قال ابن رشد: «ومما يعتبر به في دفع اللقطة إلى صاحبها بالصفة قول الله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). [يوسف: ٢٦، ٢٧].
وجه الاستدلال:
حيث جعل صفة الخرق في القميص دليلًا على الإدانة والبراءة، ولم يتوقف ذلك على البينة، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم.
(ح-١٢٥٠) ولما رواه البخاري في قصة المتلاعنين، وفيه: قال رسول الله ﵇: انظروا فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الأليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﵇ من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه (٢).
(ح-١٢٥١) وفي البخاري أيضًا في قصة تلاعن هلال بن أمية في قذفه لامرأته، قال النبي ﵇: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﵇: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن (٣).
فهذه الأدلة كلها دليل على العمل بالأمارات، ومنها الأخذ بالعلامة والوصف.
* * *
стр. 10047
المسألة الثالثة
الترجيح بوضع اليد
[م-٢٠٧٦] إذا ادعى نسب اللقيط رجلان، وكانا متساويين في وجود البينة أو عدمها، وكان أحدهما هو الملتقط، واللقيط في يده، فهل يقدم صاحب اليد على غيره؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
تقديم الملتقط على غيره في دعوى النسب، قال به الحنفية استحسانًا، وإن كان القياس ألا يقبل قول الملتقط في دعوى النسب (١).
° وجه القول بتقديم صاحب اليد:
أنهما تساويا في عدم البينة أو في وجودها، فيرجح صاحب اليد لقوة يده، وهذا من قبيل الاستحسان.
وإن كان القياس ألا يقبل كلام الملتقط؛ لأنه لما زعم أنه لقيط كان نافيًا نسبه؛ لأن ابنه لا يمكن أن يكون لقيطًا في يده، ثم لما ادعى أنه ابنه كان متناقضًا، والتناقض في الدعوى يبطلها، إلا أننا قدمنا الاستحسان على القياس باعتبار أن سبب النسب خفي، فربما اشتبه عليه الأمر في الابتداء فظن أنه لقيط، ثم تبين له أنه ولده.
стр. 10048
القول الثاني:
لا يقدم الملتقط على غيره؛ لأنهما متساويان في الدعوى، وهذا مذهب الشافعية (١).
قال النووي في الروضة: «ادعى نسب اللقيط اثنان، ففيه صور: ...
الثالثة: اختص أحدهما بيد، نظر، فإن كان صاحب اليد هو الملتقط لم يقدم؛ لأن اليد لا تدل على النسب» (٢).
° وجه قول الشافعية:
أن التنازع لو كان في الحضانة أو في الملك دلت اليد على الترجيح، وأما التنازع في النسب فلا يدل وضع اليد على ثبوت النسب.
القول الثالث:
إذا ادعاه رجلان، وكان اللقيط في يد أحدهما، فإن أقام أحدهما بينة قدم ذو البينة، وإن أقاما بينتين قدمت بينة الخارج على الداخل، والداخل هو من كان اللقيط في يده قياسًا على المال.
لأن الخارج هو المدعي، ومن في يده اللقيط هو المدعى عليه، ولا ينظر إلى حجة المدعى عليه إذا أقام المدعي بينة على دعواه.
فإن تساويا بالبينة، وكان اللقيط في أيديهما، أو تساويا في عدمها عرض
стр. 10049
اللقيط على القافة، فأيهم حكمت له ألحق به، هذا مذهب الحنابلة (١).
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 10050
المسألة الرابعة
ترجيح السابق على غيره في دعوى النسب
[م-٢٠٧٧] إذا ادعى نسب اللقيط رجلان، وكان أحدهما قد سبق الآخر في دعوى نسب اللقيط، فهل يقدم على المتأخر؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يقدم السابق على المتأخر، سواء كانا ملتقطين، أو كان أحدهما ملتقطًا. وهذا مذهب الحنفية (١).
° وجه قول الحنفية:
إذا ادعى الرجل منفردًا نسب اللقيط لحقه، وثبت له ذلك، فإذا جاء أحد بعد ذلك يدعي نسبه لم يزاحمه؛ لأنه الحق ثبت للمتقدم في زمن لا منازع له فيه، فيكون أحق به إلا أن يقدم المتأخر بينة، فالحكم للبينة.
القول الثاني:
ذهب الشافعية إلى أنه إنما يقدم السابق إن استلحقه، وحكم له به قبل الآخر، وكان اللقيط في يده، ويده لم تكن بسبب التقاط؛ لأن يد الالتقاط لا يثبت بها
стр. 10051
النسب، فإذا اجتمع ذلك فإنه يقدم لاعتضاده باليد، فتكون مرجحة لدعواه (١).
قال النووي: «وإن كان صاحب اليد غير الملتقط، فإن كان استلحقه وحكم له بالنسب، ثم جاء آخر وادعى نسبه لم يتلفت إليه» (٢).
وهذا أقرب الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 10052
الفرع الثاني
إذا ادعاه رجلان ولم يكن هناك مرجح
[م-٢٠٧٨] بحثنا في المباحث السابقة ما إذا تنازع اللقيط رجلان، وكان لأحدهما مرجح من يد، أو علامة، أو سبق، وذكرنا خلاف العلماء في هذه المسائل، فإذا لم يكن لأحدهما مرجح، بأن استويا بوجود البينة، أو بعدمها إلى غير ذلك من علامات الترجيح السابقة، فقد اختلف الفقهاء في كيفية إلحاق اللقيط على قولين:
القول الأول:
يلحق اللقيط بهما جميعًا، وهذا مذهب الحنفية (١).
° وجه قول الحنفية:
إذا ادعاه اثنان، ولم يوجد مرجح، فقد استويا في الدعوى، فيثبت النسب لهما جميعًا؛ لأن كل واحد منهما قد اعترف بما فيه منفعة للقيط، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيلحق اللقيط بهما جميعًا.
стр. 10053
القول الثاني:
إذا تساوى المتداعيان في نسب اللقيط عرض اللقيط على القافة، فمن حكمت له القافة حكم له، وألحق به نسبه، فإن أشكل على القافة أو نفته عنهما أو لم يوجد قائف فيوقف الأمر إلى بلوغ الطفل، ثم يؤمر بالانتساب إلى أحدهما حسب ميله الجبلي، لا بالتشهي، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١).
قال النووي: «تساويا ولا بينة، عرض الولد على القائف، فبأيهما ألحقه لحق. فإن لم يوجد قائف، أو تحير، أو ألحقه بهما، أو نفاه عنهما، ترك حتى يبلغ، فإذا بلغ، أمر بالانتساب إلى أحدهما، ولا ينسب بالتشهي، بل يعول فيه على ميل الطبع الذي يجده الولد إلى الوالد، والقريب إلى القريب بحكم الجبلة. وقيل: لا يشترط البلوغ، بل يخير إذا بلغ سن التمييز كالتخيير بين الأبوين في الحضانة. والصحيح اشتراطه» (٢).
وقال ابن قدامة: «إذا لم تكن به بينة، أو تعارضت به بينتان، وسقطتا، فإنا نريه القافة معهما، أو مع عصبتهما عند فقدهما، فنلحقه بمن ألحقته به منهما .... وقال أصحاب الرأي: لا حكم للقافة، ويلحق بالمدعيين جميعًا» (٣).
° دليل الرجوع إلى القافة:
(ح-١٢٥٢) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة،
عن
стр. 10054
عائشة، ﵂، قالت: إن رسول الله ﵇ دخل علي مسرورًا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززًا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض (١).
* * *
стр. 10055
الفصل الرابع
في تملك اللقيط للمال الموجود معه
المبحث الأول
في ملكيته للمال الموصول به
[م-٢٠٧٩] سبق لنا أن اللقيط حر، وهذا يعني أنه يتمتع بأهلية التملك، فإذا وجد معه مال متصل به أو مشدود عليه، من دراهم وغيرها، كذهب، وحلي، وثياب ملفوفة عليه، ومفروشة تحته، ودابة مشدودة في وسطه، أو كان اللقيط على دابة، فإن اللقيط يملكه بحكم اليد، فهو كما لو وجد في يد بالغ؛ وذلك لأن الطفل يملك، بدليل أنه يرث، ويورث، ويصح أن يشتري له وليه، ويبيع، ومن له ملك صحيح فله يد صحيحه كالبالغ، ولأن الظاهر أن الذي نبذه أراد أن يرغب في أخذه لينفق عليه من هذا المال، وهذا كله لا خلاف فيه بين أهل العلم (١).
جاء في فتح القدير: «وإذا وجد مع اللقيط مال مشدود عليه أو دابة هو مشدود
стр. 10056
عليها فالكل له بلا خلاف اعتبارًا للظاهر» (١).
وفي منح الجليل: «إن وجد على فراش، أو ثوب أو دابة أو معه مال مشدود فهو له. ابن شاس وأما المال المدفون في الأرض تحته فليس هو له إلا أن توجد معه رقعة مكتوبة بأنه له فيكون له حينئذ» (٢).
وقال النووي: «ومن الأموال التي يستحقها ما يوجد تحت يده واختصاصه، فإن للصغير يدًا واختصاصًا كالبالغ، والأصل الحرية ما لم يعرف غيرها، وذلك كثيابه التي هو لابسها، والمفروشة تحته، والملفوفة عليه، وما غطي به من لحاف وغيره، وما شد عليه، وعلى ثوبه، أو جعل في جيبه من حلي، ودراهم، وغيرها، وكذا الدابة التي عنانها بيده، أو هي مشدودة في وسطه، أو ثيابه، والمهد الذي هو فيه، وكذا الدنانير المنثورة فوقه والمصبوبة تحته وتحت فراشه» (٣).
وقال إمام الحرمين: «ما تحقق اتصاله به على ما يعتاد في مثله، فهو تحت يده» (٤).
وفي الإنصاف: «وما وجد معه من فراش تحته، أو ثياب، أو مال في جيبه، أو تحت فراشه، أو حيوان مشدود ببابه: فهو له وهذا بلا نزاع» (٥).
* * *
стр. 10057
المبحث الثاني
في ملكية اللقيط للمال المنفصل عنه
[م-٢٠٨٠] إذا كان المال المنفصل عن اللقيط بعيدًا عن اللقيط، فإن كان حيوانًا فهو في حكم الضالة، وإن كان غير حيوان فهو لقطة، ولا يحكم بهذا المال للقيط. والمرجع في تحديد البعد والقرب إلى العرف. وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
وإن كان قريبًا عرفًا، فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
لا يملكه اللقيط، وهذا مذهب الحنفية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
قال ابن نجيم: «لو كان المال موضوع بقربه لم يحكموا له به، ويكون لقطة» (٢).
وقال النووي في الروضة: «ولو كان بقربه ثياب وأمتعة موضوعة، أو دابة، فوجهان، أصحهما: لا تجعل له كما لو كانت بعيدة» (٣).
стр. 10058
° وجه هذا القول:
أن الملك في مال اللقيط تبع لليد، وهذا لم تثبت يد اللقيط عليه، حيث لم يتصل به.
القول الثاني:
أنه ملك للقيط، وهو المذهب عند الحنابلة، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية (١).
قال ابن قدامة: «وإن كان قريبًا منه، كثوب موضوع إلى جانبه، ففيه وجهان،
أحدهما: ليس هو له؛ لأنه منفصل عنه، فهو كالبعيد.
والثاني: هو له. وهو أصح؛ لأن الظاهر أنه ترك له، فهو له بمنزلة ما هو تحته، ولأن القريب من البالغ يكون في يده، ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه، ويحكم بأنه في يده، والحمال إذا جلس للاستراحة، ترك حمله قريبًا منه» (٢).
° الراجح:
أن ما قرب يعطى حكم ما اتصل إلا أن يدعي أحد أنه له.
стр. 10059
المبحث الثالث
في ملكيته للمال المدفون تحته
[م-٢٠٨١] إذا وجد تحت اللقيط مال تحته مدفون معه، فهل يحكم له به؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن هذا المال ليس له، وبه قال الحنفية، والشافعية، ووجه عند الحنابلة (١).
قال النووي: «والمال المدفون تحت اللقيط لا يجعل له، لأنه لا يقصد بالدفن الضم إلى الطفل، بخلاف ما يلف عليه ويوضع بقربه» (٢).
° وجه هذا القول:
دفن المال تحت الأرض إخفاء له، ولو كان للقيط لما دفن تحت الأرض؛ لأن دفنه سبب في ضياعه فكان هذا قرينة على أن المال ليس للقيط.
القول الثاني:
إن وجد مع اللقيط ورقة بالمال المدفون تحته، فهو له، وإلا فلا، وهذا
стр. 10060
مذهب المالكية، واختاره الغزالي من الشافعية (١).
جاء في شرح الخرشي: «وجدنا تحته مالًا مدفونًا، ومعه رقعة مكتوب فيها: إن المال للطفل، فإن لم تكن معه رقعة فإن المال لا يكون له» (٢).
° وجه هذا القول:
أن إخفاء المال بالدفن ظاهر في أن المال لا علاقة له باللقيط، وإلا لما أخفاه بالدفن، فإذا وجد معه مكتوب بأن تحت اللقيط مال مدفون، وأن المال للقيط، فوجدنا المال كما هو مذكور في الكتاب لم نشك أن واضع هذا المال هو الذي نبذ الطفل، وأنه أراد بدفن المال حتى لا يضيع المال، أو تذهب به الريح، ونحو ذلك.
القول الثالث:
إن كان الحفر طريًا، كان المال له، وإن كان قديمًا لم يكن له، وهذا مذهب الحنابلة (٣).
° وجه هذا القول:
أن الحفر إذا كان طريًا فإن الظاهر أن واضع اللقيط هو الذي وضع المال، بخلاف الحفر إذا كان قديمًا فإنه قرينة على أنه لا علاقة باللقيط بهذا المال.
стр. 10061
° الراجح:
أرى أن مذهب المالكية أقوى الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 10062
الفصل الخامس
في النفقة على اللقيط
المبحث الأول
في الجهة ا لتي تجب عليها نفقة اللقيط
[م-٢٠٨٢] نص الفقهاء على أن نفقة اللقيط تكون في ماله إن وجد معه مال، أو وهب له، أو كان مستحقا في مال عام كالأموال الموقوفة على اللقطاء أو الموصى بها لهم على خلاف بين الفقهاء هل يتولى الملتقط الإنفاق بنفسه مع القدرة على مراجعة الحاكم، أو لابد من مراجعة الحاكم في النفقة، لأنه ليس له ولاية على اللقيط، والخلاف فيها كالخلاف في الإنفاق على اللقطة، وقد تقدم (١).
° وجه وجوب النفقة عليه في ماله:
إنما وجبت عليه النفقة في ماله إذا كان له مال قياساً على نفقة الطفل إذا كان له مال، فإنها تجب في ماله دون مال أبيه، فهذا أولى.
[م-٢٠٨٣] وإذا لم يكن له مال عام ولا خاص، فلا تجب النفقة على الملتقط، وحكي الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر:
стр. 10063
«أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة ولد إن كان له» (١).
ولأن أسباب وجوب النفقة من القرابة، والزوجية والملك، والولاء، منتفية، والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك، وتبرع بحفظه، فلا يوجب ذلك النفقة.
[م-٢٠٨٤] وقد اختلف العلماء في الجهة التي يجب أن تنفق على اللقيط على قولين:
القول الأول:
أنه ينفق عليه من بيت المال، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية في أظهر القولين، والحنابلة (٢).
قال بعض الشافعية: ولو كان محكومًا بكفره (٣).
جاء في مغني المحتاج: «فإن لم يعرف له أي اللقيط مال عام ولا خاص فالأظهر أنه ينفق عليه من بيت المال من سهم المصالح بلا رجوع كما صرح به
стр. 10064
في الروضة» (١).
وفي الإنصاف: «وينفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه بلا نزاع» (٢).
° دليل من قال: نفقته من بيت المال:
الدليل الأول:
(ث-٣١٦) ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب،
عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم، أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: «اذهب فهو حر، ولك ولاؤه وعلينا نفقته (٣).
[صحيح، وسنين أبو جميلة معدود في الصحابة].
الدليل الثاني:
أن البالغ المعسر تجب نفقته من بيت المال فهذا أولى، لأنه لا مال له، ولا قرابة، وهو آدمي له حرمة يخشى هلاكه، فوجب على السلطان القيام بحفظه.
стр. 10065
الدليل الثالث:
أن ميراث اللقيط لبيت المال على الصحيح، فتكون نفقته عليه؛ لأن الغنم بالغرم، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
الدليل الرابع:
أن بيت المال معد لحوائج المسلمين، واللقيط أشدهم حاجة.
القول الثاني:
ذهب الشافعية في أحد القولين إلى أنه لا يجب أن ينفق على اللقيط من بيت المال؛ لأن مال بيت المال لا يصرف إلا فيما لا وجه له غيره، واللقيط يجوز أن يكون عبدًا فنفقته على مولاه، أو حرًا له مال، أو فقيرًا له من تلزمه نفقته فلم يلزم من بيت المال، فعلى هذا يجب على الإمام أن يقترض له ما ينفق عليه من بيت المال أو من رجل ثري من المسلمين (١).
وهذا القول ظاهر الضعف، مخالف لقضاء عمر ﵁، والذي لم يخالف فيه أحد من الصحابة، فكان كالإجماع، والله أعلم.
* * *
стр. 10066
المبحث الثاني
في تعذر النفقة على اللقيط من بيت المال
[م-٢٠٨٥] علمنا في المبحث السابق أن نفقة اللقيط على بيت مال المسلمين في قول عامة أهل العلم، فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت مال المسلمين لسبب من الأسباب كما لو لم يوجد فيه مال، أو لم يكن منتظمًا، أو كان معدومًا أو لغيره من الأسباب، فمن يتحمل النفقة على اللقيط؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن النفقة على الملتقط حتى يبلغ ويستغني إن كان ذكرًا، أو حتى تتزوج الأنثى ويدخل بها زوجها، وهذا مذهب المالكية (١).
وجه القول بذلك:
أنه إذا أخذ اللقيط بنية الالتقاط، فقد لزمه أمره وحفظه.
القول الثاني:
أن النفقة تجب على جماعة المسلمين، فعلى الحاكم أن يجمع ذوي الغنى واليسار من أهل بلده، ويقسط عليهم النفقة، فإن تعذر استيعابهم لكثرتهم قسط الحاكم النفقة على من يراه منه باجتهاده. وبهذا قال الشافعية، وإذا جمع له
стр. 10067
الحاكم النفقة فهل تعد تبرعًا منهم، أو تكون قرضًا على اللقيط، قولان، أظهرهما أنها تعد قرضًا (١).
القول الثالث:
إن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال اقترض الحاكم له على بيت مال المسلمين، وظاهره ولو مع وجود متبرع بها، وينفق عليه منه، فإن تعذر، أو كان في مكان لا حاكم فيه فنفقته فرض كفاية على من علم حاله من المسلمين، وإلا أثم الكل، وهذا مذهب الحنابلة (٢).
° وجه القول بذلك:
أنه أمكن الإنفاق عليه بدون منة تلحقه في المستقبل، أشبه الأخذ له من بيت المال.
* * *
стр. 10068
المبحث الثالث
في الرجوع في نفقة اللقيط
[م-٢٠٨٦] إذا أنفق الملتقط على اللقيط، فإما أن ينفق متبرعًا، أو ينفق بنية الرجوع، أو لا ينو شيئًا.
فإن أنفق على اللقيط متبرعًا لم يكن له الرجوع بما أنفق، وهذا بالاتفاق؛ لأنه إن نوى التبرع فهو هبة، أو نوى الاحتساب فهو صدقة، وكلاهما لا يجوز الرجوع فيها إذا مضت، وخرجت.
[م-٢٠٨٧] وإن أنفق ولم ينو شيئًا أو نوى الرجوع بالنفقة، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
لا رجوع للملتقط على اللقيط إلا أن يكون للقيط أموال فيسلفه حتى يبيع عروضه، أو يظهر للقيط أب وتقوم البينة على أنه ابنه، فيكون له الرجوع على والد اللقيط بشروط أربعة:
(١) ـ أن يطرحه أبوه عمدًا.
(٢) ـ أن يثبت ذلك بإقرار أو بينة فلا رجوع بمجرد دعوى ملتقطه أنه طرحه عمدًا.
(٣) ـ أن يكون الأب موسرًا وقت الإنفاق.
(٤) ـ ألا يكون الملتقط أنفق حسبة لله تعالى، أي أن محل رجوع أن ينوي
стр. 10069
الرجوع. هذا هو مذهب المالكية (١).
جاء في التاج والإكليل: «قال ابن القاسم: ومن التقط لقيطًا فأنفق عليه، فأتى رجل أقام البينة أنه ابنه، فليتبعه بما أنفق، إن كان الأب موسرا حين النفقة؛ لأنه ممن تلزمه نفقته. هذا إن تعمد الأب طرحه وإن لم يكن هو طرحه فلا شيء عليه.
وقال أشهب: لا شيء على الأب بحال لأن المنفق محتسب.
قال اللخمي: قول ابن القاسم أبين؛ لأنه يقول: لو علمت له من تلزمه نفقته لم أنفق عليه» (٢).
القول الثاني:
ذهب الحنفية إلى أن الملتقط لا يرجع بما أنفقه إلا إذا قال له ا لقاضي: أنفق لترجع، فلو قال له: أنفق ولم يذكر الرجوع لم يكن له الرجوع بالنفقة.
جاء في حاشية ابن عابدين: «وهو في الإنفاق على اللقيط واللقطة متبرع؛ لقصور ولايته، إلا إذا قال له قاض: أنفق لترجع، فلو لم يذكر الرجوع لم يكن
стр. 10070
دينًا في الأصح» (١)؛ لأن الأمر متردد بين الحسبة والرجوع فلا يكون دينًا بالشك (٢).
وقال الشافعية لا يرجع بما أنفقه على اللقيط إلا أن يكون الإنفاق بإذن الحاكم، فإن لم يوجد أشهد وأنفق بنية الرجوع وإلا لم يرجع (٣).
وذهب الحنابلة أن الملتقط إذا أنفق على اللقيط نفقة المثل بنية الرجوع، وكان ذلك بإذن الحاكم فإن له أن يرجع على اللقيط، وإن أنفق بغير أمر الحاكم بنية الرجوع، قال أحمد: يرجع على بيت المال.
قال ابن قدامة: «ومن أنفق عليه متبرعًا، فلا شيء له، سواء كان الملتقط أو غيره. وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه، فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر، وكان ذلك بأمر الحاكم، لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف ..... وإن أنفق بغير أمر الحاكم، محتسبا بالرجوع عليه، فقال أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال ... » (٤).
стр. 10071
وجاء في الإنصاف: «قال الناظم: إن نوى الرجوع، واستأذن الحاكم رجع على الطفل بعد الرشد، وإلا رجع على بيت المال» (١).
القول الثالث:
يرجع إذا نوى الرجوع، ولو لم يستأذن الحاكم، خرجها بعض أصحاب الحنابلة على الروايتين فيمن أدى حقًا واجبًا عن غيره بنية الرجوع (٢).
قال ابن رجب في القواعد: «ومنها: نفقة اللقيط خرجها بعض الأصحاب على الروايتين ـ فيمن أدى حقًا واجبًا عن غيره بنية الرجوع ـ ومنهم من قال: يرجع ههنا قولًا واحدًا، وإليه ميل صاحب المغني؛ لأن له ولاية على الملتقط، ونص أحمد أنه يرجع بما أنفقه على بيت المال» (٣).
والصواب: أنه يرجع بما أنفقه على اللقيط بشرطين:
ألا تكون نفقته من فروض الكفاية، لأن النفقة إذا كانت واجبة عليه لم يرجع بها.
الثاني: أن ينوي الرجوع بما أنفق، والله أعلم.
* * *
стр. 10072
الفصل السادس
في ميراث اللقيط
[م-٢٠٨٨] إذا مات اللقيط فقد اختلف العلماء فيمن يرثه على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
اللقيط حر يرثه بيت المال، إلا أن يوالي أحدًا بعدما أدرك فإن إرثه يكون لمن والاه، ولا يكون ولاء اللقيط للذي التقطه إلا أن يواليه، بشرط ألا يكون قد تأكد ولاؤه لبيت المال قبل الموالاة، وذلك بأن يعقل عنه بيت المال جناية، فإن عقل عنه قبل موالاته أحدًا فإنه لا يملك أن يوالي أحدًا، وهذا مذهب الحنفية (١).
جاء في البناية: «واللقيط حر، جنايته على بيت المال، وميراثه لبيت المال، فإذا أدرك كان له أن يوالي من شاء، إلا إذا عقل عنه بيت المال فميراثه لبيت المال، وليس له أن يوالي أحدًا» (٢).
° دليل الحنفية على ثبوت الإرث بالموالاة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
стр. 10073
وجه الاستدلال:
أن الله جعل عقد الموالاة من أسباب الإرث، حيث أمر بإعطائهم نصيبهم.
ونوقش:
بأن هذا كان في أول الإسلام، ثم نسخ.
(ث-٣١٧) فقد روى البخاري من طريق سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄، ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣]، قال: ورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﵇ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له (١).
وروى أبو داود من طريق علي بن حسين، عن أبيه ـ يعني حسين بن واقد ـ عن يزيد النحوي، عن عكرمة،
عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء:٣٣] كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفال، فقال تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب: ٦] (٢).
[ضعيف، والمعروف أنه من قول عكرمة، ويكفي الأثر السابق] (٣).
стр. 10074
الدليل الثاني:
(ث-٣١٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه،
عن علي قال: المنبوذ حر فإن أحب أن يوالي الذي التقطه والاه، وإن أحب أن يوالي غيره والاه (١).
[منقطع، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يلق الإمام علي بن أبي طالب].
стр. 10075
القول الثاني:
ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن ميراث اللقيط لبيت مال المسلمين (١).
جاء في المدونة: «أرأيت اللقيط أيكون ولاؤه لمن التقطه؟
قال: قال مالك: يكون ولاؤه للمسلمين كلهم ولا يكون لمن التقطه ولاؤه .....
قلت: وميراثه للمسلمين؟
قال: نعم، وهذا قول مالك» (٢).
وفي الاستذكار: «قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر، وأن ولاءه للمسلمين، هم يرثونه، ويعقلون عنه» (٣).
وفي الإنصاف: «وميراث اللقيط، وديته إن قتل لبيت المال، هذا المذهب، وعليه الأصحاب، وقطع به كثير منهم» (٤).
стр. 10076
° دليل الجمهور على أن ميراثه لبيت المال:
الدليل الأول:
أن أسباب الميراث الشرعي ثلاثة: النكاح، والولاء بالعتق، والنسب، والالتقاط ليس واحدًا منها.
وقد أخرج الشيخان من حديث عائشة في قصة بريرة، وفيه: إنما الولاء لمن أعتق (١).
واللقيط لم يعتق، وإنما التقط، وهو حر.
الدليل الثاني:
أن نفقته على بيت مال المسلمين، فكذلك ميراثه له؛ لأن الغنم بالغرم.
(ث-٣١٩) روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب،
عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم، أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: «اذهب فهو حر ولك، ولاؤه وعلينا نفقته (٢).
[صحيح، وسنين أبو جميلة معدود في الصحابة].
стр. 10077
قال الباجي: «تأول مالك قول عمر لك ولاؤه أي قد جعلت لك أن تتولى تربيته والقيام بأمره وأنت أحق به من غيرك» (١).
وقال ابن قدامة: «يحتمل أن عمر ﵁ عنى بقوله: ولك ولاؤه: أي لك ولايته، والقيام به، وحفظه. لذلك ذكره عقيب قول عريفه: إنه رجل صالح. وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه، لكونه مأمونًا عليه دون الميراث» (٢).
الدليل الثالث:
أن بيت المال يملك كل مال لا مالك له ولا وارث، وإن لم يكن لقيطًا، ومال اللقيط إذا مات كذلك.
القول الثالث:
أن ميراث اللقيط لملتقطه، وبه قال سفيان وإسحاق، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٣).
° دليل من قال: يرثه ملتقطه:
الدليل الأول:
(ث-٣٢٠) روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب،
عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم، أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها
стр. 10078
ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: «اذهب فهو حر ولك، ولاؤه وعلينا نفقته (١).
[صحيح، وسنين أبو جميلة معدود في الصحابة].
وجه الاستدلال:
فقوله: (لك ولاؤه) على ظاهره.
ويناقش:
بأن معنى الأثر أنت الذى تتولى تربيته والقيام بأمره وهذه ولاية الإسلام لا ولاية العتق، واحتجوا بقوله ﵇: (الولاء لمن أعتق) وهذا ينفى أن يكون الولاء للملتقط.
ولأن أصل الناس الحرية، وليس يخلو اللقيط من أحد أمرين إما أن يكون حرًا فلا رق عليه، أو يكون ابن أمة قوم فليس لمن التقطه أن يسترقه وبهذا كتب عمر بن عبد العزيز. وقد نزل الله آية المواريث وسمَّى الوارثين، فدل أنه لا وارث غير من ذكر الله فى كتابه وفي سنة رسوله ﵇.
الدليل الثاني:
(ح-١٢٥٣) أخرج الشيخان من حديث عائشة في قصة بريرة، وفيه: إنما الولاء لمن أعتق (٢).
стр. 10079
وجه الاستدلال:
أن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه، والإحسان إليه ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعتقه، فإذا كان الإنعام بالعتق سببًا لميراث المعتق مع أنه لا نسب بينهما، فكيف يستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سببًا له مع أنه قد يكون أعظم موقعًا وأتم نعمة.
وأيضًا فقد ساوى هذا الملتقط المسلمين في مال اللقيط، وامتاز عنهم بتربية اللقيط، والقيام بمصالحه، وإحيائه من الهلكة، فمن محاسن الشرع ومصلحته وحكمته أن يكون أحق بميراثه، وإذا تدبرت هذا وجدته أصح من كثير من القياسات التي يبنون عليها الأحكام، والعقول أشد قبولا له.
ويناقش:
قد سمى الله الوارثين في آية الموارث، ولم يأت دليل صحيح أن الملتقط يرث لقيطه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ولا يصح القياس على العتق، فإن العتق يستدعي سبق ملك، واللقيط من دار الإسلام لا يملكه الملتقط، وهذا فارق جوهري، ولو كانت النعمة سببًا من أسباب الإرث لكانت نعمة الإسلام أولى النعم، ومع ذلك فلو أن رجلًا كان سببًا في إسلام أحد من الناس لم يكن هذا سببًا في التوارث بينهما، ولكان الإنقاذ من الحريق والغرق سببًا في الإرث، ولم يثبت ذلك، ولو كان الملتقط وارثًا لوجبت عليه نفقته، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والنفقة لا تجب على الملتقط، وإنما نفقته على بيت مال المسلمين في قول عامة المسلمين إلا في وجه مرجوح عند الشافعية، وقد قال عمر ﵁، (وعلينا نفقته) فلما أعفي من حق النفقة ولو احتاج اللقيط لم يكن له حق في مال اللقيط، وقد تقدم بحث ذلك.
стр. 10080
الدليل الثالث:
(ث-٣٢١) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري،
أن عمر بن الخطاب أعطى ميراث المنبوذ للذي كفله (١).
[منقطع الزهري لم يدرك عمر بن الخطاب].
الدليل الرابع:
(ح-١٢٥٤) ما رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن حرب الخولاني، قال: حدثني عمر بن رؤبة التغلبي، عن عبد الواحد بن عبد الله النصري،
عن واثلة بن الأسقع الليثي، قال: قال رسول الله ﵇: المرأة تحوز ثلاث مواريث، عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه (٢).
[ضعيف، تفرد به عمر بن رؤبة، وهو أصل في الباب، وقد أنكروا عليه أحاديثه عن عبد الواحد النصري] (٣).
стр. 10081
° الراجح:
أرى أن القول بأن ميراثه لبيت المال أقعد، وإن كان يمكن له أن يوصي لملتقطه إذا أراد تقديمه على بيت المال، والله أعلم.
* * *
стр. 10082
عقد العارية
стр. 10083
عقد العارية
التمهيد
المبحث الأول
في تعريف العارية
تعريف العارية اصطلاحًا (١):
تعريفها عند الحنفية:
عرفها عامة الحنفية والمالكية بقولهم: تمليك المنافع بغير عوض (٢).
قوله: (تمليك) انتقد بعض الحنفية التعبير بالتمليك، وقال: إنها إباحة، وليست تمليكًا؛ وعلل ذلك بأن العارية لا يشترط فيها ضرب المدة، والتمليك
стр. 10084
لا يصح مع الجهالة، ولأن من ملك شيئًا ملك التصرف فيها، والمستعير لا يملك إجارة ما استعار، ولا إعارتها للغير على الصحيح، بخلاف المستأجر الذي يملك المنفعة، فهو يملك إجارتها وإعارتها للغير كمن أبيح له الطعام ليس له أن يبيحه لغيره (١).
والفرق بين التمليك والإباحة:
أن التمليك يستفيد به التصرف في الشيء كما يستفيده من عقد المعاوضة.
والإباحة: رفع الحرج من تناول ما ليس مملوكًا له.
فمن قال: إن العارية هبة منفعة أجاز للمستعير أن يعير، ومن قال: هي إباحة منفعة لم يجوِّز للمستعير أن يعير، وهو الصواب.
وعلى القول بأن العارية تمليك فإنها من باب تمليك الانتفاع، وليس من قبيل تمليك المنفعة، وبينهما فرق.
فتمليك الانتفاع: هو أن يباشر بنفسه الانتفاع فقط.
وتمليك المنفعة: أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، وله أن يمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية، ونحوها.
ومسألة تصرف المستعير بالمنفعة محل خلاف بين الفقهاء سيأتي إن شاء الله بحثها في مسألة مستقلة.
وقوله: (تمليك المنافع) أخرج البيع والهبة؛ لأنها من باب تمليك الأعيان.
стр. 10085
تعريف الشافعية:
عرف الشافعية الإعارة بقولهم: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه. زاد بعضهم: ليرده (١).
فقولهم: (إباحة): يخرج التمليك.
وقولهم: (الانتفاع) يخرج البيع والهبة؛ لأنه من قبيل تمليك الأعيان.
وقولهم: (من أهل التبرع) يخرج المحجور عليه، سواء كان محجورًا عليه لسفه أو لحظ الغير، كما يخرج المجنون.
وقوله: (بما يحل الانتفاع به) يخرج ما لا يحل الانتفاع به، كالآت اللهو، ونحوها مما يحرم الانتفاع بها.
وقولهم: (مع بقاء عينه) لأن ما تستهلك عينه لا يعتبر عارية، بل يعتبر قرضًا.
وقولهم: (ليرده) أخرج بذلك هبة المنافع فإنها لا ترد بالرد.
تعريف الحنابلة:
عرفها ابن مفلح بقوله: إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه ليرده على مالكه (٢).
وهذا التعريف بمعنى ما سبق.
فقوله: (إباحة): الإباحة: رفع الحرج عن تناول ما ليس مملوكًا له.
وقوله: (مع بقاء عينه) خرج بذلك ما لا ينتفع به إلا مع تلف عينه، كالأطعمة