← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

الدليل الثاني: إذا لم يجب الإشهاد على اللقطة لم يجب الإشهاد على اللقيط، وقد تقدم قول الغزالي وابن رشد بأن الخلاف في وجوب الإشهاد على الالتقاط مرتب على الإشهاد على اللقطة (١). وإذا كان ذلك كذلك فقد ذكرنا أدلة الجمهور في أن اللقطة لا يجب الإشهاد عليها في أحكام اللقطة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. ونوقش هذا: بأن هناك فارقًا بين اللقيط واللقطة؛ ذلك أن القصد من الإشهاد في اللقطة حفظ المال فلم يجب كالبيع، بخلاف الإشهاد على اللقيط فإن الإشهاد عليه من أجل حفظ حريته عن الاسترقاق وحفظ نسبه، والشارع يحتاط للأنساب ما لا يحتاط لغيرها، ولهذا أوجب الله في النكاح الشهادة والصداق والولي دون عقد البيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أخذ اللقطة يقضي بوجوب تعريفها، وفي ذلك إشهار لها، وهو أبلغ من الإشهاد عليها، أما اللقيط فلا يجب تعريفه لهذا وجب الإشهاد عليه ليقوم مقام التعريف، والله أعلم. القول الثاني: يجب الإشهاد على اللقيط؛ اختاره بعض المالكية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 10012

قال ابن شاس المالكي: «من أخذ لقيطًا فليشهد عليه خوف الاسترقاق» (١). قال في منح الجليل: «وظاهره وجوب الإشهاد، واستظهره ابن عبد السلام» (٢). وانتقده ابن عرفة حيث قال: لم أعرفه نصًا إلا للغزالي (٣). وقال النووي: «ومن أخذ لقيطًا لزمه الإشهاد عليه على المذهب لئلا يضيع نسبه. وقيل: في وجوبه قولان أو وجهان كاللقطة ... وإذا أشهد، فليشهد على اللقيط وما معه، نص عليه» (٤). وفي تحفة المحتاج: «ويجب الإشهاد عليه: أي الالتقاط، وإن كان الملتقط مشهور العدالة في الأصح» (٥). ° دليل من قال: يجب الإشهاد: الدليل الأول: (ح-١٢٤٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﵇: من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل،

стр. 10013

وليحفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء (١). [صحيح، وسبق تخريجه]. وجه الاستدلال: إذا وجب الإشهاد على اللقيطة وجب الإشهاد على اللقيط من باب أولى. الدليل الثاني: أن المقصود من الإشهاد على اللقيط حفظ النسب والحرية، فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح، وفارق اللقطة؛ لأن القصد بالإشهاد حفظ المال فلم يجب الإشهاد فيها كالبيع. القول الثالث: ينبغي الإشهاد إلا أن يخاف من نفسه خيانة كأن يدعيه، أو يسترقه فيجب الإشهاد إذا تحقق أو غلب على ظنه وقوع ذلك منه، وهذا مذهب المالكية (٢). وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول باستحباب الإشهاد؛ لأن وجوبه إذا علم من نفسه الخيانة أو غلب على ظنه لا من أجل الإشهاد، ولكن دفعًا للاعتداء، وسدًا لطرق الحرام؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 10014

القول الرابع: أن الملتقط إن كان ظاهر العدالة لم يلزمه الإشهاد، وإن كان مستورها لزمه، وهذا قول في مذهب الشافعية (١). ° وجه هذا القول: من كان ظاهر العدالة فإنه أمين، والأمين لا يلزمه الإشهاد، ومن كان مستورها فإنه لا تعلم أمانته، لهذا وجب منه الإشهاد احتياطًا للقيط ولماله، والله أعلم. ° الراجح: أن الإشهاد مستحب، والخوف من الاسترقاق ليس قائمًا في مثل عصرنا، والله أعلم. * * *

стр. 10015

الباب الثالث في أحكام اللقيط الفصل الأول في التقاط المميز [م-٢٠٦٧] لم يختلف الفقهاء على أن من كان دون سن التمييز تجري عليه أحكام اللقيط، وذلك لعجزه عن القيام بمصالحه. [م-٢٠٦٨] واختلفوا في الطفل إذا بلغ سن التمييز هل تجري عليه أحكام الالتقاط؟ على قولين: القول الأول: أن المميز تجري عليه أحكام اللقيط، وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وعليه أكثر الحنابلة (١). قال في بداية المجتهد: «واللقيط: هو الصبي الصغير غير البالغ» (٢). وفي تحفة المحتاج: «الأصح أن المميز، والبالغ المجنون يلتقطان؛ لاحتياجهما إلى التعهد» (٣).

стр. 10016

وجاء في الإقناع في تعريف اللقيط: «طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل إلى سن التمييز، وقيل: والمميز إلى سن البلوغ وعليه الأكثر» (١). وفي الإنصاف: «والمختار عند أصحابنا: أن المميز يكون لقيطًا؛ لأنهم قالوا: إذا التقط رجل وامرأة معا من له أكثر من سبع سنين أقرع بينهما، ولم يخير، بخلاف الأبوين» (٢). ° وجه هذا القول: أن التمييز لا يجعله مستقلًا بأمره، فهو لو كان عند والديه لكان محجورًا عليه لسفهه، وإذا كان كذلك فهو بحاجة إلى ولي يقوم على مصالحه. القول الثاني: أن المميز لا يلتقط، ولا تجري عليه أحكام الالتقاط، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وفي مذهب الشافعية تردد (٣). جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «الطفل يصدق بالمميز، وفي التقاطه، تردد للإمام والأوفق لكلام الأصحاب أنه يلتقط وعلى مقابله يلي أمره الحاكم» (٤). وقال إمام الحرمين: «لو صادفنا صبيًا بالغًا مبلغ التمييز، وكان في حكم اللقيط، على معنى أنه ليس يتبين له أب ولا أم، فهل يثبت له لمن يبتدره حق الاحتضان، كما يثبت في اللقيط الذي لم يبلغ مبلغ التمييز؟

стр. 10017

هذا فيه تردد عندي، واحتمال: يجوز أن يقال: لا يثبت لآحاد الناس فيه حق الاحتضان، وهو مميز، بل يتولى الحاكم أمره لا غيره، ويختص به منصوب القاضي ... » (١). ولعل هذا القول نظر إلى أن التمييز يجعل له قدرة على القيام بالمصالح الضرورية الخاصة بالأكل والشرب واللبس، ونحوها. ° الراجح: القول الأول لقوة حجته، والله أعلم.

стр. 10018

الفصل الثاني في إسلام اللقيط [م-٢٠٦٩] الصبي الذي لا يميز والمجنون لا يتصور إسلامهما إلا تبعًا، والتبعية تارة تكون للأبوين، وتارة تكون للدار، ولما كان اللقيط لا يعرف أبواه، أصبح البحث في الحكم بإسلامه أو بكفره إما يعود للدار أو يعود للملتقط، وهذا ما سوف نكشف عنه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى من خلال استعرا ض أقوال المذاهب الفقهية. القول الأول: تحرير مذهب الحنفية: اتفق الحنفية في حكم ديانة اللقيط في حالتين واختلفوا في حالتين، وإليك بيانها: الحال الأولى. أن يلتقطه مسلم في بلاد المسلمين أو في مكان خاص بهم، كالمساجد، فهذا يحكم بإسلامه، قولًا واحدًا في مذهب الحنفية (١). الحال الثانية: أن يلتقطه كافر في بلاد الكفار، أو في مكان خاص بهم كالكنائس والبيع، فهذا يحكم بكفره عند الحنفية قولًا واحدًا (٢).

стр. 10019

الحال الثالثة: أن يلتقطه مسلم في بلاد الكفار، أو في مكان خاص بهم. الحال الرابعة: أن يلتقطه كافر في بلاد المسلمين أو في مكان خاص بهم. فالحكم في هاتين الحالتين موضع خلاف عند الحنفية على أربع روايات أسوقها حسب شهرتها وقوتها في مذهب الحنفية: الرواية الأولى: أن الحكم للمكان، وهو ظاهر الرواية في مذهب الحنفية، ورجحه الكاساني في بدائع الصنائع (١). وعليه: فإن وجد في بلاد المسلمين أو في مكان خاص بهم حكم بإسلامه، أو وجد في بلاد الكفار أو في مكان خاص بهم حكم بكفره، سواء كان الملتقط مسلمًا أو كافرًا. ° وجه هذه الرواية: الوجه الأول: أن الظاهر أن أولاد المسلمين لا يكونون في مواضع أهل الذمة وكذلك العكس.

стр. 10020

الوجه الثاني: أن المكان سابق لوضع اليد، فكان هو المعتبر. الرواية الثانية: أن الحكم للواجد، فإن التقطه مسلم كان مسلمًا، ولو كان في مكان خاص بالكفار، وإن التقطه كافر حكم بكفره، وإن كان في مكان خاص بالمسلمين؛ لقوة اليد (١). جاء في المبسوط: «الثالث: أن يجده كافر في مكان المسلمين. والرابع: أن يجده مسلم في مكان الكفار، ففي هذين الفصلين اختلفت الرواية ففي كتاب اللقيط يقول: العبرة للمكان في الفصلين جميعًا، وفي رواية ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى، قال: العبرة للواجد في الفصلين جميعًا» (٢). الرواية الثالثة: من الحنفية من جعل المعتبر ما يوجب الإسلام من المكان أو الواجد؛ لأنه أنفع للقيط، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. جاء في مجمع الأنهر: «أيهما كان موجبًا لإسلامه فهو المعتبر؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وهو أنفع له كما في أكثر المعتبرات» (٣).

стр. 10021

الرواية الرابعة: من الحنفية من اعتبر العمل بالسيما والزي، فمن كان عليه لباس المسلمين كان مسلمًا، ومن كان عليه ملابس الكفار وزيهم حكم بكفره (١). قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]. القول الثاني: تحرير مذهب المالكية. ذهب المالكية إلى أن اللقيط له حالات، منها: الحالة الأولى: أن يوجد في بلاد المسلمين فهذا يحكم بإسلامه مطلقًا سواء كان الملتقط مسلمًا أو كافرًا تغليبًا للدار (٢). الحال الثانية: أن يوجد في بلاد الكفار فإنه يحكم بكفره سواء التقطه مسلم أو كافر تغليبًا للدار. وقال أشهب: إن التقطه مسلم فهو مسلم.

стр. 10022

° وجه قول أشهب: أن للدار تأثيرًا، وللملتقط تأثيرًا، فوجب أن يغلب حكم الإسلام (١). الحال الثالثة: أن يوجد في قرية ليس فيها من المسلمين سوى ثلاثة بيوت فأقل، فالحكم باعتبار لاقطه، فيحكم بإسلامه إن التقطه مسلم، وإن التقطه كافر حكم بكفره على المشهور. ° وجه هذا القول: القياس على إسلام المسبي تبعًا لإسلام سابيه. وقال أشهب: حكمه الإسلام مطلقًا، التقطه مسلم أو ذمي؛ لاحتمال أن يكون لمن فيها من المسلمين، كما أجعله حرًا، وإن كنت لا أعلم أحر هو أم عبد؛ لاحتمال الحرية؛ لأن الشرع رجح جانبيها (٢). جاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ أرأيت إن التقطت لقيطًا في مدينة من مدائن المسلمين، أو في قرية من قرى أهل الشرك في أرض أو كنيسة، أو في بيعة، أو التقطته وعليه زي الإسلام أو عليه زي النصارى أو اليهود، أي شيء تجعله أمسلمًا، أو نصرانيًا، أو يهوديا في قول مالك؟ وكيف إن كان قد التقطه الذي التقطه في بعض هذه المواضع التي ذكرت لك مسلم أو مشرك ما حاله في قول مالك؟

стр. 10023

قال ـ أي ابن القاسم ـ: ما سمعت من مالك فيه شيئًا، وأنا أرى إن كان في قرى الإسلام ومدائنهم وحيث هم فأراه مسلمًا، وإن كان في مدائن أهل الشرك وأهل الذمة ومواضعهم فأراه مشركًا، ولا يعرض له، وإن كان وجده في قرية فيها مسلمون ونصارى نظر، فإن كان إنما مع النصارى الاثنان والثلاثة من المسلمين وما أشبه ذلك من المسلمين فهو للنصارى، ولا يعرض له إلا أن يلتقطه مسلم فيجعله على دينه» (١). الحال الرابعة: أن يوجد في قرية فيها من المسلمين أربعة بيوت فأكثر، فهذا يحكم بإسلامه، سواء كان الملتقط مسلمًا أو ذميًا. وقيل: إذا اجتمع في القرية مسلمون وكفار فيحكم بإسلامه مطلقا إذا تساوى المسلمون مع الكفار، وأولى إذا كان المسلمون أكثر فإذا كان الكفار أكثر، فإن كانا متقاربين فكذلك، وإلا كان الحكم للملتقط، فإن التقطه مسلم فهو مسلم، وإن التقطه كافر فكافر. اختاره بعض المالكية (٢). هذا تفصيل اللقيط بالنسبة لأصحاب مالك: وقال أشهب: هو مسلم أبدًا لأني أجعله مسلمًا على كل حال، كما أجعله حرًا على كل حال (٣). القول الثالث: تحرير مذهب الشافعية والحنابلة.

стр. 10024

ذهب الشافعية في تفصيل مذهبهم إلى الحكم للدار، وعلى هذا قسموا الدار إلى دار إسلام ودار كفر. الحال الأولى: دار الإسلام، وقسموها إلى ثلاثة أضرب: أحدها: دار يسكنها المسلمون، فاللقيط الموجود فيها مسلم وإن كان فيها أهل ذمة، تغليبًا للإسلام. الثاني: دار فتحها المسلمون، وأقروها في يد الكفار بجزية، فقد ملكوها، أو صالحوهم ولم يملكوها، فاللقيط فيها مسلم إن كان فيها مسلم واحد فأكثر، وإلا، فكافر على الصحيح. وقيل: مسلم، لاحتمال أنه ولد من يكتم إسلامه منهم. الثالث: دار كان المسلمون يسكنونها، ثم جلوا عنها وغلب عليها الكفار، فإن لم يكن فيها من يعرف بالإسلام، فهو كافر على الصحيح. وقال أبو إسحاق: مسلم، لاحتمال أن فيها كاتم إسلامه. وإن كان فيها معروف بالإسلام، فهو مسلم. الحال الثانية: دار الكفر، وهي على ثلاثة أضرب: ما كان من بلادهم التي ليس فيها مسلم، فاللقيط الموجود فيها محكوم بكفره. الضرب الثاني: ما كان من بلاد الشرك التي فيها مسلمون تجار، كبلاد الروم، فهل يحكم بكفره تبعا للدار، أو بإسلامه تغليبا للإسلام؟ وجهان في مذهب الشافعية. أصحهما الحكم بإسلامه.

стр. 10025

الضرب الثالث: ما كان من بلاد الإسلام التي غلب عليها المشركون حتى صارت دار شرك كبلاد الأندلس، فإذا التقط المنبوذ فيها نظر فإن كان فيها أحد من المسلمين ولو واحدًا جرى على الملقوط فيها حكم الإسلام. وإن لم يكن فيها أحد من المسلمين أجري عليه حكم الشرك في الظاهر لبعد المسلمين عنها وامتناع حكمهم فيها. وإذا كانت البقعة أصحاب ملل مختلفة، فالقياس أن يجعل من أصونهم دينا. ولا أثر لعابري السبيل من المسلمين، ولا للمحبوسين في المطامير (١). هذا ملخص مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة قريب منه. قال ابن قدامة: «ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام، أو في دار الكفر، فأما دار الإسلام فضربان؛ أحدهما: دار اختطها المسلمون، كبغداد والبصرة والكوفة، فلقيط هذه محكوم بإسلامه، وإن كان فيها أهل الذمة تغليبًا للإسلام ولظاهر الدار. ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. الثاني: دار فتحها المسلمون، كمدائن الشام، فهذه إن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلام لقيطها؛ لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم، تغليبا للإسلام. وإن لم يكن فيها مسلم، بل كل أهلها ذمة حكم بكفره؛ لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال.

стр. 10026

وأما بلد الكفار فضربان أيضًا: أحدهما: بلد كان للمسلمين، فغلب الكفار عليه، كالساحل، فهذا كالقسم الذي قبله، إن كان فيه مسلم واحد حكم بإسلام لقيطه، وإن لم يكن فيه مسلم فهو كافر. وقال القاضي: يحكم بإسلامه أيضا؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه، بخلاف الذي قبله، فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام. وإن كان في بلد كان للمسلمين، ثم غلب عليه المشركون، ثم ظهر عليه المسلمون، وأقروا فيه أهله بالجزية، فهذا كالقسم الثاني من دار الإسلام. الثاني دار لم تكن للمسلمين أصلا. كبلاد الهند والروم، فإن لم يكن فيها مسلم، فلقيطها كافر؛ لأن الدار لهم وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم، احتمل أن يحكم بإسلامه، تغليبا للإسلام، واحتمل أن يحكم بكفره، تغليبا للدار والأكثر» (١). القول الخامس: تعرض ابن حزم في دعوى اللقيط، فيصدق إذا ادعاه مسلم، ولا يصدق إذا ادعاه كافر. وفهم من كلامه أن اللقيط محكوم له بالإسلام مطلقًا بناء على أنه على فطرته التي فطره الله عليها، ولا يصرفه عن ذلك إلا الشياطين أو الآباء إن كانوا على

стр. 10027

غير ملة الإسلام، وحيث إن اللقيط لا يعرف له أبوان، فإنه يبقى على فطرته التي فطره الله عليها. يقول ابن حزم: «كل مولود يولد على الفطرة وعلى الملة» وقوله ﵇ عن ربه تعالى في حديث عياض بن حمار المجاشعي: «خلقت عبادي حنفاء كلهم». ولقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. فإن ادعاه كافر لم يصدق؛ لأن في تصديقه إخراجه عما قد صح له من الإسلام، ولا يجوز ذلك إلا حيث أجازه النص ممن ولد على فراش كافر من كافرة فقط» (١). وقول ابن حزم يشبه قول أشهب من المالكية حيث حكم له بالإسلام مطلقًا، والله أعلم. ° الراجح: بعد أن عرفنا تحرير المسألة في كل مذهب من المذاهب الأربعة، أجد أن هناك مسائل متفق عليها، ومسائل مختلف فيها: فإذا وجد اللقيط في بلد الكفار التي لا يوجد فيها مسلم، والتقطه كافر أن اللقيط يحكم بكفره. وما عداه فأجد أن الحكم بإسلامه هو أصوب الأقوال، قال في الإنصاف:

стр. 10028

«ويحكم بإسلامه بلا نزاع إلا أن يوجد في بلد الكفار، ولا مسلم فيها، فيكون كافرًا» (١). * * *

стр. 10029

الفصل الثالث في نسب اللقيط [م-٢٠٧٠] عرفنا في الفصل السابق الحكم في ديانة اللقيط، وعلمنا أنها تدور على أمرين: الحكم للدار، أو الحكم للملتقط. ونبحث في هذا الفصل قضية هامة للقيط، وهي الحكم بنسب اللقيط، ومعلوم أن النسب للقيط إنما هو تبع لوالديه، والوالدان مجهولان، وعليه فلا يمكن التوصل إلى نسب اللقيط إلا إذا تقدم أحد يدعي نسبه، وعلى هذا سيكون البحث في دعوى نسب اللقيط، فقد يدعيه واحد، وقد يتنازعه أكثر من واحد، وقد تدعيه امرأة وقد يدعيه كافر، وهذا ما سوف نكشف عنه في المباحث التالية إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 10030

المبحث الأول في دعوى الحر المسلم نسب اللقيط [م-٢٠٧١] اختلف العلماء في الرجل الحر المسلم يدعي نسب اللقيط، سواء كان هذا الحر هو الذي التقطه أو كان غيره، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وأشهب من المالكية بأنه يلحق به بمجرد الدعوى ولا يطالب بالبينة، ولا فرق في ذلك بين الملتقط وغيره (١). واشترط الحنفية أن يكون اللقيط حيًا، فإن كان ميتًا فلا يصدق إلا بحجة (٢). وقال النووي: «نسب اللقيط، وهو كسائر المجهولين، فإذا استلحقه حر مسلم، لحقه .... ولا فرق في ذلك بين الملتقط وغيره» (٣).

стр. 10031

وقال في الإنصاف: «وإن أقر إنسان أنه ولده: ألحق به، مسلمًا كان أو كافرًا، رجلا كان أو امرأة، حيًا كان اللقيط أو ميتا» (١). ° دليل من قال: يثبت النسب بمجرد الدعوى. الدليل الأول: أشار إمام الحرمين إلى وجود إجماع في المسألة، وسوف أنقل عبارته في الدليل التالي إن شاء الله تعالى، كما حكاه غيره من الشافعية (٢). وقال ابن قدامة: «أن يدعيه واحد ينفرد بدعواه، فينظر؛ فإن كان المدعي رجلًا مسلمًا حرًا، لحق نسبه به، بغير خلاف بين أهل العلم، إذا أمكن أن يكون منه» (٣). الدليل الثاني: أن إقامة البينة على النسب عسير، فلو لم يحصل بالدعوى لضاعت الأنساب. قال إمام الحرمين: «وهذا مع كونه مجمعًا عليه مستند إلى طرف من المعنى، وهو أن الإشهاد على النسب وسببه عسر، فلو لم يحصل بالدعوى، لضاعت الأنساب» (٤). ويناقش: بأن الإجماع لا يثبت مع مخالفة المالكية كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 10032

الوجه الثالث: أن الإقرار بالنسب فيه نفع محض للطفل لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فكان كما لو أقر له بمال، والله أعلم. الوجه الرابع: ذكر الحنفية أن النسب أثبتوه بمجرد الدعوى لا من جهة القياس، ولكن من جهة الاستحسان. فالقياس لا يثبت النسب سواء كان المدعي هو الملتقط أو كان أجنبيًا: ° وجه القياس إن كان مدعي النسب رجلًا أجنبيًا: أن قوله يتضمن إبطال حق الملتقط؛ لأن يده ثابتة عليه وسابقة له، حتى لو أراد غيره أن ينزعه منه ليحفظه لم يصح. ووجه الاستحسان: أنه إقرار للصبي بما ينفعه؛ لأنه يتشرف بالنسب ويعير بعدمه. ° وأما وجه القياس إن كان المدعي هو الملتقط: هو تناقض كلامه بأنه لما زعم أنه لقيط كان نافيًا نسبه؛ لأن ابنه لا يكون لقيطًا في يده، ثم ادعى أنه ابنه فكان متناقضًا، والتناقض في الدعوى يبطلها. وأما وجه الاستحسان: أن اللقيط بحاجة إلى نسب يتشرف به، وتقوم به حوائجه، ولأن سببه خفي، فربما اشتبه عليه الأمر في الابتداء فظن أنه لقيط، ثم تبين له أنه ولده.

стр. 10033

القول الثاني: إن استلحقه الملتقط أو غيره فلا يلحق إلا ببينة أو يكون لدعواه وجه، كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه رماه؛ لأنه سمع أنه إذا طرحه عاش، ونحو ذلك مما يدل على صدقه. فإذا شهدت البينة لحقه النسب مطلقًا سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان اللقيط محكومًا بإسلامه أو كفره، وسواء كان من استلحقه الملتقط أو غيره. وأما إذا كان لدعواه وجه، فقيل: إنها بمنزلة البينة، وهو قول ابن عرفة والتتائي، وعبد الرحمن الأجهوري. وقيل: إن كان لدعواه وجه، فإن كان المستلحق مسلمًا صح، سواء كان هو الملتقط أو غيره، وسواء كان اللقيط محكومًا بإسلامه أو كفره، وأما إذا استلحقه كافر فلا بد من البينة (١). هذا ملخص مذهب المالكية. وعمدتهم في هذا: أن دعوى النسب كغيرها من الدعاوى لا تثبت إلا ببينة، وصدقت دعواه إذا كان لها وجه، وإن لم يكن هناك بينة عملًا بالقرائن، وقياسًا على اللقطة، حيث اعتبرت العلامات، وهي دون البينة. ويناقش: بأن البينة مطلوبة إذا كان هناك منازع، وهذا لا منازع له في دعوى النسب، ورده إضرار بالصبي حيث يبقى مجهول النسب. * * *

стр. 10034

المبحث الثاني في دعوى المرأة الحرة نسب اللقيط [م-٢٠٧٢] اختلف العلماء في دعوى المرأة الحرة نسب اللقيط على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا ادعته المرأة لم تصدق إلا ببينة، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية في الأصح، ورواية في مذهب الحنابلة (١). قال الحنفية: إلا أن يصدقها زوجها، أو تشهد لها القابلة (٢). قال ابن نجيم: «المدعي لو كان امرأة ادعت أنه ابنها فإن صدقها زوجها، أو شهدت لها القابلة، أو قامت البينة صحت دعوتها وإلا فلا» (٣). وفي تحفة المحتاج: «وإن استلحقته امرأة لم يلحقها في الأصح؛ لإمكان إقامة البينة بمشاهدة الولادة بخلاف الرجل، وإذا أقامتها لحقها» (٤).

стр. 10035

° دليل هذا القول: الدليل الأول: حكي بعض أهل العلم الإجماع على أن دعوى المرأة لا تقبل إلا ببينة، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المرأة لو ادعت أنه ابنها لم يقبل قولها» (١). وفي دعوى الإجماع نظر كبير. الدليل الثاني: أن هناك فرقًا بين دعوى الرجل والمرأة، فالرجل تقبل منه الدعوى بلا بينة ذلك أن النسب في جانب الرجل مما لا يدرك موجبه ومقتضيه؛ فمست الحاجة إلى إثباته بمجرد الدعوى، وأما المرأة فهي قادرة على إثبات الولادة بالبينة وذلك عن طريق مشاهدة الحمل والولادة ولو عن طريق القابلة، فردت إلى قاعدة القياس، ولم يثبت الانتساب إليها بالولادة لمجرد دعواها. الدليل الثالث: أن الزوج قد يتضرر بهذه الدعوى، فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر لغيرها إلا ببينة تشهد لها. القول الثاني: إذا ادعته المرأة الحرة، فينظر فإن كانت المرأة ذات زوج لم تقبل دعواها إلا ببينة، وإن كانت خالية من الزوج قبلت دعواها، وهو وجه في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة.

стр. 10036

وألحق الحنابلة بذات الزوج في وجوب البينة المرأة إذا كان لها إخوة ونسب معروف، فإنها لا تصدق إلا ببينة (١). ° حجة هذا القول: أن المرأة إذا لم تكن ذات زوج قبلت دعواها بلا بينة كالرجل؛ حيث لا ضرر يقع على زوجها، ولأنها قد تلد حيث لا يشهدها نسوة معتمدات من أهل قبول الشهادة، وأما إن كانت ذات زوج لم تقبل دعواها بلا بينة أو رضا الزوج؛ لأن في ذلك إضرارًا بالزوج بكون امرأته قد وطئت بزنا أو شبهة. القول الثالث: إذا ادعته المرأة الحرة قبلت دعواها، ولحقه نسبها، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية، وقول ابن حزم من الظاهرية (٢). قال في الإنصاف: «وإن أقرت به امرأة ألحق بها هذا المذهب، وعليه الأصحاب. قال الحارثي: هذا المذهب عند الأصحاب» (٣). فعلى هذه الرواية يلحق بها دون زوجها؛ لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به. ° وجه هذا القول: أن المرأة أحد الأبوين، فيثبت النسب بدعواها، كالأب، ولأنه يمكن أن

стр. 10037

يكون منها، كما يمكن أن يكون ولد الرجل، بل أكثر؛ لأنها تأتي به من زوج، ووطء بشبهة، ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل ... (١). ° الراجح: أميل إلى أن الإقرار من المرأة يلزمها، ولا يلزم زوجها، فإن أهلية المرأة كاملة لقبول إقرارها على نفسها، والله أعلم. * * *

стр. 10038

المبحث الثالث في دعوى الكافر نسب اللقيط [م-٢٠٧٣] إذا ادعى الكافر نسب اللقيط، فإن كان له بينة على دعواه لحقه نسبه بالإجماع. وإن لم تكن له بينة فهل يحكم له بمجرد الدعوى؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم: القول الأول: تقبل دعواه، ويلحقه اللقيط نسبًا، فإن كان محكومًا بإسلامه لم يلحقه في الدين، وإن كان محكومًا بكفره لحقه فيه أيضًا، استحسنه الحنفية (١)، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). إلا أن الحنفية قالوا: أن يدعيه في حياته، أما إذا ادعاه بعد وفاته لم يصدق؛ لأن المقصود من ثبوت النسب الشرف، وذلك لا يتحقق بعد الموت (٣).

стр. 10039

وقال الشافعية في المشهور: إن ادعى نسبه ولم يقم بينة لحقه نسبه دون ديانته، وإن أقام على ذلك بينة كان لحقه نسبه، وتبعه في الكفر (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وإن ادعاه ذمي فهو ابنه وهو مسلم، إلا أن يلتقطه من بيعة أو كنيسة أو قرية من قراهم فيكون ذميًا» (٢). قال النووي: «اللقيط الموجود في دار الإسلام، لو ادعى ذمي نسبه، وأقام عليه بينة، لحقه وتبعه في الكفر .... وإن اقتصر على مجرد الدعوى، فالمذهب أنه مسلم، وهو المنصوص، وبه قطع أبو إسحاق وغيره، وصححه الأكثرون. وقيل: قولان. ثانيهما: يحكم بكفره، لأنه يلحقه بالاستحقاق» (٣). واحتجوا على إلحاقه بالنسب: الحجة الأولى: موجب الدعوى شيئان أحدهما ثبوت نسبه منه، وذلك ينفعه، فيقبل والآخر كفره، وذلك يضره فلا يقبل. الحجة الثانية: أن المسلم والكافر سواء في مجال الدعاوى، فكما يقبل إقرار المسلم مجردًا عن البينة، فكذلك الكافر.

стр. 10040

القول الثاني: لا تقبل الدعوى إلا ببينة، وهو مذهب المالكية، ورواية في مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم من الظاهرية (١). ° حجة هذا القول: الحجة الأولى: أن دعوى النسب كغيرها من الدعاوى لا تثبت إلا ببينة. الحجة الثانية: يحتمل أن يكون اللقيط من امرأة مسلمة بوطء بشبهة ونحوها. ° الراجح: يقبل إقرار المرء على نفسه من اعترافه بنسبه، وأما دعواه كفر اللقيط فهي دعوى، وليست إقرارًا، فلا تثبت إلا ببينة، والله أعلم. * * *

стр. 10041

المبحث الرابع في التنازع على نسب اللقيط الفرع الأول ادعاه رجلان ولا بينة لهما وكان لأحدهما مرجح المسألة الأولى الترجيح بإسلام أحد المتنازعين [م-٢٠٧٤] إذا ادعى نسب اللقيط رجلان، فإن كان لأحدهما بينة قدم صاحب البينة على الآخر، وهذا بالاتفاق. وإن لم يكن لأحدهما بينة، وكان أحدهما مسلمًا، والآخر ذميًا، أو كان أحدهما حرًا، والآخر عبدًا، فهل يقدم المسلم والحر على ضدهما؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يقدم المسلم على الكافر والحر على العبد، وهذا مذهب الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (١).

стр. 10042

جاء في بدائع الصنائع: «ولو ادعاه رجلان أنه ابنهما، ولا بينة لهما، فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر ذميًا فالمسلم أولى؛ لأنه أنفع للقيط، وكذلك إذا كان أحدهما حرًا والآخر عبدًا فالحر أولى؛ لأنه أنفع له» (١). ° وجه القول بتقديم المسلم والحر على ضدهما: أن كلًا من المتداعيين لا بينة له، فلم يكن هناك مرجح من قبل المتداعيين، فنظرنا إلى ما هو أنفع للقيط فوجدنا أن الإسلام والحرية أنفع للقيط فرجحناهما على غيرهما، والله أعلم. القول الثاني: لا يرجح أحدهما على الآخر؛ لأنهما متساويان في الدعوى، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). جاء في أسنى المطالب: «وإن استلحقه مسلم وكافر أو حر وعبد تساويا؛ لأن كلا منهما أهل للاستلحاق لو انفرد فلا مزية» (٣). وقال ابن قدامة: «إذا ادعاه مسلم وكافر، أو حر وعبد، فهما سواء. وبهذا قال الشافعي» (٤).

стр. 10043

وسوف يأتينا إن شاء الله الحكم فيما لو تساوى المتداعيان بلا مرجح. ° حجة القول بأنهما متساويان: أن المسلم والذمي متساويان في الدعوى؛ لأن هذه حقوق، لا يكون الترجيح فيها بالإسلام. الوجه الثاني: أن كل واحد منهما لو انفرد لصحت دعواه، ولحقه نسب اللقيط، فإذا تنازعوا فقد تساووا في الدعوى. ° الراجح: أرى أن مذهب الحنفية هو الراجح، وأن الترجيح لم يكن بسبب الدعوى، فهما متساويان فيها، وإنما قدم المسلم والحر على غيرهما من باب النظر للقيط وتقديم الأنفع له، كما لو تنازع في التقاطه الغني والفقير، والمقيم والمتنقل، والله أعلم.

стр. 10044

المسألة الثانية الترجيح بذكر وصف خفي [م-٢٠٧٥] إذا ادعى نسب اللقيط رجلان، ولم يكن لأحدهما بينة، وقام أحدهما بذكر علامة خفية في جسده فطابق وصفه، ولم يصفه الآخر، فهل يقدم واصف العلامة على غيره؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: إذا وصف أحدهما علامة مستورة في جسده، قدم بذلك، وحكم له، وهذا مذهب الحنفية (١). جاء في الهداية: «وإن ادعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به؛ لأن الظاهر شاهد له لموافقة العلامة» (٢). القول الثاني: لا ترجيح بينهما في دعوى النسب بذكر علامة خفية في جسده، وعليه يكونان متساويين في الدعوى، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٣).

стр. 10045

إلا أن الحنابلة قالوا: إن تنازعا في الالتقاط قدم صاحب العلامة وإن تنازعا في دعوى النسب لم يقدم صاحب العلامة (١). قال النووي: «وصف أحد المتداعيين أثر جراحة، أو نحوه، أو بظهره، أو بعض أعضائه الباطنة، وأصاب، لا يقدم» (٢). وقال ابن قدامة: «وإذا لم توجد قافة، أو أشكل الأمر عليها، أو تعارضت أقوالهما، أو وجد من لا يوثق بقوله، لم يرجح أحدهما بذكر علامة في جسده؛ لأن ذلك لا يرجح به في سائر الدعاوى، سوى الالتقاط في المال، ويضيع نسبه، هذا قول أبي بكر» (٣). وإذا كانا متساويين في الدعوى فسوف يأتينا إن شاء الله كيفية العمل عند التساوي في الدعاوى، ولا مرجح. ° وجه هذا القول: أن التحاكم في سائر الدعاوى إلى البينات، قال الحنابلة: إلا ما ورد في اللقطة، حيث اعتبر العلامة دليلًا على ملك صاحبها لها. والصحيح أن الحكم إلى كل شيء يبين الحق، ومنها العمل بالقرائن، والعلامات. وليس العمل بالعلامات خاصًا بالتنازع بالالتقاط بل هو عام في كل شيء.

стр. 10046

قال ابن رشد: «ومما يعتبر به في دفع اللقطة إلى صاحبها بالصفة قول الله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). [يوسف: ٢٦، ٢٧]. وجه الاستدلال: حيث جعل صفة الخرق في القميص دليلًا على الإدانة والبراءة، ولم يتوقف ذلك على البينة، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. (ح-١٢٥٠) ولما رواه البخاري في قصة المتلاعنين، وفيه: قال رسول الله ﵇: انظروا فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الأليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﵇ من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه (٢). (ح-١٢٥١) وفي البخاري أيضًا في قصة تلاعن هلال بن أمية في قذفه لامرأته، قال النبي ﵇: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﵇: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن (٣). فهذه الأدلة كلها دليل على العمل بالأمارات، ومنها الأخذ بالعلامة والوصف. * * *

стр. 10047

المسألة الثالثة الترجيح بوضع اليد [م-٢٠٧٦] إذا ادعى نسب اللقيط رجلان، وكانا متساويين في وجود البينة أو عدمها، وكان أحدهما هو الملتقط، واللقيط في يده، فهل يقدم صاحب اليد على غيره؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: تقديم الملتقط على غيره في دعوى النسب، قال به الحنفية استحسانًا، وإن كان القياس ألا يقبل قول الملتقط في دعوى النسب (١). ° وجه القول بتقديم صاحب اليد: أنهما تساويا في عدم البينة أو في وجودها، فيرجح صاحب اليد لقوة يده، وهذا من قبيل الاستحسان. وإن كان القياس ألا يقبل كلام الملتقط؛ لأنه لما زعم أنه لقيط كان نافيًا نسبه؛ لأن ابنه لا يمكن أن يكون لقيطًا في يده، ثم لما ادعى أنه ابنه كان متناقضًا، والتناقض في الدعوى يبطلها، إلا أننا قدمنا الاستحسان على القياس باعتبار أن سبب النسب خفي، فربما اشتبه عليه الأمر في الابتداء فظن أنه لقيط، ثم تبين له أنه ولده.

стр. 10048

القول الثاني: لا يقدم الملتقط على غيره؛ لأنهما متساويان في الدعوى، وهذا مذهب الشافعية (١). قال النووي في الروضة: «ادعى نسب اللقيط اثنان، ففيه صور: ... الثالثة: اختص أحدهما بيد، نظر، فإن كان صاحب اليد هو الملتقط لم يقدم؛ لأن اليد لا تدل على النسب» (٢). ° وجه قول الشافعية: أن التنازع لو كان في الحضانة أو في الملك دلت اليد على الترجيح، وأما التنازع في النسب فلا يدل وضع اليد على ثبوت النسب. القول الثالث: إذا ادعاه رجلان، وكان اللقيط في يد أحدهما، فإن أقام أحدهما بينة قدم ذو البينة، وإن أقاما بينتين قدمت بينة الخارج على الداخل، والداخل هو من كان اللقيط في يده قياسًا على المال. لأن الخارج هو المدعي، ومن في يده اللقيط هو المدعى عليه، ولا ينظر إلى حجة المدعى عليه إذا أقام المدعي بينة على دعواه. فإن تساويا بالبينة، وكان اللقيط في أيديهما، أو تساويا في عدمها عرض

стр. 10049

اللقيط على القافة، فأيهم حكمت له ألحق به، هذا مذهب الحنابلة (١). وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 10050

المسألة الرابعة ترجيح السابق على غيره في دعوى النسب [م-٢٠٧٧] إذا ادعى نسب اللقيط رجلان، وكان أحدهما قد سبق الآخر في دعوى نسب اللقيط، فهل يقدم على المتأخر؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يقدم السابق على المتأخر، سواء كانا ملتقطين، أو كان أحدهما ملتقطًا. وهذا مذهب الحنفية (١). ° وجه قول الحنفية: إذا ادعى الرجل منفردًا نسب اللقيط لحقه، وثبت له ذلك، فإذا جاء أحد بعد ذلك يدعي نسبه لم يزاحمه؛ لأنه الحق ثبت للمتقدم في زمن لا منازع له فيه، فيكون أحق به إلا أن يقدم المتأخر بينة، فالحكم للبينة. القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أنه إنما يقدم السابق إن استلحقه، وحكم له به قبل الآخر، وكان اللقيط في يده، ويده لم تكن بسبب التقاط؛ لأن يد الالتقاط لا يثبت بها
следующие страницы →