٢١٦ - مسألة:
العاصي بسفره لا يترخص برخص المسافر [١٣/ب]، وبه قال الشّافعيّ، وزاد علينا: أنّه إن اضطر لم يأكل الميِّتة.
ولا أعرف فيه نصًا عن مالك.
وأصحابه يقولون: إنّه يأكل الميِّتة.
والأمر عندي محتمل.
وعند أبي حنيفة: يترخص الرخص كلها.
٢١٧ - مسألة:
[وعندنا]: يجمع بين صلاتي الفرض في وقت أحدهما: في المرض والسفر وباللّيل في المطر، وبه قال الشّافعيّ، وزاد: الجمع بين الظهر والعصر في المطر (١).
وقال أبو حنيفة: لا يجمع بين صلاتي فرض، إِلَّا بعرفة والمزدلفة.
стр. 142
مسائل الجمعة
٢١٨ - مسألة:
[عند مالك: أن] الجمعة فرض على الأعيان، وبه قال أبو حنيفة وظاهر مذهب الشّافعيّ.
وقال قوم: هي فرض على الكفاية، [وبه قال أصحاب الشّافعيّ].
٢١٩ - مسألة:
[ولا جمعة على عبد]، وبه قال الفقهاء.
وقال داود: عليه الجمعة واجبة.
٢٢٠ - مسألة:
[عند جميع الفقهاء أن المسافر لا جمعة عليه.
وقال داود: هي واجبة عليه].
٢٢١ - مسألة:
[عند مالك]: إذا كانت القرى فيها بيوت متصلة وسوق ومسجد، وجبت الجمعة عليهم بوال وبغير وال، وبه قال الشّافعيّ، [إِلَّا أنّه يعتبر أربعين رجلًا أحرارًا بالغين عقلاء أصحاء].
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد إِلَّا في مصر جامع ولهم سلطان، أو رجل أذن له السلطان، أو شرطي له إذن، وبه قال الحسن البصري والأوزاعي.
стр. 143
وقال محمَّد: إن مات السلطان، ولم يكن هناك من يستأذن وجمّع النَّاس الجمعة، صحت جمعتهم.
٢٢٢ - مسألة:
تجب الجمعة على من كان خارج المصر، إذا سمع النِّداء وإن كان على ثلاثة أميال، وبه قال الشافعي إذا سمع النِّداء.
وقال أبو حنيفة: لا جمعة على من كان خارج المصر وإن سمع النِّداء.
٢٢٣ - [مسألة]:
وقت الجمعة، إذا زالت الشّمس وبعده قليلًا، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال بعض النَّاس: تجوز إنَّ صلَّى قبل الزَّوال، وبه قال أحمد.
٢٢٤ - مسألة:
ليس [عند مالك] للجماعة الّتي تنعقد بهم الجمعة حد محصور.
ورأيت له منصوصًا: إنها لا تجب على الثّلاثة والأربعة، ولكنها تنعقد بما دون الأربعين، وبه قال أبو حنيفة.
وحكي عنه: أنّها تنعقد بإمام وثلاثة أنفس.
وقال أبو يوسف: نفسين وإمام.
وقال الشّافعيّ: لا تنعقد بدون الأربعين أحرارًا مستوطنين.
وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة: أن الإمام يخطب وحده.
٢٢٥ - مسألة:
إذا انفضوا من حول الإمام في الجمعة بعد أن صلَّى ركعة بسجدتيها، ولم يبق خلفه أحد، ولم يجد من يجمعها معه، بني عليها أخرى وصحت صلاته جمعة، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 144
وإن انفضوا قبل أن يتم الأولى، أتمّ ظهرًا أربعًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا انفضوا عنه بعد تكبيرة الافتتاح، أتمّ عليها جمعة.
وقال زفر: إن تفرقوا قبل أن يجلس للتشهد من الثّانية بطلت صلاته، وهو أحد قولي الشّافعيّ، والآخر مثل قول أبي يوسف ومحمد.
وبقولنا قال المزني.
٢٢٦ - مسألة:
وإذا زوحم المأمؤم بعد الركوع على السجود، وقد كان ركع، فقام الإمام إلى الثّانية، فليتبعه بالسجود ما لم يطمئن الإمام راكعًا في الثّانية، هذه رواية ابن عبد الحكم [عن مالك].
وروى [عنه] ابن القاسم: ما لم يرفع رأسه من الركوع في الثّانية، فإن خاف فوات الركوع، ألغى الّتي هو فيها وتبعه في الثّانية وتكون أولته، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال أبو حنيفة: يشتغل بما فاته من الأولى، وإن فاتته الثّانية اتبعه.
٢٢٧ - مسألة:
إذا صلَّى من تجب عليه الجمعة في بيته أربعًا، قبل صلاة الإمام لم تجزه، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه، وزفر.
وقال أبو حنيفة: تجزئه صلاته، ما لم يحضر الجمعة، وهو الثّاني للشافعي.
٢٢٨ - مسألة:
ويخطب الإمام خطبتين يجلس بينهما، فإن سبّح وهلّل [وكبّر] وصلّى أجزأه، في رواية ابن عبد الحكم.
وروى [عنه] ابن القاسم: أنّه لا يجزئه إِلَّا ما يسمى خطبة من كلام مؤلف [١٤/أ]، وبه قال الشّافعيّ ومحمد وأبو يوسف.
стр. 145
وبالأول قال أبو حنيفة، وروي عنه: أنّها خطبة واحدة.
٢٢٩ - مسألة:
ويجلس بين خطبتيه، ويخطب قائمًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة. ليست الجلسة واجبة وكذلك القيام؛ يخطب جالسًا أو قائمًا.
٢٣٠ - مسألة:
ولو أن إمامًا لم يصلّ بالناس الجمعة، حتّى دخل وقت العصر، فليصلّ الجمعة ما لم تغرب الشّمس، وإن كان لا يفرغ إِلَّا بعد الغروب.
وكان قول الأبهري وقولي اتفق على أنّه يراعى مقدار ثلاث ركعات قبل الغروب؛ ركعتان للجمعة ويدرك العصر بركعة، فيصلّي الجمعة ثمّ يدرك العصر.
وقال أبو حنيفة: إذا كان في صلاة الجمعة، ودخل عليه وقت العصر، وبقي منها ولو سجدة أو جلسة أو شيئًا من فروضها، بطلت الجمعة وصلَّى ظهرًا مبتدأ.
وقال الشّافعيّ: لا تبطل، وبنى على ما صلَّى ظهرًا.
وبقولنا قال عطاء وأحمد.
٢٣١ - مسألة:
إذا أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام، بنى عليها وكانت جمعة.
وإن كان أقل من ركعة بسجدتيها, صلَّى ظهرًا أربعًا، وبه قال الشّافعيّ.
وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس ﵃، والزهري والأوزاعي والثوري [ومحمد] وأحمد وزفر وإسحاق.
وقالت طائفة: لا يكون مدركًا للجمعة إِلَّا بإدراك الخطبة أو سماعها.
стр. 146
وروي ذلك عن عمر ﵁، ومن التابعين: عطاء وطاووس.
وقال أبو حنيفة: أي جزء أدرك من الجمعة، ولو في التشهد كانت جمعة، وبه قال النخعي وحماد ابن [أبي سليمان] (١) وأبو يوسف.
وزاد أبو حنيفة: أنّه إن أدرك الإمام في سجود السّهو بعد السّلام، فقد أدرك الجمعة، وقوله: إن سجود السّهو بعد السّلام إذا سلّم خرج من الصّلاة.
وإذا اشتغل بسجود السّهو عاد إليها حكمًا، وإن لم يكن عليه سجود فسلّم التسليمة الأولى، وأدركه بعدها صلَّى ظهرًا.
٢٣٢ - مسألة:
وإذا أصاب الإمام حدث قبل الصّلاة أو في الصّلاة، استخلف من يصلّي بالقوم، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: أنّه لا يستخلف إذا كان حدثه في الصّلاة.
٢٣٣ - مسألة:
لا يجمع في مصر، إِلَّا [في] جامع واحد وهو الأقدم منها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال محمّد بن الحسن: تصح في موضعين.
وقال داود وأصحابه: تصلَّى الجمعة في مساجد العشائر كلها.
وقال أبو يوسف: إذا كان المصر جانبين، مثل: بغداد، جاز أن تقام الجمعة في كلّ جانب، وإن لم يكن كذلك لم يجز.
стр. 147
٢٣٤ - مسألة:
إذا جلس الإمام على المنبر، فلا تبتدأ صلاة نافلة، وبه قال أبو حنيفة والليث والثوري.
وقال الشّافعيّ: إذا دخل والإمام يخطب، صلَّى تحية المسجد.
و [به] قال أحمد وإسحاق والحسن.
٢٣٥ - مسألة:
يجوز السَّفر يوم الجمعة قبل الزَّوال، والمستحب أن لا يفعل حتّى يصلّي [الجمعة]، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: لا يسافر بعد طلوع الفجر حتّى يجمع.
٢٣٦ - مسألة:
[ليس عند مالك نصّ في الإمام يخطب وحده، ودون من تنعقد بهم الجمعة.
والذي يوجبه النظر عندي: أن لا تصح إِلَّا بحضرة الجماعة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن ذلك يجوز].
٢٣٧ - مسألة:
إذا أصاب الإمام حدث في الخطبة استخلف، وإن تمادى محدثًا أجزأه وقد ترك الأحسن، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا، والآخر: لا يجزئه.
٢٣٨ - مسألة:
[قال مالك]: ولا يشمِّت عاطس، ولا يردّ سلام والإمام يخطب، وبه
стр. 148
قال أبو حنيفة، وإن فعل لم تبطل صلاته، وبه قال الشّافعيّ [في أحد قوليه].
وله قول: إنّه يتكلم، ويرد السّلام.
٢٣٩ - مسألة:
والتنفل جائز [يوم الجمعة] قبل جلوس الإمام، فإذا جلس فلا صلاة، ولا بأس بالكلام ما لم يتكلم، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يقطع الكلام عند قطع الركوع، قبل أن يتكلّم الإمام.
٢٤٠ - مسألة:
لا تجوز إمامة العبد في الجمعة.
وأجازه أشهب وأبو حنيفة والشّافعيّ.
стр. 149
صلاة الخوف
٢٤١ - مسألة:
حكي عن أبي يوسف والمزني: أن صلاة الخوف منسوخة، ولا تصلَّى [١٤/ب] بعد النبيّ ﷺ .
وقال جميع الفقهاء: إنها تصلّى.
وحكي عن أبي يوسف: أنّه كان يقول بقول ابن أبي ليلى: تصلَّى إذا كان العدو في القبلة، ولا تصلَّى إذا كان في غيرها.
٢٤٢ - مسألة:
عدد الركعات في الخوف أربع في الحضر، وركعتان في السَّفر للإمام والمأمومين، وإنّما الخلاف في هيئتها، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، وجميع الفقهاء والصحابة ﵃.
وروي عن جابر ﵁ أنّه قال: هي ركعة للمأموم، وركعتان للإمام يصلّي بطائفة ركعة، وبالأخرى ركعة، وحكي ذلك أيضًا عن طاووس والحسن.
٢٤٣ - مسألة:
قال أحمد ومالك: إذا كان الخوف يمنع من اجتماع النَّاس للصلاة، صلَّى الإمام بأذان وإقامة بطائفة ممّن معه وطائفة تجاه العدو، ويكبر ويقرأ قراءة تلك الصّلاة، إن سرًّا فسر وإن جهرًا فجهر؛ فيصلّي بهم ركعة، ثمّ
стр. 150
يقوم قائمًا فيتمون ركعة أخرى لأنفسهم، ويسلمون ويقفون مكان الطائفة الأخرى، ثمّ تلحق الطائفة الّتي لم تصل بالإمام، فيصلّي بهم الركعة الّتي بقيت بسجدتين وبتشهد ويسلم، ثمّ يقومون فيتمون لأنفسهم الركعة الباقية.
وكان مالك يقولى: لا يسلم بهم حتّى يتموا الركعة الّتي بقيت عليهم، ثمّ يسلم بهم، وبه قال الشّافعيّ.
ثمّ رجع مالك عن هذا.
ووافقنا الشّافعيّ في جميع ذلك، غير أنّه يقولى: ينتظر الإمام بسلامه فراغهم ثمّ يسلم بهم، وهو الّذي رجع عنه مالك.
وقال أبو حنيفة: تقوم طائفة مع الإمام؛ فيصلّي بهم ركعة وسجدتين وتنصرف، ثمّ تأتي الطائفة الأخرى؛ فيصلّي بها الركعة الثّانية ويسلم هو وينصرفون، ثمّ تأتي الطائفة الأولى؛ فتصلّي ركعة بسجدتيها وحدانا بغير قراءة، ثمّ يسلم وتنصرف، ثمّ تأتي الطائفة الأخرى؛ فيقضون الركعة بقراءة، وتمت صلاتهم بعد سلام الإمام.
ففرق بين الطائفة الأولى والثّانية في القراءة، فأوجبها على الثّانية دون الأولى؛ لأنّ الأولى في حكم الإمام حتّى يصلّي بالثّانية.
стр. 151
صلاة العيدين
٢٤٤ - مسألة:
[قال مالك]: ويكبر [في] العيدين سبعًا في الأولى بتكبيرة الإحرام، وستًا في الثّانية بتكبيرة القيام، وكل ذلك قبل القراءة.
وقال الشّافعيّ: [يكبّر] سبعًا في الأولى سوى تكبيرة الإحرام، والثّانية مثل قولنا.
وأبو حنيفة يقول: الزائد من التكبير ستًا في ركعتين، سواء ثلاث في الأولى سوى تكبيرة الإحرام قبل القراءة، وثلاث في الثّانية بعد القراءة، فإنّه يوالي بين القراءتين.
٢٤٥ - مسألة:
ويبدأ بالتكبير عقيب الصلوات، من الظهر يوم النَّحر، وبه قال الشّافعيّ، وهو الصّحيح.
وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: يبدأ به من صلاة الصُّبح يوم عرفة.
وقال مالك والشّافعيّ في أحد قوليه: يقطع التكبير عقيب صلاة الصُّبح من آخر أيّام التّشريق، فمجموعها: خمس عشرة صلاة.
وقال أبو حنيفة: يبدأ بعد الصُّبح من يوم عرفة، ويقطع عقيب صلاة العصر من يوم النَّحر، فتكون: ثمان صلوات.
стр. 152
وقال محمّد وأبو يوسف: يكبّر إلى عقيب الصّلاة من العصر من آخر أيّام التّشريق ثمّ يقطع، فتكون: ثلاثًا وعشرين صلاة.
وللشافعي: قولان آخران: أحدهما مثل قول محمّد وأبي ويوسف، والآخر: أنّه يبتدئ بالتكبير بعد المغرب ليلة النَّحر ويقطع بعد صلاة الصُّبح من آخر أيّام التّشريق، فله: ثلاثة أقوال في التبدئة، وقولان في القطع.
٢٤٦ - مسألة:
ويكبّر دبر الصلوات من صلَّى وحده، وإن كان مسافرًا، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تكبير على المنفرد والمسافر والمرأة [١٥/أ].
٢٤٧ - مسألة:
لا تصلَّى صلاة العيدين في غير يوم العيد، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: قول مثل قولنا، والآخر: إنها تقضى من الغد، وقاله أحمد.
стр. 153
مسائل الخسوف
٢٤٨ - مسألة:
صلاة كسوف الشّمس ركعتان، في كلّ ركعة ركوعان، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: تصلَّى ركعتان كسائر النوافل من غير زيادة ولا إطالة، ولكنها تصلَّى في جماعة ويسر فيها.
وقال محمّد وأبو يوسف: يجهر فيهما بالقراءة.
٢٤٩ - مسألة:
وليس لخسوف القمر جماعة، ويصلّي كلّ إنسان لنفسه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: سنتها الجماعة.
٢٥٠ - مسألة:
صلاة الاستسقاء سنة في جماعة، ويخطب فيها ويحوّل رداءه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: ليس فيها صلاة مسنونة، ولكن الإمام يخرج ويدعو.
٢٥١ - مسألة:
وتصلّى ركعتين من غير زيادة تكبير كالنافلة.
стр. 154
وقال الشّافعيّ: يكبر فيها كالعيد.
٢٥٢ - مسألة:
ومن صلَّى في بيته وحده، فليعد في جماعة إِلَّا المغرب.
وقال الشّافعيّ: يعيد الجميع.
وقال أبو حنيفة: يعيد إِلَّا الصُّبح والعصر.
٢٥٣ - مسألة:
قال الشّافعيّ إذا أحرم الرَّجل بالصلاة منفردًا، فأراد قوم الائتمام به لم يجز، حتّى ينوي الدخول إمامًا؛ لأنّه يتحمل عنهم القراءة والسهو وأشياء، متى لم ينو لم تحصل له الإمامة.
وقال بعض أصحابه: لا يحتاج إلى نيّة، وهو قولنا.
وحكي عن أبي حنيفة: إذا نوى الإمامة صلَّى الرجال خلفه من غير نيّة لهم، ولا يجوز للنساء إِلَّا أن ينوي الإمامة بهن.
٢٥٤ - مسألة:
اختلف عن مالك فيما إذا أخبر الإمام من خلفه أنّه ترك ركعة، هل يرجع إلى قولهم، أو يعوّل على يقينه؟
فقال: يرجع إليهم، وقال: يعوّل على يقينه.
وقال الشّافعيّ: لا يرجع إليهم، ويعمل بيقينه.
٢٥٥ - مسألة:
تجوز الصّلاة في المقبرة على كراهية، إذا كانت نبشًا طريًا، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال داود: لا تجوز في المقبرة.
٢٥٦ - مسألة:
عند داود من حضر طعامه فتركه وصلَّى، أو صلَّى وهو يدافع الأخبثين، فصلاته باطلة.
стр. 155
والفقهاء على خلاف ذلك.
٢٥٧ - مسألة:
ولا بأس بالسّدل في الصّلاة، وهو أن يسدل رداءه على صدره، إذا كان عليه ما يستر عورته.
وكرهه الشّافعيّ.
٢٥٨ - مسألة:
قيام رمضان في بيته لمن قوي عليه أحب إلينا.
وقال قوم: في المسجد أفضل.
واختلف فيه أصحاب الشّافعيّ.
٢٥٩ - مسألة:
عدد التراويح عند أهل المدينة تسع [ترويحات]، وهي ست وثلاثون ركعة، ثمّ يوترون بثلاث [ركعات]، فذلك: تسع وثلاثون.
وقال الشّافعيّ: أحب إلى أن تكون خمسًا، وهي عشرون ركعة، وهو قول أهل العراق.
٢٦٠ - مسألة:
ومن ترك صلاة الفرض عمدًا وجب عليه قضاؤها وإن كان عاصيًا، وبه قال الفقهاء، إِلَّا داود وأبا عبد الرّحمن الأشعري الشّافعيّ (١).
стр. 156
٢٦١ - مسالة:
اختلف الناس في تارك الصلاة عمدًا لغير عذر.
فذهب الجماعة: أنه إن كان جحدًا لها فهو كافر، وحكمه حكم المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
واختلف إذا تركها غير جاحد وامتنع من فعلها تكاسلًا أو غير ذلك، فمذهب مالك أنه يقال له: صلّ ما دام الوقت باقيًا من وقت ظهر عليه، فإن فعل ترك، وإن أبى وامتنع حتى خرج الوقت قتل.
واختلف أصحابنا [١٥/ب] هل يستتاب؟
فقيل: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وقيل: لا يستتاب، فإنه حد يقام عليه، ولا تسقطه التوبة وهو فاسق كالزاني والسارق، وليس كافرًا، وبه قال الشافعي.
واختلف أصحابه في الاستتابة.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: لا يقتل بوجه.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه يخلى بينه وبين الله، وظاهر مذهبه: أنه يعزّر.
وحكى أصحابنا عنه: أنه يحبس حتى يموت، وليس بمذهبهم.
وقال أحمد: هو كافر مرتد، وماله فيء لا يورث، ويدفن مع المشركين، إذا تركها متهاونًا كتركه جاحدًا لها.
ووافق في سائر العبادات أنه لا يكفّر بتركها، وبه قال جماعة من أهل الحديث.
وقالت الخوارج: إذا ترك شيئًا من العبادات كفر؛ لأن من أصولهم: تكفير أهل الكبائر.
стр. 157
واختلف المتكلمون على ثلاثة مذاهب:
فقال أهل الحديث منهم المرجئة: إنّه يفسق كقولنا.
وقالت الخوارج: يكفر.
وقالت المعتزلة: ليس بكافر ولا فاسق، وله رتبة بين رتبتين.
стр. 158
صلاة الجنائز
٢٦٢ - مسألة:
تنزع ثياب الميِّت عند الغسل وتستر عورته، وبه قال أبو حنيفة والمزني.
وقال الشّافعيّ: يغسل في قميصه.
٢٦٣ - مسألة:
[قال مالك]: وإن وضئ فحسن، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يوضأ.
٢٦٤ - مسألة:
[قال مالك]: يغسل الميِّت ثلاثًا أو خمسًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: الزيادة على الثلاث تسقط الوتر.
٢٦٥ - مسألة:
لا يؤخذ من شعره ولا ظفره، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال: يؤخذ. وبالأول أخذ المزني.
стр. 159
٢٦٦ - مسألة:
ويفعل بالميِّت محرمًا ما يفعل بالحلال، وبه قال الحسن وعكرمة والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: لا يغطي رأسه ولا يمس طيبًا.
٢٦٧ - مسألة:
ويغسل الرَّجل امرأته إذا ماتت، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يغسل.
٢٦٨ - مسألة:
لا تبنى القبور ولا تجصص، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّزه أبو حنيفة.
٢٦٩ - مسألة:
ولا يصلَّى على سقط حتّى يستهل صارخًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يصلَّى عليه، وهو أحد قولي الشّافعيّ، إذا كان له أربعة أشهر فأكثر، [في بطن أمه ثمّ سقط].
٢٧٠ - مسألة:
والمقتول في سبيل الله في المعركة لا يغسل ولا يصلَّى عليه، وبه قال الشّافعيّ والليث.
وقال الحسن وسعيد بن المسيَّب: يغسل ويصلّى عليه.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: يصلَّى عليه ولا يغسل.
٢٧١ - مسألة:
البغاة من المسلمين إذا قتلوا في المعركة غسلوا وصلّي عليهم، وبه قال الشّافعيّ.
стр. 160
وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلَّى عليهم.
٢٧٢ - مسألة:
لسنا نعرف نصًا عن مالك في المقتول في المعركة، إذا عرف أنّه كان جنبًا قبل القتل، هل يغسل أم لا؟
والقياس: ألَّا يغسل، وبه قال بعض أصحاب الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يغسل، وهو قول أبعض، أصحاب الشّافعيّ.
٢٧٣ - مسألة:
والشهيد الّذي يموت في المعترك، أو يجرح فيه ويعيش فيه يومًا أو يومين أو أكثر، يطعم ويشرب ثمّ يموت، أو يقتل ظلمًا أو يغرق أو يجرح، فيموت سواء قتل بحديدة أو بخشبة أو بحجر، كلهم يغسلون ويصلّى عليهم، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا قتل ظلمًا بحديدة لم يغسل، وإن قتل بغيره ممّا لا قصاص فيه عنده غسل.
٢٧٤ - مسألة [ ١٦/أ]:
الصغير إذا قتل في المعترك، لم يغسل ولم يصلّ عليه، هذا القياس، وبه قال أصبغ والشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يغسل.
وقال أبو يوسف ومحمد مثل قولنا.
٢٧٥ - مسألة:
ليس من السُّنَّة أن يكفن في القميص، وبه قال الشّافعيّ [وأحمد وإسحاق].
وقال أبو حنيفة: لا بأس به.
стр. 161
٢٧٦ - مسألة:
والمشي أمام الجنازة أفضل، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: وراءها أفضل، وروي ذلك عن علي ﵁ وليس بصحيح.
وقالت طائفة: إن كان راكبًا فخلف الجنازة، وإن كان ماشيًا فحيث شاء، وهو قول سفيان، وأنس ﵁.
وروي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "الرَّاكِبُ خَلْفَ الجَنَازَةِ وَالمَاشِي حَيْثُ شَاءَ" (١).
٢٧٧ - مسألة:
إذا اجتمع الوالي والولي، فالوالي أحق بالصلاة على الميِّت، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان قول مثل قولنا، وقول. إن الولي [حق] وهو قول أبي يوسف.
٢٧٨ - مسألة:
وتكبيرات (٢) الجنازة أربع، وبه قال الفقهاء أجمع.
وقال ابن أبي ليلى، وجابر وزيد (٣) ﵁: إنها خمس، وقال به قوم.
стр. 162
وقال ابن سيرين (١): ثلاث.
وقال بعض النَّاس: سبع.
٢٧٩ - مسألة:
لا يقرأ فيها شيء من القرآن، وبه قال أبو حنيفة والثوري.
وقال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق: يقرأ فاتحة الكتاب، وروي عن علي وابن عبّاس وأبي أمامة ﵃.
٢٨٠ - مسألة:
لايصلَّى على قبر بعد أن صلّي على الميِّت.
وروى ابن وهب عنه جوازه، وبه قال أبو حنيفة والثوري.
وقال الشّافعيّ: يصلَّى على العضو.
٢٨١ - مسألة:
ومن فاته بعض التكبير والإمام قائم يدعو، دخل معه بغير تكبير، وانتظره حتّى يكبر فيكبّر (٢) معه، أحب إلينا، ويقضي بعد السّلام ما فاته نسقًا متواليًا.
وروي عنه أنّه يكبر ويدخل معه ويعتد بها.
وبالأول قال أبو حنيفة ومحمد.
وبالثّاني قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال الحسن: يدخل بتكبير ولا يقضي ما فاته.
стр. 163
٢٨٢ - مسألة:
ولا يصلَّى على جنازة في المسجد، إِلَّا أن يضيق الطريق.
وكرهه أبو حنيفة.
وجوّزه الشّافعيّ.
٢٨٣ - مسألة:
اختلف قول مالك في الرجعية، هل يغسّلها زوجها؟
فروى ابن القاسم: أنّه لا يغسلها.
وروى ابن نافع (١): أنّه يغسلها.
٢٨٤ - مسألة:
لأبي تمام: إذا اختلط المسلمون والمشركون، ولم يميزوا صلّي عليهم ونوي بها المسلمون، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصلَّى عليهم، إِلَّا أن يكون المسلمون أكثر.
٢٨٥ - مسألة:
اختلف النَّاس في ابن آدم إذا مات:
فقال قوم: ينجس. وقال قوم: لا ينجس.
وليس لمالك فيه نصّ.
стр. 164
وقد مرّ لي في العتبية (١) لبعض أصحابه: أنّه طاهر، وهو رأيي.
واختلف قول الشّافعيّ [أيضًا فيه].
٢٨٦ - مسألة:
ليست منصوصة [لنا]، ولا هذا موضعها، وأحببت أن لا أجلى منها، [وهي]: الصّلاة خلف من يلحن في القراءة في فاتحة الكتاب.
فأقول: اللّحن على ضربين: فما كان منه لا يغيّر المعنى، فعندي أن الصّلاة خلفه صحيحة، إِلَّا أن يتعمّد ذلك.
ولحن يغيّر المعنى، مثل: من يكسر الكاف من: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ويضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، فهذا لا ينبغي أن يصلَّى خلفه.
стр. 165
كتاب الزَّكاة
٢٨٧ - مسألة:
إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة، فقد اختلف قول مالك:
فروى [عنه] ابن القاسم وابن عبد الحكم: أن الساعي مخيّر بين أن يأخذ حقتين، أو ثلاث بنات لبون، على ما هو أصلح للفقراء.
واختار [١٦/ب] ابن القاسم ثلاث بنات لبون، وقال: وهو مذهب الزّهريُّ.
وروى عبد الملك وغيره [عن مالك]: أن الفريضة لا تتغير عن الحقتين بواحدة، حتّى تصل عشرًا، فإذا كانت مائة وثلاثين، كان فيها بنتا لبون وحقة، وهو مذهب أحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا زادت على مائة وعشرين، استؤنفت الفريضة في كلّ خمس (١) شاة، وفي العشر شاتان، فإذا صارت مائة وأربعين، ففيها حقتان وأربع شياه، فإذا بلغت مائة وخمسًا وأربعين، ففيها حقتان وبنت مخاض، كما كان في ابتداء الإبل، فإذا بلغت مائة وخمسين، ففيها ثلاث حقاق، ثمّ يستأنف الغنم كلّ خمس شياه.
وقال الشّافعيّ: إذا زادت الإبل واحدة على مائة وعشرين، ففيها ثلاث
стр. 166
بنات لبون بلا خيار، وهو قول ابن القاسم وأبي عبيد وأبي ثور.
وقالت طائفة: إذا بلغت مائة وخمسة وعشرين، ففيها حقتان وبنت مخاض، وإليه ذهب حماد ابن [أبي] سليمان (١) والحكم بن عتيبة (٢).
وحكي عن ابن جرير: أنّه اختلفت الأخبار، وروي ما يوافق كلّ طائفة، فمن شاء أخذ بقول من شاء منهم.
٢٨٨ - مسألة:
في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر، إذا كان في المالى، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز أخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض، إذا كانت قيمتهما واحدة؛ لجواز أخذ القيم عندهم فيها.
٢٨٩ - مسألة:
إذا كان عنده خمس وعشرون من الإبل، وليس فيها بنت مخاض ولا ابن لبون، فلا يجزئه إلا بنت مخاض بالشراء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هو مخير في شراء أيهما شاء.
٢٩٠ - مسألة:
اختلف قولى مالك في الأوقاص (٣) الّتي بين النِّصَب:
فالظاهر من مذهبه: أن الزَّكاة لا تتعلّق بها.
стр. 167
وروي عنه: أن الزَّكاة تتعلّق بالنصاب والوقص جميعًا، ومثل هذا حكي عن محمّد بن الحسن، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة واحد قولي الشّافعيّ: لا زكاة في الوقص.
وعند أبي حنيفة فيما زاد على أربعين من البقر روايتان: إحداهما: أنّه بحساب الأربعين، والأخرى: لا شيء حتّى تبلغ خمسين، فيكون فيها مسنة وربع مسنة، ورواية ثالثة: مثل قولنا.
٢٩١ - مسألة:
إذا كان عنده نصاب من الماشية، فاستفاد إليها من جنسها نصابًا أو دونه، زكى الفائدةُ مع ما كان عنده لحول الأصل، سواء كانت بولادة أو هبة أو شراء أو ميراث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يستقبل بها حولًا، إِلَّا أن تكون من ولادة.
فتوافق [أنّها إذا كانت بولادة، فإنها تزكى لحول الأمهات]، إذا كانت الأمهات نصابًا.
٢٩٢ - مسألة:
إذا كان له خمس من الإبل كلها مرضى أو جرباء، فعليه أن يأتي بشاة، وكذلك خمس وعشرون من الإبل مرضى، وفيها بنت مخاض وابن لبون مراض، كلّف أن يشتري صحيحًا، وكذلك إذا كانت الغنم سِخالًا (١) [كلّفناه أن يأتي بالسن المجعول]، وكذلك إذا كانت الإبل والبقر صغارًا كلها أو مرضى، كفف شراء الواجب من غيرها.
وقال محمّد بن مسلمة: إذا جربت مواشي النَّاس كلها، لم يكلّف صاحبها الإتيان بصحيحة (٢)، ولم يجز الأخذ منها، وبه قال داود، إِلَّا في السخال تترك ولا تزكى [١٧/أ].
стр. 168
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يؤخذ منها.
٢٩٣ - مسألة:
يؤخذ في صدقة الغنم الجذعة، والثنية من الضأن والمعز.
واختلف أصحاب أبي حنيفة؛ فقالوا في المشهور عنه: لا يؤخذ إِلَّا الثني من الضأن والمعز جميعًا.
وروي عنهم: الثني من الضأن والمعز، والجذع من الضأن وحده.
وقال الشّافعيّ: لا يؤخذ من المعز [إِلَّا الثني]، و [من] الضأن إِلَّا الجذع.
وردوه إلى الضَّحايا.
٢٩٤ - مسألة:
إذا كان في الغنم ذكور وإناث جذاع وثنايا، فالواجب أعندنا، الإناث من الجذعة والثنية، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز أخذ الذكر والأنثى.
٢٩٥ - مسألة:
حكي عن بعض التابعين أنّه قال: في خمس من البقر شاة كالإبل، وهو خلاف الفقهاء، وهو فاسد.
٢٩٦ - مسألة:
إذا ماتت الأمهات وبقيت السخال وهي نصاب، ففيها الزَّكاة شاة كبيرة، وكذلك فصلان الإبل، وعجاجيل البقر فيها الزَّكاة مثل الكبار.
وحكي عن أبي حنيفة ومحمد أنّه: لا زكاة فيها.
وقال أبو يوسف: يؤخذ منها، وهو أحد قولي الشّافعيّ، ولو حال الحول عليها منفردة، وجبت الزَّكاة فيها قولًا واحدًا وأخذ منها.
وقول زفر مثل قولنا.
стр. 169
وقال داود: لا تعد السخال أصلًا، كانت مع الأمهات أو منفردة.
٢٩٧ - مسألة:
إذا كان له دون نصاب من الأمهات فتوالدت قبل مجيء الساعي وقبل الحول، فجاء الساعي وهي نصاب؛ زكّاها عندنا وعند أبي حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يستقبل بالجميع حولًا من يوم كملت بالسخال نصابًا، ولا يكون حول أمهاتها حولًا لها.
٢٩٨ - مسألة:
والخليطان في الماشية كلها يزكيان زكاة المالك الواحد، إذا كان في ملك كلّ واحد نصاب.
وبه قال الشّافعيّ، إِلَّا أنّه لا يعتبر النصاب في ملك كلّ واحد منهما، ولو اختلطا أو اشتركا في نصاب، أو كان عشرة في نصاب وأكثر من عشرة، كانت عليهم الزَّكاة.
وأبو حنيفة لا يرى للخلطة تأثيرًا، ويجب على كلّ واحد ما كان يجب عليه في الانفراد.
٢٩٩ - مسألة:
عند أبي حنيفة الزَّكاة تتعلّق بالعين دون الذِّمَّة، ويجب بحول الحول وإمكان الأداء للإمام، فإن لم يمكنه إيصالها إليه عشرين سنة، ثمّ تلفت بغير فعله لم يضمن، وبه قال مالك.
غير أن مالكًا يقول: إن تلفت بفعله أو بغير فعله، لم يضمن لماضي السنين، ولو جاء الساعي ولم يجد عنده شيئًا، لم يلزمه شيء، إِلَّا أن يكون باعها أو أكلها فرارًا [من الصَّدقة]، فإنّه يأخذ منه لما مضى إلى حين أتلفها.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا في الساعي، وقال: إن تلفت
стр. 170
من الله قبل مجيء الساعي لم يضمن، وإن استهلكها ضمن إذا كان بعد الحولى، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قوله في تعلّقها بالعين أو الذِّمَّة، فقال: لا يشترط إيصالها [إلى] الإمام، وإن فرّط في إخراجها تعلّقت بذمته.
واختلف قوله إذا تلفت بعد الحول قبل إمكان الأداء؛ فقال: يضمن، وقال: لا يضمن إِلَّا بالإمكان.
٣٠٠ - مسألة:
إذا لم تزك الأموال الباطنة العين سنين مع وجود النصاب والحول، ولم يخرج زكاتها حتّى تلف المالى، ضمن الزَّكاة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه؛ لأنّه أمين، ولا يكون متعديًا بالتأخير.
وقال الشّافعيّ [١٧/ب]: لو أخرج الزَّكاة ومضى يطلب الفقراء، فتلفت في يده ضمن.
وعندنا: لا يضمن، إِلَّا أن يخرجها قبل محلها فلا يبرأ.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن، والموطَّألبه الإمام ومنعه منها، ثمّ تلف المالى فإنّه يبرأ.
٣٠١ - مسألة:
حكي عن بعض نفاة القياس، منهم داود: أن من وجبت عليه جذعة، فأعطى ماخضًا لم تجزه.
والفقهاء على خلاف ذلك.
٣٠٢ - مسألة:
ولا يجوز أخذ القيم في الزَّكاة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز، سواء وجد المنصوص أو عدمه.
стр. 171
ووافقنا في أنّه لا يجوز أن يخرج بدل [الزَّكاة] السكنى، مثل أن يجب عليه خمسة دراهم، فأسكن فقيرًا في داره شهرًا أو أجرها خمسة، فإنّه لا يجوز، وما سوى ذلك جائز.
وخالفنا الشّافعيّ في جواز إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب.
ووافقنا فيه أبو حنيفة.
٣٠٣ - مسألة:
تجب الزَّكاة في المعلوفة والعوامل، كوجوبها في السائمة، وبه قال داود، إِلَّا في معلوفة الغنم خاصّة دون البقر والإبل.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا زكاة في الجميع.
٣٠٤ - مسألة:
إذا هرب رب الماشية بها من الساعي بعد مجيئه، ومضى الحول فتلفت، ضمن الزَّكاة.
وكذلك لو أقام [على هذا] سنين، ضمنها على ما كانت تجب عليه في جملة السنين، سواء تلفت أو بقيت، فإن الزَّكاة تجب عليه في كلّ سنة كانت فيها ماشيته موجودة، على ما كانت تجب عليه قبل ذلك.
ومثله: لو باع ماشيته أو ذبح أو وهب فرارًا من الزَّكاة، [فإن الساعي يلزمه الزَّكاة الّتي تجب عليه].
ويجيء على هذا إذا كان معه نصاب من الرقة، فإنّه إن قرب الحول بيوم أو يومين، فأتلف بعضه فرارًا من الزَّكاة وجبت عليه، فإنها موكولة إليه، وبه قال قوم من التابعين.
وأمّا في هرب رب الماشية، فينبغي أن يكون وفاقًا بيننا وبين أبي حنيفة والشّافعيّ؛ لأنّهما يقولان: تجب بالنصاب والحولى وإمكان الأداء، عند أبي حنيفة واحد قولي الشّافعيّ.
стр. 172
٣٠٥ - مسألة:
لا زكاة في الخيل، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد والليث والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: إن كانت سائمة، ففي كلّ فرس دينار، وإن شاء قوّمها وأعطى عن كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، كانت إناثًا [كلها] أو ذكورًا [وإناثًا].
٣٠٦ - مسألة:
تجب الزَّكاة في أموال اليتامى والمجانين، وبه قال كافة الفقهاء.
إِلَّا أبا حنيفة، فإنّه يعتبر في مالك الزَّكاة أربع شرائط، ونحن نعتبر شرطين: الحرية والإسلام، ويزيد أبو حنيفة: البلوغ والعقل، فعنده أربع شرائط.
٣٠٧ - مسألة:
من كان عنده نصاب من الغنم، فباعه قبل الحول بنصاب من الغنم، بني على حول الأولى، وكذلك في الإبل بالإبل، والبقر بالبقر، ولا يعتبر أن يكون الأولى نصابًا إذا باعها بنصاب، وإن كانت الثّانية دون النصاب فلا زكاة.
وكذلك دراهم بدراهم، ودنانير بدنانير، ودنانير بدراهم، أو دراهم بدنانير ودراهم سواء.
وإذا باع صنفا من الماشية بغيره من الماشية، فقولان: أظهرهما الاستئناف، ووافق أبو حنيفة في الدنانير والدراهم، وخالفنا في الماشية.
وخالفنا الشّافعيّ في الجميع، فقال: يستأنف حول الثّانية في العين والحرث والماشية، سواء كان بصنفه أو بغيره.
стр. 173
٣٠٨ - مسألة:
عن ابن المنذر (١): إذا كان عند العبد مال [١٨/أ]، فزكاته على مولاه، وبه قال الشّافعيّ والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي.
وقال مالك وأحمد وأبو عبيد: لا زكاة فيه عليه، ولا على السَّيِّد عنه، وبه قال ابن عمر وجابر ﵃، والزهري وقتادة.
وقال عطاء وأبو ثور: على العبد نفسه الزَّكاة، وروي ذلك أيضًا عن ابن عمر ﵁.
٣٠٩ - مسألة:
لا زكاة في مالى المكاتب، عينًا أو ورقًا أو ماشيةً أو حرثًا، وبه قال أبو حنيفة، إِلَّا في العشر في الحرث وما فيه تجب العشر.
وقال أبو ثور: تجب في جميع ماله.
وبقولنا قال الشّافعيّ وجميع الفقهاء.
٣١٠ - مسألة:
تعتبر النية في إخراج الزَّكاة؛ أخرجها بنفسه أو نائبه، وهو قول الفقهاء.
إِلَّا الأوزاعي: تصح عنه بغير نيّة.
٣١١ - مسألة:
من غصب ماله فأقام سنين ثمّ عاد إليه، زكى لسنة واحدة، وكذلك اللقطة إذا عادت بعد سنين، وكذلك الدِّين إذا قبضه، والعرض إذا باعه بعد
стр. 174
سنين، وكان للتجارة ولم يكن صاحبه مديرًا، وكذلك الماشية إذا غصبت سنين عند مالك.
وقال ابن القاسم وغيره: يزكي لماضي السنين، كما لو غصبت نخلة سنين، ثمّ ردت مع تمرها.
وهذا ينبغي أن يكون إذا ردت عليه الماشية بنمائها.
وقال أبو حنيفة: يزكي في الغصب واللقطة لما مضى.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال تارة مثل قول أبي حنيفة، وتارة: لا زكاة عليه أصلًا، ويستأنف الحول.
٣١٢ - مسألة:
ومن غل الزَّكاة أو كتم بعض ماله، وكان الإمام عدلًا، لم تؤخذ منه زيادة على زكاته الواجبة عليه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أحمد وغيره: تؤخذ منه الزَّكاة وشطر (١) ماله عقوبة.
وما أعلم هل يأخذ شطر المال الّذي كتمه، أو شطر الكل؟
٣١٣ - مسألة:
إذا ضربت فحول الظباء إناث الغنم فتوالدت، وجبت في سخالها الزَّكاة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: إذا توالدت من جنسين أحدهما لا تجب فيه الزَّكاة، لم تجب في الأولاد، كما لو ضربت فحول الغنم إناث الظباء، فإنّه لا زكاة.
٣١٤ - مسألة:
إذا كان الراعي والفحل والمَراح واحدًا، فهم خلطاء مع الافتراق في المَبيت والحِلاب. وكذلك القوم يجمعون الأغنام عند راع واحد يدفع هذا
стр. 175
غنمه وهذا غنمه، وتنقلب غنم كلّ واحد في اللّيل إلى صاحبه تبيت عنده، فهم خلطاء. فعند مالك ثلاثة أوصاف.
وكان شيخنا أبو بكر يعتبر وصفين، أيَّ وصفين كانا من الأوصاف.
وحكي عن بعض شيوخنا: أنّه كان يراعي وصفًا واحدًا، وهو الراعي، قال: لأنّه كالإمام الّذي يتغير به حكم الجماعة عن حكم الانفراد، ومرّ به عن ابن القاسم اعتبار وصف واحد، ولكن لم يعينه.
وأبو حنيفة لا يعتبر الخلطة عنده حكم الانفراد، فلم يراع أوصافها.
وقال الشّافعيّ: [لا يكونان خليطين]، حتّى يريحا ويسرحا ويحلبا ويسقيا وتكون الغنم مختلطة معًا. والمراح عنده: الموضع الّذي تأوي إليه الغنم. [والمسرح: الموضع الّذي ترسل الأغنام فيه. والسقي: هو الحوض الّذي يشرب منه الماء، والبئر والنهر، فلا بد أن تجتمع على شرب واحد]. ويكون الفحل واحدًا يضرب الجميع. ومتى عدم وصف من هذه الصفات لم تكن عنده خلطة، وزكى كلّ واحد لنفسه.
٣١٥ - مسألة:
إذا اختلطا فيما دون السنة قبل الحولى شهرًا أو اثنين، فهم خلطاء.
واختلف قول الشّافعيّ، فله مثل قولنا، وقال: حتّى يمضي لها حول مختلطين.
٣١٦ - مسألة:
لا يجزئ إخراج الزَّكاة قبل محلها، وبه قال أهل الظّاهر وأبو عبيد ابن حربويه (١) من أصحاب الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يجوز.
стр. 176
٣١٧ - مسألة:
[اختلف العلماء]: إذا أخذ الإمام الزَّكاة ممّن يعلم أنّه لا يخرجها بغير اختياره، فقال مالك والشّافعيّ: تجز عنه، ورأيت مثله لأبي حنيفة [١٨/ب].
وروي عنه أن الإمام يحبسه ويلجئه إلى الإخراج، ولا يأخذها هو منه.
وحكي عن قوم: أنّها لا تجزئه؛ لأنّه لم ينوها كالصلاة.
٣١٨ - مسألة:
إذا لم يوص الميِّت بإخراج الزَّكاة، وقد علم ورثته بها، استحب لهم الإخراج عنه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يخرج من أصل ماله.
٣١٩ - مسألة:
إذا أوصى بزكاة ووصايا، فقال مالك: تبدأ الزَّكاة إذا ضاق الثلث.
وقال أبو حنيفة: هي والوصايا سواء.
٣٢٠ - مسألة:
[لأبي تمام]: وتوسم ماشية الزَّكاة؛ لتتميز عن غيرها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا توسم.
стр. 177
زكاة الحبوب والثمار
٣٢١ - [مسألة]:
لا يجب في الحبوب والثمار زكاة حتّى تبلغ خمسة أوسُق (١)، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يجب العشر أو نصف العشر، من قليله وكثيره.
وقيل: إنّه خالف الإجماع.
٣٢٢ - مسألة:
لا زكاة في الفواكه، مثل: الرمان والتفاح والخوخ، وما أشبه ذلك كله، ولا البقول كلها، وبه قال الأوزاعي والشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد وداود.
وقال أبو حنيفة: في قليل ذلك وكثيره الزَّكاة، ووافقه أبو يوسف ومحمد في الثمار دون الخضراوات.
٣٢٣ - مسألة:
ويؤخذ من زيت الزيتون الزَّكاة، إذا بلغ حبه خمسة أوسق، وبه قال أبو حنيفة، ويقول: يؤخذ من قليله وكثيره.
стр. 178
وبقولنا قال أبو يوسف ومحمد [في المقدار].
وقال الشّافعيّ في أحد قوليه: لا زكاة فيه.
٣٢٤ - مسألة:
يخرص (١) النخل والكرم حين يطيب، وبه قال الشّافعيّ.
وحكى [أصحابنا وأصحاب الشّافعيّ] عن أبي حنيفة: أنّه منع منه.
ورأيت لبعض [شيوخنا: لأبي حنيفة] (٢) - ممّن أثق بقوله - أنّه يقول: إن رأى الإمام الحظ في خرص ذلك حفظًا للمساكين عن أرباب المال، جاز ذلك.
٣٢٥ - مسألة:
لا زكاة في العسل، وهو أصح قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: فيه العشر.
٣٢٦ - مسألة:
يجمع البرّ والشعير في الزَّكاة، إذا أخرجت أرضه وسقين قمحًا، وثلاثة شعيرًا وجبت الزَّكاة.
وقال الشّافعيّ: لا يجمع، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره. وهما عندهم جنسان يجوز بيعهما متفاضلة بعضها ببعض، وهي عند مالك جنس واحد.
стр. 179
٣٢٧ - مسألة:
يجمع العشر والخراج على رجل واحد في أرض واحدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجتمعان.
٣٢٨ - مسألة:
ومن اكترى أرضًا فزرعها، فزكاة ما تخرجه على المستأجر، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: على المؤاجر.
стр. 180
زكاة العين
٣٢٩ - مسألة:
[لأبي تمام]: إذا نقصت مائتا درهم (١) يسيرًا تجوز به جواز الوازِنة (٢) ففيها الزّكاة.
وحكى لنا الشّيخ [الأبهري] عن شيوخه أن معنى هذا: أنّها تنقص في ميزان وتصح في آخر، لم يضر اختلاف الموازين.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز: إن نقصت ثلاثة دراهم، أو ثلاث دنانير في الدّينار (٣)، ففيها الزَّكاة، وهو قول محمّد بن مسلمة.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهما: لا زكاة فيها.
وقال بعض الشّافعيّة: لو نقصت في ميزان واحد من موازين في درب عون كله حبة أو حبتين، فلا زكاة فيها.