يا أمير المؤمنين؟! أردت أن تشهرنا في الأمصار بأن بلدنا ليس فيه من يصلح لقضائنا حتى تولِّي علينا من غيرنا. قال المنصور: فسمِّ رجلاً. فقال: أبو معدان اليحصبي. فقال: إنه لخيار ولكنْ به صمم، ولا يصلح الأصمُّ للقضاء. قال: فعبد الله بن لهيعة. فقال: فابن لهيعة.
انظروا أيها السادة إلى معرفة المنصور بأهل العلم من رعيَّته على بعد ما بين العراق ومصر، ورجوعه عن أمره الذي أمر به الربيع لما بدا له الحق فيما قال ابن حديج. واختياره الصالح للعمل بعد الاستشارة والسؤال. وتوليته إياه القضاء من غير طلب له ولا سعي منه إليه. ولولا حقُّ المجاملة وأني ربما نشرت هذه المحاضرة في الرسالة، لقلت: انظروا إلى حبِّ أهل مصر بلدهم وقديم عصبيَّتهم له!
...
ونصَّ الحنفيَّة على أنه يجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائر، وإنما يجوز تقلد القضاء في السلطان الجائر إذا كان يمكِّنه من القضاء بحق ولا يخوض في قضاياه بشرٍّ ولا يتداخل في أحكامه، ويجوز التقلُّد من أهل البغي، كل ذلك لأن القضاء فريضة محكمة والقاضي إذا حكم بالحق فقد أقام الفريضة، وضرر تقلّده من السلطان الجائر، أو الغاصب الباغي لا يعدل ضرر تعطيل القضاء وترك أمور الناس فوضى!
وكان أبو حنيفة يرى ولاية القاضي سنة واحدة يعزل بعدها ليعود إلى الاشتغال بالعلم فلا ينساه، وكأنَّ أبا حنيفة ينظر إلى ما وراء القرون فيرى هذا الزمان الذي نجد فيه العلماء ينصرفون عن العلم إذا ولوا الولايات فكيف وقد كثر ما يتولَّاها الجاهلون ...
وكان طلب الرجل العمل قادحاً في صلاحه ولم يكن الخلفاء يولُّون الأعمال طالبها. كان ذلك والإسلام إسلام؛ والناس ناس، فرحمة الله على أولئك الناس.
***
стр. 107
وكانت وظيفة القاضي (أي مرتبه) أجزل الوظائف ورزقه أكثر الأرزاق، ففي العهد الذي كان عمر يلبس فيه الثوب المرقَّع ويقنع بالزيت، وكان عليٌّ تُجزئه قصعة ثريد، كان مرتب شريح القاضي خمسمئة درهم في الشهر، وكان مرتب ابن حجيرة الأكبر كما ذكره الكندي، ألف دينار في السنة فلا يحول عليه الحول وعنده منها شيء، بل كان ينفقها على أهله وإخوانه وفي وجوه البر. وكان مرتب ابن لهيعة ثلاثين ديناراً في الشهر. وأجري مثل ذلك على القاضي المفضل بن فضالة. وجعل عبد الله بن طاهر راتب القاضي عيسى بن المنكدر أربعة آلاف درهم في الشهر، وراتب الفضل بن غانم مئة وثمانية وستين ديناراً في كل شهر، وكان راتب أبي عبيد القاضي الفقيه مئة وعشرين ديناراً في الشهر، وكان يقول: ما لي وللقضاء؟ لو اقتصرت على الوراقة ما كان خطِّي بالرديء! وقد نقل الكندي في تاريخه صورة براءة (سند راتب) من أيام مروان بن محمد فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم من عيسى بن أبي عطاء إلى خزَّان بيت المال. فأَعطوا عبد الرحمن بن سالم القاضي رزقه لشهر ربيع الأول وربيع الأخر سنة إحدى وثلاثين ومئة، عشرين ديناراً، واكتبوا بذلك البراءة. وكتب يوم الأربعاء لليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ومئة). وهي تبين لنا أن الرواتب قد تدفع سلفاً (وهي كذلك اليوم في بلاد الشام) وتكشف عن ناحية من الأسلوب المالي لدفع المرتَّبات.
نظر خلفاء المسلمين بنور الله فدفعوا إلى القضاة المال الوفير، والرزق الكثير، لتعفَّ نفوسهم عن حرامه اكتفاءً بحلاله، وذلك ما تفعله أرقى الأمم في زماننا وأقومها سيرة في القضاء، على أنهم لو تركوا قضاتنا إلى دينهم لوزعهم، ولو خلُّوا بينهم وبين نفوسهم لقمعوها بخوف الله، وأزاحوا شهوتها بانتظار جنته وخشية ناره. ولقد كانوا على هذا المرتب الكثير، والعطاء الجزل، أولي تقشُّف وزهد، ينفقون المال يشترون به الجنة ثم يعودون إلى زهادتهم وقناعتهم: حدَّث إبراهيم بن نشيط قال: دخلت على القاضي ابن حجيرة الأصغر (وكان قد تغدَّى) فقال: أتتغدى؟ قلت: نعم. قال: أعيدي عليه الغداء يا جارية. فأتت بعدس بارد على طبقِ خوص وكعك وماء. فقال: ابللْ وكلْ، فلم تتركنا الحقوق نشبع من الخبز!
стр. 108
وأيُّ حقوق هي يا سادة؟! حقوق الله، حقوق الشرف والنبل والكرم، حقوق المسلمين. أبلل وكل يا إبراهيم! هذه لعمري أعظم وأجل من موائد الملوك.
واسمعوا تتمة القصة تعلموا ما هذه الحقوق؟ قال: وأتاه رجل يسأل حاجة. فقال: ليرجع. وسأل عنه وحقَّق عن فقره، فلما عرف فاقته. أعطاه ثمانية عشر ديناراً.
هذه هي التي تركته لا يشبع الخبز!
ولقد كانوا يغرمون الغرامات في أموالهم: كان القاضي أبو زرعة كثير الشفقة رقيق القلب، يغرم عن الفقراء والمستورين إذا أفلسوا، حتى كان بعضهم إذا أراد أن يتكسَّب أخذ بيد رفيقه فادَّعى عليه عند القاضي، فيعترف ويبكي ويدَّعي أنه لا يقدر على وفائه فيغرم عنه. وحصلت لبعض الشاميين اضاقة (والشامي ولا مؤاخذة بصير باصطياد الدراهم)، فقال لبعض أصدقائه: قُدني إلى القاضي فلعلَّه يعطيك عني شيئاً أنتفع به، ففعل وقال: أيَّد الله القاضي: لي على هذا الرجل ستُّون درهماً. قال: ما تقول؟ فأقرَّ. فقال: أعطه حقَّه. فبكى وقال: ما معي شيء، فقال للمدَّعي: إن رأيت أن تنظره. قال: لا. قال: فصالحه. قال: لا. قال: فما الذي تريد؟ قال: السجن. قال: لا تفعل. وأدخل يده تحت مصلَّاه فأخرج دراهم فعدَّ منها ستين درهماً فدفعها إلى الرجل.
قال صاحب القصَّة: وآليت ألَّا أعود لمثلها!
وكان بمصر أخوان توأمان تكهَّلا ولا يفرِّق بينهما من رآهما من قوةِ الشبه بينهما، فوجب على أحدهما دين فحبسه القاضي أبو عبيد، وكان أخوه يجيء زائراً له فيجلس مكانه في الحبس ويتوجَّه الأول. وشاع ذلك حتى بلغ القاضي فاحضرهما وقال: أيُّكما فلان؟ فقال كل واحد منهما: أنا! فأطرق القاضي. ثم طلب الغريم فدفع إليه الدين من ماله فراراً من الغلط في الحكم. فهل سمعتم في قضاة أمة بمثل هذا؟
стр. 109
على أن في القضاة من كان يقضي بالمجان. قال ابن خذامر: ما أخذت على القضاء شيئاً إلا جوزتين فلما صرفت تصدَّقت بهما! وقريب من هذا ما صنعه القاضي بكَّار بن قتيبة لما همَّ ابن طولون بخلع الموفَّق من ولاية العهد، وأجابه القضاة كلهم إلا بكَّاراً، فطلب أن يلعنوا الموفق فامتنع بكار فألح عليه فأصرَّ على الامتناع حتى أغضبه، فقال له: أين جوائزي؟ وكان يصله كل سنة بألف دينار، فقال: هي على حالها، هناك، فنظروا فإذا هي ملقاة بأكياسها في دهليز منزله. فبعث أحمد فقبضها.
...
على أن الغنم بالغرم. وإذا كثرت مرتبات القضاة فلقد كثرت تكاليفهم وازدادت الواجبات عليهم، وإذا كان العرف اليوم على أن الموظف إذا قام بعمله كان حراً في نفسه ووقته. وهو لعمر الفضيلة عرف أشبه بالنكر، وإذا كان القانون اليوم لا (يكاد) يؤاخذ قاضياً على فسوق في نفسه أو عصيان لربه ما لم يتَّصل بعمله، فلقد كان القاضي يؤاخذ على الصغيرة والكبيرة وتطلب منه أخلاق الملائكة، وشمائل الصدِّيقين، قد بوِّبت في ذلك الأبواب، وصنِّفت فيه الكتب، وشاع واشتهر، وأغنى الخُبر فيه عن الخبر، ولم يبق للكلام فيه مجال، ولا لقائل مقال. وإني لأسرد طائفة من ذلك على سبيل التمثيل عليها، والإشارة إليها، لا أريد المتعلق منها بالمحاكمة وأصولها فسيأتي الكلام في ذلك، ولكن أريد شمائل القاضي وآدابه في نفسه، وملاكها استشعار التقوى، وإدامة المراقبة لله . وقد امتحن عليٌّ، ﵁، قاضياً فقال له: بِمَ صلاح هذا الأمر؟ قال: بالورع. قال: ففيم فساده؟ قال: بالطمع. قال: حُق لك أن تقضي. ونصُّوا على أن من آكد الواجبات على القاضي ألَّا يحفل بالناس، ولا تأخذه لومة من لائم، وأن يقيم الحق، ولو أغضب الحق أقواماً. قيل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وشطر الناس عليَّ غضبان.
وهذه يا أيها السادة مزلَّة أقدام القضاة، ولا سيَّما في أيامنا، لأن القاضي اليوم لا يعلم في كل قضية شفاعة ووساطة، فإذا أمضى الحق لم يحفل بالشفاعات ولا الوساطات، لم يخلُ من أعداء يشونَ به إلى أولي أمره، ويسوِّدون
стр. 110
ما بينهم وبينه، فيسوء رأيهم فيه، ويطول عتبهم عليه، ويؤخِّرون ترفيعه، وربما احتالوا على قانون حصانة القاضي فنقلوه إلى مكان سحيق، لأن العرف الحكومي اليوم أن الموظف الصالح هو الذي يألف ويؤلف، ويرضى عنه من حوله، ولا تثور عليه ثائرة، ولاتضجُّ ضجة. وهل ينال ذلك قاض نزيه لا يعرف من الطرق إلا الصراط المستقيم. وليس له إلا وجهه الواحد الذي ركَّبه الله له، ولسانه الفرد الذي وضعه فيه، وما معه إلا قانون واحد يسوق بعصاه الوجيه الخامل، والكبير والصغير.
وقديماً نال بعض قضاتنا أذى كبيراً من أجل إقامة العدل ودحض الظلم، والصدع بالحق؛ ولكنهم صبروا فأعزَّهم الله بصبرهم وأظهرهم وأعلى أمرهم. هذا الحارث بن مسكين قاضي مصر يحمل إلى المأمون أيام المحنة، محنة الدين والخلق التي جرِّبت فيها صلابة الرجال، وقوة العزائم ففاز في هذا الامتحان أقوام وخسر أقوام. وكان إمام الفائزين أحمد بن حنبل - فيظل الحارث على ما يرى أنه الحق، ما لانت له عزيمة ولا وهت له قوة. وهذا عمر بن حبيب القاضي لا يسعه أن يسمع الطعن على أبي هريرة ويسكت فيحتسب دمه عند الله ويردَّ رأي الخليفة العظيم الذي قال للغمامة أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك، هارون الذي أباد البرامكة في ساعة وكانوا أعزة الأرض وكرام الناس، يرد عليه فيغضب ويعرضه على السيف والنطع، فيغلب حقه وثباته عليه، بطشة الرشيد البطَّاش، فيلين ويعفو ويكافئ ويشكر.
...
أو سمعتم قصة سلطان العلماء العز بن عبد السلام القاضي، أحد أفذاذ البشر علماً وحزماً وإيماناً ومضاءً، لما صح عنده أن المماليك لم يفارقهم الرقّ وهم حق لبيت المال، والمماليك يومئذ هم الملوك يا سادة! هم أصحاب الدولة والسلطان، فنادى ببيعهم فقاموا عليه قومة رجل واحد، وقام معهم كل متزلِّف من الناس لذوي الإمارة، وهدَّدوه وسعى ساعيهم بالسيف إلى باب داره، فنزل إليه فأطفأ بهيبة إيمانه شعلة غضبه، وفلَّ بعزيمته حدَّ سيفه. وبقي على موقفه
стр. 111
منهم حتى باعهم في سوق العبيد وقبض أثمانهم. يا أيها السادة. إن منَّا قضاةً كانوا يبيعون الملوك (١)!
القضاء، أيها السادة، مركب وعر، ومسلك خطر، وكيف لعمري يستطيع بشر، لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها، قد خفيت عنه البواطن، وحجبت الأسرار ... كيف يستطيع أن يقيم حقيقة العدل، ويصيب كبد الحق، ويقوم مقام الرسل والأنبياء، والرسل يتَّصلون بالسماء بالوحي، ويسلمون من المعصية بالعصمة، وهم مع ذلك لم يؤتوا علم الغيب، وإمام الأنبياء محمد يقول: إنما أبا بشر مثلكم، وإنكم لتحتكمون إليَّ، ولعل أحدكم ألحن بحجَّته من صاحبه فأقضي له فإنما أقضي له بقطعة من النار (٢) وكيف يهدأ له بال، ويقرّ له قرار، ويلتذّ بمطعم أو مشرب، ويطرب ويلعب، وهو يحمل أثقل عبء حمله إنسان: يريد أن يحقِّق العدل الإلهي بالوسائل البشرية، ويقول كلمته هو، فيسمِّيها كلمة الشرع، ويصفها بأنها حكم الله؟
لذلك فزع الصالحون من القضاء، وفرُّوا منه فراراً، ورضوا بالسجن ولم يرتضوه، وصبروا على الضرب ولم يقبلوه. عرض على أبي حنيفة ثلاثاً، وهو الإمام الأعظم، فأباه، فضرب على إبائه تسعين سوطاً وظلَّ على الإباء. وقلد سفيان الثوري القضاء، وشرطوا له ألا يعارَض فيه، فألقى عهده في دجلة واختفى. وطُلب ابن وهب ليولَّى قضاء مصر، فجمع إخوانه وأهله فشاورهم فقالوا: اقبله فلعلَّ الله يحيي الحق على يديك! فقال: أكلة في بطونكم، أردتم أن تأكلوا ديني؟ ثم اختفى وجعل الوالي يطلبه فلا يقدر عليه، فلما عجز عنه هدم بعض داره. وكان في اختفائه يقول: يا رب، يقدم عليك إخواني غداً علماء حلماء فقهاء، وأقدم قاضياً؟! لا يا رب، ولو قُرضْتُ بالمقاريض!
ولم يكن الولاة يفعلون ذلك تشفِّياً وانتقاماً ممن أبى الولاية، بل رغبة منهم في صلاح الأمة بتولية خيارها قضاءها. ومن قبل هؤلاء فرَّ إياس من
стр. 112
القضاء، فلما تعذَّر عليه الفرار ووقع، نهض به نهضة جعلته علماً فيه شامخاً، وجبلاً باذخاً، وجعلت المثل يضرب به في إصابة قضائه، وحدَّة ذكائه، فيقول القائل: إياس، ويكتفي.
خوفهم من القضاء أنه محنة لا يدرون مامغبَّتها، وبلاء لايعرفون ما عاقبته، أيفلحون فيه أم يخرجون منه وقد حبطت أعمالهم. وزاد خوفهم منه ما ورد في أهله من الوعيد، وأن النبي ﷺ شبَّه صاحبه بالمذبوح بغير سكين (١)، وأنه جعل القضاة ثلاثة: قاضياً في الجنة وقاضيين في النار (٢).
...
نظر هؤلاء بعين الورع، ونظر غيرهم بمنظار الشريعة، فرأوه كما قال عمر بن الخطاب: فريضة محكمة، وسنَّة متبعة، وعبادة من أفضل العبادات، وطاعة من أجلِّ الطاعات، فرغبوا فيه، وتقرَّبوا إلى الله به. قال مسروق، الإمام التابعي الثقة: لأن أقضي يوماً بالحق أحب إليَّ من أن أرابط سنة في سبيل الله. واستدلَّ على ذلك بقوله ﷺ : عدل ساعة خير من عبادة سنة. وحديث ابن مسعود: إنه لا حسد (يريد لا غبطة) إلا في اثنتين، إحداهما: رجل آتاه الله علماً، فهو يعلِّمه ويقضي به. وقال مكحول فقيه الشام في عصره: لأن أكون قاضياً أحب إليَّ من أن أكون خازناً. (قال السرخسي): لأن الخازن يحفظ على المسلمين مالهم، والقاضي يحفظ عليهم دينهم. وفسَّر عليٌّ، ﵁، والعلماء من بعده حديث قاضيي النار أنهما، قاض علم علماً فقضى بخلافه، وقاض جاهل يقضي بغير علم (٣). وفسَّروا حديث المذبوح بغير سكِّين بأنه القاضي الجائر، يدل على ذلك ما رووه من قوله ﷺ : إن الله مع القاضي ما لم يجُرْ، يسدِّده للحق ما لم يردْ غيره (٤).
стр. 113
وقد فصَّل الحنفية فذكروا أن القضاء من فروض الكفاية، وأن طلبه تعتريه الأحكام الخمسة، فيكون واجباً إذا لم يكن في الأمة من يصلح له إلا واحد، فطلب القضاء واجب على ذلك الواحد. ويكون مستحبّاً إن كان فيها صالحون ولكنه أصلح منهم، ومباحاً إن كان صالحاً له ويصلح له غيره، ومكروهاً إن كان غيره أصلح منه. وطلب القضاء حرام على من يعلم من نفسه أنه عاجز عنه لرهله وقلة علمه، أو لأنَّ من طبعه الميل مع الهوى، ومجاراة الناس، واتِّباع المغريات.
...
وليس كل طالب للقضاء يُولَّاه، وما عمل من أعمال الدولة إلا لتولِّيه شروط، ولأهله صفات، باجتماعها تكون التولية، وبانتفائها يكون الرد، يعملون بها اليوم في بلادنا حيناً وتهمل أحياناً، خطأً أو عمداً، فتوسد الأعمال إلى غير أهلها، ويدخل فيها غير مستحقيها. أما القضاء عندنا، فباب الدخول إليه أضيق وشروطه أشد، ولولا ثغرة كانت (١) ربما ولج منها الضامر الهزيل الذي يمرُّ من هذا الشق، فإذا صار من داخل ترعرع وسمن وصار من أرباب المكان وخلاصة السكان، فإذا عدونا ذلك لم نجد في أصول تقليد القضاء عندنا مغمزاً.
وتعالوا قابلوا بين شرائط تقليد القضاء اليوم، وقد نصَّ عليها القرار ذو الرقم ٢٣٨ وبين ما اشترطه الفقهاء في القاضي تروا أمرها من أمره قريب، فقد شرط القرار أن يكون القاضي سورياً، لأن القضاء مظهر من مظاهر السيادة، وأداة من أدوات السلطان، فهو يوسد إلى أبناء البلد تثبيتاً لسيادتها وتقوية لسلطانها. وشرط الفقهاء أن يكون مسلماً، لأن الجنسية عند المسلمين هي الدين، وقد منعوا سماع شهادة غير المسلم على المسلم، لأنها ولاية، والله تعالى يقول: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾، والقضاء بذلك المنع أولى.
стр. 114
واشترط القرار ألا يكون القاضي محكوماً بعقوبة شائنة، وأن يكون فاضل الخلق، واشترط الفقهاء العدالة فيه، وإن ذهب الحنفية إلى صحَّة ولاية الفاسق إن لم يجاوز في أحكامه حدَّ الشرع مع تأثيم من يولِّي فاسقاً.
واتفق القانون والشرع على اشتراط صحة الحواسِّ في القاضي، لأن بها تمييز ما بين الخصوم، وتمييز المحقِّ من المبطل، وعلى اشتراط الذكورة في القاضي، ولم يجوَّز القانون تقليد امرأة القضاء بين الناس، وقد قال أبو حنيفة، ﵀، بجواز تقليدها القضاء فيما تصحُّ به شهادتها، أي في الشرعيَّات والمدنيَّات دون الجنائيات، فمن لي بإفهام هؤلاء الذي يسمُّون أنفسهم أنصار المرأة أن الشرع أعطاها أكثر مما يطلبون لها، وأن مذهبهم يقوم على واحد من شيئين: إما الغفلة وابتغاء ما لا يكون أبداً من تساوي المرأة بالرجل، وإما المجانة واتخاذ هذه الدعوة مطيَّة يبلغون بها حاجات في نفوسهم.
ولم يَرْوِ لنا التاريخ خلال هذه العصور الطويلة أن امرأة وليت القضاء ولا يكاد يسيغ العقل ذلك ولا الطبع يألفه، وقد قال الله تعالى: ﴿الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض﴾؛ وفسَّروا الفضل بأنه العقل والدين.
واتفقت قوانين اليوم وأحكام الفقه على اشتراط العلم في القاضي؛ غير أن القانون أوجب نيله ليسانس الحقوق قاضياً شرعياً كان أو مدنياً.
وأكثر الفقهاء شرطوا في القاضي أن يكون من أهل الاجتهاد، واحتجُّوا بحديث معاذ حين أرسله النبي ﷺ إلى اليمن فقال له: بِمَ تحكم؟ قال بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسول الله. قال: فإن أتجد؟ قال: أجتهد رأيي، فارتضى ذلك رسول الله، وقال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله إلى ما يرضي رسوله (١)؛ واحتجوا بأنه ﵊ كان يجتهد فيما لم يُوحَ إليه حكمه، ويقضي باجتهاده (ولكن الله لا يقرُّه على الخطأ)، وأن الاجتهاد كان جائزاً للصحابة في حياة النبي ﵊.
стр. 115
وجاء في المبسوط: إن للقاضي أن يجتهد فيما لا نصَّ فيه، وإنه لا ينبغي أن يدع الاجتهاد في موضعه لخوف الخطأ، فإن ترك الاجتهاد في موضعه بمنزلة الاجتهاد في غير موضعه، فكما أنه لا ينبغي له أن يشتغل بالاجتهاد مع النصِّ، لا ينبغي له أن يدع الاجتهاد فيما لا نصَّ فيه.
غير أن الحنفية ذكروا أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية لا شرط صحة التولية، وأنه يصح قضاء المقلِّد إذا قضى بفتوى غيره (الهداية والهندية)، أما المفتي، فأجمعوا على اشتراط كونه من أهل الاجتهاد، أو النظر في الدليل. قال أبو حنيفة: لا يحلُّ لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعرف من أين قلنا. وهذا منتهى ما تصل إليه حرِّية البحث، وما تبلغه الروح الاستقلالية في العلم.
قال في المبسوط: «وإذا لم يكن القاضي من أهل اجتهاد الرأي ليختار بعض الأقاويل، سأل المفتين (أي المجتهدين)، ونظر إلى أفقههم عنده وأورعهم فقضى بفتواه، وهذا اجتهاد مثلِهِ، ولا يعجل بالحكم إذا لم يَبِنْ له الأمر حتى يتفكَّر فيه ويشاور أهل الفقه لأنه مأمور بالقضاء بالحق، ولا يستدرك ذلك إلا بالتامُّل والمشورة».
ومهما كان من أمر، فالأصل في القضاء الاجتهاد، ولا يكون إلا كذلك، لأن النصوص محدودة، والوقائع لا حدَّ لها، ولا ينقطع الاجتهاد في المسائل الجزئية أبداً، ومن قال بسدِّ باب الاجتهاد، إنما أراد به الاجتهاد في غير موضع الحاجة أو الاجتهاد المطلق، أما الاجتهاد عند وقوع الواقعة لا بدَّ من معرفة حكم الله فيها، أو عند تبدُّل العرف الذي بني عليه الحكم الاجتهادي، فلم يمنعه أحد ولم ينقطع أبداً، ولا يقلِّد في هذا الموطن إلا عصبي أوغبيّ كما قال القاضي أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب:
قال الطحاوي (أبو جعفر الإمام الحنفي الكبير)، وكان كاتب هذا القاضي: كان أبو عبيد يذاكرني بالمسائل فأجبته يوماً في مسالة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلت له: أيها القاضي، أو كل ما قال أبو حنيفة أقول به؟! قال: ما ظننتك إلا مقلِّداً، قلت: وهل يقلِّد إلا عصبي؟ قال لي: أو غبي.
стр. 116
فطارت هذه الكلمة في مصر حتى صارت مثلاً، وكان ذلك في أول القرن الرابع.
...
سمعتم خلاصة الكلام في هذه المسألة، وعلمتم أن العزيمة هي كون القاضي من أهل الاجتهاد، والرخصة التي قال بها الحنفية هي جواز كونه مقلِّدأ يا أيها السادة: إنهم كانوا يختلفون في القاضي هل يجوز له التقليد، فلم يبق خلاف بيننا اليوم في أن القاضي لا يجوز له الاجتهاد!
ونقل للماوردي، أن السلطان إذا قال للقاضي قد ولَّيتك فلا تحكم إلا بمذهب فلان (من الأئمة) كان الشرط باطلاً، وكان له أن يحكم بما أدَّاه إليه اجتهاده. ومن الاجتهاد اختيار من يفتي بقوله من المفتين كما جاء في المبسوط.
أما القضاء اليوم فالأهلي منه على مذهب (أئمة) الإفرنج، كأننا أمة من البرابرة لا دين لها ولا فقه، ولا كتاب. وقد بَدَتْ في سواد هذا الليل خيوط الفجر، وأوشك أن يفيق النائمون. وأما الشرعي فعلى مذهب أبي حنيفة، إلا مسائل بأعيانها جرى العمل فيها (في مصر) على غيره، منها ما عدل فيه إلى قول معتمد في أحد المذاهب الثلاثة، ومنها ما خولفت فيه المذاهب الأربعة اجتهاداً ورجوعاً إلى دليل كمسألة طلاق الثلاث دفعة واحدة ووقوع طلقة واحدة به، ومنها ما خولفت فيه بلا دليل شرعي كمنع سماع دعوى الزواج ممن لم تبلغ سنها السابعة عشرة أو ما لم تسجل في كتاب وقد مات أحد الزوجين - ولو أنهم اجتهدوا في مصر ونظروا في الأدلَّة لهان الخطب، ولكن سبيلهم أن يهوِّنوا حكماً، كتوريث ابن الابن مع الابن، فيحتالوا عليه، وصيَّة إجبارية، أو يجدوا له مستنداً قولاً لمجتهد من المجتهدين الأولين ولو كان مرجوحاً أو منقطعاً سنده، فيأخذوا به، وهذا ما سمَّاه ابن عابدين في رسالته اتِّباع الهوى.
أما القضاء عندنا فليس فيه ابتداع أو مخالفة إلا في مسألة واحدة ولكنا خالفنا فيها ظاهر القرآن وثابت السنة والإجماع. لا تعجبوا يا سادة قبل أن تسمعوا البيان:
стр. 117
نصَّت المادة ٧ من قرار حقوق العائلة (١) على أنه لا يجوز لأحد أصلاً أن يزوِّج الصغير الذي لم يتم الثانية عشرة ولا الصغيرة التي لم تكمل التاسعة. ونصَّ في المادة ٥٢ منه على أن هذا النكاح فاسد. وفي المادة ٧٧ على أن البقاء على الزوجية ممنوع في هذا النكاح فإذا لم يفترقا يفرِّق بينهما القاضي.
أما خلافها لظاهر القرآن (وظواهره حجَّة كما هو محرَّر في كتب الأصول) فلقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدَّتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ...﴾ (٢). ففهم من ذلك صحة زواج المرأة وطلاقها قبل بلوغها سن الحيض. أما السنَّة فلزواج النبي ﷺ بعائشة في السنة السادسة من عمرها، والحديث (كما قال في فتح القدير) قريب من المتواتر. وقد انعقد الإجماع على أن حكمه عام وليس خاصاً بالنبي ﷺ أو بعائشة. وقد زوَّج الزبير ابنته لقدامة بن مظعون يوم ولدت، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة مع علمهم به. أفنكاح قديمة بنت الزبير نكاح فاسد يا أيها السادة؟ أم أنه يجب التفريق بين محمد سيِّد النبيين وإمام المرسلين، وعائشة أم المؤمنين، لأن قرار حقوق العائلة يمنع بقاءهما على الزوجية؟ أم إنه يزعم أن أحكام الإسلام تتبدَّل ولو نطق بها القرآن وجاءت بها السنة المتواترة وانعقد عليها الإجماع؟
سيقول قائل منكم أو من غيركم إن قانون العائلة وضعه فحول من العلماء، وعرض على شيخ الإسلام وأمر به السلطان واستند فيه إلى اجتهاد ابن شبرمة وأبي بكر بن الأصم.
لا يا سادة، إنه لا شيخ الإسلام، ولا السلطان، ولا مئة مجتهد يستطيعون مخالفة الكتاب والسنة والإجماع، وما أحسب قاضياً يخاف الله ويعرف طرق العلم يحكم بغير ما أنزل الله فيصح فيه الوصف بالفسوق والظلم والكفر، وقد وصف الله بها من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف بمن يحكم بخلافه؟!
стр. 118
وإني أحب أن أسرَّكم فأخبركم بأن هذه المادة قد وضعت من أكثر من ثلاثين سنة، ولكن قاضياً واحداً لم يقض بها، فلم يبق منها إلا سواد الحبر في بياض الورق (١)، ذلك لتعلموا أن هذا القرآن قد تولى الله حفظه وحمايته ﴿إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وإن قلعةً يدافع عنها الله لا يستطيع أن يقتحمها بشر (٢)!
...
стр. 119
الحجاب
ليطمئن السيدات، فليس الكلام عن حجاب النساء، ولكن عن حجاب الأمراء، وإن كان الصنفان يتشابهان في أمور كثيرة:
في الحروف (امرأة. أمراء) كلها من (ام ر). وأثقل القول على النفس فعل الأمر.
وفي أنَّا إن خضعنا للنساء طغيْنَ طغيان الأمراء، وإن لِنَّا للأمراء (تدلَّلوا) دلال النساء.
وفي الحجاب الذي يغري ولا يعطي، ويطمع ولا يطعم، يلبس النساء العديد من الثياب ولكنها ثياب لا تستر جسداً، ويتَّخذ الأمراء الواسع من الأبواب، ولكنها أبواب لا تدخل أحداً.
والحجاب عند الصنفين زينة وفخر، لو كان النساء عاريات أبداً كسائر المؤنَّثات ... من إخواننا (باقي المخلوقات) لفقدْنَ تسعة أعشار فتنتهن ونصف العشر أيضاً.
ولو تعرَّى الأمراء عن الشارات والزينات والأبواب والحجاب لخسروا مثل ذلك من هيبة الحكم.
وأرجو أن لا أكون قد أوقعت نفسي في ورطة، فأسخطت عليّ أقوى صنفين من البشر: الأمراء والنساء، وأنا لم أدخل بعد في الموضوع.
وليس اختيار هذا الموضوع من عملي، وليس من عادتي الإغراب في الموضوعات، ولا الرجوع إلى الكتب، ولكنه سؤال ورد على المجلة فأحالته عليَّ،
стр. 120
يسأل فيه صاحبه، عن آية «وكان سهل الحجاب» في أي سورة من القرآن؟ وعن أي نبي من الأنبياء؟ وعن الحجاب في الإسلام، كيف كان.
والجواب أن هذه الآية (!) في السورة التي لم تنزل، عن النبي الذي لم يرسل، أعني أنها ليست آية!
أما حجاب الأمراء في الإسلام فليست له حالة واحدة، ولكنه مرَّ بأدوار، لو أردت أن ألخصها لك لأتت الخلاصة في عشر صفحات، وهي مكتوبة تحت يدي، ولكن المجلة شرطت عليَّ أن تكون المقالة في صفحتين لذلك أكتفي بهذه الإشارة ...
...
كان الرسول يصرِّح دائماً أنه ابن امرأة من قريش. وأنه ليس ملكاً ولا يريد الملك، فلم يكن دونه حجاب، ولا على بابه بوَّاب. ولم يميز نفسه من أحد من أصحابه في طعام ولا لباس، ولا مجلس، وكان يكره حتى مظاهر الاحترام المألوفة، فيمنع أصحابه أن يقوموا له إذا دخل، ويأبى إلَّا أن يجلس حيث ينتهي به المجلس. وكان يشارك قومه في كل عمل، لمَّا بنوا مسجد المدينة اشتغل في البناء كواحد منهم، ولما حفروا الخندق حفر معهم، وكانوا إن طلعت عليهم صخرة صلْدة عجزوا عنها، رجعوا إليه فضربها هو، وإذا اشتدت المعركة احتموا به، وكان يصبر على شظف العيش ويحيا حياة أفقر واحد من الناس: أما بيته (القصر النبوي)، فكان سلسلة من الغرف الصغيرة في ركن المسجد، كل غرفة منها دار لإحدى زوجاته مبنيَّة من اللبن والطين، ومع ذلك فلم يكونوا يتركونه يستريح فيها؛ أو يتحدَّث أو يأكل، وكان يستحي منهم أن يمنعهم حتى أنزل الله قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إنَّ ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق﴾.
ولم تبق هذه المزيَّة للرسول وحده، بل نزلت آيات سورة النور، فقررت (حريَّة المساكن) للجميع، وجعلتها قواعد عامة، فمنعتهم أن يدخلوا بيوت
стр. 121
الآخرين إلا بإذن من أصحابها ﴿حتى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها﴾ ولو كانت خالية ﴿فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها﴾ باستثناء حالة واحدة ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم﴾.
فكفَّ المؤمنون عن إزعاجه ﷺ بدخول بيته في أوقات راحته، ولكنهم (أي بعضاً من أعرابهم) صاروا ينادونه من وراء الجدران ليخرج إليهم، وفي ذلك إزعاج أكبر فأنزل الله فيهم: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم﴾.
ولمَّا توفي رسول الله سار خلفاؤه على طريقه، فلم يختبئوا وراء الأبواب، ولم يحتموا بالحجاب، ولم يمنعوا ذا الحاجة، وإذا قرأتم أن (يرفأ) مثلاً كان حاجب عمر، وأن عثمان حجب أبا سفيان مرة، وأمثال هذه الأخبار، فالمراد منها أن هذا الحجاب كان على المساكن الخاصَّة، في غير أوقات العمل، وهو حق للناس جميعاً، ولولاه لما ترك الناس الخليفة ينام أو يستريح أو يجالس أهله، أما النهار كله فكان لأمور الرعية، ومصالح الناس. لا يحول باب بين الخليفة وبين الناس، ولا يحجز بوَّاب.
ولما اتَّخذ سعد أمير العراق داراً لنفسه في الكوفة، وجعل لها باباً مغلقاً بعث عمر محمد بن مسلمة (المفتِّش الإداري العام) فأمره أن يكسر الباب ويرجع.
وأول من اتَّخذ لنفسه مظاهر السلطان وحوَّلها من خلافة إسلامية، إلى ملكية قيصرية، هو معاوية، وإن لم يتَّخذ من هذه المظاهر إلَّا الشيء القليل الذي تحتمله طبيعته العربية، وطبيعة هذا الشعب العربي، الممعن في فكرة المساواة، الذي يأبى على الأمير أقلَّ امتياز ولا يطيقه، وكان من ذلك اتَّخاذه الحاجب.
رفض الناس هذا الحجاب الخفيف وأبوْه. وغضب منهم كرامهم، وقالوا فيه شعراً كثيراً، منه قول عبد العزيز بن زرارة، وكان يسمَّى فتى العرب:
стр. 122
دخلت على معاوية بن حرب ... وذلك إذْ يئست من الدخول
وما نلت الدخول عليه حتى ... حللت محلَّة الرجل الذليل
وأغضيت الجفون على قذاها ... ولم أسمع إلى قال وقيل
يشير أنَّ الناس لاموه على احتماله ذلك الحجاب ولكنه أغضى عنهم، وذلك أن الناس ينتظرون من الشريف أن يترفَّع وينصرف كما انصرف أبو الدرداء عن باب معاوية، وقال ما معناه: «إن أغلق بابه فإن باب الله مفتوح».
واشتدَّ الحجاب بعد ذلك ولكن بقيت في الأمراء السليقة العربية، فنهى زياد حاجبه عن منع صاحب الحاجة، ورسول الثغر، وحاجب الطعام، وداعي الصلاة. وقال خالد القسْري لحاجبه: إِذا أخذت مجلسي فلا تحجبنَّ عني أحداً، فإن الوالي لا يحتجب إلا لثلاث: عيب يكره أن يطَّلع عليه أحد، أو عيٌّ يخاف أن يظهر، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئاً.
فلما آل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ترك قصر الخلافة، أي الدار الخضراء (في موضع المصبغة الصفراء في القباقبية) وسكن في داره (السميساطية) وفتح بابه للناس كلهم.
فلما آلت الخلافة إلى بني العبَّاس، وأخذوا أساليب الحكم الفارسي، صار للحجابة قواعد وقوانين، وصار الحاجب من أركان الدولة (الأمين العام للقص). واشتهر من الحجَّاب جماعة كان لهم أثر ظاهر في سياسة الدولة كالربيع وولده الفضل، والمنصور في الأندلس الذي استبد بالملك وأنشأ دولة لبثت أمداً، ونشأ عن ذلك شعر وحكم وقصص ملأت كتب الأدب، حتى أنه لو حاول أحد طلَّاب كلية الآداب إعداد رسالة (أطروحة) في (أدب الحجَّاب) لنال شهادة الدكتوراه.
ووقف الناس من هذا الحجاب مواقف.
منهم من كان يمثل النظرة الإسلامية التي تأبي الحجاب، وهم العلماء الذين كانوا يعظون الخلفاء دائماً، ويبيِّنون لهم كراهية الإسلام لهذا الحجاب،
стр. 123
ويروون لهم الأحاديث فيه، من ذلك قوله ﷺ : «من ولَّاه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلَّتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وفقره (١). وقوله: «من ولي من أمر الناس شيئاً فاحتجب عن أولي الحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة» (٢).
أي أن العلماء لم يعترفوا أبداً بهذا الحجاب، ولبثوا ينكرونه كما ينكرون سائر المنكرات.
ومن أباه كرامة ورجولة، وهم الشعراء الذين ملأوا الدنيا أشعاراً بذمِّه والتشنيع عليه، حتى أن المرء ليستطيع أن يجمع من ذلك ديواناً قائماً برأسه، من ذلك قول أبي تمام:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخفَّ قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعاً ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
وقول محمود الورَّاق:
شاد الملوك قصورهم فتحصَّنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
فإذا تلطف في الدخول إليهم ... راج تلقَّوه بوعد كاذب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعة طالباً من طالب
وقول أبي مهر:
إني أتيتك للتسليم أمس فلم ... تأذن عليك ليَ الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أردَّ ولا ... والله ما ردَّ إلا العلم والأدب
وقول أبي العتاهية:
لئن عُدْتُ بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم؟
стр. 124
ومنهم من كان يتوسَّل بطريف الوسائل للدخول بعد الحجاب. ولا يتسع المجال إلا لإشارة منها إلى بعض هذه الأخبار فمن ذلك قصة إسحاق مع المأمون، لما توسَّل إليه بأبياته الدالية المشهورة، وقصة الرجل الذي كتب بيتاً على خشبة وأجراها في الساقية إلى معن بن زائدة، وقصة الأعرابي الذي سخر من حاجب عبد الملك لما فسَّر له (إذا الأرطي توسَّد أبرديه) بأن ذلك صفة البطِّيخ الرمسي، وقصة الرجل الذي أبى الحاجب أن يدخله إلا إذا أعطاه نصف جائزته، فلما خيَّره الأمير في الجائزة طلب أن يضرب مئة مقرعة ليأخذ الحاجب نصفها، والأخبار كثيرة مستفيضة بها كتب الأدب.
وكان للخلفاء الأمويين والعباسيين مع ذلك أيام يفتح فيها الباب للجمهور وأيام يجلسون فيها للمظالم ويسمعون الشكايات من كل شاك.
والخلاصة أن الدين والعقل، يمنعان الناس من أن يدخلوا على الأمير، أو الموظف، في كل وقت، فيمنعوه من عمله، ويحرموه من راحته، ويمنعان الأمير أو الموظف، من أن يغلق دائماً بابه، وينصب بوَّابه، فلا يراه أحد ولا يصل إليه، ويوجب أن يخصِّص وقتاً للمراجعة، وأن يكون للمراجع المسكين، والمرأة الفقيرة، من وجهه ومجلسه مثل ما يكون للغني والقوي وذي السلطان، وأن يعلم أن شدَّة الحجاب تورث العداوة والبغضاء وغضب الناس وسخط الله:
إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم
***
стр. 125
التشجيع
قرأت مرة أن مجلة إنكليزية كبيرة سألت الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نموُّ العلوم وازدهار الآداب، وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيِّمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة قالت: إنه التشجيع! وقالت: إنها في تلك السنّ، بعد تلك الشهرة والمكانة، تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير.
وإن من أظهر الأسباب في ركود الأدب في الشام في القرن الماضي، وانقطاع سبيل التأليف، هو فقدان التشجيع، وذلك «الاحتكار العلمي» الذي قتل كثيراً من النفوس المستعدَّة للعلم وخنق كثيراً من العبقريات المتهيئة للظهور، فقد كان العلم في الشام مقصوراً يومئذ على بيوت معروفة لا يتعدَّاها ولا يجوز أن يتعداها، هي: بيت العطار، والحمزاوي، والغزي، والطنطاوي، والشطِّي، والخاني، والكزبري، والإسطواني، والحلبي ... وكانت كلها متجمعة حول المدرسة البادرائية؛ في القيمرية والعمارة، وزقاق النقيب، حيث يسكن الأمير العالم المجاهد عبد القادر الجزائري، رحمة الله عليه وعليهم، وكان لهذه البيوت كل معاني الامتياز و «الاحتكار العلمي»، فإذا سُمع أن شاباً اشتغل بالعلم من غير هذه البيوت، وقدَّروا فيه النبوغ، وخافوا أن يزاحمهم على وظائفهم الموروثة، بذلوا الجهد في صرفه عن العلم، والعدول به إلى التجارة؛ أو ليست الوظائف العلمية وقفاً على هذه البيوت؟ أو ليس للولد ولاية العهد في وظيفة أبيه، تنحدر إليه الإمامة أو الخطابة أو التدريس عالماً كان أوجاهلاً، فكيف إذن يزاحمهم عليها أبناء التجار، وهم لا يزاحمون أبناء التجار على «حوانيتهم»؟ أو لا يكفي أبناء التجار هذا القسط الضئيل من النحو والصرف والفقه والمنطق الذي يمنُّ به عليهم هؤلاء العلماء؟ ...
стр. 126
حتى أنه لما نشأ محمد أمين (ابن عابدين) وأَنِسوا منه الميل إلى العلم، وعرفوا فيه الذكاء المتوقِّد، والعقل الراجح، خافوا منه فذهبوا يقنعون أباه -وكان أبوه امرأً تاجراً- ليسلك به سبيل التجارة، ويتنكَّب به طريق العلم، وجعلوا يكلِّمونه، ويرسلون إليه الرسل، ويكتبون إليه الكتب، ويستعينون عليه بأصحابه وخلصائه ولكن الله أراد بالمسلمين خيراً، فثبت الوالد فكان من هذا الولد المبارك، ابن عابدين صاحب «الحاشية»، أوسع كتاب في فروع الفقه الحنفي.
بل أرادوا أن يصرفوا أستاذنا العلَّامة محمد بن كرد علي عن العلم، فبعثوا إليه بشقيقين من آل ... بشقيقين قد ماتا فلست أسميهما، على رغم أنها قطعا عن العلم أكثر من أربعين طالباً -فما زالا بأبيه - ولم يكن أبوه من أهل العلم- ينصحانه أن يقطعه عن العلم، ويعلمه مهنة يتكسَّب منها، فما في العلم نفع، ولا منه فائدة ... ويلحَّان عليه ويلازمانه، حتى ضجر فصرفهما فكان من ولده هذا، الأستاذ كرد علي أبو النهضة الفكرية في الشام وقائدها، ووزير معارف سورية (١) ومفخرتها، والذي من مصنَّفاته: خطط الشام، وغرائب الغرب، والقديم والحديث، والمحاضرات، وغابر الأندلس وحاضرها، والإدارة الإسلامية، والإسلام والحضارة العربية .. والمقتبس ... ومن مصنفاته: «المجمع العلمي العربي بدمشق»، ومن مصنفاته هؤلاء «الشعراء والكتَّاب من الشباب»!
ولعل في الناس كثيرين كانوا لولا الاحتكار والتثبيط كابن عابدين أو ككرد علي. وها هو ذا العلامة المرحوم الشيخ سليم البخاري مات وماله مصنفٌ رسالة فما فوقها، على جلالة قدره، وكثرة علمه، وقوة قلمه، وشدة بيانه؛ وسبب ذلك أنه صنَّف لأول عهده بالطلب رسالة صغيرة في المنطق، كتبها بلغة سهلة عذبة، تنفي عي هذا العلم تعقيد العبارة، وصعوبة الفهم، وعرضها على شيخه، فسخر منه وأنَّبه، وقال له:
стр. 127
أيها المغرور! أبلغَ من قدرك أن تصنف، وأنت ... وأنت ... ثم أخذ الرسالة فسجر بها المدفأة .. فكانت هي أول مصنفات العلَّامة البخاري وآخرها!
وقد وقع لي أني كنت في المدرسة وكنت أحاول أن أنظم الشعر، فآخذ أبياتاً قديمة فأغير قوافيها، وأبدل كلماتها، وأدَّعيها لنفسي، كما يفعل اليوم بعض الأدباء «التراجمة» حين يترجمون الكلمة الإنكليزية أو الفرنسية حتى إذا بلغوا التوقيع ترجموه هو أيضاً، فكانت ترجمة اسم المؤلف أو الكاتب اسم الترجمان أو «السارق»! وكان الكتاب أو الفصل المترجم من وضع أديبنا البارع ...
كنت أنظم أبياتاً من الشعر أو أسرقها، كما ينظم كل مبتدئ ويسرق، حتى إذا اجتمع عندي كثير من القطع، عرضته على أستاذ العربية، وكان لسوء الحظ تركياً يسمَّى إسماعيل حقي أفندي، يعلمنا النحو العربي باللسان التركي! فلما قرأه سخر مني وسبني وتهكَّم عليَّ، وجاء من بعدُ أخي أنور العطار - فنظم كما كنت أنظم حتى إذا اجتمع عنده كثير من القطع، عرضه على الأستاذ كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي، فأقام له حفلة تكريمية!.
فكانت النتيجة أني عجزت عن الشعر، حتى لَنَقْلُ البحر بفمي أهون عليَّ من نظم خمسة أبيات، وأن أخي أنور العطار غدا شاعر الشباب السوري، وسيغدو شاعر شباب العرب!
وأول من سنَّ سنة التشجيع في بلدنا هو العلامة المرحوم مربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري، الفيلسوف المؤرِّخ الجدلي، الذي من آثاره المدارس الابتدائية النظامية في الشام، والمكتبة الظاهرية، والأستاذ محمد كرد علي بك، وخالي الأستاذ محب الدين الخطيب ... ومما كتب في ذم التثبيط:
«... وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم، في هذا الوقت الذي يتنبَّه فيه الغافل ...
وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع، ولم يُرَ أحد من المثبطين قديماً أو حديثاً أتى بأمر مهم، فينبغي
стр. 128
للجرائد الكبيرة، أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة والتحذير منها، ليخلص منها من لم تستحكم فيه، وينتبه الناس لأربابها ليخلصوا من ضررهم».
وكان الشيخ في حياته يشجِّع كل عامل، ولا يَثني أحداً عن غاية صالحة، حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له: إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام، فلا تقل له إن هذا غير ممكن. فتفلَّ عزيمته، وتكسر همته، ولكن أقرئه وحبِّب إليه النحو، فلعله إذا أنس به واظب على قراءته.
ثم إن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة حتى تظهر وتثمر ثمرها، وتؤتي أكلها؛ وربَّ ولد من أولاد الصنَّاع أو التجار يكون إذا شجع وأخذ بيده عالماً من أكابر العلماء، أو أديباً من أعاظم الأدباء! وفي علماء القرن الماضي في الشام من ارتقى بالجد والدأب والتشجيع من منوال الحياكة، إلى منصب الإفتاء، وكرسي التدريس تحت القبَّة.
نشأ الشيخ محمد إسماعيل الحائك عامياً، ولكنه محب للعلم، محب للعلماء، فكان يحضر مجالسهم، ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس لا يفوته الجلوس في الصف الأول، فجعل الشيخ يؤنسه ويلطف به لما يرى من دوامه وتبكيره، ويسأل عنه إذا غاب، فشدَّ ذلك عن عزمه، فاشترى الكتب يحيي ليله في مطالعة الدرس، ويستعين على ذلك بالنابهين من الطلبة، واستمر على ذلك دهراً حتى أتقن علوم الآلة، وصار واحد زمانه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها؛ وصار الناس يأتونه في محلِّه يسألونه عن مشكلات المسائل، وعويصات الوقائع، فيجيبهم بما يعجز عنه فحولة العلماء. وانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي فساء ذلك العماديين وآلمهم، فتربَّصوا بالشيخ وأضمروا له الشرَّ، ولكنهم لم يجدوا إليه سبيلاً، فقد كان يحيا من عمله، ويحيا الناس بعلمه، وكان يمر كل يوم بدار العماديين في «القيمرية» وهو على أتان له بيضاء، فيسلِّم فيردون ﵇، فمرَّ يوماً كما كان يمر، فوجد على الباب أخاً للمفتي، فردَّ ﵇، وقال له ساخراً:
- إلى أين يا شيخ، أذاهب أنت إلى (اسطمبول) لتأتي بولاية الإفتاء؟
стр. 129
وضحك وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال:
- إن شاء الله!
وسار في طريقه حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله، وأعطاهم نفقتهم، وسافر!
وما زال يفارق بلداً، ويستقبل بلداً، حتى دخل القسطنطينية فنزل في خان قريب من دار المشيخة، وكان يجلس على الباب يطالع في كتاب، أو يكتب في صحيفة، فيعرف الناس من زيِّه أنه عربي فيحترمونه ويجلُّونه، ولم يكن الترك قد جنُّوا الجنة الكبرى بعدُ ... فكانوا يعظمون العربي، لأنه من أمة الرسول الأعظم الذي اهتدوا به، وصاروا به وبقومه ناساً ...
واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم فكانوا يجلسون إليه يحدثونه، فقال له يوماً رجل منهم:
- إن السلطان سأل دار المشيخة عن قضية حيَّرت علماءها ولم يجدوا لها جواباً، والسلطان يستحثهم وهم حائرون، فهل لك في أن تراها لعلَّ الله يفتح عليك بالجواب؟
قال: نعم.
قال: سر معي إلى المشيخة.
قال: باسم الله.
ودخلوا على ناموس المشيخة (سكرتيرها)، فسأله الشيخ إسماعيل عن المسألة فرفع رأسه فقلَّب بصره فيه بازدراء، ولم تكن هيئة الشيخ بالتي ترضي، ثم ألقاها إليه وانصرف إلى عمله، فأخرج الشيخ نظارته فوضعها على عينه فقرأ المسألة ثم أخرج من منطقته هذه الدواة النحاسية الطويلة التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة وللدفاع عن النفس، فاستخرج منها قصبة فبراها، وأخذ المقطع فقطعها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل حتى سوَّد عشر صفحات ما رجع في كلمة منها إلى كتاب، ودفعها إلى الناموس، ودفع إليه عنوان منزله وذهب. فلما حملها الناموس إلى شيخ الإسلام وقرأها، كاد يقضي دهشة وسروراً.
стр. 130
- وقال له: ويحك! من كتب هذا الجواب؟
- قال: شيخ شامي من صفته كيت وكيت ...
- قال: عليَّ به.
فدعوه وجعلوا يعلمونه كيف يسلِّم على شيخ الإسلام، وأن عليه أن يشير بالتحية واضعاً يده على صدره، منحنياً، ثم يمشي متباطئاً حتى يقوم بين يديه ... إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة التي نسيها الشيخ، ولم يحفظ منها شيئاً.
ودخل على شيخ الإسلام، فقال له:
- السلام عليكم ورحمة الله، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه. وعجب الحاضرون من عمله ولكن شيخ الإسلام سرَّ بهذه التحية الإسلامية وأقبل عليه يسأله حتى قال له:
- سلني حاجتك؟
- قال: إفتاء الشام وتدريس القبَّة.
- قال: هما لك. فاغد عليَّ غداً!
فلما كان من الغد ذهب إليه فأعطاه فرمان التولية وكيساً فيه ألف دينار.
وعاد الشيخ إلى دمشق فركب أتانه ودار حتى مرَّ بدار العماديين فإذا صاحبنا على الباب، فسخر منه كما سخر وقال:
- من أين يا شيخ؟
- فقال الشيخ: من هنا، من اسطنبول. أتيت بتولية الإفتاء كما أمرتني.
ثم ذهب إلى القصر فقابل الوالي بالفرمان، فركع له وسجد وسلَّم الشيخ عمله في حفلة حافلة.
***
стр. 131
ومن هذا الباب قصة الشيخ علي كزبر، وقد كان خياطاً في سوق المسكية على باب الجامع الأموي، فكان إذا فرغ من عمله ذهب فجلس في الحلقة التي تحت القبة فاستمع إلى الشيخ حتى يقوم فيلحق به فيخدمه، وكان الشيخ يعطف عليه لما يرى من خدمته إياه، فيشجعه ويحثه على القراءة فقرأ ودأب على المطالعة، حتى صار يقرأ بين يدي الشيخ في الحلقة، ولبث على ذلك أمداً وهو لا يفارق دكَّانه ولا يدع عمله، حتى صار مقدماً في كافة العلوم.
فلما مات الشيخ حضر في الحلقة الوالي والأعيان والكبراء ليحضروا أول درس للمدرِّس الجديد، فافتقدوا المعيد فلم يجدوه. ففتشوا عليه فإذا هو في دكانه يخيط، فجاؤوا به، فقرأ الدرس وشرحه شرحاً أعجب به الحاضرون وطربوا له. فعينِّ مدرساً ولبث خمسة عشر عاماً يدرس تحت قبة النسر، وبقيت الخطبة في أحفاده إلى اليوم (١).
على أن للتشجيع عيباً واحداً هو الغرور، فأنا أعوذ بالله أن أغتر فأصدِّق أني أهل لكل ما تفضل به عليَّ الأستاذ من النعوت، وأرجو أن أوفق إلى الجد والتقدم بتشجيع الأستاذ وفضله، وأشكر للأستاذ الزيات باسمي واسم إخواني هنا، أياديه علينا وعلى الأدب العربي، الذي سمت وتسمو به «الرسالة»!
...
стр. 132
الفتح الإسلامي
نشرت سنة ١٩٣٦
«الفتح الإسلامي» (١) أكبر لغز من ألغاز العبقرية، وأروعُ أحْجيَّة من أحاجي النبوغ، وأجلُّ مظهر من مظاهر العظمة في تاريخ البشر. ولقد مرت عليه إلى اليوم قرون طويلة، وأعصار مديدة، ارتقى فيها فن الحرب، وتقدم فيها البشر أشواطاً في كل ميدان من ميادين الحضارة، وغاص المؤرخون في أعماق الحوادث التاريخية، فكشفوا أسرارها وعرفوا أسبابها، فبدت لهم هيِّنة ضئيلة، بعد أن كانوا يرونها لغزاً لا يحل، ولكنهم لم يستطيعوا أن يكشفوا سر الفتوحات الإسلامية ولم يدركوا كُنْهَها. وستمر قرون أخرى وأعصار قبل أن يكشف ذلك السر، وقبل أن يرى تاريخ البشر حادثاً أعجب وأعظم من «الفتح الإسلامي».
إن الحوادث العظيمة في التاريخ على اختلاف مظاهرها وتنوُّع أشكالها، لا تعدو أن تكون واحدة منذ ثلاث: إما أن تكون عظمتها فيما أورثت الإنسانية من حضارة وعمران، وما رفَّهت من عيش الناس، وما أفادتهم من رغد ونعمة وترف، وإما أن تكون هذه العظمة فيما خدمت به العقل البشري، وأمدَّته بأسباب القوة والنضج، ورفعت من تفكير الناس، وأدنتهم من المثل العليا التي يطمحون إليها، بما فتحت عليهم من أبواب الثقافة وسُبل المعرفة، وإما أن تكون عظمة الحادث التاريخي في ذاته، وفيما ينطوي عليه من بطولة نادرة، وقدرة عجيبة، وجلال لا يعرفه التاريخ إلا قليلاً؛ أي أن العظمة إما أن تكون عظمة حضارة وعمران، أو علم وفكر، أو بطولة وحرب.
стр. 133
«والفتح الإسلامي» أعظم الحوادث التاريخية كلها، في أبواب العظمة كلها، لا يدانيه في ذلك حادث في تاريخ الشرق والغرب، القديم منه والحديث.
أما في الحروب فإن التاريخ يعرف كثيراً من الفاتحين، منذ عهد الإسكندر ومن قبل الإسكندر، إلى عهد نابليون ومن بعد نابليون، ولكنه لم يعرف فتحاً أوسع ولا أسرع من «الفتح الإسلامي» الذي امتدَّ في اثني عشر عاماً فقط من طرابلس الغرب إلى آخر بلاد العجم، وحاز مصر وسورية وفارس كلها ... على أن ميزة الفتح الإسلامي ليست في السعَة والسرعة وحدهما، ولكن ميزته الكبرى أنه فتح أبدي، فلم يعرف عن المسلمين أنهم دخلوا بلاداً وخرجوا منها (١)؛ ذلك أنهم لايفتحون البلاد بسيوفهم شأن كل الفاتحين، ولكنهم يفتحون القلوب والعقول، بعدلهم وعلمهم، فلا تلبث البلاد المفتوحة أن تندمج بالمسلمين، وتصبح أغير على الإسلام من المسلمين الفاتحين، بينما ترى البلاد التي فتحها غيرهم تبقى خاضعة لهم ما بقي السيف مصلتاً فوق رؤوس أهلها، فإذا أحسوا من الفاتحين غرَّة، وآنسوا منهم ضعفاً وثبوا عليهم فطردوهم، وعادوا إلى ما كانوا عليه، حتى أن أميركا على رغم أنها كانت خالية إلا من قبائل لا شأن لها، وليس فيها دين يناوئ ديناً، أو عادات تصادم عادات، وعلى رغم أن أهلها الذين استعمروها إنكليز كالإنكليز الحاكمين، فإنهم وثبوا عليهم وحاربوهم حتى نالوا استقلالهم؛ ولا تجد اليوم أميركياً واحداً يريد الانضمام إلى إنكلترا (الأم الكبرى)، بينما تجد كل مسلم في الصين أو الهند أو جاوا أو القسطنطينية -كل مسلم صحيح- يتحسَّر على الوحدة الإسلامية -ويسعى إليها- ولا يقبل بها بديلاً، على رغم ما أحدثوا لهم من كذبة القوميات وبدعة الوطنيات، وما أقاموا بين الإخوان من سدود، وما فصلوا به بينهم من حدود، وما مرَّ على هذه التفرقة
стр. 134
من سنين وأعوام. ذلك لأن «الفتح الإسلامي» فتح أبديّ، مستقر في القلوب، لا تقوى قوة بشرية على انتزاعه، وهذه هي ميزته التي امتاز بها على كل فتح في التاريخ.
أما في العلم والثقافة؛ فقد كان «الفتح الإسلامي» أكبر حادث علمي، لأنه حمل إلى البلاد التي فتحها علم السماء والأرض، فحرَّر عقولها بالتوحيد، وأعتقها من عبودية الأحجار والأشجار، والنيران والأخشاب، والقسس والأشراف. ثم وضع في أيديها القرآن الذي يأمر بالتفكُّر في خلق السموات والأرض، ويَحْفِز إلى البحث والنظر والاستدلال، والسنَّة التي ترغب في العلم وتدعو إليه، وتجعل طلبه فريضة على كل مسلم؛ وكان الفاتحون أنفسهم علماء فما إن فرغوا من الحروب حتى وضعوا السيف وحملوا القلم، وألقوا الدروع وأخذوا الكتب، وجلسوا في المساجد (والمساجد برلمانات المسلمين وجامعاتهم العلمية) يُدرسون ويُقرئون ويبحثون، فكان من تلاميذهم المفسرون والمحدِّثون، والفقهاء والأصوليون، والأدباء والنحويون، والقصاص والمؤرخون، والفلاسفة والباحثون، والأطباء والفلكيون، أولئك الذين تصدَّروا بعدُ للتدريس في جامعات الشرق، وجامعات الأندلس، فجلس بين أيديهم الباباوات، والملوك ملوك أوروبا، وكانوا أساتذة العالم الحديث.
فكان من ثمرة الفتح أن هذه البلاد الأعجمية -التي كانت تئن في ظلام الجهل والظلم- لم تلبث أن ظهر منها علماء فحول، كان لهم الفضل على العقل البشري، ولا تزال أسماؤها خالدة، تضيء في جبين الدهر.
ومن لعمري ينسى البخاريّ والطبريّ والأصبهاني والهمدانيّ والشيرازيّ والسَّرَخْسي والمرْوَزي والرازيّ والخُوارزْمي والنَّيْسابوريّ والقزوينيّ والدِّينوَري والسِّيرافي والجُرجاني والنَّسائي وغيرَهم وغيرَهم ممن لا يحصيهم عدّ؟ ألا يشعر كل مسلم بأن هؤلاء وأمثالهم هم علماء الملَّة وأعلامها؟ ألا نحلُّ كتاب البخاري أسمى محل من نفوسنا، ونتخذه حجة بيننا وبين الله؟ ألايؤلف هؤلاء العلماء صلة من أوثق الصلات بيننا وبين فارس لا يستطيع أن يفصم عراها مئة حكومة
стр. 135
من مثل الحكومة الحاضرة، التي تستن في فارس سنَّة (هذا الآخر ...) في تركيا.
هذا هو فضل الفتح علينا وعلى الأجيال الآتية، أما فضله على العقل البشري فحسبك أن تعلم أنه لولا الفتح الإسلامي، ولولا علماء المسلمين وفلاسفتهم لم يكن عقل القرن العشرين.
أما في الحضارة والعمران؛ فللفتح الإسلامي أكبر الأثر في نشر الحضارة وتوطيد العمران، والعمران طبيعة في العربي المسلم، فلم يمض على فتح المسلمين بلاد العراق إلا سنوات حتى أسسوا مدينتين كبيرتين كان لهما الفضل والمنَّة على الحركة العلمية والأدبية في العالم كله. فضلاً عن أنهما كانتا قاعدتين حربيتين من أكبر القواعد الحربية؛ وما استقرت أقدامهم في البلاد حتى شرعوا في بناء المدن الكبيرة، والقصور العظيمة، وإنشاء أروع آثار البناء، حتى كانت بغداد وسرَّ من رأى، وكانت دمشق من قبل، والقاهرة ومدن الأندلس من بعد، أعجوبة في فن العمران، وها إن أثراً صغيراً من آثار العرب -ليس بأعظمها ولا أكبرها- لا يزال إلى اليوم محطَّ ركاب الرحال من أهل العلم ورجال الأدب، ولا يزال مصدراً مالياً لحكومة من كبار حكومات أوروبة تعيش إلى اليوم بفضل العرب، هي حكومة اسبانيا. ولقد حاول الإنكليز على قوتهم وغناهم -في هذا العصر الذي تيسرت فيه أسباب كل شيء- أن ينشئوا مثل «الحمراء» فأنشؤوا قصراً في سيدنهام يعدّ من أعظم المباني العصرية وأجملها، ولا يزال دون الأصل بمراحل (١) فكيف بمن بنى الأصل في ذلك العصر الغابر؟.
وكيف لو بقيت «الزهراء» التي حيَّرت رُسُل الإفرنج، أو بقي «التاج» في بغداد، أو «دار الشجرة» التي أدهشت وفود الروم؟
...
стр. 136
إنه ما من شك لدى المنصفين من المؤرخين، أنه لولا قيام الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى (١) وازدهارها في الشرق حين كانت أمم الغرب في ظلمات بعضها فوق بعض، لم تقم الحضارة الحاضرة، ولم يتمتع البشر اليوم بثمراتها.
فالفتح الإسلامي إذن أعظم حادث في البطولة والفكر والعمران. وهو لغز غامض حيَّر نابليون (نابغة العصر الحديث في فن الحرب) وحيَّر المؤرخين كلهم. ذلك أن العرب على ما امتازوا به من الكرم والشجاعة والوفاء والعزة والإباء، كانوا في جاهليتهم بُداة متفرقين، وجاهليين وثنيين، منقسمين على أنفسهم، مختلفين فيما بينهم، لا يعرفون إلا جامعة القبيلة، ووحدة العشيرة، فإذا فخروا فبها يفخرون، وإن دافعوا فعنها يدافعون ... إذا وجد العربي من القبيلة قافلةً من غير قبيلته، كان في حل من انتهاب مالها، وقتل رجالها، لا حكومة تنظم أمورهم، ولا دين يردعهم، إلا ديناً مضحكاً سخيفاً، دين من يتخذ رباً من التمر، فإذا جاع أكله، كما (أكلت حنيفةُ ربها ...)، أو من ينحت من الصخر صنماً ثم يعكف عليه عابداً داعياً، أو من يعبد الشجر والحجر. وكانوا يخشون كسرى، ويرهبون قيصر؛ وكان ملوكهم في الحيرة والشام تبعاً للفرس والروم وجنداً لهما، يضربون بعضهم ببعض، ليذهبوا هم بالغنم ويعود العرب بالغرم؛ وكان اتحاد قبيلتين اثنتين كبكر وتغلب في طاعة كليب، أو قيس والسَّكون في جيش قيس بن معدي كرب حادثاً عجيباً يكسب صاحبه فخر الأبد، وأمراً نادراً يلبث حديث الناس أياماً وليالي ... فكيف يتَّحد العرب كلهم، عدنانيّهم وقحطانيّهم، ويسيرون في صف واحد، يقدمهم رجل واحد، حتى يواجهوا جيوش كسرى وقيصر التي يهابونها ويرهبونها، ثم يضربونها الضربة القاصمة
стр. 137
للظهر، فإذا انجلى غبار المعركة نظرت فإذا المعجزة قد ظهرت على أتمها، وإذا الأرض قد بُدلت غير الأرض، وإذا فارس الوثنية، وسورية النصرانية، ومصر الرومانية، قد محيت كلها محواً، وقامت مكانها أمم إسلامية في فارس وسورية ومصر، كأنما هي لإخلاصها للعربية والإسلام لم تكن يوماً من الأيام على غير الإسلام؟
أكان هذا الانقلاب ما بين ليلة وضحاها ... أكان هذا التبدُّل الذي تغلغل في صميم الأمة العربية فغير كل شيء فيها وأنشأها إنشاء جديداً لأن رجلاً قام في مكة، يتلو كتاباً جاء به؟ أيقوى رجل مهما كان شأنه على مثل هذا العمل ويكون له في تاريخ العالم ومستقبل البشرية هذا التأثير؟.
هذا هو اللغز الذي حيَّر المؤرخين من الغربيين، ولم يعرفوا له حلاً معقولاً!
على حين أن الأمر واضح والسبب ظاهر، ذلك أن هذا الأمر لم يكن عمل رجل عظيم من عظماء الناس، ولكنه عمل الله جلَّت قدرته، أظهره على يد سيد أنبيائه، وخاتم رسله، سيدنا محمد ﷺ .
ذلك أن «الفتح الإسلامي» معجزة من معجزاته ﷺ .
...
هذا وإن من الخطأ أن نعدُّ الفتح الإسلامي، مثل ما نعرف من فتوح الأمم المختلفة في الأعصار المتباينة، لأن للفتح الإسلامي طبيعة خاصة به تجعله ممتازاً عن سائر الفتوح، وتنشئ له في التاريخ باباً خاصاً، ذلك أن كافة الفتوح إنما كانت الغاية منها ضمَّ البلاد المفتوحة إلى أملاك الفاتحين، والانتفاع بخيراتها ومواردها، لا نعرف فتحاً يخرج عن هذا المبدأ إلا الفتح الإسلامي، فلم تكن الغاية ضمَّ البلدان إلى الوطن الإسلامي، وامتصاص دماء أهلها وأموالهم، واستغلال مواردها الطبيعية وخيراتها، ولكن غايته نشر الدين الإسلامي والسعي لإعلاء كلمة الله، وإذاعة هدي القرآن في الأرض كلها؛ فكانوا كلما وطئوا أرضاً عرضوا على حكومتها وشعبها الإسلام، فإن قبلوا به واتَّبعوه ونطقوا بكلمة
стр. 138
الشهادة انصرفوا عنهم وعدُّوهم إخوانهم لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لا فرق بين أمير المؤمنين وآخر مسلم في أقصى الأرض؛ كلهم سواء في الحقوق والواجبات، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. وإن لم يقبلوا بالإسلام عرضوا عليهم الجزية، وهي أقل بكثير مما كانوا يدفعونه إلى ملوكهم وأمرائهم، وسموهم ذميين لهم ذمَّة المسلمين، وأعطوهم الحرية في أمور دينهم ودنياهم، وتعهدوا لهم بالأمن الداخلي والخارجي. وإن أبوا أن يعطوا الجزية حاربوهم ... ثم لم يكرهوا أحداً على الإسلام لأن في صحة الإسلام وفوائده في الدنيا والآخرة ما يغني في الدعوة إليه عن السيف. وما (دين محمد دين السيف) كما يهتف العامة والجاهلون، ولكنه دين العقل والمنطق والعلم، والمسلمون عامة دعاة مرشدون، ولكنهم دعاة أقوياء يحملون القرآن بيد، والسيف بالأخرى، فمن قبل فما كانوا ليحاربوه، ومن أبى وحاربهم أدَّبوه حتى يرجع إلى الحق، ويجنح إلى السلم.
ثم إن معاملة المسلمين للذميين، ووفاءهم بعهودهم، وصدق وعودهم وكرمهم وتسامحهم الذي شهد به الأصدقاء والأعداء؛ وصار أشهر من أن يذكر ما يؤكِّد طبيعة «الفتح الإسلامي» ويرفعه عن أن يقاس به فتح آخر!
وهذه هي التواريخ فاستقروها واحكموا!.
***
стр. 139
كيف تكون كاتباً
نشرت سنة ١٩٣٢
هذا حديث أوجِّهه إلى الطلاب التجهيزيين المحرومين من دروس الإنشاء، والذين يكلَّفون بكتابة المقالة (أو الوظيفة) في الموضوع الثقيل الذي لا يألفونه ولا يفهمونه من غير أن يكون أمامهم ما ينسجون على منواله، ويقتفون أثره، ومن غير أن يكون تحت أيديهم من القواعد ما يعلِّمهم كيف يسيرون، وهم في حالهم هذه كالرجل يريد أن يعلِّمه أبوه السباحة فلا يزيد على إلقائه في الماء وأمره بأن يسبح!
ولكنه يموت قبل أن يتعلم السباحة، ويملُّ هؤلاء قبل أن يتعلموا الكتابة ولست أريد انتقاص الأساتذة أو احتقارهم.
وبعدُ، فماذا يصنع المدرِّب القدير ليعلِّم السباحة؟ أيلقي الطالب في الماء فيدعه يختنق؟ لا، بل هو يبدأ بالقواعد الأصلية وهو على الشاطئ ثم ينزل معه إلى الماء، فيبدآن بالمكان السهل الضحل، فيشرح له كيف يسبح، ويعاونه ويصلح أخطاءه، ويضرب له الأمثلة من نفسه ليرى كيف تكون السباحة الجيِّدة، ثم يدعه يسبح مستقلاً.
وهكذا يكون معلم الإنشاء القدير، يبينِّ لتلاميذه أنواع الإنشاء: من (الإنشاء الخطابي)، إلى الإنشاء الوصفي، إلى الإنشاء القصصي، وكيف أن الأول يعتمد على العاطفة الثائرة والجمل القصيرة ذات الرنَّة الموسيقية، وكيف أن للقصة عناصر لازمة هي الحادثة وظروفها (زمانها ومكانها) وأشخاصها، وكيف أن للقصة أنواعاً مختلفة كالمأساة (Tragédie) التي تنتهي بفاجعهَ مؤلمة، والدرام والمهزلة (Comédie) وكيف أن الإنشاء الوصفي يكون خيالياً
стр. 140
(Idéalisme) ويكون واقعياً (Réalisme) وما هي الفوارق بين المذهبين، والأمثلة عليهما من آثار الكتَّاب البارعين، إلى آخر ما هنالك ثم يعطيه موضوعاً هيِّناً ويشرح له عناصره، ويقرأ له أمثلة عليه من القطع الفنيَّة. فإذا كتبه التلميذ قرأه هو بنفسه على المعلم على مسمع من إخوانه الذين ينقدونه ويناقشونه ثم يبين الأستاذ حكمه في الوظيفة ويقدِّم نصائحه للتلميذ، ولست أعني النصائح اللغوية والنحوية وحدها، بل الفكرية والفنية أيضاً.
...
ومن الخطأ بعد هذا كله أن يعتقد امرؤ أن الكتابة شيء يكون بالتعليم فهي شيء فطري في الإنسان والكاتب كما قالوا يولد كاتباً، كما يولد الإنسان ذا صوت جميل، أوجسم قوي (١)، ولكن الصوت الجميل يبقى ناقصاً إذا لم يدرس صاحبه الموسيقى؛ والجسم القوي لا يستكمل قوته؛ ما لم يربِّه صاحبه التربية البدنية، والملَكَةُ الكتابية لا تكمل ولا تنتج الآثار البارعة ما لم تنضجها الدراسة الأدبية العميقة، وخير سبيل لإنماء هذه الملكة عند الطلاب هو أن يقرؤوا كتب الأدب القديمة ليتعلَّموا منها الأسلوب العربي ثم يقرؤوا لأهل البيان من كتَّاب العصر ثم يقرؤوا روائع الأدب الغربي لتعينهم على إتقان الأسلوب الفني.
فإذا قعد بعد ذلك ليكتب، فلا بد له من أن يمرَّ على المراحل الآتية:
١ - عملية الجمع:
وأعني بها جمع الأفكار والصور، يجمعها من مشاهداته في الحياة ومطالعاته في الكتب، وتنتهي هذه العملية حينما يشعر الكاتب أن هذه الأفكار قد أصبحت واضحة في ذهنه يستعرضها بسهولة ويستطيع الإحاطة بها.
٢ - عملية الاصطفاء:
فإذا انتهت هذه العملية شرع باصطفاء الصور والحالات التي توافقه وتلذُّه؛ ونبذ الباقي فإذا بقيت هذه الصور وحدها واضحة في ذهنه، انتقل إلى العملية الثالثة وأمسك حينئذ بالقلم فبدأ.
стр. 141
٣ - عملية الترتيب (أو التصنيف):
وذلك بأن يضع كل صورة أو فكرة في المكان الملائم لها، وليس هناك قاعدة صحيحة للبداءة بالقصة، بل أن ذلك منوط بذوق الكاتب، وكثير من الكتَّاب يبدؤون بعرض أبطال القصة أولاً وبعضهم يبدأ بالزمان والمكان، أو الحادثة.
ولزيادة الإيضاح آخذ مثالًا أطبِّق عليه هذه العمليات وليكن (فاجعة في شارع):
١ - أستعرض أولاً الحالات الممكنة للمكان وهي:
(أ) شارع وسط المدينة.
(ب) شارع وسط الحقول.
(جـ) شارع على شاطئ البحر.
(د) شارع على شاطىء نهر.
(هـ) شارع على سفح جبل.
(و) شارع وعر.
(ز) شارع سهل معبَّد.
(ح) شارع مأهول كثير المارة.
(ط) شارع منقطع ... إلخ.
وأستعرض الحالات الممكنة للزمان وهي:
(أ) في الصباح (قبل الشمس).
(ب) في المساء (بعد الشمس).
(جـ) في الظهيرة.
(د) ليلاً.
(هـ) السماء صاحية.
(و) السماء غائمة.
(ز) السماء ماطرة.
стр. 142
(ح) السماء مثلجة.
(ط) الوقت حرّ.
(ي) الوقت برد ... إلخ.
٢ - فإذا انتهيت من عملية الجمع أبدأ بعملية الاصطفاء فأختار إحدى الحالات الممكنة وليكن:
(أ) شارع على شاطئ البحر -وعر- منقطع.
(ب) ليلاً-السماء ماطرة- الوقت برد، ذلك لأن الحادثة التي تريد وصفها هنا فاجعة لا يصلح لها إلا هذه الظروف، وأشرع بعدُ بتصنيفها فإذا تمَّ التصنيف بدأت العملية الرابعة:
٤ - عملية اختيار الأسلوب:
فأتصور نوع الأسلوب الذي أكتب به المقالة والألفاظ والتعبيرات التي أستعملها فيها وما إلى ذلك (مما يسمَّى بالفرنسية (La forme) ويقابله (Le fond) للمعاني والأفكار) ومن المعروف أن الأسلوب يختلف باختلاف الموضوعات، فلا تكتب المقالة الوصفية بالأسلوب الخطابي ولا المذكرات والرسائل العائلية بأسلوب القصص المسرحية، ومن المعروف أن لكل أسلوب قواعد تختلف عن قواعد الأسلوب الآخر، يجب على مدرس الإنشاء بيانها للطلاب، فليس في وسعي أن أبيِّنها في مقالة صغيرة كهذه، ولقد صرفت وقتاً طويلاً في دراستها بنفسي بعد أن خرجت من التجهيز خالي الوفاض منها؛ لم أدرس منها شيئاً.
٥ - ثم يبدأ بالكتابة مراعياً التصنيف الذي وضعه لنفسه، ويضع لكل مقال مقدمة جذَّابة يكون فيها براعة استهلال، وخاتمة مؤثرة، فيها حسن الاختتام.
أما الألفاظ فما أحب أن أكلم فيها إخواني الطلاب وإنما أقول لهم إني كلما تقدمت شعرت من نفسي بميل إلى انتقاء أسهل العبارات وأقربها إلى اللغة المألوفة، ونفور من زخرفة الجمل والعناية بالألفاظ.
стр. 143
وقد كانت هذه الزخرفة وهذه العناية بالألفاظ أكبر همِّي أولاً حتى لقد كنت أحسب البراعة في الكتابة بمقدار ما فيها من رنَّة موسيقية، لا بمقدار ما فيها من أفكار، ولا أبالي بنقد الناقدين لهذه الطريقة اللفظية الجوفاء، ولا أقيم له وزناً، كما أن إخواننا هؤلاء لا يبالون (كما أقدِّر) بهذه الكلمة مني، ولا يقيمون لها وزناً!
بقي عليَّ كلمة واحدة وهي:
إن كثيرين من الكتاب يميلون إلى معرفة آراء الناس بكتاباتهم ويهتمُّون بهذه الآراء جداً، حتى أنها لتشجعهم إذا كانت حسنة وتذهب عزائمهم إذا كانت سيئة، وهؤلاء الكتاب يخسرون كثيراً من مواهبهم، وينحطُّون عن المنزلة التي وضعهم فيها الله، يوم جعلهم كتَّاباً واختارهم لتبليغ رسالة القرون الآتية، فلا تعتادوا هذه العادة ولا تبالوا بأذواق الناس إذا خالفت أذواقكم، ولكن استمعوا إلى نقدهم إذا كان يستند إلى أساس علمي صحيح. أما إذا استند إلى الذوق وحده فلا .. ولو كان ذوق أستاذكم.
***
стр. 144
في النقد
نشرت سنة ١٩٣٦
وعدت أستاذنا الجليل شاكر بك الحنبلي أني سأتشرف بالكتابة بـ (قلمه) البليغ، وذهبت أفتِّش عن موضوع خفيف عليَّ؛ حبيب إلى القرَّاء فأنتهز ساعة أفرغ فيها من عملي المتواصل في تأليف كتابي الجديد (عمر بن الخطاب) لأكتبه، وأوافي به جزءاً صغيراً من الواجب الكبير عليَّ واجب المساهمة في الكتابة بـ (القلم)، فلما أخذت العدد الجديد من مجلة القلم، ورأيت أنها قد أعلنت في ظاهرها عن غاياتها الأربع: النقد والعلم والأدب والسياسة.
قلت: الحمد لله، قد وجدت الموضوع!
سأكتب، في النقد، لامقالة ولا مقالتين ولكن سلسلة طويلة أنفِّس بها عن بعض ما أجد من الضيق بالأدباء. وآثارهم القليلة وكسلهم الطويل وأقذف في وجوههم بما عجزت عن حمله من اليأس والقنوط والخيبة والألم، فقد طال ركودها الأدبي. وامتدَّ نوم أدبائنا وزادت ثقتهم بنفوسهم وغرورهم حتى كادَ والله يتسرَّب إلى نفوسنا الخوف من «الإفلاس الأدبي» ولكنَّا لم نكن نجد الجريدة التي تتَّسع للنقد، وتفهمه على وجهه، وتعلم أنه شيء لا شأن له بالصداقة وأنه ما دام وجيهاً معقولاً، يجب أن يقبل وينشر سواء أكان موجهاً إلى صديق أم إلى عدو ... وقد كتبت منذ أمد قريب، مقالة في «النشيد الوطني» بمناسبة تأليف الشباب الوطني، وعرضت فيها بالنقد إلى نشيد الجمهورية الذي نظمه الأستاذ خليل مردم بك ولم يوفَّق فيه أبداً وأخذته إلى القبس وهي اليوم أدنى جريدة إلى الأدب لمكان الدكتور العجلاني فيها. فاعتذرت من نشره بأن خليل بك صديق الجريدة! ... ونسيت أني أنا أيضاً صديق الجريدة وأن خليل
стр. 145
بك صديقي، ونسيت أن خليل بك في منزلته الأدبية أحق الناس بتقدير النقد وتشجيعه. إذا كان نقداً فنياً صحيحاً ...
ويمنع بعض جرائدنا من نشر النقد، أن بعض القائمين عليها لا يفهمون من الأدب إلا الشهرة الواسعة، والألقاب الطنَّانة، فإذا سمي النشاشيبي «أديب العربية الأكبر ...» وأطلقت ذلك خمس جرائد تعيش من فضلات ماله، كان معنى ذلك أن الأستاذ النشاشيبي منزَّه عن النقد، مبرَّأٌ من الذم، لا يجوز أن تكتب في جريدة كلمة تسوؤه، ولو ألَّف هو كتاباً سمَّاه، الإسلام الصحيح. فأساء فيه إلى الإسلام، وسفَّه الأمة، وضلَّل المسلمين كلهم منذ أحد عشر قرناً. وجعلهم جهلة مخرِّفين، وحمقى جاهلين خفي عليهم الحق ... فلم يروه حتى يتدارك الله الإسلام بهذا النشاشيبي ليأتي في آخر الزمان! فيرجع إلى الأصول، ويفهم منها ما لم يفهمه أحد من زمن الشافعي إلى زمان الناس هذا! ...
على أن الأمر لو وقف عند الجرائد لهان الأمر وسهل الإصلاح، ولكن هذا المرض قد سرى إلى الأدباء ... إلى الأدباء الكبار على وجه التخصيص، فغدوا يفزعون من النقد، ولو كان مسّاً رفيقاً، وغدا أديب كبير منتج هو الأستاذ معروف الأرناؤوط الذي يعدُّ في رأس الأدباء القليلين الذين قاموا بما يطلب منهم أو بأكثر مما يطلب منهم، هذا الأديب قد غضب من جملة كتبتها عنه في فصل (الحياة الأدبية في دمشق) المنشور في الرسالة، وعاتب عليها مرَّات كثيرة ... فما بالك بمن ليس في منزلة (معروف) وفهمه للأدب، إن مثل هذا يعادي الناقد، ويقيم له حرباً، على كلمة نقد ...
من أجل ذلك مات النقد في بلادنا، وجهله الناس: ولم يبق من يفرق بينه وبين السبِّ والشتم ويعلم أن الذي ينقد ليس عدواً ليسبَّ ويشتم؟ ولا خصماً يريد أن يهدم الأديب الذي ينقده، ولكن الذي ينقد أديب له ميزان حساس. وصنجات موزونة، وعنده مثل أعلى فهو يقيس عليه القطعة التي ينقدها ويبينِّ مقياسها ويعطيها ما تستحق من التقدير.
هذا هو النقد الذي سأكتبه، وسأجتهد أن أدنو به من قواعد النقد