← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14471

فتح المعبود في الرد على ابن محمود

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (185 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فيه، وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة على النبي ﷺ فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى. ثم ذكر ابن القيم حديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي فيه «اعملوا فكل ميسر» وحديث جابر في سؤال سراقة بن مالك بن جعشم، وحديث عمران بن حصين الذي فيه «أعلم أهل الجنة من أهل النار» وحديثه أيضا في سؤال الجهني أو المزني، وحديث ابن عمران عمر ﵁ قال: يا نبي الله فعلى ما نعمل. وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث قريبا فلتراجع، ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد، ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال ما كنت أشد اجتهادا مني الآن. وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة علومهم فإن النبي ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب، فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه وهيئ له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهاداً في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه. وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه، وإذا قدر له أن يرزق الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري والوطء، وإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغل كذا وكذا لم ينله إلا بالبذر وفعل أسباب الزرع، وإذا قدر الشبع والري فذلك موقوف على الأسباب المحصلة لذلك من الأكل والشرب، وهذا شأن أمور المعاش والمعاد فمن طل العمل اتكالا على القدر السابق فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له.

стр. 107

وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فطر الله على ذلك سائر الحيوانات فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة فهو مهيأ له ميسر له، فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه، وقد فقه هذا كل الفقه من قال ما كنت أشد اجتهادا مني الآن. فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ... إلى أن قال: فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتضٍ لها، لا أنه مناف لها وصاد عنها، وهذا موضع مزلة قدم، من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم. فالنبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلى أمرين هما سببا السعادة، الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد، والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع، فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد أو القدح بإثباته في أصل الشرع ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والنبي

стр. 108

صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة، وقد تقدم قوله: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزنَّ» وإن العاجز من لم يتسع للأمرين. انتهى. وأما قول ابن محمود والتحقيق أن الكتابة نوعان كتابة هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وأن الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم فهذه لا تتبدل ولا تتغير وتسمى كتابة الأزل. فجوابه: من وجوه أحدها أن يقال ليس ما ذكره بتحقيق وإنما هو في الحقيقة تخليط وتلبيس كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني أن ما ذهب إليه من تنويع الكتابة فيما يتعلق بالجنين لا أصل له ولم يسبقه أحد إلى هذا التنويع الباطل. يوضح ذلك الوجه الثالث وهو أن العلم القائم بالذات لا يسمى كتابة وإنما يسمى علما فقط، ولا أعلم أحدا سبق ابن محمود إلى القول بأن العلم القائم بالذات يسمى كتابة ولا أظن أن عاقلا يوافقه على هذه التسمية المحدثة. الوجه الرابع أن ابن محمود زعم أن الكتابة نوعان ولم يذكر سوى سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وزعم أنها تسمى كتابة الأزل ولم يذكر النوع الثاني فصار أحد نوعيه باطلا والآخر معدوما. الوجه الخامس أن النبي ﷺ نص في حديث ابن مسعود ﵁ على أن الملك يرسل إلى الجنين إذا تم له مائة وعشرون يوما فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات

стр. 109

يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ونص أيضا في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ أن الملك يقول: يا رب أشفي أو سعيد فيكتبان فيقول: أي رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص، وفي رواية أن الملك يقول: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله فيقول: ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص. وفي النصوص على كتابة الملك لما يقضي الله في الجنين وعلى طي الصحف وخروج الملك بها في يده وأنه لا يزيد على ما أمر به ولا ينقص أبلغ رد على ما ابتدعه ابن محمود وخالف به أهل السنة والجماعة حيث زعم أن هذه الكتابة عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وأن الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم. الوجه السادس أن يقال لا شك أن الله تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها وأنه يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وعلمه ﵎ بجميع الأشياء صفة من صفاته، وأما الكتابة فهي فعل الملك يكتب ما أمره الله به من أمر الجنين ثم يطوي الصحيفة التي كتب فيها ويخرج بها في يده فلا يزيد على ما أمر به ولا ينقص, وفعل الملك مخلوق وصحيفته مخلوقة ومع ذلك فقد زعم ابن محمود أن كتابة الملك لما يتعلق بالجنين هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها فجعل المخلوق صفة من صفات الله وهذا غاية التخليط والتلبيس.

стр. 110

الوجه السابع أن يقال: إن الأزلي هو القديم الذي لم يزل، قال ابن منظور في لسان العرب: الأزل بالتحريك القِدم قال أبو منصور: ومنه قولهم هذا شيء أزلي أي قديم وذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا بالاختصار فقالوا يزلي ثم أبدلت الياء ألفا لأنها أخف فقالوا أزلي. انتهى. وإذا علم أن الأزل هو القدم وأن الأزلي هو القديم الذي لم يزل فلا يخفى ما في قول ابن محمود من الخطأ والتخطيط حيث زعم أن كتابة الملك لما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه تسمى كتابة الأزل. الوجه الثامن أن يقال: إن كتابة المقادير ليست بأزلية وإنما كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقد تقدم ذكره، وهذه الكتابة هي كتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وإذا كانت الكتابة السابقة على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ليست أزلية فمن باب أولى نفي الأزلية عن كتابة ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه. الوجه التاسع أنه يلزم على القول بأن كتابة المقادير أزلية أن يكون القلم واللوح المحفوظ أزليين وأن تكون الصحيفة التي يكتب فيها الملك ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه أزلية، وهذا موافق لقول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، والقول بقدم العالم كفر بلا نزاع. وأما قول ابن محمود؛ وعلمه سبحانه لا يتعلق به إجبارهم على فعل الخير أو الشر بل هم عاملون لأنفسهم مختارون لأعمالهم الصالحة والسيئة فهي كسبهم ويترتب الجزاء على ذلك.

стр. 111

فجوابه: أن يقال: إن جميع ما يفعله العباد من خير أو شبر وما يعملونه من أعمال صالحة أو سيئة فكل ذلك قد سبق به القضاء والقدر وكتب في اللوح المحفوظ وكتبه أيضا الملك الذي يرسله الله إلى الجنين وهو في بطن أمه، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وكل ميسر لما خلق له من سعادة أو شقاوة. ومن زعم أن العباد يعملون على أمر مبتدأ لم يسبق به القضاء والقدر ولم يكتب في اللوح المحفوظ ولم يكتبه الملك الموكل بالجنين فهو من القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة. وأما قوله فمعنى سبق الكتاب إشارة إلى سبق علم الله بخاتمة حياة كل إنسان. فجوابه: من وجهين أحدهما أن يقال: أما قوله: إن سبق الكتاب إشارة إلى سبق علم الله بخاتمة حياة كل إنسان فهو خطأ ظاهر لما يلزم عليه من إلغاء النص الصريح في حديث ابن مسعود ﵁ أن الله ﵎ يرسل الملك إلى الجنين فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، وإلغاء ما جاء في حديث حذيفة ابن أسيد ﵁ أن الملك يقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتبان فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص وفي رواية ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، ففي هذا الحديث الصحيح النص على الكتابة وعلى الصحف التي يكتب الملك فيها ما يقضي الله في الجنين وأنها تطوى ويخرج الملك بها في يده. وعلى قول ابن محمود تكون كتابة الملك والصحف التي يكتب فيها ثم يطويها ويخرج بها في يده اسما لا مسمى له ولفظا لا معنى له، وأن تكون النصوص على الكتابة والصحف

стр. 112

وطيها وخروج الملك بها في يده لغوا لا فائدة في ذكره، وما لزم عليه ما ذكرنا فهو قول سوء يجب اطراحه ورده. الوجه الثاني: أن يقال: لا شك أن الله عالم بخاتمة حياة كل إنسان، وعلمه بذلك أزلي لا أول له، وأما كتابة الملك لما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه فكان أولها حين حملت حواء بأول أولادها ولا تزال مستمرة لكل جنين إلى يوم القيامة، ومن جعل هذه الكتابة وعلم الله الأزلي شيئا واحدا فقد جمع بين ما فرق الله بينه وتأول كلام رسول الله ﷺ على غير ما يراد به. وأما قوله عن الذي يختم له بسوء الخاتمة أنه الرجل يولد مؤمنا بين أبوين مؤمنين فهو يؤمن بالله ويحافظ على فرائض الله من صلاته وصيامه وسائر واجباته ويجتنب المحرمات والمنكرات ويسير على هذه الطريقة المستقيمة غالب عمره ثم يطرأ عليه الإلحاد وفساد الاعتقاد فيكذب بالقرآن ويكذب بالرسول فيرتد عن دينه فيموت على سوء الخاتمة فيدخل النار بسبب كفره وإلحاده الذي هو خاتمة حياته، وليس سبق الكتاب الذي هو عبارة عن سبق علم الله بتطور حالة هذا الشخص هي التي حملته على الردة وعلى سوء الخاتمة وإنما وقعت بفعله واختياره لنفسه. فجوابه: أن يقال: ليس من شرط الذي يختم له بسوء الخاتمة أن يولد بين أبوين مؤمنين كما قاله ابن محمود، بل قد يولد بين أبوين كافرين ثم يسلم وقد يولد بين أبوين أحدهما مسلم والآخر كافر ويكون هو مسلما وقد يولد بين أبوين مسلمين وينشأ على الإسلام ويعمل بعمل أهل الجنة فإذا كان في آخر عمره عمل بعمل أهل النار فدخل النار، وإنما يسير في جميع أحواله وأعماله الصالحة والطالحة منذ نشأته

стр. 113

إلى حين موته على وفق ما سبق به القضاء والقدر وكتب في اللوح المحفوظ ثم كتبه الملك الموكل به وهو في بطن أمه، فما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وليس معنى هذا أنه مجبر على شيء من أعماله وإنما هو يعمل باختياره ورغبته، وأعماله الاختيارية تؤدي به إلى موافقة القضاء والقدر. وقد روى البزار والطبراني في الصغير والكبير عن العرس ابن عميرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد ليعمل البرهة بعمل أهل النار ثم تعرض له الجادة من جواد الجنة فيعمل بها حتى يموت عليها وذلك لما كتب له وإن الرجل لعمل بعمل أهل الجنة البرهة من دهره ثم تعرض له الجادة من جواد أهل النار فيعمل بها حتى يموت عليها وذلك لما كتب له» قال الهيثمي: رجالهم ثقات. وأما قوله: وأما الذي يعمل بعمل أهل النار فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها فهو رجل يولد كافرا ويعيش كافرا حتى إذا كان في آخر عمره تاب إلى ربه واستغفر من ذنبه وأسلم فحسن إسلامه فصار يحافظ على واجباته من صلاته وصيامه وسائر عباداته حتى مات على ذلك. فجوابه: أن يقال: ليس من شرط الذي يختم له بحسن الخاتمة أن يولد كافرا ويعيش كافرا بل قد يولد بين أبوين مسلمين وينشأ على الإسلام والأعمال الصالحة ثم يخالف ذلك إلى العمل بأعمال أهل النار فإذا كان في آخر عمره عمل بأعمال أهل الجنة فدخل الجنة، وقد يكون كافرا في أول عمره ثم يسلم ثم يرتد عن الإسلام أو يعمل أعمالا توجب له النار فإذا كان في آخر عمره عمل بأعمال أهل الجنة فدخل الجنة، وإنما

стр. 114

يسير في جميع أحواله وأعماله على وفق ما سبق به القضاء والقدر كما تقدم تقريره، فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان ولا يكون العبد مؤمنا حتى يؤمن بالقدر خيره وشره. وأما قوله وفي حديث أبي سعيد مرفوعا «إن الرجل يولد مؤمنا ويعيش مؤمنا ثم يموت كافرا وإن الرجل يولد كافرا ويعيش كافرا ثم يموت مؤمنا» رواه الإمام أحمد. فجوابه: أن أقول قد تصفحت أحاديث أبي سعيد ﵁ في مسند الإمام أحمد فلم أجد هذا الحديث فيه ولا أدري من أين جاء به ابن محمود؟!!، وقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد يولد مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا وإن العبد يولد كافرا ويعيش كافرا ويموت كافرا، والعبد يعمل برهة من دهره بالسعادة ثم يدركه ما كتب له فيموت كافرا والعبد يعمل برهة من دهره بالشقاء ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيدا» رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار قال الهيثمي: وفيه عمر بن إبراهيم العبدي وقد وثقه غير واحد وقال ابن عدي: حديثه عن قتادة مضطرب، قال الهيثمي: وهذا منها. انتهى. ومع ما في هذا الحديث من الضعف في إسناده ففي بعض منه نظر وذلك في قوله: «إن العبد يولد كافرا». ومثله في الحديث الذي ذكره ابن محمود، وهذا مخالف للحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾» رواه مالك

стр. 115

وأحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان وأبو داود السجستاني والترمذي, وقال: هذا حديث صحيح، وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ قال: «لا يولد مولود إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يشركانه». وروى الإمام أحمد أيضا عن الأسود بن سريع وجابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ نحو ذلك، وروى ابن حبان في صحيحه حديث الأسود ابن سريع ﵁. وفي الفطرة أقوال للعلماء أقر بها ما وافق قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ وقوله ﷺ في رواية الإمام أحمد: «لا يولد مولود إلا على هذه الملة» وفي حديث الأسود بن سريع عند ابن حبان أن النبي ﷺ قال: «ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب» ولو صح حديث ابن مسعود الذي فيه أن العبد يولد كافرا لم يكن معنا مخالفا لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من كون المولود يولد على الفطرة لأن معنى قوله يولد كافراً أنه قد سبق في علم الله أنه يكون كافرا وأن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. وأما قول ابن محمود وهذا الكفر وهذا الإيمان إنما فعله باختياره ورغبته. فجوابه: أن يقال: إن كل ما يفعله بنو آدم باختيارهم ورغبتهم فقد سبق به القضاء والقدر وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكتبه الملك الموكل بالجنين وهو في بطن أمه، فلا يؤمن أحد إلا بقضاء وقدر ولا يكفر أحد إلا بقضاء وقدر، فجميع الأمور

стр. 116

جارية على وفق القضاء والقدر، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ومن زعم أن أحدًا من بني آدم يؤمن أو يكفر باختياره ورغبته ولم يسبق بذلك القضاء والقدر ولم يكتب في اللوح المحفوظ ولم يكتبه الملك الموكل بالجنين وهو في بطن أمه فهو من القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة وهم الذين يزعمون أن الأمر أنف أي مستأنف لم يسبق به القضاء والقدر، وقد تبرأ ابن عمر وغيره من الصحابة ﵃ من القدرية وصرح الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة بتكفير غلاتهم وهم الذين ينكرون العلم والكتاب، وقد تقدم بيان ذلك في عدة مواضع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن سلك سبيل القدرية فهو ملحق بهم في كل ما ذكرنا، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من موافقتهم لئلا ينسلخ من دينه وهو لا يشعر. وقد روى الترمذي وابن ماجة والحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل بني آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون» قال الترمذي: هذا حديث غريب وصححه الحاكم وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح على لين. وهذا آخر ما تيسر إيراده في الرد على رسالة ابن محمود التي سماها (الإيمان بالقضاء والقدر على طريقة أهل السنة والأثر). وليعلم أن الكلام في القدر مزلة أقدام ومضلة أفهام لا يسلم فيه إلا من تمسك بنصوص الكتاب والسنة وما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم

стр. 117

بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم، ولولا أني أخشى أن يغتر بعض الناس بعنوان رسالة ابن محمود فيظن أنها على طريقة أهل السنة والأثر مع أنها على طريقة غلاة القدرية الذين ينكرون كتابة لمقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وينكرون كتابة الملك الموكل بالجنين لما يقضي الله فيه من ذكورة أو أنوثة وسعادة أو شقاوة ورزق وأجل، وأن يغتروا أيضا بما قرره في رسالته من نفي كتابة المقادير وزعمه أنها عبارة عن العلم القائم بذات الله وسبق علمه بالأشياء قبل وقوعها، وما قرره أيضا في معنى القضاء والقدر مما أخذه من كلام عدو الله القصيمي في أغلاله، فلولا خشية الاغترار بما ذكرته من كلام ابن محمود لما كتبت في الرد عليه شيئا. والمقصود من هذا الرد نصيحة المردود عليه ثم نصيحة غيره لئلا يغتروا بكلامه. والله المسئول أن يريني وإياه وإخواننا المسلمين الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل. (فصل) وأما الرسالة الثانية لابن محمود وهي التي سماها (إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء) فالتعقيب عليها يتلخص في ثلاثة عشر شيئا: الأول: في زعمه أن كل نبي فإنه رسول وأنه لا فرق بين الرسول والنبي إلا بمجرد الإسلام والمسمى واحد. والثاني: قوله أن ابن كثير هو أسبق من تكلم بالتفريق بين الرسول والنبي. والثالث: قوله أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يذكر في كتاب النبوات فرقا بين الأنبياء والرسل. الرابع: زعمه

стр. 118

أن التفريق بين الرسول والنبي ليس معروفا عند الصحابة والتابعين ولا السلف السابقين. الخامس: قدحه في الصحابي الجليل أبي ذر ﵁ ورميه بسوء الحفظ. السادس: قوله: إن حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألف مخالف لصريح القرآن. السابع: قوله عن الأحاديث التي وردت في عدد الأنبياء أن بعضها من قول كعب الأحبار. الثامن: ما نسبه إلى المحققين من السلف أنهم قالوا: إن لله أنبياء كثيرين لا يعلم عددهم إلا الله، وقوله أيضا: إنهم خطَّئوا من عد الأنبياء والرسل. التاسع: تغليطه من فرق بين الأنبياء والرسل. العاشر: قوله: إن ابن الجوزي وغيره من العلماء ذكروا حديث أبي ذر في الموضوعات. الحادي عشر: نفيه الرسالة عن آدم. الثاني عشر: زعمه أن من فرق بين الرسول والنبي فقد فرق بين الأنبياء في الإيمان. الثالث عشر: زعمه أن كل مسلم مؤمن وأنه لا فرق بين المسلم والمؤمن. فأما الأول: وهو قوله في صفحة (٤):إن كل نبي فإنه رسول وأنه لا فرق بين الرسول والنبي إلا بمجرد الاسم والمسمى واحد. فجوابه: من وجهين أحدهما أن يقال: قد دل القرآن والسنة على التفريق بين الرسول والنبي، وكفى بالقرآن والسنة حجة على كل مبطل. فأما الدليل من القرآن فقد قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية فقد فرق ﵎ بين الرسول وبين النبي وعطف النبي على الرسول والعطف يقتضي المغايرة.

стр. 119

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان: وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما. انتهى. وسيأتي قول الرازي أن عطف النبي على الرسول يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص. انتهى. وإدخال حرف (لا) بين واو العطف والمعطوف صريح في التفريق بين الرسول والنبي كقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ وأمثال هذه الآيات. وقد جاء في (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) ما نصه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد (من رسول) مرسل (ولا نبي) محدث ليس بمرسل ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ قرأ الرسول أو حدث النبي ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ في قراءة الرسول وحديث النبي. انتهى. وقال ابن جرير في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية: فتأويل الكلام ولم يرسل يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم ولا نبي محدث ليس بمرسل إلا إذا تمنى. انتهى. وقال القاضي عياض: المعنى وما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبي وليس بمرسل إلى أحد. انتهى. وقال الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومحاورته إياه شفاها، والنبي الذي تكون

стр. 120

نبوته إلهاما أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. انتهى. وقال الواحدي في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ:﴾ الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومحاورته شفاها، والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، قال: وهذا معنى قول الفراء: الرسول النبي المرسل، والنبي المحدث الذي لم يرسل، انتهى منقولا من (تهذيب الأسماء واللغات) لأبي زكريا النووي. وقال البغوي في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ وهو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. انتهى. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ دليل بين على تغاير الرسول والنبي. انتهى. وقال الرازي في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، المسألة الأولى من الناس من قال الرسول هو الذي حدث وأرسل، والنبي هو الذي لم يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم، ومن الناس من قال: إن كل رسول نبي وليس كل نبي يكون رسولا وهو قول الكلبي والفراء، وقالت المعتزلة: كل رسول نبي وكل نبي رسول ولا فرق بينهما - ثم ذكر الرازي- إن هذه الآية دالة على أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، قال: لأنه عطف على الرسول وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على

стр. 121

الخاص، وقال في موضع آخر: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ وذلك يدل على أنه كان نبيا فجعله الله مرسلا وهو يدل على قولنا. انتهى. وقال القرطبي في تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا، والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، قال المهدوي -وهذا هو الصحيح-:إن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب الشفاء، قال والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا واحتج بحديث أبي ذر وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ . انتهى. وقال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي المتوفى سنة سبعمائة وعشر في تفسيره في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ هذا دليل بين علي ثبوت التغاير بين الرسول والنبي بخلاف ما يقول البعض أنهما واحد. انتهى. وقال ابن جزي الكلبي الغرناطي في تفسيره في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، النبي أعم من الرسول فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فقدم الرسول لمناسبته لقوله أرسلنا وأخر النبي لتحصيل العموم لأنه لو اقتصر على رسول لم يدخل في ذلك من كان نبيا غير رسول. انتهى.

стр. 122

وفي تفسير مجاهد عند قول الله تعالى في سورة مريم: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ قال: النبي هو الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل، والرسول هو الذي يرسل. وقد قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وروى محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، وروى ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه قال: فيقول له ابن عباس: اكتب حتى سأله عن التفسير كله. وعلى هذا فقول مجاهد في تفسير الآية من سورة مريم يحتمل أنه مما أخذه عن ابن عباس ﵄ والله أعلم. وقال القرطبي في تفسير سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية، قال: والرسول والنبي اسمان لمعنيين فإن الرسول أخص من النبي وقدم الرسول اهتماما لمعنى الرسالة وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم ولذلك رد رسول الله ﷺ على البراء حين قال: «وبرسولك الذي أرسلت» فقال له: «قل بنبيك الذي أرسلت» خرجه في الصحيح، وأيضا فإن في قوله وبرسولك الذي أرسلت تكرير الرسالة وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه بخلاف ونبيك الذي أرسلت فإنهما لا تكرار فيهما وعلى هذا فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا لأن الرسول والنبي اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترقا في أمر وهي الرسالة فإذا قلت: محمد رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم. انتهى.

стр. 123

وقال ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب عند قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإن كل رسول نبي ولا ينعكس. انتهى. وقال ابن كثير أيضا في تفسير سورة المدثر بعد ما قرر أن أول ما نزل من القرآن أول سورة (اقرأ) قال: وقوله تعالى: (قم فأنذر) أي شمر عن ساق العزم وأنذر الناس وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة. انتهى. وأما الدليل من السنة ففي عدة أحاديث أحدها ما رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فإن مت؛ مت على الفطرة واجعلهن آخر ما تقول» فقلت: استذكرهن وبرسولك الذي أرسلت قال: (لا، ونبيك الذي أرسلت) وفي رواية الترمذي قال البراء: فقلت وبرسولك الذي أرسلت قال: فطعن بيده في صدري ثم قال: «وبنبيك الذي أرسلت». وهذا الحديث صريح في التفريق بين الرسول والنبي وقد استدل به غير واحد من أكابر العلماء على التفريق بينهما، وقد تقدم كلام القرطبي في ذلك قريبا.

стр. 124

وقال الخطابي: والفرق بين النبي والرسول أن الرسول هو المأمور بتبليغ ما أنبئ وأخبر به، والنبي هو المخبر ولم يؤمر بالتبليغ فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، قال: ومعنى رده على البراء من رسولك إلى نبيك أن الرسول من باب المضاف فهو ينبئ عن المرسل والمرسل إليه فلو قال ورسولك ثم قال الذي أرسلت لصار البيان مكررا معادا، فقال ونبيك الذي أرسلت إذ قد كان نبيا قبل أن يكون رسولا ليجمع له الثناء بالاسمين معا ويكون تعديدا للنعمة في الحالين وتعظيما للمنة على الوجهين انتهى وقد نقله عنه ابن الأثير في جامع الأصول وأقره. وقال النووي في شرح مسلم: في الكلام على قول مسلم في أول صحيحة «وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين» وقد ينكر على مسلم في هذا الكلام قوله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، فيقال إذا ذكر الأنبياء لا يبقى لذكر المرسلين وجه لدخولهم في الأنبياء فإن الرسول نبي وزيادة، ولكن هذا الإنكار ضعيف، ويجاب عنه بجوابين أحدهما أن هذا سائغ وهو أن يذكر العام ثم الخاص تنويهًا بشأنه وتعظيما لأمره وتفخيما لحاله. والجواب الثاني: أن قوله والمرسلين أعم من جهة أخرى وهو أنه يتناول جميع رسل الله من الآدميين والملائكة قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ولا يسمى الملك نبيا فحصل بقوله والمرسلين فائدة لم تكن حاصلة بقوله النبيين والله أعلم انتهى كلام النووي، وقد أشار إليه في الكلام على حديث البراء بن عازب ﵄ في كتاب الذكر والدعاء فقال وقد قدمنا في أول شرح خطبة هذا الكتاب أنه لا يلزم من الرسالة النبوة ولا عكسه. انتهى.

стр. 125

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قوله وبرسولك الذي أرسلت قال: «لا وبنبيك الذي أرسلت» قال القرطبي تبعا لغيره: هذا حجه لمن لم يجز نقل الحديث بالمعنى وهو الصحيح من مذهب مالك، فإن لفظ النبوة والرسالة مختلفان في أصل الوضع فإن النبوة من النبأ وهو الخبر، فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفا، وإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول وإلا فهو نبي غير رسول، وعلى هذا فكل رسول نبي بلا عكس، فإن النبي والرسول اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترقا في الرسالة فإذا قلت: فلان رسول تضمن أنه رسول، وإذا قلت: فلان نبي لم يستلزم أنه رسول فأراد ﷺ أن يجمع بينهما في اللفظ لاجتماعهما فيه حتى يفهم من كل واحد منهما من حيث النطق ما وضع له وليخرج عما يكون شبه التكرار في اللفظ من غير فائدة. انتهى. قال الحافظ: وأما الاستدلال به على منع الرواية بالمعنى ففيه نظر لأن شرط الرواية بالمعنى أن يتفق اللفظان في المعنى المذكور، وقد تقرر أن النبي والرسول متغايران لفظا ومعنى فلا يتم الاحتجاج بذلك. انتهى. وقد ذكر بعض العلماء في صفة الرسول أن يكون له كتاب. وقال بعضهم: لا يشترط ذلك فكل نبي أوحي إليه بأمر يقتضي تكليفا وأمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول ولو لم ينزل عليه كتاب وهذا هو الصحيح والله أعلم. الحديث الثاني: قال ابن حبان في صحيحه: أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني والحسين بن عبد الله القطان بالرقة وابن سلم واللفظ للحسن قالوا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني حدثنا أبي عن جدي عن أبي إدريس

стр. 126

الخولاني عن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده - فذكر الحديث بطوله وفيه - قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وعشرون ألف» قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» قلت: يا رسول الله من كان أوله قال: «آدم ﵇» قلت: يا رسول الله أنبي مرسل قال: «نعم؛ خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا» قال الهيثمي بعد ما ساقه في موارد الظمآن: فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال أبو حاتم وغيره: كذاب. . انتهى. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة إبراهيم بن هشام وهو صاحب حديث أبي ذر الطويل انفرد به عن أبيه عن جده قال الطبراني: لم يرو هذا عن يحيى إلا ولده وهم ثقات، وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج حديثه في الأنواع، ثم ذكر عن أبي حاتم أنه قال: هو كذاب وذكر ابن الجوزي أنه قال: أبو زرعه كذاب، وقد علق الحافظ ابن حجر على موارد الظمآن فقال: انفرد أبو حاتم الرازي بتضعيف إبراهيم بن هشام وقواه غيره وللحديث شواهد، منها ما رواه ابن جرير في أول تاريخه عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب عن الماضي بن محمد بن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني، قال بطوله. وقال الحافظ ابن حجر أيضا في تعليقه على موارد الظمآن: وفي الحديث أشياء مفرقة من روايات متنوعة إلى أبي ذر، منها من طريق عبيد بن خشخاش عنه، وفيها من طريق أخرى قد ذكرتها في الهامش أولا. انتهى. قلت: الذي ذكره في الهامش أولا هذا نصه (قال ابن أبي عمر: حدثنا هشام بن سليمان حدثنا أبو رافع عن يزيد بن

стр. 127

رومان عمن أخبره عن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد فإذا أنا برسول الله ﷺ جالسا وحده، قلت: أنظر إليه وهو لا يراني وأقول ما خلا هكذا وحده إلا وهو على حاجة أو على وحي فجعلت أؤامر نفسي أن آتيه فأبت نفسي إلا أن آتيه فجئت فسلمت ثم جلست فجلست طويلا لا يلتفت إليَّ ولا يكلمني قال: قلت: قد كره رسول الله ﷺ مجالستي ثم التفت إليَّ فقال: (يا أبا ذر, فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: أركعت اليوم؟ قلت: لا, قال: قم؛ فاركع) الحديث بطوله وسياق الأصل أتم انتهى ما علقه الحافظ ابن حجر على موارد الظمآن. وحاصل ما تقدم أن إبراهيم بن هشام قد اختلف فيه فوثقه ابن حبان والطبراني وتكلم فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرازي، ولحديثه شواهد تقويه. منها ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا المسعودي عن أبي عمرو الشامي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست إليه - فذكر الحديث مختصرا وفيه - قلت: فأي الأنبياء كان أول يا رسول الله؟ قال: (آدم) قلت: أو نبي كان قال: (نعم نبي مكلم) قلت: كم كان المرسلون يا رسول الله؟ قال: «ثلاثمائة وخمس عشرة جما غفيرا» وقد رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن المسعودي فذكره بمثله مختصرا، ورواه البزار والطبراني في الأوسط مختصرا، قال الهيثمي: وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط، وقد روى النسائي في كتاب الاستعاذة من سننه طرفا منه من طريق المسعودي، وروى الحاكم في مستدركه في فضل آية الكرسي طرفا منه من طريق المسعودي وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.

стр. 128

ومن شواهده أيضا ما رواه محمد بن أبي عمر في مسنده وقد تقدم ذكر إسناده في كلام الحافظ ابن حجر، وقد ذكره الحافظ أيضا في (المطالب العالية) مطولا وقال فيه قلت: يا رسول الله كم كان الأنبياء؟ قال: (كانوا مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا) قلت: يا رسول الله وكلهم كانوا رسلا؟ قال: (لا، كان الرسل منهم خمسة عشر وثلاثمائة رجل) قلت: يا رسول الله فأيهم كان أول؟ قال: (كان أولهم آدم) قلت: أنبي كان آدم؟ قال: (نعم جَبَل الله تربته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا). ومن شواهده أيضا ما رواه ابن جرير في أول تاريخه وقد تقدم ذكر إسناده في كلام الحافظ ابن حجر وقال فيه قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قال: قلت: يا رسول الله كم المرسل من ذلك؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» يعني: كثيرا طيبا، قال: قلت: يا رسول الله من كان أولهم قال: (آدم) قال قلت: يا رسول الله وآدم نبي مرسل قال: (نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا). ومن شواهده أيضا ما رواه الحسن بن عرفة في مسنده حدثني يحيى بن سعيد السعيدي البصري حدثنا عبد الملك بن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر ﵁: دخلت على رسول الله ﷺ وهو في المسجد - فذكر الحديث وفيه - قال: فقلت: يا رسول الله كم النبيون؟ قال: «مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي» قلت: كم المرسلون منهم؟ قال: (ثلاثمائة وثلاثة عشر) وقد رواه الحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه من طريق الحسن بن عرفة، قال الذهبي: السعيدي ليس بثقة. قلت: وهذا الحديث قد تعددت طرقه وصححه ابن حبان وصحح الحاكم ما رواه منه من طريق المسعودي ووافقه الذهبي

стр. 129

على تصحيحه وقال الشوكاني في كتابه (إرشاد الثقات): أخرجه ابن حبان والبيهقي بسندين حسنين انتهى، وقد اعتضد بما يأتي من حديث أبي أمامة وعوف بن مالك ﵄، وعلى هذا فأقل الأحوال فيه أن يكون صالحا للاستشهاد به والله أعلم. الحديث الثالث عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد جالسا وكانوا يظنون أنه ينزل عليه فأقصروا عنه حتى جاء أبو ذر فأقحم فأتى فجلس إليه فأقبل عليه النبي ﷺ فذكر الحديث وفيه أن أبا ذر ﵁ سأل النبي ﷺ عن أشياء كثيرة، منها قال: قلت: يا نبي الله فأي الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم ﵇» قال: قلت: يا نبي الله أو نبي كان آدم؟ قال: «نعم نبي مكلم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم قال له: يا آدم قبلا» قال: قلت: يا نبي الله كم عدد الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألف، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير قال الهيثمي: ومداره على علي بن يزيد وهو ضعيف. وقد روي الطبراني في الأوسط طرفا منه بإسناد صحيح ولفظه أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: «نعم» قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: «عشرة قرون» قال: كم بين نوح وإبراهيم؟ قال: «عشرة قرون» قال: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: «ثلاثمائة وخمسة عشر» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقد رواه الحاكم في مستدركه ولفظه أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: «نعم، معلم مكلم» قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: «عشرة قرون» قالوا: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: «ثلاثمائة وخمس عشرة جما غفيرا» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه

стр. 130

ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرا، ولفظه أن رجلا قال: يا رسول الله أنبيا كان آدم؟ قال: «نعم» قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: «عشرة قرون» قال ابن كثير في البداية والنهاية: وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه، ورواه ابن جرير في أول تاريخه ولفظه قلت: يا نبي الله أنبيا كان آدم؟ قال: «نعم كان نبيا كلمه الله قبلا». وفي هذا الحديث الصحيح شاهد لما تقدم قبله من حديث أبي ذر وأبي أمامة ﵄. الحديث الرابع: عن عوف بن مالك ﵁ أن أبا ذر ﵁ جلس إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه - قلت: يا رسول الله فأي الأنبياء كان أول؟ فقال: «آدم» فقلت: أو نبيا كان؟ قال: «نعم نبي مكلم» قلت: يا رسول الله وكم الأنبياء؟ فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» فقال: كم المرسلون منهم؟ قال: «ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» ذكره الحافظ ابن حجر في (المطلب العالية) ونسبه لإسحاق بن راهويه. وهذا الحديث والحديثان قبله يشد بعضها بعضا وتشهد لها الرواية الصحيحة عن أبي أمامة ﵁. الحديث الخامس: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ إذ طلع أبو بكر وعمر فقال: رسول الله ﷺ «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين يا علي لا تخبرهما» رواه الترمذي وابن ماجه وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند وإسناده حسن وهذا لفظ الترمذي، ولفظ عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه

стр. 131

وسلم فأقبل أبو بكر وعمر فقال: (يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين) قال الترمذي: وفي الباب عن أنس وابن عباس ﵃. الحديث السادس: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين لا تخبرهما يا علي» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. الحديث السابع: عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين» رواه ابن ماجه بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه. الحديث الثامن: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، رواه البزار والطبراني. الحديث التاسع والعاشر: عن ابن عمر وجابر بن عبد الله ﵃ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضا رواهما الطبراني. وهذه الأحاديث الستة يشد بعضها بعضا وفيها أوضح دليل على ثبوت التغاير بين الرسول والنبي، وفيها مع ما تقدم قبلها من الأحاديث أبلغ رد على من زعم أنه لا فرق بين الرسول والنبي إلا بمجرد الاسم والمسمى واحد. الوجه الثاني: أن يقال: مما يدل على الفرق بين الرسول والنبي وأن مسمى الرسول ومسمى النبي مختلف في المعنى أن اسم الرسول يدخل فيه الرسل من الملائكة والرسل من بني آدم كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ

стр. 132

النَّاسِ﴾ والرسل من الملائكة لا يسمون أنبياء وإنما يسمى بذلك الأنبياء من بني آدم والرسل منهم، ولو كان الأمر على ما زعمه ابن محمود في قوله أنه لا فرق بين الرسول والنبي إلا بمجرد الاسم والمسمى واحد لكان جبريل وغيره من الملائكة يسمون أنبياء، وهذا ظاهر البطلان، وبهذا يتبين الفرق بين الرسول والنبي، وقد تقدم قول الحافظ ابن حجر أنهما متغايران لفظا ومعنى. وأما الثاني وهو قوله في صفحة (٣) أن ابن كثير هو أسبق من تكلم بالتفريق بين الرسول والنبي. فجوابه: أن يقال: إن أول من تكلم بالتفريق بين الرسول والنبي هو الله ﵎ في قوله جل ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية. وأول من تكلم بذلك من هذه الأمة رسول الله ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها، ومن أصرحها رواية محمد بن أبي عمر التي ذكرها الحافظ ابن حجر في (المطالب العالية) وفيها أن أبا ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله كم كان الأنبياء؟ قال: «كانوا مائة ألف وأربعة وعشرين ألف» قلت: يا رسول الله وكلهم كانوا رسلا؟ قال: (لا، كان الرسل منهم خمسة عشر وثلاثمائة رجل). وتقدم أيضا ما ذكرنا من تفسير ابن عباس ومجاهد أنهما فرقا بين الرسول والنبي، وقال ابن قتيبة في كتاب (المعارف) ذكر وهب عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كانت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي، الرسل منهم ثلاثمائة نبي وخمسة عشر نبيا).

стр. 133

وتقدم أيضا ما ذكره الرازي عن الكلبي والفراء أنهما فرقا بين الرسول والنبي، وذكره الواحدي أيضا عن الفراء. وتقدم أيضا عن ابن جرير والثعلبي والواحدي والبغوي والزمخشري والرازي والقرطبي والنسفي وابن جزي الكلبي أنهم فرقوا بين الرسول والنبي، وهؤلاء المفسرون كلهم كانوا قبل ابن كثير سوى ابن جزي فقد كان معاصرا لابن كثير ومات قبله. وتقدم أيضا ما ذكره القرطبي عن المهدوي والقاضي عياض أنهما فرقا بين الرسول والنبي، وتقدم عن الخطابي والنووي مثل ذلك. وممن فرق بين الرسول والنبي من المتقدمين مسلم بن الحجاج وعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري وأبو عبد الله الحاكم وأبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي وأبو محمد بن حزم وأبو اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي والقاضي عياض والخطيب البغدادي. فأما مسلم فقال في مقدمة صحيحه ما نصه: (وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين). وأما عبد الله بن مسلم بن قتيبة فقال في كتاب (المعارف) ما نصه: (عدد الأنبياء والرسل منهم صلى الله عليهم) ثم ذكر ما تقدم قريبا عن ابن عباس في عدد الأنبياء والرسل. وأما الحاكم فقال في مستدركه ما نصه: (كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين).

стр. 134

أما أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي فقال في كتابه (أصول الدين): كل رسول لله نبي وليس كل نبي رسولا له. وأما ابن حزم فقال في أول المحلى ما نصه: (مسألة، وبعد هذا فإن أفضل الإنس والجن الرسل ثم الأنبياء ثم أصحاب رسول الله ﷺ وهذا لا خلاف فيه). وقال أيضا: (مسألة، والنبوة هي الوحي من الله تعالى بأن يعلم الموحى إليه بأمر ما يعلمه لم يكن يعلمه قبل، والرسالة هي النبوة وزيادة وهي بعثته إلى خلق ما بأمر ما، هذا ما لا خلاف فيه. انتهى. وأما أبو اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي فقال في كتابه (أصول الدين): الرسول لا يكون إلا نبيا والنبي قد لا يكون رسولا - إلى أن قال - ويبقى الرسول بعد موته رسولا وكذلك النبي بعد موته نبيا لأن الرسول بالرسالة صار شريفا مكرما عند الله تعالى وكذا النبي إلا أنه دونه، وكذا المؤمن إلا أنه دونهما، وذلك الشرف يبقى لهم بعد الموت. انتهى. وأما القاضي عياض فقال في كتاب (الشفا) ما نصه: (والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا). انتهى. وأما الخطيب البغدادي فقال في كتابه (الكفاية في علم الرواية): وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة معا. انتهى. وممن فرق بين الرسول والنبي أيضا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى، فأما

стр. 135

شيخ الإسلام فقال في كتاب الإيمان بعد أن ذكر أن الإحسان يدخل فيه الإيمان وأن الإيمان يدخل فيه الإسلام، قال: وهذا كما يقال في الرسالة والنبوة فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة. انتهى. وقال الشيخ أيضا في جواب له بعد ذكره عصمة الأنبياء ما نصه: وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة فإن النبي هو المنبأ عن الله، والرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين. وقال الشيخ أيضا في جواب آخر ما نصه: فإن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيها يخبرون به عن الله فلا يكون خبرهم إلا حقا وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب. والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه، ولهذا كان كل رسول نبيا وليس كل نبي رسولا وإن كان قد يوصف بالإرسال المقيد في مثل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقال الشيخ أيضا وذكر حديث بدء الوحي وفيه ذكر نزول سورة (اقرأ) ثم قال: وهذه السورة أول ما أنزل الله عليه وبها صار نبيا ثم أنزل عليه سورة المدثر وبها صار رسولا لقوله: (قُمْ فَأَنذِرْ).

стр. 136

وقال الشيخ أيضا في تفسير سورة (اقرأ): إن ما في حديث عائشة ﵂ الذي في الصحيحين يبين أن أول ما نزل ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ نزلت عليه وهو في غار حراء وأن (المدثر) نزلت بعد، وهذا هو الذي ينبغي فإن قوله: (اقرأ) أمر بالقراءة لا بتبليغ الرسالة وبذلك صار نبيا، وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أمر بالإنذار وبذلك صار رسولا منذرا. وقال الشيخ أيضا: فسورة (اقرأ) هي أول ما نزل من القرآن ولهذا لما أمر بأن يقرأ أنزل عليه بعدها المدثر لأجل التبليغ فقيل له ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فبالأولى صار نبيا وبالثانية صار رسولا. انتهى. وكلامه رحمه الله تعالى في التفريق بين الرسول والنبي كثير جدا وفيما ذكرته هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى. وأما ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه (زاد المعاد): وكذلك اختياره سبحانه الأنبياء من ولد آدم عليه وعليهم الصلاة والسلام وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف واختياره سبحانه الرسل منهم وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، واختياره أولي العزم منهم وهم الخمسة المذكورون في سورة الأحزاب والشورى في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ واختار منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا ﷺ . انتهى. وقال ابن القيم أيضا في كتابه (طريق الهجرتين) ما ملخصه: مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها وهم

стр. 137

ثمان عشرة مرتبة، الطبقة الأولى وهي العليا على الإطلاق مرتبة الرسالة وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق. الطبقة الثانية من عداهم من الرسل على مراتبهم من تفضيل بعضهم على بعض، الطبقة الثالثة الذين لم يرسلوا إلى أممهم وإنما كانت لهم النبوة دون الرسالة فاختصوا عن الأمة بإيحاء الله إليهم وإرساله ملائكته إليهم، واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة يدعونهم إلى الله بشريعته وأمره واشتركوا في الوحي ونزول الملائكة عليهم انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وممن فرق بين الرسول والنبي من أهل اللغة ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب ومرتضى الحسيني في تاج العروس، فأما ابن الأثير فقال في النهاية ما نصه: ومن الأول حديث البراء قلت: ورسولك الذي أرسلت فرد عليَّ وقال ونبيك الذي أرسلت، إنما رد عليه ليختلف اللفظان ويجمع له الثنائين معنى النبوة والرسالة ويكون تعديدًا للنعمة في الحالين وتعظيما للمنة على الوجهين، والرسول أخص من النبي لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول. انتهى. وأما ابن منظور وصاحب تاج العروس فذكرا كلام ابن الأثير وأقراه.

стр. 138

وأما قول ابن محمود في آخر صفحة (٤) وأول صفحة (٥) ما نصه: والله يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ فوصف الأنبياء بالتبشير والإنذار الذي هو وظيفة الرسل بلا خلاف كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فوصف الرسل بالتبشير والإنذار كما وصف بذلك الأنبياء على حد سواء. فجوابه: أن يقال: إن المراد بالأنبياء المذكورين في الآية من سورة البقرة الرسل بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ والكتب إنما أنزلت على الرسل لا على عموم الأنبياء كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ فهذه الآية من سورة الحديد تبين ما أُجْمِلَ في الآية من سورة البقرة والله أعلم. وأما الثالث وهو قوله في صفحة (٥):إن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يذكر في كتاب (النبوات) فرقا بين الأنبياء والرسل. فجوابه: أن يقال: بل قد ذكر ذلك في صفحة ١٧٢ وما بعدها من كتاب (النبوات) وهذا نص كلامه. والمقصود هنا الكلام على النبوة فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي

стр. 139

أُمْنِيَّتِهِ﴾ وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فذكر إرسالا يعم النوعين وقد خص أحدهما بأنه رسول فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبيا مكلما، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول، وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قضية معينة ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهم الله سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداود، فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنباهم الله به من الخبر والأمر والنهي فإن أرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ولابد أن يكذب الرسل قوم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فإن الرسل ترسل إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ فقوله: ﴿قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل

стр. 140

كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعالم ولهذا قال النبي ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فإن يوسف كان رسولا وكان على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين وكان على شريعة التوراة. قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. والإرسال اسم عام يتناول إرسال الملائكة وإرسال الرياح وإرسال الشياطين وإرسال النار قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ فهنا جعل الملائكة كلهم رسلا، والملك في اللغة هو حامل الألوكة وهي الرسالة، وقد قال في موضع آخر: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ لكن الرسول المضاف إلى الله إذا قيل رسول الله فهم من يأتي برسالة من الله من الملائكة والبشر كما قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقالت الملائكة: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾.

стр. 141

وأما عموم الملائكة والرياح والجن فإن إرسالها لتفعل فعلا لا لتبلغ رسالة قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فرسل الله الذين يبلغون عن الله أمره ونهيه هي رسل الله عند الإطلاق، وأما من أرسله الله ليفعل فعلا بمشيئته وقدرته فهذا عام يتناول كل الخلق كما أنهم كلهم يفعلون بمشيئته وإذنه المتضمن لمشيئته، لكن أهل الإيمان يفعلون بأمره ما يحبه ويرضاه ويعبدونه وحده ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم وهم عاصون لأمره متبعون لما يسخطه وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته انتهى المقصود من كلامه ﵀. وأما الرابع: وهو زعمه في صفحه (٥) أن التفريق بين الرسول والنبي ليس معروفا عند الصحابة والتابعين ولا السلف السابقين. فجوابه: أن يقال: قد تقدم ذكر التفريق بين الرسول والنبي في تفسير ابن عباس ومجاهد والكلبي والفراء وابن جرير وغيرهم من أكابر العلماء المتقدمين فليراجع ذلك ففيه كفاية في الرد على ابن محمود، وتقدم أيضا قول ابن حزم في التفريق بين الرسول والنبي أنه لا خلاف فيه، وفي هذا أيضا رد على ابن محمود. وأما الخامس: وهو قدحه في الصحابي الجليل أبي ذر ﵁ ورميه بسوء الحفظ وذلك في صفحة (٥) حيث قال مشيرا إلى حديث أبي ذر ﵁ «وهو حديث طويل جدا لا يتحمل أبو ذر حفظه مع طوله». فجوابه: أن يقال: يا لها من كلمة ما أسوأها وأبشعها ..

стр. 142

ولا أعلم أحدا رمي أبا ذر ﵁ بسوء الحفظ قبل ابن محمود، وقد قال النبي ﷺ : «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي ذر ﵄. وروى الترمذي أيضا وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم ﵇» فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله: أفنعرف ذلك له؟ قال: «نعم فاعرفوه له» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر» رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني والحاكم في مستدركه قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد وقد وثق وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضا ولم يتكلم عليه وقال الذهبي: سنده جيد. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: قال أبو إسحاق السبيعي عن هانئ بن هانئ عن علي ﵁ أنه قال: «أبو ذر وعاء ملئ علما ثم أوكئ عليه» أخرجه أبو داود بسند جيد، قال الحافظ: وكان يوازي ابن مسعود في العلم. انتهى.

стр. 143

وقد ترجم له الحافظ الذهبي في تذكرة الحافظ وقال: كان رأسا في العلم والزهد والجهاد وصدق اللهجة والإخلاص وكان يوازي ابن مسعود في العلم، ومناقبه شهيرة، منها قول المصطفى ﷺ : «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر». انتهى. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: كان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق. انتهى. وفيما ذكرته من الأحاديث وأقوال الأئمة الحفاظ أبلغ رد على من رمى أبا ذر بسوء الحفظ. وقد روى الإمام أحمد في مسنده نحو مائتين وسبعين حديثا لأبي ذر ﵁، وروى له أهل الصحاح والسنن والمسانيد أحاديث كثيرة مما رواه الإمام أحمد ومما لم يروه، ومن كان يحفظ هذا العدد الكثير من الأحاديث كيف يقال: إنه لا يتحمل حفظ الحديث الطويل الذي فيه عدد الأنبياء والمرسلين، إنها لجراءة على صحابي جليل قد عده أهل المعرفة بمراتب العلماء في أعلى طبقات الحفاظ وقالوا: إنه كان يوازي ابن مسعود في العلم. وأما السادس: وهو قوله في صفحة (٦):إن حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا مخالف لصريح القرآن فإن الله يقول: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. فجوابه: أن يقال: ليس في حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه، فأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقوله في سورة المؤمنين:

стр. 144

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ فليس المراد بالقصص ذكر عددهم كما قد توهم ذلك ابن محمود وإنما المراد بالقصص ذكر أخبارهم وما جرى لهم مع قومهم، قال ابن كثير في تفسير سورة المؤمنين: أي منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة. انتهى. والقصص رواية الأخبار نص على ذلك أهل اللغة، قال الجوهري في الصحاح: القصة الأمر والحديث وقد اقتصصت الحديث رويته على وجهه وقد قص عليه الخبر قصصا، والاسم أيضا القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقصص بكسر القاف جمع القصة التي تكتب. انتهى. وقال ابن الأثير في النهاية: القص البيان والقصص بالفتح الاسم وبالكسر جمع قصة والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. انتهى. وقال ابن منظور في لسان العرب: والقصة الخبر وهو القصص وقص عليّ خبره يقصه قصا وقصصا أورده، والقصص الخبر المقصوص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقصص بكسر القاف جمع القصة التي تكتب، وتقصص الخبر تتبعه، والقصة الأمر والحديث، واقتصصت الحديث رويته على وجهه، وقص عليه الخبر قصصا، وفي حديث الرؤيا لا تقصها إلا على واد، يقال: قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها أقصها قصا، والقص البيان والقصص بالفتح الاسم، والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. انتهى.

стр. 145

وقال الراغب الأصفهاني: القصص الأخبار المتتبعة، قال: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. انتهى. وقد ذكر الله تعالى في سورة آل عمران قصة زكريا وقصة مريم وقصة عيسى مع قومه ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى في أول سورة الأعراف: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ثم ذكر في السورة قصة آدم ثم قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع قومهم وقصة موسى مع فرعون وقصته لما جاء لميقات ربه وقصته لما اختار سبعين رجلا لميقات ربه وقصة أصحاب السبت وقصة الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة هود بعد ما ذكر قصة نوح وهود وصالح مع قومهم وقصة إبراهيم مع الملائكة وقصة لوط وشعيب مع قومهما وقصة موسى مع فرعون ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ وقال في آخر السورة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقال تعالى في أول سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ثم ذكر ما جرى ليوسف مع أبيه لما قص عليه الرؤيا وقصته مع إخوته في أول الأمر وقصته مع العزيز وامرأته وقصته مع الفتيين وقصته مع رسول الملك وقصته مع الملك وقصته مع إخوته في آخر الأمر وقصته حين اجتمع بأبويه وإخوته ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآيات إلى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الآية.
следующие страницы →