Полный текст (185 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الخطأ الثالث: قوله عن الإشكالات التي نسبها إلى الحافظ ابن حجر أن أهمها أنه - أي حديث أبي هريرة ﵁ مخالف لنص القرآن في قصة آدم في قوله: ... ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وفي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾.
والجواب: أن يقال أولا ليس هذا الكلام في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ ابن حجر.
ويقال ثانيا ليس في الحديث ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه وإنما هو موافق للقرآن لما فيه من إثبات القدر السابق، وقد تقدم قول ابن عبد البر أنه أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وقول الحافظ ابن حجر أنه صريح في إثبات القدر السابق وقول ابن كثير أنه قد تضمن إثبات القدر السابق.
الخطأ الرابع: قوله: إنه يقوي مذهب الجبر المخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة.
وجوابه: أن يقال: أولا ليس هذا الكلام بهذه العبارة في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ بن حجر.
ويقال: ثانيا: إن ابن حجر لم يقل إن هذا الحديث يقوي مذهب الجبر وإنما نقل عن ابن عبد البر أنه قال: ليس فيه حجة للجبرية وإن كان في بادئ الرأي يساعدهم، وقال ابن حجر أيضا في آخر الكلام على حديث أبي هريرة ﵁: لما كان المراد به الرد على القدرية الذين ينكرون سبق القدر اكتفى به معرضا عما يوهمه ظاهره من تقوية مذهب الجبر لما تقرر من دفعه في مكانه.
الخطأ الخامس: قوله: ثم هذا اللقاء هل هو بالأرواح في الدنيا أم هو يوم القيامة حين يبعث الناس من قبورهم وتسقط عنهم التكاليف الشرعية.
стр. 72
وجوابه: أن يقال: أولا: ليس هذا الكلام بهذه العبارة في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ ابن حجر.
ويقال: ثانيا: إن ابن حجر ذكر اختلاف العلماء في وقت احتجاج آدم وموسى وذكر فيها احتمالات لبعض العلماء لا دليل على شيء منها، وأقربها ما جزم به ابن عبد البر والقابسي أنهما التقيا في البرزخ بعد وفاة موسى، ويؤيد ذلك قوله في إحدى روايات مسلم: «احتج آدم وموسى عند ربهما» وقد ترجم البخاري على ذلك في كتاب القدر فقال: (باب، تحاج آدم وموسى عند الله).
وأحسن ما يسلك في ذلك إمرار الحديث كما جاء مع الإيمان به، ولو كان في تعيين وقت التقائهما فائدة تعود على المكلفين لبين ذلك النبي ﷺ لأمته.
وأيضا فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم ممن روي حديث احتجاج آدم وموسى أنهم تعرضوا لذكر الاحتمالات في وقت التقاء آدم وموسى، ولو كان في ذلك فائدة دينية لكانوا إليها أسبق وعليها أحرص.
وقد قال ابن الجوزي فيما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري: وهذا مما يجب الإيمان به لثبوته عن خبر الصادق وإن لم يطلع على كيفية الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر ونعيمه ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق إلا التسليم، وقال ابن عبد البر: مثل هذا عندي يجب فيه التسليم ولا يوقف فيه على التحقيق لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلا انتهى صفحة ٤٠٧ و ٤٠٨ ج ١١.
стр. 73
التنبيه الخامس قال ابن محمود في صفحة ١٩ و ٢٠ و ٢١ ما ملخصه:
وأما الحديث الثاني الذي يحتج به القدرية من أمثال هؤلاء فهو في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثني رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فو الذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
إن هذا الحديث كثيرا ما يجادل به الجهلة من خاصة الشباب الذين لم يعرفوا حقيقة القدر لظنهم أنهم مجبورون على أفعالهم الخيرية والشرية فيذهب فهمهم إلى أن بعض الناس مكتوب لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم مهما عملوا من عمل وآخرون مكتوب لهم الشقاوة مهما عملوا من عمل، فيظنون إن هذا القدر المكتوب هو عبارة عن الجبر وسلب الاختيار، والتحقيق أن الكتابة نوعان، كتابة هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وان الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم، فهذه لا تتبدل ولا تتغير وتسمى كتابة الأزل، وعلمه سبحانه لا يتعلق به إجبارهم على فعل الخير أو الشر بل هم عاملون لأنفسهم مختارون لأعمالهم الصالحة والسيئة فهي كسبهم ويترتب الجزاء على ذلك.
стр. 74
وأما قوله: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، فمعنى سبق الكتاب إشارة إلى سبق علم الله بخاتمة حياة كل إنسان وذلك أن الرجل يولد مؤمنا بين أبوين مؤمنين فهو يؤمن بالله ويحافظ على فرائض الله من صلاته وصيامه وسائر واجباته وتجتنب المحرمات والمنكرات ويسير على هذه الطريقة المستقيمة غالب عمره، ثم يطرأ عليه الإلحاد وفساد الاعتقاد فيكذب بالقرآن ويكذب بالرسول فيرتد عن دينه فيموت على سوء الخاتمة فيدخل النار بسبب كفره وإلحاده الذي هو خاتمة حياته، وليس سبق الكتاب الذي هو عبارة عن سبق علم الله بتطور حالة هذا الشخص هي التي حملته على الردة وعلى سوء الخاتمة، وإنما وقعت بفعله واختياره لنفسه.
وأما الذي يعمل بعمل أهل النار فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها فهو رجل يولد كافراً ويعيش كافرا حتى إذا كان في آخر عمره تاب إلى ربه واستغفر من ذنبه وأسلم فحسن إسلامه فصار يحافظ على واجباته من صلاته وصيامه وسائر عباداته حتى مات على ذلك، وفي حديث أبي سعيد مرفوعا «إن الرجل يولد مؤمنا ويعيش مؤمنا ثم يموت كافرا، وإن الرجل يولد كافرا ويعيش كافرا ثم يموت مؤمنا» رواه الإمام أحمد، وهذا الكفر وهذا الإيمان إنما فعله باختياره ورغبته انتهى كلام ابن محمود.
وأقول: هذا الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ من أدلة إثبات القدر السابق وفيه الرد على من أنكر كتابه المقادير وعلى من زعم أن الكتابة عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وذلك لما فيه من النص على الكتابة وهو نص صريح لا يحتمل التأويل.
стр. 75
قال النووي في شرح مسلم: المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاوة والسعادة والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويأمره بإنفاذه وكتابته وإلا فقضاء الله تعالى سابق على ذلك وعلمه وإرادته لكل ذلك موجود في الأزل قال: وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر. انتهى.
وسيأتي في كلام ابن القيم أن حديث ابن مسعود وما في معناه كلها تدل على إثبات القدر السابق.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في ذكر فوائد حديث ابن مسعود ﵁: وفيه أن الأعمال حسنها وسيئها أمارات وليست بموجبات وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في الابتداء قاله الخطابي.
وقال الحافظ أيضا: وفيه أن في تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق فالسابق ما في علم الله تعالى واللاحق ما يقدر على الجنين في بطن أمه، كما وقع في هذا الحديث، وهذا هو الذي يقبل النسخ، وأما ما وقع في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله .
وقال الحافظ أيضا: وفي الحديث أن الأقدار غالبة والعاقبة غائبة فلا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال ومن ثم شرع الدعاء بالثبات على الدين وبحسن الخاتمة. انتهى.
وقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة».
стр. 76
وروى مسلم أيضا عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة».
وروى ابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمن أهل الجنة» وهذه الأحاديث تؤيد حديث ابن مسعود ﵁ وتدل على إثبات القدر السابق.
أما قول ابن محمود فيذهب فهمهم إلى أن بعض الناس مكتوب لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم مهما عملوا من عمل وآخرون مكتوب لهم الشقاء مهما عملوا من عمل.
فيقال له: وما تنكر من ذلك وقد أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في حديث ابن مسعود المتفق على صحته أن السعادة أو الشقاوة تكتب للإنسان وهو في بطن أمه، فمن كان من أهل السعادة ختم الله له بعمل أهل السعادة ولو عمل قبل ذلك أي عمل من أعمال أهل النار، ومن كان من أهل الشقاوة ختم الله له بعمل أهل الشقاوة ولو عمل قبل ذلك أي عمل من أعمال أهل الجنة.
ولم ينفرد ابن مسعود ﵁ برواية ذلك عن النبي ﷺ بل قد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ .
منها ما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وكل الله بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه».
стр. 77
ومنها ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ أو قال رسول الله ﷺ : «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة - وقال سفيان مرة: أو خمس وأربعين ليلة - فيقول: يا رب، ماذا أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ﵎ فيكتبان فيقولان: ماذا أذكر أم أنثى؟ فيقول الله فيكتبان فيكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص» هذا لفظ أحمد وإسناده إسناد مسلم، ولفظ مسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول: أي رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص».
وفي رواية لمسلم عن عامر بن واثلة ﵁ أنه سمع عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص».
стр. 78
وفي رواية لمسلم أيضا عن أبي الطفيل - وهو عامر بن واثلة ﵁ قال: دخلت على أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ فقال: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتصور عليها الملك قال زهير - وهو أبو خيثمة أحد رواته -: حسبته قال الذي يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيجعله الله ذكرا أو أنثى، ثم يقول: يا رب أسوي أو غير سوي؟ فيجعله لله سويا أو غير سوي، ثم يقول: يا رب ما رزقه ما أجله ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا».
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما وأربعين ليلة بعث الله إليها ملكا فيقول: يا رب ما أجله فيقال له فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيعلم فيقول: شقي أو سعيد فيعلم» قال الهيثمي: فيه خصيف وثقه ابن معين وجماعة وفيه خلاف وبقية رجاله ثقات.
ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله أن يخلق نسمة قال ملك الأرحام معرضا: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله أمره ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها». وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: عن ابن عمر ﵄ ثم قال: رواه أبو يعلي والبزار ورجال أبي يعلي رجال الصحيح، ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد، وأبو بكر الآجري عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال:
стр. 79
«إن الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل الرحم فيقول: أي رب ماذا؟ فيقول: غلام أو جارية؟ أو ما شاء الله أن يخلق في الرحم فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي أو سعيد فيقول أي رب ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا فيقول: أي رب وما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا فيقول: ما خلقه ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم» ورواه البزار قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
ومنها ما رواه البزار والطبراني في الصغير، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطنها» قال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح.
ومنها ما رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافرا» ورواه الطبراني بمثله قال الهيثمي: وإسناده جيد.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم وأبو داود السجستاني، والترمذي عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرق أبويه طغيانا وكفرا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وهذه الأحاديث الصحيحة تؤيد حديث ابن مسعود ﵁ وتدل على أن السعادة أو الشقاوة تكتب للإنسان وهو في بطن أمه. وهذه الكتابة غير الكتابة التي كانت في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
стр. 80
قد قال شارح العقيدة الطحاوية بعد ما ذكر حديث جابر وحديث ابن عباس ﵃ في ذكر الأقلام وكتابة المقادير؛ قال: وقد جاء الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة فدل ذلك على أن للمقادير أقلاما غير القلم الأول الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ، والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة: القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ. القلم الثاني خبر خلق آدم وهو قلم عام أيضا لكن لبني آدم. ورد في هذا آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق أبيهم. القلم الثالث حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.
القلم الرابع الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي الكرام الكاتبين الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم كما ورد ذلك في الكتاب والسنة، وإذا علم العبد أن كلا من عند الله فالواجب إفراده سبحانه بالخشية والتقوى. انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء العليل) بعد أن ساق حديث ابن مسعود وما في معناه كحديث أنس وحديث حذيفة بن أسيد وغيرها من الأحاديث التي فيها النص على كتابة رزق الجنين وأجله وذكورته أو أنوثته وشقاوته أو سعادته؛ قال: فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته أو سعادته وهو في بطن أمه واختلفت في وقت هذا التقدير. وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السموات والأرض، وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم. ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم. وحديث أنس غير مؤقت. وأما حديث حذيفة بن
стр. 81
أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوماً، وفي لفظ بأربعين ليلة، وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ بثلاثة وأربعين ليلة. وهو حديث تفرد به مسلم ولم يروه البخاري، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين ولا تعارض بينهما بحمد الله، وأن لملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى حين يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة. وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنقطة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود: ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات. وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حين تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما فهو تقدير بعد تقدير. فاتفقت أحاديث رسول الله ﷺ وصدق بعضها بعضا ودلت كلها على إثبات القدر السابق ومراتب التقدير. انتهى.
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن الله تعالى قضى بالسعادة لبعض الناس قبل أن يخلقهم وقضى بالشقاوة لبعض الناس قبل أن يخلقهم وفي بعضها أنه كتب ذلك؛ وهي تؤيد حديث ابن مسعود ﵁ وتدل على كتابة القدر السابق وسأذكر منها ما تيسر إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
الحديث الأول عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «فرغ الله إلى كل عبد من خمس من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد» رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط قال الهيثمي: وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات، ورواه عبد الله بن الإمام
стр. 82
أحمد في كتاب السنة، وإسناده حسن، وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال رسول الله ﷺ : «فرغ الله إلى كل عبد من خمس من رزقه وأجله وعمله وأثره ومضجعه».
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة» قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال: «اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان وأهل السنن إلا النسائي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي في الكلام على هذا الحديث مشيرًا إلى جميع طرقه التي ساقها مسلم: وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها، قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ فهو ملك لله تعالى يفعل ما يشاء ولا اعتراض على المالك في ملكه، قال: وفي هذه الأحاديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره ومن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعملهم كما قال: فسنيسره لليسرى وللعسرى وكما صرحت به هذه الأحاديث. انتهى.
стр. 83
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قلت: لرسول الله ﷺ يا رسول الله العمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف قال: (بل على أمر قد فرغ منه) قال: قلت: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: «كل ميسر لما خلق له» رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني قال الهيثمي، وقال: عن عطاف بن خالد حدثني طلحة بن عبد الله وعطاف وثقه ابن معين وجماعة وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات إلا أن في رجال أحمد رجلا مبهما لم يُسم.
قلت: وما يأتي من الأحاديث الصحيحة يشهد له ويقويه.
وعن ابن عمر ﵄ عن عمر ﵁ أنه قال: للنبي ﷺ أرأيت ما نعمل فيه أقد فرغ منه أو في شيء مبتدأ أو أمر مبتدع قال: «فيما قد فرغ منه» فقال: مر ﵁ ألا نتكل فقال: «اعمل يا ابن الخطاب فكل ميسر أما من كان من أهل السعادة فيعمل للسعادة وأما أهل الشقاء فيعمل للشقاء» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن علي وحذيفة بن أسيد وأنس وعمران بن حصين ﵃.
قلت: وقد تقدم ذكر أحاديثهم.
وفي رواية للترمذي عن ابن عمر ﵄ عن عمر ابن الخطاب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا نبي الله فعلى ما نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه قال: «بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
стр. 84
وعن أبي هريرة ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله أرأيت ما نعمل أشيء فرغ منه أم شيء يستأنف قال: «بل شيء قد فرغ منه» قال: ففيم العمل؟ قال: «كل ميسر لما خلق له» رواه البزار قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله نعمل في شيء نأتنفه أم في شيء قد فرغ منه قال: «في شيء قد فرغ منه» قال: ففيم العمل؟ قال: «يا عمر لا يدرك ذاك إلا بالعمل» قال: إذا نجتهد يا رسول الله ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحو رواية ابن حبان وإسناده صحيح.
وعن جابر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أم لأمر نأتنفه قال: «بل لأمر قد فرغ منه» قال: ففيم العمل إذا؟ فقال رسول الله ﷺ : «كل عامل ميسر لعمله» رواه ابن حبان في صحيحه.
وعن جابر أيضا ﵁ قال: جاء سراقة بن مالك ابن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: «لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة، وابن حبان في صحيحه، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة. وزاد ابن حبان قال سراقة: فلا أكون أبدا أشد اجتهادا في العمل منى الآن.
وعن أبي الدرداء ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم أمر نستأنفه قال: «بل أمر - قد فرغ منه» قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله: قال: «كل
стр. 85
امرئ مهيأ لما خلق له» رواه الإمام احمد وابنه عبد الله بسند حسن.
وعن ذي اللحية الكلابي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أنعمل في أمر مستأنف أو في أمر قد فرغ منه؟ قال: «بل في أمر قد فرغ منه» قال: ففيم نعمل إذا؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» رواه الإمام أحمد والطبراني. قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: يا رسول الله أنعمل فيما جرت به المقادير وجف به القلم أو شيء يأتنفه؟ قال: «بل بما جرت به المقادير وجف به القلم» قال: ففيم العمل؟ قال: «اعمل فكل ميسر لما خلق له» رواه الطبراني والبزار بنحوه إلا أنه قال في آخره فقال القوم بعضهم لبعض: فالجد إذا. قال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات.
وعن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ﵁ أنه قال: يا رسول الله أنعمل شيئا قد فرغ منه أم نستأنف العمل؟ قال: «بل لعمل قد فرغ منه» فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال النبي ﷺ : «كل ميسر له عمله» قال رسول الله ﷺ : «الآن الجد الآن الجد» رواه الطبراني قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح وقد رواه ابن ماجه بنحوه مختصرا.
وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم، قال: فقال: أفلا بيكون ظلما قال: ففزعت من ذلك فزعا
стр. 86
شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، فقال لي: يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك ألا لأحزر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: «لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾» رواه مسلم، وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي بدون قصة أبي الأسود مع عمران ﵁ وتقدم ذكره.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال عياض: أورد عمران على أبي الأسود شبهة القدرية من تحكمهم على الله ودخولهم بآرائهم في حكمه، فلما أجابه بما دل على إثباته في الدين قواه بذكر الآية وهي حد لأهل السنة. وقوله كل شيء خلق الله وملكه يشير إلى أن المالك الأعلى الخالق الآمر لا يعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما يشاء وإنما يعترض على المخلوق المأمور. انتهى.
وعن يحي بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا: لقينا عبد الله بن عمر ﵄ فذكرنا القدر وما يقولون فيه - فذكر الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وعن وقت الساعة وأشراطها. قال: وسأله رجل من جهينة أو مزينة فقال: يا رسول الله فيما نعمل أفي شيء قد خلا أو مضى أو في شيء يستأنف الآن؟ قال: «في شيء قد خلا أو مضى» فقال -أو بعض القوم-: يا رسول الله فيما نعمل؟ قال: «أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة وأهل
стр. 87
النار ييسرون لعمل أهل النار» رواه الإمام أحمد وأبو داود وإسناد كل منهما صحيح. وقد ساق مسلم إسناده ولم يذكر لفظه.
وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قيل: يا رسول الله أَعُلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: فقال: «نعم» قال: قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: «كل ميسر لما خلق له» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان وأبو داود السجستاني وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري قال رجل يا رسول الله أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: «نعم» قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: «كل يعمل لما خلق له أو لما ييسر له».
قوله أعلم قال الحافظ ابن حجر: بضم العين والمراد بالسؤال معرفة الملائكة أو من أطلعه الله على ذلك. انتهى.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان فقلنا لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يراد فيهم ولا ينقص منهم أبدا» فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: «سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل» ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما ثم قال: «فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير» رواه الإمام أحمد
стр. 88
والترمذي وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح قال: وفي الباب عن ابن عمر.
وعن هشام بن حكمي بن حزام ﵄ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الله أخذ ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفه فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار» رواه البزار وابن جرير والطبراني وابن مروديه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة، قال الهيثمي: وإسناد الطبراني حسن.
وعن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية فقال عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار ويعمل أهل النار يعملون» فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار» رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 89
وعن عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر» رواه الإمام أحمد قال الهيثمي: ورجاله ثقات. ورواه ابن حبان في صحيح والحاكم في مستدركه وقال فيه «على موافقة القدر» وقال: صحيح قد اتفقا على الاحتجاج برواته عن آخرهم إلى الصحابة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم حين خلقه وضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي» رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله والبزار والطبراني، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وعن أبي بصرة أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك ألم يقل لك رسول الله ﷺ : «خذ من شاربك ثم أَقِرَّهُ حتى تلقاني» قال: بلى ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى وقال: هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي» فلا أدري في أي القبضتين أنا» رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في القبضتين: «هذه في الجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا أبالي» رواه البزار، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير نمر بن هلال وثقه أبو حاتم.
стр. 90
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال في القبضتين: «هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه» قال: فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر، رواه البزار والطبراني في الصغير قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح.
وعن عائشة ﵂ قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال: «أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن إلا الترمذي.
وهذه الأحاديث تؤيد حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره وتدل على إثبات القدر السابق، وفي بعضها أن الله تعالى ميز بين السعداء والأشقياء من حين خلق آدم، وهذا مما يجب الإيمان به.
وكثير من العصريين ينكرون هذا ويكذبون بالأحاديث الواردة فيه وما ذاك إلا لجهلهم بالكتاب والسنة وإعراضهم عن الأخذ منهما. وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
فإن قيل فما الجمع بين ما تقدم ذكره من الأحاديث التي فيها النص على فراغ الرب ﵎ من أمر العباد وإن كلا ميسر لما خلق له وبين قول الله تعالى: ... ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
стр. 91
فالجواب: أن يقال أما ما جاء في الأحاديث التي تقدم ذكرها فهي نصوص لا تحتمل التأويل وليس في معناها اختلاف بين أهل السنة والجماعة، وأما ما جاء في الآية الكريمة فهو مجمل. وقد اختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبت على ثمانية أقوال ذكرها ابن الجوزي في تفسيره وذكرها غيره من المفسرين، أحدها أنه عام في الرزق والأجل والسعادة والشقاوة وهذا مذهب عمر وابن مسعود ﵄ وأبي وائل والضحاك وابن جريج.
والثاني أنه الناسخ والمنسوخ فيمحو المنسوخ ويثبت الناسخ، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والقرظي وابن زيد، وقال ابن قتيبة (يمحو الله ما يشاء) أي: ينسخ من القرآن ما يشاء (ويثبت) أي: يدعه ثابتا لا ينسخه وهو المحكم.
والثالث: أنه يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، ودليل هذا القول ما رواه مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة يقول الملك الموكل أذكر أم أنثى؟، فيقضي الله تعالى ويكتب الملك فيقول أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله ويكتب الملك فيقول عمله وأجله، فيقضي الله يكتب الملك ثم تطوى الصحيفة فلا يراد فيها ولا ينقص منها».
والرابع يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة لا يغيران قاله مجاهد.
والخامس يمحو من جاء أجله ويثبت من لم يجئ أجله قاله الحسن.
стр. 92
والسادس يمحو من ذنوب عباده ما يشاء فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها روي عن سعيد بن جبير.
والسابع يمحو ما يشاء بالتوبة ويثبت مكانها حسنات قاله عكرمة.
والثامن يمحو من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه ثواب وعقاب قاله الضحاك وأبو صالح. وقال ابن السائب: القول كله يكتب حتى إذا كان في يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب مثل قولك أكلت شربت دخلت خرجت ونحوه وهو صادق، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب انتهى كلام ابن الجوزي.
وأولى هذه الأقوال بالصواب ما وافق الأحاديث التي تقدم ذكرها وهو ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت، ونصوص النبي ﷺ لا تعارض بأقوال غيره من الناس كائنا من كان لأنه ﷺ أعلم بكتاب الله تعالى من غيره وهو الذي يبين مراد الله من كتابه كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فلو كانت الآية التي تقدم ذكرها تدل على وقوع المحو في السعادة والشقاوة والحياة والموت لبين النبي ﷺ ذلك ولم يقل بخلافه والله أعلم.
فان قيل فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»، وروى البخاري أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 93
عن النبي ﷺ نحوه. وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر».
وروي الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مكتوب في التوراة من سره أن تطول حياته ويزاد في رزقه فليصل رحمه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وروى الحاكم أيضا عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من سره أن يمد الله في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه».
وروى الحاكم أيضا عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أراد أن يمد في عمره ويبسط في رزقه فليصل رحمه» وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر» صححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه، وروى البخاري في الأدب المفرد عن سهل بن معاذ عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره» وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ مرفوعا، «صلة الرحم وحسن الجوار أو حسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار».
فالجواب: أن يقال: إن ظاهر هذه الأحاديث يوافق قول من قال أن المحو والإثبات يقع في الرزق والأجل وهو ظاهر ما تقدم ذكره عن مجاهد، وللعلماء في تأويل هذه الأحاديث
стр. 94
أجوبة ذكرها النووي في شرح مسلم وابن حجر العسقلاني في فتح الباري، فأما النووي فقال في شرح حديث أنس الذي تقدم ذكره: قوله ﷺ : «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» ينسأ مهموز أي يؤخر، والأثر الأجل لأنه تابع للحياة في أثرها وبسط الرزق توسيعه وكثرته، وقيل البركة فيه، وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وأجاب العلماء بأجوبة الصحيح منها أن هذه الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع في غير ذلك. والثاني أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون وقد علم الله ما سيقع له من ذلك وهو من معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ فبالنسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدره لا زيادة بل هي مستحيلة وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث، والثالث أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت حكاه القاضي وهو ضعيف أو باطل والله أعلم. انتهى.
وأما الحافظ ابن حجر فقال في شرح حديث أنس وأبي هريرة ﵄: قوله: «وينسأ» بضم أو له وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة أي يؤخر، قوله: «في أثره» أي في أجله وسمى الأجل أثرا لأنه يتبع العمر، قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ والجمع بينهما من وجهين أحدهما أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب
стр. 95
التوفيق للطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء أن النبي ﷺ تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضي من الأمم فأعطاه الله ليلة القدر، وحاصله أن صلة الرحم تكون سببا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده والصدقة الجارية عليه والخلف الصالح.
ثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى كأن يقال للملك مثلا: إن عمر فلان مائة إن وصل رحمه وستون إن قطعها. وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، ويقال له القضاء المبرم، ويقال للأول القضاء المعلق، والوجه الأول أليق بلفظ حديث الباب فإن الأثر ما يتبع الشيء فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور، وقال الطيبي: الوجه الأول أظهر وإليه يشير كلام صاحب الفائق، قال: ويجوز أن يكون المعنى أن الله يبقى أثر واصل الرحم في الدنيا طويلا فلا يضمحل سريعا كما يضمحل أثر قاطع الرحم، ولما انشد أبو تمام قوله في بعض المراثي:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
قال له أبو دلف: لم يمت من قيل فيه هذا الشعر، ومن هذه المادة قول الخليل ﵇: «واجعل لي لسان صدق
стр. 96
في الآخرين» وقد ورد في تفسيره وجه ثالث فأخرج الطبراني في الصغير بسند ضعيف عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكر عند رسول الله ﷺ من وصل رحمه أنسئ له في أجله فقال: «إنه ليس زيادة في عمره قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده» وله في الكبير من حديث أبي مشجعة الجهني رفعه «إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما زيادة العمر ذرية صالحة» الحديث. وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله وقال غير في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعلمه ونحو ذلك. انتهى.
وقد روى ابن أبي حاتم حديث أبي مشجعة ابن ربعي عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ من وصل رحمه أنسئ له في أجله فقال: «إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر».
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: «إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع برزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فوالله إن أحدكم - أو الرجل - ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها
стр. 97
غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». فيه أن السعيد قد يشقى وأن الشقي قد يسعد لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة. وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغير، وفيه أن الاعتبار بالخاتمة، قال ابن أبي جمرة: هذه التي قطعت أعناق الرجال مع ما هم فيه من حسن الحال لأنهم لا يدرون بماذا يختم لهم، وفيه أن عموم مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية مخصوص بمن مات على ذلك، وأن من عمل عمل السعادة وختم له بالشقاء فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس، وما ورد مما يخالفه يؤول إلى أن يؤول إلى هذا، وقد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية وتمسك الأشاعرة بمثل هذا الحديث، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله. والحق أن النزاع لفظي وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند الله.
انتهى.
وقد جاء في حديث صحيح أن ما سبق به القضاء والقدر من الرزق والأجل لا يتغير ولا يتبدل، فروى مسلم في صحيحه عن المعرور بن سويد عن عبد الله قال: قالت أم حبيبه زوج النبي ﷺ ﵂: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية قال: فقال النبي ﷺ : «قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا عن حله ولو كنت سألت
стр. 98
الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل».
قال النووي في شرح مسلم: هذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك، وأما ما ورد في حديث صلة الرحم تزيد في العمر ونظائره فقد سبق تأويله في باب صلة الأرحام واضحا، قال المازري: هنا قد تقرر بالدلائل القطعية أن الله تعالى أعلم بالآجال والأرزاق وغيرها وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا علم الله تعالى أن زيدا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها لئلا ينقلب العلم جهلا، فاستحال أن الآجال التي علمها الله تعالى تزيد وتنقص فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره ممن وكله الله بقبض الأرواح وأمره فيها بآجال ممدودة فإنه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ ينقص منه ويزيد على حسب ما سبق به علمه في الأزل وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وعلى ما ذكرناه يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾.
واعلم أن مذهب أهل الحق أن المقتول مات بأجله وقالت المعتزلة: قطع أجله، فإن قيل ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بالزيادة في الأجل لأنه مفروغ منه وندبها إلى الدعاء بالاستعاذة من العذاب مع أنه مفروغ منه أيضا كالأجل، فالجواب أن الجميع مفروغ منه لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة، وقد أمر الشرع بالعبادات فقيل ألا نتكل على كتابنا وما سبق لنا من القدر فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» وأما الدعاء بطول الأجل فليس عبادة وكما لا يحسن ترك الصلاة والصوم والذكر اتكالا على القدر فكذا الدعاء بالنجاة من النار ونحوه والله أعلم. انتهى.
стр. 99
وقد سئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الحديث الذي ورد «إن الله قبض قبضتين فقال: هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي» فهل هذا الحديث صحيح والله قبضها بنفسه أو أمر أحدا من الملائكة بقبضها؟ والحديث الآخر في «إن الله لما خلق آدم أراه ذريته عن اليمين والشمال ثم قال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي» وهذا في الصحيح.
فأجاب رحمه الله تعالى نعم هذا المعنى مشهور عن النبي ﷺ من وجوه متعددة مثل ما في موطأ مالك وسنن أبي داود والنسائي وغيره عن مسلم بن يسار وفي لفظ عن نعيم بن ربيعه أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية - فذكر الحديث وقد تقدم ذكره قريبا - قال وفي حديث الحكم بن سفيان عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قبض قبضة فقال: إلى الجنة برحمتي وقبض قبضة فقال: إلى النار ولا أبالي».
وهذا الحديث ونحوه فيه فصلان أحدهما القدر السابق وهو أن الله سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار من قبل أن يعملوا الأعمال، وهذا حق يجب الإيمان به، بل قد نص الأئمة كما لك والشافعي وأحمد أن من جحد هذا فقد كفر بل يجب الإيمان أن الله علم ما سيكون كله قبل أن يكون، ويجب الإيمان بما أخبر به من أنه كتب ذلك وأخبر به قبل أن يكون كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين
стр. 100
ألف سنة وكان عرشه على الماء» وذكر الشيخ أيضا حديث عمران بن حصين الذي فيه «كان الله ولم يكن شيء غيره وكتب في الذكر كل شيء» وقد تقدم ذكره، وذكر أيضا حديث العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته» الحديث، وذكر أيضا حديث ميسرة الفجر قلت: يا رسول الله متى كتبت نبيا؟. وفي لفظ متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد».
وذكر أيضا حديث ابن مسعود ﵁ فيما يكتب للجنين وهو في بطن أمه وقد تقدم ذكره، وذكر أيضا حديث علي بن أبي طالب الذي فيه «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة» وقد تقدم ذكره، وذكر أيضا الحديث الذي فيه أنه قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار فقال: «نعم» فقيل له ففيم العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قال: فبين النبي ﷺ أن الله علم أهل الجنة من أهل النار وأنه كتب ذلك ونهاهم أن يتكلموا على هذا الكتاب ويدعو العمل كما يفعله الملحدون وقال: كل ميسر لما خلق له، وأن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا من أحسن ما يكون من البيان، وذلك أن الله يعلم الأمور على ما هي عليه وهو قد جعل للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها، فلو قال هذا إذا علم الله أنه يولد لي فلا حاجة إلى الوطء كان أحمق أن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء، وكذلك إذا علم أن هذا ينبت له الزرع بما يسقيه من الماء ويبذره من الحب فلو قال إذا علم أن سيكون فلا حاجة إلى البذر كان جاهلا ضالا لأن
стр. 101
الله علم أن سيكون بذلك، وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل وهذا يروى بالشرب وهذا يموت بالقتل فلابد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها، وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا في الآخرة وهذا يكون شقيا في الآخرة قلنا ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء، فالله علم أنه يشقى بهذا العمل، فلو قيل هو شقي وإن لم يعمل كان باطلا لأن الله لا يدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأقسم أنه يملؤها من إبليس وأتباعه، ومن ابتع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله.
ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن أطفال المشركين قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) يعني إن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا. وقد روي أنهم في القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية.
وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته فمن قدر أنه يكون منهم يسره للإيمان والطاعة، فمن قال أنا أدخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا علم أني من أهلها كان مفتريًا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذي علم الله أنه يدخل الجنة، بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لا من أهل الجنة.
ولهذا أمر الناس بالدعاء والاستعانة بالله وغير ذلك من الأسباب، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالا على القدر كان مخطئا أيضا لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر
стр. 102
للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات.
ولهذا قال بعضهم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والأعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيا في حصول النبات بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الآفات عنه، فلابد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يوجد بمجرد إنزال الماء في الفرج، بل كم من أنزل ولم يولد له بل لابد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع، وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة بل هي سبب ولهذا قال النبي ﷺ : «أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وقد قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهذه الباء باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي ﷺ باء المقابلة كما يقال اشتريت هذا بهذا، أي ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات.
وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس، فريق آمنوا بالقدر وظنوا أن ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة وهؤلاء يؤول بهم الأمر
стр. 103
إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه، وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جهال ضلال فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به. ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم، وهو سبحانه كما قال: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» فالملك إذا أمر مملوكيه بأمر أمرهم لحاجته إليهم وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن العالمين.
فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساءوا فعليها، لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ - إلى أن قال - فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ناظرًا إلى القدر فقد ضل، بل المؤمن كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فنعبده اتباعا للأمر ونستعينه إيمانا بالقدر، فمن ظن أنه يطيع الله بلا معونته كما يزعم القدرية والمجوسية فقد جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء.
ومن ظن أنه إذا أعين على ما يريد ويسر له ذلك كان محمودًا سواء وافق الأمر الشرعي أو خالفه فقد جحد دين الله وكذب بكتبه ورسله ووعده ووعيده واستحق من غضبه وعقابه أعظم مما يستحقه الأول، فإن العبد قد يريد ما يرضاه ويحبه ويأمر به ويقرب إليه، وقد يريد ما يبغضه الله ويكرهه ويسخطه وينهى عنه ويعذب صاحبه، فكل من هذين قد يسر له ذلك كما قال النبي ﷺ : «كل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فسييسر لعمل
стр. 104
أهل الشقاوة»، ولما كان العبد ميسرا لما لا ينفعه، بل يضره من معصية الله والبطر والطغيان وقد يقصد عبادة الله وطاعته والعمل الصالح فلا يتأتى له ذلك أمر في كل صلاة أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والعبد له في المقدور حالان حال قبل القدر وحال بعده فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك. وإن كان ذنبا استغفر إليه من ذلك.
وله في المأمور حالان حال قبل الفعل وهو العزم على الامتثال والاستعانة بالله على ذلك، وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير، وقال النبي ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان» فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالنظر إلى القدر عند المصائب والاستغفار عند المعائب قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال علقمة وغيره: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم انتهى كلامه ملخصا.
وقال شيخ الإسلام أيضا في جواب آخر: وأما الإقرار بتقديم علم الله وكتابه لأفعال العباد فهذا لم ينكره إلا الغلاة من القدرية وغيرهم وإلا فجمهور القدرية من المعتزلة وغيرهم يقرون بأن الله علم ما العباد فاعلون قبل أن يفعلوه ويصدقون
стр. 105
بما أخبر به الصادق المصدوق من أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» وذكر الشيخ أيضا حديث عمران بن حصين «كان الله ولم يكن شيء قبله وكتب في الذكر كل شيء» وحديث ابن مسعود «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه» وقد تقدم ذكرهما ثم قال: فهذا يقرُّ به أكثر القدرية وإنما ينكره غلاتهم كالذين ذكروا لعبد الله بن عمر في الحديث الذي رواه مسلم في أول صحيحه بحيث قيل له «قبلنا أقوام يقرءون القرآن ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني برءاء» ولهذا كَفَّرَ الأئمة كمالك والشافعي وأحمد من قال: إن الله لم يعلم أفعال العباد حتى يعملوها، بخلاف غيرهم من القدرية انتهى من صفحة ٤٢٩ و ٤٣٠ ج٨ مجموع الفتاوى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الباب السابع من كتابه (شفاء العليل): يسبق إلى أفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر إذا كان قد سبق فلا فائدة في الأعمال وأن ما قضاه الرب سبحانه وقدره لابد من وقوعه فتوسط العمل لا فائدة
стр. 106
فيه، وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة على النبي ﷺ فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى.
ثم ذكر ابن القيم حديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي فيه «اعملوا فكل ميسر» وحديث جابر في سؤال سراقة بن مالك بن جعشم، وحديث عمران بن حصين الذي فيه «أعلم أهل الجنة من أهل النار» وحديثه أيضا في سؤال الجهني أو المزني، وحديث ابن عمران عمر ﵁ قال: يا نبي الله فعلى ما نعمل. وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث قريبا فلتراجع، ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد، ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال ما كنت أشد اجتهادا مني الآن.
وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة علومهم فإن النبي ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب، فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه وهيئ له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهاداً في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه. وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه، وإذا قدر له أن يرزق الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري والوطء، وإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغل كذا وكذا لم ينله إلا بالبذر وفعل أسباب الزرع، وإذا قدر الشبع والري فذلك موقوف على الأسباب المحصلة لذلك من الأكل والشرب، وهذا شأن أمور المعاش والمعاد فمن طل العمل اتكالا على القدر السابق فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له.
стр. 107
وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فطر الله على ذلك سائر الحيوانات فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة فهو مهيأ له ميسر له، فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه، وقد فقه هذا كل الفقه من قال ما كنت أشد اجتهادا مني الآن.
فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ... إلى أن قال: فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتضٍ لها، لا أنه مناف لها وصاد عنها، وهذا موضع مزلة قدم، من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم.
فالنبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلى أمرين هما سببا السعادة، الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد، والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع، فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد أو القدح بإثباته في أصل الشرع ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والنبي
стр. 108
صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة، وقد تقدم قوله: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزنَّ» وإن العاجز من لم يتسع للأمرين. انتهى.
وأما قول ابن محمود والتحقيق أن الكتابة نوعان كتابة هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وأن الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم فهذه لا تتبدل ولا تتغير وتسمى كتابة الأزل.
فجوابه: من وجوه أحدها أن يقال ليس ما ذكره بتحقيق وإنما هو في الحقيقة تخليط وتلبيس كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني أن ما ذهب إليه من تنويع الكتابة فيما يتعلق بالجنين لا أصل له ولم يسبقه أحد إلى هذا التنويع الباطل.
يوضح ذلك الوجه الثالث وهو أن العلم القائم بالذات لا يسمى كتابة وإنما يسمى علما فقط، ولا أعلم أحدا سبق ابن محمود إلى القول بأن العلم القائم بالذات يسمى كتابة ولا أظن أن عاقلا يوافقه على هذه التسمية المحدثة.
الوجه الرابع أن ابن محمود زعم أن الكتابة نوعان ولم يذكر سوى سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وزعم أنها تسمى كتابة الأزل ولم يذكر النوع الثاني فصار أحد نوعيه باطلا والآخر معدوما.
الوجه الخامس أن النبي ﷺ نص في حديث ابن مسعود ﵁ على أن الملك يرسل إلى الجنين إذا تم له مائة وعشرون يوما فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات
стр. 109
يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ونص أيضا في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ أن الملك يقول: يا رب أشفي أو سعيد فيكتبان فيقول: أي رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص، وفي رواية أن الملك يقول: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله فيقول: ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص.
وفي النصوص على كتابة الملك لما يقضي الله في الجنين وعلى طي الصحف وخروج الملك بها في يده وأنه لا يزيد على ما أمر به ولا ينقص أبلغ رد على ما ابتدعه ابن محمود وخالف به أهل السنة والجماعة حيث زعم أن هذه الكتابة عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وأن الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم.
الوجه السادس أن يقال لا شك أن الله تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها وأنه يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وعلمه ﵎ بجميع الأشياء صفة من صفاته، وأما الكتابة فهي فعل الملك يكتب ما أمره الله به من أمر الجنين ثم يطوي الصحيفة التي كتب فيها ويخرج بها في يده فلا يزيد على ما أمر به ولا ينقص, وفعل الملك مخلوق وصحيفته مخلوقة ومع ذلك فقد زعم ابن محمود أن كتابة الملك لما يتعلق بالجنين هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها فجعل المخلوق صفة من صفات الله وهذا غاية التخليط والتلبيس.
стр. 110
الوجه السابع أن يقال: إن الأزلي هو القديم الذي لم يزل، قال ابن منظور في لسان العرب: الأزل بالتحريك القِدم قال أبو منصور: ومنه قولهم هذا شيء أزلي أي قديم وذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا بالاختصار فقالوا يزلي ثم أبدلت الياء ألفا لأنها أخف فقالوا أزلي. انتهى.
وإذا علم أن الأزل هو القدم وأن الأزلي هو القديم الذي لم يزل فلا يخفى ما في قول ابن محمود من الخطأ والتخطيط حيث زعم أن كتابة الملك لما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه تسمى كتابة الأزل.
الوجه الثامن أن يقال: إن كتابة المقادير ليست بأزلية وإنما كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقد تقدم ذكره، وهذه الكتابة هي كتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وإذا كانت الكتابة السابقة على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ليست أزلية فمن باب أولى نفي الأزلية عن كتابة ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه.
الوجه التاسع أنه يلزم على القول بأن كتابة المقادير أزلية أن يكون القلم واللوح المحفوظ أزليين وأن تكون الصحيفة التي يكتب فيها الملك ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه أزلية، وهذا موافق لقول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، والقول بقدم العالم كفر بلا نزاع.
وأما قول ابن محمود؛ وعلمه سبحانه لا يتعلق به إجبارهم على فعل الخير أو الشر بل هم عاملون لأنفسهم مختارون لأعمالهم الصالحة والسيئة فهي كسبهم ويترتب الجزاء على ذلك.
следующие страницы →