مثال ذلك: لو قال: أعرني دراهمك لأنفقها كانت قرضًا؛ لأن العبرة في العقود بمعانيها، وليست بألفاظها.
قال ابن الهمام في فتح القدير: «في عارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون والمعدود، إذ قد صرحوا في صدر كتاب العارية بأن من شرطها كون المستعار قابلا للانتفاع به مع بقاء عينه، وأن الأشياء المذكورة لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها فتعذر حقيقة الإعارة فيها فجعلناها كناية عن القرض» (١).
وجاء في الإنصاف: «قال في الانتصار: لفظ العارية في الأثمان قرض، وقال في المغني والشرح: وإن استعارهما للنفقة فقرض» (٢).
وفي قواعد ابن رجب: «لو أعاره شيئا وشرط عليه العوض فهل يصح أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يصح ويكون كناية عن القرض .... وفي التلخيص إذا أعاره عبده على أن يعيره الآخر فرسه فهي إجارة فاسدة غير مضمونة فهذا رجوع إلى أنها كناية في عقد آخر والفساد إما أن يكون لاشتراط عقد في عقد آخر، وإما لعدم تقدير المنفعتين» (٣).
فصارت العارية وإن كانت صريحة في بابها إلا أنها في غير بابها تكون من الكنايات إذا لم يصح حملها على موضوعها، فصارت مرة كناية عن القرض، ومرة كناية في عقد الإجارة.
وفي المنثور في القواعد الفقهية: «قال: أعرتك حماري لتعير لي فرسك
стр. 10117
فإجارة فاسدة غير مضمونة، وهذا تصريح بأن الإعارة كناية في عقد الإجارة، والفساد جاء من اشتراط العارية في العقد» (١).
وإذا كانت الإعارة كناية في غير بابها، فإن القرض إذا استعمل في غير بابه كان كناية في العارية.
فإذا قال: أقرضتك هذا الثوب تلبسه يومًا واحدًا، أو أقرضتك هذه الدار تسكنها سنة، فالقرض صريح في باب القرض، لكنه إذا لم يجد نفاذًا في موضوعه كان كناية في غيره، فيكون هنا كناية في العارية، فدل على قبول العارية ألفاظ الكناية (٢).
القول الثاني:
ذهب بعض الشافعية إلى أنه لا كناية للعارية لفظًا (٣).
ذكره في تحفة المحتاج، ولم يقبله، جاء فيه: «ظاهر كلامهم أن هذه الألفاظ كلها ونحوها صرائح، وأنه لا كناية للعارية لفظًا وفيه وقفة، ولو قيل: إن نحو خذه، أو ارتفق به كناية ـ يعني في العارية ـ لم يبعد ولا يضر صلاحية خذه للكناية في غير ذلك» (٤).
وهذا هو المتعين، والله أعلم.
* * *
стр. 10118
الفصل الرابع
في تعليق الإعارة وإضافتها إلى المستقبل
[م-٢٠٩٧] اختلف الفقهاء في جواز تعليق الإعارة وإضافتها للمستقبل.
تعريف التعليق:
ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى بأداة من أدوات الشرط (١).
مثال التعليق أن تقول: إذا جاء غدًا فقد أعرتك، ومثال الإضافة أن تقول: أعيرك إياها غدًا.
والفرق بين التعليق والإضافة:
تعليق العارية بالشرط: هو ربط حصول العارية بواقعة تحتمل الحدوث في المستقبل، كأن يقول: إذا قدم زيد فقد أعرتك سيارتي، أو إذا ملكت هذه الأرض فقد أعرتك إياها لتزرعها (٢).
فالصيغة المعلقة على شرط لا تنشئ العارية إلا بعد تحقق هذا الشرط.
ويختلف تعليق العارية بالشرط عن إضافتها إلى الزمن المستقبل:
فتعليق العارية: تعليق إنشاء العارية على حصول أمر آخر، فإن حصل انعقدت العارية، وإن لم يحصل فالعارية لم تنعقد أصلًا، كأن يقول: إن رضي شريكي فقد أعرتك، فقبل رضا الشريك لم تنعقد العارية.
стр. 10119
وأما إضافة العارية إلى المستقبل، فالعارية تنعقد في الحال، وأثرها لا يوجد إلا في الوقت الذي أضيفت إليه، كأن يقول: سيارتي عارية بعد شهر، فالنص ليس فيه تعليق، فالعارية منعقدة في الحال، وتنفيذ العارية يتأخر إلى الوقت الذي أضيف إليه.
وقد اختلف العلماء في العارية هل تقبل التعليق والإضافة إلى المستقبل أو لا؟ والخلاف فيها كالخلاف في الهبة، منعًا وجوازًا؛ لأن العارية تبرع بالمنفعة، لهذا سيخرج الخلاف في العارية على الخلاف في الهبة إذا لم نجد نصًا في العارية.
إذا علم ذلك نقول اختلف العلماء في صحة تعليق العارية وإضافتها إلى المستقبل على أقوال:
القول الأول:
لا يجوز إضافة العارية، ولا تعليقها، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة (١).
واستثنى الحنفية والشافعية التعليق الصوري، بأن كان المعلق عليه محققًا وقت التكلم كما لو قال: إن كان هذا الشيء ملكي فقد أعرته لك، وهو في الواقع ملكه؛ لأن هذه في الحقيقة صيغة منجزة في صورة معلقة.
ولأن هذا تصريح بمقتضى العقد، فإن الإنسان لا يهب إلا ما يملك، فذكره من باب التوكيد.
واستنثى الشافعية التعليق بصورة: أعرتك إن شئت.
стр. 10120
واستثنى الحنابلة ما إذا علق الإيجاب على مشيئة الله، كما لو قال: أعرتك إن شاء الله. وقد ذكرت هذه الصورة في تعليق عقد البيع.
القول الثاني:
تصح إضافة العارية دون تعليقها، وهو قول في مذهب الحنفية (١).
جاء في حاشية ابن عابدين: «تبطل إضافة الإعارة، بأن قال: إذا جاء غد فقد أعرتك؛ لأنها تمليك المنفعة، وقيل تجوز، ولو قال أعرتك غدًا تصح» (٢).
فالمثال الأول: تعليق، لهذا أبطله، والمثال الثاني: إضافة، لهذا صححه.
القول الثالث:
صحة تعليق العارية، وهو قول في مذهب الحنفية، ويمكن تخريجه على صحة تعليق الوقف عند المالكية؛ لأن الوقف من عقود الهبات خاصة إذا كان على معين، ولهذا لم يشترط فيه البر، وقال بعض الشافعية بصحة تعليق الإعارة، وصحح الحارثي وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة تعليق الهبة وإضافتها إلى المستقبل، وإذا صح ذلك في الهبة صح في العارية؛ لأن كلًا منهما تمليك بلا عوض، إلا أن الهبة في الأعيان والعارية في المنافع، وهذا لا يشكل فرقًا (٣).
стр. 10121
ولأن الذين منعوا من التعليق في عقود المعاوضات فلأن العقد يكون دائرًا بين الوجود والعدم، وهذا يوقع في الغرر، والمالكية يجيزون الغرر في عقود التبرعات، كما سبق بحثه في عقد الهبة، فكان مقتضى مذهبهم جواز التعليق في عقود التبرعات.
جاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من جامع الفصولين: «قال: إذا جاء غد فقد أعرتك تبطل؛ لأنها تمليك المنفعة، وقيل: تجوز كالإجارة، وقيل: تبطل الإجارة. ولو قال: أعرتك غدًا تصح العارية» (١).
وجاء في مغني المحتاج: «يجوز تعليق الإعارة، وتأخير القبول، ففي الروضة وأصلها: أنه لو رهنه أرضًا، وأذن له في غراسها بعد شهر، فهي بعد الشهر عارية، غرس أم لا، وقبله أمانة حتى لو غرس قبله قلع» (٢).
والمثال يصح على صحة إضافة الإعارة، لا تعليقها، نعم يصح تعليقًا لو قال: إذا دخل الشهر فقد أذنت لك في غراسها، والله أعلم.
وفي أسنى المطالب: «هل يصح تعليق الإباحة؟ قال الروياني في آخر كتاب الوكالة من البحر، لو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد أبحت لك، فيه وجهان: قال الزركشي في قواعده: ويشبه ترجيح الجواز؛ إذ لا تمليك فيها. اهـ بل هو الأصح» (٣).
стр. 10122
القول الرابع:
تصح العارية، ويبطل الشرط بناء على أن الشروط الفاسدة لا تبطل العقد، وهو قول في مذهب الحنابلة في عقد الهبة (١).
وقد سبق أن ناقشت تعليق العقود، سواء منها ما كان من عقود المعاوضات كالبيع والإجارة أو كان من عقود التبرع كالوقف والوصية والهبة، وذكرنا أدلة المسألة هنالك فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
стр. 10123
الباب الثاني
في شروط الإعارة
الفصل الأول
في شروط المعير
الشرط الأول
أن يكون المعير ممن يصح تبرعه
[م-٢٠٩٨] العارية: تبرع بالمنفعة، فمن صح تبرعه صحت إعارته، ومن لا يصح تبرعه لم تصح الإعارة منه. وبعضهم يعبر عن ذلك بقوله: أن يكون المعير جائز التصرف، والتبرع نوع من التصرف، فمن منع من التصرف فقد منع من التبرع.
قال ابن قدامة: «ولا تصح العارية إلا من جائز التصرف» (١).
ولأن الممنوع من التصرف إما ممنوع منه؛ لأنه غير مأذون له فيه، كإعارة الولي والوصي وناظر الوقف.
أو ممنوع من التصرف لانعدام الأهلية، كتصرف المحجور عليه من صبي وسفيه.
والعقل والبلوغ والحرية هي صفات الأهلية الكاملة للتبرع.
стр. 10124
جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «شرط المعير صحة تبرعه؛ لأن الإعارة تبرع بإباحة المنفعة» (١).
وفي كشاف القناع: «ويعتبر أيضًا كون المعير أهلًا للتبرع شرعًا؛ لأن الإعارة نوع من التبرع؛ لأنها إباحة منفعة» (٢).
ولا يوجد خلاف على اعتبار هذا الشرط في الجملة، وإنما الخلاف في بعض الأشخاص هل هو ممن يصح تبرعه، أو لا؟
فالمجنون والصبي غير المميز لا يصح تبرعهما قولًا واحدًا.
قال الكاساني: «لا تصح الإعارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل» (٣).
ولأن المجنون والصبي الذي لا يعقل محجور عليه، لا تصح تصرفاته في ماله، وعبارته ملغاة. ولا قصد له صحيح، ومن شروط التبرع أن يكون جائز التصرف.
قال ابن قدامة: «ولا تصح العارية إلا من جائز التصرف» (٤).
ولأن التبرع ضرر محض، لا يقابله نفع دنيوي، فلا يملكه المجنون، ولا فاقد التمييز.
[م-٢٠٩٩] واختلفوا في الصبي المميز، هل تصح إعارته؟ على قولين:
стр. 10125
القول الأول:
تصح الإعارة من الصبي المأذون له، وهذا مذهب الحنفية (١).
° وجه القول بالجواز:
قال الكاساني: «وأما البلوغ فليس بشرط عندنا حتى تصح الإعارة من الصبي المأذون؛ لأنها من توابع التجارة، وأنه يملك التجارة، فيملك ما هو من توابعها» (٢).
ويناقش:
بأن الإعارة تبرع، والولي لا يملك التبرع من مال الصبي فلم يكن داخلًا في الإذن فيها، وقد منعتم القرض من الصبي المميز، ولو كان مأذونًا له فيه؛ وعللتم ذلك بأن الولي لا يملك التبرع.
جاء في بدائع الصنائع وهو يتكلم عن شروط القرض: «وأما الذي يرجع إلى المقرض فهو أهليته للتبرع فلا يملكه من لا يملك التبرع من الأب والوصي والصبي ... لأن القرض للمال تبرع، ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال، فكان تبرعًا للحال، فلا يجوز إلا ممن يجوز منه التبرع، وهؤلاء ليسوا من أهل التبرع» (٣).
وإذا كان كذلك فالعارية من جنس القرض؛ إلا أنه إقراض للمنافع، ولهذا
стр. 10126
سمى النبي ﷺ القرض منيحة، فقال: (أو منيحة ذهب أو منيحة ورق)، فأطلق على القرض ما يطلق على العارية. وقد سبق تخريجه في عقد القرض عند الكلام على مشروعية القرض.
القول الثاني:
اتفق المالكية والحنابلة والشافعية في أن إعارة الصبي المميز لا تصح وإن كان مأذونًا له، وإن اختلفوا في بيعه إذا كان مأذونًا له بالبيع حيث منعه الشافعية، وصححه المالكية والحنابلة كما سبق بيان ذلك في عقد البيع (١).
جاء في شرح الخرشي: «مالك المنفعة بلا حجر يصح منه الإعارة .... وقوله (بلا حجر شرعي) كالصبي والعبد، ولو مأذونًا له في التجارة؛ لأنه إنما أذن له في التصرف بالأعواض ولم يؤذن له في نحو العارية» (٢).
فقوله: (كالصبي) مطلق، فيشمل المميز وغيره، والمأذون له وغيره.
وفي المهذب للشيرازي: «ولا تصح الإعارة إلا من جائز التصرف في المال، فأما من لا يملك التصرف في المال كالصبي والسفيه فلا تصح منه لأنه تصرف في المال، فلا يملكه الصبي والسفيه كالبيع» (٣).
وقال ابن قدامة: «فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح، سواء أذن فيها
стр. 10127
الولي، أو لم يأذن؛ لأنه محجور عليه لحظ نفسه، فلم يصح تبرعه كالسفيه» (١).
والعارية هبة إلا أنها من هبات المنافع لا الأعيان.
° وجه القول بعدم الجواز:
أن الإذن من الولي إنما هو في التصرف في البيع، امتحانًا لمعرفة رشد الصبي، وهذا يملكه الولي عند المالكية والحنابلة؛ ولأن الولي يملك بيع مال الصبي، فيملك الإذن للصبي فيه، ولا يملك الولي التبرع من مال الصبي، فلا يملك الإذن فيه.
ولأن الإعارة تصرف لا يقابله عوض، فالمحجور عليه ممنوع منه؛ لأنه ضرر محض، ووليه لا يملك التبرع من مال المحجور عليه، ومن لا يملك الشيء لم يملك الإذن فيه.
* * *
стр. 10128
مبحث
في إعارة المحجور عليه للغير
[م-٢١٠٠] المحجور عليه للغير: هو الذي أحاط الدين بجميع ماله، فإذا أحاط الدين بمال المدين وطلب الغرماء الحجر عليه وجب على القاضي الحكم بتفليسه، وهذا مذهب الجمهور، وبه قال صاحبا أبي حنيفة خلافًا لإمامهما.
والكلام في إعارة المحجور عليه لفلس كالكلام في هبته سواء؛ لأن التبرع إن كان لتمليك العين والمنفعة سمي هبة اصطلاحًا، وإن كان التبرع لتمليك المنفعة دون العين سمي عارية، وكلاهما تصرف قائم على التبرع.
إذا علم ذلك نقول: إذا حجر عليه تعلق حق الغرماء بالمال نظير تعلق حق الراهن بالمرهون، فإذا تصرف في ماله بعد الحجر فإن كان تصرفًا نافعًا للغرماء كقبول التبرعات والصدقات فهذه لا يمنع منها.
وإن كان تصرفه ضارًا بالغرماء كالهبة والعارية، والوقف، والإبراء فقد اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول:
أنها لا تصح منه، وهذا قول الجمهور.
القول الثاني:
يقع التصرف صحيحًا موقوفًا على موافقة رب الدين، وهذا مذهب المالكية، وقول عند الشافعية في مقابل الأظهر عندهم.
وقال الخطيب: «قضية كلامهم أن المفلس لا يعير العين. قال الإسنوي:
стр. 10129
والمتجه جوازه إذا لم يكن في الإعارة تعطيل للنداء عليها، كإعارة الدار يومًا. وهو ظاهر كما قاله بعض المتأخرين إذا لم تكن المنفعة تقابل بأجرة، وإلا فيمتنع» (١).
وسوف نتكلم على هذه المسألة بأدلتها إن شاء الله تعالى في باب الحجر، فانظرها هناك.
* * *
стр. 10130
الشرط الثاني
أن يكون المعير مالكًا أو مأذونًا له بالإعارة
[م-٢١٠١] لا يذكر الفقهاء أحيانًا كل شروط المعير اكتفاء بذكرها في شروط الواهب في عقد الهبة، باعتبار أن الإعارة هبة للمنفعة، لهذا إذا لم أجد نصًا في الإعارة فسوف أستعين بالنصوص المتوفرة في عقد الهبة.
إذا علم ذلك نقول: يشترط في المعير أن يكون مالكًا لمنفعة العين المعارة، أو مأذونًا له بذلك، لأن الإعارة من جنس الهبة إلا أنهي من قبيل هبات المنافع، ومن شرط الهبة صحة الملك (١).
قال القرافي في الذخيرة: «العارية تبرع» (٢).
وفي كشاف القناع: «الإعارة نوع من التبرع لأنها إباحة منفعة» (٣).
قال ابن نجيم: «لا تصح هبة المجنون .... وغير المالك» (٤).
وفي الفتاوى الهندية: «وأما ما يرجع إلى الواهب فهو أن يكون من أهل الهبة، وكونه من أهلها أن يكون حرًا عاقلًا ... مالكًا للموهوب» (٥). ولما كان
стр. 10131
الموهوب هو المنفعة، فالمشترط أن يكون مالكًا للمنفعة، ولو لم يملك العين، كالمستأجر يهب منفعة العين المستأجرة مدة العقد.
وقال ابن رشد: «وأما المعير فلا يعتبر فيه إلا كونه مالكًا للعارية إما لرقبتها، وإما لمنفعتها» (١).
وجاء في أسنى المطالب: «ويشترط فيه ملكه المنفعة، ولو بوصية، أو وقف، وإن لم يملك العين؛ لأن الإعارة ترد على المنفعة دون العين» (٢).
وفي كشاف القناع: «ويعتبر أيضًا كون المعير أهلا للتبرع شرعًا؛ لأن الإعارة نوع من التبرع لأنها إباحة منفعة فلا يعير مكاتب ولا ناظر وقف، ولا ولي يتيم من ماله» (٣).
* * *
стр. 10132
المبحث الأول
في إعارة الفضولي
الفضولي: يتصرف لما يظنه مصلحة للمالك، سواء في عقود المعاوضات، أو في غيرها من التصرفات كالتبرعات، فإن تصرف لمصلحته هو فهو غاصب، وقد كشفت عن ذلك في عقد البيع عند الكلام عن بيع الفضولي فارجع إليه إن شئت.
وجمهور الفقهاء يرون الخلاف في إعارة الفضولي كالخلاف في بيع الفضولي، ولهذا كثير من الفقهاء يبحثون أحكام الفضولي تحت عنوان تصرف الفضولي ليدخل في ذلك بيعه وشراؤه، وهبته، وصدقته، ووقفه، وإعارته خلافًا للمالكية الذين فرقوا بين بيع الفضولي وبين تبرعه كهبته وإعارته، ووقفه ونحو ذلك.
وقد سبق لنا تحرير الخلاف في هبة الفضولي والإعارة من جنس الهبة، إلا أنها هبة منفعة، لذا لن يختلف كلام الفقهاء في إعارة الفضولي عنه في هبته.
قال العدوي في حاشتيه: «إعارة الفضولي ملك الغير باطلة كهبته، ووقفه، وسائر ما أخرجه على غير عوض» (١).
إذا علم ذلك نقول:
[م-٢١٠٢] اختلف العلماء في إعارة الفضولي على قولين:
стр. 10133
القول الأول:
أن إعارة الفضولي كبيعه، موقوف على إجازة المالك، فإن أجازها نفذ، وإن ردها بطلت، وهذا مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، والقديم من قولي الشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (١).
جاء في حاشية الدسوقي «ذكر بعضهم أن وقفه وصدقته وعتقه كبيعه في أن كلًا صحيح غير لازم، فإن أمضاه المالك مضى، وإن رده رده، واختاره شيخنا العدوي؛ لأن المالك إذا أجازه كان في الحقيقة صادرًا عنه» (٢).
القول الثاني:
الفرق بين بيع الفضولي وبين تبرعه من إعارة وهبة، وصدقة، ووقف، فيصح البيع موقوفًا على إجازة المالك، ولا يصح تبرع الفضولي. وهذا مذهب المالكية (٣).
جاء في حاشية الدسوقي: «خرج بقوله (مالك) الفضولي، فإعارته لملك الغير غير صحيحة: أي غير منعقدة كهبته، ووقفه، وسائر ما أخرجه بغير عوض، أما ما أخرجه بعوض كبيعه فإنه صحيح منعقد لكن يتوقف لزومه على رضا مالكه» (٤).
стр. 10134
° وجه التفريق بين التبرع والمعاوضة:
أن المعاوضة تمليك بعوض فصحت موقوفة على إجازة المالك، أما التبرع، ومنه الإعارة فالتمليك فيها بلا مقابل لهذا بطلت.
القول الثالث:
أن هبة الفضولي كبيعه باطلة، وهو قول الشافعي في الجديد، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقد ذكرنا أدلة المسألة في عقد البيع عند الكلام على بيع الفضولي فقد جمعت أدلتهم هناك، وتمت مناقشتها، فأغنى ذلك عن ذكرها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 10135
المبحث الثاني
في إعارة الولي والوصي ونحوهما من مال الصغير
إذا كانت حقيقة العارية هي تبرعًا بالمنفعة، واشترط في المعير أن يكون أهلًا للتبرع، فهل يتمتع الأب والوصي بهذه الأهلية في مال الصغير فتصح منهما إعارة مال الصغير لأجنبي، أو يقال: إن تصرفهما مقيد بالمصلحة، ولا مصلحة بالتبرع؟
[م-٢١٠٣] وللجواب على ذلك نقول: إن كانت العارية بعوض، فهي إجارة، وقد تكلمت في عقد الوصية عن حق الأب والوصي في تأجير مال الصغير، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
[م-٢١٠٤] وإن كانت العارية بلا عوض، فهي تبرع بالمنفعة، وقد اختلف العلماء في حق الأب والوصي في التبرع بمال الصغير على قولين:
القول الأول:
لا يملك الأب ولا الوصي التبرع بإعارة مال الصغير للغير، وهو مذهب الجمهور وأحد القولين في مذهب الحنفية (١).
стр. 10136
جاء في حاشية ابن عابدين: «ليس للأب إعارة مال طفله لعدم البدل وكذا القاضي والوصي» (١).
وقال ابن نجيم: «واختلفوا في إعارة الأب مال ولده الصغير، وفي الصحيح لا» (٢).
وجاء في روضة الطالبين نقلًا عن صاحب العدة: «ليس للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه؛ لأن ذلك هبة لمنافعه، فأشبه إعارة ماله. وهذا الذي قاله ينبغي أن يحمل على خدمة تقابل أجرة، أما ما كان محقرًا بحيث لا يقابل بأجرة فالظاهر الذي يقتضيه أفعال السلف أنه لا منع منه إذا لم يضر بالصبي» (٣).
وفي نهاية المحتاج: «ولا تجوز مطلقًا إعارة الإمام أموال بيت المال كالولي في مال طفله» (٤).
وفي كشاف القناع: «ويعتبر أيضًا كون المعير أهلا للتبرع شرعًا؛ لأن الإعارة نوع من التبرع لأنها إباحة منفعة فلا يعير مكاتب، ولا ناظر وقف، ولا ولي يتيم من ماله» (٥).
القول الثاني:
اختار بعض المتأخرين من الحنفية أن للأب أن يعير مال ولده الصغير.
جاء في المحيط البرهاني: «ذكر شمس الأئمة الحلواني في أول شرح
стр. 10137
الوكالة: أن للأب أن يعير ولده الصغير، وذكر شمس الأئمة الحلواني، وهل له أن يعير مال ولده الصغير؟ بعض المتأخرين من مشايخنا قالوا: له ذلك، وعامة المشايخ على أنه ليس له ذلك» (١).
ولعلهم قاسوا إعارة ماله على جواز إعارة الولد، وفيه نظر، وإنما جوز الحنفية إعارة الولد لما فيه من مصلحة الولد، كإعارة الولد للمعلم ليتعلم منه، وإعارة الولد للحرفي ليتعلم منه حرفة وصنعة، ويؤيده قصة أنس وخدمته للرسول ﷺ في الصحيح.
قال ابن عابدين نقلًا من جامع الفصولين: «للأب أن يعير ولده الصغير ليخدم أستاذه لتعليم الحرفة وللأب أو الجد أو الوصي استعماله بلا عوض بطريق التهذيب والرياضة» (٢).
القول الثالث:
ذهب بعض الحنابلة إلى أن إعارة مال الصغير كإقراضه.
جاء في مطالب أولي النهى: «قالوا بجواز إعارة مال اليتيم إذا كان لمصلحته، أو لدفع مضرة عنه» (٣).
قال في الفروع: «يعتبر كون المعير أهلًا للتبرع شرعًا، وأهلية مستعير للتبرع له، ويتوجه في مال صغير كقرضه» (٤).
стр. 10138
وقد تقدم لنا أن الحنابلة في إقراض مال الصغير ينظرون إلى الباعث على العقد، فإن كان الحامل على إقراض مال الصغير الإرفاق بالمقترض فهذا غير جائز، وإن كان الحامل عليه مصلحة الصغير جاز إقراضه.
والعارية مثله، فإن كان الباعث على إعارة مال الصغير الخوف على مال الصغير من الاعتداء، وأراد من إعارته وضعه في يد رجل أمين قادر على حفظه كانت إعارته إرفاقًا بالصغير، وليس بالمستعير، فتكون إعارته جائزة، وإلا فلا.
جاء في المغني: «فأما إقراض مال اليتيم فإذا لم يكن فيه حظ له لم يجز قرضه .... قال أحمد: لا يقرض مال اليتيم لأحد يريد مكافأته ومودته، ويقرض على النظر والشفقة كما صنع ابن عمر ...
وقيل لأحمد: إن عمر استقرض مال اليتيم؟
قال: إنما استقرض نظرًا لليتيم واحتياطًا إن أصابه بشيء غرمه.
قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مال في بلده، فيريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو نحوهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه، كالحنطة ونحوها، فيقرضه خوفًا من أن يسوس، أو تنقص قيمته، وأشباه هذا فيجوز القرض؛ لأنه مما لليتيم فيه حظ فجاز كالتجارة به.
وإن لم يكن فيه حظ وإنما قصد إرفاق المقترض، وقضاء حاجته فهذا غير جائز؛ لأنه تبرع بمال اليتيم، فلم يجز كهبته» (١).
* * *
стр. 10139
المبحث الثالث
في إعارة المستأجر
[م-٢١٠٥] من شروط المعير أن يكون مالكًا للمنفعة المعارة، والمستأجر يملك منفعة العين المستأجرة، فهل يجوز له إعارتها؟
فإن اشترط المؤجر على المستأجر ألا تخرج العين من يده إلى غيره لم يملك المستأجر إعارة ما استأجره وفاء للشرط.
وإن كان عقد الإجارة مطلقًا، فإن المستأجر يملك بعقد الإجارة منفعة العين المستأجرة مدة الإجارة، ومن ملك شيئًا ملك التصرف فيه.
وإذا كان جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية، والشافعية، والمعتمد عند الحنابلة قد أجازوا للمستأجر تأجير العين المستأجرة، فجواز إعارتها من باب أولى (١).
стр. 10140
قال ابن نجيم: «وأما المستأجر فيؤجر ويعير ما لا يختلف باختلاف المستعمل» (١).
وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «لا يشترط أن يكون المعير مالكًا لرقبة المستعير، ويكفي في صحة الإعارة أن يكون المعير مالكًا لمنفعته، وعليه فكما أن للمستأجر أن يعير آخر المأجور الذي لا يختلف باختلاف المستعملين، فللمستعير أيضًا على ما جاء في المادتين ٨١٩، ٨٢٠ أن يعير المستعار لآخر» (٢).
جاء في مواهب الجليل: «وتصح ـ يعني العارية ـ من كل مالك للمنفعة، وإن كان ملكه لها بإجارة، أو عارية، ما لم يحجر عليه ذلك» (٣).
وقال النووي في الروضة: «يجوز للمستأجر أن يعير؛ لأنه يملك المنفعة» (٤).
стр. 10141
وفي الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع في ذكره شروط المعير: «أن يكون مالكًا لمنفعة المعار، وإن لم يكن مالكا للعين؛ لأن الإعارة إنما ترد على المنفعة دون العين، فتصح من مكتر لا من مستعير؛ لأنه غير مالك للمنفعة، وإنما أبيح له الانتفاع فلا يملك نقل الإباحة» (١).
وقال ابن مفلح في الفروع: «وله ـ يعني المستأجر ـ الإعارة لقائم مقامه» (٢).
وفي كشاف القناع: «وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله بإعارة أو غيرها؛ لأنه ملك المنفعة بالعقد، فكان له التسلط على استيفائها بنفسه ونائبه» (٣).
* * *
стр. 10142
المبحث الرابع
في إعارة المستعير
[م-٢١٠٦] إن أعار المستعير العين بإذن المعير صحت بلا خلاف، لأنه لو أذن له في بيعها لجاز فكذا إعارتها (١).
وإن أعارها بدون إذن المعير، فهل يملك ذلك؟ اختلف العلماء على قولين:
القول الأول:
يملك المستعير إعارة العين المستعارة كالمستأجر، وهذا هو المختار من مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية، وفي مقابل الأصح عند الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢).
جاء في تبيين الحقائق: «يعير المستعير العارية مما لا يختلف باختلاف المستعمل» (٣).
стр. 10143
جاء في مواهب الجليل: «وتصح ـ يعني العارية ـ من كل مالك للمنفعة، وإن كان ملكه لها بإجارة، أو عارية، ما لم يحجر عليه ذلك» (١).
وقال الماوردي في الحاوي: «في جواز إعارتها وجهان:
أحدهما: يجوز أن يعير كما يجوز للمستأجر أن يؤجر.
والوجه الثاني: لا يجوز أن يعير وهو الصحيح؛ لأنه مخصوص بإباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها لغيره كما لو أبيح أكل لم يجز أن يبيحه لغيره» (٢).
وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «وليس للمستعير أن يعير، وهذا أحد الوجهين ... وفي الآخر له ذلك، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يملكه على حسب ما ملكه، فجاز كإجارة المستأجر» (٣).
القول الثاني:
لا يملك المستعير إعارة ما استعاره، اختاره بعض الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٤).
جاء في أسنى المطالب «تصح الإعارة من المستأجر؛ لأنه مالك المنفعة لا من المستعير؛ لأنه غير مالك لها» (٥).
وقال النووي في الروضة: «وليس للمستعير أن يعير على الصحيح ولكن له أن
стр. 10144
يستوفي المنفعة لنفسه بوكيله» (١).
وقال الشيرازي: «وللمستعير أن يستوفي المنافع بوكيله ... وهل له أن يعير؟ فيه وجهان: أظهرهما المنع؛ لأن الإذن مخصوص به، فهو كالضيف» (٢).
جاء في كشاف القناع: «المستعير لا يملك الإعارة ولا الإجارة ... لأنه لا يملك المنفعة بل الانتفاع» (٣).
سبب الخلاف في المسألة:
يرجع الخلاف في المسألة إلى أن المستعير هل يملك المنفعة، أو يملك الانتفاع؟
فتمليك الانتفاع: حق شخصي يباشره صاحبه بنفسه فقط، وليس له أن يمكن غيره من تلك المنفعة، فالنكاح مثلاً من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة؛ إذ ليس له أن يمكن غيره من تلك المنفعة.
ومثله حق الجلوس في الطرقات والمساجد وإجراء الماء في أرض غيره إن احتاج إليه دون الإضرار به.
وتمليك المنفعة: أعم وأشمل، فهو يعطي صاحبه حق التصرف في المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم ضمن حدود العقد الذي ملك به المنفعة، فيحق له تمليك المنفعة التي ملكها لغيره بأجرة، أو هبة، أو عارية، ولا يقيد في تصرفه إلا بشيء واحد، وهو المماثلة لما ملكه من المنفعة في وجه الانتفاع.
стр. 10145
فمن اشترى كتاباً مثلًا فهو قد ملك الانتفاع بهذا الكتاب فقط (الوعاء المادي أصالة، وما قد تضمنه تبعاً) ولم يملك منفعته (مادة الكتاب)، ولهذا لو تلف الكتاب الذي اشتراه ليس له الحق في نسخة أخرى؛ لأن حقه تعلق في هذا الغلاف بعينه، وبه يتبين أن عقد الشراء لم يقع في الأصل على جوهر الحق الذي هو ملك للمؤلف، وإنما وقع العقد على نسخة من الكتاب ينتفع بها قراءة، وهبة، ولم ينتزع حق تلك الأفكار من مبدعها الذي لا تزال تنسب إليه شرعاً، ولم يجعل المشتري من نفسه بدلاً من المؤلف أو المبتكر، فليس للمشتري الحق في غير النسخة التي اشتراها، وليس له أن ينسخ عليها نسخاً أخرى، وهذا واضح بين.
وإذا طبقنا هذا على العارية، فأرى أن المعير قد بذل ماله للمستعير بلا مقابل، فكانت عينه مقصودة في بذل هذا المال، وإذا دار الأمر، هل العارية ملك للمنفعة، أو ملك للانتفاع فقط، فإننا نحمل الأمر على أدناهما احتياطًا للملكية، كما أن الأمر إذا احتمل العارية والهبة حملناه على العارية؛ لأنها أدنى الأمرين، وهي المتيقن. والله أعلم (١).
* * *
стр. 10146
الشرط الثالث
أن يكون المعير راضيًا مختارًا
[م-٢١٠٧] يشترط في المعير ألا يكون مكرهًا على الإعارة؛ لأن الإعارة عقد من عقود التبرع، وشرط صحة التبرع الرضا.
قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:٤].
وقال ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١).
وحرمة مال المسلم من الضرورات الخمس المجمع على تحريمها (٢).
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام في بيان شروط صحة الإعارة: «كون المعير غير مكره، كما يشترط ذلك في كل عقد كالبيع، والإجارة، والإيداع» (٣).
وقال أيضًا: «إذا كان المعير مكرهًا فلا تكون الإعارة صحيحة، ويكون المستعير غاصبًا» (٤).
وقال الونشريسي: «المكره لا يلزمه شيء من العقود» (٥).
وفي الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «أن يكون مختارًا فلا تصح من مكره» (٦).
стр. 10147
وقال ابن القيم: «من تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه كالنائم، والناسي، والسكران، والجاهل، والمكره، والمخطئ» (١).
فإن كان الإكراه بحق صحت الإعارة، قال في إعانة الطالبين: «لو أكره على إعارة واجبة عليه، فتصح» (٢).
* * *
стр. 10148
الفصل الثاني
في شروط المستعير
الشرط الأول
في اشتراط الأهلية في المستعير
المبحث الأول
في حكم استعارة الصبي والمجنون
[م-٢١٠٨] يشترط في المستعير أهلية القبول لملك المنفعة.
ويدخل تحت هذا الشرط مسألتان:
الأولى: حكم استعارة الصبي والمجنون.
والثاني: حكم إعارة المسلم والمصحف للذمي.
فأما المسألة الأولى: وهو كون المستعير صبيًا أو مجنونًا:
فقد جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «يشترط في صحة الإعارة كون المعير والمستعير عاقلين» (١).
وفي القوانين الفقهية: «المستعير، وهو من كان أهلًا للتبرع عليه» (٢).
стр. 10149
وقال الغزالي: «الثاني: المستعير: ولا يعتبر فيه إلا أن يكون أهلًا للتبرع عليه» (١).
وقال النووي: «المستعير: ويشترط فيه كونه أهلًا للتبرع عليه بعقد يشتمل على إيجاب وقبول بقول أو فعل، فلا تصح الإعارة للصبي كما لا يوهب له» (٢).
وجاء في الفروع لابن مفلح: «يعتبر كون المعير أهلًا للتبرع شرعًا، وأهلية المستعير للتبرع له» (٣).
وانتقد ابن عرفه قول الفقهاء يشترط في المستعير أن يكون أهلًا للتبرع عليه، بأن الكافر يملك أهلية التبرع عليه، ومع ذلك لا يصح إعارة المسلم والمصحف له، والولد من أهل التبرع، ولا يصح إعارة الوالد لولده، وفضل أن يكون التعبير أن يكون المستعير قابل ملك المنفعة (٤).
ومقصود الفقهاء بأهلية المستعير للتبرع عليه بأن يكون من أهل التملك، والصبي غير المميز، والمجنون يتمتعان بأهلية التملك دون أهلية التمليك إلا أن الولي والوصي يقومان مقامهما في القبول لهما.
جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «ويشترط في الموهوب له أن يكون فيه أهلية الملك لما يوهب له من مكلف وغيره، وغير المكلف يقبل له وليه» (٥).
стр. 10150
والموهوب له تارة يملك العين والمنفعة، وتارة يملك المنفعة فقط، وهي العارية.
فالفقهاء عندما قالوا: يشترط أن يكون أهلًا للتبرع عليه، يريدون أن يخرجوا بهذا القيد ما ليس أهلًا للتملك كما لو قصد تمليك البهيمة لا صاحبها، أو تمليك ملك من الملائكة، ونحو ذلك، ولا يريدون أن يخرجوا من ذلك الصبي والمجنون، فلا يشترط في المستعير الرشد، فتصح إعارة الصبي والمجنون والسفيه، فإن كان المستعير يتمتع بأهلية التملك والقبول باشر القبول بنفسه، كما لو كان المستعير عاقلًا مميزًا.
وإن كان الموهوب له يتمتع بأهلية التملك، وليس أهلًا للقبول كالمجنون والصبي الذي لا يميز فإنه يقبل عنه وليه، ومثله الوصي والقيم، والله أعلم.
[م-٢١٠٩] وتصح الاستعارة من الصبي المميز خاصة إذا كان مأذونًا له؛ لأنها نفع محض له، والحجر إنما كان نظرًا له، وفي رد الاستعارة منه ضرر عليه.
قال الزيلعي: «التصرف على الصغير على ثلاثة أنواع: نوع هو نفع محض فيملكه كل من هو في يده وليًا كان، أو لم يكن وليًا، كقبول الهبة، والصدقة، ويملكه الصبي بنفسه إذا كان مميزًا.
ونوع هو ضرر محض: كالعتاق والطلاق فلا يملكه عليه أحد.
ونوع هو متردد، يحتمل أن يكون نفعًا، ويحتمل أن يكون ضررًا، وذلك مثل البيع والإجارة للاسترباح فلا يملكه إلا الأب والجد ووصيهما» (١).
* * *
стр. 10151
المبحث الثاني
في إعارة المسلم للذمي
[م-٢١١٠] اختلف الفقهاء في إعارة المسلم للكافر على أقوال:
القول الأول:
لا يجوز إعارة المسلم للكافر للخدمة، وأما إجارته في الذمة فتجوز، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة في المشهور، وأحد القولين في مذهب الشافعية (١).
قال الخرشي: «المسلم لا تجوز إعارته ـ يعني للذمي ـ لما فيه من إذلال المسلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فهو مثال: أي لا منفعة غير مباحة، كإعارة ذمي مسلمًا أي لمنفعته أي لخدمته الذمي؛ لأن الكلام في المنفعة غير المباحة، وأما إعارة الذمي منفعة المسلم حيث كانت غير محرمة كأن يخيط له مثلًا فينبغي فيه الجواز، كما في الإجارة» (٢).
وقال العمراني في البيان: «ولا يجوز إعارة العبد المسلم من الكافر؛ لأنه لا يجوز له استخدامه» (٣).
стр. 10152
وقال الشيرازي: «ولا تجوز إعارة العبد المسلم من الكافر؛ لأنه لا يجوز له أن يخدمه» (١).
وجاء في كشاف القناع: «وتحرم إعارة عبد مسلم لكافر لخدمته خاصة ... فإن أعاره أو أجره لعمل في الذمة غير الخدمة صحتا، وتقدم في الإجارة» (٢).
وانتقد الحارثي الحنبلي تخريجها على الإجارة، وقال: لا يتخرج هنا من الخلاف مثل الإجارة؛ لأن الإجارة معاوضة، فتدخل في جنس البياعات، وهنا بخلافه» (٣).
وقال ابن قدامة: «ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر؛ لأنه لا يجوز تمكينه من استخدامه، فلم تجز إعارته لذلك» (٤).
القول الثاني:
تكره إعارة العبد المسلم لكافر، وهذا مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٥).
جاء في أسنى المطالب: «قد تجب ـ يعني الإعارة ـ كإعارة الثوب لدفع حر أو برد .... وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم، والأمة من الأجنبي، وقد
стр. 10153
تكره، كإعارة العبد المسلم من كافر» (١).
وفي تحفة المحتاج: «ويكره إعارة عبد مسلم لكافر واستعارته؛ لأن فيها نوع امتهان، ولم تحرم خلافًا لجمع؛ لأنه ليس فيها تمليك لشيء من منافعه فليس فيها تمام استذلال، ولا استهانة» (٢).
وقال النووي في الروضة: «ويجوز إعارة العبد المسلم لكافر قطعًا» (٣).
وفي حاشية الجمل: «هذا يفيد جواز خدمة المسلم للكافر؛ لأن المتبادر من الإعارة أنه يستخدمه فيما يريده، سواء كان فيه مباشرة لخدمته كصب ماء على يديه، وتقديم نعل له، أو لغير ذلك كإرساله في حوائجه وتقدم في البيع عند الكلام على قول المصنف وشرط العاقد الرشد إلخ أنه تجوز إجارة المسلم للكافر، ويؤمر بإزالة يده عنه بأنه يؤجره لغيره، ولا يمكن من استخدامه، وهو يفيد حرمة خدمة المسلم للكافر، وعليه فقد يفرق بين الإجارة والعارية بأن الإذلال في الإجارة أقوى منه في العارية للزومها فلم يمكن مع بقاء يده عليه في الإجارة، ويجعل تحتها في العارية لاحتمال التخلص منه في كل وقت برجوع المعير لكن يرد على هذا أن في مجرد خدمة المسلم للكافر تعظيما له، وهو حرام، وقد يقال لا يلزم من جواز الإعارة جعله تحت يده، وخدمته له لجواز أن يعيره لمسلم بإذن من المالك أو يستنيب مسلما في استخدامه فيما تعود منفعته عليه فليتأمل ذلك كله، وليراجع، وفي عبارة المحلي ما يصرح بحرمة خدمته
стр. 10154
حيث قال وعلل في المهذب عدم الجواز بأنه لا يجوز أن يخدمه، وقوله: عدم الجواز أي للعارية اهـ. ع ش على م ر، وفي ق ل على الجلال.
واعلم أن الخلاف في الكراهة والحرمة هو بالنسبة للعقد، وأما خدمة المسلم للكافر فحرام مطلقا سواء بعقد أو بغير عقد كما صرحوا بها في باب الجزية اهـ» (١).
وهذه محاولة للجمع بين القولين في مذهب الشافعية، والله أعلم.
القول الثالث:
تصح استعارة العبد المسلم للذمي، وتباع تلك المنفعة على المستعير، وهو قول في مذهب المالكية.
جاء في حاشية العدوي على كافية الطالب الرباني: «فلا تصح إعارة المسلم: أي إعارة الغلام المسلم لخدمة الذمي .... وقيل: بالصحة، وتباع تلك المنفعة على المستعير» (٢).
ولم أقف على نص للحنفية، وهل يمكن تخريجه على قولهم في صحة إيصاء الكافر على المسلم، حيث نصوا على صحته، وأن على القاضي أن يخرجه من الوصاية، ويعين بدله وصيًا مسلمًا، ولو تصرف قبل إخراجه منه صح تصرفه، فإن أسلم لم يخرج منها؛ لزوال ما يوجب العزل؛ باعتبار أن الوصاية ولاية، فإذا صحت الولاية صحت الإعارة، ذلك أن الولاية أبلغ من الإعارة، فالإعارة عقد غير لازم بخلاف الولاية، والله أعلم، فإن صح التخريج نقول: تصح
стр. 10155
الإعارة، ويؤمر بإخراج المنفعة إلى غيره بموافقة المعير؛ لأنه يملك الانتفاع ولا يملك المنفعة، والله أعلم.
جاء في العناية: «ومن أوصى إلى عبد غيره، أو كافر ذمي أو مستأمن أو حربي ... أخرجهم القاضي عن الوصية ونصب غيرهم، وهذا اللفظ وهو لفظ القدوري، يشير إلى صحة الوصية؛ لأن الإخراج يكون بعد الصحة. وذكر محمد في الصور الثلاث أن الوصية باطلة.
ثم اختلف المشايخ في أنه باطل أصلًا، أو معناه: سيبطل. قال الفقيه أبو الليث: وإليه ذهب القدوري وفخر الإسلام البزدوي وعامة مشايخنا أن معناه سيبطل ... » (١).
وجاء في البحر الرائق: «قال ﵀: (وإلى عبد وكافر وفاسق بدل بغيرهم): أي إذا أوصى إلى هؤلاء المذكورين أخرجهم القاضي ويستبدل غيرهم مكانهم، وأشار المصنف إلى شروط الولاية فالأول: الحرية، والثاني: الإسلام، والثالث: العدالة، فلو ولى من ذكر صح ويستبدل بغيره» (٢).
وذهب المالكية في أحد القولين إلى صحة الوصاية إلى الكافر إذا كان قريبًا كالأخ والخال ويجعل معه غيره، ويكون المال بيد المجعول معه بخلاف أباعد القرابة. وقيل: إن مالكًا رجع عنه (٣).