° الراجح:
أرى أن القول بأن ميراثه لبيت المال أقعد، وإن كان يمكن له أن يوصي لملتقطه إذا أراد تقديمه على بيت المال، والله أعلم.
* * *
стр. 10082
عقد العارية
стр. 10083
عقد العارية
التمهيد
المبحث الأول
في تعريف العارية
تعريف العارية اصطلاحًا (١):
تعريفها عند الحنفية:
عرفها عامة الحنفية والمالكية بقولهم: تمليك المنافع بغير عوض (٢).
قوله: (تمليك) انتقد بعض الحنفية التعبير بالتمليك، وقال: إنها إباحة، وليست تمليكًا؛ وعلل ذلك بأن العارية لا يشترط فيها ضرب المدة، والتمليك
стр. 10084
لا يصح مع الجهالة، ولأن من ملك شيئًا ملك التصرف فيها، والمستعير لا يملك إجارة ما استعار، ولا إعارتها للغير على الصحيح، بخلاف المستأجر الذي يملك المنفعة، فهو يملك إجارتها وإعارتها للغير كمن أبيح له الطعام ليس له أن يبيحه لغيره (١).
والفرق بين التمليك والإباحة:
أن التمليك يستفيد به التصرف في الشيء كما يستفيده من عقد المعاوضة.
والإباحة: رفع الحرج من تناول ما ليس مملوكًا له.
فمن قال: إن العارية هبة منفعة أجاز للمستعير أن يعير، ومن قال: هي إباحة منفعة لم يجوِّز للمستعير أن يعير، وهو الصواب.
وعلى القول بأن العارية تمليك فإنها من باب تمليك الانتفاع، وليس من قبيل تمليك المنفعة، وبينهما فرق.
فتمليك الانتفاع: هو أن يباشر بنفسه الانتفاع فقط.
وتمليك المنفعة: أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، وله أن يمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية، ونحوها.
ومسألة تصرف المستعير بالمنفعة محل خلاف بين الفقهاء سيأتي إن شاء الله بحثها في مسألة مستقلة.
وقوله: (تمليك المنافع) أخرج البيع والهبة؛ لأنها من باب تمليك الأعيان.
стр. 10085
تعريف الشافعية:
عرف الشافعية الإعارة بقولهم: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه. زاد بعضهم: ليرده (١).
فقولهم: (إباحة): يخرج التمليك.
وقولهم: (الانتفاع) يخرج البيع والهبة؛ لأنه من قبيل تمليك الأعيان.
وقولهم: (من أهل التبرع) يخرج المحجور عليه، سواء كان محجورًا عليه لسفه أو لحظ الغير، كما يخرج المجنون.
وقوله: (بما يحل الانتفاع به) يخرج ما لا يحل الانتفاع به، كالآت اللهو، ونحوها مما يحرم الانتفاع بها.
وقولهم: (مع بقاء عينه) لأن ما تستهلك عينه لا يعتبر عارية، بل يعتبر قرضًا.
وقولهم: (ليرده) أخرج بذلك هبة المنافع فإنها لا ترد بالرد.
تعريف الحنابلة:
عرفها ابن مفلح بقوله: إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه ليرده على مالكه (٢).
وهذا التعريف بمعنى ما سبق.
فقوله: (إباحة): الإباحة: رفع الحرج عن تناول ما ليس مملوكًا له.
وقوله: (مع بقاء عينه) خرج بذلك ما لا ينتفع به إلا مع تلف عينه، كالأطعمة
стр. 10086
والأشربة والدراهم فإن إعطاء هذه الأشياء إن كان بلا عوض فهي هبة، وإن كان بعوض فإن كان ليرد مثلها فهي قرض، وإلا كان بيعًا.
قال الكاساني: «إعارة كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كالمكيلات والموزونات يكون قرضًا لا إعارة لما ذكرنا أن محل حكم الإعارة المنفعة لا العين إلا إذا كان ملحقًا بالمنفعة عرفًا وعادة، كما إذا منح شاة أو ناقة لينتفع بلبنها ووبرها مدة، ثم يردها على صاحبها؛ لأن ذلك معدود من المنافع عرفًا وعادة» (١).
قلت: حصر المنافع بالعرض الذي يقوم بالعين كالسكنى والركوب هذا اصطلاح فقهي، وإلا فالمنافع لغة تشمل كل ما يمكن استفادته من الأعيان عرضاً كان مثل سكنى الدار، وركوب السيارة والدواب، ولبس الثياب وقراءة الكتب. أو عيناً: مثل ثمر الأشجار، وحليب الأنعام ونحوها (٢).
فيصح إعارة الدابة من أجل لبنها، والشجرة من أجل ثمرتها، وتسمى عارية لغة، وليست عرفًا؛ لأن هذه الأشياء من قبيل هبة المنافع، وإن كانت المنفعة عينًا. والله أعلم.
* * *
стр. 10087
المبحث الثاني
الأدلة على مشروعية العارية
[م-٢٠٨٩] العارية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما الكتاب، فلقوله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
ولا شك أن العارية من المعروف.
وقال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].
وقد اختلف المفسرون بالماعون على أقوال، منها
(ث-٣٢٢) ما رواه أبو داود من طريق عاصم بن أبي النجود، عن شقيق،
عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله عارية الدلو والقدر (١).
[حسن] (٢).
وأما الدليل من السنة:
(ح-١٢٥٥) فما رواه البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال:
سمعت أنسًا يقول: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﵇ فرسًا لأبي طلحة يقال له: المندوب، فركبه، فلما رجع قال: ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحرًا.
стр. 10088
(ح-١٢٥٦) ومنها ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية،
عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعاً، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة. قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (١).
[سبق تخريجه] (٢).
(ح-١٢٥٧) ومنها: ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، قال: حدثنا إسماعيل ابن عياش، قال: حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني،
سمع أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ : الدين مقضي، والعارية مؤداة، والمنحة مردودة، والزعيم غارم (٣).
[حسن] (٤).
стр. 10089
(ث-٣٢٣) ومن الآثار ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان. وغندر عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن عياض،
عن أصحاب النبي ﵇ أنهم قالوا: الماعون: منع الفاس والقدر، والدلو (١).
[صحيح].
وأما الإجماع، فقد أجمع المسلمون على جواز العارية (٢).
وأما القياس فلأنه إذا جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع، ولا فرق ولذلك صحت الوصية بالمنافع كما صحت في الأعيان (٣).
* * *
стр. 10090
المبحث الثالث
في حكم العارية
[م-٢٠٩٠] اختلف العلماء في حكم العارية بعد إجماعهم على مشروعيتها:
القول الأول:
ذهب أكثر أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الأصل في العارية أنها مندوبة إليها، وليست واجبة (١).
قال ابن قدامة: العارية مندوب إليها وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم» (٢).
وقد يعرض للعارية الأحكام التكليفية الخمسة، وهذا متفق عليه عند الجمهور وإن كانت الأمثلة قد تختلف من مذهب لآخر:
فقد تكون العارية واجبة كإعارة سكين لذبح مأكول يخشى موته، وإعارة المضطر إلى ما يستر عورته إذا لم يكن قادرًا على الاستئجار.
وقد تكون محرمة: كإعارة ما يعين على المعصية، ومثل له بعض الفقهاء بإعارة الأمة لأجنبي لا يؤمن على وطئها، وإعارة دار لمن يتخذها كنيسة، أو يشرب فيها مسكرًا.
стр. 10091
وقد تكون مستحبة كما لو كان يستعين بها على أمر مشروع، كاستعارة الكتب النافعة.
وقد تكون مكروهة: كإعارة ما يعين على الوقوع في المكروه. وقد تكون مباحة كإعارة من له ثوب مستغن عنه لمن له ثياب كثيرة (١).
القول الثاني:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن العارية واجبة، قاله بعض الحنفية، وقال ابن تيمية: تجب العارية مع غنى المالك، وهو أحد القولين في مذهب أحمد (٢).
جاء في مجمع الأنهر: «وهي ـ يعني العارية ـ مشروعة بالكتاب والسنة، والإجماع، وإنما اختلفوا في كونها مستحبة، وهو قول الأكثر، أو واجبة، وهو قول البعض» (٣).
دليل من قال: العارية مستحبة:
الدليل الأول:
(ح-١٢٥٨) ما رواه البخاري من طريق مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن
стр. 10092
مالك، عن أبيه،
أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، وفيه: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع. قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﵇ بين أنه لا يجب على الإنسان شيء في ماله إلا الزكاة فلو كانت العارية واجبة لذكرها.
الدليل الثاني:
(ح-١٢٥٩) ما رواه الترمذي من طريق دراج، عن ابن حجيرة،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك (٢).
[تفرد به دراج، والأكثر على ضعفه وله شاهد حسن من حديث جابر] (٣).
стр. 10093
الدليل الثالث:
(ح-١٢٦٠) ما رواه ابن ماجه حدثنا علي بن محمد، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي،
عن فاطمة بين قيس أنها سمعت يعنى النبي ﷺ يقول: ليس في المال حق سوى الزكاة (١).
[هذا حديث ضعيف، والمعروف أن لفظه: إن في المال لحقًا سوى الزكاة، فلا دليل فيه] (٢).
стр. 10094
الدليل الرابع:
(ح-١٢٦١) قال ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١).
стр. 10095
الدليل الخامس:
الإعارة فيها شبه بالقرض، فالقرض تمليك للأعيان، والإعارة تمليك للانتفاع، وكلاهما يراد بهما الإرفاق والإحسان، ويرتدان بالرد، وإذا كان القرض لا يجب فكذلك العارية.
دليل من قال: العارية واجبة:
الدليل الأول:
(ث-٣٢٤) ما رواه أبو داود من طريق عاصم بن أبي النجود، عن شقيق،
عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله عارية الدلو والقدر (١).
[حسن وسبق تخريجه] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الله توعد مانعي الماعون بالويل، فدل على أن إعارة الماعون واجبة.
ونوقش:
بأن الماعون قد فسر بالزكاة، فإن الماعون بلغة قريش هو المال، وحق المال إنما هو في الزكاة، وعلى فرض أن يكون المراد به العارية فليس المراد به مطلق العارية، وإنما يراد به العارية الواجبة، كإعارة الثوب للمضطر.
стр. 10096
الدليل الثاني:
(ح-١٢٦٢) ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر،
عن النبي ﷺ قال: ما من صاحب إبل ولا بقر لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن. قلنا: يا رسول الله وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله .... الحديث (١).
(ث-٣٢٥) وقد روى الإمام أحمد من طريق أبي عمر الغداني، عن أبي هريرة موقوفًا عليه:
قال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال: أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتسقي اللبن، وتطرق الفحل (٢).
[حسن لغيره] (٣).
الراجح:
أن الأصل في العارية الندب، وقد يعرض لها الأحكام التكليفية الخمسة.
* * *
стр. 10097
المبحث الرابع
في توصيف عقد العارية
تقدم لنا في مقدمة الكتاب الكلام على تقسيم العقود من حيث اللزوم والجواز إلى ثلاثة أقسام: لازم من الطرفين كالبيع والإجارة، وجائز من الطرفين كالوكالة، ولازم من طرف، وجائز من الآخر كالرهن.
والسؤال: أين يقع عقد العارية من هذا التقسيم؟
[م-٢٠٩١] وللجواب على ذلك نقول: أما العارية في حق المستعير فلم يختلف الفقهاء أن له رد العارية متى شاء.
قال ابن قدامة: «يجوز للمستعير الرد متى شاء بغير خلاف نعلمه؛ لأنه إباحة، فكان لمن أبيح له تركه كإباحة الطعام» (١).
[م-٢٠٩٢] وأما العارية في حق المعير فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على:
القول الأول:
للمعير أن يرجع متى شاء، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (٢).
وجه القول بالرجوع:
أن المنافع المستقبلة لم تحصل في يد المستعير فكان للمعير الرجوع فيها،
стр. 10098
كما لو لم يقبض العين.
وبهذا قال الشافعية إلا في صورتين:
الصورة الأولى:
إذا أعار لدفن ميت، فله الرجوع قبل دفن الميت، فإن دفن لم يكن له الرجوع ونبش القبر إلى أن يندرس أثر المدفون، ولا يستحق المعير أجرة برجوعه؛ لأن الميت لا مال له، والعرف غير قاض به.
الصورة الثانية:
إذا أعاره جدارًا لوضع الجذوع، ففي جواز الرجوع وجهان، فإن جوزناه، فهل فائدته طلب الأجرة في المستقبل، أم التخيير بينه وبين القلع وضمان أرش النقص وجهان (١).
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: متى تضمن الرجوع ضررًا بالمستعير لم يجز له الرجوع إلا أن الحنفية والشافعية قالوا: له أجرة المثل (٢).
جاء في البحر الرائق: «رجل استعار من رجل أمة لترضع ابنًا له، فأرضعته، فلما صار الصبي لا يأخذ إلا منها قال المعير: اردد علي خادمي، قال أبو يوسف: ليس له ذلك، وله مثل أجر خادمه إلى أن تفطم الصبي، وكذا لو استعار من رجل فرسًا ليغزو عليه فأعاره الفرس أربعة أشهر، ثم لقيه بعد شهرين في بلاد المسلمين فأراد أخذ الفرس كان له ذلك، وإن لقيه في بلاد الشرك في موضع لا يقدر على الكراء والشراء كان للمستعير ألا يدفعه إليه؛ لأن هذا ضرر
стр. 10099
بين، وعلى المستعير أجر مثل الفرس من الموضع الذي طلب صاحبه إلى أدنى المواضع الذي يجد فيه شراء أو كراء» (١).
ومثل له الحنابلة: بأن يعيره لوحًا يرقع به سفينته، فرقعها به، وولج بها في البحر، فلا يجوز له الرجوع ما دامت في البحر، وله الرجوع قبل دخولها البحر، وبعد الخروج منه لعدم الضرر فيه.
ومثل له الشافعية بأمثلة منها:
أن يعيره سفينة، فيضع المستعير فيها متاعًا، ثم يطلبها المعير في اللجة لم يجب لذلك، قال الشافعية: وامتناع الرجوع من أجل الضرر، لا للزومها.
وقال ابن الرفعة: ويظهر أن له الأجرة من حين الرجوع كما لو أعاره أرضًا لزرع فرجع قبل انتهائه.
ومنها: أن يعيره دابة أو سلاحًا للغزو، فليس له الرجوع في ذلك إذا التقى الصفان حتى ينكشف القتال، قاله الخفاف في الخصال.
ومنها: لو أراد الصلاة المفروضة، فأعاره ثوبًا ليستر به عورته، أو ليفرشه في مكان نجس، ففعل، وكان الرجوع مؤديًا إلى بطلان الصلاة، قال الإسنوي: فيحتمل منعه، وهو متجه، ويحتمل الجواز، وتكون فائدته طلب الأجرة.
وهذه الأمثلة لا تعبر عن لزوم العارية عند الشافعية في هذه الصور لأنهم إذا أثبتوا الأجرة فقد حكموا بالرجوع عن عقد العارية، وإن كان لا يلزم من الرجوع عن العارية رد العين.
стр. 10100
وقد كانت قواعد مذهب الشافعية أن العقود الجائزة متى تضمن الرجوع فيها إلى ضرر على أحد العاقدين فإنها تلزم، وكان مقتضى لزومها أن يبقى عقد العارية، لا أن ينتقل منه إلى عقد الإجارة، مع أن عقد الإجارة من عقود المعاوضات والذي يشترط فيه الرضا في ابتداء العقد، لا أن يعطى المستعير العين عارية حتى إذا شرع فيها وأصبح في وضع لا يتمكن من رد العارية إلا بالضرر طالبه المعير بالرد، ليحصل منه على معاوضة ما كان ليعقدها لو كان ذلك في ابتداء العقد، فإن هذا من التغرير الذي لا يسوغ، ولم يكن ينفعه أن يشترط في العارية مدة معلومة؛ لأن التوقيت وعد لا يلزم على مذهب الجمهور عدا المالكية كما سيأتي.
إذا علمت ذلك نأتي على بعض النصوص الشاهدة لما أجملناه من كلام الفقهاء.
جاء في تبيين الحقائق: «ويرجع المعير متى شاء، لقوله ﷺ : المنيحة مردودة، والعارية مؤادة، ولأن المنافع تحدث شيئًا فشيئًا، ويثبت الملك فيها بحسب حدوثه، فرجوعه امتناع عن تمليك ما لم يحدث فله ذلك» (١).
وجاء في شرح المحلى على المنهاج: «لكل منهما: أي المستعير والمعير رد العارية متى شاء، سواء في ذلك المطلقة والمؤقتة، ورد المعير بمعنى رجوعه ... إلا إذا أعار لدفن، وفعل، فلا يرجع في موضعه حتى يندرس أثر المدفون، محافظة على حرمة الميت، وله الرجوع قبل وضعه فيه، قال المتولي: وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب» (٢).
стр. 10101
قال قليوبي في حاشيته تعليقًا: «قد يمتنع الرجوع في العين مع صحة الرجوع في العقد لأجل أنه قد يستحق الأجرة من وقت رجوعه كمتاع في سفينة في اللجة، وثوب للصلاة مطلقًا، أو صلاة نفل، أو لحر أو برد، أو محل لسكنى معتدة، أو سكين لذبح، أو سيف لقتال» (١).
وقال ابن قدامة: «وللمعير الرجوع في العارية أي وقت شاء، سواء كانت مطلقة أو مؤقتة ما لم يأذن في شغله بشيء يتضرر بالرجوع فيه ..... فإن أعاره شيئًا لينتفع به انتفاعًا يلزم من الرجوع في العارية في أثنائه ضرر بالمستعير لم يجز له الرجوع؛ لأن الرجوع يضر بالمستعير، فلم يجز له الإضرار به، مثل أن يعيره لوحًا يرقع به سفينته، فرقعها به، ولج بها في البحر، لم يجز الرجوع ما دامت في البحر، وله الرجوع قبل دخوله في البحر، وبعد الخروج منه لعدم الضرر فيه، وإن أعاره أرضًا ليدفن فله الرجوع ما لم يدفن فيها، فإذا دفن لم يكن له الرجوع، ما لم يبل الميت. وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه جاز، كما تجوز إعارة الأرض للبناء والغراس، وله الرجوع ما لم يضعه، وبعد وضعه ما لم يبن عليه؛ لأنه لا ضرر فيه، فإن بنى عليه، لم يجز الرجوع؛ لما في ذلك من هدم البناء.
وإن قال: أنا أدفع إليك أرش ما نقص بالقلع. لم يلزم المستعير ذلك؛ لأنه إذا قلعه انقلع ما في ملك المستعير منه. ولا يجب على المستعير قلع شيء من ملكه بضمان القيمة.
стр. 10102
وإن انهدم الحائط وزال الخشب عنه، أو أزاله المستعير باختياره، لم يملك إعادته، سواء بنى الحائط بآلته أو بغيرها؛ لأن العارية لا تلزم» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الإعارة إن قيدت بعمل كزراعة أرض بطنًا فأكثر مما لا يخلف كقمح، أو مما يخلف كقصب، أو قيد بأجل كسكنى الدار شهرًا مثلًا، فإنها تكون لازمة إلى انقضاء ذلك العمل أو الأجل، ولا يجوز له الرجوع قبل انتهاء العمل أو الأجل مطلقًا، وقد وافق الشافعية في قول، والحنابلة في رواية إلى لزوم الإعارة إذا كانت مؤقتة.
وإن كانت الإعارة مطلقة لم تقيد بعمل أو أجل فللمالكية ثلاثة أقوال:
الأول: وهو المعتمد أن الإعارة لا تلزم، ولربها أخذها متى شاء، ولا يلزم قدر ما تراد لمثله عادة، وهو قول ابن القاسم وأشهب.
الثاني: يلزم بقاؤها في يد المستعير قدر ما تراد لمثلها عادة.
الثالث: إن كانت الإعارة لغير البناء والغرس، كإعارة الدابة للركوب، والثوب للبس، أو كانت الإعارة لهما، ولم يحصلا لم يلزم قدر المعتاد، وإن كانت الإعارة للبناء والغرس، وحصلا فيلزم المعير بقاؤها قدر ما تراد لمثله عادة إلا أن يعطيه قال مرة: ما أنفق فيها. وقال أخرى: قيمة ما أنفق، وإن لم يعطه ذلك تركه إلى مثل ما يرى الناس أنه إعارة إلى مثله من الأمد.
стр. 10103
وقد اختلف الشارحون: في الجمع بين الأمر بدفع ما أنفق، أو بدفع قيمة ما أنفق على ثلاثة أوجه:
الأول: يدفع قيمة ما أنفق إن لم يشتره، بأن كان ما بنى به أو غرسه من عنده، ويدفع ما أنفق إن اشتراه بثمن.
والثاني: يدفع قيمة ما أنفق إن طال الزمان على البناء والغرس قبل إخراجه لتغيره، ويدفع ما أنفق إذا كان بالقرب جدًا.
والثالث: يدفع قيمة ما أنفق إن كان اشتراه بغبن كثير، ويدفع ما أنفق إن اشتراه بلا غبن، أو غبن يسير. هذا ملخص مذهب المالكية (١).
وجاء في تحفة المحتاج: «والعارية المؤقتة كالمطلقة ـ يعني في جواز الرجوع فيها ـ لأن التأقيت وعد لا يلزم، وقيل: لا يجوز له الرجوع حينئذ وإلا لم يكن للتأقيت فائدة» (٢).
وجاء في الإنصاف: «وعنه: إن عين مدة تعينت، قال الحارثي: وهو الأقوى، وعنه: لا يملك الرجوع قبل انتفاعه بها مع الإطلاق. قال القاضي: قياس المذهب يقتضيه» (٣).
стр. 10104
الراجح:
أن عقد العارية عقد جائز إلا أنه إذا تضمن فسخ العقد الجائز ضررًا فإنه يلزم، ولا أجرة للمعير.
وكان هذا كما قلت: هو مقتضى قواعد مذهب الشافعية والحنابلة وإن خالف الشافعية ذلك في عقد العارية، وقالوا بالانتقال إلى أجرة المثل، حيث صححوا الرجوع عن العقد، وأبقوا العين في يد المستعير بأجرة المثل.
جاء في المنثور في القواعد الفقهية: «العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخرين امتنع وصارت لازمة» (١).
وقال ابن رجب: «التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز، ولم ينفذ إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان ونحوه، فيجوز على ذلك الوجه» (٢).
* * *
стр. 10105
الباب الأول
في أركان العارية
[م-٢٠٩٣] اختلف العلماء في أركان العارية على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن ركن العارية هو الإيجاب من المعير، وأما القبول من المستعير فليس بركن استحسانًا، والقياس أن يكون ركنًا، وهو قول زفر (١).
لأن العارية من قبيل هبة الانتفاع إلا أنها هبة مؤقتة، ولهذا صار الكلام في أركان العارية كالكلام في أركان الهبة، وقد قال ابن الهمام: «أكثر الشراح هاهنا على أن الهبة تتم بالإيجاب وحده» (٢).
إلا أن القبض في الهبة والعارية جار مجرى الركن فصار كالقبول (٣).
جاء في بدائع الصنائع: «أما ركنها: فهو الإيجاب من المعير، وأما القبول من المستعير فليس بركن عند أصحابنا الثلاثة استحسانا، والقياس أن يكون ركنا وهو قول زفر» (٤).
° وجه الاستحسان:
أن العارية في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شريطة القبول،
стр. 10106
وإنما القبول والقبض لثبوت حكمها، لا لوجودها في نفسها، فإذا أوجب فقد أتى بالعارية، فترتب عليها الأحكام، كما قالوا ذلك في الهبة (١).
فالحنفية يقسمون التصرفات إلى قسمين: عقود، والركن فيها هو الصيغة فقط (الإيجاب والقبول).
وتصرف منفرد كالهبة والعارية يتم بالإيجاب وحده، فصار الركن في العارية الإيجاب فقط، والقبض فيها جار مجرى الركن، فصار كالقبول.
وأما أطراف العقد فليست من الأركان باتفاق الحنفية، لا في العقود ولا في التصرفات، فلا يعتبرون البائع والمشتري والعين المبيعة في عقد البيع من الأركان، كما لا يعتبرون المعير والمستعير والعين المعارة من أركان العارية.
وذلك أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً داخلاً في حقيقته، وهذا خاص في الصيغة فقط، وهي الإيجاب والقبول في العقود، أو الإيجاب وحده في التصرفات كالإبراء والعتق، وأما أطراف العقد فهي من لوازم العقد، وليست جزءاً من حقيقته، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
وقد استدل الحنفية على مذهبهم بالآتي:
الدليل الأول:
أن من حلف أن يعير فلانًا، فأعاره ولم يقبل فقد بر في يمينه، لأن الإعارة
стр. 10107
تتم بالإيجاب وحده، ولو حلف أن يبيع فلانًا، فباعه، فلم يقبل فقد حنث؛ لأن البيع لا يتم بالإيجاب وحده.
وهذا يصح أن يكون أثرًا للقول أكثر من كونه دليلًا على المسألة.
الدليل الثاني:
أن العارية تبرع بالمنفعة، والتبرع ليس عقدًا يفتقر إلى الإيجاب والقبول، بل هو من جنس التصرف كالإبراء، فيتم بالإرادة المنفردة، ويكون ركنه الإيجاب فقط.
الدليل الثالث:
كل دليل ذكرناه للحنفية على وقوع الهبة بالإيجاب وحده يصح دليلًا هنا، لأن العارية من قبيل هبة المنافع، وقد استوعبنا أدلة الحنفية في عقد الهبة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
القول الثاني:
أن أركان العارية أربعة: الصيغة (الإيجاب والقبول) والمعير، والمستعير، والعين المعارة، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
وذلك أن الجمهور يرون أن الركن: هو ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلاً، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن، ووجود العارية متوقف على وجود المعير والمستعير، والعين المعارة، وإن لم تكن هذه الأشياء جزءاً من حقيقته.
стр. 10108
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركناً في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركناً في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر، ويمكن أن يقال: الفرق أن الفاعل علة لفعله، والعلة غير المعلول، فالماهية معلولة، فحيث كان الفاعل متحداً استقل بإيجاد الفعل كما في العبادات، وأعطي حكم العلة العقلية، ولم يجعل ركناً، وحيث كان الفاعل متعدداً لم يستقل كل واحد بإيجاد الفعل، بل يفتقر إلى غيره؛ لأن كل واحد من العاقدين غير عاقد بل العاقد اثنان، فكل واحد من المتبايعين مثلاً غير مستقل، فَبَعُد بهذا الاعتبار عن شبه العلة، وأشبه جزء الماهية في افتقاره إلى ما يقومه، فناسب أن يجعل ركناً» (١).
ولا حاجة إلى هذا الفارق العسر كما وصفه، بل يقال: مذهب الحنفية أقوى، ومطرد في تحديد أركان الشيء من عبادات ومعاملات.
* * *
стр. 10109
الفصل الأول
في الألفاظ التي تنعقد بها العارية
[م-٢٠٩٤] لا يوجد لفظ مخصوص لا تنعقد العارية إلا به، بل تنعقد العارية بكل ما يدل على تمليك المنفعة بغير عوض، وهذا مذهب عامة أهل العلم (١).
قال الحنفية: لو قال: أقرضتك ثوبي لتلبسه يومًا واحدًا كان عارية.
وقال ابن رشد: «وأما صيغة الإعارة فهي كل لفظ يدل على الإذن» (٢).
وقال الدردير: «ليس لها صيغة مخصوصة، بل كل ما دل على تمليك المنفعة بغير عوض» (٣).
وقال النووي: «الركن الرابع الصيغة واللفظ المعتد به في الباب ما يدل على الإذن في الانتفاع كقوله أعرتك أو خذه لتنتفع به وما أشبههما» (٤).
وجاء في كشاف القناع: «وتنعقد الإعارة بكل قول أو فعل يدل عليها كقوله: أعرتك هذا الشيء أو أبحتك الانتفاع به، أو يقول المستعير: أعرني هذا أو أعطنيه أركبه، أو أحمل عليه فيسلمه المعير إليه ونحوه» (٥).
* * *
стр. 10110
الفصل الثاني
في اشتراط اللفظ في صيغة الإعارة
[م-٢٠٩٥] اختلف الفقهاء في اشتراط اللفظ في صيغة الإعارة على قولين:
القول الأول:
لا يشترط اللفظ في صيغة الإعارة بل تصح الإعارة بالفعل من الجانبين إذا دلت القرينة على إرادة الإعارة، كما لو رأى رجل شخصًا حافيًا فأعطاه نعلًا، ولبس الحافي النعل، أو رأى أحدًا يريد أن يصلي ففرش له مصلى، وهذا مذهب الجمهور، واختاره المتولي من الشافعية.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «الإعارة تنعقد بالإيجاب والقبول وبالتعاطي» (١).
وجاء في شرح الخرشي: «العارية تنعقد بما يدل عليها من قول أو فعل أو إشارة، وتكفي المعاطاة فيها، فلا يشترط فيها صيغة مخصوصة كالبيع، بل كل ما يدل على تمليك المنفعة بلا عوض» (٢).
وجاء في روضة الطالبيين: «قال المتولي: لا يعتبر اللفظ في واحد منهما ـ يعني من المعير أو المستعير ـ حتى لو رآه عاريًا فأعطاه قميصًا فلبسه تمت العارية وكذا لو فرش لضيفه فراشًا أو بساطًا أو مصلى أو ألقى له وسادة فجلس
стр. 10111
عليها كان ذلك إعارة بخلاف ما لو دخل فجلس على الفرش المبسوطة لأنه لم يقصد بها انتفاع شخص بعينه» (١).
وجاء في كشاف القناع: «وتنعقد الإعارة بكل قول أو فعل يدل عليها ... كدفعه الدابة لرفيقه عند تعبه، وتغطيته بكسائه إذا رآه برد، لأنها من البر فصحت بمجرد الدفع كدفع الصدقة، ومتى ركب الدابة أو استبقى الكساء عليه كان ذلك قبولًا» (٢).
القول الثاني:
ذهب الشافعية في الأصح إلى أنه يشترط اللفظ في الصيغة من الناطق، ويكفي اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر.
واختار بعض الحنفية إلى أنه يصح القبول بالتعاطي، ولا يصح الإيجاب به.
جاء في الدر المختار في تعريف الإعارة اصطلاحًا: «تمليك المنافع مجانًا. أفاد بالتمليك لزوم الإيجاب والقبول ولو فعلًا» (٣).
قال ابن عابدين تعليقًا في رد المحتار «قوله: (ولو فعلًا) أي كالتعاطي، في القهستاني: وهذا مبالغة على القبول، وأما الإيجاب فلا يصح به» (٤).
وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «والأصح اشتراط لفظ كأعرتك أو أعرني، ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر كما في إباحة الطعام، ومقابل
стр. 10112
الأصح ما ذكره المتولي أنه لا يشترط لفظ حتى لو أعطى عاريا قميصا فلبسه تمت الإعارة» (١).
° دليل الشافعية على اشتراط اللفظ:
الدليل الأول:
أن الانتفاع بمال الغير يعتبر رضاه، والرضا عمل قلبي، لا يعلمه إلا الله، فهو أمر خفي فلا بد من لفظ يدل عليه، ويناط به الحكم، وهذا في جميع التعاملات، سواء كان مما يستقل به الإنسان كالإعارة، والطلاق والعتاق والعفو والإبراء، أو من غيره مما لا يستقل به وحده كالبيع والإجارة والنكاح ونحوها.
الدليل الثاني:
القياس على عقد النكاح، فإنه لا ينعقد إلا باللفظ (٢)، وقد اتفقوا على اشتراط الصيغ فيه، حتى لا يعلم أنه وجد لأحد من العلماء قول بالمعاطاة البتة، وإنما اختلفوا هل ينعقد بغير لفظ التزويج والنكاح أو لا ينعقد إلا بخصوص لفظهما (٣).
وأجيب:
بأن هناك فرقاً بين عقد النكاح والإعارة، فالشهادة في النكاح آكد منها في غيرها، ويشرع الإعلان في النكاح، ولا يشرع في الإعارة، ولأن الأصل في
стр. 10113
العارية الإباحة، والأصل في الفروج التحريم حتى يعقد عليهن بملك أو نكاح إلى غيره من الفروقات (١).
الدليل الثالث:
المعاطاة قد يراد بها الإعارة، وقد يراد بها البيع، وقد يراد بها الهبة، وقد يراد بها الإجارة، وقد يراد بها الرهن، وقد يدعي شخص أنه لم يرد به العقد مطلقاً، وعليه فلا يصلح أن يكون الإعطاء سبباً في التملك لكونه جنساً يشمل أنواعاً مختلفة من العقود، وكل عقد يختلف آثاره عن العقد الآخر، فلا بد للتعامل أن يكون بالقول الدال على تحديد كل عقد بعينه، وإلا أدى ذلك إلى وقوع النزاع بين المتعاقدين، وعدم معرفة الرضا الكامل الذي أناط الله به الجواز.
وأجيب:
إذا احتملت المعاطاة غير الإعارة لم تصح المعاطاة، وإنما الكلام فيما إذا كانت المعاطاة لا تحتمل إلا الإعارة بدلالة قرائن الحال، أو كانت دائرة بين الهبة وبين الإعارة لأن بذل الشيء بدون عوض لا يحتمل إلا الهبة أو الإعارة، فيحمل على أدناهما وهو الإعارة حتى نتيقن أنه أراد الهبة، والله أعلم.
الراجح:
صحة العارية بالقول والفعل، وبكل ما يدل على تمليك الانتفاع بلا عوض، والله أعلم.
* * *
стр. 10114
الفصل الثالث
في انقسام ألفاظ العارية إلى صريح وكناية
[م-٢٠٩٦] قال السيوطي: «اعلم أن الصريح وقع في الأبواب كلها وكذا الكناية، إلا في الخطبة فلم يذكروا فيها كناية بل ذكروا التعريض، ولا في النكاح فلم يذكروها للاتفاق على عدم انعقاده بالكناية. ووقع الصريح والكناية والتعريض جميعًا في القذف» (١).
ومع وقوع ألفاظ الكناية في جميع الأبواب إلا أن الناس في الجانب التطبيقي أكثروا من ذكر الكنايات في بعض الأبواب دون بعض لهذا كان تناول الفقهاء لألفاظ الكنايات تبعًا لاستعمال الناس، لهذا نشط الفقهاء في التعرض للصريح والكناية في باب الطلاق أكثر منه في باب العارية، لأن الناس أكثروا من الكنايات في الطلاق دون العارية، وإن كانت العارية كغيرها تقبل الصريح والكناية، إذا علم ذلك نقول:
اختلف الفقهاء في قبول العارية لألفاظ الكناية على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء إلى تقسيم ألفاظ العقود والتصرفات إلى صريح وكناية، ومنها العارية (٢).
стр. 10115
جاء في العناية شرح الهداية: «وتصح بقوله: أعرتك؛ لأنه صريح فيه» (١).
وقال الكاساني: «أما لفظ الإعارة فصريح في بابها ... » (٢).
فقوله: (في بابها) يفهم منه أن لفظ العارية وإن كان صريحًا في بابه فقد تكون من ألفاظ الكنايات في غير باب العارية إذا لم يجد نفاذا في موضوعه، فلفظ العتق صريح في بابه، ولا نفاذ له إذا استعمل في الزوجة، فكان كناية عن طلاقها.
جاء في تحفة المحتاج: «ويظهر فيما اشتهر من استعمال لفظ العارية هنا أنه فيما لا تصح إعارته كناية؛ لأنه لم يجد نفاذا في موضوعه وفي غيره ليس كناية؛ لأنه صريح في بابه ووجد نفاذا في موضوعه» (٣).
أما إذا وجد الصريح نفاذًا في بابه فلا يكون كناية عن غيره.
قال الزركشي في القواعد: «الصريح في إذا وجد نفاذًا في موضوعه لا يكون كناية في غيره، ومعنى وجد نفاذًا: أي أمكن تنفيذه .... وهذا كالطلاق لا يكون ظهارًا وفسخًا بالنية، وبالعكس، فلو قال: وهبت منك، ونوى الوصية، لا تكون وصية في الأصح؛ لأنه أمكن تنفيذه في موضوعه الصريح: وهو التمليك الناجز» (٤).
стр. 10116
مثال ذلك: لو قال: أعرني دراهمك لأنفقها كانت قرضًا؛ لأن العبرة في العقود بمعانيها، وليست بألفاظها.
قال ابن الهمام في فتح القدير: «في عارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون والمعدود، إذ قد صرحوا في صدر كتاب العارية بأن من شرطها كون المستعار قابلا للانتفاع به مع بقاء عينه، وأن الأشياء المذكورة لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها فتعذر حقيقة الإعارة فيها فجعلناها كناية عن القرض» (١).
وجاء في الإنصاف: «قال في الانتصار: لفظ العارية في الأثمان قرض، وقال في المغني والشرح: وإن استعارهما للنفقة فقرض» (٢).
وفي قواعد ابن رجب: «لو أعاره شيئا وشرط عليه العوض فهل يصح أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يصح ويكون كناية عن القرض .... وفي التلخيص إذا أعاره عبده على أن يعيره الآخر فرسه فهي إجارة فاسدة غير مضمونة فهذا رجوع إلى أنها كناية في عقد آخر والفساد إما أن يكون لاشتراط عقد في عقد آخر، وإما لعدم تقدير المنفعتين» (٣).
فصارت العارية وإن كانت صريحة في بابها إلا أنها في غير بابها تكون من الكنايات إذا لم يصح حملها على موضوعها، فصارت مرة كناية عن القرض، ومرة كناية في عقد الإجارة.
وفي المنثور في القواعد الفقهية: «قال: أعرتك حماري لتعير لي فرسك
стр. 10117
فإجارة فاسدة غير مضمونة، وهذا تصريح بأن الإعارة كناية في عقد الإجارة، والفساد جاء من اشتراط العارية في العقد» (١).
وإذا كانت الإعارة كناية في غير بابها، فإن القرض إذا استعمل في غير بابه كان كناية في العارية.
فإذا قال: أقرضتك هذا الثوب تلبسه يومًا واحدًا، أو أقرضتك هذه الدار تسكنها سنة، فالقرض صريح في باب القرض، لكنه إذا لم يجد نفاذًا في موضوعه كان كناية في غيره، فيكون هنا كناية في العارية، فدل على قبول العارية ألفاظ الكناية (٢).
القول الثاني:
ذهب بعض الشافعية إلى أنه لا كناية للعارية لفظًا (٣).
ذكره في تحفة المحتاج، ولم يقبله، جاء فيه: «ظاهر كلامهم أن هذه الألفاظ كلها ونحوها صرائح، وأنه لا كناية للعارية لفظًا وفيه وقفة، ولو قيل: إن نحو خذه، أو ارتفق به كناية ـ يعني في العارية ـ لم يبعد ولا يضر صلاحية خذه للكناية في غير ذلك» (٤).
وهذا هو المتعين، والله أعلم.
* * *
стр. 10118
الفصل الرابع
في تعليق الإعارة وإضافتها إلى المستقبل
[م-٢٠٩٧] اختلف الفقهاء في جواز تعليق الإعارة وإضافتها للمستقبل.
تعريف التعليق:
ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى بأداة من أدوات الشرط (١).
مثال التعليق أن تقول: إذا جاء غدًا فقد أعرتك، ومثال الإضافة أن تقول: أعيرك إياها غدًا.
والفرق بين التعليق والإضافة:
تعليق العارية بالشرط: هو ربط حصول العارية بواقعة تحتمل الحدوث في المستقبل، كأن يقول: إذا قدم زيد فقد أعرتك سيارتي، أو إذا ملكت هذه الأرض فقد أعرتك إياها لتزرعها (٢).
فالصيغة المعلقة على شرط لا تنشئ العارية إلا بعد تحقق هذا الشرط.
ويختلف تعليق العارية بالشرط عن إضافتها إلى الزمن المستقبل:
فتعليق العارية: تعليق إنشاء العارية على حصول أمر آخر، فإن حصل انعقدت العارية، وإن لم يحصل فالعارية لم تنعقد أصلًا، كأن يقول: إن رضي شريكي فقد أعرتك، فقبل رضا الشريك لم تنعقد العارية.
стр. 10119
وأما إضافة العارية إلى المستقبل، فالعارية تنعقد في الحال، وأثرها لا يوجد إلا في الوقت الذي أضيفت إليه، كأن يقول: سيارتي عارية بعد شهر، فالنص ليس فيه تعليق، فالعارية منعقدة في الحال، وتنفيذ العارية يتأخر إلى الوقت الذي أضيف إليه.
وقد اختلف العلماء في العارية هل تقبل التعليق والإضافة إلى المستقبل أو لا؟ والخلاف فيها كالخلاف في الهبة، منعًا وجوازًا؛ لأن العارية تبرع بالمنفعة، لهذا سيخرج الخلاف في العارية على الخلاف في الهبة إذا لم نجد نصًا في العارية.
إذا علم ذلك نقول اختلف العلماء في صحة تعليق العارية وإضافتها إلى المستقبل على أقوال:
القول الأول:
لا يجوز إضافة العارية، ولا تعليقها، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة (١).
واستثنى الحنفية والشافعية التعليق الصوري، بأن كان المعلق عليه محققًا وقت التكلم كما لو قال: إن كان هذا الشيء ملكي فقد أعرته لك، وهو في الواقع ملكه؛ لأن هذه في الحقيقة صيغة منجزة في صورة معلقة.
ولأن هذا تصريح بمقتضى العقد، فإن الإنسان لا يهب إلا ما يملك، فذكره من باب التوكيد.
واستنثى الشافعية التعليق بصورة: أعرتك إن شئت.
стр. 10120
واستثنى الحنابلة ما إذا علق الإيجاب على مشيئة الله، كما لو قال: أعرتك إن شاء الله. وقد ذكرت هذه الصورة في تعليق عقد البيع.
القول الثاني:
تصح إضافة العارية دون تعليقها، وهو قول في مذهب الحنفية (١).
جاء في حاشية ابن عابدين: «تبطل إضافة الإعارة، بأن قال: إذا جاء غد فقد أعرتك؛ لأنها تمليك المنفعة، وقيل تجوز، ولو قال أعرتك غدًا تصح» (٢).
فالمثال الأول: تعليق، لهذا أبطله، والمثال الثاني: إضافة، لهذا صححه.
القول الثالث:
صحة تعليق العارية، وهو قول في مذهب الحنفية، ويمكن تخريجه على صحة تعليق الوقف عند المالكية؛ لأن الوقف من عقود الهبات خاصة إذا كان على معين، ولهذا لم يشترط فيه البر، وقال بعض الشافعية بصحة تعليق الإعارة، وصحح الحارثي وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة تعليق الهبة وإضافتها إلى المستقبل، وإذا صح ذلك في الهبة صح في العارية؛ لأن كلًا منهما تمليك بلا عوض، إلا أن الهبة في الأعيان والعارية في المنافع، وهذا لا يشكل فرقًا (٣).