← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

وقال ابن قدامة: «وإن التقطه من البادية فله نقله إلى الحضر؛ لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة، والدين» (١). وأشار النووي إلى احتمال وجود خلاف في المسألة. قال النووي في الروضة: «ومن قال في اللقطة: يعرفها في أقرب البلاد يشبه أن يقول: لا يذهب به إلى مقصده رعاية للنسب» (٢). * * *

стр. 9977

المبحث الثالث السفر باللقيط إذا نبذ في الحاضرة الفرع الأول الانتقال باللقيط من الحاضرة إلى مثلها [م-٢٠٤٩] إذا نبذ اللقيط في الحاضرة، فأراد أن يسافر به الملتقط إلى بلد آخر، وكان البلدان متشابهين في المعيشة، والتعليم، فقد اختلف العلماء في حكم السفر باللقيط على قولين: القول الأول: لا يسافر الملتقط باللقيط من البلد الذي وجد فيه، فإن أراد السفر انتزع منه، وهو قول في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة، واستثنى الحنابلة ما إذا كان السفر لمصلحة اللقيط كما لو كان البلد وبيئًا، فإن له أن يسافر فيه (١). ° وجه القول بالمنع: أن بقاءه في بلده أرجى لظهور نسبه، وقياسًا على المتنقل به إلى البادية. القول الثاني: لا يمنع الملتقط أن يسافر به إلى بلد آخر، وهو الأصح في مذهب الشافعية،

стр. 9978

وبه قال جمهورهم، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (١). قال الشافعية: ومحل جواز نقله عند أمن الطرق وتواصل الأخبار، فإن كان مخوفًا، أو انقطعت الأخبار بينهما لم يقر اللقيط في يده قطعًا. جاء في تحفة المحتاج: «والأصح أن له نقله من بلد وجد فيه إلى بلد آخر ولو للنقلة لعدم المحذور السابق لكن يشترط تواصل الأخبار وأمن الطريق، وإلا امتنع ولو لدون مسافة القصر» (٢). ° وجه القول بالجواز: أن ولاية الملتقط على اللقيط ثابتة، والبلد الثاني كالأول في الرفاهية، فيقر في يده، كما لو انتقل من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر، وفارق المنتقل به إلى البادية؛ لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه. ° الراجح: جواز الانتقال به إلى البلد الآخر بشرط أن يمضي مدة على التقاطه وانتشار خبره بين أهل البلد وأن ييئس من ظهور أحد يمكن أن يدعي نسبه، وأن يعلم أهل بلده بمكان انتقاله حتى إذا وجد من يدعي نسبه يمكن الوصول إلى من التقطه، والله أعلم. * * *

стр. 9979

الفرع الثاني الانتقال باللقيط من الحاضرة إلى البادية [م-٢٠٥٠] إذا أراد الملتقط أن يسافر باللقيط من الحاضرة إلى البادية، فقد نص الشافعية والحنابلة على أنه إلى لا يجوز نقله إليها (١). جاء في أسنى المطالب: «لا يجوز نقله ـ يعني اللقيط من قرية أو بلد إلى بادية، وإن قربت، ولا من بلد إلى قرية كذلك؛ لخشونة عيشهما، وفوات العلم بالدين والصنعة فيهما، نعم لو قربتا بحيث يسهل المراد منهما جاز النقل إليهما لانتفاء العلة صرح به في الأصل» (٢). وفي شرح منتهى الإرادات: «ولا يقر بيد من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية; لأن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه، وبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله. فإن الظاهر حيث وجده به أنه ولد فيه» (٣).

стр. 9980

الفصل الرابع في الاشتراك في الالتقاط المبحث الأول أن يكون الملتقطان متساويين في الصفات [م-٢٠٥١] إذا رأى اللقيط اثنان فبادر أحدهما إلى وضع يده عليه قبل الآخر كان هو الأحق؛ لأن استحقاق اللقطة إنما هو بالأخذ دون الرؤية أو القيام عليه. قال في الإنصاف: «الشركة في الالتقاط أن يأخذاه جميعًا، ولا اعتبار بالقيام المجرد عنده؛ لأن الالتقاط حقيقة الأخذ، فلا يوجد بدونه ... » (١). [م-٢٠٥٢] فإن تساويا في وضع اليد، قدم الأصلح لحفظه والقيام عليه، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى صفات التفضيل الذي يترجح فيها أحدهما على الآخر في المبحث التالي. فإن استويا في الصفات كالإسلام والحرية، والعدالة، والغنى، والإقامة وغيرها من صفات التفضيل، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه، وتسليمه إلى الآخر جاز؛ لأن الحق له، وقد أسقطه. [م-٢٠٥٣] وإن تزاحما في أخذه فقد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: يرجع الأمر فيه إلى نظر القاضي واجتهاده، فيدفعه إلى الأصلح في نظره،

стр. 9981

وهذا مذهب الحنفية، واختيار بعض الشافعية (١). قال ابن نجيم: «الملتقط إذا كان متعددا فإن أمكن الترجيح اختص به الراجح، ولم أر حكم ما إذا استويا، وينبغي أن يكون الرأي فيه إلى القاضي» (٢). ° حجة هذا القول: لما كان الملتقط لا ولاية له على اللقيط عند الحنفية، وكان القاضي يعتبر واليًا لمن لا ولي له كان الفصل في هذا عند التساوي إلى القاضي، فيتحرى الأصلح في نظره واجتهاده. القول الثاني: أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة دفع إليه، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). قال الشافعي: «ولو وجده رجلان فتشاحاه أقرعت بينهما، فمن خرج سهمه دفعته إليه» (٤).

стр. 9982

وفي الإقناع في فقه الإمام أحمد: «فإن تساويا وتشاحا أقرع بينهما» (١). ° حجة الجمهور على تحكيم القرعة: الحجة الأولى: لما استوى حقهما في الالتقاط، ولا مرجح لأحدهما، فليس أحدهما بأولى من الآخر، كانت القرعة هي الحكم عند تساوي الحقوق. قال تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. الحجة الثانية: (ح-١٢٤٧) من السنة ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، ولم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة (٢). وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه الحجة الثالثة: أنه لا يمكن أن يخير الصبي بينهما لعدم ميله إلى أحدهما بطبعه كما في تخيير الطفل بين أبويه لوجود الميل الناشئ عن الولادة، ولا يمكن أن يسلم اللقيط إلى غيرهما؛ لأنه قد ثبت لهما حق الالتقاط، فلا يجوز إخراجه عنهما، ولا يتصور قيامهما بحضانته على الاجتماع، ولا يمكن المهايأة بينهما، بأن يجعل عند كل

стр. 9983

واحد يومًا فأكثر لما في ذلك من الإضرار بالطفل، لاختلاف الإلف والأنس فلم يبق إلا القرعة، والله أعلم. ° الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بتحكيم القرعة أقوى من القول بالرجوع إلى القاضي، والله أعلم. * * *

стр. 9984

المبحث الثاني أن يستويا في الأهلية ويتفاضلا في الصفات الفرع الأول إذا تفاضل اللقيطان في الديانة [م-٢٠٥٤] إذا كان كل من الملتقطين أهلًا للكفالة، بحيث لو انفرد أحدهما في الالتقاط لم ينزع منه اللقيط، ولكن يوجد بعض صفات التفضيل عند أحدهما ترجحه على الآخر، فهل يسلم للأصلح منهما لكون ذلك أنفع للقيط؟ هذا ما سنقف عليه من خلال هذا المبحث والمباحث التي تليه، ولما كانت صفات التفاضل كثيرة، اخترت أن أبحث أهمها مما وقع فيه خلاف. [م-٢٠٥٥] فإذا كان اللقيط محكومًا بكفره، واشترك المسلم والذمي في التقاطه، فهل يقدم المسلم على الكافر؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يفضل المسلم على الكافر، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، ورجحه ابن قدامة من الحنابلة، وقال الحارثي: وهو الصحيح بلا تردد (١). جاء في الدر المختار: «لو وجده مسلم وكافر فتنازعا قضي به للمسلم؛ لأنه

стр. 9985

أنفع للقيط خانية» (١). وقال ابن قدامة: «وإن التقط مسلم وكافر طفلًا محكومًا بكفره، فالمسلم أحق» (٢). ° وجه تقديم المسلم على الذمي في حضانة اللقيط: أن تقديم المسلم أنفع للقيط، حيث ينشأ على الإسلام، ويتعلم أحكام الدين، وهذا أهم ما يحصله العبد في حياته، بل هو الغاية التي خلق من أجلها، وهو مولود على الفطرة، فإذا التقطه كافر بدل فطرته التي فطره الله عليها، وهل هناك جرم أكبر من أن يكون المربي سببًا في كفر من تحت يده. القول الثاني: لا يفضل المسلم على الذمي، وبه قال بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية،

стр. 9986

ومذهب الحنابلة (١). قال النووي: «ويتساوى المسلم، والذمي في اللقيط المحكوم بكفره، وقيل: يقدم المسلم» (٢). وجاء في الإقناع: «لو التقط الكافرَ مسلم وكافر فهما سواء، وقيل: المسلم أحق اختاره جمع» (٣). وجاء في المغني: «قال أصحابنا، وأصحاب الشافعي: هما سواء؛ لأن للكافر ولاية على الكافر، ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه، فساوى المسلم في ذلك» (٤). ° وجه القول بأن المسلم والذمي في التقاط الكافر سواء: إذا كان اللقيط كافرًا أصبحت المقارنة بين المسلم والذمي إنما هو في الالتقاط لا في اللقيط، وهما في الالتقاط قد اشتركا، ولا مرجح لأحدهما في الفعل؛ وإنما لم يكن هناك مرجع من جهة اللقيط؛ لأن اللقيط محكوم بكفره، والملتقط الكافر له ولاية عليه، ويقر في يده إذا انفرد، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٨].

стр. 9987

قال ابن عابدين: «ظاهر تعليل الخانية بأنه أنفع للقيط عدم اختصاص الترجيح بالإسلام» (١). ° الراجح: أرى أن مذهب الجمهور هو الصواب قطعًا، لأنهما وإن اشتركا في الالتقاط؛ إلا أن المسلم أنفع للقيط، وإذا كنا نقدم الغني على الموسر، والمقيم على المتنقل، فكيف لا نقدم المسلم على غيره من الكفار!! والله أعلم.

стр. 9988

الفرع الثاني في تقديم العدل على مستور الحال [م-٢٠٥٦] إذا تزاحم اثنان، وكل منهما أهل للالتقاط، إلا أن أحدهما ظاهر العدالة، والآخر مستور الحال، فهل يقدم ظاهر العدالة على المستور، أو يستويان في الالتقاط؟ أما الحنفية الذين لا يرون العدالة شرطًا في صحة الالتقاط فلا يفرقون بين الفاسق والعدل فضلًا عن التفاضل بين العدل ومستور الحال. وأما غيرهم ممن يشترط العدالة في الملتقط فقد اختلفوا في تقديم العدل على المستور على قولين: القول الأول: يقدم العدل على مستور الحال، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). قال النووي: «من ظهرت عدالته بالاختبار، يقدم على المستور على الأصح» (٢). وقال ابن قدامة: «فإن كان أحدهما مستور الحال، والآخر ظاهر العدالة

стр. 9989

احتمل أن يرجح العدل؛ لأن المانع من الالتقاط منتف في حقه بغير شك، والآخر مشكوك فيه» (١). القول الثاني: أن العدل ومستور الحال سواء، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة، وقول في مقابل الأصح في مذهب الشافعية (٢). ° وجه القول بأنهما سواء: الوجه الأول: إذا كان احتمال وجود المانع لا يؤثر في صحة التقاطه عند انفراده، لم يكن احتمال وجود المانع مؤثرًا في الترجيح. الوجه الثاني: أن الرجل ربما كانت حاله مستورة لا بسبب منه، وإنما قصور في من جهة الباحث في عدالته وتقصي حاله، فلا يعاقب بفعل غيره. ° الراجح: أرى أن تقديم مصلحة اللقيط مقدمة على مصلحة الملتقط، فليس اللقيط مالًا يكتسب بالالتقاط يجعل العدل ومستور الحال على درجة سواء في التكسب، وإنما هذه حضانة آدمي تجعلنا ننظر في الأصلح له، ولا شك أن من ظهرت عدالته أفضل من مستور الحال، لهذا وجب تقديمه، والله أعلم. * * *

стр. 9990

الفرع الثالث في تقديم الغني على الفقير [م-٢٠٥٧] لو تزاحم اثنان في أخذه، وكان أحدهما غنيًا، والآخر فقيرًا، فهل يعتبر الغنى مرجحًا لأحدهما على الآخر؟ أما إذا كانا غنيين، وكان أحدهما أكثر غنى لم يكن هناك ما يدعو لترجيح الأكثر غنى، ما دامت صفة الغنى موجودة في كل واحد منهما على الأصح. فإن كان أحدهما غنيًا، والآخر فقيرًا، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يقدم الغني على الفقير، نص عليه ابن عابدين من الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). قال ابن عابدين في حاشيته: «وينبغي أن يرجح ما هو أنفع للقيط نهر، بأن يقدم العدل على الفاسق والغني على الفقير» (٢). وجاء في تحفة المحتاج: «وإن التقطاه معًا، وهما أهل لحفظه، وحفظ ماله

стр. 9991

فالأصح أن يقدم غني ... على فقير؛ لأنه أرفق به غالبًا، وقد يواسيه بماله» (١). وقال النووي: «والصفات المقدمة أربع. إحداها: الغنى، فإذا كان أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا، فقيل: يستويان. والأصح تقديم الغني وعلى هذا لو تفاوتا في الغنى، فهل يقدم أكثرهما مالا؟ وجهان. قلت: الأصح لا يقدم. والله أعلم» (٢). وجاء في الإنصاف: «وإن التقطه اثنان، قدم الموسر منهما على المعسر ... لا أعلم فيه خلافًا» (٣). ° وجه القول بتقديم الغني على الفقير: أنه أرفق باللقيط، وقد يواسيه بماله، ولأن الفقير قد يشغله طلب القوت عن القيام بواجبات الحضانة. قلت: مقتضى التعليل أن الفقير لو كان أنفع للقيط قدم على الغني كما لو كان الغني محرومًا والفقير كريمًا. قال ابن قاسم العبادي في حاشيته: «لو علم شح الغني شحًا مفرطًا قدم الفقير الذي ليس كذلك؛ لأن الحظ حينئذ عند الفقير أكثر» (٤).

стр. 9992

القول الثاني: يستوي الغني والفقير في الالتقاط، وهو قول في مذهب الشافعية (١). ° وجه القول بالاستواء: أن النفقة ليست على الملتقط، وإنما نفقته من ماله إن كان له مال، أو من بيت المال إن لم يكن له مال، وإذا كان كذلك لم يكن للغنى والفقر صفة ترجيح، فهما سواء في الالتقاط. ° الراجح: أرى أن تقديم الغني على الفقير أنفع للقيط إذا استويا في الصفات الأخرى، وكان الغني باذلًا كريمًا. * * *

стр. 9993

الفرع الرابع في تقديم المقيم على المسافر [م-٢٠٥٨] نص الشافعية والحنابلة على تقديم المقيم في البلدة أو القرية على المسافر (١). جاء في تحفة المحتاج: «ويقدم مقيم على ظاعن» (٢). وفي حاشيتي قليوبي وعميرة: «يقدم المقيم مطلقًا على المسافر، والبلدي المقيم على الظاعن» (٣). وجاء في الإنصاف: «وإن التقطه اثنان، قدم الموسر منهما على المعسر، والمقيم على المسافر. لا أعلم فيه خلافًا» (٤).

стр. 9994

الفرع الخامس في تقديم المرأة على الرجل في حضانة اللقيط [م-٢٠٥٩] لم يختلف الفقهاء في تقديم الأم على الأب في حضانة الطفل، إلا أنهم في اللقيط لم يقدموا المرأة باعتبار أن الرجل والمرأة أجنبيان عن اللقيط، ومشتركان في الالتقاط، والرجل إنما يحضنه بأجنبية فاستويا. قال العمراني في البيان: «قال الشافعي في الأم: (ولا فرق بين أن يكونا رجلين أو امرأتين، أو رجلا وامرأة؛ لأنهما من أهل الحضانة والتربية). فإن قيل: أليس لو افترق الزوجان، ولهما ولد له دون سبع سنين، فإن الأم أولى بحضانة الولد، فهلا قلتم: إن المرأة ها هنا أولى بالحضانة؟ قلنا: الفرق بينهما: أن الولد هناك خلق من ماء الزوجين، وللأم مزية بحمله ورضاعه، وشفقتها عليه أكثر، فلذلك قدمت على الأب. وها هنا إنما ثبت لهما الحق بالالتقاط، وهما متساويان فيه، فلم يقدم أحدهما على الآخر، ولأنا إذا جعلنا الحضانة للأم فإن حق الأب لا ينقطع منه؛ لأن التأديب والتعليم إليه، وذلك جمع بين الحقين، وليس كذلك ها هنا، فإنا إذا جعلنا الحضانة للمرأة انقطع حق الرجل عنه» (١). وقال الماوردي: «ولو التقطه رجل وامرأة كانا في كفالته سواء، فيقترعان، ولا تقدم المرأة كتقديم الأم على الأب في الحضانة؛ لأن في الالتقاط ولاية إن

стр. 9995

لم يكن الرجل أحق لها لم يكن أنقص حضانة الأبوين» (١). واستثنى الأذرعي من الشافعية تقديم المرضعة على الرجل في لقيط رضيع (٢). وقال ابن قدامة: «الرجل والمرأة في هذا سواء؛ لأن المرأة أجنبية، والرجل يحضنه بأجنبية، فهما سواء» (٣). * * *

стр. 9996

الفصل الخامس في التنازع على الالتقاط [م-٢٠٦٠] الالتقاط إما أن ينفرد أحد به، فيكون أحق من غيره، وهذا واضح، لا نقاش فيه. وإما أن يشتركا فيه، بحيث يضع كل واحد منهما يده عليه في وقت واحد على سبيل الاشتراك، ولا يدعي أحد منهما انفراده بالالتقاط. وهذا قد سبق بحثه على وجه التفصيل في مبحث سابق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وإما أن يتنازعا فيه بحيث يدعي كل واحد منهما سبقه إلى الالتقاط، وأنه الأحق به دون غيره، وهذا هو ما نريد أن نتكلم فيه في المباحث التالية. وكما قلنا في الاشتراك، لا يقع التنازع على اللقيط قبل أخذه حقيقة، لأنه لا حق للمتنازعين فيه قبل أخذه، لعدم التقاطهما له، ولا اعتبار بالسبق بالرؤية، ولا بالقيام المجرد عنده؛ لأن الالتقاط حقيقة الأخذ، فلا يوجد بدونه ... (١). والحكم في هذه الحالة يكون للقاضي فهو ولي من لا ولي له، وقد بينا ذلك عند الكلام على الاشتراك في اللقيط. أما إذا ادعى كل واحد منهما أنه قد سبق غيره بوضع يده على اللقيط، فهذا يدخل في التنازع على الالتقاط، وهو على أقسام: إما أن يكون هذا التنازع خلوًا من البينة، أو تكون البينة لأحدهما، أو تقوم

стр. 9997

البينة لكل واحد منهما، لا يتصور قسمة رابعة. وسوف نفصل الكلام إن شاء الله تعالى على كل قسم من هذه الأقسام في المباحث التالية، أسأل الله وحده العون والتوفيق. * * *

стр. 9998

المبحث الأول في التنازع على الالتقاط ولا بينة لأحدهما الفرع الأول أن يكون اللقيط في يد أحدهما [م-٢٠٦١] إذا تنازع رجلان على اللقيط، وكان اللقيط في يد أحدهما، ولم يكن لأحدهما بينة، فإن القول لصاحب اليد (١). ° وجه القول بذلك: الوجه الأول: أن حق الحضانة يثبت بالالتقاط، واليد دلالة عليه. الوجه الثاني: أن اليد تفيد الملك، فأولى أن تفيد الاختصاص. إلا أنهم اختلفوا: هل القول لصاحب اليد مع يمينه، أو يقبل قوله بلا يمين؟ على قولين:

стр. 9999

القول الأول: أنه يقضى له بيمينه، وهو مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١). قال العمراني الشافعي: «إذا تداعى رجلان من أهل الحضانة لقيطًا فقال كل واحد منهما: أنا التقطته، فلي حق حضانته، فإن لم يكن لأحدهما عليه يد فإن الحاكم يأخذه ويقره في يد من يرى منهما، أو من غيرهما؛ لأنه لا يد لأحدهما عليه. وإن كان في يد أحدهما كان صاحب اليد أحق به؛ لأن له يدًا تدل على الالتقاط. فإن قال الآخر: أنا التقطته أولا، وإنما غصبه الآخر مني فالقول قول صاحب اليد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الغصب» (٢). ° وجه من قال: القول قول صاحب اليد بيمينه: أن من كان اللقيط بيده كان مدعى عليه، فيطالب المدعي بالبينة، فإن لم يكن بينة لم يكن له إلا يمين المدعى عليه (ح-١٢٤٨) لما رواه مسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٣).

стр. 10000

القول الثاني: يقضى لصاحب اليد بلا يمين، وهو وجه في مذهب الحنابلة. قال ابن قدامة: «فإن اختلفا في الملتقط، وهو في يد أحدهما، فالقول قوله، وهل يستحلف؟ فيه وجهان» (١). وفي المغني: «فإن اختلفا فقال كل واحد منهما أنا التقطته، ولا بينة لأحدهما وكان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه ... وقال القاضي: قياس المذهب أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح» (٢). ° الراجح: أرى أن من قال: إن القول لصاحب اليد مع يمينه أرجح وأقوى من القول الآخر، والله أعلم. * * *

стр. 10001

الفرع الثاني أن يكون اللقيط في يديهما معا [م-٢٠٦٢] إذا تنازع الرجلان على اللقيط، ولم يكن لأحدهما بينة، وقد وضعا يديهما على اللقيط معًا، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة دفع إليه، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، إلا أن الشافعية قالوا: يقرع بينهما بعد أن يتحالفا أو ينكلا معًا، وإن حلف أحدهما خص به. وفي مذهب الحنابلة وجهان باستحلافه، الصحيح من المذهب: أن من خرجت له القرعة سلم إليه مع يمينه. واختار الشيخ أبو حامد وابن الصباغ من الشافعية والقاضي من الحنابلة الإقراع بينهما بلا تحالف (١). قال الشيرازي في المهذب: «وإن كان في يدهما تحالفا، أو نكلا صار كالملتقطين يقرع بينهما على المذهب» (٢). و جاء في الإنصاف: «فإن كان في أيديهما أقرع بينهما، فمن قرع سلم إليه مع يمينه على الصحيح من المذهب. قاله في المغني، والشرح، وقالا: وعلى قول

стр. 10002

القاضي لا تشرع اليمين هنا، ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له، وأطلقهما في الكافي» (١). وجه قول الشافعية بأن القرعة بعد أن يحلفا أو ينكلا: أن كل واحد منهما يدعي أنه هو الملتقط أولا، وأن الآخر أدخل يده معه، فتحالفا كالمختلفين في الملك (٢). ° وجه قول الحنابلة بأن اليمين على من خرجت له القرعة: أن اليمين تكون في جانب من كان القول قوله، وقد جعلت القرعة القول لأحدهما، فكانت اليمين في حقه خاصة. القول الثاني: ذهب بعض الشافعية إلى أن الحكم للقاضي يقره في يده من يرى أنه أنفع وأحظ للقيط (٣). ° وجه هذا القول: أنهما لما تساويا تساقطا، فرجع الأمر إلى القاضي؛ لأنه ولي من لا ولي له. والأول أرجح، والله أعلم. * * *

стр. 10003

الفرع الثالث ألا يكون اللقيط في يد واحد منهما [م-٢٠٦٣] إذا تنازع الرجلان على اللقيط، وكل واحد يدعي أنه التقطه قبل الآخر، ولم يكن لأحدهما بينة، ولم يكن اللقيط في يد واحد منهما فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على النحو التالي: القول الأول: إن وصف أحدهما علامة مستورة في جسده، قدم بذلك، وحكم له، فإن استويا في الوصف أو في عدمه أقرع بينهما، وهذا مذهب الحنابلة. ويمكن تخريجه على قول الحنفية فيما لو ادعى نسبه اثنان فذكر أحدهما علامة في جسده فإنه يقضي له بذلك (١). جاء في الهداية: «وإن ادعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به؛ لأن الظاهر شاهد له لموافقة العلامة» (٢). وجاء في كشاف القناع: «وإن لم يكن لهما يد فوصفه أحدهما بعلامة مستورة في جسده، بأن يقول: بظهره أو بطنه أو كتفه أو فخذه شامة أو أثر جرح أو نار، ونحوه فكشف، ووجد كما ذكر قدم على من لم يصفه به؛ لأن

стр. 10004

هذا نوع من اللقطة فقدم بوصفها كلقطة المال؛ ولأنه يدل على سبق يده عليه فإن وصفاه جميعا بما تقدم أقرع بينهما؛ لانتفاء المرجح لأحدهما على الآخر» (١). ° وجه القول بتقديم صاحب العلامة: الوجه الأول: القياس على لقطة المال، فإن اللقيط نوع من اللقطة، وإذا كان النبي ﵇ قد قضى في اللقطة لمن عرف وعاءها وعفاصها، فهذا مثله، وقد قدمنا في باب اللقطة الخلاف في دفعها بالعلامة دون البينة، وذكرنا أدلتهم هناك، فأغنى عن إعادتها هنا، والله أعلم. الوجه الثاني: أن وصف العلامة المستورة دليل على سبق يده عليه، والله أعلم. القول الثاني: اختار بعض الحنابلة إلى عدم الترجيح بالوصف. ° وجه هذا القول: القياس على ما إذا ادعيا عينًا، ووصف أحدهما فيها علامات خفية (٢). ونوقش هذا: بأن قياس اللقيط على اللقطة أولى من قياس اللقيط على غيره من الأعيان،

стр. 10005

على أن مدعي العين إذا وصفها وصفًا مطابقًا، وأخفق الآخر في وصفها كان ذلك قرينة على صدق الوصف، والله أعلم. القول الثالث: إن تنازعاه، ولم يكن في يد واحد منهما فهو كما لو وجداه معًا، وتشاحا في حفظه، فيجعله الحاكم عند من يراه منهما، أو من غيرهما، وهذا مذهب الشافعية (١). ° وجه هذا القول: أن الالتقاط لا يثبت إلا بالأخذ باليد، وإذا لم يكن اللقيط في يد واحد منهما لم يثبت الالتقاط لواحد منهما، فيضعه القاضي حيث يراه أنفع وأحظ للقيط، والله أعلم. ° الراجح: أن القضاء بالعلامات تدل على صدق دعوى أن اللقيط كان في يده قبل أن ينزع منه، والله أعلم. * * *

стр. 10006

المبحث الثاني إذا تنازعا في الالتقاط مع قيام البينة [م-٢٠٦٤] إذا تنازع رجلان على اللقيط، وكان النزاع مع وجود البينة فإن النزاع لا يخلو إما أن تكون البينة لأحدهما، أو لكليهما. فإن كانت البينة لأحدهما قدم صاحب البينة على غيره، بصرف النظر هل يده على اللقيط أو يد غيره عليه، لأن البينة أقوى من اليد ومن الدعوى (١). جاء في المهذب: «فإن كان لأحدهما بينة قضى له؛ لأن البينة أقوى من اليد والدعوى» (٢). وفي المبدع: «وإن اختلفا في الملتقط قدم منهما من له بينة؛ لأنها أقوى» (٣). وإن كان لكل واحد منهما بينة، فهذه لها صورتان: الصورة الأولى: أن تكون إحدى البينتين أقدم تاريخًا، ففي هذه الحالة يقدم الأسبق تاريخًا، حتى ولو لم تكن يده على اللقيط؛ لأن سبق تاريخ البينة دليل على ثبوت سبق الالتقاط. قال الإسنوي في التمهيد في تخريج الفروع على الأصول: «إذا كانت إحداهما متقدمة التاريخ فإنها تقدم» (٤).

стр. 10007

وجاء في المهذب: «فإن كانت بينة أحدهما أقدم تاريخاً قضى له لأنه قد ثبت له السبق إلى الالتقاط» (١). وفي المبدع: «فإن كان لكل منهما بينة قدم أسبقهما تاريخيًا» (٢). الصورة الثانية: أن يستوي تاريخ البينتين، أو تكون كل واحدة منهما مطلقة، أو أرخت إحدى البينتين وأطلقت الأخرى، فهنا البينتان متعارضتان: [م-٢٠٦٥] وقد اختلف العلماء في الحكم إذا تعارضت البينتان على قولين: القول الأول: أنهما يسقطان لتعارضهما، فيصير الحكم كمن لا بينة لهما، وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية والحنابلة. وقد تقدم الحكم إذا لم يكن لهما بينة. قال الإسنوي في تخريج الفروع على الأصول: «إذا تنازع رجلان في طفل، فقال كل منهما: أنا التقطته دون ذاك، وهو في يدهما أو لا يد لأحدهما عليه، وأقاما بينتين مطلقتين، أو مقيدتين بوقت واحد، أو إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة فقد تعارضت البينتان وتساقطتا وحينئذ فيجعله الحاكم عند من يرى منهما أو من غيرهما» (٣). القول الثاني: أنهما يستعملان، وإذا استعملت البينتان، فيرى الحنابلة: أنه يقرع بينها.

стр. 10008

وذهب الشافعية إلى أن الأقوال ثلاثة: القسمة، والثاني: القرعة، والثالث: الوقف، وهذا الحكم في عموم التنازع، وأما في اللقيط فلا يبقى إلا القرعة لتعذر القسمة، والتضرر في التوقف. جاء في المهذب: «وإن لم تكن بينة أحدهما أقدم تاريخاً فقد تعارضت البينتان، ففي أحد القولين تسقطان فيصيران كما لو لم تكن بينة، وقد بيناه وفي القول الثاني تستعملان وفي الاستعمال ثلاثة أقوال: أحدها: القسمة. والثاني: القرعة. والثالث: الوقف، ولا يجيء هاهنا إلا القرعة؛ لأنه لا يمكن اللقيط بينهما، ولا يمكن الوقف؛ لأن فيه إضرارًا باللقيط، فوجبت القرعة» (١). * * *

стр. 10009

الفصل السادس في إشهاد الملتقط على الالتقاط [م-٢٠٦٦] سبق لنا أن تكلمنا في أحكام اللقطة عن حكم الإشهاد عليها، واللقيط قسم من اللقطة ولذلك كانا متقاربين لفظًا ومعنى، إلا أن اللقيط خص بابن آدم، واللقطة لغيره للتمييز بينهما. قال ابن رشد: «والخلاف فيه مبني على الاختلاف في الإشهاد على اللقطة» (١). وقال الغزالي: «وفي وجوب الإشهاد عليه خلاف مرتب على الإشهاد على اللقطة» (٢). والفرق بينهما: أن لقطة المال يجب تعريفها من أجل تملكها بخلاف لقطة الآدمي، فلا يجب تعريفها؛ لأنها لا تملك. كما أن الغرض من الإشهاد في لقطة المال حفظ حق المالك فيها خوفًا من التعدي عليها، وأما الغرض من الإشهاد على اللقيط فإنما هو لحفظ نسبه وحريته. إذا علم ذلك نقول: اختلف العلماء في الإشهاد على اللقيط على قولين:

стр. 10010

القول الأول: أن ا لإشهاد مستحب، وليس بواجب. وهو قول في مذهب الشافعية في مقابل الأصح، والصحيح في مذهب الحنابلة (١). وأما الحنفية فقد نصوا على وجوب الإشهاد على اللقطة، ولم يذكروا الإشهاد على اللقيط (٢). جاء في الإنصاف: «يستحب للملتقط الإشهاد عليه وعلى ما معه على الصحيح من المذهب» (٣). ° دليل من قال: يستحب الإشهاد: الدليل الأول: لا يوجد دليل من كتاب أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب لا مخالف له يوجب الإشهاد على الالتقاط، وإذا لم يوجد الدليل المقتضي للإيجاب فالأصل براءة الذمة.

стр. 10011

الدليل الثاني: إذا لم يجب الإشهاد على اللقطة لم يجب الإشهاد على اللقيط، وقد تقدم قول الغزالي وابن رشد بأن الخلاف في وجوب الإشهاد على الالتقاط مرتب على الإشهاد على اللقطة (١). وإذا كان ذلك كذلك فقد ذكرنا أدلة الجمهور في أن اللقطة لا يجب الإشهاد عليها في أحكام اللقطة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. ونوقش هذا: بأن هناك فارقًا بين اللقيط واللقطة؛ ذلك أن القصد من الإشهاد في اللقطة حفظ المال فلم يجب كالبيع، بخلاف الإشهاد على اللقيط فإن الإشهاد عليه من أجل حفظ حريته عن الاسترقاق وحفظ نسبه، والشارع يحتاط للأنساب ما لا يحتاط لغيرها، ولهذا أوجب الله في النكاح الشهادة والصداق والولي دون عقد البيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أخذ اللقطة يقضي بوجوب تعريفها، وفي ذلك إشهار لها، وهو أبلغ من الإشهاد عليها، أما اللقيط فلا يجب تعريفه لهذا وجب الإشهاد عليه ليقوم مقام التعريف، والله أعلم. القول الثاني: يجب الإشهاد على اللقيط؛ اختاره بعض المالكية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 10012

قال ابن شاس المالكي: «من أخذ لقيطًا فليشهد عليه خوف الاسترقاق» (١). قال في منح الجليل: «وظاهره وجوب الإشهاد، واستظهره ابن عبد السلام» (٢). وانتقده ابن عرفة حيث قال: لم أعرفه نصًا إلا للغزالي (٣). وقال النووي: «ومن أخذ لقيطًا لزمه الإشهاد عليه على المذهب لئلا يضيع نسبه. وقيل: في وجوبه قولان أو وجهان كاللقطة ... وإذا أشهد، فليشهد على اللقيط وما معه، نص عليه» (٤). وفي تحفة المحتاج: «ويجب الإشهاد عليه: أي الالتقاط، وإن كان الملتقط مشهور العدالة في الأصح» (٥). ° دليل من قال: يجب الإشهاد: الدليل الأول: (ح-١٢٤٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﵇: من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل،

стр. 10013

وليحفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء (١). [صحيح، وسبق تخريجه]. وجه الاستدلال: إذا وجب الإشهاد على اللقيطة وجب الإشهاد على اللقيط من باب أولى. الدليل الثاني: أن المقصود من الإشهاد على اللقيط حفظ النسب والحرية، فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح، وفارق اللقطة؛ لأن القصد بالإشهاد حفظ المال فلم يجب الإشهاد فيها كالبيع. القول الثالث: ينبغي الإشهاد إلا أن يخاف من نفسه خيانة كأن يدعيه، أو يسترقه فيجب الإشهاد إذا تحقق أو غلب على ظنه وقوع ذلك منه، وهذا مذهب المالكية (٢). وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول باستحباب الإشهاد؛ لأن وجوبه إذا علم من نفسه الخيانة أو غلب على ظنه لا من أجل الإشهاد، ولكن دفعًا للاعتداء، وسدًا لطرق الحرام؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 10014

القول الرابع: أن الملتقط إن كان ظاهر العدالة لم يلزمه الإشهاد، وإن كان مستورها لزمه، وهذا قول في مذهب الشافعية (١). ° وجه هذا القول: من كان ظاهر العدالة فإنه أمين، والأمين لا يلزمه الإشهاد، ومن كان مستورها فإنه لا تعلم أمانته، لهذا وجب منه الإشهاد احتياطًا للقيط ولماله، والله أعلم. ° الراجح: أن الإشهاد مستحب، والخوف من الاسترقاق ليس قائمًا في مثل عصرنا، والله أعلم. * * *

стр. 10015

الباب الثالث في أحكام اللقيط الفصل الأول في التقاط المميز [م-٢٠٦٧] لم يختلف الفقهاء على أن من كان دون سن التمييز تجري عليه أحكام اللقيط، وذلك لعجزه عن القيام بمصالحه. [م-٢٠٦٨] واختلفوا في الطفل إذا بلغ سن التمييز هل تجري عليه أحكام الالتقاط؟ على قولين: القول الأول: أن المميز تجري عليه أحكام اللقيط، وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وعليه أكثر الحنابلة (١). قال في بداية المجتهد: «واللقيط: هو الصبي الصغير غير البالغ» (٢). وفي تحفة المحتاج: «الأصح أن المميز، والبالغ المجنون يلتقطان؛ لاحتياجهما إلى التعهد» (٣).
следующие страницы →