← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14471

فتح المعبود في الرد على ابن محمود

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (185 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما عموم الملائكة والرياح والجن فإن إرسالها لتفعل فعلا لا لتبلغ رسالة قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فرسل الله الذين يبلغون عن الله أمره ونهيه هي رسل الله عند الإطلاق، وأما من أرسله الله ليفعل فعلا بمشيئته وقدرته فهذا عام يتناول كل الخلق كما أنهم كلهم يفعلون بمشيئته وإذنه المتضمن لمشيئته، لكن أهل الإيمان يفعلون بأمره ما يحبه ويرضاه ويعبدونه وحده ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم وهم عاصون لأمره متبعون لما يسخطه وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته انتهى المقصود من كلامه ﵀. وأما الرابع: وهو زعمه في صفحه (٥) أن التفريق بين الرسول والنبي ليس معروفا عند الصحابة والتابعين ولا السلف السابقين. فجوابه: أن يقال: قد تقدم ذكر التفريق بين الرسول والنبي في تفسير ابن عباس ومجاهد والكلبي والفراء وابن جرير وغيرهم من أكابر العلماء المتقدمين فليراجع ذلك ففيه كفاية في الرد على ابن محمود، وتقدم أيضا قول ابن حزم في التفريق بين الرسول والنبي أنه لا خلاف فيه، وفي هذا أيضا رد على ابن محمود. وأما الخامس: وهو قدحه في الصحابي الجليل أبي ذر ﵁ ورميه بسوء الحفظ وذلك في صفحة (٥) حيث قال مشيرا إلى حديث أبي ذر ﵁ «وهو حديث طويل جدا لا يتحمل أبو ذر حفظه مع طوله». فجوابه: أن يقال: يا لها من كلمة ما أسوأها وأبشعها ..

стр. 142

ولا أعلم أحدا رمي أبا ذر ﵁ بسوء الحفظ قبل ابن محمود، وقد قال النبي ﷺ : «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي ذر ﵄. وروى الترمذي أيضا وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم ﵇» فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله: أفنعرف ذلك له؟ قال: «نعم فاعرفوه له» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر» رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني والحاكم في مستدركه قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد وقد وثق وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضا ولم يتكلم عليه وقال الذهبي: سنده جيد. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: قال أبو إسحاق السبيعي عن هانئ بن هانئ عن علي ﵁ أنه قال: «أبو ذر وعاء ملئ علما ثم أوكئ عليه» أخرجه أبو داود بسند جيد، قال الحافظ: وكان يوازي ابن مسعود في العلم. انتهى.

стр. 143

وقد ترجم له الحافظ الذهبي في تذكرة الحافظ وقال: كان رأسا في العلم والزهد والجهاد وصدق اللهجة والإخلاص وكان يوازي ابن مسعود في العلم، ومناقبه شهيرة، منها قول المصطفى ﷺ : «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر». انتهى. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: كان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق. انتهى. وفيما ذكرته من الأحاديث وأقوال الأئمة الحفاظ أبلغ رد على من رمى أبا ذر بسوء الحفظ. وقد روى الإمام أحمد في مسنده نحو مائتين وسبعين حديثا لأبي ذر ﵁، وروى له أهل الصحاح والسنن والمسانيد أحاديث كثيرة مما رواه الإمام أحمد ومما لم يروه، ومن كان يحفظ هذا العدد الكثير من الأحاديث كيف يقال: إنه لا يتحمل حفظ الحديث الطويل الذي فيه عدد الأنبياء والمرسلين، إنها لجراءة على صحابي جليل قد عده أهل المعرفة بمراتب العلماء في أعلى طبقات الحفاظ وقالوا: إنه كان يوازي ابن مسعود في العلم. وأما السادس: وهو قوله في صفحة (٦):إن حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا مخالف لصريح القرآن فإن الله يقول: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. فجوابه: أن يقال: ليس في حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه، فأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقوله في سورة المؤمنين:

стр. 144

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ فليس المراد بالقصص ذكر عددهم كما قد توهم ذلك ابن محمود وإنما المراد بالقصص ذكر أخبارهم وما جرى لهم مع قومهم، قال ابن كثير في تفسير سورة المؤمنين: أي منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة. انتهى. والقصص رواية الأخبار نص على ذلك أهل اللغة، قال الجوهري في الصحاح: القصة الأمر والحديث وقد اقتصصت الحديث رويته على وجهه وقد قص عليه الخبر قصصا، والاسم أيضا القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقصص بكسر القاف جمع القصة التي تكتب. انتهى. وقال ابن الأثير في النهاية: القص البيان والقصص بالفتح الاسم وبالكسر جمع قصة والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. انتهى. وقال ابن منظور في لسان العرب: والقصة الخبر وهو القصص وقص عليّ خبره يقصه قصا وقصصا أورده، والقصص الخبر المقصوص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقصص بكسر القاف جمع القصة التي تكتب، وتقصص الخبر تتبعه، والقصة الأمر والحديث، واقتصصت الحديث رويته على وجهه، وقص عليه الخبر قصصا، وفي حديث الرؤيا لا تقصها إلا على واد، يقال: قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها أقصها قصا، والقص البيان والقصص بالفتح الاسم، والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. انتهى.

стр. 145

وقال الراغب الأصفهاني: القصص الأخبار المتتبعة، قال: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. انتهى. وقد ذكر الله تعالى في سورة آل عمران قصة زكريا وقصة مريم وقصة عيسى مع قومه ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى في أول سورة الأعراف: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ثم ذكر في السورة قصة آدم ثم قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع قومهم وقصة موسى مع فرعون وقصته لما جاء لميقات ربه وقصته لما اختار سبعين رجلا لميقات ربه وقصة أصحاب السبت وقصة الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة هود بعد ما ذكر قصة نوح وهود وصالح مع قومهم وقصة إبراهيم مع الملائكة وقصة لوط وشعيب مع قومهما وقصة موسى مع فرعون ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ وقال في آخر السورة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقال تعالى في أول سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ثم ذكر ما جرى ليوسف مع أبيه لما قص عليه الرؤيا وقصته مع إخوته في أول الأمر وقصته مع العزيز وامرأته وقصته مع الفتيين وقصته مع رسول الملك وقصته مع الملك وقصته مع إخوته في آخر الأمر وقصته حين اجتمع بأبويه وإخوته ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآيات إلى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الآية.

стр. 146

وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على ابن محمود لأن الله تعالى أخبر أن في قصص المرسلين عبرة لأولي الألباب والعبرة لا تكون في عددهم وإنما تكون في أحبارهم وما جرى لهم مع قومهم، ولو كان الأمر على ما زعمه ابن محمود لكان معنى الآية إن في عدد المرسلين عبرة لأولي الألباب وهذا مما ينزه عنه كلام الله ﵎. وقال تعالى مخبرا عن أصحاب الكهف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وقال تعالى في سورة طه بعد ما ذكر قصصا كثيرة لموسى ﵊: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ وقال تعالى في أول سورة القصص: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ وقال تعالى مخبرا عن موسى وعن الرجل الصالح: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. والمقصود مما ذكرنا أمران أحدهما بيان معنى القصص الذي قال الله تعالى فيه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وأن المراد بذلك ذكر أخبارهم وما جرى لهم مع قومهم، الثاني بيان غلط ابن محمود فيما ذهب إليه من حمل القصص على ذكر عدد الأنبياء وبيان أنه لا دليل على ذلك لا من القرآن ولا من السنة ولا من لغة العرب وما كان هكذا فينبغي أن لا يلتفت إليه. أما السابع: وهو قوله في صفحه (٦):وقد وردت عدة أحاديث في عدد الأنبياء يخالف بعضها بعضا وكلها من الضعاف التي لا يحتج بها وقد ساقها ابن كثير في التفسير من آخر سورة النساء وبعضها من قول كعب الأحبار. فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث التي ذكرها ابن كثير في

стр. 147

تفسير سورة النساء في عدد الأنبياء ليس فيها شيء من قول كعب الأحبار وإنما الذي ذكره عن كعب الأحبار هو في تكليم الله لموسى ﵊، فما قاله ابن محمود وهم وغلط. وأما الثامن: وهو قوله في صفحة (٦) والذي عليه المحققون من السلف أن لله أنبياء كثيرين لا يعلم عددهم إلا الله، وقالوا: إن من عد الأنبياء فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به، ومثله قوله في عدد الرسل وأنهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. فجوابه: من وجوه أحدها أن يقال: لا يخفى ما في هذا القول من المجازفة والقول على السلف بما لم ينقل عن أحد منهم فيما أعلم. الوجه الثاني: قال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتابه (أصول الدين): أجمع أصحاب التواريخ من المسلمين على أن عدد الأنبياء ﵈ مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، كما وردت به الأخبار الصحيحة. أولهم أبونا آدم ﵇ وآخرهم نبينا محمد ﷺ وأجمعوا على أن الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر - إلى أن قال - وإذا صح لنا أن الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر قلنا: إن خمسة منهم من أولي العزم المذكورين في القرآن وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﵈ وخمسة منهم من العرب وهم هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد ﵈. انتهى. وفيما ذكره من إجماع أصحاب التواريخ من المسلمين على عدد الأنبياء والرسل أبلغ رد على ابن محمود.

стр. 148

الوجه الثالث: أن يقال: قد تقدمت الأحاديث عن أبي ذر وأبي أمامة وعوف بن مالك ﵃ في عدد الأنبياء والمرسلين، وأحاديثهم يشد بعضها بعضا وتشهد لها الرواية الصحيحة في إثبات نبوة آدم ﵊ وعدد الرسل، وتقدم أيضا ما ذكره ابن قتيبة في كتاب (المعارف) عن ابن عباس ﵄ في عدد الأنبياء والرسل وهو موافق لما جاء في الأحاديث الثلاثة عن أبي ذر وأبي أمامة وعوف ابن مالك ﵃، وعلى هذا فهل يأمن ابن محمود أن يكون قد خطأ النبي ﷺ وقال فيه: إنه قد تكلف ما لا علم له به، وأن يكون أيضا قد خطأ حبر الأمة ابن عباس ﵄ وقال فيه: إنه قد تكلف ما لا علم له به، ولا يخفى أن هذا المحذور ليس ببعيد من ابن محمود. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم الوجه الرابع: أن يقال: قد تقدم ما رواه الطبراني والحاكم بإسناد صحيح عن أبي أمامة ﵁ في عدد الرسل وأنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة عشر قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال الهيثمي في إسناد الطبراني: رجاله رجال الصحيح. وهذا الحديث لا يرده إلا جاهل أو مكابر، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه ورددنا على الله أمره قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.

стр. 149

وروي القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة من طريق أبي بكر الآدمي المقري حدثنا الفضل بن زياد القطان قال: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة. وذكر القاضي أبو الحسين أيضا في ترجمة الحسن بن علي بن خلف أبي محمد البربهاري - وهو من أعيان العلماء في آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع من الهجرة - أنه قال في كتابه (شرح السنة): ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله أو يرد شيئا من آثار رسول الله ﷺ أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام وقال البربهاري أيضا: من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله ومن رد حديثا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم. وذكر القاضي أبو الحسين أيضا في ترجمة إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا أنه قال: من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها وتجرأ على ردها فقد تهجم على رد الإسلام لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت. انتهى. وإذا علم هذا ففي الحديث الذي ذكرنا في عدد الرسل أبلغ رد على ابن محمود في تخطئته من عد الرسل وزعمه أن من عدهم فقد تكلف ما لا علم له به، وما يدري هدانا الله وإياه ووفقنا جميعا لاتباع الحق أن كلامه هذا يتناول النبي ﷺ ، وما أعظم ذلك وأبشعه وأشد الحكم فيه، فالواجب عليه أن يبادر إلى التوبة من هذا الزلة العظيمة.

стр. 150

وأما التاسع: وهو تغليطه من فرق بين الأنبياء والرسل فقد صرح بذلك في آخر صفحة (٥) وفي أثناء صفحة (٦) وهذا ملخص كلامه، قال: ويترجح أن هذا الاعتقاد في قولهم أن النبي هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه أنه إنما دخل على الناس من عهد قريب حيث أنه ليس معروفا عند الصحابة والتابعين ولا السلف السابقين - إلى أن قال - فهذه الغلطة في التفريق بين الرسول والنبي يظهر أنها إنما دخلت على الناس من طريق حديث موضوع رواه ابن مروديه عن أبي ذر - إلى أن قال - وكأن هذا منشأ الغلط في التفريق بين الأنبياء والرسل وأن النبي غير الرسول إذ النبي هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فليس كل نبي رسولا بزعمهم، وهذا التفريق لم نجد له أصلا قطعا. والجواب: عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: قد تقدم الجواب عن قوله: إن التفريق بين الرسول والنبي ليس معروفا عند الصحابة والتابعين والسلف السابقين فليراجع. الوجه الثاني: أن يقال قد تقدم ما ذكره أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي عن أصحاب التواريخ من المسلمين أنهم أجمعوا على أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وأن عدد الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وتقدم أيضا قول ابن حزم في التفريق بين الرسول والنبي أنه لا خلاف فيه، وهذا يقتضي أن التفريق بين الرسول والنبي متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وتقدم أيضا ما ذكره الرازي عن المعتزلة أنهم قالوا: كل رسول نبي وكل نبي رسول ولا فرق بينهما، وإذا علم هذا فنقول: إن الغالط في الحقيقة هو من خالف أهل السنة والجماعة واتبع أهل البدعة والضلالة من المعتزلة ومن قال بقولهم الباطل!

стр. 151

الوجه الثالث: أن يقال: إن الأصل في التفريق بين الرسول والنبي هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد تقدم ذكر الأدلة منهما على ذلك، وإذا كان هذا الأصل قد خفي على ابن محمود ولم يجده فقد ظهر ذلك لغيره من العلماء ووجدوه صريحا في الكتاب والسنة، وقد ذكرت أقوال المفسرين وشراح الأحاديث وغيرهم من أكابر الأئمة في ذلك فليراجع. وأما العاشر وهو قوله في صفحة (٦):إن ابن الجوزي وكثيرا من العلماء ذكروا حديث أبي ذر في الموضوعات. فجوابه: أن يقال: قد جاء في آخر تفسير سورة النساء من تفسير ابن كثير بعد ذكر رواية ابن مردويه لحديث أبي ذر ﵁ ما نصه، وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في كتابه الأنواع والتقاسيم وقد وسمه بالصحة وخالفه أبو الفرج ابن الجوزي فذكر هذا الحديث في كتابه الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث والله أعلم انتهى ما جاء في تفسير ابن كثير، والظاهر أن ابن محمود قال ما نسبه إلى ابن الجوزي تقليدا لما جاء في تفسير ابن كثير، وقد تصفحت كتاب الموضوعات لابن الجوزي من أوله إلى آخره وتتبعته حديثا؛ حديثا فما وجدته ذكر حديث أبي ذر ﵁ ولا أشار إليه، وتصفحت أيضا عدة كتب مما صنف في الموضوعات فما وجدتهم ذكروا حديث أبي ذر ﵁ ولا أشاروا إليه، وهذا مما يثير الشك فيما جاء في تفسير ابن كثير فلعله مقحم فيه وليس من كلام ابن كثير والله علم. وإذا علم هذا فحديث أبي ذر ﵁ قد رواه ابن حبان في صحيحه مطولا، وروى الحاكم في مستدركه طرفا منه في فضل آية الكرسي وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. وقد روي بعضه من حديث أبي أمامة وعوف بن مالك ﵄، وروى الطبراني والحاكم طرفا من حديث أبي أمامة ﵁ في ذكر نبوة آدم وعدد الرسل، قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروى ابن حبان في صحيحه طرفا منه

стр. 152

في ذكر نبوة آدم وقال فيه ابن كثير في (البداية والنهاية): وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه، وهذا الرواية الصحيحة تشهد لحديث أبي ذر ﵁ وتقويه. وعلى هذا فالحكم عليه بالوضع فيه نظر لا يخفى، وكذلك اتهام إبراهيم بن هشام به فيه نظر لا يخفى لأن إبراهيم بن هشام لم ينفرد بروايته بل قد روي من طرق متعددة ليس فيها إبراهيم بن هشام وقد تقدم ذكرها فلتراجع ففيها دليل على براءة إبراهيم بن هشام مما اتهم به والله أعلم. وأما الحادي عشر وهو قوله في آخر صفحة (٦) ومثله قوله في آدم وأنه أول الرسل والصحيح أن أول الرسل نوح. فجوابه: أن يقال: قد تقدم ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح عن أبي أمامة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: (نعم) الحديث قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ورواه ابن حبان في صحيحه بهذا اللفظ وقال فيه ابن كثير في (البداية والنهاية): وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه، ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: «نعم معلم مكلم» الحديث قال الحاكم صحيح: على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على من نفى نبوة آدم ﵊.

стр. 153

وفي حديث أبي ذر الطويل قلت: يا رسول الله كم الرسل؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» قلت: يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: «آدم ﵇» قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: «نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا» رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه ابن جرير في أول تاريخه بنحوه وقال فيه قلت: يا رسول الله وآدم نبي مرسل؟ قال: «نعم» الحديث. وفي حديث أبي أمامة ﵁ أن أبا ذر ﵁ قال للنبي ﷺ أو نبي كان آدم؟ قال: «نعم نبي مكلم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم قال له: يا آدم قبلا» رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير، ورواه ابن جرير في أول تاريخه بنحوه. وعن عوف بن مالك ﵁ أن أبا ذر ﵁ جلس إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث فيه - قلت: يا رسول الله فأي الأنبياء كان أول؟ فقال: (آدم) فقلت: أو نبيا كان؟ قال: (نعم نبي مكلم) الحديث ذكره الحافظ ابن حجر في (المطالب العالية) ونسبه لإسحاق بن راهويه، وهذا الحديث والحديثان قبله يشد بعضهما بعضا وتشهد لها الرواية الصحيحة عن أبي أمامة ﵁، وفيها الرد على من نفى نبوة آدم ﵊. وقد قال ابن قتيبة في كتاب (المعارف) ذكر وهب عن ابن عباس ﵄ قال: (أول المرسلين آدم وآخرهم محمد ﷺ . وقال ابن جرير في تاريخه وكان آدم مع ما كان الله قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان فيها قد نبأه الله وجعله رسولا إلى ولده وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة

стр. 154

كتبها آدم ﵇ بخطه علمه إياها جبرائيل ﵇، وقيل: إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة. انتهى. وقال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتابه (أصول الدين): أجمع المسلمون وأهل الكتاب على أن أول من أرسل من الناس آدم ﵇ وآخرهم عند المسلمين محمد ﷺ إلى أن قال - وقد كان آدم عليه لسلام مرسلا إلى جميع ولده الذين أدركوه. انتهى. وقال القاضي عياض في كتابه (الشفا) والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد ﷺ . انتهى. وفيما ذكره عبد القاهر بن طاهر من إجماع المسلمين على أن أول الرسل آدم ﵇ أبلغ رد على من نفى نبوته. وأما ما جاء في حديث أنس ﵁ المتفق على صحته في ذكر الشفاعة أن الناس إذا طلبوا من آدم الشفاعة يقول لهم: (ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) وكذلك ما في حديث أبي هريرة المتفق على صحته في ذكر الشفاعة أن الناس يقولون لنوح: (يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض). فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري فقال في ذكر نوح من أحاديث الأنبياء، أما كونه أول الرسل فقد استشكل بأن آدم كان نبيا وبالضرورة تعلم أنه كان على شريعة من العبادة وأن أولاده أخذوا ذلك عنه فعلى هذا فهو رسول إليهم فيكون هو أول رسول، فيحتمل أن تكون الأولية في قول أهل الموقف لنوح مقيدة بقولهم إلى أهل الأرض لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهل، أو لأن رسالة آدم إلى بنيه كانت كالتربية

стр. 155

للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أرسل إلى نبيه وغيرهم من الأمم الذين أرسل إليهم مع تفرقهم في عدة بلاد، وآدم إنما أرسل إلى بنيه فقط وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة. وقال الحافظ أيضا في شرح (باب صفة الجنة والنار) من كتاب الرقاق ما ملخصه، وقد استشكلت هذه الأولية بأن آدم نبي مرسل وكذا شيث وإدريس وهم قبل نوح، ومحصل الأجوبة عن الإشكال المذكور أن الأولية مقيدة بقوله: (أهل الأرض) لأن آدم ومن ذكر معه لم يرسلوا إلى أهل الأرض، ومن الأجوبة أن رسالة آدم كانت إلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد. انتهى. ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض ما ملخصه أن آدم وشيث رسالتهما إلى من معهما وأن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا، بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله تعالى، وكذلك خلفه شيث بعده فهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. انتهى. وقد تقدم في كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية المنقول من كتاب النبوات نحو ذلك. وأما الثاني عشر وهو زعمه أن من فرق بين الرسول والنبي فقد فرق بين الأنبياء في الإيمان، قال في صفحة (٩) ما نصه: ويجب تنزيه الأنبياء عن هذا الاعتقاد الذي هو تفريق بينهم - إلى أن قال - ولا شك أن وصف أحدهم بأنه نبي وليس برسول لكونه أوحى إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه وبعضهم نبي رسول أن هذا هو حقيقة التفريق بينهم إذ فيه إزالة

стр. 156

وصف الرسالة التي هي أعلا المراتب عن بعضهم لأنه وإن فسر هذا التفريق بالإيمان ببعضهم والكفر ببعض فإن الخطاب محتمل لهذا وذاك إذ كلا الأمرين تفريق بينهم والقرآن يوجب على المؤمنين أن يؤمنوا بجميع الأنبياء بدون تفريق. فجوابه: من وجوه أحدها أن يقال: إن القول بوجوب تنزيه الأنبياء عن التفريق بين الرسول منهم والنبي قول أحدثه ابن محمود لم يسبقه إليه أحد ولا قال أحد قبله أن التفريق بين الرسول والنبي من الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم. وقد قيل: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف الوجه الثاني: أن يقال: إن الله تعالى قد فرق بين الرسول والنبي في كتابه وفرق بينهما رسول الله ﷺ في عدة أحاديث تقدم ذكرها، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن التفريق بين الرسول والنبي لا يجوز وإنه يجب تنزيه الأنبياء عنه. الوجه الثالث: إذا علم أن النبي ﷺ قد فرق بين الرسول والنبي فهل يقول ابن محمود: إن النبي ﷺ قد فرق بين الأنبياء وأنه قال قولا يجب تنزيه الأنبياء عنه، أم ماذا يجيب به عن قوله الذي لم يتثبت فيه؟ الوجه الرابع: قد ذكرت فيما تقدم قول ابن عباس ﵄ ومجاهد في التفريق بين الرسول والنبي وذكرت أيضا أقوال كثير من المفسرين وغيرهم من أكابر العلماء في ذلك وهم الذين كانوا في أول القرن الثامن فما قبله، وتركت ما قاله كثير من المتأخرين في ذلك فلم أذكره وهم الذين كانوا في آخر

стр. 157

القرن الثامن فما بعده، وكل من ذكرت أقوالهم فيما تقدم ومن أشرت إليهم هاهنا ولم أذكر أقوالهم يكونون على زعم ابن محمود قد قالوا قولا يجب تنزيه الأنبياء عنه وفرقوا بين الأنبياء فآمنوا ببعضهم ولم يؤمنوا ببعضهم، ولا يخفى ما في هذا القول المحدث من المجازفة السيئة والتحامل الذميم، ولا شك أنهم هم المصيبون في تفريقهم بين الرسول والنبي وأن الخطأ لازم لمن شذ عنهم وخالف قولهم كالمعتزلة ومن نحا نحوهم وقال بقولهم الباطل في المنع من التفريق بين الرسول والنبي. الوجه الخامس: إننا ننزه ابن عباس ﵄ ومجاهدا وجميع الذين صرحوا بالتفريق بين الرسول والنبي مما زعمه ابن محمود من كونهم فرقوا بين الأنبياء في الإيمان وأنهم قالوا قولا يجب تنزيه الأنبياء عنه. الوجه السادس: أن يقال: ليس التفريق بين الرسول والنبي من التفريق الذي يجب تنزيه الأنبياء عنه وإنما هو من التفضيل الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ففضل بعض الأنبياء بالرسالة كما فضل بعض الرسل على بعض ففضل أولي العزم على سائر الرسل فضل إبراهيم ومحمدا ﷺ على الجميع بالخلة، وفضل آدم بأن خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وفضل موسى ﵊ بالتكليم، فضل عيسى ﵊ بأنواع من التفضيل، ولم يقل أحد أن تفضيل بعض الرسل على بعض من التفريق بينهم فكذلك يقال في تفضيل بعض الأنبياء على بعض بالرسالة. قال القاضي عياض في كتابه (الشفا) بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في النهي عن التفضيل بين الأنبياء وذكر أقوال العلماء في تأويلها - إلى أن قال - الوجه الرابع منع

стр. 158

التفضيل في حق النبوة والرسالة فإن الأنبياء فيها على حد واحد إذ هي شيء واحد لا يتفاضل وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب والألطاف، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل ومنهم أولو عزم من الرسل ومنهم من رفع مكانا عليا ومنهم من أوتي الحكم صبيا وأوتي بعضهم الزبور وبعضهم البينات ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية، قال بعض أهل العلم: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا وذلك بثلاثة أحوال أن تكون آيته ومعجزاته أبهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه وتحف ولايته واختصاصه. انتهى. وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ لا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء وأن أولي العزم منهم أفضل وهم الخمسة المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وفي الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ولا خلاف أن محمدا ﷺ أفضلهم ثم بعده إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ﵈ على المشهور. انتهى. وأما الثالث عشر وهو قوله في صفحة (٨) ما نصه:- فإن قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ

стр. 159

وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ فعطف بالنبي على الرسول بالواو المفيدة للمغايرة فكأن النبي غير الرسول، ثم أجاب بأن هذا يقع كثيرا في القرآن والسنة يعطف بالشيء على الشيء ويراد بالتالي نفس الأول كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فغاير بينهما بحرف العطف ومعلوم أن المسلمين هم المؤمنون والمؤمنين هم المسلمون فلا يقال فلان مسلم وليس بمؤمن ولا أنه مؤمن وليس بمسلم وإنما هو تنوع اسم والمسمى واحد، نظيره قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فعطف بجبريل وميكال على الملائكة وهما منهم، والنبي ﷺ قال: «فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله»، مثله قول أحدنا: «لا حول ولا قوة إلا بالله» وغير ذلك من الألفاظ التي يعطف بعضها على بعض ويراد بالتالي نفس الأول. فالجواب عنه من وجوه: أحدها أن يقال: إن كلام ابن محمود ينقض بعضه بعضا لأنه قرر أن الله تعالى عطف بالنبي على الرسول بالواو المفيدة للمغايرة وأنه تعالى غاير بين المسلمين والمؤمنين بحرف العطف، ثم نقض ذلك بقوله أنه يقع كثيرا في القرآن والسنة يعطف بالشيء على الشيء ويراد بالتالي نفس الأول، وبقوله أيضا ومعلوم أن المسلمين هم المؤمنون إلى آخر كلامه. الوجه الثاني: أن يقال: إن وقوع المغايرة بين الشيئين لابد أن يكون من أجل فارق بينهما، ومن زعم أنه لا فرق بين الرسول والنبي ولا بين المسلم والمؤمن فقد أبطل فائدة المغايرة. الوجه الثالث: أن الفرق بين الرسول والنبي ثابت بالأدلة الصريحة من الكتاب والسنة وقد تقدم بيان ذلك، وتقدم

стр. 160

أيضا قول ابن عباس ﵄ ومجاهد وغيرهما من أكابر العلماء في ذلك، وتقدم أيضا ما ذكره أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي عن أصحاب التواريخ من المسلمين أنهم أجمعوا على أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وأن عدد الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وتقدم أيضا قول ابن حزم في التفريق بين الرسول والنبي أنه لا خلاف فيه فليراجع كل ما تقدم ذكره ففيه أبلغ رد على من أبطل فائدة المغايرة بين الرسول والنبي. الوجه الرابع: أن النبي ﷺ فرق بين الإسلام والإيمان حين سأله جبريل عنهما وصدقه جبريل على ذلك، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة، منها حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» قال: صدقت, قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فاخبرني عن الإيمان, قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال صدقت. الحديث وفي آخره ثم قال لي: «يا عمر أتدري من السائل» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ببعض

стр. 161

الأسانيد التي ساقها مسلم في صحيحه ولم يسق لفظها وفيه أن جبريل قال للنبي ﷺ ما الإسلام قال: «الإسلام أن تسلم وجهك لله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت» قال فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال: «نعم» قال: صدقت قال: فقلنا انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه، قال: وقال: يا رسول الله ما الإحسان قال: «تخشى الله كأنك تراه أو تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك» قال: صدقت، قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه، قال: فقال: يا رسول الله ما الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله وبالموت وبالبعث وبالجنة وبالنار وبالقدر كله» قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال: «نعم» قال: صدقت قال: قلنا انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه. ورواه ابن حبان في صحيحه وقال فيه: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وأن تتم الوضوء وتصوم رمضان» قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال: «نعم» قال: صدقت قال: يا محمد ما الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن قال: «نعم» قال: صدقت، ورواه الدارقطني في سننه بنحو رواية ابن حبان وقال: إسناده ثابت صحيح أخرجه مسلم بهذا الإسناد. ومنها حديث أبي هريرة ﵁ بنحو حديث عمر ﵁ رواه البخاري ومسلم وأهل السنن إلا الترمذي. ومنها حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄ بنحو حديث عمر ﵁ وفيه أن جبريل قال: يا محمد أخبرني

стр. 162

ما الإسلام قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان» قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت قال: «نعم» قال: صدقت، قال: يا محمد أخبرني ما الإيمان قال: «الإيمان بالله وملائكته والكتاب والنبيين وتؤمن بالقدر» قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت، قال رسول الله ﷺ : «نعم» قال: صدقت. رواه النسائي. ومنها حديث ابن عمر ﵄ بنحو حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄ رواه الإمام أحمد وأبو داود والآجري في كتاب الشريعة. وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من زعم أن مسمى الإسلام والإيمان واحد، قال النووي رحمه الله تعالى في شرح الأربعين له بعد أن ذكر حديث عمر ﵁ الذي تقدم: وقد غاير الله تعالى بين الإيمان والإسلام كما في الحديث قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. وقال النووي في شرح مسلم عن أبي عمرو بن الصلاح أنه قال: إن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وإن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. انتهى. الوجه الخامس: أن يقال: ما صرح به ابن محمود في الإسلام والإيمان أنهما واحد هو قول الخوارج والمعتزلة ومن تبعهم وهو قول مخالف لظاهر القرآن وللأحاديث الصحيحة ولما عليه جمهور أهل السنة والجماعة كما سيأتي بيان ذلك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن رجب، وهذه المسألة قد

стр. 163

تكلم فيها شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أكابر العلماء بما فيه كفاية في بيان الحق ورد الباطل، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان الكبير، قد فرق النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ بين مسمى الإسلام ومسمى الإيمان ومسمى الإحسان فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» وقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». والفرق مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم وفي حديث أبي هريرة الذي اتفق البخاري ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان أعرابي فسأله، وكذلك فسر الإسلام في حديث ابن عمر المشهور قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان»، وحديث جبرائيل يبين أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسه ليس المبني غير المبني عليه، بل جعل النبي ﷺ ثلاث درجات أعلاها الإحسان وأوسطها الإيمان ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مؤمن محسنا ولا كل مسلم مؤمنا - إلى أن قال - وفي المسند عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» وقال ﷺ : «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس، فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان صلح الجسد بالإسلام وهو من الإيمان، يدل على ذلك أنه قال في

стр. 164

حديث جبرائيل: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم» فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة؛ لكن هو درجات ثلاثة مسلم ثم مؤمن ثم محسن. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة بخلاف الظالم لنفسه، وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن فإنه معرض للوعيد، وأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين - إلى أن قال - فلما ذكر الإيمان مع الإسلام جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة؛ الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب». وإذا ذكر اسم الإيمان مجردا دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة - إلى أن قال في أثناء الكتاب - وقد أثبت الله في القرآن إسلاما بلا إيمان في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال أعطى النبي ﷺ عليه وسلم رهطا وترك فيهم من لم يعطه وهو أعجبهم إلي فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله أني لأراه مؤمنا فقال رسول الله ﷺ : «أو مسلما» أقولها ثلاثا ويرددها علي رسول الله ﷺ ثلاثا، ثم

стр. 165

قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار» فهذا الذي نفى عن أهله دخول الإيمان في قلوبهم هل هو إسلام يثابون عليه أم هو من جنس إسلام المنافقين؟ فيه قولان مشهوران للسلف والخلف أحدهما أنه إسلام يثابون عليه ويخرجهم من الكفر والنفاق وهذا مروي عن الحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر وهو قول حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وسهل بن عبد الله التستري وأبي طالب المكي وكثير من أهل الحديث والسنة والحقائق. والقول الثاني: أن هذا الإسلام هو الاستسلام خوف السبي والقتل مثل إسلام المنافقين. قالوا وهؤلاء كفار فإن الإيمان لم يدخل في قلوبهم ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فهو كافر، وهذا اختيار البخاري ومحمد ابن نصر المروزي - ثم ذكر الشيخ عن الخوارج والمعتزلة أنهم يخرجون أهل الكبائر من اسم الإيمان والإسلام وأن الإيمان والإسلام عندهم واحد فإذا خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام، ولكن الخوارج تقول هم كفار والمعتزلة تقول لا مسلمون ولا كفار ينزلونهم منزلة بين المنزلتين - وذكر الشيخ الدليل على أن إسلام الأعراب إسلام يثابون عليه وأنهم ليسوا منافقين وأطال الكلام في تقرير ذلك إلى أن قال: وقد صار الناس في مسمى الإسلام على ثلاثة أقوال، قيل هو الإيمان وهما اسمان لمسمى واحد، وقيل هو الكلمة، لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام والإيمان ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي ﷺ . وذكر الشيخ أيضا أنه يجب رد ما تنازع الناس فيه إلى الله ورسوله، قال والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام

стр. 166

والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين وإن كان مسماه واجبا لا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمنا مسلما، فالحق في ذلك ما بينه النبي ﷺ في حديث جبريل؛ فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات أولها الإسلام وأوسطها الإيمان وأعلاها الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنا، وهكذا جاء القرآن فجعل الأمة على هذه الأصناف الثلاثة قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه. وقال أبو سليمان الخطابي: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة فأما الزهري فقال الإسلام الكلمة والإيمان العمل واحتج بالآية، وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد واحتج بقول: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها. قال الشيخ والذي اختاره الخطابي هو قول من فرق بينهما كأبي جعفر وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وهو قول أحمد بن حنبل وغيره ولا علمت أحدا من المتقدمين خالف هؤلاء فجعل نفس الإسلام نفس الإيمان، ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء كما ذكره الخطابي، وكذلك

стр. 167

ذكر أبو القاسم التيمي الأصبهاني وابنه محمد شارح مسلم وغيرهما أن المختار عند أهل السنة أنه لا يطلق على السارق والزاني اسم مؤمن كما دل عليه النص - إلى أن قال - قال الميموني: قلت: يا أبا عبد الله تفرق بين الإسلام والإيمان قال: نعم، قلت: بأي شيء تحتج قال: عامة الأحاديث تدل على هذا، ثم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» وقال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قال: وحماد بن زيد يفرق بين الإسلام والإيمان، قال: وحدثنا أبو سلمة الخزاعي قال: قال مالك: وذكر قولهم وقول حماد بن زيد، فرق بين الإسلام والإيمان، قلت لأبي عبد الله فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن قال: نعم، قلت: فإذا كانت المرجئة يقولون: إن الإسلام هو القول قال: هم يصيرون هذا كله واحدا ويجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا على إيمان جبريل ومستكمل الإيمان، قلت: فمن هاهنا حجتنا عليهم قال: نعم، قال الشيخ: فقد ذكر عنه الفرق مطلقا واحتجاجه بالنصوص. وقال صالح بن أحمد: سئل أبي عن الإسلام والإيمان، قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام القول والإيمان العمل، قيل له ما تقوله أنت قال: الإسلام غير الإيمان وذكر حديث سعد وقول النبي ﷺ ، قال الشيخ: فهو في هذا الحديث لم يختر قول من قال الإسلام القول بل أجاب بأن الإسلام غير الإيمان كما دل عليه الحديث الصحيح مع القرآن، وقال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله قلت: قوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» قال: قد تأولوه فأما عطاء فقال يتنحى عنه الإيمان وقال طاووس: إذا فعل ذلك زال عنه الإيمان، وروي عن الحسن قال: إن رجع راجعه الإيمان وقد قيل يخرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام، وروي هذه المسألة صالح وسأل أباه عن هذه

стр. 168

القصة فقال فيها هكذا يروي عن أبي جعفر قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» قال: يخرج من الإيمان إلى الإسلام فالإيمان مقصور في الإسلام فإذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، قال الزهري - يعني - لما روى حديث سعد «أو مسلم» فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل، قال أحمد: وهو حديث متأول والله أعلم. فقد ذكر أقوال التابعين ولم يرجح شيئا وذلك والله أعلم لأن جميع ما قالوه حق وهو يوافق على ذلك كله كما قد ذكر في مواضع أخر أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام ونحو ذلك، وأحمد وأمثاله من السلف لا يريدون بلفظ التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، بل التأويل عندهم مثل التفسير وبيان ما يؤول إليه اللفظ كقول عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن، وإلا فما ذكره التابعون لا يخالف ظاهر الحديث بل يوافقه، وقول أحمد يتأوله أي يفسر معناه وإن كان ذلك يوافق ظاهره لئلا يظن مبتدع أن معناه أنه صار كافرا لا إيمان معه بحال كما تقوله الخوارج فإن الحديث لا يدل على هذا، والذي نفى عن هؤلاء الإيمان كان يجعلهم مسلمين لا يجعلهم مؤمنين - إلى أن قال - والمقصود هنا أن هنا قولين متطرفين قول من يقول الإسلام مجرد الكلمة، والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإسلام، وقول من يقول مسمى الإسلام والإيمان واحد، وكلاهما قول ضعيف مخالف لحديث جبريل وسائر أحاديث النبي ﷺ انتهى المقصود من كلامه مخلصا. وقال ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دليل على أن

стр. 169

الإيمان غير الإسلام وهو أخص منه لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وفي الصحيحين: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين فدل على أنه أخص منه. وقال ابن كثير أيضا في تفسير سورة الحجرات: يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادَّعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يتمكن الإيمان في قولهم بعد: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵊ حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان فترقى من الأعم إلى الأخص ثم للأخص منه، ثم ذكر ابن كثير ما رواه الإمام أحمد والشيخان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا فقال سعد ﵁: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا وهو مؤمن فقال النبي ﷺ : «أو مسلم» حتى أعادها سعد ﵁ ثلاثا والنبي ﷺ «إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم فلم أعطه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم» قال ابن كثير: فقد فرق النبي ﷺ بين المؤمن والمسلم فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام، ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقا لأنه تركه من العطاء، ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين وإنما

стр. 170

هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي وقتادة واختاره ابن جرير، وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك، وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد أنهم قالوا: في قوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي استسلمنا خوف القتل والسبي، وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ ، والصحيح الأول أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يحصل لهم بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبا ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. انتهى. وذكر ابن رجب في كتابه (جامع العلوم والحكم) عن المحققين من العلماء أنهم قالوا: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا فإنه قد يكون الإيمان ضعيفا فلا يتحقق القلب به تحقيقا تاما مع عمل جوارحه أعمال الإسلام فيكون مسلما وليس بمؤمن الإيمان التام كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين وهو قول ابن عباس ﵄ وغيره، بل كان إيمانهم ضعيفا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ الآية , يعني لا ينقصكم من أجورها فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم، وكذلك قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁ لما قال له: لم تعط فلانا وهو مؤمن فقال النبي ﷺ : «أو مسلم» يشير إلى أنه لم يتحقق مقام الإيمان فإنما هو في مقام الإسلام الظاهر

стр. 171

ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضا، لكن اسم الإيمان ينفى عمن ترك شيئا من واجباته كما في قوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» وقد اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم؟ على قولين وهما روايتان عن أحمد، وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وفيما ذكرته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن رجب كفاية في الرد على ابن محمود في زعمه أن مسمى الإسلام والإيمان واحد وأن المسلمين هم المؤمنون فلا يقال فلان مسلم وليس بمؤمن. الوجه السادس: أن يقال: في الآية التي أوردها ابن محمود وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية أوضح دليل على رد قوله أن مسمى الإسلام والإيمان واحد لأن الله تعالى وصف المؤمنين والمؤمنات في الآية الكريمة بحفظ الفروج كما وصفهم بذلك في سورة المؤمنين حيث يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزاني وهو مؤمن» متفق عليه فنفى الإيمان عن الزاني حين يزني ولم ينف عنه الإسلام فدل على أنهما متغايران، وقد تقدم ما ذكره الإمام أحمد عن عطاء أنه قال: يتنحى عنه الإيمان، وعن طاوس أنه قال: إذا فعل ذلك زال

стр. 172

عنه الإيمان، وعن الحسن أنه قال: إن رجع راجعه الإيمان، وقد قيل يخرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام، وعن أبي جعفر قال: يخرج من الإيمان إلى الإسلام، وقال: في رسالته التي كتبها لمسدد، ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله جاحدا بها انتهى، وروى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: الإيمان نزه فمن زنا فارقه الإيمان فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان. وروى عبد الله أيضا عن عثمان بن أبي صفية قال: قال عبد الله بن عباس ﵄ لغلمانه يدعو غلاما؛ غلاما يقول: ألا أزوجك ما من عبد يزني إلا نزع الله منه نور الإيمان، ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من طريق الأعمش عن مجاهد قال: كان ابن عباس ﵄ يسمى غلمانه تسمية العرب ويقول لا تزنوا فإن الرجل إذا زنى نزع منه نور الإيمان، وروى أيضا عن مجاهد عن أبي عباس ﵄ أنه قال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه فإنه لا يزني زان إلا نزع الله منه نور الإيمان فإن شاء أن يرده رده وإن شاء أن يمنعه منعه. وروى عبد الله بن الإمام أحمد وأبو بكر الآجري عن الحسن أنه قال: يجانبه الإيمان ما دام كذلك فإن راجع راجعه الإيمان، وروى عبد الله أيضا عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: هذا الإسلام ودور دائرة وفي وسطها أخرى وهذا الإيمان التي في وسطها مقصور في الإسلام قال: فقول رسول الله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» يخرج

стр. 173

من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام فإذا تاب؛ تاب الله عليه قال: رجع إلى الإيمان، ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه وزاد في رواية ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك ثم قال الآجري: ما أحسن ما قال محمد بن علي ﵄ وذلك أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والإسلام لا يجوز أن يقال يزيد وينقص؛ وقد روي عن جماعة ممن تقدم - أي من السلف - أنهم قالوا إذا زنى نزع منه الإيمان، فإن تاب رد الله تعالى إليه الإيمان، كل ذلك دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، والإسلام ليس كذلك، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ : «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر». انتهى. وقد عقد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (روضة المحبين) فصلا ذكر فيه أن الزنى يجمع خلال الشر كلها ثم ذكر أنواعا مما فيه من الشر - إلى أن قال- ومنها أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فسلبه اسم الإيمان المطلق، وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان، وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال: هذه دائرة الإيمان ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها، وقال: هذه دائرة الإسلام فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه، ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنا كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالما فقيها، ومعه جزء من الشجاعة والجود ولا يسمى بذلك شجاعا ولا جوادا، وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا ونظائره، فالصواب إجراء الحديث على ظاهره ولا يتأول بما يخالف ظاهره والله أعلم. انتهى. ويلزم على قول ابن محمود أحد أمرين أما إثبات الإيمان للزاني حين يزني وهذا يعارض الحديث الصحيح الذي تقدم

стр. 174

ذكره، ويوافق قول المرجئة الذين يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وأما نفي الإيمان والإسلام معا عن الزاني حين يزني وهذا يوافق قول الخوارج والمعتزلة الذين يخرجون أهل الكبائر من اسم الإيمان والإسلام، لأن الإيمان والإسلام عندهم واحد فإذا خرجوا من الإيمان خرجوا من الإسلام، فقول ابن محمود لا يخلو من موافقة المرجئة أو موافقة الخوارج والمعتزلة، فليختر ما يناسبه من القولين إن كان لا يزال مصرا على قول الباطل. الوجه السابع: أن ابن مسعود ﵁ عاب على الذين ادعوا لأنفسهم الإيمان، قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة: حدثني أبي حدثنا يحيي حدثنا شعبة حدثني مغيرة عن أبي وائل قال: قال رجل عند عبد الله: أني مؤمن قال: قل أني في الجنة، إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثني سلمة بن كهيل عن إبراهيم عن علقمة قال: قال رجل عند عبد الله أني مؤمن، قال: قل إني في الجنة ولكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال عبد الله أيضا حدثني أبي حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن لقيت ركبا فقلت: من أنتم فقالوا: نحن المؤمنون قال عبد الله: أفلا قالوا نحن أهل الجنة، إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال عبد الله أيضا: حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن مغيرة قال: قال رجل لأبي وائل سمعت ابن مسعود يقول: «من شهد أنه مؤمن فليشهد أنه من أهل الجنة» قال: نعم، إسناده صحيح على شرط الشيخين.

стр. 175

وروى أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن الحسن قال: قال رجل عند ابن مسعود: إني مؤمن ,قال: فقيل له يا أبا عبد الرحمن يزعم أنه مؤمن قال: فاسألوه أهو في الجنة أو في النار؟ قال: فسألوه فقال: الله أعلم فقال: ألا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى. وهذا القول من ابن مسعود ﵁ ظاهر في التفريق بين مسمى الإسلام ومسمى الإيمان لأنه عاب على الذين قالوا: إنهم مؤمنون, ولم ينقل عنه ولا عن غيره من العلماء أنهم عابوا على من قال: إنه مسلم فدل على أن الإسلام والإيمان متغايران. وقد كان كثير من علماء السلف يرون الاستثناء في الإيمان ويعيبون على من لا يستثني، قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة: حدثني أبي حدثنا علي بن بحر سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل، قال: وكان الأعمش ومنصور ومغيرة وليث وعطاء بن السائب وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثنى وقد رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن أبي نصر محمد بن كردي عن المروذي عن الإمام أحمد فذكره بمثله. وقال عبد الله أيضا قرأت على أبي جعفر حدثنا مهدي بن جعفر الرملي حدثنا الوليد يعني ابن مسلم سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون أن يقول أنا مؤمن ويأذنون في الاستثناء أن أقول أنا مؤمن إن شاء الله.

стр. 176

وروى عبد الله أيضا وأبو بكر الآجري عن الحسن بن عبيد الله قال: قال لي إبراهيم: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل أرجو إن شاء الله تعالى. وروى عبد الله والآجري أيضا عن إبراهيم قال: قال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ قال: أرجو؛ إن شاء الله تعالى. وروى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة عن محمد ابن الحسن بن هارون بن بدينا قال: سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن الاستثناء في الإيمان، فقال: نعم قد استثنى ابن مسعود وغيره وهو قول الثوري استثناء على غير شك مخافة واحتياطا للعمل، قال أبو عبد الله قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ قال أبو عبد الله: قال النبي ﷺ : «إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله». وذكر القاضي أبو الحسين أيضا في ترجمة عيسى بن جعفر الوراق؛ قال عيسى: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان فقال: أذهب فيه إلى قول الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ فقد علم أنهم داخلون واستثنى، وإلى قوله : ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وقول النبي ﷺ : «سلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين؛ وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» فقد علم النبي ﷺ أنه لاحق بهم واستثنى. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستثني قول رسول الله ﷺ لأهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» ثم روى حديث عائشة ﵂ في ذلك وحديثها أيضا أن النبي

стр. 177

صلى الله عليه وسلم قال: «أما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسئلون» فذكر الحديث وفيه «ويقال على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله» قال أبو نصير: الاستثناء على العمل لأن القول قد جئنا به. وقال عبد الله أيضا حدثني أبي سمعت يحيى بن سعيد يقول ما أدركنا من أصحابنا ولا بلغني إلا على الاستثناء، قال يحيى وكان سفيان الثوري ينكر أن يقول: أنا مؤمن، ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من طريق الإمام أحمد. وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي سمعت سفيان بن عيينة يقول: إن قال: إن شاء الله ليس يكره وليس بداخل في الشك، ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من طريق الإمام أحمد. وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي حدثنا وكيع قال: قال سفيان الثوري: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث ونرجو أن نكون كذلك ولا ندري ما حالنا عند الله، ورواه أبو بكر الآجري عن جعفر الصندلي حدثنا الفضل بن زياد قال: سمعت أحمد قال: حدثنا وكيع فذكره بمثله. وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن شماس سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قيل له كيف تقول أنت؟ قال: أقول مؤمن إن شاء الله. وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي قال سليمان بن داود: أخبرنا خالد بن عبد الرحمن بن بكر السلمي قال: كنت عند محمد وعنده أيوب فقلت: له يا أبا بكر الرجل يقول لي مؤمن أنت؟، أقول مؤمن فانتهرني أيوب فقال محمد: وما عليك أن تقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.

стр. 178

وروى عبد الله أيضا وأبو بكر الآجري عن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟! فقل: ﴿آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. وروى عبد الله وأبو بكر الآجري أيضا عن إبراهيم قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟! فقل: لا إله إلا الله. وروى عبد الله وأبو بكر الآجري أيضا عن إبراهيم قال: سؤال الرجل؛ الرجل أمؤمن أنت؟! بدعة. وروى عبد الله وأبو بكر الآجري أيضا عن علقمة قال: تكلم عنده رجل من الخوارج بكلام كرهه فقال علقمة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فقال له الخارجي: أو منهم أنت؟ قال: أرجو. وروى عبد الله وأبو بكر الآجري أيضا عن هشام قال: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم ويهابان مؤمن. وروى عبد الله أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال: كان إذا قيل له أمؤمن أنت قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يزيد على ذلك، وروى أبو بكر الآجري عن إبراهيم نحو ذلك. وروى عبد الله أيضا عن الفضيل بن عياض أنه قال: لو قال رجل مؤمن أنت؟ ما كلمته ما عشت، وقال: إذا قلت آمنت بالله فهو يجزيك من أن تقول أنا مؤمن وإذا قلت أنا مؤمن لا يجزيك من أن تقول آمنت بالله، قال فضيل: سمعت المغيرة الضبي يقول: من شك في دينه فهو كافر وأنا مؤمن إن شاء الله، قال فضيل: الاستثناء ليس بشك. وقد روي الاستثناء عن عائشة ﵂ رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن عبد الرحمن أبي

стр. 179

عصمة قال: كنت عند عائشة ﵂ فأتاها رسول معاوية بهدية, فقال: أرسل بها إليكِ أمير المؤمنين، فقالت: أنتم المؤمنون إن شاء الله وهو أميركم وقد قبلت هديته. قال أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة: من صفة أهل الحق الاستثناء في الإيمان؛ لا على جهة الشك نعوذ بالله من الشك في الإيمان؛ ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال للإيمان لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟ وذلك أن أهل العلم من أهل الحق إذا سئلوا أمؤمن أنت؟! قال آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار وأشباه هذا، والناطق بهذا والمصدق به بقلبه مؤمن وإنما الاستثناء في الإيمان لا يدري أهو ممن يستوجب ما نعت الله به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا؟ هذا طريق الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال لا يكون في القول والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون، به يتوارثون وبه يتناكحون وبه تجري أحكام ملة الإسلام ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بينا وبينه العلماء من قبلنا قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ وقد علم الله أنهم داخلون، وقد دخل النبي ﷺ فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وقال ﷺ : «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله». قال محمد بن الحسين: وهذا مذهب كثير من العلماء وهو مذهب أحمد بن حنبل؛ واحتج أحمد بما ذكرنا واحتج بمسألة الملكين في القبر للمؤمن ومجاوبتهما له فيقولان له: «على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث يوم القيامة إن شاء الله تعالى،

стр. 180

ويقال للكافر والمنافق على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله». حدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال: حدثنا أبو بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه، قال: أما أنا فلا أعيبه، قال أبو عبد الله: إذا كنت تقول: إن الإيمان قول وعمل واستثناء مخافة ليس كما يقولون على الشك أفما تستثني للعمل قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ فهذا استثناء بغير شك، وقال النبي ﷺ : «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله » قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. وحدثنا جعفر الصندلي قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله يعجبه الاستثناء في الإيمان فقال له رجل إنما الناس رجلان مؤمن وكافر، فقال أبو عبد الله فأين قوله تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؟ قال: وسمعت أبا عبد الله يقول إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله. فليس هو بشاك، قيل له: إن شاء الله أليس هو شك؟! فقال: معاذ الله؛ أليس قد قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ وفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: «وعليه تبعث إن شاء الله» فأي شك هاهنا، وقال النبي ﷺ : «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». انتهى. فإن قيل: فقد روى ابن المبارك في الزهد عن معمر عن صالح ابن مسمار أن النبي ﷺ قال للحارث بن مالك الأنصاري: «يا حارث بن مالك كيف أصبحت؟» قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: «إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك» قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني
следующие страницы →