وقال محمَّد بن الحسن وزفر: الاستثناء من غير الجنس لا يصح أصلًا؛ سواء كان ممّا يكال أو ممّا يوزن أو ممّا يعد أو لا.
١٣٤٢ - مسألة:
إذا قال: "لفلان علي ألف درهم في كيس"، أو "مائة رطل تمر في جراب"، أو "ثوب في منديل"، كان هذا إقرارًا عندنا بالدراهم والتّمر والثوب، دون الأوعية، فإنها للمقر مع يمينه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أهل العراق: الأوعية مع ما أقر به فيها للمقر له.
١٣٤٣ - مسألة:
إذا أقر فقال: "له علي كذا كذا درهمًا"، قال محمَّد بن عبد الحكم: إنّه يلزمه أحد عشر درهمًا، وإذا قال: "له علي كذا وكذا درهمًا"، لزمه أحد وعشرون درهمًا، وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه.
وقال الشّافعيّ: إذا قال: "له كذا درهمًا"، لزمه درهم واحد، فإن قال أيضًا: "له كذا كذا درهمًا، لزمه درهم واحد أيضًا، وإذا قال: "له كذا وكذا درهمًا"، لزمه درهمان.
وقال المزني في موضع: يلزمه درهم أو أكثر.
واختلف أصحاب الشّافعيّ على طرق ووجوه. والصّحيح ما ذكر.
١٣٤٤ - مسألة:
إذا أقر العبد الّذي ليس بمأذون له في التجارة، بإقرار يتعلّق بالعقوبة في بدنه جاز إقراره؛ مثل: قتل العمد، والزنا، والسّرقة، والقذف، وشرب الخّمْرِ، قبل ذلك منه، وأقيم عليه حد ما أقر به، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ [٨٠/ أ].
وقال المزني ومحمد بن الحسن وداود: لا يقبل منه هذا الإقرار، كما لا يقبل في المال وما يتعلّق بالرقبة.
ووافقونا في الزِّنا والردة، أنّه يقبل إقراره فيهما.
стр. 562
١٣٤٥ - مسألة:
إذا أقر العبد المأذون له في التجارة بحقوق تتعلّق بالتجارة؛ مثل أن يقول: "داينت فلانًا، فله علي ألف درهم ثمن مبيع"، أو "مائة درهم أرش عيب"، أو "من قرض"، فإنّه يقبل منه كما يقبل في الجنايات الّتي تتعلّق بالعقوبة، وكل ما كان في دين ليس متضمن التجارة، فإنّه يكون في ذمته، ولا يؤخذ من المال الّذي في يديه ولا يؤخذ منه؛ مثل: أن تقوم البينة بإقراره أنّه غصب من فلان شيئًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ من المال الّذي في يديه، كما يؤخذ منه ما يتضمن التجارة.
١٣٤٦ - مسألة:
إذا أقر يوم السبت بدرهم لشخص، ثمّ أقر يوم الأحد بدرهم، فهو درهم واحد عندنا وعند الشّافعيّ ومحمد وأبي يوسف.
ولا فرق عندنا وعندهم بين المجلس الواحد والمجالس.
وقال أبو حنيفة: إن كان في مجلس واحد، كان إقرارًا بدرهم واحد، وإن كان الإقرار في مجالس، كان إقرارًا مستأنفًا.
١٣٤٧ - مسألة:
إذا قال: "لزيد علي مائة ثمن مبيع، لم يسلم إلى ومنعني منه"، سئل المقر له، فإن قال: "نعم، المائة الّتي بعته بها شيئًا، لم أسلمه إليه"؛ فإما أن يسلم البائع المبيع ويقبض المائة، أو يسلم إليه المقر المائة ويأخذ المبيع، على خلاف النَّاس فيمن يبدأ بالتسليم، وإن قال المقر له: "هذه المائة لي عندك، وليس لك عندي مبيع، وإنّما هي من شيء آخر أستحقه عليك، وليس لك عندي مبيع"، فإن القول قوله إنّه لم يبعه شيئًا ويحلف، فإذا حلف سقطت المائة الّتي أقر بها المقر، ولم يستحق عليه شيئًا، ومثل ذلك قال الشّافعيّ.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو مقر بالمائة لزيد مدع عليه المبيع،
стр. 563
فالقول قول المقر له وإن أنكر أنّه لم يبعه شيئًا، واستحق المائة.
وقال أبو حنيفة: إن ادعى أن المائة ثمن مبيع معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن هذا العبد، ولم يسلمه إلي"، فإن أقر له بذلك، قلنا لهما: يسلم كلّ واحد منكما للآخر، وإن أنكر المقر له المبيع، حلف أنّه لم يبعه شيئًا وسقطت المائة عن المقر، كقولنا.
وإن ادعى المقر أن المائة ثمن مبيع غير معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن عبد لم يسلمه إلي"، أو "ثمن ثوب منعني منه"، وأنكر ذلك المقر، حلف المقر له ولزمت المقر المائة.
١٣٤٨ - مسألة:
لو شهد شاهد لزيد على عمرو بألف، وشهد له شاهد آخر عليه بألفين، فإن أبهما ولم ينسباها إلى جهة صح.
وكذلك إن نسباها إلى جهة جاز؛ مثل أن يقولا: "ثمن عبد"، أو نسبها أحدهما إلى ثمن عبد، ولم ينسبها الآخر إلى شيء، أو نسبها الآخر إلى شيء بخلاف ما نسبها إليه الأوّل، جاز وقبل ذلك وتثبت له ألف بشهادتهما, وله أن يحلف مع الشّاهد الّذي زاد ألفًا أخرى إن اختار ويأخذها، وبه قال الشّافعيّ.
ووافقنا أبو يوسف ومحمد في أنّه يقضى له بألف بشهادتهما.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت له بهذه الشّهادة شيء أصلًا. وهو أيضًا لا يقول بالشّاهد واليمين.
стр. 564
مسائل العارية والوديعة
١٣٤٩ - مسألة:
إذا ثبت هلاك العارية لم يضمنها المستعير؛ سواء كان حيوانًا أو حليًا أو ثيابًا، ممّا يظهر أو يخفى، إِلَّا أن يتعدى فيها. هذه أظهر الروايات عن مالك.
وروى عنه ابن عبد الحكم وأشهب: فيما يخفى هلاكه ممّا يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، أنّه مضمون وإن ثبت هلاكه.
وليس العمل على هذا بل على الرِّواية الأولى: أنّه لا يقبل قول المستعير في هلاك ما يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، إِلَّا أن تقوم له بينة، ويقبل قوله فيما لا يغاب عليه؛ مثل: الحيوان والدكاكين والدور، هذا فيما يظهر هلاكه وتلفه للناس.
وقالت طائفة: إنها أمانة من كلّ وجه، ولا يضمن بالتلف، إِلَّا أن يتعدى المستعير، ويقبل قوله في تلفها، ذهب إليه الحسن البصري والنخعي والأوزاعي والثوري [٨٠/ ب] وأبو حنيفة وأصحابه.
وذهب الشّافعيّ: إلى أنّها مضمونة على المستعير على كلّ وجه؛ سواء ثبت هلاكها أو ادعاه، كما لو تعدى فأتلفها, لا فرق عنده بين ما يغاب عليه أو لا يغاب عليه، وبه قال عطاء وأحمد بن حنبل.
وذهب قتادة والحسن وعبيد الله بن الحسن: إلى أنّه إذا اشترط المعير
стр. 565
على المستعير الضمان، صارت مضمونة عليه بالشرط، وإن لم يشترط الضمان عليه لم يضمن.
وبه قال أشهب فيما لا يغاب عليه، وقال فيما يغاب عليه: إنّه مضمون وإن قامت بينة على هلاكه، على الرِّواية الأخرى عن مالك، الّتي رواها هو وابن عبد الحكم عنه، ويقول في هذه: إن المستعير إن شرط أن لا ضمان عليه نفعه ذلك، ولم يكن عليه ضمان.
١٣٥٠ - مسألة:
إذا أعاره بقعة ليبني فيها أو يغرس، فبالقول والقبول يلزمه ذلك، وليس له في ذلك رجوع وإن لم يوقت له مدة، وكان للمستعير مدةٌ ينتفع في مثلها بمثل ما استعارها له، ثمّ للمعير عند تمام ذلك أن يطالبه برد أرضه عليه.
فإن كان قد غرس أو بنى، فللمعير أن يعطيه قيمة غرسه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا كان ينتفع بما يقلعه، وإن لم ينتفع بما يقعله لم يكن له ذلك؛ مثل: حك التزاويق، أو قلع تراب قد ردم.
[وإن كان له مدة فليس له أن يرجع قبل انقضائها، ثمّ ينظر؛ فإن كان المستعير قد بنى وغرس فيها، فسواء اشترط عليه قلع ذلك أو لم يشترطه، فإن الخيار للمعير في دفع قيمة ذلك إليه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا انتفع، لما ضرّ به] حفرا أو ما أشبه ذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: للمعير أن يرجع في العارية، ما لم يحدث فيها من أعيرت له حدثا، فإن أحدث فيه ابناء أو غرسًا، فقال أبو حنيفة: إن لم يكن وقت لها وقتا، فله أن يجبره على قلع ذلك؛ سواء مضت له مدة، له فيها انتفاع بذلك أو لا، وإن كان وقت لها مدة، فليس له أن يجبره على قلعه قبل انقضائها، وعليه قيمة البناء والغرس للمستعير.
وقال الشّافعيّ: إن كان شرط عليه القلع، فلا فرق بين أن يوقت له مدة أو لا يوقت، فإن له أن يجبره على قلعه أي وقت اختار، وإن أطلق
стр. 566
ذلك ولم يشترط عليه القلع، فليس له أن يطالبه بقلعه أبدًا، فإن اختار المستعير قلعه فله، وإلا لم يجبر عليه.
١٣٥١ - مسألة:
إذا استودع دراهم أو دنانير، أو شيئًا ممّا إذا أتلفه لزمه مثله، ثمّ استنفق ذلك كله وأتلفه، ثمّ رد مثله إلى مكانه من الوديعة، ثمّ تلف ذلك بغير صنع، فلا ضمان عليه؛ سواء رده بعيبه بعد أن أخرجه أو لا.
وقال أبو حنيفة: إن رده بعينه بعد أن أخرجه لينفقه، لم يضمن تلفه بعد ذلك، وإن رد مثله لم يسقط عنه الضمان.
وقال الشّافعيّ: هو ضامن على كلّ حال، بنفس إخراجه منها لتعديه، ولا يسقط عنه الضمان؛ سواء رده بعينه إلى حرزه، أو رد مثله.
[وكذلك] عند مالك [لو خلط] دراهم الوديعة، أو الدنانير أو الحنطة بمثلها حتّى لا تتميز، لم يكن عنده ضامنا للتلف.
وعند أبي حنيفة [والشّافعيّ]: هو ضامن؛ سواء بقي ذلك مختلطًا أو تلف.
١٣٥٢ - مسألة:
إذا قبضت الوديعة ببينة لم يبرأ قابضها إِلَّا ببينة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يقبل قوله.
١٣٥٣ - مسألة:
إذا كانت الوديعة مثل الثِّياب والدواب وغيرها، فتعدى باستعمالها ثمّ ردها، فصاحبها المودع بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، وبين أن يأخذ منه كرائها, ولم يذكر أي شيء حكمها إن تلفت بعد ردها إلى موضع الوديعة [٨١/أ].
لكنه يجيء على قوله: إنّه إذا أخذ منه الكراء، كانت من ضمان المودع بعد وقت أخذ الكراء، وإن أخذ منه القيمة صارت من ضمان
стр. 567
المودع، ولم يقل في الثّوب كيف يعمل إذا لبسه ولم يبله، ثمّ رده إلى حرزه ثمّ تلف، وكذلك غيره من الثِّياب.
والذي يقوى في نفسي: أنّه إذا كان الشيء ممّا لا يوزن ولا يكال؛ مثل: الثِّياب والدواب وغير ذلك، ممّا إذا أتلفه كان عليه قيمته لا مثله؛ فإنّه يكون متعديًا باستعماله خارجًا عن الأمانة، فبرده إلى موضعه لا يسقط عنه الضمان بوجه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا تعدى ورده بعينه، ثمّ تلف لم يلزمه ضمان.
стр. 568
مسائل الغصب
١٣٥٤ - مسألة:
من جنى على شيء لغيره، فأتلف عليه غرضه المقصود من ذلك الشيء، فقد لزمه قيمة ذلك لصاحبه، ويأخذ هو ذلك الشيء الّذي وقع التعدي فيه، ولا فرق في ذلك بين مركوب وغيره، ولا فرق بين أن يقطع ذنب بغلة القاضي أو أذنها، أو يزمنها حتّى تعرج ولا تبرأ من العرج، ولا فرق فيه بين بغلة القاضي والشّاهد والكاتب، وكل من يعلم أن مثله لا يركب مثل ذلك إذا جنى عليه؛ سواء كان حمارًا أو فرسًا أو بغلًا، ولا فرق أيضًا بين المركوب الّذي له، و [بين] القلنسوة والطيلسان والعمامة.
وكذلك [في] نظر القاضي ممّا يعلم أن مثله لا يلبس ذلك المجني عليه، ولا يستعمله فيما قصده له، وهذه هي الرِّواية المشهورة عن مالك.
وقد روي عنه: أن على الجاني قيمة ما نقص، ولا فرق على هذه الرِّواية بين الحيوان والعروض في كلّ شيء، ممّا يضمن بتلفه القيمة فيه.
وقال أبو حنيفة: إن جنى إنسان على ثوب لرجل، حتّى أذهب أكثر منافعه، فله أن يلزمه قيمته ويسلمه إليه، فإن أذهب ما هو نصف القيمة أو دون ذلك، فله عليه أرش ما نقص.
ففرق بين نصف القيمة أو أقل، وذهاب ما زاد على النّصف.
وأمّا الحيوان الّذي ينتفع بلحمه وظهره؛ مثل: البعير والدابة، فإنّه إذا
стр. 569
قلع أحد عينيه، لزمه ربع قيمته لمن كان من النَّاس قاض كان أو غيره.
وقال في غير هذا الجنس: ما نقص من قيمته.
وقال الشّافعيّ: في جميع ذلك ما نقص من قيمته.
وقال في الثّوب إذا خرقه خرقًا صار به لا قيمة له، إِلَّا الشيء اليسير من القيمة: إن صاحبه بالخيار بين تسليمه للجاني ويأخذ قيمته، وبين أن يتمسك بالخرق ولا شيء له.
١٣٥٥ - مسألة:
ومن غصب شيئًا ثمّ جنى عليه جناية، أخرجه بالخيار بين أخذه مع أرش نقصه، أو إسلامه إلى الغاصب وإلزامه قيمته يوم غصبه.
وقال سحنون: ليس له إِلَّا أخذه بلا أرش، أو إسلامه بالقيمة، وبه قال ابن الموّاز.
وإنّما يكون له الأرش في الجناية، إذا جنى عليه ابتداء بغير غصب، وفيه خلاف بين أصحاب مالك، وينبغي أن يفصّل:
فإن أبطل الغرض الّذي قصد به ملكه، فهو كالقطع لذنب مركوب الرئيس، وإن كان على غير ذلك، ففيه ما نقص.
وقال الشّافعيّ: لصحابه أرش ما نقص منه.
١٣٥٦ - مسألة:
إذا غصب منه دابة فضاعت، فدفع قيمتها ثمّ وجدت، لم ترد على صاحبها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: ترد.
١٣٥٧ - مسألة:
من جنى على عبد غيره فقطع يديه أو رجليه، نظر فيه:
فإن أبطل غرض سيده منه، فله أن يسلمه إلى الجاني، ويعتقه على
стр. 570
الجاني إن كان فعل ذلك عمدًا ويأخذ قيمته، أو يمسكه ولا شيء.
وقد روي [٨١/ ب] عن مالك أيضًا: أن له ما نقص إن اختار إمساكه. وهذا يقوله في غير العبد.
فأمّا في العبد إذا أبطل أكثر منافعه متعمدًا، سلمه بقيمته وعتق على الجاني، وإن كان خطأ، فعلى ما فصلنا قبل.
وفي رواية أخرى: أنّه ليس له إِلَّا ما نقص ويمسكه، وبها قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: له أن يسلمه ويأخذ قيمته، أو يمسكه ولا شيء له، وهو موافق لما حكيناه عن مالك.
وقال الشّافعيّ: له أن يتمسك به، ويأخذ جميع قيمته من الجاني.
١٣٥٨ - مسألة:
من مثل بعبده عتق عليه.
والمُثْلَة: أن يقطع أنفه أو يده، أو يقلع سنه أو عينه، وما أشبه ذلك.
واختلف قوله هل يعتق بنفس الجناية، أو بحكم الحاكم؟
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يعتق عليه بالمثلة.
١٣٥٩ - مسألة:
من غصب جارية فزادت عنده؛ بسمن أو تعليم صناعة أو غير ذلك، فغلت قيمتها ثمّ نقصت؛ بهزال أو نسيان الصناعة، فنقصت عن الزيادة قيمتها، ورجعت إلى ما كانت عليه أو أقل في القيمة؛ كان لسيدها أخذها بلا أرش ولا زيادة عليها، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: له أخذها وأرش ما نقص من الزيادة، الّتي كانت حدثت عند الغاصب. وجعل الزيادة عند الغاصب مضمونة.
стр. 571
١٣٦٠ - مسألة:
ولد المغصوبة إذا حدث بعد الغصب، غير مضمون على الغاصب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: هو مضمون على الغاصب على كلّ وجه. بناء على أصله الّذي مضى ذكره.
١٣٦١ - مسألة:
إذا غصب دارًا أو عبدًا [أو ثوبًا] فبقي يزيده، لم ينتفع به في سكنى أو كراء أو استخدام أو لبس، إلى أن أخذه ربه من الغاصب، فلا أجرة عليه في المدة الّتي بقي ذلك يزيده لم ينتفع به، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: عليه أجرة المدة الّتي أقام في يده أجرة المثل.
١٣٦٢ - مسألة:
إذا سكن الغاصب في دار غصبها، أو أجرها وأخذ عنها أجرة، فالظاهر من قول مالك: أن عليه أجرة ما سكن، ورد الأجرة والغلة الّتي أخذها.
وكان أبو بكر الأبهري ﵀ يحكي لنا: أن هناك رواية أن الغلة للغاصب بالضمان، فأمّا العبد والحيوان، فالظاهر من قوله: أن ما ركب منه أو استخدم أو أكري وقبض كراءه، ليس لرب هذه الأشياء أخذه بغلة ولا كراء، وإنّما له عين شيئه، ما لم يتغير يزيد الغاصب.
وقال أبو الفرج المالكي عن مالك: إن ما ركب أو سكن فلا شيء عليه، وإن أكري وقبض غلة، غرمها وأمسك منها ما أنفق على ذلك.
وروى أشهب: أن رب الدابة أو العبد، يرجع بالكراء والغلة على الغاصب، ويقاصه بما أنفق على ذلك، كما ذكره أبو الفرج، وزيادة أخذ الكراء بما ركب واستخدم.
стр. 572
وقال أبو حنيفة: لا يغرم الغاصب شيئًا؛ رباعًا كان ذلك أو حيوانًا؛ لأنّ الخراج له في جميع ذلك بالضمان.
وقال الشّافعيّ: إنّه يغرم جميع ذلك للمالك، وليس له في جميعه شيء وهو ضامن له.
١٣٦٣ - مسألة:
العقار مضمون بالغصب، وكذلك النخل والأشجار، فمن غصب أرضًا فتلفت في يده بسيل أو حريق أو غيره، لزمه قيمتها يوم غصبها، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: كلّ ما لا يصلح نقله؛ كالعقار والضياع، فإنّه لا يكون مضمونًا بإخراجه عن يد مالكه، إِلَّا أن يجني الغاصب عليه فيتلفه أو شيئًا منه، فيضمنه بجنايته.
١٣٦٤ - مسألة:
من غصب حديدًا أو صفرًا أو رصاصًا، واتخذ منه آنية أو سيوفًا، أو [٨٢/أ] غصب فضة فصاغها حليًا أو ضربها دراهم، فإنّما عليه في جميع ذلك مثل ما غصب في صفته وزنته، وكذلك لو غصب ساجة فشقها وعملها أبوابًا، أو ترابًا فعمله بلاطًا، وكذلك في السّرقة إنّما عليه قيمة ذلك يوم الغصب.
واختلف قوله في الحنطة إذا طحنها دقيقًا، بل لو خبزها, لكان عليه مثلها، وأبو حنيفة يوافقنا في هذه المسائل، إِلَّا في الفضة إذا صاغها.
وقال الشّافعيّ: يردّ جميع ذلك على من غصب منه، وإن وقع نقص، رد الغاصب ما نقصه.
١٣٦٥ - مسألة:
من غصب لوحًا فأدخله في بناية، أو ساجة فبنى عليها، فإنّه يكلف قلع ذلك اللوح والساجة، ورده على صاحبه؛ سواء كانت الساجة غليظة أو
стр. 573
رقيقة، كان البناء عليها أو على جنبها أو متصلًا بها, ولا يمكن قلعها إِلَّا بنقضه نقض، وبه قال الشّافعيّ.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في هذه المسائل، فقال الكرخي عن أبي حنيفة: إن كان البناء عليها، كلف الغاصب قلعها ونقض البناء؛ لأنّ البناء على الساجة وضع في غير حقه، وإن كان متصلًا بها لا يمكن نزعها، إِلَّا بنقض البناء المتصل بها، أو على جنبها, لم يكلف نقض ذلك ولا إخراجها؛ لأنّ البناء قد وضع في حقه.
وحكى الرازي عن محمَّد: أنّه إذا لحقه ضرر في قلع الساجة، على أي وجه كان، لم يكلف قلعها؛ كان البناء فوقها أو متصلًا بها.
وهو أشبه بأصول أبي حنيفة؛ لأنّ من مذهبه: أن الغاصب لو غصب فسيلًا صغيرًا، أو غرسه في أرضه ونبت، لم يكلف قلعه للضرر في ذلك، فالساجة مثله.
وعندنا وعند الشّافعيّ: يكلف قلع النخل.
قال سحنون: إذا علم أنّه ينبت إذا حول قلع، وإلا كان للغاصب بقيمته مقلوعًا.
١٣٦٦ - مسألة:
من فتح قفصًا فيه طائر بغير إذن ربه، فطار ولم يقدر عليه، فإن الفاتح ضامن له.
وكذلك لو حل دابة من قيدها فهربت، أو عبدًا مقيدا لأجل الهرب، فهرب فعليه قيمته؛ سواء طار الطائر، وهربت الدابة عقيب الفتح والحل، أو بعد ساعة.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه على كلّ وجه.
وقال الشّافعيّ: إن طار الطائر، أو هربت الدابة عقيب الفتح والحل، فقولان: أحدهما: يضمن، والآخر: لا.
стр. 574
وإن كان بعد الفتح والحل بساعة، فلا ضمان في ذلك.
١٣٦٧ - مسألة:
إذا تعذر على الغاصب تسليم المغصوب، مثل: أن يغصب عبدًا فيأبق، أو دابة فتهرب، أو شيئًا فيسرق، أو يضيع منه، فيغرم قيمة ذلك، فإن القيمة تفسير ملكًا للمغصوب منه، ويصير المغصوب ملكًا للغاصب، حتّى لو وجد المغصوب، لم يكن له رد وأخذ القيمة، ولا للمغصوب منه أن يردّ القيمة ويأخذه إِلَّا بتراضيهما، وبه قال أبو حنيفة.
إِلَّا أنّه قال: لو ادعى من غصب منه أن قيمته مائة، وقال الغاصب: خمسون، وحلف وغرم خمسين، ثمّ وجد المغصوب وقيمته مائة كما ذكر، فإن له أن يرجع بالفضل فيأخذه من الغاصب. ونحن لا نقول به.
[وعندنا يرجع المغصوب بفضل القيمة، فيأخذها من الغاصب، وليس له أخذ المغصوب إِلَّا برضاهما].
وقال الشّافعيّ: إن المغصوب على ملك المغصوب منه، ويرد القيمة ويأخذ متاعه؛ شاء الغاصب أو أبى، وأمّا إن كتم الغاصب المغصوب، وادعى هلاكه حتّى أخذت منه قيمته، ثمّ ظهر بعد ذلك عنده، فإن للمغصوب منه أخذه، شاء الغاصب أو أبى ويرد القيمة.
١٣٦٨ - مسألة:
إذا أراق مسلم خمر ذمي، أو أتلفها عليه [٨٢/ب] ضمن قيمتها له، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا ضمان عليه، وكذلك إن أتلف عليه خنزيرًا.
стр. 575
مسائل الشُّفعة
١٣٦٩ - مسألة:
لا شفعة إِلَّا لشريك مخالط، ولا شفعة للجار، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول عمر وعثمان وعلي ﵃، ثمّ سعيد بن المسيَّب وأبي سلمة ابن عبد الرّحمن وربيعة والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة: إلى ثبوتها للجار، وبه قال سفيان، وقيل: إنّه مذهب ابن مسعود ﵁.
١٣٧٠ - مسألة:
إذا باع الشريك نصيبه من أجنبي، وشريكه حاضر يعلم ببيعه، فله الشُّفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته، إِلَّا بمضي مدة يعلم في مثلها أنّه تارك للشفعة، فروي عن مالك: سنة، وروي: خمس سنين، أو أن يرفعه المشتري إلى الحاكم فيوقفه، فإما أخذ وإما ترك، غير أن مطالبته بالشُّفعَةِ ليس على الفور.
وذكر هشام (١) عن محمَّد بن الحسن: أنّها على خيار المجلس، إذا
стр. 576
بلغه البيع وهو في المجلس، فإنّه شهد على الطلب، ويكون على مطالبته أبدًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فحكى المزني في المختصر، ونقله من الأم: أن حق الشُّفعَةِ على الفور، فمتى أخر المطالبة بها بعد العلم وإمكان المطالبة، سقطت الشُّفعَةِ؛ مثل خيار الرَّدِّ بالعيب، وهو كقول أبي حنيفة.
وقال في السُّنن: إن حق المطالبة ثابت ثلاثة أيّام، فإن لم يطالب حتّى مضت ثلاثة أيّام من وقت علمه بالبيع، سقطت شفعته، وهذا مذهب الثّوريّ.
وقال في القديم: فيها قولان: [أحدهما] أن حق المطالبة ثابت أبدًا لا يسقط، إِلَّا بالتصريح بالإسقاط.
والثّاني: أنّه ثابت ما لم يصرح بالترك، أو ما يدلُّ عليه من قوله: كقوله للمشتري: "بعني هذا الشَّقص، أو هبه لي"، وللمشتري أن يقدمه إلى الحاكم، فيلزمه الحاكم إسقاط الشُّفعَةِ، أو أخذها مثل قولنا، غير أنا نزيد: أنّه إن ترك وطالت المدة، حتّى يعلم أن مثله تارك فيها للشفعة، سقطت شفعته.
فللشافعي في المسألة أربعة أقوال:
أضعفها: أن يكون حق المطالبة على التراخي.
١٣٧١ - مسألة:
اختلف عن مالك ﵀ في الشُّفعَةِ في الثمار، إذا كانت على النخل إذا باع أحد الشريكين حصته منها، فقال: فيها الشُّفعَةِ للشريك.
وفي رواية أخرى قال: لا شفعة له، وقال: هذا رأي رأيته وأستحسن أن تكون فيها الشُّفعَةِ، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا شفعة له في ذلك.
стр. 577
١٣٧٢ - مسألة:
من اشترى شقصًا بثمن في ذمته إلى أجل، فللشفيع أخذه بذلك الثّمن إلى الأجل، إن كان مليئًا ثقة، وإلا أن بمليء ثقة يضمن الثّمن إلى ذلك الأجل، وبه قال الشّافعيّ في القديم.
وقال أبو حنيفة: للشفيع أن يعجل الثّمن ويأخذ الشَّقص، أو ينتظر حلول الأجل فيؤدِّي الثّمن ويأخذ بالشُّفعَةِ، وبه قال الشّافعيّ في الجديد، وليس له أن يأخذ بالثّمن مؤجلًا.
وحكى ابن سريج عن الشّافعيّ أنّه قال في كتاب الشروط: إن الشفيع يأخذ الشَّقص في الحال، بسلعة تكون قيمتها لو بيعت إلى عند حلول الأجل قدر الثّمن؛ ليصل الشفيع إلى حقه، ويتصرف المشتري إلى وقت الأجل فيما يجري له مجرى الشَّقص.
١٣٧٣ - مسألة:
لو ورث رجلان دارًا، فمات أحدهما وله ابنان، فورثا نصف الدَّار عن أبيهما، فباع أحدهما حصته، فتنازع أخوه وعمه في الشُّفعَةِ، فاختلفت الراوية عن مالك، فقال: الأخ أولى بما باعه أخوه من عمه. وكذلك يقول إذا ورثه جماعة منهم إخوة لأمه والباقون عصبة، أو ورثه زوجات وإخوة لأم، فأهل كلّ سهم أولى بما باعه أحدهم ممّن لا يدخل معهم في سهمهم. وهذا استحسان.
وقال أيضًا: كلّ من له [٨٣/أ] ملك في ذلك الشيء، فله الأخذ بالشُّفعَةِ بحقه فيما باعه بعض الشركاء. وهذا هو القياس.
واختلف قول الشّافعيّ، كما اختلف عن مالك.
وقال أبو حنيفة: كلهم فيه سواء، يأخذون بالشُّفعَةِ على قدر استحقاقهم. كإحدى الروايتين لنا، وهو القياس.
стр. 578
١٣٧٤ - مسألة:
الشُّفعة تجب على قدر الأنصباء، فيأخذ كلّ واحد من الشركاء من المبيع بقدر ملكه فيه؛ إذا باع صاحب الثلث وله شريكان لأحدهما النّصف وللآخر السدس، فإن الثلث يقسم بينهما على أربعة أسهم؛ لصاحب النّصف ثلاثة أرباع، ولصاحب السدس الربع.
فإن أردت ألَّا يقسط بينهما منكسرًا، فأقل ماله؛ نصف صحيح، وثلث صحيح، وسدس صحيح، ستة أسهم، ثلاثة سهام، فإذا قسمت على أربعة، ولصاحب السدس الربع كان منكسرًا، ولكن خذ اثني عشر، يكون لصاحب النّصف ستة، ولصاحب الثلث أربعة، ولصاحب السدس سهمان.
فإذا باع صاحب الثلث سهمه، فقد باع أربعة أسهم، لصاحب النّصف ثلاثة، ولصاحب السدس سهم، فيكون لصاحب النّصف تسعة أسهم من اثني عشر سهمًا بالملك القديم ستة، وبالشُّفعَةِ ثلاثة، ولصاحب السدس ثلاثة من اثني عشر بالملك القديم سهمان، وسهم بالشُّفعة، وإلى هذا ذهب الحسن البصري وابن سيرين وعطاء، والشّافعيّ في أحد قوليه، وهو القديم.
وقال في الجديد مرّة هو وأبو حنيفة: إن الشُّفعَة تستحق على عدد الرؤوس، فإذا كانت دار لثلاثة أنفس لأحدهم النّصف، والآخر الثلث والآخر السدس، فباع صاحب الثلث حصته، فإن المبيع يقسم على صاحب النّصف والسدس بالسوية، فيأخذ كلّ واحد منهما نصف المبيع بالشُّفعَةِ، وبه قال الشّعبيّ والنخعي والثوري، وهو اختيار المزني.
١٣٧٥ - مسألة:
حق الشُّفعَةِ [عندنا] موروث لا يبطله الموت، إذا وجب له ومات قبل علمه، أو علم ومات قبل التمكن من الأخذ، فإنّه ينتقل إلى ورثته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: الشُّفعَةِ تبطل بالموت، ولا تورث بعده.
стр. 579
١٣٧٦ - مسألة:
إذا بني مشتري الشَّقص، وعمّر وغرس، ثمّ طلب الشفيع حقه، فليس له مطالبة المشتري بقلع ما بنى وغرس، فإما أعطاه الثّمن وقيمة ما عمر وغرس وبنى مضافًا إلى الثّمن، وإلا لم تكن له شفعة، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق والأوزاعي.
وذهب الثّوريّ وأبو حنيفة والمزني: إلى أن للشفيع إجبار المشتري على قلع البناء والغرس.
وذهب قوم: إلى أن له أن يعطيه ثمن الشَّقص لا غير، ويترك البناء والغرس في موضعه.
١٣٧٧ - مسألة:
اختلفت الرِّواية عن مالك في الشُّفعة فيما لا يقسم؛ مثل: الحمام والبئر والرحى والطريق والبناء، فقال: في ذلك كله الشُّفعة. وقال: لا شفعة فيه.
والذي يقوى في نفسي: أن فيها الشُّفعة، وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة وابن سريج.
وبالقول الثّاني قال الشّافعيّ، وحكي: أنّه مذهب عثمان بن عفان ﵁.
١٣٧٨ - مسألة:
عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع، فإذا استحق المبيع من يد الشفيع، رجع به على المشتري، ورجع به المشتري على البائع، فأخذ منه الثّمن، ولا شيء للشفيع على البائع، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة مثل قولنا إذا أخذ الشفيع من المشتري، فأمّا إن أخذ بالشُّفعَةِ من البائع على أصلهم، فإن الشفيع يرجع على البائع؛ لأنّه منه أخذ الشُّفعة.
стр. 580
وذهب ابن أبي ليلى: إلى أن عهدة الشفيع على البائع بكل وجه، قال: لأنّ [٨٣/ب] المشتري يأخذ الشَّقص، فإذا استقر ملكه عليه أخذه الشفيع، فكأن المشتري صار وكيلًا للبائع، فجرى مجرى الوكالة، وقد تقرر أن العهدة تتعلّق بالموكل لا بالوكيل، فكذلك هاهنا.
١٣٧٩ - مسألة:
إذا وهب له شقص على غير عوض، اختلف قول مالك فيه، فقال: لا شفعة في ذلك، وقال أيضًا: فيه الشُّفعة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا شفعة فيه.
١٣٨٠ - مسألة:
إذا وجبت له الشُّفعة، فبذل له المشتري مالًا على ترك الأخذ بالشُّفعَةِ، جاز ذلك وملكها.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز ذلك، ولا يملك المال وعليه رده.
وهل تسقط شفعته أم لا؛ على وجهين عنده.
١٣٨١ - مسألة:
إذا باع رجلان من الشركاء نصيبهما في صفقة واحدة، لم يكن للشفيع أخذ حصة أحدهما دون الآخر والمشتري واحد، فإما أخذ الجميع أو ترك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: له أخذ أحدهما، كما له أخذهما جميعًا.
١٣٨٢ - مسألة:
لو أقر أحد الشريكين أنّه باع شقصه من رجل، فأنكر الرَّجل الشراء ولم يقم بينة بذلك، وقام الشفيع يطلب الشُّفعة، لم يكن له شيء حتّى يثبت الشراء، وبه قال بعض أصحاب الشّافعيّ.
وذكر أن المزني غلط حين قال: للشفيع أخذ الشَّقص.
стр. 581
وقال أبو حنيفة: للشفيع الأخذ بالشُّفعَةِ، كما قال المزني وبعض أصحاب الشّافعيّ.
١٣٨٣ - مسألة:
إذا كانت دار بين ثلاثة شركاء، فاشترى أحدهم نصيب بعض شركائه، فإن شريكه يقاسمه فيه على قدر ملكهما, وليس للذي لم يبع ولم يشتر أن يأخذ الجميع من المشتري؛ لأنّ المشتري قد ساواه بملكه القديم معه، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول أصحاب الشّافعيّ، فقال بعضهم كقولنا، وقال آخرون: لا شيء للمشتري، ويأخذ الشفيع الّذي لم يبع جميعه بالشُّفعَةِ، قالوا: لأنّ الشفيع إنّما يستحق الشُّفعة لنفسه على غيره، فلو جعلنا للمشتري شيئًا؛ لكان شافعًا من نفسه لنفسه، والإنسان لا يستحق شيئًا على نفسه.
ولأنّه لو كانت دار بين رجلين، فباع أحدهما نصيبه من الآخر، ثمّ قال المشتري: أنا لا أختار أخذ المبيع بالشراء، وإنّما آخذه بالشُّفعَةِ، لم يكن له ذلك؛ لأنّه قد اشترى لنفسه، فأخذه بالشُّفعَةِ أخذ عن نفسه. وهذا باطل.
والدّليل لمالك قول النّبيّ ﷺ : "الشُّفْعَةُ للشَّريكِ الذِي لمْ يُقاسِمْ" (١).
ولم يفرق بين أن يكون مشتريًا أو غيره.
وأيضًا: فإن الشريك قد ساوى شريكه الّذي لم يبع في شركته شائعًا، فوجب أن يساويه في استحقاق الشُّفعة، ولا يجوز أن يكون شراؤه مسقطًا لحقه؛ لأنّه إلى التأكيد أقرب؛ لأنّ الشراء موجب الملك، وأخذه له بالشُّفعَةِ تقرير للملك الموجب بالشراء.
стр. 582
وأيضًا: فإنّه شريك مخالط بملك متقدم، فوجب أن يكون شريكًا فيما يبيع شريكه الّذي لم يبع، أو يكون قياسًا على ما لو كان المشتري غيره.
١٣٨٤ - مسألة:
المسلم والذمي في أخذ الشُّفعة من المسلم سواء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، وحكي عن الثّوريّ.
وقال الشّعبيّ وأحمد: لا شفعة للذمي.
стр. 583
مسائل القراض
١٣٨٥ - مسألة:
إذا قال رب المال للعامل اشتر على القراض بالدين، فهذه مضاربة لا تحل، ولو جاز هذا جاز أن يقارضه بغير مال.
وقال الشّافعيّ: إذا أدان المقارض في بيع أو شراء، فهو ضامن إِلَّا أن يأذن له رب المال.
وقال أهل العراق: إذا أمره أن يشتري على المضاربة، فإنّه إن اشترى برأس المال عبدًا، ثمّ اشترى جارية على المال بألف، فإن الجارية بينهما [٨٤/أ] نصفان، وثمنها عليهما.
وقال ابن الموّاز: ربح السلعة الثّانية ووضيعتها للعامل وعليه.
١٣٨٦ - مسألة:
إذا دفع له سلعة، وقال له: "بعها وخذ ثمنها، فاجعله قراضًا"، فإن هذا قراض فاسد، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هو صحيح.
١٣٨٧ - مسألة:
إذا أخذ العامل المال ببينة، لم يبرأ منه عند المناكرة إِلَّا ببينة.
وقال أهل العراق: القول قوله مع يمينه.
стр. 584
١٣٨٨ - مسألة:
من دفع إليه قراضًا، فاشترى سلعة ثمّ هلك المال قبل نقد الثّمن، فليس على رب المال شيء، والسلعة للعامل وعليه ثمنها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يرجع بذلك على رب المال، ويصير الأوّل والثّاني على حكم المضاربة.
١٣٨٩ - مسألة:
لا يجوز القراض إلى أجل معلوم لا يفسخه قبله، ولا على أنّه إذا انقضت المدة انفسخ، ولا يجبر أن يبيع ما حصل في يده من المتاع ولا يشتري، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّز ذلك أبو حنيفة.
١٣٩٠ - مسألة:
إذا اشترط رب المال على العامل أنّه لا يشتري إِلَّا من فلان، فالقراض فاسد، وكذلك إن اشترط أن لا يبيع من فلان، وكذلك إن اشترط ألَّا يبيع ويشتري، إِلَّا سلعة بعينها؛ لأنّها قد تتلف ولا تباع، وبهذا قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يصح.
١٣٩١ - مسألة:
إذا عمل العامل في القراض الفاسد فحصل في المال ربح، فقد اختلف قول مالك فيه، فقال: يردّ إلى قراض المثل، وهو يوجب إن كان في القراض فضل أخذه، على نسبته من أجر مثله، وإن كان فيه وضيعة لم يكن له شيء، كما أن رب المال تكون (١) الوضيعة عليه، ويحتمل أن يكون له قراض مثله، وإن كان وضيعة في المال أيضًا.
стр. 585
وقد قال أيضًا: للعامل أجرة مثله؛ سواء كان في المال ربح أو وضيعة، والربح والخسارة لرب المال، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
١٣٩٢ - مسألة:
إذا سافر العامل بالمال، فله النفقة منه للمضاربة، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال أيضًا: لا نفقة له من مال القراض، وإنّما ينفق من مال نفسه.
١٣٩٣ - مسألة:
من أخذ قراضًا على أن له جميع الربح، ولا ضمان عليه فهو جائز.
وقال أهل العراق: إذا شرط الربح كله للعامل، صار المال قرضًا عليه لا قراضًا.
وقال الشّافعيّ: له أجر مثله، والربح لربه.
١٣٩٤ - مسألة:
اختلف في القراض بالفلوس، فأجازه أشهب وأبو يوسف إذا كانت الفلوس نافقة.
ومنعه مالك، وهو قول الشّافعيّ وأبي حنيفة.
стр. 586
مسائل المساقاة (١)
١٣٩٥ - مسألة:
المساقاة جائزة عندنا وعند الشّافعيّ والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق، وهو مذهب أبي بكر وعمر ﵄، وسعيد بن المسيَّب وسالم بن عبد الله.
وذهب أبو حنيفة: إلى أن عقد المساقاة باطل. ولم يذهب إليه أحد غيره.
١٣٩٦ - مسألة:
تجوز المساقاة في كلّ أصل ثابت له ثمر؛ كالنخل والكرم والتين وغيره من الشجر.
وحكي عن داود: أنّها لا تجوز إِلَّا في النخل خاصّة.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز إِلَّا في النخل والكرم خاصّة.
وقال في القديم مثل قولنا.
وقول أبي يوسف ومحمد وغيرهما مثل قولنا وقديم الشّافعيّ.
стр. 587
١٣٩٧ - مسألة:
إذا كان بين النخل وبين الشجر بياض يسير تبع له، جاز عقد المساقاة عليه.
وقال الشّافعيّ: إن لم تكن تسقى النخل إِلَّا بشرب البياض، جاز أن يخابر عليه.
وكذلك ينبغي أن يكون في الأرض كلها، إذا كانت يسيرة في جانب النخل عندنا.
وجوّزه أبو يوسف ومحمد؛ على أصلهما في جواز المخابرة في كلّ أرض.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز هاهنا، كما لا [٨٤/ب] تجوز في الأرض المنفردة.
١٣٩٨ - مسألة:
إذا ساقى ثمرة موجودة، فإن لم تكن قد طابت صح، وإن كان قد بدا صلاحها، فإن مالكًا قال: لا يجوز.
وقال سحنون: يجوز؛ لأنّه استأجره بجزء معلوم موجود.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز على ثمرة موجودة، ولم يفصلا، وهو قول الشّافعيّ في القديم.
وقال في الجديد: لا يجوز، ولم يفصل بين بدو الصلاح وغيره.
١٣٩٩ - مسألة:
إذا كانت المساقاة صحيحة، وبلغت الثمرة فاختلفا، فقال رب الحائط: "ساقيتك على أن الثلثين أو الثلث لك"، وقال العامل: "بل الثلثان لي والثلث لك"، كان القول قول العامل مع يمينه إذا أن بما يشبه.
وقال الشّافعيّ: يتحالفان وينفسخ العقد، ويكون للعامل أجرة مثله ممّا عمل، وهذا مبني على أصله إذا اختلف البائع والمبتاع في ثمن السلعة، فإن كان قد قبض المبتاع، فإنهما يتحالفان.
والأظهر من قولنا: أن القول قول المشتري مع يمينه.
стр. 588
مسائل الإجارة
١٤٠٠ - مسألة:
الإجارة عقد لازم من الطرفين جميعًا من جهة المؤاجر والأجير؛ كالجعالة من المؤاجر والمستأجر، ليس لأحد منهما بعد العقد الصّحيح فسخ لعذر، أو لغير عذر، إِلَّا بما يفسخ به العقد اللازم؛ من وجود عيب بالمعقود عليه؛ مثل: أن يستأجر منه دارًا فيجدها مهدمة، أو تنهدم بعد العقد فيكون الخيار للمستأجر؛ لأجل العيب أو يمرض العبد المستأجر أو الدابة، أو يجد الآجر بالأجرة عيبًا، وبه قال سفيان والشّافعيّ وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز فسخ الإجارة للعذر يكون للمستأجر؛ مثل: أن يكتري دكانًا ليتجر فيه، فيحترق ماله أو يسرق أو يغصب أو يفلس، فيكون له فسخ الإجارة.
١٤٠١ - مسألة:
إذا اكترى منه دابة أو دارًا أو عبدًا أو دكانًا، مدة معلومة ولم يشترط تعجيل الأجرة ولا تأخيرها وأطلقا ذلك، فعندنا وعند أبي حنيفة: أن الأجرة تستحق جزءًا فجزءًا، فكلما استوفى المستأجر منفعة يوم استحق عليه أجرته.
وقال الشّافعيّ: إنها تستحق بنفس العقد، فإذا سلم المؤاجر العين المستأجرة إلى المستأجر، استحق عليه جميع الأجرة، فيكون الآجر قد ملك الأجرة بالعقد، ووجب تسليمها إليه العين المستأجرة.
стр. 589
١٤٠٢ - مسألة:
إذا اختلف الخياط ورب الثّوب، فالقول قول الخياط مع يمينه، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: القول قول صاحب الثّوب.
١٤٠٣ - مسألة:
الإجارة جائزة، وبه قال أهل العلم كلهم.
وذهب ابن عليه إلى أنّها لا تجوز.
١٤٠٤ - مسألة:
إذا استأجر عبدًا أو دارًا مدة معلومة، فقبض ذلك ثمّ مات العبد قبل أن يعمل شيئًا، أو انهدمت الدَّار قبل أن يسكنها المكتري، ولم يمض من المدة شيء، فإنّه لا يستحق من الأجرة شيئًا، وقد بطلت الإجارة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما.
إِلَّا أبا ثور، فإنّه قال: المنافع في هذا الموضع من ضمان المستأجر؛ لأنّ تسليم العبد والدار تسليم للمنافع.
١٤٠٥ - مسألة:
عقد الإجارة على الضيعة والدار والعبد وما تصح فيه الإجارة، لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين، ولا بموتهما جميعًا، ويقوم الوارث في ذلك مقام مورثه، وبه قال الشّافعيّ وعثمان البتي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال الثّوريّ والليث وأبو حنيفة وأصحابه: إن العقد ينفسخ بموت أحد [٨٥/أ] المتعاقدين.
وحكي عن بعض أهل العراق: أن للورثة الخيار بين المقام عليها وفسخها.
стр. 590
١٤٠٦ - مسألة:
تجوز إجارة الدَّار والضيعة سنين، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا.
وقال: لا يجوز أكثر من سنة.
١٤٠٧ - مسألة:
إذا أخذ الصانع الشيء إلى منزله ليعمله، فهو ضامن له ولما أصيب عنده ومن جهته، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد، وروي ذلك عن عمر (١) وعلي وابن مسعود ﵃.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه إِلَّا فيما جنت يده، وهو الآخر للشافعي، وبه قال عطاء وطاووس.
وقال زفر: لا ضمان عليه أيضًا فيما جنت يده ما لم يخالف.
وقال أبو يوسف ومحمد: عليه ضمان ما يستطاع الامتناع منه، فأمّا ما لا يستطاع؛ مثل: الحريق والأمر الغالب وتلف الحيوان، فلا ضمان فيه.
والأجراء عند مالك لا يضمنون، وهم على الأمانة إِلَّا الصناع خاصّة، فإنهم ضامنون إذا انفردوا بالعمل، عملوه بأجر أو بغير أجر، إِلَّا أن تقوم بينة بفراغه وهلاكه فيبرؤوا. قاله ابن الموّاز (للمقرونين) (٢).
١٤٠٨ - مسألة:
من اكترى دابة ليركبها فكبحها بلجامها، كما جرت به العادة فهلكت، فلا ضمان عليه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يضمن قيمتها.
стр. 591
١٤٠٩ - مسألة:
إذا اختلف رب الثّوب والخياط في صفة الخياطة بعد العمل، فقال رب الثّوب: "أمرتك بعمل قميص"، وقال الخياط: "قباء"، فالقول قول الخياط، إذا كان رب الثّوب ممّن يلبس القميص والقباء مع يمينه.
وإن كان رب الثّوب ممّن لا يلبس القباء، وقال الخياط: "أمرتني بقباء"، فالقول قول رب الثّوب مع يمينه.
وقال أشهب: القول قول رب الثّوب على كلّ حال، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واحد أقوال الشّافعيّ.
١٤١٠ - مسألة:
إجارة المشاع جائزة، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز إجارة المشاع، إِلَّا من الشريك، ولا يجوز عنده رهنه ولا هبته بحال.
١٤١١ - مسألة:
إذا أجر داره أو دكانه أو ضيعته مدة معلومة، ثمّ أراد المالك بيع ذلك، جاز له بيعه من المستأجر وغيره.
واختلف قول الشّافعيّ إذا بيعت من غير المستأجر، فقال: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة.
وقال: يجوز مثل قولنا.
[وقال أبو حنيفة: إذا أجّر عينًا ثمّ باعها، فإن المستأجر بالخيار في إجازة بيع الرقبة وتبطل الإجارة، أو رد البيع وتثبت الإجارة.
وللشافعي قولان: أحدهما: إن بيع الرقبة فاسد.
والثّاني: مثل قولنا: صحيح.
стр. 592
وهذا إذا باع الرقبة من غير المستأجر، فأمّا إن كان المبيع من المستأجر، فلا خلاف في جوازه؛ لأنّ تسليم المنفعة غير متعذر] (١).
١٤١٢ - مسألة:
إذا كان في الدنانير والدراهم غرض للانتفاع بأعيانها دون إتلافها، جازت إجارتها؛ مثل: أن يعبر بها مكاييل وموازين، أو يكون صيرفيًّا يتجمّل بها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز.
وأجازه بعض أصحابه.
стр. 593
مسائل المزارعة
١٤١٣ - مسألة:
لا تجوز المزارعة، وهي المخابرة.
وذلك: أن يدفع إليه أرضه، فيزرعها ببذره، ويكون له سبهم ممّا نبت فيها، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، وهو مذهب ابن عبّاس وابن عمر ورافع بن خديج ﵃.
وقال ابن أبي ليلى وسفيان وأبو يوسف ومحمد: إنّه يجوز، وهو مذهب علي ﵁ وعمار وابن مسعود وسعد بن أبي وقّاص ﵃.
وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق: إلى أنّه إن شرط البذر على صاحب الأرض لم يجز، وإن شرط على العامل جاز.
١٤١٤ - مسألة:
لا يجوز [٨٥/ب] كراء الأرض بما يجوز أن تنبته، ولا بما يخرج منها ولا بطعام لا تنبته؛ كالسمن والعسل وغيره من الأطعمة والمأكولات.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يجوز بكل ما تنبت الأرض، وبغير ذلك من الأطعمة والمأكول، كما يجوز بالذهب والفضة والعروض، وهو مذهب الأوزاعي والثوري.
وذهب الحسن وطاووس: إلى أنّه لا يجوز أن تكرى على [كلّ] حال.
стр. 594
١٤١٥ - مسألة:
إذا استأجر أرضًا ليزرعها حنطة، فله أن يزرعها شعيرا أو ما ضرره مثل [ضرر] الحنطة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال داود وغيره: ليس له أن يزرعها غير الحنطة.
١٤١٦ - مسألة:
إذا اكترى أرضًا ليغرسها سنة، نوعا من الأنواع ممّا يتأبد فانقضت السنة، فللمؤاجر الخيار بين أن يعطي قيمة الغرس للمستأجر، وكذلك إن بنى أعطاه قيمة البناء على أنّه مقلوع، أو يأمره بقلعه، وبه قال أبو حنيفة.
إِلَّا أنّه قال: إن كان القلع يضر الأرض، أعطاه الآجر قيمته، ولم يكن للمستأجر قلعه، وإن كان لا يضر الأرض، لم يكن له ذلك، ولم يكن له إِلَّا المطالبة بالقلع.
ووافقنا المزني على القلع.
وقال الشّافعيّ: لا يلزم المستأجر قلع ذلك، ويبقى مؤجرًا أو يعطي المؤاجر قيمة الغرس للمستأجر من غير قلع، ويكونان شريكين، أو يأمره بقلعه ويعطيه أرش ما نقص القلع.
١٤١٧ - مسألة:
من استأجر إجارة فاسدة، وقبض ما استأجره، فإن كانت أرضًا فلم يزرعها ولا انتفع بها، حتّى مضت مدة الإجارة، فعليه كراء مثلها، وكذلك لو كانت دارًا فلم يسكنها، أو عبدًا فلم ينتفع به، حتّى مضت المدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا أجرة عليه؛ لأنّه لم ينتفع.
стр. 595
مسائل إحياء الموات
١٤١٨ - مسألة:
ما كان من الموات في أرض المسلمين لم يعمره أحد قط، ولا جرى عليه ملك، فهو لمن أحياه، بلا خلاف إذا لم يكن بقرب العمران.
وكذلك ما كان قد عمره إنسان، ثمّ خرب وطال زمانه، فهو لمن أحياه ثانية، ولا يكون للأول عليه سبيل، عندنا وعند أبي حنيفة.
وقال الشّافعيّ: هو لمن أحياه أوَّلًا، و [لا يكون] حكمه عندنا حكم الموات الّذي لم يحييه أحد قط.
١٤١٩ - مسألة:
من أحيا أرضًا ميتة في فيافي المسلمين، فهي له بغير إذن الإمام، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
غير أنّهم خالفوا فيما قرب من العمران، فقالوا: لا يحتاج فيه إلى إذن الإمام، كما لا يحتاج فيما بعد.
وقال أبو حنيفة: ليس لأحد أن يحيي مواتًا، إِلَّا بإذن الإمام فيما بعد أو قرب.
١٤٢٠ - مسألة:
ليس للذمي إحياء الموات في دار المسلمين، وبه قال الشّافعيّ.
стр. 596
وقال أبو حنيفة وأصحابه: له ذلك.
١٤٢١ - مسألة:
للإمام أن يحيي المراعي إذا احتاج إليها, الإبل الصَّدقة وخيل المسلمين، إذا رأى في ذلك مصلحة، ويمنع منها كلّ واحد، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال: ليس له ذلك.
١٤٢٢ - مسألة:
من حفر بئرًا في أرض موات وطواها فقد ملكها، وإن حفرها لسقي ماشية، فكانت تفضل عن سقي ماشيته، وهي بقرب الكلأ؛ فليس له أن يمنع فضلها لمن يسقي ماشيته بغير عوض، وكذلك الإعراب إذا نزلوا بمكان الحشيش، فحفروا بئرا لماشيتهم، فكان في مائها فضل عن سقي مواشيهم؛ [لم يكن لهم أن يمنعوا غيرهم من سقي مواشيهم]، بما يفضل عن حاجاتهم، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أبو عبيد ابن حرب: لا يلزمهم بذل ذلك، ولكنه يستحب لهم بذله.
وذهب قوم: إلى أنّه يلزمهم بذل ذلك بالقيمة.
وذهب آخرون: إلى أنّه يلزمهم [٨٦/أ] بذله؛ لسقي المواشي والزرع أيضًا.
стр. 597
مسائل الوقوف والعطايا
١٤٢٣ - مسألة:
الوقف [عندنا] جائز يلزم بالقول، وإن لم يحكم به حاكم، وإن لي يخرج مخرج الوصيَّة بعد موته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو يوسف: يصح، وإن لم يخرجه عن يده.
وقال محمَّد: يصح إذا أخرجه عن يده، كقولنا في [إحدى] الروايتين [عن مالك].
وأمّا أبو حنيفة: فإن أصحابه قالوا عنه: إن الوقف عطية صحيحة، إِلَّا أنّه لا يلزم ما لم يحكم به الحاكم.
١٤٢٤ - مسألة:
اختلف عن مالك ﵀ في وقف الحيوان الرّقيق والخيل والماشية، فقال: يصح، وقال: لا يصح، وكذلك في السلاح، وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف.
وقال الشّافعيّ ومحمد: يصح، كالراوية الأخرى لمالك.
١٤٢٥ - مسألة:
رقبة الوقف على ملك الواقف عندنا، وبه قال جماعة الفقهاء أصحاب
стр. 598
الشّافعيّ، وقد سمعته من أبي حامد (١) القاضي بالبصرة، وبه قال [أحمد] بن القطان (٢) وابن المَرزُبان (٣)، وكان أبو علي الطّبريّ (٤) يقول ذلك، ويحكيه عن الشّافعيّ، وغيره ينكره.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في قوله الآخر: إن الملك ينتقل عن الواقف، وعند أبي حنيفة بالحكم على أصله في الوقف، وعلى قول الشّافعيّ بإيجابه الوقف.
واختلف قول الشّافعيّ، هل ينتقل الملك إلى غير مالك، ويكون انتقاله لله، أو للموقوف عليهم؟
١٤٢٦ - مسألة:
اختلف قول مالك ﵀ في الواقف إذا لم يخرج الوقف عن يده إلى أن مات، فقال مرّة: إن علم أنّه يصرف منفعته إلى الوجه الّذي وقفه عليه إلى أن مات، فهو صحيح وإن لم يخرجه عن يده.
стр. 599
وقال مرّة: يبطل إن لم يخرجه عن يده، وإن كان يصرف منافعه في وجهه.
فإذا لم يكن ارتفاقه ومنفعته في الوجه الّذي وقفه عليه، ولم يخرج الوقف عن يده حتّى مات، فهو باطل بلا خلاف في قوله.
واختياري أنا: أنّه إن كان يصرف منفعته في وجوهه، إلى أن مات ولم يخرج عن يده فهو صحيح.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف: يصح الوقف وإن لم يخرجه عن يده، وإن لم يصرف خراجه في وجوهه حتّى مات.
وقال [محمّد بن] الحسن: لا يصح حتّى يخرجه عن يده على كلّ حال.
١٤٢٧ - مسألة:
وقف المشاع جائز؛ كهبته وإجارته، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف (١).
وقال محمَّد: لا يصح بناءً؛ على أصلهم في بيع المشاع وإجارته.
١٤٢٨ - مسألة:
إذا قال: "هذه الدَّار أو الضيعة وقف"، ولم يذكر لها وجهًا تصرف فيه، فإنّه يصح ويكون وقفًا، وكذا لو قال: "وقف على أولادي وأولادهم"، ولم يذكر من بعدهم: الفقراء، أو بني تميم، أو قومًا لا ينقطع نسلهم، فإنّه يصح ويرجع ذلك بعد انقراض من سمى إلى فقراء عصبته، فإن لم يكونوا فإلى فقراء المسلمين، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال: لا يصح.
стр. 600
١٤٢٩ - مسألة:
إذا خرب المسجد وما حوله، لم يعد ملكًا لمن بناه، إذا لم يكن شرط ذلك، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال محمَّد: يعود ملكًا.
وقال سفيان: يباع ويشترى به ما يبنى به مسجد عامر في محلة عامرة؛ لأنّه إذا خرب لم ينتفع به.
١٤٣٠ - مسألة: من الهِبَة
يجوز هبة المشاع ويتأتى قبضه، كما يجوز بيعه؛ كان ممّا ينقسم كالدور والأرضين، أو لا ينقسم كالعبيد والثياب والجواهر وغير ذلك؛ سواء كان ممّا يقبض بالنقل والتحويل كالطعام والثياب، أو ممّا يقبض بالتخلية.
فإن كان ممّا يقبض بالنقل والتحويل صح قبضه، وإما بقسمه [٨٦/ب]، أو [بأن] يسلم الواهب الجميع إليه، فيأخذ حقه ويأخذ الباقي بيده وديعة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان ممّا لا يصح قسمه كالعبد واللؤلؤة، جاز هبته، وإن كان ينقسم لم يجز.
١٤٣١ - مسألة: من العمرى
من أعمر عمرى، فإن قال: "أعمرتك داري أو ضيعتي"، فإنّه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك وهو المعمر، وإن قال له: "أعمرتك وعقبك"، فقد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقي منهم أحد، فإذا لم يبق منهم إنسان رجعت الرقبة إلى المالك؛ لأنّه وهب له المنفعة، ولم يهب له الرقبة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه: إنها تفسير ملكًا للمعمر، ولورثته ولا يعود للمعطي.
وقد قال الشّافعيّ مثل قولنا.