطلقا. وصرح بأن الاستثناء للماوردي نفسه , لا للشافعي , وجرى عليه المحب الطبري. وقال: لو أوصى بنقله من بلد موته إلى أحد الأماكن الثلاثة لزم تنفيذ وصيته أي عند القرب , وأمن التغير. وعزاه إلى بعض أصحابنا باليمن.
стр. 117
قال: ولو مات بقرب قرية , أهلها صالحون , فهل ينقل ليدفن بجوارهم؟ لا يبعد إلحاقه بالأماكن الشريفة , وهذا كله منه بناء على ما سبق عن النص.
التاسع والثلاثون:
يجوز ستر الكعبة بالحرير , لأن ذلك محرم على الرجال فقط. وقال الغزالي في فتاويه ولا بأس بتحلية المصحف بالذهب وتزيين الكعبة بالذهب والحرير ما لم ينسب إلى الإسراف. هذا كله في إلباس الكعبة , وأما غيرها. ففي زوائد الروضة عن الشيخ أبي نصر المقدسي: إن تنجيد البيوت , أي تزيينها بالثياب المصورة وغيرها من الحرير وغيره حرام. قال النووي: لكن الصواب في غير الحرير والمصورة. الكراهة دون التحريم انتهى.
وفي البيان , في باب الوليمة: أن الشافعي قال في الأم: فإن كانت المنازل مسترة , فلا بأس أن يدخلها وليس فيه شيء أكرهه سوى السرف , لما روى عن ابن عباس أنه قال: لا تستروا الجدر. انتهى.
وروى مسلم من حديث عائشة: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة واللبن وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس: لا تستروا الجدر بالثياب. وفيه بإسناد منقطع أنه ﵊ نهى أن تستر الجدر. قال البيهقي: وروينا في الكراهة عن عثمان. ويشبه أن يكون ذلك لما فيه من السرف. وقال الغزالي في الإحياء: تزيين الحيطان لا ينتهي إلى التحريم. إذ الحرير محرم على الرجال , وما على الحيطان
стр. 118
ليس منسوبا إلى الذكور , ولو حرم هذا لحرم تزيين الكعبة؛ بل الأولى إباحته بموجب قوله تعالى: ((قُلْ مَنْ حرَّم زينةَ الله)). لا سيما في وقت الزينة , إذا لم يتخذه عادة للتفاخر , فإن قيل: وإن تخيل أن الرجال ينتفعون بالنظر إليه , قيل: لا يحرم على الرجل النظر إلى الديباج مهما لبسه الجواري , فالحيطان في معنى النساء. وفرق الشيخ نجم الدين بن الرفعة في المطلب في باب النذر بينهما , بأن في النظر إليهن في هذه الحالة تشوفا وتشوقا إلى ما هو المقصود منهن , فلذلك أبيح , ولهذا علل منع لبس الرجال بالخنوثة التي لا تليق بشهامتهم. وهذا المعنى مفقود في الحيطان ,بل فيه استعمال الزينة , واستعماله حرام على الرجال كيف قدر.
وقد حكى عن الشيخ أبي حامد: أنه ألحق بلبس الحرير والجلوس عليه تعليق الستور ونحوها لكنه وجه ذلك بأنه ابتذال وسرف وهو ما أورده الرافعي في آخر باب صلاة العيد , أما سائر المساجد ففي إلحاقها بالكعبة احتمال للشيخ عز الدين ابن عبد السلام. وسيأتي إن شاء الله في الباب الرابع.
الأربعون:
هل يمتنع الشرب من ماء السيل النازل من الميزاب تحت الحجر لأنه من ذهب واستعماله حرام؟ والظاهر الجواز؛ كما قالوا فيمن أراد استعمال ماء الورد من مرش ذهب أو فضة أن يسكبه في يده ثم يستعمله منه.
стр. 119
الحادي والأربعون:
قال أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا: لا يجوز قطع شئ من سترة الكعبة , ولا نقله , ولا بيعه , ولا شراؤه , ولا وضعه بين أوراق المصحف. ومن حمل شيئا من ذلك لزمه رده بخلاف ما تتوهمه العامة ويشترونه من بني شيبة. وأقره الرافعي على ذلك , وكذا قال الإمام أبو عبد الله الحليمي لا ينبغي أن يؤخذ شئ من كسوة الكعبة. وقال ابن القاص: لا يجوز بيع أستار الكعبة. وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفه في بعض مصارف بيت المال بيعا وعطاء. واحتج بما رواه الأزرقي في كتاب مكة: أن عمر بن الخطاب كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج. قال في الروضة: وهو حسن متعين لئلا يتلف بالبلى. وذكره أيضا في شرح المهذب في أواخر كفارة الإحرام. وروى الأزرقي أيضا عن ابن عباس وعائشة ﵄ أنهما قالا: تباع كسوتها ويجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل. قالا: ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما , وكذا قالته أم سلمة. وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى – وسئب عن رجل سرق من الكعبة فقال: ليس عليه قطع.
стр. 120
وذكر الأصحاب في كتاب الوقف فيما إذا بليت حصر المسجد , أو أستار الكعبة في جواز بيعها وجهان , أصحهما. نعم. لئلا تضيع , أو يضيق المكان بلا فائدة. والثاني لا يباع بل تترك بحالها , فيحتمل أن تخص مسألتنا بالجديد وفي خزانة الأكمل للحنفية: لا تأخذ شيئا من أستار الكعبة , وما يسقط منها إلى القوام لا بأس أن يشترى منهم. وأخرج البخاري عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة بن عثمان في المسجد الحرام فقال: جلس إلي عمر بن الخطاب مجلسك هذا فقال: لقد هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها يعني الكعبة فقلت له: كان لك صاحبان فلم يفعلاه , رسول الله ﷺ وأبو بكر. هما المرءان , اقتد بهما.
الثاني والأربعون:
يحرم أخذ شئ من طيب الكعبة للتبرك وغيره , ومن أخذه لزمه رده إليها , فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به , ثم أخذه , قاله النووي في الروضة من زوائده. ورأيته منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 121
وقياسه أن يأتي ذلك في الشمع. قال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر.
الثالث والأربعون:
بيع أشجار الحرم حرام باطل. قال القفال: إلا أن يقطع شيئا يسيرا للدواء فيجوز بيعه حينئذ. قال في الروضة: وفيما قاله نظر. وينبغي ألا يجوز كالطعام الذي أبيح له أكله , لا يجوز له بيعه. قال صاحب التلخيص: وحكم شجر النقيع بالنون – حكم شجر الحرم في امتناع بيعه.
الرابع والأربعون:
مذهب الحنفية , أن بيع دور مكة وكراءها لا يجوز , وهو رواية عن أحمد. قال ابن المنير في المقتفي – وهو أحد قولي مالك والمشهور منه. واحتج أبو حنيفة بما رواه عن عبيد الله بن أبي يزيد كذا قال عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ . مكة حرام وحرام بيع رباعها , وحرام أجر بيوتها , قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا , وهو وهم والصحيح أنه موقوف قال: ووهم أيضا في قوله: ابن أبي يزيد. والصواب ابن أبي زياد القداح. وروى الحاكم في المستدرك من طريق اسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: مكة مباح لا تباع رباعها , ولا تؤاجر بيوتها ,
стр. 122
وقال: صحيح الإسناد. ولم يخرجاه , وشاهده حديث أبي حنيفة انتهى. واسماعيل قال فيه البخاري: منكر الحديث وضعفه يحيى والنسائي وقال ابن حبان: كان فاحش الخطإ , وأبوه ضعفه يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وفي سنن ابن ماجه عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة: توفي رسول الله ﷺ , وأبو بكر وعمر , وإن دور مكة كانت تدعى: السوائب. من احتاج سكن , ومن استغنى أسكن. وفي سنن الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمر ويرفعه: من أكل من كراء بيوت مكة أكل نارا. وابن أبي نجيح: هو عبد الله بن يسار لم يدرك عبد الله , وفي مصنف بن أبي شيبة عن مجاهد قال النبي ﷺ : مكة حرام حرمها الله لا يحل بيع رباعها , ولا إجارة بيوتها , وكان عطاء يكره إجارة بيوتها والقاسم وعبد الله بن عمر. وروى محمد بن علي: لم يكن لدور مكة أبواب وحكى عن عثمان أنه قال: رباعي التي بمكة سكنها بنيّ ويسكنونها من أحبوا. وكره بيعها مجاهد وعطاء وطاوس. وكان عمر بن الخطاب يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج. قال السهيلي: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة , أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج فإن ذلك لا يحل لهم. وعن مالك: إن كان الناس ليضربون فساطيطهم بدور مكة لا ينهاهم أحد , واحتجوا أيضا بأن الله تعالى أطلق على مكة كلها مسجدا بقوله (سبحان
стр. 123
الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) وإنما كان الإسراء من بيت أم هانئ , وغيره من البيوت داخل في لفظ المسجد , والمسجد لا يباع ولا يؤجر وعورض هذا بأن الإجماع قائم على جواز الوطء , وغيره من الأحوال التي لا تسوغ في المسجد فيها فلو كان اسم المسجد يستلزم حكم المسجد لزم ألا يجوز فيها حالة من الحالات المنافية للمسجد. وأجاب ابن المنير أيضا , بأن العام إذا خصص بقي ما عداه على أصل العموم فلا يلزم من جواز تلك الأحوال فيها بدليل الإجماع جواز غيرها من البيع والإجارة إلا بقيد جامع مستأنف. ولو فرض قياس كان النص أو العرف يدفعه , قلت: بل الجواز دل عليه النص كما سيأتي , وأيضا: فإطلاق لفظ المسجد على دور مكة أو على الحرم كلها مجاز من باب التغليب. لا من باب حقيقة اللفظ وقد قال سبحانه: ((فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام)) ولم يكتف أحد من المسلمين باستقبال المسجد المحيط بالكعبة فضلا عن بقية دور مكة بل أجمعوا على أن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية , الكعبة فقط , وهو حقيقة اللفظ ولا يتبادر الذهن إلى إرادة مكة كلها إلا بقرينة , وحينئذ يبطل ما بنى عليه ابن المنير من منع بيع دور مكة لإطلاق المسجد عليها ’ وليس مأخذ منع البيع وعدمه ذلك بل مأخذه الخلاف في أنها فتحت صلحا أو عنوة. وذهب الشافعي وأحمد في رواية وغيرهما إلى جواز بيعها وكرائها , وأن دورها وأراضيها باقية على ملك أربابها يجوز لهم
стр. 124
التصرف فيها ببيع ورهن وإجارة ووقف , وكذا سائر دور الحرم وأراضيه , وللشافعي فيه مناظرة مع اسحق ابن راهوية فروى البيهقي بسنده إلى إبراهيم بن محمد الكوفي قال: رأيت الشافعي يفتي الناس ورأيت اسحق بن راهويه واحمد بن حنبل حاضرين قال أحمد بن حنبل لإسحق يا أبا يعقوب: تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله فقال اسحق: لم تر عيناي مثله!!. قال: نعم. فجاء فأوقفه على الشافعي فذكر القصة إلى أن قال: ثم تقدم إسحق إلى مجلس الشافعي وهو مع خاصته جالس فسأله عن سكنى بيوت مكة , أراد الكراء فقال له الشافعي: عندنا جائز , قال رسول الله ﷺ , وهل ترك لنا عقيل من دار فقال له اسحق: أتأذن لي في الكلام فقال: تكلم. فقال: حدثنا يزيد عن هشام عن الحسن: أنه لم يكن يرى بذلك (بأسا وأخبرنا ابو القاسم وغيره عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنه لم يكن يرى بذلك). وعطاء وطاوس لم يكونا يريان بذلك , فقال الشافعي لبعض من عرفه: من هذا؟ فقال: اسحق بن راهويه الحنظلي الخراساني. فقال له الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم. فقال اسحق: هكذا يزعمون. قال الشافعي: ما أحوجني إلى أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بعرك أذنيه.
стр. 125
أنا أقول: قال رسول الله ﷺ . وأنت تقول: عطاء وطاوس وابراهيم والحسن , هؤلاء لا يرون ذلك. هل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟ فذكر قصته , إلى أن قال: قال الشافعي: قال الله ((للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم)) فنسب الديار إلى المالكين أو غير المالكين؟ قال اسحق: للمالكين. فقال الشافعي: قول الله تعالى أصدق الأقاويل. وقد قال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن , فنسب الديار إلى مالك أو إلى غير مالك؟ فقال اسحق: إلى مالك. فقال الشافعي: وقد اشترى عمر بن الخطاب دار الحجامين وأسكنها , وذكر جماعة من الصحابة , فقال له: اسحق: اقرأ أول الآية. قال الله : ((سواء العاكف فيه والبادي)) فقال الشافعي: لو كان هذا كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد فيها ضالة , ولا ينحر فيها البدن , ولا تلقى فيها الأرواث. ولكن هذا في المسجد خاصة. قال. فسكت إسحق. ولم يتكلم , فسكت عنه الشافعي رحمهما الله. وروى البيهقي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ((سواء العاكف فيه والبادي)) يقول: من أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام. قال البيهقي , وما يروى عن اسماعيل بن ابراهيم بن حماد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ . قال: مكة مباح لا تباع رباعها ولا تؤجر. فإسماعيل وأبوه ضعيفان. قال: وما روى عن
стр. 126
علقمة بن نضلة الكناني أنه قال: يعني الحديث السابق من جهة ابن ماجه فهو إخبار عن عادتهم الكريمة من اسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم قال: وقد روينا جواز البيع وجواز الإرث كثيرا فاشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية دار السجن لعمر بن الخطاب. وقال الزبير: باع حكيم بن حزم دار الندوة في الإسلام بمائة ألف درهم. وذلك في زمن معاوية , فلامه معاوية في ذلك , وقال أبعت مكرمة أبائك وشرفهم؟ فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا بالتقوى. ولقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر وبعتها بمائة ألف , وأشهدكم أن ثمنها في سبيل الله , فأينا المغبون؟. والندوة بالنون هي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور , ولفظها مأخوذ من لفظ الندى , والنادي , وهو مجلس القوم الذي يندون حوله , أي يذهبون قريبا منه وقال ابن المنذر في الإشراف , كان أحمد بن حنبل يتوقى الكراء في المواسم , ولا يرى بأسا بالشراء. واحتج بأن عمر بن الخطاب اشترى دار السجن بأربعة
стр. 127
آلاف وحكى ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: لا أرى به بأسا وحكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: لا بأس ببيع أرضها إجارتها كسائر البلدان. قال طحاوي: اعتبرنا ذلك فوجدنا المسجد الحرام الذي كل الناس فيه سواء لا يجوز لأحد أن يبني فيه بيتا ولا يحتجر منه موضعا وكذا حكم جميع المواضع التي لا ملك لأحد فيها وجميع الناس فيها سواء.
ألا ترى أن عرفة لو أراد رجل أن يبني في المكان الذي يقف الناس فيه لم يكن له ذلك؟ (وكذلك منى) قالت عائشة يا رسول الله ألا نتخذ لك بمنى شيئا تستظل به. قال: ياعائشة: إن منى مباح لمن سبق. رواه الترمذي. وقال حسن. والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري. قال الطحاوي: ورأينا مكة شرفها الله على غير ذلك قد أجيز فيها البناء. وقال ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن , ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. فأثبت لهم أملكة كريمة قال السهيلي والقرطبي شارح مسلم: والخلاف منتزع من أصلين , أحدهما: قوله تعالى: ((والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد)) وأن الضمير هل يرجع إلى المسجد الحرام أو إلى البلد , والثاني أن رسول الله صلى الله
стр. 128
عليه وسلم دخلها عنوة غير أنه من على أهلها بأنفسهم وأموالهم ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعضهم , لأنها مخالفة لغيرها من وجهين أحدهما: ما خص الله به رسوله , فإنه قال: ((قل الأنفال لله والرسول)) والثاني: ما خص الله تعالى به مكة من أنه لا تحل غنائمها , ولا تلتقط لقطتها , وهي حرم الله وأمنه. فكيف تكون أرضها أرض خراج؟ فليس لأحد فتح بلدا أن يسلك بها مسلك مكة , فأرضها أو دورها لأهلها , ولكن أوجب الله تعالى عليهم أن يوسعوا على الحاج إذا قدموا من غير كراء , فهذا حكمها , فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا. وإن كان ظاهر الأحاديث أنها فتحت عنوة أي كما هو مذهب الحنفية , ومذهب الشافعي: أنها فتحت صلحا , واحتواء أبي طالب على أملاك عبد المطلب يدل على ذلك وهو كان أكبر أولاده حين وفاته على عادة الجاهلية. قال القرطبي: من قال: إنها فتحت عنوة كانت مغنومة لكن النبي ﷺ لم يقسمها , وأقرها لأهلها , ولمن جاء بعدهم كما فعل عمر بالأرض المغنومة فتبقى على ذلك , لا تباع , ولا تكرى , ومن قال إنها فتحت عنوة مع تجويز بيعها , راعى الخلاف على أصله في مراعاة الخلاف الظاهر وتكون فائدة
стр. 129
حكمه بالكراهة أن من باع شيئا منها أو أكراه لا ينفسخ عنده , ويمضي غير أنه لا يشرع الإقدام عليه.
فائدة: الخلاف السابق إنما هو في نفس الأرض فأما البناء والمساكن فيجوز بيعها بلا خلاف.
قال الروياني: ولا يكره بيع شئ من الأرض إلا أراضي مكة , فيكره بيعها للخلاف. وكذا إجارتها. قال النووي: وهذا غريب والأحسن أن يقال: إنه خلاف الأولى:
الخامس والأربعون:
أصح قولي الشافعي: أن لقطة مكة وحرمها لا يجوز أخذها للتمليك , وإنما تؤخذ للحفظ والتعريف بخلاف سائر البلاد , وهو قول عبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه , ولا ينفر صيده , ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها)) ومعلوم أن لقطة كل بلد تعرف , ولو كان كغيره لم يكن لتخصيصه بهذا الذكر معنى. وفي مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عثمان أنه ﷺ نهى عن لقطة الحاج. وزعم ابن الجوزي أن مسلما أخرجه في الصحيح ولم يذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف , والمعنى فيه أن مكة مثابة للناس يعودون إليها مرة بعد أخرى , وربما يعود إليها من أضلها أو يبعث في
стр. 130
طلبها. والقول الثاني أنها كلقطة سائر البلدان. والمراد من الخبر , أنه لابد من تعريفها به كما في سائر البلدان فلا يتوهم أن تعريفها في الموسم كان لكثرة الناس وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
قال ابن المنذر: ورويناه عن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب. يعني وبعد الحول تملك. قال أبو عبيد في كتاب الأموال: الصحيح عند ابن مهدي: هو القول الأول لقوله: ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد. قال ابن مهدي: ليس يحل له إلا إنشادها , فأما الانتفاع بها فلا يجوز. وقال جرير بن عبد الحميد: معنى قوله: إلا لمنشد أي إلا لمن يسمع ناشدا يقول: من أصاب كذا فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفها إذا رآها ليردها إلى صاحبها. ومال ابن راهويه إلى هذا القول. وقيل: معناه لا تحل إلا له , وهو خبر في المعنى. لكنه لا يقال للطالب منشد , لأن المنشد , المعرف. والطالب الناشد: قال أبو عبيد: وليس للحديث وجه إلا ماقاله ابن مهدي واختاره من المالكية الداودي , والباجي , وابن العربي. قال القرطبي في شرح مسلم: وهو الأظهر. وقال الماوردي في الحاوي: في المنشد تأويلان. أحدهما وهو قول أبي عبيدة , أنه صاحبها الطالب لها , والناشد هو المعرف الواجد لها , والمعنى لا تحل لمن يتملكها إلا صاحبها التي هي له دون الواجد. والثاني وهو قول الشافعي: أن المنشد الواجد المعرف , والناشد هو المالك الطالب ومنه الحديث – وقد سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد -: أيها الناشد, غيرك الواجد. والمعنى لا تحل لقطتها إلا لمعرف يقيم على تعريفها ولا يتملكها , وعلى كل من التأويلين ففيه دليل على تحريم تملكها.
стр. 131
فائدة: وأما لقطة عرفة ,ومصلى إبراهيم ففيه وجهان في الحاوي.
أحدهما: حل لقطتها قياسا على الحل.
والثاني: أنه كالحرم لا تحل إلا لمنشد , لأنه مجمع الحاج , وينصرف القصاد منه إلى سائر البلاد كالحرم انتهى.
وليس هذا الفرع في الشرح والروضة. قال الماوردي واختلفوا في جواز إنشادها في المسجد الحرام مع اتفاقهم على تحريم إنشادها في غيره من المساجد على وجهين , أصحهما جوازه اعتبارا بالعرف , وأنه مجمع الناس. وقال الرافعي ﵀. ولا تعرف في المساجد كما لاتطلب الضالة فيها.
قال الشاشي في المعتمد: إلا أن أصح الوجهين جواز التعريف في المسجد الحرام بخلاف سائر المساجد انتهى.
السادس والأربعون:
إن صيد الحرم حرام على الحلال والمحرم بالإجماع , ولقوله ﷺ : ولا ينفر صيدها , ونبه بالتنفير على الإتلاف , لأنه إذا حرم التنفير , فالإتلاف بالأولى. وهو مضمون خلافا لداود الظاهري. وقيل السبب في ذلك أنه ﷺ لما دخل الغار ونسج العنكبوت ,وأمر الله حمامة فباضت على نسج العنكبوت وجعلت ترقد على بيضها فلما نظر الكفار إليها على فم الغار ردهم ذلك عن الغار. وجاء في الأثر أن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين اللتين ركزتا على فم الغار. فلذلك احترم
стр. 132
حمام الحرم. وهو من جنس قوله تعالى: ((وكان أبوهما صالحا))
قيل: جدهما السابع , فحفظ الأعقاب , رعاية الأسلاف , وإن طالت الأحقاب , وضد هذا ما أمر به رسول الله ﷺ من قتل الوزغ لما قيل: أنها كانت تنفخ النار على إبراهيم ﷺ , أما إدخال صيده من الحلال إلى الحرم فقال ابن المنذر: كرهه ابن عمر وابن عباس وعائشة وعطاء وطاوس وأحمد وإسحق , وأهل الرأي , ورخص فيه جابر بن عبد الله. وقال هشام بن عروة: قد كان ابن الزبير يراها تسع سنين في الأقفاص. وأصحاب رسول الله ﷺ . لا يرون فيه بأسا. ورخص فيه سعيد بن جبير ومجاهد , ومالك والشافعي وأبو ثور وهو الأصح.
السابع والأربعون:
إن قطع شجره وحشيشه حرام على الحلال والمحرم لقوله ﷺ : ولا يعضد شجرها. قال الواقدي: لما أرادت قريش البنيان قالوا لقصي: كيف نصنع بشجر الحرم فنهاهم وحذرهم في قطعها , وخوفهم من العقوبة في ذلك , فكان أحدهم يحوق بالبنيان حول الشجرة حتى تحصل في منزله قال: وأول من رخص في قطع شجر الحرم في البنيان عبد الله بن الزبير حين ابتنى دور بقعيقعان لكنه جعل دية
стр. 133
كل شجرة بقرة , وكان يروى عن عمر أنه قطع دوحة كانت في دار أسد بن عبد العزى , وكانت تنال أطرافها ثياب الطائفين بالكعبة , وذلك قبل أن يوسع المسجد فقطعها عمر ﵁ ووداها ببقرة: قال السهيلي: ومذهب مالك في هذا أن لا دية في شجر الحرمين. قال: ولم يبلغني في ذلك شئ. وقد أساء من فعل ذلك , وأما الشافعي فجعل في الدوحة بقرة وفيما دونها شاة , وقال أبو حنيفة: إن كانت الشجرة التي في الحرم مما يستنبته الناس فلا دية على من قطع شيئا منها , وإن كانت من غيرها ففيها القيمة بالغة ما بلغت , وذكر أبو عبيد: أن عبد الله ابن عمر أفتى فيها بعتق رقبة. وقال ابن المنذر: لا أجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم فرضا من كتاب ولا سنة , ولا إجماع. وأقول كما قال مالك نستغفر الله تعالى. قال: وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة أخذ كل ما ينبته الناس في الحرم من الزرع , والبقول , والرياحين , وغيرها. وقال النووي: اتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لا يستنبتها الآدميون ﴿في العادة وعلى تحريم قطع خلاها وهو الرطب من الكلأ واختلفوا فيما أنبته الآدميون﴾ , واختلفوا في ضمان قطع الشجر. فقال مالك يأثم , ولا فدية. وقال الشافعي وأبو حنيفة: عليه الفدية , وأوجب أبو حنيفة القيمة , والشافعي في الكبيرة بقرة والصغيرة شاة , وكذا جاء عن ابن عباس , ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعى
стр. 134
البهائم , وقال أبو حنيفة , وأحمد: لا يجوز. وقوله: ولا يعضد شوكه فيه دليل على تحريم جميع نبات الحرم من الشجر والكلإ سواء الشوك المؤذي وغيره , وهو الذي اختاره المتولي. وهو الصحيح. وقال جمهور أصحابنا: لا يحرم الشوك , لأنه مؤذ فأشبه الفواسق , ويخصون الحديث بالقياس , وحاصل المذهب أنه لا فرق في التحريم وإيجاب الضمان بين النابت بنفسه , والمستنبت كالأشجار المثمرة والقرع والخلاف والفرصاد لظاهر الخبر. قال الماوردي: وحل الخلاف فيما أنبت في موات الحرم , فإن أنبت في أملاكه لم يحرم بلا خلاف , هذا بالنسبة إلى الشجر , وقيده ابن الرفعة بالرطب. قال: أما إذا كان الشجر قد جف فقلعه فلا شئ عليه قال القاضي الحسين كما إذا قطع الصيد إربا إربا. وكذلك قال الماوردي والبندنيجي قالا: ولا فرق في ذلك بين أن يستهلكه أم لا. واعلم أن القاضي الحسين: إنما جوز القطع بالطاء , لا باللام , فلا يلزم من جواز القطع , القلع بدليل الحشيش اليابس فإنه يجوز قطعه , ولا يجوز قلعه , ولم يتكلم النووي في الروضة وشرح المهذب على قطع الشجر اليابس , وإنما تعرض للقلع فقط. وقد يوهم تحريم القلع , والصواب الجواز كما سبق. وقال ابن المنذر: ما سقط من الشجر البالي الميت يجوز أخذه , وهو قول أحمد وأبي ثور وأصحاب الرأي. قال: ولا نعلم أحدا منع منه , وبه نقول انتهى.
أما المستنبت بالنسبة إلى غير الشجر كالحنطة والشعير , وسائر
стр. 135
الخضروات فيجوز قطعه , وقلعه بلا خلاف لمالكه , ولو قطعه غيره , فعليه قيمته له , ولا شيء عليه للمساكين. قاله الخفاف في كتاب الخصال. وقد استثنى أصحابنا من التحريم أو التضمين في النابت بنفسه مسائل , إحداها: الإذخر , لورود التصريح باستثنائه في الصحيح.
الثانية: الشوك كالعوسج وغيره لأذاه كالفواسق الخمس , وفي وجه اختاره في التتمة والنهاية , التحريم. واختاره النووي في تصحيح التنبيه. وقال في شرح مسلم: أنه الصحيح لظاهر الخبر في قوله: لا يعضد شوكه.
الثالثة: إذا احتاج إلى شيء من الكلإ لعلف البهائم جاز أخذه على الأصح لأن المنع منه لأجلها , كما يجوز تسريحها فيه , لأن الصحابة كانوا يدخلون حقاقهم الحرم , وهي ترعى فأبيح ذلك دفعا للضرر كما أبيح الإذخر. وحكى عن أبي يوسف. قال ابن العربي. وهو الصحيح – وقال ابن المنذر: اختلفوا في الرعي في حشيش الحرم فكان الشافعي يقول: أما الرعي فلا بأس به , لأن الذي حرم النبي ﷺ فيه الاختلاء إلا الإذخر. والاختلاء: الاحتشاش. وبه قال يعقوب وحكى عن عطاء. وكان النعمان ومحمد يقولان: لا يرعى في حشيش الحرم ولا يقطع منه الإذخر.
الرابعة: إذا احتيج إليه للدواء فالأصح لا يحرم قطعه , لأن الحاجة إليه أهم من الحاجة إلى الإذخر. وقد استثناه الشرع. قال ابن المنذر: وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنابستان ولا ينزع من أصله. وفي الوسيط
стр. 136
حكاية وجه أنه لا يلحق بالإذخر غيره. وإن مست إليه الحاجة كما في الإذخر. وحكاه الإمام في النهاية عن الشيخ أبي علي ابن السنجي في شرح التلخيص حكاية احتمالين له في وجوب الضمان وعدمه , قلت وعليه ينطبق ما في ترتيب الأقسام للمرعشي فإنه جزم بجواز القطع , وحكى في الضمان فيه وجهين.
الخامسة: إذا احتيج إليه كالحاجة التي يقطع لها الإذخر كتسقيف البيوت ونحوه , وذكر الغزالي في الوسيط والبسيط: أن الخلاف في أخذه للدواء يجري هنا وقضيته الجواز , وعليه جرى صاحب الحاوي الصغير فجوّز القطع للحاجة مطلقا , ولم يخصه بالدواء.
السادسة: ما يتغذى به كالرجلة المسماة بالبقلة (الحمقاء) ونحو ذلك , لأنه في معنى الزرع صرح باستثنائها المحب الطبري في شرح التنبيه وحيث جوزنا الأخذ في هذه المسائل فلا يجوز أخذه للبيع كالطعام الذي أبيح له أكله لا يجوز له بيعه صرح به الماوردي وتبعه النووي , وخالف القفال كما سبق. قال ابن الصلاح في مناسكه: لا يجوز أخذ شيء من مساويك الحرم لعموم قوله: ((ولا يعضد شجرها)) وفي كتاب (عارضة) الأحوذي للقاضي ابن العربي نقلا عن الشافعي أنه أجاز قطع المسواك من فروع الشجرة كما جوّز أخذ ورقها وثمرها للدواء إذا كان لا يضرها ولا يميتها , لأنه
стр. 137
يخلف , والإجماع على إباحة الإذخر لورود استثنائه في الخبر , ورأيت في ترتيب الأقسام للمرعشي أن مافيه منفعة كالإذخر وفرع الأراك فقطعه جائز وفي جبرانه وجهان انتهى لفظه وهو غريب جدا أعنى جريان خلاف في جزاء الإذخر وكذا في السواك. (وقال ابن المنذر في الإشراف: اختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم فروينا عن مجاهد وعطاء وعمرو ابن دينار الترخيص فيه وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي قال ابن المنذر ولا أجد دلالة أبيح بها ما أباح عطاء من أخذ السواك وغيره من الحرم والشيء إذا حرم , حرم القليل منه والكثير , وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ليث قال: كان عطاء يرخص في القضيب والسواك) والسنا من الحرم. وعم مجاهد أنه كرهه.
الثامن والأربعون:
يحرم القتال بمكة لقوله ﷺ : إنها لم تحل لي إلا ساعة من نهار. وهذه مسألة اختلف فيها أهل العصر الأول. ففي الصحيحين: أن عمرو بن سعيد لما أراد بعث الناس إلى مكة لقتال ابن الزبير , قال له أبو شريح: أيها الأمير أحدثك حديثا سمعته أذناي , ووعاه قلبي , إنه ﷺ قال: إن مكة حرمها الله , ولم يحرمها الناس , فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما , ولا يعضد بها شجرة , فإن أحدا ترخص بقتال رسول الله فيها , فقولوا: إن الله عز وجل
стр. 138
أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب. فقال عمرو بن سعيد: أنا أعلم منك يا أبا شريح لا تعيذ عاصيا , ولا فارّا بدم , ولا فارّا بخربة. انتهى فحمله أبو شريح على العموم , وهو وجه الخير , ونهاه عن القتال بمكة خشية أن تستباح حرمتها وحمله عمرو على الخصوص.
وقوله لأبي شريح: لا تعيذ عاصيا , ليس بمطابق للكلام , لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدا في (غير) الحرم ثم لجأ إليه. هل يجوز قتاله أم لا؟ وأنما أنكر عليه بعثه الخيل إلى مكة واستباحة حرمتها , ونصبه الحرب عليها , فأحسن أبو شريح في استدلاله , وحاد عمرو عن الصواب , وأجابه عن غير سؤاله. قال ابن بطال: وابن الزبير عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد , ومن عبد الملك لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء , وهو صاحب النبي ﷺ وقد قال مالك: وابن الزبير أولى من عبد الملك فإن قيل: لا شك في حل القتال بعده ﷺ إذا وجد ما يوجبه من استيلاء أهل الشرك , أو البغي , أو منع حق؛ فما فائدة التنصيص على التحريم حينئذ , لأن هذا ثابت لجميع الأمكنة. قيل: فائدته توكيد حرمتها , وبيان فضلها على غيرها وشرفها. قال المحب الطبري. وقوله: ولا تحل لأحد من بعدي , معناه تحريم القتال بها.
стр. 139
وإن كان مستحقا كما هو مذهب أبي حنيفة , ولا كذلك سائر البلدان.
قلت: وهذا لا يزيل الإشكال. وفيه تنزيل الحديث على خلاف مذهبنا , وإنما وجه الخصوصية أن الكفار , أو البغاة لو تحصنوا بغيرها جاز قتالهم على أي وجه وبكل شيء ولو تحصنوا بها لم يجز قتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره. وقد نص الشافعي في الأم على هذا كما سيأتي.
التاسع والأربعون:
ذهب جماعة من العلماء إلى تحريم قتال البغاة فيه. بل يضيق عليهم إلى أن يخرجوا أو يفيئوا. واختاره القفال من أصحابنا وعد من جملة ما يخص النبي ﷺ : جواز القتال له في حرم مكة , ولكن الصحيح من المذهب المنصوص الجواز , وعبارة القفال في شرح التلخيص عند ذكره الخصائص في باب النكاح: لا يجوز القتال بمكة حتى لو تحصن جماعة من الكفار بها لم يجز لنا قتالهم فيها: قال النووي: وهو غلط.
وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: من خصائص الحرم , ألا يحارب أهله , وإن بغوا على أهل العدل. فقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ويدخلوا في أحكام أهل العدل. قال: وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال , لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها انتهى. وما نقله عن الجمهور نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث. وفي سير الواقدي من الأم , وأجاب عن الأحاديث الواردة في تحريم القتال كحديث أبي شريح
стр. 140
بأن معناها تحريم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك بخلاف ما إذا تحصن الكفار في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل وجه , وبكل شيء انتهى , وقال الشيخ أبو الفتح القشيري: هذا التأويل خلاف الظاهر , فإن قوله: فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما فيه تبيين لخصوصية إحلالها له ساعة من نهار. وقال: فإن أحدا ترخص بقتال رسول الله ﷺ . فقولوا: إن الله أذن لرسوله. ولم يأذن لكم. والمأذون له فيه إنما هو مطلق القتال ولم يكن قتاله لأهل مكة بمنجنيق وغيره وأيضا فالأحاديث دالة على أن التحريم لاظهار حرمة البقعة بتحريم مطلق القتال فيها , وسفك الدم وذلك مما لا يختص بها انتهى. وفي مسند البزار عن عبد الأعلى بن حماد عن مسلم بن خالد عن أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ : إن قوم صالح لما عقروا الناقة أهلك الله من كان في الأرض منهم إلا رجلا كان في حرم الله فمنعه من عذاب الله. قالوا. يا رسول الله من هو؟ قال: أبو رغال جد ثقيف لكن مسلم بن خالد فيه ضعف. وقال الحجاج: يقولون إن ثقيفا من بقية ثمود , وهل نجا من ثمود إلا خيارهم؟ قال تعالى: ((وثمودا فما أبقى)) (فبلغ) ذلك الحسن فتضاحك وقال: فما أبقى , أي لم يبقهم. وكان هذا سبب توارى الحسن.
стр. 141
الخمسون:
من وجب عليه حد أو قتل بقصاص أو رجم بالزنا وغيره , فالتجأ إلى الحرم: ففيه للعلماء ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه آمن ما دام في الحرم لقوله تعالى: ((ومن دخله كان آمنا)) ولقوله ﷺ : لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما. ولكن يضيق عليه , ولا يكلم , ولا يطعم , ولا يعامل حتى يخرج فيقتل أو يستوفى منه قصاص الطرف. أو الحد إلا أن ينشئ القتل فيه. ونقل عن أبي حنيفة وروى عن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير والحكم بن عتبة واسحق بن راهويه والظاهرية , وهي رواية عن أحمد. وعن أبي الزبير المكي قال: لو وجدت في الحرم قاتل أبي ما كلمته.
الثاني: إن كان قاتلا لم يقتل حتى يخرج من الحرم , وإن كانت الجناية فيما دون النفس أقيم عليه الحد , وهي رواية عن أحمد وأبي حنيفة.
الثالث: أن الحدود تقام فيه. ويستوفى القصاص , وهو قول مالك والشافعي , لقوله تعالى: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)) قال ابن المنذر: واحتج مالك بقتل النبي ﷺ ابن خطل لما وجد متعلقا بأستار الكعبة. فقال النبي ﷺ اقتلوه انتهى. وكذلك أمر ﷺ بقتل الفواسق الخمس
стр. 142
في الحل والحرم , لأنها مؤذيات طبعا , فإذا جاز قتله مع ضعف أذاه , فالقاتل أولى , ولأنه علله بالفسق , والحكم يعم لعموم علته. وقد تقدم في حديث أبي شريح: أن الحرم لا يعيذ قاتلا ولا فارّا بدم , وأما قوله: لا يسفك بها دما , فلا حجة فيه , لأن السفك عبارة عن إراقة الدم بغير حق , ومنه قوله تعالى: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)) , وأما قوله: ((ومن دخله كان آمنا)) فمعناه الخبر عن تعظيم حرمته في الجاهلية نعمة من الله على أهل مكة كقوله: ((جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس)) , ولو التجأ إلى المسجد الحرام , أو غيره من المساجد أخرج وقتل صيانة للمسجد , وفي وجه أنه يبسط الأنطعة ويقتل في المسجد تعجيلا لتوفية الحق , وإقامة الهيبة قال في الروضة: ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى ملك إنسان أخرج قطعا , أما حرم المدينة فيجوز القصاص فيه بالإجماع , ولا خلاف في أن من جنى جناية بحرم مكة , لا أمان له. قال ابن الجوزي وغيره: انعقد الإجماع على ذلك , فإنه اجترا على الله وانتهاك حرمة بيته , وإلحاد فيه. قال تعالى: ((ومن يرد فيه بإلحاد وظلم نذقه من
стр. 143
عذاب أليم)). وفي تفسير القرطبي في سورة البقرة. قال ابن العربي. حضرت بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي , والقاضي الزنجاني يلقي الدرس يوم الجمعة إذ دخل علينا رجل بهي النظر على ظهره أطمار فسلم بسلام العلماء وتصدر في صدر المجلس فقال له الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل سلبه الشطار أمس وكان مقصدي هذا الحرم وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال الزنجاني: سلوه. فسألوه عن مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم. هل يقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسئل عن الدليل فقال: قوله تعالى: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)) قرئ ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم , فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص. وإن قرئ: ولا تقاتلوهم فهو تنبيه. لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا ظاهرا على النهي عن القتل: واعترض الزنجاني ينصر مذهب مالك والشافعي , وإن لم ير مذهبهما. فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ((فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)). قال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه , فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن والتي احتججت بها خاصة , ولا يجوز لأحد أن يقول: العام ينسخ الخاص فأبهت القاضي الزنجاني وهذا من بديع الكلام.
стр. 144
الحادي والخمسون:
تغليظ الدية على من قتل في حرم مكة , وهو الذي لا يجوز دخوله بغير إحرام لقوله تعالى: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)). ولأنه لما تغلظ بتحريم الصيد كان أولى أن تغلظ في نفوس الآدميين , لأن للحرم تأثيرا في إثبات الأمن. وتغلظ وإن كان القتل خطأ سواء كان القاتل والمقتول معا في الحرم , أو أحدهما فيه دون الآخر واختلفوا في قدر التغليظ. فقال ابن المنذر: وروينا عن عمر بن الخطاب: أنه من قال: من قتل في الحرم أو الأشهر الحرم فعليه الدية وثلث الدية ,وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وسليمان بن يسار وأحمد بن حنبل وغيرهم. وقالت طائفة: التغليظ جاء في أسنان الإبل لا الزيادة في العدد , وبه قال طاوس والشافعي قال: وممن كان لا يرى التغليظ الحسن البصري والشعبي والنخعي وبه نقول وليس ثبت على ما روى عن عمر وعثمان , وابن عباس في هذا الباب , وأحكام الله على الناس في جميع البقاع واحدة , أما حرم المدينة , فالأصح أنه لا يتغلظ بالقتل فيه وبناه جماعة على الخلاف في ضمان صيدها , إن قلنا: يضمن وهو القديم غُلِّظ به وإلا فلا , ولا يغلظ بالقتل في الإحرام على الصحيح. وقضية كلام الأكثرين اختصاص القول بتغليظه بإحرام القاتل , لكن القاضي الحسين حكى الخلاف في تغليظه بإحرام واحد منها نعم يتغلظ القتل في الأشهر الحرم , وهي ذو القعدة وذو الحجة , والمحرم , ورجب , ولا يلتحق بها
стр. 145
شهر رمضان وإن كان معظما. قال السهيلي: وجعل الله الأشهر الحرم أربعة , ثلاثة سردا , وواحدا فردا. وهو رجب , أما الثلاثة فليأمن الحجاج واردين إلى مكة. وصادرين عنها شهرا قبل (شهر) الحج وشهرا آخر بعده قدر ما يصل إلى البيت من أقصى بلاد المغرب ثم يرجع حكمة من الله , وأما رجب فللعمار يأمنون فيه مقبلين وراجعين , نصف الشهر للاقبال ونصفه للرجوع , إذ لا تكون العمرة من أقاضي بلاد المغرب كما يكون الحج وأقصى منازل المعتمرين خمسة عشر يوما , فكانت الأقوات تأتيهم في الموسم , وفي سائر العام وكان القتال فيها محرما كذلك صدرا من الإسلام ثم أباحته آية السيف وبقيت حرمة الأشهر لم تنسخ قال تعالى: ((منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)). فتعظيم حرمتها باق , وإن أبيح القتال. وقد روى عن عطاء: أن تحريم القتال فيها حكم ثابت لم ينسخ انتهى. ونقلت من خط الإمام أبي
следующие страницы →