Полный текст (380 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
إن كان فيه، فإن كان أرضا صلبة فليخرجها او يمسحها بخرقة ونحوها. وحكى الروياني قولا: إن المراد إخراجها مطلقا. ولعله لأجل خلاف بعضهم في نجاسة البزاق. وقد حكاه ابن أبي شيبة عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي، وحكى أبو العباس القرطبي عن بعضهم أنه قال: إنما يكون البزاق في المسجد خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه لأنه يقذر المسجد، ويتأذى به من يعلق به، فأما من اضطر إلى ذلك ففعل ودفنه فلم يأت خطيئة ولهذا سماه كفارة، والتكفير التغطية. فكأن دفنها غطى ما يتصور عليه من الإثم. قال: أبو العباس: ويدل على صحة هذا التأويل حديث أبي ذر. ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد بل بذلك وببقائها غير مدفونة.
فائدة: قال القفال في فتاويه - وقد ذكر حديث النخامة في المسجد خطيئة - هذا الخبر محمول على ما كان نزل من الرأس أما إذا كان من صدره نجسا فلا يجوز دفنه في المسجد.
السابع:
يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، وأما من على بدنه نجاسة فإن خاف تلويث المسجد فلم يجز الدخول وإن أمن ذلك جاز، نقله في شرح
стр. 282
المهذب عن التتمة وأقره، وأما إذا افَتصد في المسجد واحتجم، فإن كان في غير إناء فحرام وإن قطر دمه في إناء فمكروه، والأولى تركه كما قاله في شرح المهذب وجزم البندنيجي في كتاب تذهيب المذهب - بأنه حرام أيضا. وأما إذا بال في المسجد في إناء ففيه احتمالان لابن الصباغ، وأصحهما في الروضة أنه حرام، ويخالف الحجامة، لأنه مما يستقبح ويستحقر فينزه المسجد عنه. وهذا ما اختاره الشاشي وجزم به في التتمة ونقله العبدري عن الأكثرين، والثاني أنه مكروه، وفي كتاب الطهور لأبي عبيد عن سعيد بن أبي بردة أنه أبصر أبا وائل شقيق بن سلمة في المسجد يبول في طست وهو معتكف. وفي صحيح البخاري في باب الاعتكاف عن عائشة ﵂ قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. وفي سؤالات السلمي للدارقطني، قال ابن لَهِيعة عن موسى بن عقبة: كان النبي ﷺ يحتجم في المسجد- وأخطأ فيه وإنما هو يحتجر في المسجد.
[قال الحليمي: ويكره أن يتبول بقرب جدار المسجد والظاهر أن البوم في رحاب المسجد يحتل أن يحرم مطلقا وإن لم يجعلها من المسجد]
ويجب الجزم به إذا كانت مطروقة.
стр. 283
الثامن:
قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن يتوضأ في مكان يبله ويتأذى الناس به فإنه مكروه، ويشترط ألا يحصل تمخط بالاستنشاق ولا بصاق بالمضمضة، ونحو ذلك من التنخع. وإلا فينتهي إلى التحريم، وحكى المازرى عن بعضهم الجواز مع ذلك، لأن البصاق إذا خالطه الماء، صار في حكم المستهلك، فكان كالعدم، وهو يقتضي الماء الذي يتمضمض به للخلاص من ذلك، ويحصل به سنة المضمضة، وروى ابن أبي شيبه الوضوء فيه عن ابن عمر وجبير بن مطعم، وحكاه ابن بطال عن أكثر الصحابة والتابعين
وحكى عن ابن سيرين ومالك كراهيته تنزيلها للمسجد،
وقال النووى فى الروضة قبل باب السجدات: ولا بأس بالوضوء إذا لم يتأذ به الناس.
وقال في الاعتكاف نقلا عن البغوى: ولا يجوز نضح المسجد بالماء المستعمل، لأن النفس قد تعافه. وقال في شرح المهذب: هذا الذي قاله البغوى ضعيف، والمختار أن المستعمل كالمطلق، والنفس إنما تعاف شربه، وقد اتفق الأصحاب على جواز الوضوء في المسجد، وإسقاط مائه في أرضه، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه،
وقال المارودى الأولى غسل اليد حيث يبعد عن نظر الناس وعن مجالس العلماء، وكيف فعل جاز،
وقال الروياني في البحر في باب الاعتكاف
стр. 284
المعتكف يغسل في الطست حتى لا يلوث فإن غسله من غير طست كره وقيل لا يكره ولكن الأحسن غيره والوضوء على ظهر المسجد كالوضوء في المسجد وفي الصحيح عن نعيم المجمر قال رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ وذكر الحديث إلا أن يتضرر من في المسجد بنقط الماء عليه فيكره للضرر أو يضر سقف المسجد بملازمة النداوة فيمنع منه.
التاسع
يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد من غير حاجة مقصودة لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد وفي المعجم الكبير للطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وأصواتكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم وجمروها في تسع واتخذوا على أبواب مساجدكم المطاهر)) لكن لا يحرم ذلك لأن النبي ﷺ فعل ذلك بيانا للجواز أو ليظهر فيستفتى كما يستحب ذلك للعالم من أمته نعم روى البخاري عن ابن عمر قال كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد رواه أبوداود وزاد وتبول فيه، وذكر أنه وقع في بعض نسخ البخاري أيضا، وأطلق النووي
стр. 285
في الروضة المنع من دخول الصبيان والمجانين المسجد وهو في المجانين ظاهر إذا خيف منه تلويثه، أما مع الأمن والتمييز فلا لكن غير المميز كالبهيمة ويحمل على أن يمنعه وليه من إدخال المسجد إذا خيف حدثه فيه وقال في شرح مسلم يجوز إدخال الصبي المسجد وإن كان الأولى فيه تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه حدث. انتهى وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة وفيه تضعيف لحديث جنبوا مساجدكم صبيانكم
فائدة:كره مالك قتل البراغيث وللقمل في المسجد وصرح النووي في فتاويه بأنه إذا قتلها لا يجوز القاؤها في المسجد، لأنها ميتة وفي مسجد أحمد عن أبي أيوب قال: وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد فقال له رسول الله ﷺ : لا تفعل ردها في ثوبك حتى تخرج من المسجد.
العاشر
لا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد لكن الأولى اجتنابه لقوله ﷺ : فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وقال بعض المتكلمين على الحديث من القدماء: الحدث في المسجد خطيئة
стр. 286
يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم المرجو بركته يدل عليه قوله ﷺ : البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها. فلما كان للنخامة كفارة قيل للمتنخم تمادى في المجلس في صلاتك وابق فيه مدعوا لك، وإنما لم يكن للحدث في المسجد كفارة ترفع أذاها كما رفع الدفن أذى النخامة لم يتأد الاستغفار له ولا الدعاء وجب زوال الملائكة عنه لما آذاهم بالرائحة الخبيثة.
الحادي عشر:
يحرم على الجنب المسلم اللبث في المسجد، وإن توضأ، ويجوز له العبور من غير لبث سواء كان لحاجة أم لا.؟ هذا مذهبنا، وحكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة والتابعين، وحكى عن سفيان الثوري وإسحق ابن راهويه منع المرور إلا أن يجد ترابا فيتيمم ثم يمر، وقال أبو حنيفة يحرم عليه اللبث والعبور إلا أن يكون مضطرا فيتيمم ثم يمر وقال المزني وداود وابن المنذر. يجوز له اللبث مطلقا. وقال أحمد: متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد، ورواه سعيد ابن منصور في سننه إسناد صحيح عن جماعة من الصحابة، لنا قوله تعالى: ((ولا جنبا إلا عابري سبيل))
قال الشافعي في الأم: قال بعض أهل العلم بالقرآن﴾ معناه ﴿لا تقربوا مواضع الصلاة. قال الشافعي: وما أشبه ما قال بما قال، لأنه ليس في الصلاة عبور﴾ سبيل إنما عبور ﴿السبيل في موضعها وهو في المسجد،
стр. 287
قال الخطابي: وكذا تأولها أبو عبيدة معمر بن المثنى، وروى البيهقي هذا التفسير عن ابن عباس، وعن عائشة أن رسول الله ﷺ ، قال: لا أحل المسجد لحائض ولا جنب. رواه أبو داود وروى ابن ماجه في سننه نحوه من حديث أم سلمة، وضعف أحمد بنن حنبل اسناده، واحتج من جوز المكث إذا توضأ بما روى أحمد في مسنده وسعيد بن منصور في سسنه عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من الصحابة يجلسون في المسجد وهم جنب إذا توضؤوا وضوء الصلاة، رواه سعيد بن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن سعد عن يزيد بن أسلم عن عطاء به، وهذا إسناد على شرط مسلم، وروى حنبل بن اسحق صاحب أحمد قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد، وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ، ثم يدخل المسجد فيتحدث، ولقوله ﷺ : ((إن المؤمن لا ينجس)) وبأن المشرك يمكث في المسجد، فالمسلم الجنب أولى وتأولوا الآية على المسافر، والجواب أنه لا حجة في قول أحمد مع وجود السنة. وقد صح الحديث المتقدم،
стр. 288
وحسنه ابن القطان وغيره، ثم إن العبور وإن لم يكن حرتما فهو مكروه إلا لغرض كما إذا كان المسجد طريقه إلى مقصده أو كان أقرب الطريق إليه.
فروع: إطلاق الشافعي والأصحاب يقتضي جواز المرور للجنب لحاجة وغيرها، والكافر الحربي بالحاجة مثل إن كان فيه رجل يريد أن يناديه، أو كان طريقه إلى الدار في المسجد. قال: والمرور فيه لغير غرض مكروه. إذا أجنب في المسجد استحب له أن يراعي أقرب الطرق إلى الخروج وحكى الإمام عن أبي حنيفة تخييره مع أنه يحرم عليه المرور، وهل يوصف الأبعد بالكراهة قال القاضي الحسين يحتمل وجهين بناء على أنه إذا كان للبلد الذي يقصر له﴾ طريقان ﴿فتارة يسلك الأبعد لغير غرض هل يقصر أم لا؟﴾ فيه قولان ﴿وجرى عليه في التتمة والبحر. لو كان للمسجد بابان، وأراد أن يخرج من الأبعد، فإن كان لغرض جاز وإلا فوجهان في أنه هل يكره أم لا؟ قاله في البحر.
الثاني عشر:
لو أجنب وهو خارج المسجد، والماء في المسجد قال القاضي الحسين وغيره، ليس له أن يدخل ويغتسل فيه، لأنه يلبث في المسجد لحظة مع الجنابة قال في التهذيب، فإن كان معه إناء تيمم ثم دخل، وأخرج الماء للغسل، وإن لم يكن معه إناء صلى بالتيمم ثم يعيد. قال النووي:
стр. 289
وهذا الذي قاله فيه نظر وينبغي أن يجوز الاغتسال فيه إذا لم يجد غيره، ولم يجد إناء، ولا يباح له التيمم مع ذلك فإن جوزنا المرور في المسجد الطويل لغير حاجة فكيف يمتنع مكث بعض لحظة بسبب الضرورة التي لا مندوحة عنها، وما ذكره البغوي سبقه إليه شيخه القاضي حسين فقال لو كان فيه نهر جار _ وأراد أن يغتسل منه لم يجز لأنه يحتاج إلى المكث.
الثالث عشر:
يجوز المكث للجنب في المسجد للضرورة، بأن نام في المسجد واحتلم ولم يمكنه الخروج لإغلاق الباب أو الخوف على نفسه أو ماله. قال في الروضة، ويجب أن يتيمم، إن وجد غير تراب المسجد ولا يتيمم بترابه انتهى، وتصريحه بالوجوب وهم منه على الرافعي، لأن عبارته: وليتيمم إن وجد غير تراب المسجد، فظن الشيخ محيي الدين أن مراد الرافعي الوجوب وهو محتمل لكنه بين مراده في الشرح الصغير فقال: ويحسن أن يتيمم، ويؤيده أن من أحدث ومعه مصحف، ولم يجد الماء وقدر على التراب كان له حمله من غير تيمم. قاله القاضي أبو الطيب في تعليقه، لكن صرح القفال في فتاويه في المسألة السابقة بوجوب التيمم للمقام في المسجد.
قال: وإن كان لا يجوز أن يصلي به، وقول الرافعي ولا يتيمم بتراب المسجد كما لو لم يجد إلا ترابا مملوكا نازعه فيه النووي في شرح التنبيه، فقال، هكذا قال تبعا لصاحبي التهذيب والتتمة، وفيه نظر، وأي مانع يمنع من
стр. 290
غبار يسير للضرورة، والفرق بينه وبين المملوك ظاهر، وقال الروياني في البحر: لو احتلم في المسجد، وخاف العسس يتيمم بغير تراب المسجد، فإن لم يجد إلا تراب المسجد، لا يتيمم، كما لو وجد فيه ترابا مملوكا للغير ولكنه لو تيمم به جاز.
الرابع عشر:
يجوز للجنب دخول المسجد للاستسقاء، ولا يقف إلا قدر حاجة الاستسقاء.
الخامس عشر:
يمكن الكافر من دخول المسجد واللبث فيه، وإن كان جنبا، فإن الكفار كانوا يدخلون مسجده ﷺ ، ولا شك أن فيهم الجنب. وقد ترجم البخاري دخول المشرك المسجد، وأدخل فيه حديث الأعرابي السائل عن الإسلام وحديث اليهود الذين ذكروا أن امرأة ورجلا منهم زنيا، والفرق بينه وبين المسلم، أن المسلم يعتقد تحريمه، ولا شك أنه لا يمكن المجاورة دائما مع أنهم قد صرحوا في الكافرة الحائض بتحريم دخولها للمسجد إن خافت التلويث صونا له من النجاسة بخلاف الجنب وصرح الماوردي وغيره أنها إذا انقطع دمها على الوجهين في الجنب، والنفساء كالحائض، وأما دخول الحائضة المسلمة المسجد
стр. 291
فحرام إلا اذا أمنت التلويث فيجوز على الصحيح في الشرح والروضة، وصحح الإمام المنع وهذا قبل الإنقطاع، فإن انقطع دمها جاز على الأصح.
وقال القاضي أبو الطيب الطبري في تعليقه في الكلام على الصلاة على الميت في المسجد: إن الحائض إذا لم تكن قد استحكمت من نفسها، واستوثقت من ثفرها فإنه يكره لها دخول المسجد وإن كان ذلك محكما لم يكره لها دخوله انتهى لفظه، ونقله عنه ابن الرفعة أيضا قال: ودل كلامه على أن كراهة تنزيه يعني، والمعروف التحريم جزما. والظاهر أن القاضي أراد كراهة التحريم فإنه قال. وإذا علم من الميت الانفجار بأمارات تدل عليه كره إدخاله المسجد. فأما الحائض، وذكر ما سبق. وأفاد بأن أمنها التلويث بأن تستحكم من نفسها وتستوثق من ثفرها، أي بحيث لو خرج منها شيء بغتة لرده ذلك لا بمجرد الظن مع ترك ذلك. وأعلم أن الرافعي والنووي رحمهما الله أطلقا أنه يجوز للكافر أن يدخل مساجد غير الحرم بإذن المسلم. وعليها تسعة تقييدات.
أجدها: قال الماوردي: هذا إذا لم يكن شرط عليه في عقد الذمة عدم الدخول، فإن كان قد شرط عليه ذلك لم يؤذن له وهذا صحيح لما في ذلك من مخالفة عقد الإمام والافتيات عليه، ومن أورد هذا وجها لم يصنع شيئا بل هو تقييد للحكم المذكور. نعم لو لم يعلم هل شرط ذلك عليهم
стр. 292
أم لا؟ فهل نقول: الأصل عدم الشرط فيأذن أو الأصل المنع فلا يأذن مالم يعلم انتفاء الشرط. فيه نظر، والثاني أقرب إلى كلامهم.
الثاني: يشترط في الإذن التكليف والإسلام. فلا عبرة بإذن الصبي والمجنون. وقد يجئ فيه وجه كما قيل في أمانه. وقيل الإذن للإمام ونحوه.
وقال الروياني: لا يكفي في الجامع إلا إذن السلطان ويكفي في مساجد المحال والقبائل إذن من يصح أمانه على الأصح. وفي الحاوي أن الدخول إن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام لم يصح الإذن في الدخول إلا من﴾ الإمام أو يجمع عليه أهل تلك الناحية بشرط ألا يتضرر به أحد من المصلين وإن كان لاجتياز أو لبث يسير فإن كان من الجوامع التي لا ترتب فيه الأئمة إلا بإذن السلطان لم يصح الإذن في الدخول إلا من ﴿السلطان ونحوه،
وإن كان من مساجد القبائل فوجهان. أظهرهما أنه يكفي إذن من يصح أمانه والثاني، لا يصح إلا ممن كان من أهل الجهاد. انتهى. وأما إذا لم يأذن له المسلمون فليس له الدخول على الصحيح هكذا أطلقه النووي وغيره، وقضية كلام الرافعي تخصيص الوجهين بالذمي ل
انه قال في أحدهما نعم، لأنه يبذل الجزية فصار من أهل دار الإسلام، فلو دخل بغير إذن عزر إلا أن يكون جاهلا بتوقفه على الإذن، فيعذر.
الثالث: هذا إذا استأذن لسماع قرآن أو علم ورجى إسلامه، أو دخل لإصلاح بنيان ونحوه، وقضية كلام القاضي أبي على الفارقي أنه لو دخل لسماع القرآن أو العلم، وهو ممن لا يرجى إسلامه أنه يمنع. وليس لنا أن نأذن له في دخوله، أي كما إذا كانت حاله تشعر بالاستهزاء، فأما إذا استأذن
стр. 293
لنوم أو أكل أو نحوه، قال في الروضة: فينبغي ألا يؤذن له في دخوله لذلك، وظاهره الجواز، وقال غيره: لا يجوز لنا أن نأذن له في ذلك.
قال الفارقي: وفي معنى ذلك الدخول لتعلم الحساب واللغة، وما كان في معناه. ولا خفاء أن موضع التجويز إذا لم يخض على المسجد ضرر ولا تنجيس ولا تشويش على المصلين وأطلق جماعة القول بأن له الدخول بلا إذن لسماع القرآن، أو الحديث، أو العلم أو ليسلم أو ليستفتي كما قال الماوردي.
تنبيه: يستثنى من إطلاقهم مسألتان
احداهما ما لو جلس فيه الحاكم للحكم فللذمي دخوله للمحاكمة بغير إذن وننزل جلوسه﴾ للحكم ﴿منزلة إذنه. نقله في الروضة عن البغوي، وأقره وهو ظاهر إذا كان في محلة أهل الذمه، أما لو لم يكن، فاجتاز به مسافرون، فلا. والظاهر أن المستأمن كالذمي فيما ذكرناه.
الثانية: دخوله لحاجته إلى مسلم أو حاجو مسلم إليه. ذكره الروياني وفيه نظر.
السادس عشر:
ذكر صاحب التلخيص: أنه كان يحل للنبي ﷺ دخول المسجد جنبا ونازعه القفال. وقال الإمام: الوجه القطع بتخطئته. وقال النووي: قد يستدل له بما رواه الترمذي عن عطية عن
стр. 294
أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : يا علي لا يحل لأحد يجنب في المسجد غيري وغيرك. وقد حسنه الترمذي واستغربه. ونقل عن ضرار بن صرد أن معناه: لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك، ثم نقل النووي كلام الإمام وقال: فهذا كلام من لم يقف على الحديث، لكم يقدح قادح في الحديث من جهة عطية، فإنه ضعيف عند الجمهور، لكن الترمذي حسنه فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه، فظهر بهذا ترجيح مقالة صاحب التلخيص. قلت: لكنه لا يوافق مقالته، لأن مدعاه الخصوصية، والحديث ينفيه بمشاركة غير النبي ﷺ في ذلك.
السابع عشر:
ينبغي ألا ينشد في المسجد شعر ليس فيه مدح للإسلام، ولا حث على مكارم الأخلاق ونحوه فإن كان لغير ذلك حرم، قاله النووي في شرح المهذب، وفي كتاب اللقطة من البيان للعمراني قال الصميري كره قوم إنشاد الشعر في المساجد وليس ذلك عندنا بمكروه، وقد كان حسان ابن ثابت ينشد رسول الله ﷺ الشعر في المسجد، وقد أنشده كعب بن زهير قصيدتين في المسجد ولكن لا يمكن منه في المسجد
стр. 295
انتهى. والظاهر أن هذا محمول على الشعر المباح، أو المرغب في الآخرة أو المتعلق بمدح النبي ﷺ ، وذكر بعض مناقبه ومآثره، لا مطلق الشعر، وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : من رأيتموه ينشد شعرا في المسجد فقولوا: فضّ الله فاك ثلاث مرات: رواه ابن السّنِّى، وقال الماوردي والروياني في آخر باب حد الشرب: لعل الحديث في المنع من إنشاد الشعر في المسجد محمول على ما فيه هجو أَو مدح بغير حق، فإنه ﵇ مدح وأُنشد مدحه في المسجد فلم يمنع منه: وقال ابن بطال: لعله فيما يتشاغل الناس به حتى يكون كل من في المسجد يغلب عليه كما تأّول أبو عبيدة في قوله ﵇: " لأَن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً [يريه] خير من أن يمتلئ شعرا - أَنه الذي يغلب على صاحبه، وروى البخاري في كتاب بدءِ الخلق عن سعيد بن المسيب قال مَرّ عمر في المسجد _ وحسان ينشد [فلحظ إليه] فقال: كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة وقال: أَنشُدُك بالله، أسمعت النبي ﷺ يقول: أَجب عنى، اللهم أَيده بروح القدس، قال نعم، وقال ابن خزيمة في صحيحه: ذِكْرُ الخبر الدال على أن النبي ﷺ إنما نهى عن تناشد بعض الأَشعار في المساجد لا عن جميعها، ثم ذكر هذا الحديث.
стр. 296
الثامن عشر:
ينبغي أَلا ينشد فيه ضالة، ولا يبيع ولا يشتري ولا يؤجر ولا يستاجر، هذا هو الصحيح المشهور، وللشافعي قول: إنه لا يكره فيه البيع ولا الشراءُ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليه فإن المساجد لم تبن لهذا. يقال: نشَدت الضالة بمعنى طلبتها وأَنشدتها بمعنى عَرّفتها قاله يعقوب وغيره. ومنه قوله: إصاخة الناشد للمنشد، والإصاخة، الاستماع، ورى الترمذي عنه أيضاً، أن رسول الله قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشُد فيه ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك. قال الترمذي: حسن غريب والعمل عليه عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد واسحق، ورخص فيه بعضهم وقال ابن خزيمة في صحيحه: لو لم يكن البيع منعقداً لم يكن لقول النبي ﷺ : لا أربح الله تجارتك معنى انتهى. وقال الطحاوي: هذا إذا غلب عليه حتى يكون كالمستغرق أما الفعل القليل فلا باس به، وينبغي اجتنابه، ومن الغريب قول ابن الرفعة في المطلب في الكلام على بيع العصير من عاصر الخمر: أنه لم يَرَ هذا الفرع في كلام أصحابنا وإنما ورد الحديث بالنهي.
стр. 297
عنه. وقد قال الرافعي في كتاب الشهادات. قال صاحب العُدّة ومن الصغائر: البيع والشراء في المسجد. قال في الروضة: والمختار كراهته.
وقال النووي في زوائد الروضة في آخر كتاب الجمعة: البيع في المسجد مكروه يوم الجمعة وغيره على الأظهر. وقال في كتاب إحياءِ الموات: ومنها الجلوس للبيع والشراء والحرفة وهو ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبى اتخاذَه حانوتاً انتهى. وذكر صاحب البيان المسألة في كتاب الاعتكاف، وحكى فيه قولين عن حكاية ابن الصباغ وقال:
أصحهما كراهته.
والثاني: لا يكره بل يباح. قال ابن الصباغ، فإن كان محتاجاً إلى شراءِ قوته وما لا بد منه لم يكره. فإن أَكثر من ذلك لم يبطل اعتكافه، وقال في القديم: إن فعل ذلك_ والاعتكاف منذور. رأَيت أَن يستقبله.
وهذا قول مرجوع عنه.
التاسع عشر:
قال ابن الصباغ: تكره الخياطة في المسجد إلا أن يخيط ثوبه وما يحتاج إلى لبسه فلا يكره. وقال مالك: إن كانت الخياطة حرفة لم يصح اعتكافه لأَنه بعد محترفاً [لا] معتكفاً. وقال النووي، فأَما من ينسخ فيه شيئاً من العلم أو اتفق قعوده فيه فخاط ثوباً ولم يجعله مقعداً
стр. 298
للخياطة فلا بأس به، وقال الشيخ عز الدين في الفتاوي الموصلية: لا ينبغي أن يعمل في المسجد [ألا ترى أن] من دخل دار ملك فجلس بين يدي الملك وهو ينظر إليه، وإلى ما يفعل في بيته [كيف تكون حاله فيه]، وقال في الروضة: يكره عمل الصنائع فيه، أي المداومة، أما لو دخل لصلاة أو اعتكاف فخاط ثوبه لم يكره، وأطلق الرافعي في باب الاعتكاف كراهة النسخ في المسجد إذا كثر، وينبغي تقييده بغير نسخ كتب العلم، أما هي فلا يكره سواء قل أو كثر، وقد صرح بذلك النووي في شرح المهذب.
تمام العشرين:
يكره اللغظ ورفع الصوت في المسجد ففي مصنف ابن أبي شيبة: أن عمر سمع رجلا رافعا صوته في المسجد فقال: أتدري أين أنت،؟ وفي البخاري نحوه، وحكي ابن عبد البر في كتاب بيان العلم عن مالك أنه سئل عن رفع الصوت في المسجد بالعلم فقال: لا خير في ذلك العلم ولا في غيره، ولقد أدركت الناس قديمًا يعيبون ذلك على من يكون في مجلسه، وأنا أكره ذلك، ولا أرى فيه خيرًا، قال أبو عمر: وأجاز
стр. 299
ذلك قوم منهم أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من المالكية، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو قال: تخلف فينا رسول الله ﷺ وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته. ويل للاعقاب من النار، وليس في الحديث أنهم كانوا في المسجد وفي الصحيح من حديث كعب بن مالك وابن أبي حدرد في الدين الذي له عليه، وأنهما دخلا المسجد، وارتفعت أصواتهما فيه ولم ينكر النبي ﷺ وقال له: ضع من دينك الشطر، الحديث.
الحادي والعشرون:
سئل القفال عن تعليم الصبيان في المسجد، فقال: الأغلب من الصبيان الضرر بالمسجد فيجوز منعهم، انتهي وقال القرطبي: منع بعض العلماء من تعليم الصبيان فيه، ورأوا انه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرةن فلو كان تبرعا فهو ممنوع أيضا لعدم تحرز الصبيان عن القذر والوسخ؟، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد وقد ورد الأمر بتنظيفها، وفي الحديث: جنبوا مساجدكم صبيانكم، وقال القاضي عياض: قال بعض مشايخنا: إنما يمنع من المساجد من عمل الصنائع التي يختص ببعضها آحاد الناس، ويتكسب به ولا تتخذ المساجد متجرا، فأما الصنائع
стр. 300
التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمتفقهة وإصلاح آلات الجهاد، وما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به.
الثاني والعشرون:
يستحب عقد حلق العلم في المساجد، وذكر المواعظ والرقائق ونحوها، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة، قاله النووي في شرح المهذب: ونقل ابن بطال فيه الإجماع، وقد ورد في فضل حلق الذكر ما لا يخفي وقد روى ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ومن دخل مسجدنا هذا ليعلم خيرا أو ليتعلم كان كالمجاهد في سبيل الله، ولا فرق في هذا بين المعتكف وغيره، وعن أحمد ومالك كراهته للمعتكف، قال النووي: وتجوز قراءة الأحاديث المشهورة والمغازي والرقائق ونحوها مما ليس فيه موضوع ولا ما تحمله عقول العوام، قال: ولا يجوز أن يقرأ فيه ما ذكره أهل التواريخ من قصص الأنبياء وحكاياتهم فيها. وأن بعضهم جرى له كذا من فتنة ونحوها، فهذا كله ممنوع منه ذكره في كتاب الاعتكاف.
الثالث والعشرون:
قال الغزالي في الإحياء: يكره الجلوس للحق قبل الصلاة يوم الجمعة، قلت: وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمر أن
стр. 301
رسول الله ﷺ نهي عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال يعني في المسجد، وذكر ذلك أيضا أبو نعيم في كتاب رياضة المتعلمين، قال الخطابي: وكان بعضهم يرويه الحلق بإسكان اللام وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة قال: فقلت له: إنما هو الحلق بفتحها جمع حلقة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم وأمر بأن يشتغل بالصلاة وينصب للخطبة.
الرابع والعشرون:
يجوز أكل الخبز والفاكهة، والبطيخ وغير ذلك في المسجد، وقد روى ابن ماجة عن عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي، قال: كنا نأكل على عهد النبي ﷺ في المسجد الخبز واللحم، وقال مالك: يكره الأكل في المسجد إلا اللقمة واللقمتين، ولا يعجبه الأكل في رحابه لأنها من المسجد وينبغي أن يبسط شيئا ويحترز خوفا من التلوث، ولئلا يتناثر شيء من الطعام فتجتمع عليه الهوام هذا إذا لم يكن له رائحة كريهة – فإن كانت كالثوم والبصل والكرات ونحوه فيكره أكله فيه ويمنع آكله من المسجد حتى يذهب ريحه، فإن دخل المسجد أخرج منه ففي الصحيحين من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، او ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته، وذهب
стр. 302
الظاهرية إلى تحريم أكله بناء على أن صلاة الجماعة فرض عين، وهل كان ذلك حراما على رسول الله ﷺ فيه، وجهان أصحهما الكراهة، ظاهر الأحاديث يقتضي تحريم حضور المسجد كما أشار إليه ابن حبان في صحيحه، وصرح به ابن المنذر في الإقناع، وهذا كله مع رائحته، فإن أميت بالطبخ ونحوه فلا منع، ففي صحيح مسلم: فمن أكلها فليمتها طبخا – وفي السنن عن عائشة أنها سئلت عن البصل فقال: إن آخر طعام أكله رسول الله ﷺ كان فيه بصل، وزعم بعضهم ان هذا خاص بمسجد رسول الله ﷺ ، لقوله مسجدنا فإنه كان مهبط الملك بالوحي، والمشهور خلاف ذلك، وأنه عام في جميع المساجد، لأن الحكم يعم بعموم علته، وقد روى مسلم: فلا يأتين المساجد، وقد توسع بعضهم فقال: إن من به بخر، أو خرج منه ريج يجري هذا المجرى.
الخامس والعشرون:
يجوز الاستلقاء في المسجد ومد الرجل، والاتكاء للأحاديث الصحيحة المشهورة، وفي البخاري من طريق عباد بن تميم عن عمه أنه رأي رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى
стр. 303
قال البغوي، في شرح السنة:، إلا الانبطاح، فإن النبي ﷺ نهى عنه، وقال: إنها ضجعة يبغضها الله، قال البخاري، وقال سعيد بن المسيب وكان عمر وعثمان يضعان إحدى رجليهما على الأخرى، وأما ما رواه حماد بن سلمة وابن جرير والليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره، قال ابن بطال: كان البخاري يراه منسوخا بحديث عباد ولذلك أردفه بفعل عمر وعثمان: قال الزهري: وجاء الناس بأمر عظيم في إنكار ذلك واستدل على نسخه بعمل الخليفتين بعده، إذ لا يجوز عليهما مثل ذلك، قال البغوي في شرح السنة: موضع النهي والله أعلم، أن ينصب الرجل ركبته فيعرض عليها رجله الأخرى ولا إزار عليه، أو إزاره ضيق فيكشف معه بعض عورته، فإن كان واسعا بحيث لا تبدو منه عورته فلا بأس به.
السادس والعشرون:
يجوز التشبيك بين الأصابع في المسجد، ففي حديث ذي اليدين أنه ﷺ : شبك بين أصابعه وحكاه ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسالم والحسن وغيرهم، وحكي كراهته عن إبراهيم النخعي وكعب وعن النعمان ابن أبي عياش، قال: كانوا ينهون عن تشبيك الأصابع يعني في الصلاة. واحتج المانعون بأحاديث – الأول: رواه أبو داود عن أبي تمامة الحناط، أن كعب بن عجرة أدركه وهو يريد المسجد، أو أدرك أحدهما صاحبه
стр. 304
قال: فوجدني وأنا مشبك بيدي فسأل عن ذلك، وقال: إن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبك بيديه، فإنه في صلاة، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وأخرج الحاكم في مستدركه عن إسماعيل بن أمية عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يفعل هكذا وشبك بين أصابعه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد تابعه محمد بن عجلان عن المقبري، وهو صحيح على شرط مسلم ثم ساقه كذلك بلفظ: أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة إذا توضأت ثم دخلت المسجد فلا تشبك بين أصابعك قال: ورواه شريك بن عبد الله عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عنه بغير وهم في ذلك. انتهى. الثاني: رواه أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي سعيد أن النبي ﷺ ، قال: إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه.
الثالث: رواه ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن أصابعه [وأجاب] المجوزون عن الأول بأن أبا ثمامة تكلم فيه الدارقطني - وإن وثقه ابن حبان – وعلى تقدير صحته فلا يعارض حديث ذي اليدين لأن حديث كعب فيه النهي عن التشبيك لمن هو منتظر الصلاة، وفي حديث ذي اليدين إنما
стр. 305
شبك رسول الله ﷺ وهو يعتقد أنه أكمل الصلاة ففيه دليل لإباحة التشبيك في المسجد، وعن الثاني بأن ابن أبي شبية رواه عن مولي لأبي سعيد، وهو مجهول. وقد تكلم ابن خزيمة في صحيحه على هذا الحديث وقال: وجاء خالد بن حبان الرقي بطامة، رواه عن ابن عجلان عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد قال: ولا أحل لأحد يروى عني هذا الخبر إلا على هذه الصفة، فإن هذا إسناد مقلوب ويشبه أن يكون الصحيح ما رواه أنس بن عياض عن سعد بن إسحاق مقلوب ويشبه أن يكون الصحيح ما رواه أنس بن عياض عن سعد بن إسحاق عن أبي سعيد المقبري عن أبي ثمامة لأن داود ابن قيس أسقط من الإسناد سعيد المقبري، فقال: عن سعيد بن إسحاق عن أبي ثمامة فأما ابن عجلان، فقد وهم في الإسناد، وقد خلط فيه فمرة يقول: عن أبه عن أبي هريرة، ومرة يرسله، ومرة يقول: عن سعيد عن كعب، وابن أبي ذئب بين أن المقبري سعيد بن أبي سعيد إنما رواه عن رجل من بني سالم، وهو عندي سعد بن إسحاق، إلا انه غلط فيمن فوق سعد بن إسحاق، وقال: عن أبيه عن جده كعب، وداود بن قيس وأنس بن عياض جميعا قد اتفقا على أن الخبر إنما هو عن أبي ثمامة، وعلى تقدير صحته فهو محمول على الكراهية، وحديث ذي اليدين على الجواز، وفعله ﷺ إذا كان بيانا للجواز لم يكن مكروها وعن الثالث بأنه مرسل أو محمول على من يريد الصلاة كما سبق، وقال القفال في محاسن الشريعة: أمر الماشي إلى الصلاة: ألا يشبك بين أصابعه،
стр. 306
لأن الإنسان في صلاة ما دام يمشي إلى الصلاة، ثم له وجوه، أحدها، أن الاستحباب في الصلاة نشر الأعضاء الثاني التفاؤل بانبساط الأعضاء، والتشبيك خلاف النشر، الثالث أن العرب كانت إذا سارت إلى موضع لتهييج حرب، وإثارة قتال شبكت بين أصابعها إشارة إلى اشتباك الحرب كما قيل:
وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتى إذا اشتبكت نفضت لهايدي
فكأنه أريد بالنهي عن التشبيهك الإشارة لما في موضع الاجتماع من السلم لا الحرب والتآلف لا التباين، وقال الخطابي: تشبيك اليد: هو إدخال الأصابع بعضها في بعض والاشتباك فيها، قد يفعله بعض الناس عبثا، وبعضهم يفعله ليفرقع أصابعه عندما يجد مس التخدر فيها، وربما قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبي بيديه يريد الاستراحة: وربما استجلب به النوم فيكون ذلك سبببا لانتفاض طهارته، فقيل: لمن تطهر وخرج إلى المسجد متوجها إلى الصلاة لا تشبك بين أصابعك، لأن جميع ما ذكرناه. من هذه الوجوه على اختلاف أنواعها لا يلائم شيء منها الصلاة انتهى، وقسم بعض المتأخرين التشبيك إلى أقسام:
أحدها: إذا كان الإنسان في الصلاة ولا شك في كراهته.
стр. 307
وثانيها: إذا كان في المسجد منتظرا للصلاة، أو هو عائد إلى المسجد يريدها بعدما تطهر، فالظاهر كراهته، لحديث كعب.
ثالثها: أن يكون في المسجد بعد فراغه من الصلاة، وليس يريد صلاة أخرى ولا ينتظرها فلا يكره لحديث ذي اليدين.
رابعها: في غير المسجد فهو اولى بالإباحة وعدم الكراهة.
السابع والعشرون:
يستحب إستحبابًا متأكدًا كنس المسجد وتنظيفه لما روى أبو داود والترمذي عن أنس يرفعه، عرضت على أجور أمتى حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب وفي المصنف، عن يعقوب بن زيد أن النبي ﷺ كان يتبع غبار المسجد بجريدة.
الثامن والعشرون:
يكره نقش المسجد واتخاذ الشرفات له، ذكره في الروضة قبل باب السجداتن لأنها تشغل القلب، وروى البيهقي عن أنس مرفوعا:
стр. 308
ابنوا المساجد واتخذوها جما بضم الجيم، وتشديد الميم، قال أبو عبيد: الجم الذي لا شرف له، وعن ابن عمر: نهانا، أو نهينا أن نصلي في مسجد مشرف، والشرف بضم الشين وفتح الراء: جمع شرفة كغرفة وغرف، ولا شك أنه لا يجوز صرف غلة، ما وقف على عمارته في ذلك، وعبارة القاضي الحسين: لا يجوز صرفها إلى التجصيص والتزويق، وقد روى أن ابن مسعود مر بمسجد مزخرف، فقال: لعن الله من زخرفه، أو قال لعن الله من فعل هذا، المساكين أحوج من الأساطين، انتهى، وما يفعله جهلة النظار من ذلك سفه مضمن [في] أموالهم، وقال البغوي في شرح السنة: لا يجوز تنقيش المسجد بما لا إحكام فيه، وقال في الفتاوي، فإن كان فيه إحكام فلا بأس فإن عثمان ﵁ بني المسجد بالقصة والحجارة المنقوشة، قال البغوي ومن زوق مسجدا أي تبرعا لا يعد من المناكير التي يبالغ فيها كسائر المنكرات، لأنه يفعله تعظيما لشعائر الإسلام، وقد سامح فيه بعض العلماء واباحه بعضهم ثم قال في موضع آخر: لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف ويغرم القيمة إن فعله فلو فعله رجل بماله كره، لأنه يشغل قلب المصلين انتهى، وأطلق غيره عدم الجواز لأنه بدعة منهي عنه، ولأن فيه تشبها بالكفار، وذكر أبو نعيم في الحلية حديثا مرفوعا إذا ساء عمل قوم زخرفوا مساجدهم، وإذا وقف على النقش
стр. 309
والتزويق لا يصح على الأصح لأنه منهي عنه، ولأنه من أشراط الساعة ولأنه مما يلهي عن الصلاة بالنظر إليه، وقيل يصح لما فيه من تعظيم المسجد وإعزاز الدين، والخلاف يقرب من الخلاف في تحلية المصحف.
التاسع والعشرون:
يكره زخرفتها، ففي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ما أمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصاري وعن انس: أن النبي ﷺ قالأ: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد، وروى البخاري في صحيحه أن عمر ﵁ أمر ببناء مسجد وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس وقال أبو الدرداء إذا حليتم مصاحفكم، وزخرفتم مساجدكم فالدبار عليكم، وقال علي ﵁، إن القوم إذا رفعوا مساجدهم فسدت أعمالهم، ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئا منه قاله مالك، وجوزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به لقوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله، الاية، ولما روى من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله ﷺ ، ولم ينكر ذلك.
стр. 310
الثلاثون:
يستحب تجمير المسجد بالبخور، وكان عبد الله بن المجمر يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وأنكر مالك تجمير المسجد، واستحب بعض السلف تخليق المساجد بالزعفران والطيب، وروى عنه ﷺ فعله، وقال الشعبي: وسنة وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي نجيح أن ابن الزبير لما بني الكعبة طلا حيطانها بالمسك.
الحادي والثلاثون:
في تحلية المساجد بالذهب والفضة وتعليق قناديلها وجهان، أصحهما التحريم فإنه لم ينقل عن السلف، والثاني الجواز كما يجوز ستر الكعبة بالديباج، وحكم الزكاة مبني على الوجهين، لكن لو جعل المسجد وقفا فلا زكاة بحال، واضطرب كلام الشيخ محي الدين فإنه صحح التحريم، ثم حكم بصحة الوقف، وقد اتفقوا على بطلان الوقف على الأشياء المحرمة بل اختلفوا في اشتراط القربة.
الثاني والثلاثون:
قد تقدم في الباب الأول أنه يحل الحرير لإلباس الكعبة وحكم البيوت أيضا، وأما باقي المساجد فقال الشيخ عز الدين بن
стр. 311
عبد السلام: لا بأس بستر المسجد بالثياب من غير الحرير، وأما الحرير فيحتمل أن يلحق بالتزيين بقناديل الذهب والفضة، ويحتمل أن يكون قولا واحدا لأن أمره أهون – ولم تزل الكعبة تستر بالحرير فلا يبعد إلحاق غيرها بها، قلت: وفي فتاوي الغزالي: لا فرق في الإباحة بين الكعبة وغيرها، لأن الحرير إنما حرم على الرجال لا على النساء فكيف الجمادات والمساجد، ذكره في التسعين ثم رأيت في فتاوي قاضي القضاة أبي بكر الشامي أنه لا يجوز أن يعلق على حيطان المسجد ستورا من حرير ولا من غيره ولا يصح وقفها عليه وهي باقية على ملك الواقف قال: وأما البيوت فالقياس يقتضي أنه لا يجوز تعليق الستر عليها، وإنما تركنا ذلك لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ / ولا أحدا من أصحابه أنكر ذلك انتهى، وفي هذه الدعوى نظر لما سبق من الأدلة في ذلك، والقصد أن احتمالي الشيخ عز الدين منقولان للغزالي والشامي، وأما مشاهد العلماء والصالحين، فحكمها حكم البيوت في الجواز والمنع.
الثالث والثلاثون:
يستحب فرش المساجد وتعليق القناديل والمصابيح ويقال: أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب ﵁ لما جمع الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح، ولما رأي علي ﵁ اجتماع الناس في المسجد على الصلاة والقناديل تزهر وكتاب الله يتلي/ قال/: نورت مساجدنا، نور الله قبرك يا ابن الخطاب، وروى ابن ماجه عن ميمونة مولاة النبي صلى
стр. 312
الله عليه وسلم: قلت: يارسول الله: أفتنا في بيت المقدس قال: ائتوه فصلوا فيه، وكانت البلاد إذ ذاك حربا فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله.
الرابع والثلاثون:
لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة صيانة وحفظا لما فيه خلافا لأبي حنيفة فإنه منع من غلقها بحال، قاله الصيمري في شرح الكفاية ونقله في الروضة عنه، وأقره وجزم به قبل باب السجدات وفي بعض كتب الحنفية: يكره غلق باب المسجد لقوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وخولف في ذلك، فقيل: كان هذا في زمان السلف، فأما زمننا وقد كثرت الجنايات فلا بأس بإغلاقه احتياطا على متاع المسجد وتحرزا عن نقب بيوت الجيران من المسجد.
الخامس والثلاثون:
يحرم إخراج الحصى والحجر، والتراب وغيره من أجزاء المسجد منه ذكره في شرح المهذب، ومثله الزيت والشمع، وفي الحديث إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد، رواه أبو داود، وقال ابن عباس لنفيع ردها
стр. 313
وإلا خاصمتك يوم القيامة رواه ابن أبي شيبة، وكلام النهاية في أثناء الكلام على مبيت مزدلفة يقتضي الكراهة فإنه قال: ويكره أخذ حصى الجمار من المسجد والحش.
السادس والثلاثون:
يكره غرس الشجر والنخل، وحفر الآبار في المساجد لما فيه من التضييق على المصلين، ولأنه ليس من فعل السلف، وحكاه في البيان عن الصيمري وكذا جزم في الروضة بكراهة الغرس وهو وجه، والصحيح تحريمه لما فيه من تحجير موضع الصلاة والتضييق وجلب النجاسات من ذرق الطيور، وفي فتاوي جمال الإسلام بن البارزي وغيره من الحمويين: قطع العراقيون بمنع الزرع والغرس في المسجد قال: وعلى هذا لو عثر به إنسان ضمنه الغارس، وقال الغزالي: لا يجوز الزرع وإن غرس غرسا يستظل به فهلك به إنسان فلا ضمان، قيل للمحب إذا كان يجيء كل سنة للمسجد شيء كثير من التمر لم لا يجوز؟ قال: كما لا يجوز إجازة المسجد وإن كان ينتفع بالأجرة فإنه تغيير لما أرصد له، وذكر أبو الوليد بن الفرضي في تاريخ الإندلسي: أن صعصعة بن سلام الشامي يروي عن الأوزاعي قال – وولي القضاء بقرطبة، وفي أيامه غرست الشجر في المسجد الجامع - قال: وهو مذهب الأوزاعي والشاميين ويكرهه مالك وأصحابه وقال الرافعي في كتاب الوقف: ولا ينبغي أن يغرس في المسجد لأنه يمنع المصلين
стр. 314
قال: في الروضة في باب السجدات، فإن غرس قلعه الإمام، وكلام الأصحاب في باب موجبات الضمان يقتضي جواز الحفر فيه إذا دعت إليه ضرورة، وقال القاضي حسين في تعليقه في الصلاة لا يجوز الغرس في المسجد ولا الحفر فيه، ولا أن يبني فيه منارة، ولا أن يضرب فيه اللبنات ويضعها في زواية منه، أو يجمع الحشيش في موضع منه، لأن هذه الأشياء مما يشغل موضع الصلاة، وقيل: إن اتخاذ المنارة أحق لأنه يمكن الصلاة على رأسها بخلاف حفر البئر ونحوه. قال: ولو اتخذ سردابا تحت المسجد يتقي به من حر الشمس جاز لأنه يمكن الصالة فيه وقال الرافعي في آخر كتاب الوقف: سئل أبو علي عبد الله الحناطي عن رجل غرس شجرة في المسجد كيف يصنع بثمارها؟ فقال: إن جعلها للمسجد لم يجز أكلها من غير عوض ويجب صرفها إلى مصالح المساجد، ولا ينبغي أن يغرس في المساجد الأشجار لأنها تمنع الصلاة قال: في زيادة الروضة، فإن غرسها مسبلة للأكل جاز أكلها بلا عوض وكذا إن جهلت نيته حيث جرت العادة به، وقد سبق في كتاب الصلاة أنها تقلع انتهى، وقال الغزالي في فتاويه التي سأله عنها الفقيه إبراهيم بن المطهر الجرجاني بالشام: إذا غرس شجرة في المسجد لنفسه منع منه مهما كان قصده الانتفاع بالمسجد فإن فعل وحصلت الفاكهة فهي له وعليه أجرة المثل للمسجد لأنه استوفي منافعه فهو كما لو أحرق خشبا من المسجد تلزمه الغرامة، ويجوز له الأكل من تلك الفاكهة بإذن المالك ما دام حيا، فإن مات قبل أداء الأجرة تعلق حق المسجد بالشجرة والثمرة، وصار مرهونا ولا يجوز الأكل منه بالإذن
стр. 315
السابق فإنه متعلق حق المسجد، وإن غرس على أن يكون الغراس للمسجد وينصرف الريع إلى مصالحه فذلك غير جائز إلا أن يكون المسجد واسعًا ويكون فيه فائدة للمصلين بالاستظلال فيه، ولم يكن فيه ما يجمع الطيور مما ينجس المسجد فيرخص فيه كما في بناء السقيفة للاستظلال، وأما إذا غرس على أن يكون وقفا على قوم لا تعلق لهم بالمسجد فيمنع منه كما لو غرس لنفسه إذ لا يجوز صرف منافع المسجد إلا لمصالحه، وإن غرس على أن يكون وقفا للمجاورين والمصلين فيه فله تعلق بالمسجد يحتمل جوازه، وإن أشكل الحال فالأصل بقاؤه على ملكه فيجعل كأنه غرسه لنفسه، فعلى المتولي قلعه انتهى، وأفتى قاضي حماة شرف الدين البارزي أنه إذا ضيق غرسها على المصلين ولم تجعل للمسجد – بالتحريم، فإن لم يضيق، وجعلت للمسجد – بالجواز لوجود النفع بلا ضرر.
السابع والثلاثون:
إذا بليت حصر المسجد، أو انكسرت جذوعه ولم يصلح لغير الإحراق، وإذا لم يبق في أستار الكعبة جمال، ففي جواز بيعها وجهان
أصحها أنها تباع كيلا تضيع ويضيق المكان بها، ويصرف ثمنها في مصالح المسجد قال الرافعي، والقياس أن يشترى بثمن الحصر الحصرُ، ولا يصرف في مصلحة أخرى، ويشبه أن يكون هذا هو المراد بإطلاقهم، والثاني وصححه في البيان، أنها لا تباع بل تبقي كذلك، لأن الوقف لا يمكن بيعه، ولا يمكن استبقاء عينه، فيترك أبدًا واستبعده الإمام،
стр. 316
ويجري الخلاف فيما إذا أشرفت الدار الموقوفة على الانهدام، لكن ذكر الإمام أن الأكثرين على المنع، وظاهر كلام الرافعي تصحيح الجواز رعاية للمصلحة، وبه قال أحمد، قال الرافعي: وهذا الخلاف فيما إذا كانت موقوفة على المسجد اما ما اشتراه المتولي للمسجد أو هبة ثمنه واهب فقبله المتولي فيجوز بيعه بلا خلاف عند الحاجة، لأنه ملكه حتى إذا كان المشتري للمسجد شقصا كان للشريك أخذه بالشفعة، وإن باع الشريك فللمتولي الأخذ بالشفعة عند الغبطة، قال النووي: هذا إذا اشتراه الناظر، ولم يقفه، فإن وقفه صار وقفا قطعا تجري عليه أحكام الوقف، وقال صاحب الكافي: إذا اشترى قيم المسجد لعمارته ما يحتاج إليه من الخشب والآجر، واللبن وصرفها إلى عمارته لا يجوز بيع شيء منها لأنها صارت في حكم جزئه، وكذلك حصر المسجد فلو بلى شيء منها، واستغنى المسجد عنه ففي جواز بيعه وجهان، قال: والأصح عندي أنه إن كان شيئا لم يتناوله وقف الواقف، ولا تولد من الوقف يجوز بيعه لأنه إنما أخذ حكم المسجد بحكم الاتصال، فإذا زال الاتصال عاد إلى أصله.
الثامن والثلاثون:
التاسع والثلاثون:
стр. 317
الأربعون:
إذا تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد أو خرابها أو بخراب المسجد فلا يعود مملوكا، خلافا لمحمد بن الحسن، ولا يجوز بيعه بحال، ولا التصرف فيه كما لو أعتق عبدا ثم زمن لا يعود مملوكا ثم إن خفيف أن تنقضه الشياطين، نقض وحفظ وإن رأى القاضي أن يبني بنقضه مسجدًا آخر، قال القاضي وابن الصباغ والمتولي يجوز وقال المتولي: الأولى أن ينقل إلى أقرب الجهات إليه، فإن نقل إلى البعيد جاز، ولا يصرف النقض إلى غير المسجد كالرباطات والقناطر والآبار كما لا يجوز عكسه، لأن الوقف لازم، وقد دعت الضرورة إلى تبديل المحل دون الجهة، والحاصل من ريع وقف عمارة هذا المسجد، يصرف إلى عمارة مسجد آخر، وكذا يفعل الحاكم بما في المسجد الخراب من حصر وقناديل ونحوها، ينقلها إلى غيره عند الخوف عليها، وقال في الحاوي، ريع المسجد الذي خربت محلته يصرف إلى المساكن لأنه مصرف لا ينقطع لفاقتهم على الأبد. وقال الخوارزمي في الكافي: إذا خرب المسجد لا يجوز بيعه ولا بيع شيء منه ولا نقله إلى موضع آخر، ولا نقل شيء منه، هذا هو المنقول عن عامة الأصحاب، قال: وكذلك مسجد في محلة أو قرية خربت المحلة واندرست القرية لا يجوز نقل ذلك المسجد إلى موضع آخر، قال: والأصلح عندي جواز نقله إلى موضع آخر وهو مذهب أحمد.
стр. 318
الحادي والأربعون:
رحاب المسجد من المسجد، حكاه الرافعي عن الأكثرين وفي وجه حسنه في الشرح الصغير ان الرحبة المنفصلة كآخر، وحكي في شرح المهذب خلافا في الرحبة فقال البندنيجي، وهو ما بني له جواره، وقال القاضي أبو الطيب ما حوله، وقال ابن الصباغ والعمراني ما أضيف إليه محجرا عليه، فلو صلى تحت الساعات بصلاة الإمام بجامع دمشق، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام تصح لأنه رحبته، وأفتي الشيخ ابو عمرو بن الصلاح بعدم الصحة، قال، والرحبة: صحن الجامع، قال الشيخ محي الدين: ولا دليل له والصحيح الموافق للأصحاب الأول، وقال الرافعي في باب إحياء الموات: عد الشيخ أبو محمد وطائفة رحاب المسجد مع مقاعد الأسواق مما يقطع للارتفاق بالجلوس فيه للبيع والشراء قال وهذا كما يقدح في نفي الإقطاع يخالف المعروف في المذهب من المنع من الجلوس في المسجد للبيع والشراء إلا أن يراد بالرحاب الأفينة، الخارجة عن حد المسجد، ونقل في الروضة عن الأحكام السلطانية للماوردي أن حريم الجوامع والمساجد، إن كان الارتفاق به مضرا بأهل المسجد منع منه، ولم يجز للسلطان الإذن فيه، وإلا جاز، وهل يشترط فيه إذن السلطان وجهان.
стр. 319
الثاني والأربعون:
يجوز بناء المسجد في أي موضع كان كنيسة أو نحوها للاحاديث الصحيحة في ذلك، منها حديث عثمان بن أبي العاص: أن رسول الله صلى لله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم. رواه أبو داود وابن ماجه.
الثالث والأربعون:
يستحب لداخل المسجد أن يقدم رجله اليمني في الدخول، واليسرى في الخروج لحديث أنس ﵁ أنه قال: من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى، رواه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط مسلم وقال البخاري: وكان ابن عمر يفعله.
الرابع والأربعون:
يستحب لداخله أيضا أن يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، وفي صحيح مسلم عن أبي حميد، وأبي أسيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 320
وليقل: اللهم افتح أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك، وفي كتاب الصلاة للقاضي إسماعيل بسنده عن علي بن الحسين قال: قال علي بن أبي طالب: إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي ﷺ ، وقال المزني: من بلغ باب المسجد صلى على النبي ﷺ ، وقال: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك [وأقرب من تقرب إليك] وأنجح من دعاك وتضرع إليك، حكاه الروياني في البحر في صلاة الجمعة.
الخامس والأربعون:
يستحب الاستعاذة للخارج من المسجد في كتاب ابن السني عن أبي أمامة عن النبي ﷺ ، قال: إن أحدكم إذا أراد أن يخرج من المسجد تداعت جنود إبليس وأجلبت، واجتمعت كما تجتمع النحل على يعسوبها فإذا قام أحدكم على باب المسجد فليقل: اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده فإنه إذا قالها لم يضره، وفي مستدرك الحاكم من حديث الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ ، وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
следующие страницы →