← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14452

إعلام الساجد بأحكام المساجد

بدر الدين الزركشي

Полный текст (380 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أن يكون مردودا أو مفتوحا مع ارتفاع عتبته مقدار ثلثي ذراع إلى ذراع تقريبا، هذا هو المشهور، والوجه الثاني – بشرط أن يكون قدر ذراع. وبه جزم القاضي أبو الطيب في تعليقه، والثالث – بشرط أن يكون كقامة المصلي طولا وعرضا، والرابع- يكفي شخوصها بأي قدر كان، والخامس- لا يشترط شاخص أصلا. والمذهب الأول. قال إمام الحرمين: وكأن الأئمة راعوا في اعتبار هذا القار أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص، ولكنه يكون في حال القيام خارجا بمعظم بدنه عن المسامته فليخرج على الخلاف فيما إذا وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة. انتهى، ونقله الرافعي عنه واقره وأسقطه من الروضة بالكلية. وفي الصحيحين: أنهم لما دخلوا البيت أغلقوا الباب، قال الشافعي وإنما أغلقوه لوجوب الصلاة إلى جدار من جدرانها. فدل على أنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح لم يجزه، لأنه لم يستقبل منها شيئا ووقع في صحيح البخاري عن بعض الرواة: إنما أغلق الباب لئلا يستدبر شيئا من البيت ورد بأن الباب إذا أغلق صار كأنه جدار البيت فلو هدمت – والعياذ بالله – فصلى في عرصتها – ولا شاخص لم تصح كالصلاة على سطحها لأنه صلى في البيت لا إليه، ولهذا لما هدم ابن الزبير الكعبة وضع أعمدة فستر عليها الستور لاستقبال المستقبلين وطواف الطائفين. وقال ابن عباس له: إن كنت هادمها فلا تدع الناس لا قبلة لهم، وهذا يدل على أن بقعة البيت ما كانت تنزل عندهم منزلة البيت، لكن خالفهما في ذلك جابر. وقال صلوا إلى موضعها. وخالف ابن سريج في الصلاة في العرصة فجوز ذلك. قال الرافعي: وخصه بعضهم عنه بصورة العرصة. وقال الإمام: لا شك

стр. 72

انه يجزئه في السطح، وبه صرح البغوي نقلا عنه ولا فرق انتهى. وأما الصلاة إلى أرض الكعبة فتجوز ويجزئه ذلك بلا خلاف عندنا. سواء أكان بقي منها شاخص أم لا. ومذهب مالك أن المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة كذا نقله في شرح مسلم في الحج. وما ادعاه من نفي الخلاف باطل وفي الاستذكار للدارمي ما لفظه: وأما الصلاة إليه إذا تهدم –والعياذ بالله- فمن أصحابنا من قال لا تجوز، والصحيح أنه تجوز انتهى. والصواب تخصيصه عن ابن سريج بالعرصة كما فعل في الروضة ولهذا نقضوا عليه بما لو صلى على السطح ولا سترة، وجزم ابن أبي عصرون في المرشد بالمنع من السطح دون العرصة. مسألة: ولو حفر في الكعبة حفرة ووقف فيها جاز. نقلاه في الشرح والروضة عن الإمام وأقراه، ونقله في الذخائر عن بعض الأصحاب. ثم قيده بما إذا لم يجاوز الحفر قواعد البيت، فإن جاوزها بحيث لا يحاذي بأعلى بدنه لم تصح، وإلا فهو كما لو صلى على ظهرها إلى سترة قصيرة قال ابن الرفعة، وفيما قاله نظر انتهى. والظاهر ما قاله، ولا سيما مع بقاء بنائها. مسألة: لو وقف عند طرف ركن الكعبة وبعض بدنه يحاذي الركن وبعضه خارج عنه لم تصح صلاته على الأصح. هذا هو المنقول. وقال بعض مشايخنا: ينبغي أن يفصّل فيقال: إن كان البعض الخارج عن الركن قد جاوز الشاذروان لم تصح وإن لم يجاوزه صح. وقد قالوا في

стр. 73

كتاب الحج: إن عرضه ذراع وارتفاعه قدر ثلثي ذراع فيكون كما لو استقبل العتبة المرتفعة كذلك، بل أولى، وهذا ظاهر على وجه الأرض، ولو استقبل الركن نفسه، فالوجه الجزم بالصحة، لأنه مستقبل البناء المجاور للركن، وإن كان بعض بدنه خارجا عن الركن نفسه من الجانبين. السابع: قال ابن القاص: من صلى بالاجتهاد فأخطأ إلى الحرم جاز لأن النبي ﷺ قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد لأهل الحرم، والحرم لأهل مشارق الأرض ومغاربها، هكذا حكاه عنه القاضي أبو سعد الهروي في أواخر الإشراف على غوامض الحكومات، وهو غريب وقد نقله سريج الروياني أيضا في أواخر أدب القضاء عنه عن أصحابنا فقال: قال: [ابن أبي أحمد قال] أصحابنا: من توجه إلى البيت، وهو بعيد عنه، بالاجتهاد فأخطأ إلى الحرم جاز، وذكر هذا الحديث انتهى. وهذا شيء لا نعرفه لأصحابنا. نعم حكوا عن مالك قال: الكعبة قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة أهل مكة، والحرم قبلة أهل الدنيا. وهذا النقل عنه غريب: قلت: وأما الحديث فأخرجه البيهقي في سننه من حديث عمر بن حفص المكي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض. قال البيهقي: تفرد به عمر ابن حفص، وهو ضعيف لا يحتج به والحمل فيه عليه.

стр. 74

الثامن: لا تصح الصلاة فوق ظهر الكعبة إذا لم يكن بين يديه شاخص منها قدر ثلثي ذراع لما في الترمذي: نهى عن الصلاة فوق ظهر بيت الله فإن كان بين يديه ذلك جاز. قال الشيخ تاج الدين الفزاري في الإقليد: جزم أصحابنا بصحة الصلاة على ظهر الكعبة في هذه الحالة مستدلين بحديث بلال، أنه ﷺ صلى داخل الكعبة، وفيه نظر فإن في الحديث: نهى أن يصلى على ظهر بيت الله، وهو ظاهر في النهي، والمعتمد في الاستقبال الاتباع، ولم ينقل، ولأن الرقي على البيت ينافي تعظيمه، والمقصود استقباله، انتهى. وقال الخوارزمي في الكافي: الصلاة على ظهر البيت جائزة بالشرط السابق. قال: بخلاف ما لو صلى على جبل أبي قبيس متوجها إلى هواء البيت، فإنه تصح صلاته أي مطلقا، لأنه لم يقف على البيت، فيعد مستقبلا إياه وههنا وقف على نفس البيت، فلا يعد مستقبلا إياه حتى يكون بين يديه كل شيء. التاسع: قال البغوي وتبعه الرافعي والنووي: يستحب للإمام إذا صلى في المسجد الحرام، أن يقف خلف المقام، ويقف الناس مستديرين إلى الكعبة. واعلم أن استحباب الاستدارة من غير حاجة إليها لم يوجهه الرافعي. وزعم الماوردي أنه السنة، وفيه نظر نقلا ودليلا، أما نقلا

стр. 75

فإن الآخرين إنما صرحوا بالجواز , وعبارة التتمة: جرت العادة بكذا , وعبارة الإمام في تقرير الجواز. هكذا عهد الناس في الأعصر الخالية , ولعل الحاجة أحوجت إلى تسويغ ذلك , فإن الناس يكثرون في الموسم , ولو كلفوا الوقوف في جهة واحدة لتعذر ذلك انتهى. وظاهره أن الأولى تركه إذا لم تدع إليه حاجة , وأما دليلا فإنه لم يرد فيه شيء بل روى الأزرقي: ان أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد الله القسري حين ولي مكة في خلافة عبد الملك بن مروان , وكان سببه أنه ضاق عليه الموقف وراء الإمام , وكان عطاء وعمرو بن دينار يرونه ولا يغيرونه وهذا يشير إلى أنه محدث وأن الأمر ﴿الأول﴾ كان بخلافه , وغايته الجواز عند الحاجة كما في الموسم , وزمن الحج , وكثرة الجمع , أما إذا قلوا فالظاهر أن الأفضل وقوفهم وراء الإمام , إلا أن يرد بخلافه نقل. العاشر: قال إمام الحرمين في النهاية: لو اقترب صف من البيت فقد لا يحاذي الكعبة منهم إلا عشرون أو نيف وعشرون , ويخرج طرف الصف إن زاد ثم قال: فلو بعدوا ووقفوا في أخريات المسجد فقد بلغ الصف ألفا وهم يعاينون الكعبة فصلاتهم صحيحة , وعن على قطع , وعلم أن حقيقة المحاذاة نفيا وإثباتا لا تختلف بالقرب والبعد , ولكن

стр. 76

المتبع في ذلك ونظائره , حكم الإطلاق والتسمية لا حقيقة المسامتة انتهى. وتبعه على ذلك الرافعي والنووي , ولعله من تصرف الإمام ولهذا لما تكلم على القولين في أن فرض البعيد , العين أو الجهة. قال: إن ما ذكر كلام ملتبس , والوجه عندي , فذكره , وكلام الأصحاب يأباه. وقد حكاه في الذخائر عن بعض الأصحاب ثم قال: ويحتمل أن ﴿يقال﴾ لا يصح صلاة الخارجين عن المحاذاة , لأنها غير موجودة حقيقة ولا أثر للتسمية مع مخالفة الحقيقة لحالة القرب انتهى. وظاهر كلام ابن الصباغ والمتولي وغيرهما أنه لا تصح صلاة الخارجين عن سمت البيت في أخريات المسجد قطعا , فإنه قال: المعاين للبيت يجب عليه استقباله , ولا يجوز له الصلاة إلى جهته , وهذا لا خلاف فيه , ثم حكى القولين في الغائب عن البيت ثم قال في آخر كلامه , وأجاب أصحابنا عن الصف الطويل بأن مع البعد يتسع الصف المحاذي وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف , وأما مع استوائه فلا يمكن التحاذي وينبغي أن يقال: أهل الصف الواحد لا يمكن أحدا منهم أن يقطع بأنه محاذ للكعبة , وإنما ذلك على طريقة الظن فإذا لم يتعين منهم المخطيء لعين الكعبة لم يوجب على أحد منهم القضاء انتهى قال ابن الرفعة: وقول ابن الصباغ وهذا لعمري إلى آخره يقتضي أن محل الكلام إذا كان بمكة , وإلا فلا معنى للتقوس انتهى. وهذا أن أراد به من كان خارج المسجد ممن يجري فيه القولان فقريب وإن أراد به

стр. 77

مسألتنا فممنوع , وكلام الشامل بعيد منه وقد أطلق صاحبا التهذيب والكافي القول: بأنه لو امتد صف خلف الإمام في المسجد الحرام لم تصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة , وقضيته أنه لا فرق بين أن يكون الصف بقرب الكعبة أو بأخريات المسجد , ويوافقه قول الأصحاب: إن من كان بالمسجد الحرام يلزمه التوجه إلى عين الكعبة وتأمل جوابهم عن الصف الطويل مع البعد , أن مع بعد المسامتة تكثر المحاذاة بدليل النار على الجبل إذا وقف جمع كثير على بعد منها فكل منهم يرى أن النار في محاذاته وأنه لو مد خيطا إلى موضع النار اتصل بها , وأيضا فإن المخطيء منهم غير متعين , واحتمال الإصابة في كل واحد منهم موجود , والأمران مفقودان فيمن بأخريات المسجد من غير انحراف إلى الكعبة جزما , هذا ما تحرر لي فيه , والعلم عند الله , وقد اعترض الشيخ جمال الدين ﵀ على ابن الرفعة في كلامه السابق على ابن الصباغ بما يقتضي أنه لا تصح الصلاة في البعيد عن الكعبة إلا مع التقوس. وهذا مردود لقيام الإجماع على صحة صلاة الصف الطويل. الحادي عشر: النفل في الكعبة أفضل منه خارجها , وأما الفرض فإن لم يرج جماعة فكذلك وإن رجاها فخارجها أفضل. قاله في الروضة نقلا عن الأصحاب , لأن المحافظة على الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المحافظة على المتعلقة بمكان العبادة وذكر مثله في شرح المهذب وغيره. قال ابن الرفعة: وفيه نظر لأن قاعدة الشافعي أنه إذا دار الأمر بين إدراك

стр. 78

فضيلة وبطلان عبادة , عند غيره فالخروج من الخلاف أولى , ﴿قلت﴾. قد ذكر هذا السؤال النووي في شرح المهذب فأجاب عنه فقال: فإن قيل: قد منع بعض العلماء الصحة فيها , والخروج من الخلاف مستحب , فكيف يكون مندوبا؟ فالجواب أن استحباب الخروج من خلاف العلماء هو في مسائل الإجتهاد , أما ما خالف سنة صحيحة فلا حرمة له انتهى. وهذا الجواب إنما يصح بالنسبة إلى النافلة فإنه الذي وردت به السنة , أما الفرض فلم ترد فيه سنة , والقياس مع المخالف , لأن باب النفل أوسع , فالخلاف في الفرض حينئذ من الخلاف المحترم. نعم. قال: الكيا الهراسي في كتاب نقد مفردات أحمد: منع أحمد الفرض في الكعبة. وجوز النفل ولا شك أن عموم قوله تعالى: ((فَوَل وجهك شطرَ المسجد الحرام)) يتناول المصلي إليها وفيها , وصح أنه دخل البيت , وصلى فيه وهم يحملونه على النافلة. والحكاية حكاية حال. ونذرت عائشة ﵂ أن تصلي في البيت. فقال ﷺ : صلي في الحجر فإنه من البيت , ومعلوم أن النذر مفروض. ولعل أحمد يجوز ذلك. وإنما منع الفرض المطلق انتهى. واعلم أن الأصحاب استحبوا فعل ركعتي الطواف خلف المقام , فإن تعذر ففي الحجر. وإلا في المسجد ثم في أي موضع شاء ولم يتعرضوا لفعلها في الكعبة. فهل يقال: إنه أفضل من جميع ما سبق عملا بما تقدم من

стр. 79

الإطلاق , وإنما سكتوا عنه لعدم تيسره في الغالب بدليل أنه أفضل من الحجر ومن المسجد بلا شك , ولم يصرحوا بتقديمه عليها. ويقال: المقام مقدم على البيت لفعله ﵊ , وتكون هذه الصلاة مستثناة من ذلك الإطلاق. وفيه نظر , والظاهر الثاني , فإن الناشيء من الثواب أضعاف ما في المضاعفة. الثاني عشر: إن صلاة النفل في البيت أفضل من فعله في المسجد لما فيه من الخلوص والبعد عن الرياء لكن هل يأتي مثل ذلك في المسجد الحرام؟ الظاهر نعم. إذا قلنا: إن حرم مكة كمسجدها في المضاعفة كما جزم به الماوردي والنووي , وسيأتي. وصرح النووي في شرح المهذب بأن صلاة النفل في البيت أفضل من فعلها في مسجد النبي ﷺ وسكت عن المسجد الحرام. وجريانه فيه أولى , لأن حرم المدينة ليس كمسجدها في المضاعفة بخلاف حرم مكة. قلت: وفي سنن أبي داود من حديث زيد ابن ثابت عن النبي ﷺ قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة. وأخرج الترمذي في الشمائل وابن ماجه في سننه بإسناد جيد عن عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصلاة في بيتي , والصلاة في المسجد , فقال: قد ترى , ما أقرب بيتي من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون المكتوبة , وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه. وقال ابن أبي الصيف اليمني: جاء في بعض الأخبار , أن صلاة النافلة في الزاوية

стр. 80

١٠٣

стр. 81

١٠٤

стр. 82

١٠٥

стр. 83

فصلى ركعتين. هذا هو الصحيح. وفي وجه أن مكة كغيرها من البلاد لعموم الأخبار , والاستثناء في الحديث إنما هو لركعتي الطواف , والحديثان إذا كان كل منهما أعم من الآخر من وجه لا يقدم خصوص أحدهما على عموم الآخر إلا بمرجح. ومال إليه البيهقي, وحمل الحديث على ركعتي الطواف. قال: وهو الأشبه بالآثار. وفي وجه يختص بالمسجد الحرام , وفي وجه يباح في البلد فقط دون باقي الحرم خارجه. وقال المحاملى في المقنع: والأولى ألا يفعل خروجا من خلاف مالك وأبي حنيفة. وأغرب الجيلي فقال: واختلفوا في العلة فقيل: إنما كان ذلك لشرف البقعة فعلى هذا لا فرق بين المكى والآفاقى. ومنهم من قال: إنما كان ذلك , لأن الناس يقصدونها لإقامة الطاعة فيها , فلو منعوا عنها فات مقصودهم فعلى هذا يختص بالآفاقى , أي فلا يكره بخلاف المقيم بمكة. وهذا غريب جدا , وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه فيما أفرده في الرد على أبي حنيفة في الجواز آثارا في ذلك. فعن عطاء قال: رأيت ابن عمر طاف بالبيت بعد الفجر. وصلى ركعتين قبل طلوع الشمس. وعن عطاء قال: رأيت ابن عمر وابن عباس طافا بعد العصر وصليا. وعن ليث عن أبي سعيد أنه رأى الحسن والحسين قدما مكة فطافا بالبيت بعد العصر وصلَّيا. وعن الوليد بن جُميع عن أبي الطفيل أنه كان يطوف بعد العصر ويصلي حتى

стр. 84

تصفارُّ الشمس. وعن عطاء: رأيت ابن عمر وابن الزبير طافا بالبيت قبل صلاة الفجر ثم صليا ركعتين قبل طلوع الشمس. الخامس عشر: إن الطواف تحية البيت يجوز فعله في هذه الأوقات. أيضا للحديث السابق وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق وداود وجمهور العلماء وبه قالت الصحابة كما سبق وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم , ومنعه أبو حنيفة. وقال مالك: لو أخر ركعتي الطواف إلى وقت الجواز جاز , والحديث السابق حجة في الباب وهو سنة انفرد بها المكيون وهي صحيحة برواية عبد الله بن بَابَاه وهو ثقة. السادس عشر: إن تحية المساجد الصلاة، وتحية البيت الطواف , وليس الطواف تحية المسجد , صرح به الأصحاب منهم القضاة , الماوردي في الحاوى , والروياني في البحر , وأبو الطيب الطبري في تعليقه في باب الحج , وكذلك المحاملي في اللباب , وأبو حامد في الرونق في صلاة النفل , وفي الصحيحين عن عائشة أنه ﷺ : أول شئ بدأ به الطواف , وحكى ابن مسدي في إعلام الناسك عن أحمد بن حنبل وغيره: أنه يُحَييِّ المسجد أولا بركعتين ثم يقصد الطواف والمشهور الأول , فإن قيل: إذا كان الطواف تحية البيت فهلا أمرتموه عند الفراغ منه بأن يصلي التحية لأجل المسجد؟ فالجواب: قال القاضي أبو الطيب والروياني: إنا نأمره بأن يصلي في المقام ركعتين. وتلك الصلاة تجزئه عن تحية

стр. 85

المسجد كما لو دخل المسجد والإمام في مكتوبة فصلاها سقطت عنه تحية المسجد , ولأن القصد ألا يدخل المسجد لاهثا فإذا طاف زال هذا المعنى فإن قيل: هلا أسقطتم سنة الطواف إذا بدأ بالصلاة فيه لفريضة جماعة كما تسقط التحية إذا وجد جماعة عند الدخول فصلاها معهم؟ قلنا: لأن الصلاة والطواف جنسان مختلفان فلم يتداخلا وركعتا التحية والصلاة المكتوبة جنس واحد فتداخلتا. قال في البحر: ولو أتى بصلاة فريضة عقب الطواف قامت مقام ركعتي الطواف. وروى الشافعي في القديم هذا عن ابن عمر , ولم يذكر له مخالفا. وهذا دليل على أنها لا تجب إذ الواجبان لا يتداخلان. قلت: وعلى ما سبق ينبغي للمصلي ركعتي الطواف بعد الطواف أن ينوي بهما تحية المسجد أيضا ليحصل له ثوابهما , فلينتبه لذلك. واعلم أن ظاهر كلامهم فيما سبق أنه لو أخر الركعتين بعد الطواف وجلس فاتت التحية كما في غيره من المساجد. وفيه نظر. ولو طاف , وصلى. ثم دخل الكعبة. فهل نقول: حصلت تحيتها بالطواف , لتعليلهم السابق أم لا؟ بل ذلك تحية رؤيتها فلا بُدَّ من تحية لدخولها. فيه نظر. فائدة: التحيات خمس: أحدها: تحية المسجد بالصلاة.

стр. 86

ثانيها: تحية البيت بالطواف كما سبق التصريح به عن الأصحاب. وقول صاحب التحرير تحية المسجد الحرام الطواف , لعل مراده بالمسجد الحرام , البيت. ثالثها: تحية الحرم بالإحرام بالحج والعمرة. قاله المحاملي وغيره. رابعها: تحية مِنى بالرمي. ذكره في الشامل , وحمل على من ضاق عليه وقت الوقوف ولم يدرك المبيت بمزدلفة. خامسها: تحية المسجد بالنسبة إلى الخطيب يوم الجمعة الخطبة. قالها النووي في نكت التنبيه بناءً على أنه لا يستحب له تحية المسجد وفيها خلاف. * ... * ... * السابع عشر: إن الدعاء عند رؤية الكعبة مستجاب لما روى البيهقي في سننه في باب الاستسقاء عن أبي أُمامة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: تفتح أبواب السماء , ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن , عند التقاء الصفوف , ونزول الغيث , وإقامة الصلاة , ورؤية الكعبة. لكن في إسناده عُفير ابن معدان. قال أبو حاتم الرازي: لا يعتد به , والحاكم يصحح حديثه في مواضع.

стр. 87

الثامن عشر: إن الدعاء في حرم مكة مستجاب. ففي الصحيحين عن عبد الله ابن مسعود لما دعا النبي صلي الله عليه وسلم على قريش شق عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في تلك البلد مستجابة. وقال الحسن البصري. الدعاء هناك مستجاب في خمسة عشر موضعا , في الطواف , وعند الملتزم , وتحت الميزاب , وفي البيت , وعلى الصفا والمروة , وفي المسعى , وخلف المقام , وفي عرفات , والمزدلفة , وعند الجمرات وفيها أحاديث:

стр. 88

التاسع عشر: يرتب الثواب على مجرد النظر إلى الكعبة. قال الطبراني في معجمه الأوسط: ثنا محمد بن علي الصائغ , ثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني , ثنا عبد الرحمن بن أبي السفر الدمشقي. ثنا الأوزاعي عن عطاءٍ قال: حدثني ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ينزل الله على أهل المسجد , مسجد مكة , كل يوم عشرين ومائة رحمة ستين منها للطائفين وأربعين منها للمصلين , وعشرين منها للناظرين. وقال: لم يروه عن الأوزاعي إلا عبد الرحمن بن أبي السفر. قلت , قال البخاري فيه: إنه روى حديثا موضوعا , وروى الأزرقي عن جده عن عثمان. أخبرني زهير ابن محمد قال: الجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلي أفضل من المصلي في بيته لا ينظر إلى البيت. العشرون: إن نفس دخول الكعبة مثاب عليه , ففي سنن البيهقي والأوسط للطبراني من طريق عبد الله بن المؤمل عن ابن مُحَيْصن عن عطاء عن ابن عباس يرفعه: من دخل البيت , دخل في حسنة وخرج من سيئة وخرج مغفورا له. قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل وليس بقوي. وجعله ابن أبي شيبة من

стр. 89

قول مجاهد. وقال أبو نعيم في الحلية: ثنا أبو علي الطلحي: ثنا الحسين ابن علي العدوي. ثنا داود بن حماد أبو حاتم. ثنا يحي بن سليم عن سفيان الثوري. عن إسحق بن يحي بن طلحة عن عائشة بنت طلحة. عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ يوما فقال: صنعت اليوم شيئا لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ماصنعته قلت: وما ذاك يا رسول الله؟. قال: دخلت البيت وخشيت أن يأتي الآتي من بعدي يقول حججت ولم أدخل البيت , وإنه لم يكتب علينا دخوله , وإنما كتب علينا طوافه. قال كذا حدثناه إسحق ابن يحي. وصوابه طلحة بن يحي. والحديث تفرد به يحي بن سليم عن الثوري عن طلحة. وأخرجه أبو داود والترمذي وصححه. وفي سنده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير وهو ضعيف. وقد رواه البزار بإسناد آخر , وظاهر الخبر أنه كان في حجة الوداع , واحتج به بعضهم على كراهة دخول البيت , ولا حجة فيه بل الذي فيه الكراهية لمن توهم أنه من تمام الحج. وقد نص الشافعي على استحباب دخول البيت بهذا الحديث وزعم بعضهم أنه من مناسك الحج. لكن الثابت أن دخوله ﷺ كان في عام الفتح كما جاء مصرحا به في رواية مسلم. ولم يكن يوم الفتح محرما , وأما أحاديث حجة الوداع فليس في شئ منها مايحقق أنه ﵇ دخل أم لا؟ آداب دخول الحرم ولدخوله آداب , ككف البصر من غير تأمل جدرانه وسقوفه , ودخوله

стр. 90

بخضوع وخشوع وغير ذلك , وينبغي أن يدخله مرات. مرة يصلي فيه ركعتين , ومرة أربعا , ومرة يدعو فقط , لاختلاف الروايات في ذلك. وحمله المحققون على دخوله مرات. وقال: أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي في كتابه. الفنون. وقع لي تأملات في الحج منها: الصلاة بين عمودي البيت إلى أربع جهات , إلى هذا واستدبرت الآخر , وعودي لاستقبال ما استدبرت , وإلى مايلي الظهر , وإلى مايلي الصدر لتكون الموافقة حاصلة فقد صح أنه ﵇ صلى بينهما. ولم أعلم كيف صلى انتهى. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة , وفي الصحيحين من حديث بلال: أنه جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وفي رواية البخاري عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه قال البيهقي: وهو الصحيح. وفي رواية أبي داود: ثم صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع. وفي رواية البخاري عن ابن عمر: أنه كان إذا دخل البيت مر قِبل وجهه حتى يدخل , ويجعل الباب خلف ظهره فيمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي يلي وجهه حين يدخل قريبا من ثلاثة أذرع فيصلي وهو يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن النبي ﷺ صلى فيه. وفي الصحيحين أن بلالا أخبره قال: صلى بين العمودين من السطر

стр. 91

المقدم. وجعل الباب خلف ظهره , واستقبل بوجهه الذي يستقبل حين يلج البيت الذي بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع. الحادي والعشرون: يستحب الغسل لدخول الكعبة. حكاه إمام الحرمين في النهاية في كتاب الجمعة عن صاحب التلخيص وأقره , وحكاه عن نقل الإمام كذلك ابن الرفعة في الكفاية. وذكر الشيخ جمال الدين ﵀ أن هذا الموضع وقع غلطا في النهاية , وأن الموجود في التلخيص إنما هو الغسل لطواف الزيارة وأن الموقع للامام في ذلك قول القفال في شرحه: وزيارة البيت. قلت: الإقدام على توهيم الإمام مع اختلاف النسخ ليس بجيد. وقد ذكر لي من وقف على كلام ابن القاض: أن فيه مانقله عن الإمام والله أعلم. الثاني والعشرون: يستحب الغسل لدخول الحرم قاله أبو بكر الخفاف من قدماء أصحابنا في كتاب الخصال. الثالث والعشرون: يستحب الغسل لدخول مكة ففي الصحيحين عن ابن عمر: أنه كان

стр. 92

لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا , ويذكر عن النبي ﷺ أنه كان يفعل ذلك , ولا فرق بين أن يكون الداخل مُحرما أو حلالا – ومسألة الحلال النقل فيها عزيز وقد صرح بها الشافعي في الأُم. الرابع والعشرون: إن صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام والمعني أن الصلاة فيه تفضل على مسجد الرسول , ويدل لذلك أحاديث؛ أحدها ما رواه أحمد , والبزار في مسنديهما , وابن حبان في صحيحه من حديث حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد , إلا المسجد الحرام , وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة , وإسناده على شرط الصحيح. لا جرم أن بن عبد البر صححه وقال: إنه الحجة عند التنازع , ذكره في التمهيد من جهة قاسم بن أصبغ عن أحمد بن زهير الحافظ ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد به قال: وهو حديث ثابت لا مطعن فيه لأحد إلا لمتعسف لا يعرج على قوله في حبيب المعلم. وقد كان الإمام أحمد يمدحه ويوثقه ويثني عليه , وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه , ولم يرو عنه

стр. 93

القطان. وروى عنه يزيد بن زريع وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم. وهم أئمة علماء يقتدى بهم. وسائر الإسناد أئمة ثقات. ومنهم من علله بالاختلاف على عطاء , لأن قوما يروونه عن ابن الزبير وآخرون يروونه عن ابن عمر. وآخروون عنه عن جابر ومن العلماء من يجعل مثل هذا علة في الحديث. وليس كذلك لأنه يمكن أن يكون عند عطاء عنهم. والواجب ألا يدفع خبر نقله العدول إلا بحجة. وقال البزار: هذا الحديث قد روي عن عطاء. واختلف على عطاء فيه. ولا نعلم أحدا قال بأنه يزيد على مائة إلا ابن الزبير وقد تابع حبيبا المعلم الربيع بن صبيح فرواه عن عطاء عن ابن الزبير. وروى هذا الحديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر , ورواه ابن جريج عن عطاء ابن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة. ورواه ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة انتهى. وقال الحافظ شمس الدين الذهبي في مختصر سنن البيهقي: إسناده صحيح ولم يخرجه أرباب السنن , الثاني حديث جابر. رواه ابن ماجه في سننه , ثنا إسماعيل بن راشد. ثنا زكرياء بن عدي. أنا عبد الله بن عمرو. عن عبد الكريم عن عطاء. عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه وعبد الكريم فيه لِينٌ. الثالث حديث ابن عمر. رواه ابن عبد البر: حدثنا أبو القاسم خلف بن سعيد. ثنا عبد الله بن محمد. ثنا أحمد بن خالد. ثنا على بن عبد العزيز. ثنا محمد بن عمار. ثنا أبو معاوية عن موسى الجهني

стр. 94

عن نافع عن ابن عمر , به. ثم قال: ورجال إسناده علماء أجلاء وموسى الجهني كوفي أثنى عليه يحي القطان وأحمد ويحي وغيرهم. وروى له مسلم. قال أبو بكر فحسبت ذلك على هذه الرواية التي هي: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة. فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة. وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام وهي خمس صلوات عمر مائتي سنة وسبع وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال , والعجب من أبي حنيفة كيف كره المجاورة بمكة. طريق آخر. رواه أبو أحمد حميد بن زنجويه. ثنا يعلى بن عبيد. ثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. حدثني ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: إن صلاة في مسجدكم هذا – يعني مسجد الرسول ﷺ – تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا الصلاة في المسجد الحرام فهي أفضل قال: وقال سلمة بن كهيل: إلا الصلاة في المسجد الحرام فإنها تعدل مائة صلاة في مسجد المدينة. الرابع – حديث أبي الدرداء – أخرجه البزار في مسنده. ثنا محمد بن يزيد بن شداد. ثنا سعيد بن سالم. القداح عن سعيد بن بشير عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة , وفي مسجدي ألف صلاة , وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة. وقال: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد. وإسناده حسن. انتهى. ونقله ابن عبد البر عنه محتجا به. الخامس. حديث أنس رواه ابن ماجه في سننه ثنا هشام بن عمار. ثنا أبو الخطاب الدمشقي. أنا زريق أبو عبد الله الإلهاني

стр. 95

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ صلاة الرجل في بيته بصلاة , وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة , وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة , وصلاة في المسجد الأقصى , ومسجد المدينة , بخمسين ألف صلاة , وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. وأبو الخطاب هذا هو معروف بن عبد الله الخياط. قال ابن عدي: عامة أحاديثه لا يتابع عليها. ثم أورد له هذا الحديث. وقال الحافظ أبو الحجاج المزي. قال بعضهم في هذا الحديث عن هشام ابن عمار [ثنا أبو الخطاب حماد بن زيد الدمشقي قال أبو القاسم الطبراني في المعجم الأوسط عن محمد بن نصر الهمذاني عن هشام بن عمار] والظاهر أنه رجل آخر يعني معروف بن عبد الله. السادس – حديث ابن عباس , رواه الطبراني في معجمه الكبير. ثنا على بن إسحق. ثنا إبراهيم بن يوسف الغرياني المقدسي. ثنا عمرو بن بكر. ثنا مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا بعشرة آلاف صلاة , وصلاة في المسجد الحرام بعشرة أمثالها مائة ألف صلاة , وصلاة الرجل في بيت المقدس بألف صلاة. وصلاة الرجل في بيته حيث لا يراه أحد أفضل من ذلك كله , غريب. السابع: روى ابن وضاح عن حامد بن يحي البلخي. ثنا ابن عيينة عن زياد بن سعد أنا سليمان بن عتيق سمعت عبد الله بن الزبير:

стр. 96

سمعت عمر بن الخطاب يقول: صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجد النبي ﷺ . قال ابن حزم. وهذا سند كالشمس في الصحة. الثامن: روى ابن أبي خيثمة عن أبيه. ثنا هشيم عن الحجاج عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النبي ﷺ بمائة ضعف. قال: فنظرنا فإذا هي تفضل على سائر المساجد بمائة ألف صلاة. قال ابن عبد البر وابن حزم: فهذان صحابيان جليلان يقولان يفضل المسجد الحرام على مسجد النبي ﷺ , ولا مخالف لهما من الصحابة فصار كالإجماع منهم على ذلك. وفي رسالة الحسن البصري إلى الرجل الزاهد الذي أراد الخروج من مكة. قال ﷺ : من صلى في المسجد الحرام ركعتين فكأنما صلى في مسجدي ألف ألف صلاة , والصلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من البلدان. الخامس والعشرون: إن حرم مكة كالمسجد الحرام في المضاعفة المذكورة جزم به الماوردي وتبعه النووي في مناسكه. ونقله صاحب البيان عن الشريف العثماني كما سياتى. وهو بناء على أن المسجد الحرام في الخبر , المراد به جميع الحرم , لكن خالف ذلك في باب استقبال القبلة من شرح المهذب. فقال في تفسير حديث المضاعفة: إن المسجد الحرام قد يطلق ويراد به الكعبة والمسجد حولها. ثم جعل من ذلك حديث مضاعفة

стр. 97

الصلاة. ويعكر على الأول رواية النسائي في سننه من حديث ميمونة إلا المسجد الكعبة , ورواه مسلم عنها: إلا مسجد الكعبة. ومن حديث أبي هريرة إلا الكعبة. وفي رواية ابن ماجه وصلاته بمكة ألف , وحكى المحب الطبري خلاف العلماء في مكان المضاعفة بالنسبة إلى الصلاة ورجح أن المضاعفة تختص بمسجد الجماعة , ثم قال: فإن قيل: فقد ورد عن ابن عباس: أن حسنات الحرم كلها , الحسنة بمائة ألف. فعلى هذا يكون المراد بالمسجد الحرام في حديث الاستثناء , الحرم كله: قلنا: نقول بموجبه: إن حسنة الحرام مطلقا بمائة ألف لكن الصلاة في مسجد الجماعة تزيد على ذلك. ولهذا قال: بمائة صلاة في مسجدي ولم يقل حسنة. وصلاة في مسجده بألف صلاة كل صلاة بعشر حسنات , فتكون الصلاة في مسجده ﷺ بعشرة آلاف حسنة , وتكون في المسجد الحرام بألف ألف حسنة إما مسجد الجماعة وإما الكعبة على اختلاف القولين. ويلحق بعض الحسنات تضعيفا , أو يكون ذلك مختصا بالصلاة لخاصية فيها والله أعلم. انتهى. وما ذكره يحصل بصلاة المنفرد وتزيد الحسنات بصلاة المكتوبة في جماعة على ما جاء أنها تعدل سبعا وعشرين درجة , ويتحصل في المراد بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة سبعة أقوال: الأول – أنه المكان الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه. الثاني – أنه مكة. الثالث – أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحل والحرم. قاله عطاء. وقد سبق مثله عن الماوردي وغيره. وقال الروياني: فضل الحرم على سائر البقاع فرخص في الصلاة فيه في جميع الأوقات لفضيلة البقعة , وحيازة الثواب المضاعف

стр. 98

انتهى. وهذا فيه تصريح بهذا القول. الرابع – أنه الكعبة وهو أبعدها الخامس – أنه الكعبة والمسجد حولها , وهو الذي قاله النووي في استقبال القبلة. السادس – أنه جميع الحرم وعرفة. قاله ابن حزم. السابع – أنه الكعبة وما في الحجر من البيت. وهو قول صاحب البيان من أصحابنا. فقال في باب استقبال القبلة , وقد ذكر حديث مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام: سألت الشريف محمد بن أحمد العثماني ما المراد بالمسجد الحرام من هذا الخبر؟ فقال: المراد به الكعبة والمسجد حولها وسائر بقاع الحرم , لأن الله تعالى أطلق الإسراء على المسجد الحرام , ومعلوم أنه أُسري بنبينا من بيت خديجة. وكل موضع أطلق فيه المسجد الحرام , فالمراد به جميع الحرم. قال صاحب البيان: والذي تبين لي أن المراد بهذا الخبر , الكعبة وما في الحجر من البيت وهو ظاهر كلام صاحب المهذب , لأنه قال: الأفضل أن يصلى الفرض خارج البيت , لأنه يكثر فيه الجمع , والأفضل أن يصلي النفل في البيت لقوله ﷺ : صلاة في مسجدي. الحديث. قال: والدليل على ما ذكرته حديث عائشة , قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أصلي في البيت , فقال رسول الله ﷺ : صلي في الحجر فإنه من البيت. فلو كان المسجد وسائر بقاع الحرم يساوي الكعبة بذلك لم يكن لتخصيصها البيت بالنذر معنى , ولأَمرها النبي ﷺ أن تصلي في سائر بقاع الحرم. ولا فرق بين أن يقول: علَّى لله أن يصلى في المسجد الحرام أو في البيت الحرام إذا ثبت أن البيت الحرام إنما هو الكعبة. وكذلك

стр. 99

المسجد الحرام , وأما الآية فإنما سمى بيت خديجة بالمسجد الحرام على سبيل المجاز انتهى. واختار الإمام تقي الدين محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني في جزء جمعه في المضاعفة: أنها تختص بالمسجد المعد للطواف , لأنه المنصرف عند الإطلاق في العرف. قال ولا تضر زاوية الكعبة , ولهذا قال الغزالي: لو نذر صلاة في الكعبة , فصلى في أرجاء المسجد الحرام , جاز. نعم. روى أنه قال: وصلاة في الكعبة تعدل مائة ألف صلاة في المسجد الحرام. قال: ولكن قال الشيخ أبو محمد هذه الزيادة لم تصح فنحكم بالتسوية كما لو عين زاوية من المسجد. قال: وهذا نص صريح فيما ذكرت. فإن قيل: فقد نص الشافعي في الأم على أن الصلاة داخل الكعبة أفضل من خارجها بالجماعة. قال ابن الصباغ: وحاصل النص: إن كانت فرادى أو نافلة فهي في البيت أفضل , وإن كانت بالجماعة فريضة أو غيرها وأمكن أن يصلى فيه , فالبيت أفضل. وهذا نص في تفضيلها على سائر بقاع الحرم فلم لا يكون المسجد الحرام الموعود بمضاعفة الصلاة فيه هي دون غيرها؟ هذا مع ما روى أنه ﷺ قال لعائشة: إذا أردت أن تصلي في البيت فصلي في الحجر فإنه قطعة من البيت فلو لم يكن لها خاصية المسجد الحرام لكان يقول لها: صلي حيث شئت. فالجواب: أنا لا ننكر أن المصلي فيها مصل في المسجد الحرام وإنما ننكر أن تنفى المضاعفة عمن صلى في المسجد , بل نقول: هي الأصل الذي منه نشأت الحرمة. وعنه انتشرت الفضيلة , فالمصلي فيها آخذ بالنصيب الأوفى والسهم الأرجح وإن كان المصلي في أخريات المسجد مساهما في

стр. 100

أصل التضعيف ومشاركا فيه , وهو كالقرب من الإمام في صلاة , فإنه فضيلة لا تنقص البعيد من أصل فضل الجماعة , ولا تحطه عن حيازة الزيادة على القدر في الدرجة , ولهذا قال الشافعي: وكلما قرب منها كان أحب إلي كما قال في القرب من الإمام , وهذا القول أضعف من قول من يقول: إن المراد بالمسجد الحرام مكة أو سائر الحرم , لأن فيهما مراعاة التدريج في الحرمة مع شمول الاسم المذكور في القرآن , إلا أن الظاهر اختصاص التضعيف بالمسجد الذي قدر به الطواف , وجعل الكعبة أخص الخواص أولى , وذلك لأن الخواص التي انتشرت إليها حرمتها وامتدت إليها فضيلتها؛ بيت المسجد , وخطة مكة , وسائر الحرم , وهو الحجاب الأول الأقرب إليها , والحمى الأخص المحوط عليها , مع أنه مختص بالمسجديّة اسما وعرفا. فكان له من خاصتها الحظ الأولى. ألا ترى أن الطواف لا يصح إلا فيه , والاعتكاف إنما يصح في جميع الحرم في الكعبة ثم فيه أو فيما شاركه في اسم المسجديّة من الأماكن التي خصت الصلاة بالحرمة كمسجد أبي بكر وغيره , إذ المسجد يشترط في كونه مسجدا الصيغة القولية , ولا شك أن مساجد الحرم متعددة , وهو من بينها بالمسجد الحرام في العرف تفرد , وأن الجنب يجوز له اللبث فيما سواه من بقاع الحرم الذي لم يستجد له من الصيغة ما تقدم وقد ذكر الأزرقي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن حد المسجد الحرام

стр. 101

من الحزورة إلى المسعى. وقد ذكر المحاملي في اللباب اثني عشر حكما تتعلق بالحرم. ولم يذكر منها مضاعفة الصلاة , وفيه إشارة إلى أنها خاصة ببقعة في الحرم على الخصوص. قال: وإذا تقرر أن المسجد الحرام , هو مسجد الكعبة , فتشمل فضيلة الصلاة فيه من صلى في الكعبة والحجر والمسجد من صحنه وأروقته وسطوحه وزواياه ومنائره بل في عرض الجدار من جدرانه وإن كان فيه شباك , وفي رحبته , إذ صلاة من من من صلى فيها بصلاة الإمام الذي في المسجد صحيحة انتهى ملخصا. تنبيهات: الأول: إن هذه المضاعفة في المسجدين لا تختص بالفريضة , بل تعم النفل والفرض كما قاله النووي في شرح مسلم: إنه المذهب. قلت: وهو لازم للأصحاب من استثنائهم النفل بمكة من الوقت المكروه لأجل زيادة الفضيلة. وقال الطحاوي من الحنيفة في شرح الآثار: وهو مختص بالفرض – وأن فعل النوافل في البيت أفضل من المسجد الحرام. وكذلك ذكره ابن أبي زيد من المالكية. وقال ابن أبي الصيف اليمني: هذا التضعيف في الصلوات يحتمل أن يعم الفرض والنفل , وهو ظاهر الأخبار , ويحتمل

стр. 102

أن يختص به الفرض دون النفل , لأن النفل دونه. وقد ورد أن ثواب الفرض يزيد على ثواب] النفل [بسبعين درجة , وأن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بخمس وعشرين , أو سبع وعشرين في المساجد الثلاثة وغيرها. وذلك في الفرائض ويلحق بهام اشرع له الجماعة من النوافل. فإن قيل: كيف تقولون: إن المضاعفة تعم الفرض والنفل؟ وقد تطابقت الأصحاب ونص الحديث على أن فعل النافلة في بيت الإنسان أفضل , ولم يستثن إلا مايستحب له المسجد كالعيد وما لايتأتى إلا فيه كركعتي الطواف. قلنا: لا يلزم من المضاعفة في المسجد أن تكون أفضل من البيت , والظاهر أنه ذو وجهين , وبالجهتين تتم المضاعفة في نافلة المسجد , وإن لم توجد في فرائض غيرها , وغاية الأمر أن يكون في المفضول مزية ليست في الفاضل , ولا يلزم من ذلك جعله أفضل فإن للأفضل مزايا إن كان للمفضول مزية. الثاني: إن اختلاف الروايات في التضعيف يحتمل إن صحت كلها أن يكون حديث الأقل قبل حديث الأكثر , ثم تفضل الله بالأكثر شيئا بعد شئ , كما قيل في الجمع بين رواية أبي هريرة في فضل الجماعة بخمس وعشرين وبين رواية ابن عمر بسبع وعشرين , فإن حديث أبي هريرة قبل حديث ابن عمر , فزادهم درجتين , ويحتمل أن تكون الأعداد تُنزَّل على الأحوال , فقد جاء: أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة ,

стр. 103

وأنها تضاعف إلى غير نهاية , وقد روى: تفكر ساعة خير من عبادة سنة لتفاوت الأحوال. الثالث: بحث قاضي القضاة تاج الدين السبكي مع الشيخ والده رحمهما الله في صلاة الظهر بمنى يوم النحر إذا جعلنا منى خارجة عن حدود الحرم , أن تكون أفضل من صلاتها في المسجد , لأن النبي ﷺ , صلاها بمنى يومئذ , والاقتداء به أفضل , أو في المسجد لأجل المضاعفة؟ فقال الشيخ: بل في منى , وإن لم تحصل بها المضاعفة , فإن في الاقتداء بأفعال النبي ﷺ من الخير ما يربو على المضاعفة. السادس والعشرون: إن التضعيف لا يختص بالصلاة بل وسائر أنواع الطاعات كذلك قياسا على ما ثبت في الصلاة والنظر إلى الكعبة فأُلحق به ما في معناه من أعمال البر. قال الحسن البصري: صوم يوم بمكة بمائة ألف , وصدقة درهم بمائة ألف , وكل حسنة بمائة ألف , وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه , وقام منه ما تيسر كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما سواها , وكتب له بكل يوم وليلة عتق رقبة , وفي كل يوم حمل فرسين في سبيل الله وفي كل ليلة حسنة , وروى البزار في مسنده من جهة عاصم بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : رمضان

стр. 104

بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة. وفي المستدرك للحاكم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم , وحسنات الحرم , الحسنة بمائة ألف حسنة , قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. ورواه البيهقي في سننه , وضعفه , وفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أم هانئ قالت: قال رسول الله ﷺ : إن أمتي لن يزالوا بخير ما أقاموا شهر رمضان قيل: يارسول الله وما خزيهم في إضاعته؟ قال انتهاك المحارم فيه , من عمل فيه زنا , أو شرب خمرا , لعنه الله ومن في السموات إلى مثله من الحول , فإن مات قبل أن يدرك شهر رمضان فليست له عند الله حسنة يتقي بها النار , فاتقوا شهر رمضان فإن الحسنات تضاعف فيه مالا تضاعف في سواه , وكذلك السيئات. انتهى: وإذا ثبتت المضاعفة بالسيئة بالنسبة إلى الزمان الفاضل فالمكان كذلك.

стр. 105

السابع والعشرون: ذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات. ممن قال ذلك مجاهد وابن عباس وأحمد بن حنبل وابن مسعود وغيرهم لتعظيم البلد. وسئل ابن عباس عن مقامه بغير مكة فقال: مالي ولبلد تضاعف في السيئات كما تضاعف الحسنات؟ فحمل ذلك منه عل مضاعفة السيئات بالحرم , ثم قيل: تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم. وقيل: بل كخارجه , ومن أخذ بالعمومات لم يحكم بالمضاعفة قال تعالى: (ومن جاء بالسيئة فلا يُجْزَى إلا مثلها) وقال النبي ﷺ : ((من هم بسيئة وعملها كتبت له سيئة واحدة)) وقال بعض السلف لابنه: يابني إياك والمعصية , فإن عصيت ولابد , فلتكن في مواضع الفجور , لا في مواضع الأجور , لئلا يضاعف عليك الوزر , أو تعجل لك العقوبة , وحرر بعض المتأخرين النزاع في هذه المسألة فقال: القائل بالمضاعفة: أراد مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كميتها في العدد , فإن السيئة جزاؤها سيئة , لكن السيئات تتفاوت , فالسيئة في حرم الله وبلاده على بساطه أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف البلاد , ولهذا ليس من عصى الملك على بساط مُلكه كمن عصاه في موضع بعيد عنه. فإن قيل: فيرجع النزاع أيضا. وأي فرق بين أن تكون السيئة المعظمة

стр. 106

بمائة ألف سيئة وهي واحدة , وبين أن تكون بمائة ألف سيئة عددا , فالجواب أنه قد جاء: أن من زادت حسناته على سيئاته في العدد دخل الجنة , ومن زادت سيئاته على حسناته في العدد دخل النار , ومن استوت حسناته وسيئاته عددا كان من أهل الأعراف , فلا يبعد أن يكون في الغلظ من غير تعدد معنى من عدم الزيادة العددية المرجحة بسبب فضل السيئات في الحرم في الحالة التي لولا هذا التأويل لرجح جانب السيئة , أو معنى غيره يحصل به. الثامن والعشرون: العقاب على الهم فيه بالسيئات وإن لم يفعلها. قال تعالى: ((ومن يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظلم نُذقْه من عذابٍ أليمٍ)). ولهذا عُدّى فعل الإرادة بالباء ولا يقال: أردت بكذا , لما ضمنه بمعنى يهم , فإنه يقال: هممت بكذا. وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها. كل ذلك تعظيما لحرمته , وكذلك فعل الله سبحانه بأصحاب الفيل , أهلكهم قبل الوصول إلى بيته. وقال أحمد بن حنبل: لو أن رجلا هم أن يقتل في الحرم أذاقه الله من العذاب الأليم ثم قرأ الآية وقال ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد في بالهم قبل الفعل إلا مكة. وتلا هذه الآية. التاسع والعشرون: كره جماعة من السلف المجاورة بمكة. وحكى ذلك عن أبي حنيفة وغيره من العلماء المحتاطين لمعان ثلاثة , أحدها خوفا من التقصير في

стр. 107

حرمتها , والتبرم , واعتياد المكان , والأنس به , وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم , ولهذا كان عمر يأمر الحاج بالرجوع إلى أوطانهم , ويمنع الناس من كثرة الطواف بالبيت. وقال: خشيت أن تنتهك حرمة هذا البيت بخلاف الذي يقدم زائرا , ثم يذهب , فإنه يهاب المكان ويعظمه أكثر من القاطنين , ولمثل هذا نهى السلف عن الكلام في ذات الله تعالى لأن كثرة النظر في ذلك تسقط مهابة الرب من القلب ولهذا قال الشاعر وأخ كثرت عليه حتى ملني ... والشئ مملول إذا ما يكثر وفي الحديث: زر غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا الثاني: تهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العود قال تعالى: ((وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا)) أي يثوبون إليه ويترددون إليه مرة بعد أخرى , لا يقضون منه وطرا. وقال بعضهم: لأن تكون في بلد وقلبك مشتاق إلى مكة , متعلق بهذا البيت , خير لك من أن تكون فيه , وأنت متبرم بالمقام وقلبك في بلد آخر. ويقال إن لله عبادا يطوف بهم الكعبة تقربا إلى الله تعالى. الثالث: الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها فإن ذلك محظور , وبالحرا أن يورث مقت الله تعالى لشرف الموضع. وروى عن وهيب ابن الورد المكي قال: كنت ذات ليلة في الحجر أصلي سمعت قائلا بين الكعبة والأستار

стр. 108

يقول: إلى الله أشكو. ثم إليك يا جبريل ما ألقى من الطائفين حولي] من [تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذي قطع منه. ولهذا انتهى حال بعض المقيمين بمكة إلى أنه لم يقض حاجته في الحرم , بل كان يخرج إلى الحل , ولهذا كره بعض العلماء أجور دور مكة. قال الغزالي: في الإحياء: ولا تظنن كراهة المقام يناقض فضل الكعبة , لأن هذه كراهة سببها ضعف الخلق عن القيام بحقوق الله. وحكى ابن الصلاح عن سعيد بن المسيب أنه قال لرجل من أهل المدينة جاء يطلب العلم: ارجع إلى المدينة , فإنا كنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون الحرم عنده بمنزلة الحل. وذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما إلى استحباب المجاورة بها لما يحصل فيها من الطاعات التي لاتحصل في غيرها من الطواف وتضعيف الصلوات والحسنات وحكاه صاحب الغاية عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقد ذكر ابن الجوزي في مثير الغرام عدة من استوطن مكة من الصحابة. فبلغوا أربعا وخمسين صحابيا ,

стр. 109

وجماعة كثيرة من التابعين. قال وقد جاور بها عبد الله بن عمر , وجابر بن عبد الله , قال النووي: والمختار أن المجاورة بها مستحبة , إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في الأمور المحذورة. وينبغي له أن يتذكر بها ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لخطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة بغيرها. وفي بعض كتب الحنابلة: سأل أحمد عن الجوار بمكة. وكان هو لما أراد الخروج استأذن المتوكل أن يجاور بها فقيل له: حرها شديد. فأمسك وقال: الجوار لا بأس به , إنما كره عمر الجوار لمن هاجر منها. قال: وسئل عن رجل يقتل الدر بمكة – فقال لابأس به. الثلاثون: مذهب أحمد أنه لا يكره المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام , وأن الصلاة لا يقطعها بمكة شئ ولو كان المار امرأة بخلاف غيرها. حكاه القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية. ونقل ذلك عن مالك وعبد الرزاق , واحتج عليه عبد الرزاق في كتاب الصلاة تأليفه – بما رواه عن عمر بن قيس أخبرني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه عن جده. قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في المسجد الحرام , والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القبلة بين يديه ليس بينه وبينهم سترة , وفي رواية أخرى. رأيته يصلي فيما يلي باب بني سهم.

стр. 110

الحادي والثلاثون: يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام , لا في الصحراء لفضل البقعة ومشاهدة الكعبة , ولحصول المضاعفة لهم في الصلاة. وألحق الصيدلاني به بيت المقدس , وأما غيرها من البلدان ففيها خلاف. والمصحح أن فعلها في المسجد أفضل. وقال القاضي ابن كج في كتاب التجريد: قال الشافعي في الأم: تصلى في المصلى في سائر البلدان إلا في مكة فإنه تصلى في مسجدها , لأنه خير بقاع الأرض. وقال: إن كان لو وسعهم مسجد ذلك البلد أحببت أن يصلوا فيه انتهى لفظ الشافعي بحروفه وفيه فوائد لم يقفوا عليها. الثاني والثلاثون: تحريم استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء والبنيان عند كثير من العلماء بخلاف التشريق والتغريب , وعند الشافعي في الصحراء لا في البنيان. وهذا لا يختص بالحرم بل يعم كل مكان. واختلف أصحابنا في علة النهي. فقيل: إنه احترام الكعبة وتعظيمها. وقد روى في حديث سراقة مرفوعا: إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله ولا يستقبل القبلة والذي قاله جمهور الأصحاب: إن العلة في ذلك كون القبلة لا تخلو عن مصل من جن أو إنس , فربما يقع بصره على فرجه حالة الاستقبال أو الاستدبار فيتأذى بذلك بخلاف البيوت.
следующие страницы →