← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

المبحث الثاني في إعارة المسلم للذمي [م-٢١١٠] اختلف الفقهاء في إعارة المسلم للكافر على أقوال: القول الأول: لا يجوز إعارة المسلم للكافر للخدمة، وأما إجارته في الذمة فتجوز، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة في المشهور، وأحد القولين في مذهب الشافعية (١). قال الخرشي: «المسلم لا تجوز إعارته ـ يعني للذمي ـ لما فيه من إذلال المسلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فهو مثال: أي لا منفعة غير مباحة، كإعارة ذمي مسلمًا أي لمنفعته أي لخدمته الذمي؛ لأن الكلام في المنفعة غير المباحة، وأما إعارة الذمي منفعة المسلم حيث كانت غير محرمة كأن يخيط له مثلًا فينبغي فيه الجواز، كما في الإجارة» (٢). وقال العمراني في البيان: «ولا يجوز إعارة العبد المسلم من الكافر؛ لأنه لا يجوز له استخدامه» (٣).

стр. 10152

وقال الشيرازي: «ولا تجوز إعارة العبد المسلم من الكافر؛ لأنه لا يجوز له أن يخدمه» (١). وجاء في كشاف القناع: «وتحرم إعارة عبد مسلم لكافر لخدمته خاصة ... فإن أعاره أو أجره لعمل في الذمة غير الخدمة صحتا، وتقدم في الإجارة» (٢). وانتقد الحارثي الحنبلي تخريجها على الإجارة، وقال: لا يتخرج هنا من الخلاف مثل الإجارة؛ لأن الإجارة معاوضة، فتدخل في جنس البياعات، وهنا بخلافه» (٣). وقال ابن قدامة: «ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر؛ لأنه لا يجوز تمكينه من استخدامه، فلم تجز إعارته لذلك» (٤). القول الثاني: تكره إعارة العبد المسلم لكافر، وهذا مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٥). جاء في أسنى المطالب: «قد تجب ـ يعني الإعارة ـ كإعارة الثوب لدفع حر أو برد .... وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم، والأمة من الأجنبي، وقد

стр. 10153

تكره، كإعارة العبد المسلم من كافر» (١). وفي تحفة المحتاج: «ويكره إعارة عبد مسلم لكافر واستعارته؛ لأن فيها نوع امتهان، ولم تحرم خلافًا لجمع؛ لأنه ليس فيها تمليك لشيء من منافعه فليس فيها تمام استذلال، ولا استهانة» (٢). وقال النووي في الروضة: «ويجوز إعارة العبد المسلم لكافر قطعًا» (٣). وفي حاشية الجمل: «هذا يفيد جواز خدمة المسلم للكافر؛ لأن المتبادر من الإعارة أنه يستخدمه فيما يريده، سواء كان فيه مباشرة لخدمته كصب ماء على يديه، وتقديم نعل له، أو لغير ذلك كإرساله في حوائجه وتقدم في البيع عند الكلام على قول المصنف وشرط العاقد الرشد إلخ أنه تجوز إجارة المسلم للكافر، ويؤمر بإزالة يده عنه بأنه يؤجره لغيره، ولا يمكن من استخدامه، وهو يفيد حرمة خدمة المسلم للكافر، وعليه فقد يفرق بين الإجارة والعارية بأن الإذلال في الإجارة أقوى منه في العارية للزومها فلم يمكن مع بقاء يده عليه في الإجارة، ويجعل تحتها في العارية لاحتمال التخلص منه في كل وقت برجوع المعير لكن يرد على هذا أن في مجرد خدمة المسلم للكافر تعظيما له، وهو حرام، وقد يقال لا يلزم من جواز الإعارة جعله تحت يده، وخدمته له لجواز أن يعيره لمسلم بإذن من المالك أو يستنيب مسلما في استخدامه فيما تعود منفعته عليه فليتأمل ذلك كله، وليراجع، وفي عبارة المحلي ما يصرح بحرمة خدمته

стр. 10154

حيث قال وعلل في المهذب عدم الجواز بأنه لا يجوز أن يخدمه، وقوله: عدم الجواز أي للعارية اهـ. ع ش على م ر، وفي ق ل على الجلال. واعلم أن الخلاف في الكراهة والحرمة هو بالنسبة للعقد، وأما خدمة المسلم للكافر فحرام مطلقا سواء بعقد أو بغير عقد كما صرحوا بها في باب الجزية اهـ» (١). وهذه محاولة للجمع بين القولين في مذهب الشافعية، والله أعلم. القول الثالث: تصح استعارة العبد المسلم للذمي، وتباع تلك المنفعة على المستعير، وهو قول في مذهب المالكية. جاء في حاشية العدوي على كافية الطالب الرباني: «فلا تصح إعارة المسلم: أي إعارة الغلام المسلم لخدمة الذمي .... وقيل: بالصحة، وتباع تلك المنفعة على المستعير» (٢). ولم أقف على نص للحنفية، وهل يمكن تخريجه على قولهم في صحة إيصاء الكافر على المسلم، حيث نصوا على صحته، وأن على القاضي أن يخرجه من الوصاية، ويعين بدله وصيًا مسلمًا، ولو تصرف قبل إخراجه منه صح تصرفه، فإن أسلم لم يخرج منها؛ لزوال ما يوجب العزل؛ باعتبار أن الوصاية ولاية، فإذا صحت الولاية صحت الإعارة، ذلك أن الولاية أبلغ من الإعارة، فالإعارة عقد غير لازم بخلاف الولاية، والله أعلم، فإن صح التخريج نقول: تصح

стр. 10155

الإعارة، ويؤمر بإخراج المنفعة إلى غيره بموافقة المعير؛ لأنه يملك الانتفاع ولا يملك المنفعة، والله أعلم. جاء في العناية: «ومن أوصى إلى عبد غيره، أو كافر ذمي أو مستأمن أو حربي ... أخرجهم القاضي عن الوصية ونصب غيرهم، وهذا اللفظ وهو لفظ القدوري، يشير إلى صحة الوصية؛ لأن الإخراج يكون بعد الصحة. وذكر محمد في الصور الثلاث أن الوصية باطلة. ثم اختلف المشايخ في أنه باطل أصلًا، أو معناه: سيبطل. قال الفقيه أبو الليث: وإليه ذهب القدوري وفخر الإسلام البزدوي وعامة مشايخنا أن معناه سيبطل ... » (١). وجاء في البحر الرائق: «قال ﵀: (وإلى عبد وكافر وفاسق بدل بغيرهم): أي إذا أوصى إلى هؤلاء المذكورين أخرجهم القاضي ويستبدل غيرهم مكانهم، وأشار المصنف إلى شروط الولاية فالأول: الحرية، والثاني: الإسلام، والثالث: العدالة، فلو ولى من ذكر صح ويستبدل بغيره» (٢). وذهب المالكية في أحد القولين إلى صحة الوصاية إلى الكافر إذا كان قريبًا كالأخ والخال ويجعل معه غيره، ويكون المال بيد المجعول معه بخلاف أباعد القرابة. وقيل: إن مالكًا رجع عنه (٣).

стр. 10156

وجاء في الإنصاف: «ذكر المجد في شرحه: أن القاضي ذكر في تعليقه ما يدل أنه اختار صحة الوصية، نقله الحارثي» (١). والله أعلم. وقد تكلمت على مسألة إيصاء الكافر على المسلم في عقد الوصية، فلله الحمد، فارجع إليه إن شئت. ° الراجح: أرى جواز الإعارة في غير الخدمة ونحوها، فإن في الخدمة إذلالًا لا يليق بالمسلم. * * *

стр. 10157

الشرط الثاني في اشتراط أن يكون المستعير معينًا [م-٢١١١] نص الحنفية والشافعية على أنه يشترط أن يكون المستعير معينًا (١). جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «إذا لم يكن المستعير معينًا فلا تصح الإعارة بناء عليه، لو قال المعير خطابًا لشخصين: وقد أعرت هذا المال لأحدكما، فلا تصح الإعارة» (٢). وجاء في تحفة المحتاج: «ويشترط تعيينه ـ يعني المستعير ـ فلو فرش بساطه لمن يجلس عليه، ولو بالقرينة كما على دكاكين البزازين بالنسبة لمريد الشراء منهم لم يكن عارية بل مجرد إباحة» (٣). وجاء في فتوحات الوهاب: «وشرط في المستعير تعيين» وعلق على ذلك الجمل في حاشيته، فقال: «(قوله: تعيين) سكت عن هذا في المعير، وقضيته أنه لا يشترط فيه التعيين كالمعار، فلو قال لاثنين ليعرني أحدكما كذا فدفعه له من غير لفظ صح، وعليه فيمكن أن يفرق بينه وبين المستعير بأن الدفع من واحد منهما رضا بإتلاف منفعة متاعه، ويحتمل أنه كالمستعير فلا يصح والأقرب الأول» (٤). * * *

стр. 10158

الفصل الثالث في أحكام المعار المبحث الأول في شروط العين المستعارة الشرط الأول أن تشتمل العين المعارة على منفعة مباحة [م-٢١١٢] يشترط في العين المعارة أن تشتمل على منفعة مباحة، والمنفعة تشمل شيئين: الأول: الأعراض التي تقوم بالعين، كسنى الدار، وركوب المعار. الثاني: الأعيان التي تكون ثمارًا لأصولها، كما في إعارة شجر للانتفاع بثمرتها، وإعارة حيوان من أجل دره ونسله. وقولنا: أن تكون المنفعة مباحة: بأن يكون استعمال المعار مباحًا، وإن لم يكن بيعه مباحًا كالكلب، فإن الصحيح أنه لا يجوز بيعه مطلقًا معلمًا كان أو غير معلم، وتباح منفعته للحاجة كصيد وحراسة، ونحوها، وقد تكلمت عن الخلاف في بيع الكلب في عقد البيع. فكل عين تجوز إجارتها فإن إعارتها جائزة، ولا يصح العكس، فليس كل عين جازت إعارتها جازت إجارتها، فإن الكلب على الصحيح تجوز إعارته،

стр. 10159

ولا يصح إجارته على الصحيح، والفحل تجوز إعارته للضراب، ولا تجوز إجارته للضراب على الصحيح. وقد بحثت مسألة ضراب الفحل في عقد البيع. ولا يكفي أن تكون المنفعة مباحة بذاتها، بل لا بد أن تكون المنفعة مباحة للمستعير، فلا تجوز إعارة العبد المسلم للكافر ليخدمه، وإن كانت الخدمة مباحة بذاتها، ولكنها للمستعير ليست مباحة، ولا إعارة المرأة الجميلة لرجل غير محرمها إن كان يخلو بها؛ لأنه لا يؤمن عليها، وتجوز إعارتها لامرأة، ولذي محرمها، ولا تجوز إعارة الدار لمن يشرب فيها الخمر، أو يبيعه فيها، ونحو ذلك، وإن كانت منفعة الدار مباحة. قال في الإنصاف: «وهذا التحريم لعارض» (١). وخرج باشتراط أن تكون المنفعة مباحة شيئان: الأول: ما لا منفعة فيه، فهذا لا تصح إعارته؛ لأن الإعارة دائرة على بذل المنفعة دون الرقبة، وما لا منفعة فيه في حكم المعدوم في باب العارية. جاء في الدر المختار: «وشرطها: قابلية المستعار للانتفاع» (٢). وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «يشترط أن يكون الشيء المستعار صالحًا للانتفاع به، بناء عليه لا تصح إعارة الحيوان الفار، ولا استعارته» (٣). وجاء في الشرح الصغير: «الثالث: المستعار: وهو ذو منفعة مباحة» (٤).

стр. 10160

وجاء في شرح منهج الطلاب: «وشرط في المعار انتفاع به بأن يستفيد المستعير منفعته، وهو الأكثر، أو عينًا منه، كما لو استعار شاة مثلًا ليأخذ درها، ونسلها، أو شجرة ليأخذ ثمرها، فلا يعار ما لا ينتفع به، كحمار زمن» (١). قال الجمل في حاشيته تعليقًا: «وشرط في المعار انتفاع به: أي ولو مآلا كجحش صغير إن كانت العارية مطلقة، أو مؤقتة بزمن يمكن الانتفاع به فيه» (٢). وقال ابن قدامة: «تجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام، كالدور، والعقار، والعبيد، والجواري، والدواب، والثياب، والحلي للبس، والفحل للضراب، والكلب للصيد، وغير ذلك؛ لأن النبي ﷺ استعار أدرعا، وذكر إعارة دلوها وفحلها. وذكر ابن مسعود عارية القدر والميزان، فيثبت الحكم في هذه الأشياء، وما عداها مقيس عليها إذا كان في معناها، ولأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع، ملك إباحته إذا لم يمنع منه مانع كالثياب، ولأنها أعيان تجوز إجارتها، فجازت إعارتها، كالثياب» (٣). الثاني: خرج بقيد الإباحة ما فيه منفعة، ولكنها محرمة، فهذا أيضًا لا تصح إعارته، لأن النفع المحرم وجوده كعدمه. جاء في منح الجليل: «ومن شروط المستعار كون الانتفاع به مباحًا، فلا تعار الجواري للتمتع بها» (٤).

стр. 10161

وفي أسنى المطالب: «المعار، وشرطه: وجود الانتفاع المباح، فلا يعار ما لاينتفع به كحمار زمن، ولا ما ينتفع به انتفاعًا محرمًا كجارية للتمتع، وآلات اللهو» (١). وقال ابن قدامة: «لا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر؛ لأنه لا يجوز تمكينه من استخدامه، فلم تجز إعارته لذلك، ولا إعارة الصيد لمحرم؛ لأنه لا يجوز له إمساكه، ولا إعارة المرأة الجميلة لرجل غير محرمها، إن كان يخلو بها، أو ينظر إليها؛ لأنه لا يؤمن عليها. وتجوز إعارتها لامرأة ولذي محرمها. ولا تجوز إعارة العين لنفع محرم، كإعارة الدار لمن يشرب فيها الخمر، أو يبيعه فيها، أو يعصي الله تعالى فيها، ولا إعارة عبده للزمر، أو ليسقيه الخمر، أو يحملها له، أو يعصرها، أو نحو ذلك» (٢).

стр. 10162

الشرط الثاني في اشتراط تعيين المعار [م-٢١١٣] جاء في مجلة الأحكام العدلية: «يلزم تعيين المستعار، وبناء عليه إذا أعار شخص إحدى دابتين بدون تعيين ولا تخيير لا تصح الإعارة، بل يلزم أن يعين المعير الدابة التي يريد إعارتها منهما، لكن إذا خيره قائلًا: خذ أيهما شئت عارية صحت العارية (١). وجاء في أسنى المطالب: «لو قال: أعرني دابة، فقال: خذ إحدى دوابي صحت: أي العارية، فلا يشترط تعيين المعار عند الإعارة؛ وخالف الإجارة؛ لأنها معاوضة، والغرر لا يحتمل فيها» (٢). * * *

стр. 10163

الشرط الثالث في اشتراط قبض العين المعارة [م-٢١١٤] اختلف العلماء في اشتراط القبض لثبوت العارية، وكما اختلفوا في اشتراط القبض للزوم الهبة اختلفوا في العارية، بل إن الخلاف في العارية أشد؛ لأن الذين قالوا: إن الهبة لا تلزم إلا بالقبض قد اختلفوا في العارية لسببين: أولًا: أن العارية عقد جائز، والهبة عقد لازم إذا قبضت. والثاني: اختلافهم في العارية هل هي تمليك للمنفعة، أو إباحة، فمن رأى أنها تمليك جعلها بمنزلة الهبة، ومن رأى أنها إباحة لم ير أنها تملك أصلًا. إذا علم ذلك نأتي على كلام أهل العلم في المسألة، والخلاف فيها كالتالي: القول الأول: يشترط القبض، وهو مذهب الجمهور، وقول في مقابل المشهور عند المالكية (١). قال في بدائع الصنائع: «ومنها القبض من المستعير؛ لأن الإعارة عقد تبرع، فلا يفيد الحكم بنفسه بدون القبض كالهبة» (٢).

стр. 10164

وفي مجلة الأحكام العدلية: «القبض شرط في العارية فلا حكم لها قبل القبض» (١). وقال الزركشي في القواعد الفقهية: «وأما العارية فيتجه أن يقال: إنها هبة للمنافع فلا تملك بدون القبض، وإن قلنا: إباحة فلا تملك كطعام الضيف» (٢). وقال ابن رجب في القواعد: «وأما العارية فلا تملك بدون القبض، إن قيل: إنها هبة منفعة. وخرج القاضي فيها رواية أخرى أنها تملك بمجرد العقد كهبة الأعيان، وتلزم إذا كانت مؤقتة. وإن قيل: هي إباحة فلا يحصل الملك فيها بحال بل يستوفى على ملك المالك كطعام الضيف. قال الشيخ تقي الدين: التحقيق أن يقال في هذه العقود: إذا لم يحصل القبض فلا عقد، وإن كان بعض الفقهاء يقول بطل العقد فكما يقال إذا لم يقبل المخاطب بطل الإيجاب فهذا بطلان ما لم يتم لا بطلان ما تم انتهى» (٣). القول الثاني: أن العارية تملك بمجرد القول، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 10165

وطرد المالكية ذلك في جميع الهبات على اختلاف أنواعها، كالنحلة: وهي العطية، والمنحة: هبة لبن الشاة، والعرية: هبة ثمر النخيل، والإسكان: هبة منافع الدار مدة من الزمن، والإفقار: عارية الظهر المركوب، والعدة من الوعد، والإخدام: إعطاء خادم، غلام أو جارية، والرهن، كل ذلك يلزم بمجرد القول (١). جاء في المدونة: «سألت مالكا عن الرجل يعير الرجل المسكن، أو يخدمه الخادم عشر سنين فيموت قبل أن يتمها؟ قال: قال مالك: ورثته مكانه. قلت: وإن لم يقبض؟ قال: وإن لم يقبض» (٢). وجاء في منح الجليل: «قال ابن عرفة: الوفاء بالإعارة لازم، ففيها: من ألزم نفسه معروفًا لزمه .... وظاهره لزومها بمجرد القول، وهو أحد القولين، وهو المشهور» (٣).

стр. 10166

الشرط الرابع أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها [م-٢١١٥] يشترط في العين المعارة أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، كإعارة الثوب للبس، والسكين للذبح، ويدخل في ذلك أيضًا الأعيان التي ينتفع بها مع بقاء أصولها فإنها تجري مجرى المنافع وإن كانت أعياناً مستهلكة، كثمر الشجر، ولبن الآدميات، والصوف والماء العذب، فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ، خلق الله بدله مع بقاء الأصل كالمنافع سواء. (ح-١٢٦٣) وقد روى البخاري في صحيحه من طريق حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة (١). قال ابن بطال: «المنيحة هى الناقة والشاة ذات الدر تعار للبنها، ثم ترد إلى أهلها، والمنحة عند العرب كالإفقار، والعمرى، والعارية، وهى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب، ألا ترى قوله فى حديث أنس: فلما فتح الله على رسوله ﷺ غنائم خيبر رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم وثمارهم. وقوله فى حديث جابر: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه)، إنما يريد يهبه الانتفاع بها ولا يكريها منه بأجر، يبين ذلك قوله فى حديث ابن عباس: (أما إنه لو منحها

стр. 10167

إياه لكان خيرًا له من أن يأخذ عليها أجرًا .... فدل أن المنحة غير إعطاء الرقاب؛ لأن إعطاء الرقاب قد تضمنته الزكاة، فدلت هذه الآثار على أن المنيحة التى حض النبى ﷺ أمته عليها من الأرض والثمار والأنعام، هى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب» (١). وأما إعارة الطعام فلا يصح أن يكون بذله من باب الإعارة؛ ذلك أن منفعته في أكله، فلا تبقى عينه، فإذا قال: أعرتك هذا الطعام كان ذلك كناية عن قرضه، لأنه يأكله ويرد بدله، وهذا حقيقة القرض، وإذا قال: منحتك إياه كان هبة؛ لأن لفظ المنيحة يصح استعماله في الإعارة وفي الهبة، فإن أضافه إلى ما تبقى عينه بعد استعماله كان عارية، وإن استعمله فيما يستهلك كان هبة. جاء في الجوهرة النيرة: «ومن شرطها: أن تكون العين قابلة للانتفاع بها مع بقاء عينها، حتى لا تكون عارية الدراهم الدنانير والفلوس إلا قرضًا» (٢). وفي تبيين الحقائق: «إذا قال: منحتك، إن كان مضافًا إلى ما يمكن الانتفاع به مع بقاء العين يكون إعارة، وإن أضاف إلى ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدراهم، والطعام يكون هبة» (٣). وقال الخرشي: «شرط صحة العارية الانتفاع بها مع بقاء عينها» (٤).

стр. 10168

وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «وشرط المستعار كونه منتفعًا به مع بقاء عينه» (١). وقال ابن مفلح في الفروع: «تجوز إعارة ذي نفع جائز ينتفع به مع بقاء عينه» (٢). ° وجه اشتراط بقاء العين في العارية: أن الإعارة تستلزم رد العين بعد الانتفاع، وما يستهلك بالانتفاع به كالطعام لا يمكن رده فيكون قرضًا. * * *

стр. 10169

المبحث الأول في إعارة النقود [م-٢١١٦] تقدم لنا أن فقهاء الأئمة الأربعة يشترطون في العين المعارة أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، والسؤال: إذا أعاره نقودًا كما لو أعاره دراهم أو دنانير، فهل تصح أو لا، وإذا صحت هل تكون عارية؟ وللجواب على ذلك نقول: نص الحنفية، والشافعية، والحنابلة على أنه إن أعاره الدراهم والدنانير ليزن بها جازت إعارتها كالثياب؛ لأنه أمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وذكرها ابن قدامة، ولم يحك فيها خلافًا، وعليه فليس للمستعير استهلاكها، والانتفاع بها بغير الصورة المعينة (١). وقال المرداوي: «ذكر الأزجي خلافًا في صحة إعارة دراهم ودنانير للتجمل والزينة» (٢). وإن استعارها لينفقها فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: تصح إعارة الدراهم والدنانير، ويكون لفظ الإعارة كناية في القرض؛ وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة في المشهور (٣).

стр. 10170

° وجه القول بذلك: الوجه الأول: أن الإعارة إذن في الانتفاع، ولا يتأتى الانتفاع بهذه الأشياء إلا باستهلاك عينها، ولا يملك استهلاكها إلا إذا ملكها، فاقتضت تمليك عينها ضرورة، وذلك بالهبة أو بالقرض، والقرض أدناهما ضررًا لكونه يوجب رد المثل، وهو يقوم مقام العين، ولذلك حكم به في حال التلف. جاء في المبسوط: «وعارية الدراهم والدنانير والفلوس قرض؛ لأن العارية إذن في الانتفاع، ولا يتأتى الانتفاع بالنقود إلا باستهلاك عينها، فيصير مأذونًا في ذلك، وفيه طريقان: إما الهبة، أو القرض، فيثبت الأقل لكونه متيقنًا به، ولأن المستعير يلتزم رد العين بعد الانتفاع، ويتعذر هنا رد العين فيقام رد المثل مقام رد العين» (١). وفي التاج والإكليل نقلًا من المدونة: «من استعار عينًا، أو فلوسًا، فهو سلف مضمون، لا عارية» (٢). الوجه الثاني: أن العبرة في العقود بمعانيها لا بألفاظها، فإذا قال: وهبت هذا الثوب بعشرة، فهذا بيع، وإن كان بلفظ الهبة، وإذا قال: أعرتك هذه النقود فهذا قرض، وإن كان بلفظ العارية، ولو قال: أعرتك هذا البيت شهرًا بكذا، كان

стр. 10171

إجارة. وقد تقدم لنا بحث مستقل في عقد البيع وبينت فيه أن المعتبر في العقود المعاني، وليس الألفاظ والمباني. القول الثاني: لا تجوز إعارة الدراهم والدنانير، وليس له أن يشتري بها شيئًا، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). قال النووي في الروضة: «الركن الثالث: المستعار، وله شرطان، أحدهما: كونه منتفعًا به مع بقاء عينه، كالعبد والثوب ... فلا يجوز إعارة الطعام قطعًا، ولا الدراهم والدنانير على الأصح» (٢). وفي أسنى المطالب: «ولا يعار النقدان إذ منفعة التزين بهما والضرب على طبعهما منفعة ضعيفة قلما تقصد، ومعظم منفعتهما في الإنفاق والإخراج، إلا للتزين أو الضرب على طبعهما فيما يظهر بأن صرح بإعارتهما لذلك، أو نواها فيما يظهر فتصح لاتخاذه هذه المنفعة مقصدا، وإن ضعفت» (٣). ° دليل الشافعية على اعتبار اللفظ في العقود: الدليل الأول: قواعد مذهب الشافعية أن العبرة في العقود هوا للفظ دون النظر إلى المعنى (٤).

стр. 10172

واللفظ المستعمل هو العارية، وهو صريح في بابه، والعارية: هو بذل للمنفعة مع بقاء العين، والنقود ليس لها منفعة إلا باستهلاكها، فتبطل العارية، ولا نحمل اللفظ على معنى القرض، ونخالف اللفظ الصريح. الدليل الثاني: أن حمل العارية على القرض اعتبار بالمعنى، واعتبار المعنى هنا يؤدي إلى إهمال اللفظ وهذا لا يصح، لأن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة، فيطلق اللفظ لغة على ما وضع له، فكذا ألفاظ العقود. ويجاب عن ذلك: بأن القول بأن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على ذلك. الدليل الثالث: العقود تفسد باقتران شرط مفسد، ففسادها بتغير مقتضاها أولى. ويجاب: بأن الشرط مؤثر في صحة العقد، فقد يشترط ما يخالف الشرع، وقد يشترط ما ينافي مقتضى العقد، بخلاف اللفظ فلا يشترط له لفظ معين، وإنما اللفظ وسيلة لمعرفة حصول الرضا من العاقدين، فإذا تحقق الرضا بأي لفظ كان فقد حصل المقصود.

стр. 10173

الدليل الرابع: الأصل حمل الكلام على ظاهره، ولو حملنا الكلام على غير ظاهره بطلت فائدة اللغة وفائدة التخاطب. ويجاب: نعم الأصل حمل الكلام على ظاهره إلا إذا تعذر ذلك لقرينة حالية أو عرفية، فكما أن الأصل حمل الأمر على الوجوب والنهي على التحريم إلا لقرينة صارفة، فكذلك هنا، فنحن لم نترك ظاهر اللفظ إلا عند تعذره، وكنا بين أمرين إما أن نأخذ بهذا الظاهر والذي تيقنا أنه غير مراد للعاقدين، وبالتالي نبطل العقد، وإما أن نترك هذا الظاهر لقرينة صارفة، ونعمل بالمعنى الذي أراده العاقدان، ولاشك أن إمضاء العقود خير من إبطالها بسبب لفظ ظاهر غير مراد، وإعمال الكلام خير من إهماله. القول الثالث: إذا دفع النقود أو الطعام بلفظ الإعارة، فيحتمل أن يكون إباحة الانتفاع على وجه الإتلاف. اختاره ابن عقيل من الحنابلة. ° وجه هذا القول: أن الإعارة هو الانتفاع بالعين المعارة، فإذا بقيت وجب ردها، وإن كانت تتلف بالاستعمال وأعطاها بلفظ الإعارة، كان هذا إباحة في إتلافها، والله أعلم. جاء في شرح منتهى الإرادات عن ابن عقيل في الأشياء التي لا ينتفع بها إلا مع تلف عينها، كأطعمة، وأشربة، «إن أعطاها بلفظ إعارة، فقال ابن عقيل

стр. 10174

يحتمل أن يكون إباحة الانتفاع على وجه الإتلاف، نقله المجد في شرحه، واقتصر عليه» (١). ° الراجح: أرى أن إعارة الدراهم إن كان ذلك للتزين فهو إعارة حقيقية، وإن كان للاستهلاك فهي كناية عن القرض، والله أعلم.

стр. 10175

المبحث الثالث في إعارة المشاع [م-٢١١٧] نص الحنفية على جواز إعارة المشاع، سواء أكان قابلًا للقسمة أم لا، وسواء كان الجزء المشاع مع شريك أو مع أجنبي، وسواء أكانت العارية من واحد أم من أكثر (١). ونص الشافعية على جواز إعارة المشاع في عقد المساقاة (٢). ولم أقف على نص في مذهب المالكية والحنابلة لكن يمكن تخريجها على مسألة إجارة المشاع، حيث نص المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وأحمد في رواية صوبها في الإنصاف (٥)، على جواز إجارة المشاع. فإذا جاز بذل منفعة المشاع في عقد الإجارة مقابل عوض معين، جاز بذل ذلك بلا عوض في عقد الإعارة من باب أولى، لأن الإعارة أوسع من عقد الإجارة، فكل ما جازت إجارته جازت إعارته، ولا ينعكس، فهناك أشياء تجوز إعارتها، ولا تقبل الإجارة، كالكلب المعلم على الصحيح، والفحل للضراب، ونحوها. * * *

стр. 10176

المبحث الرابع في إعارة الحائط لوضع الخشب عليه [م-٢١١٨] إذا احتاج الجار إلى وضع خشبه على جدار جاره، ولم يكن ذلك مضرًا بالجار، فهل تجب إعارته، أو له أن يمنعه من ذلك، وله أن يأخذ أجرة في مقابل ذلك؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والجديد من قول الشافعي (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤)، إلى أن الجار ليس له أن يضع خشبة على جدار جاره إلا بإذنه، وإن امتنع لم يجبر، وله أن يأخذ عوضاً مالياً عن استخدام جداره. القول الثاني: ذهب الشافعي في أحد قوليه (٥)، والحنابلة في المشهور عندهم (٦)، وأهل

стр. 10177

الحديث (١)، إلى أنه لا يحق للجار أن يمنع جاره من ذلك. وقد بحثت أدلة المسألة في عقد البيع عند الكلام على حق الجوار، فارجع إليه إن شئت، وقد رجحت وجوب بذل الجدار للجار إذا احتاج الجار إليه، ولم يكن في ذلك ضرر على صاحب الجدار، والله أعلم. * * *

стр. 10178

المبحث الخامس في إعارة الأرض الفرع الأول إعارة الأرض للزرع [م-٢١١٩] اختلف العلماء في المعير يعير الأرض ليزرع فيها، ثم يريد الرجوع في عاريته، فهل له ذلك؟ القول الأول: إذا أعارها للزراعة فقال الحنفية ليس للمعير الرجوع مطلقًا سواء كانت مطلقة أو مقيدة، بل تبقى في يده بأجرة المثل (١). وبه قال الحنابلة في المشهور إلا أنهم قالوا: إن كان الزرع مما يحصد قصيلًا كالبرسيم فله الرجوع في وقت إمكان حصاده (٢). واختار المجد في المحرر أنه لا أجرة له؛ لأنه دخل على الانتفاع بغير عوض (٣). وقال الشافعية في أصح الوجهين: ليس له الرجوع في الإعارة المطلقة إن

стр. 10179

نقص الزرع بالقلع؛ لأنه محترم، وله أمد ينتهي إليه، ويبقى بأجرة المثل، وإن لم ينقص بالقلع لزمه قلعه (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «إن أعارها؛ للزراعة فليس له أخذها قبل حصده، وإن لم يوقت فتبقى بالأجرة؛ لأن فيه مراعاة الجانبين ودفع الضرر عن المستعير ومراعاة حق المعير؛ لأن بقاءه مدة قليلة بخلاف الغرس والبناء؛ لأنه لا نهاية لهما فيقلع دفعا لضرر المعير» (٢). وجاء في نهاية المحتاج: «وإذا أعار أرضًا لزراعة مطلقًا، ورجع قبل إدراك الزرع، فالصحيح أن عليه الإبقاء إلى الحصاد إن نقص بالقلع قبله؛ لأنه محترم، وله أمد ينتظر إليه بخلاف البناء والغراس ... أما إذا لم ينقص بالقلع وإن لم يعتد قطعه، أو اعتيد قطعه لكونه قصيلًا فإنه يكلف ذلك كما بحثه ابن الرفعة لانتفاء الضرر، والصحيح أن له الأجرة أي أجرة مدة الإبقاء من وقت رجوعه إلى حصاده لانقطاع الإباحة به، فأشبه ما لو أعاره دابة، ثم رجع في أثناء الطريق، فإن عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل كما مر. والثاني: لا أجرة له؛ لأن منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاة بالزرع» (٣). وفي روضة الطالبين: «أعار للزرع، فرجع قبل إدراك الزرع، فإن كان مما يعتاد قطعه كلف قطعه، وإلا فأوجه ..... الثالث: وهو الصحيح .... يلزم المعير إبقاؤه إلى أوان حصاده، وهل له الأجرة، وجهان:

стр. 10180

أحدهما: لا، وهو منقول عن المزني، واختاره الروياني ..... وأصحهما: نعم؛ لأنه إنما أباح له المنفعة إلى وقت الرجوع، فأشبه من أعار دابة إلى بلد، ثم رجع في الطريق، فإن عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل» (١). وجاء في المحرر: «وإن أعاره أرضًا للزرع، فرجع، وهو مما يحصد قصيلاً حصد، وإلا لزمه تركه إلى الحصاد بلا أجرة عندي، وقال: أصحابنا: له الأجرة من وقت الرجوع» (٢). وقال ابن رجب: «من زرع في أرض غيره بإذن غير لازم كالإعارة، ثم رجع المالك، فالزرع مبقى لمن زرعه إلى أوان حصاده بغير خلاف، لكن هل تجب عليه الأجرة من حين الرجوع أم لا؟ على وجهين: أشهرهما الوجوب، وهو قول القاضي وأصحابه. والثاني: انتفاءٌ؛ لأنه دخل على الانتفاع بغير عوض، وهو اختيار صاحب المحرر، وظاهر كلام الإمام أحمد في رواية صالح يشهد له» (٣). القول الثاني: لم يفرق المالكية بين الإعارة للزرع والإعارة للغرس والبناء كما فعل الجمهور، وملخص المذهب المالكي: ذهب المالكية إلى أن الإعارة إن قيدت بعمل كزراعة أرض بطنًا فأكثر مما لا

стр. 10181

يخلف كقمح، أو مما يخلف كقصب فإنها تكون لازمة إلى انقضاء ذلك العمل أو الأجل، ولا يجوز له الرجوع قبل انتهاء العمل أو الأجل مطلقًا. وإن كانت الإعارة مطلقة لم تقيد بعمل أو أجل فللمالكية ثلاثة أقوال: الأول: وهو المعتمد أن الإعارة لا تلزم، ولربها أخذها متى شاء، ولا يلزم قدر ما تراد لمثله عادة، وهو قول ابن القاسم وأشهب. الثاني: يلزم بقاؤها في يد المستعير قدر ما تراد لمثله عادة. الثالث: إن كانت الإعارة للبناء والغرس، وحصلا فيلزم المعير بقاؤها قدر ما تراد لمثله عادة إلا أن يعطيه قال مرة: ما أنفق فيها. وقال أخرى: قيمة ما أنفق، وإن لم يعطه ذلك تركه إلى مثل ما يرى الناس أنه إعارة إلى مثله من الأمد. وقد اختلف الشارحون: في الجمع بين الأمر بدفع ما أنفق، أو بدفع قيمة ما أنفق على ثلاثة أوجه ذكرتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد (١). القول الثالث: إذا أعاره أرضًا ليزرع فيها، ثم رجع قبل إدراك الزرع، فللمعير أن يقلع، ويغرم أرش النقص، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢).

стр. 10182

القول الرابع: إذا رجع المعير قبل إدراك الزرع فللمعير أن يتملكه بالقيمة، اختاره القاضي أبو الطيب من الشافعية (١). هذه هي الأقوال في المسألة، ورأى أن الراجح منها: أن الإعارة لازمة إن كانت مؤقتة، أو كانت الإعارة للزرع، وقد باشر المستعير الزرع، فإنه مبقى إلى الحصاد، وبلا عوض، والله أعلم بالصواب.

стр. 10183

الفرع الثاني في إعارة الأرض للبناء والغرس [م-٢١٢٠] سبق لنا في المبحث السابق خلاف العلماء في إعارة الأرض للزرع إذا أراد المعير الرجوع في عاريته قبل بلوغ الزرع الحصاد، وأناقش في هذا المبحث الخلاف في المعير يعير الأرض للغراس والبناء فيها، ثم يريد الرجوع في عاريته، فهل له ذلك؟ اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: إذا أعار أرضه للبناء والغرس، وأراد المعير أن يرجع فله الرجوع، ولا يضمن المعير مطلقًا، سواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة، وهذا قول زفر من الحنفية. ° وجه قوله ذلك: أن العارية عقد جائز، والتوقيت فيها غير ملزم؛ لأنه مجرد وعد، فإذا كان لا يضمن في العارية المطلقة، لم يضمن في العارية المؤقتة. القول الثاني: ذهب الحنفية إلى التفصيل، إن كانت الإعارة مطلقة فله أن يرجع فيها متى شاء، ويكلف المستعير بتفريغ الأرض من البناء والغرس، ولا يضمن المعير شيئًا. وإن كانت العارية مؤقتة بأجل معين ثم أخرجه قبل الوقت فهو ضامن

стр. 10184

للمستعير قيمة بنائه وغرسه (١). القول الثالث: لم يفرق المالكية بين الإعارة للزرع والإعارة للغرس والبناء كما فعل الجمهور، وملخص المذهب المالكي: أن الإعارة إن قيدت بعمل أو أجل فإنها تكون لازمة إلى انقضاء ذلك العمل أو الأجل، ولا يجوز له الرجوع قبل انتهاء العمل أو الأجل مطلقًا. وإن كانت الإعارة مطلقة لم تقيد بعمل أو أجل فللمالكية ثلاثة أقوال: الأول: وهو المعتمد أن الإعارة لا تلزم، ولربها أخذها متى شاء، ولا يلزم قدر ما تراد لمثله عادة، وهو قول ابن القاسم وأشهب. الثاني: يلزم بقاؤها في يد المستعير قدر ما تراد لمثله عادة. الثالث: إن كانت الإعارة للبناء والغرس، وحصلا فيلزم المعير بقاؤها قدر ما تراد لمثله عادة إلا أن يعطيه قال مرة: ما أنفق فيها. وقال أخرى: قيمة ما أنفق، وإن لم يعطه ذلك تركه إلى مثل ما يرى الناس أنه إعارة إلى مثله من الأمد. وقد اختلف الشارحون: في الجمع بين الأمر بدفع ما أنفق، أو بدفع قيمة ما أنفق على ثلاثة أوجه ذكرتها في المسألة ما قبل السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد (٢).

стр. 10185

القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن المعير إذا أعار الأرض للغرس أو للبناء، فإن شرط المعير على المستعير القلع في وقت بعينه، أو شرط القلع متى رجع عن عاريته، لزم المستعير قلع ما غرسه وهدم ما بناه عند الوقت الذي عينه، أو عند رجوع المعير، ولم يلزم رب الأرض نقص الغراس والبناء، ولا يلزم المستعير تسوية الأرض إلا بشرط. ° وجه القول بذلك: أن المستعير قد دخل في العارية راضيًا بالتزام الضرر الذي دخل عليه، وقد شرط عليه القلع، والمؤمنون عند شروطهم. وإن لم يشترط المعير على المستعير القلع لم يلزم المستعير القلع إلا أن يضمن له المعير النقص، ولو قلع المستعير غرسه وهدم بناءه باختياره لزمه تسوية الحفر؛ لأنها حصلت بفعله لتخليص ماله من ملك غيره من غير إلجاء. ° وجه القول بذلك: قد قال النبي ﷺ : ليس لعرق ظالم حق. والمستعير ليس ظالمًا فكان له حق، وإنما حصل له غراسه أو بناؤه في الأرض بإذن مالكه، ولم يشترط عليه قلعه، فلم يلزمه لدخول الضرر عليه بنقص قيمته. ولأن العارية عقد إرفاق ومعونة، وإلزامه بالقلع مجانًا يخرجه إلى حكم العدوان والضرر (١). هذه هي الأقوال في المسألة، وأقربها الله أعلم مذهب الحنابلة. * * *

стр. 10186

المبحث السادس في إعارة المركوب الفرع الأول في صفة إعارة المركوب [م-٢١٢١] ناقش الفقهاء في عصرهم إعارة الدواب؛ لأنها هي المركوب في عصرهم، وخلافهم يجري على وسائل النقل في عصرنا. قال السرخسي: «لا يشترط إعلام المدة، أو المكان في الإعارة؛ لأن اشتراط ذلك في المعاوضات لقطع المنازعة، وذلك لا يوجد في العارية؛ لأنه لا يكن بينهما منازعة إذا أراد المعير الاسترداد، ولأن المعاوضات يتعلق بها صفة اللزوم، وذلك لا يتحقق في غير المعلوم، فأما العارية فلا يتعلق بها صفة اللزوم؛ فلهذا لا يشترط إعلام المكان، ولا إعلام المدة، ولا إعلام ما يحمل على الدابة، وعند إطلاق العقد للمستعير أن ينتفع بالدابة من حيث الحمل والركوب كما ينتفع بدابة نفسه في قليل المدة وكثيرها ما لم يطالبه المالك بالرد» (١). وفي بدائع الصنائع: «الجهالة في باب العارية لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنها عقد جائز غير لازم» (٢).

стр. 10187

وقال الكاساني أيضًا: «عقد الإعارة لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان مطلقًا، وإما إن كان مقيدًا، فإن كان مطلقا بأن أعار دابته إنسانا ولم يسم مكانًا ولا زمانًا ولا الركوب ولا الحمل، فله أن يستعملها في أي مكان وزمان شاء. وله أن يركب أو يحمل؛ لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملكه منافع العارية مطلقًا، فكان له أن يستوفيها على الوجه الذي ملكها، إلا أنه لا يحمل عليها ما يعلم أن مثلها لا يطيق بمثل هذا الحمل، ولا يستعملها ليلا ونهارًا ما لا يستعمل مثلها من الدواب لذلك عادة، حتى لو فعل فعطبت يضمن؛ لأن العقد وإن خرج مخرج الإطلاق، لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة، كما يتقيد نصًا» (١). وإذا كانت الإعارة مقيدة لم يخالفها المستعير إلى ما هو أشد من المأذون. جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إذا كانت الإعارة مقيدة بزمان أو مكان يعتبر ذلك القيد، فليس للمستعير مخالفته مثلا إذا استعار دابة ليركبها أربع ساعات وكذلك استعار فرسًا ليركبه إلى محل فليس له أن يركبه إلى محل غيره. إذا قيدت الإعارة بنوع من أنواع الانتفاع فليس للمستعير أن يتجاوز ذلك النوع المأذون به إلى ما فوقه لكن له أن يخالف باستعمال العارية بما هو مساو لنوع الاستعمال الذي قيدت به أو بنوع أخف منه. مثلا لو استعار دابة ليحملها حنطة فليس له أن يحمل عليها حديدًا أو حجارة، وإنما له أن يحملها شيئًا مساويًا للحنطة، أو أخف منها، وكذا لو استعار دابة

стр. 10188

للركوب فليس له أن يحملها حملًا. وأما الدابة المستعارة للحمل فإنها تركب» (١). وقال السرخسي: «وإن استعار الدابة يومًا إلى الليل، ولم يسم ما يحمل عليها لم يضمن إذا هلكت؛ لأنه قبضها بإذن صحيح، ولكن إن أمسكها بعد مضي اليوم فهو ضامن لها» (٢). فإن خالف المستعير ما أذن له، فإما أن تهلك، وإما أن تسلم، فإن هلكت فإنه ضامن بالاتفاق (٣). جاء في شرح الخرشي: «المستعير يفعل بالعارية ما أذن له في فعله، ويفعل بها أيضًا مثل ما استعارها له، ودونه، ولا يجوز له أن يفعل بها أضر مما استعارها له، فإنه يضمنها حينئذ إذا عطبت» (٤). وجاء في التاج والإكليل: «من استعار دابة ليحمل عليها حنطة فجعل عليها حجارة، فكل ما حمل مما هو أضر بها مما استعارها له فعطبت به فهو ضامن، وإن كان مثله في الضرر لم يضمن كحمله عدسًا في مكان حنطة، أو كتانًا أو قطنا في مكان بر» (٥). وجاء في البيان للعمراني: «وإن استعار دابة لتركبها امرأته زينب، فهل له أن

стр. 10189

يركبها عمرة؟ ينظر فيه: فإن كانت عمرة أثقل منها لم يكن له ذلك؛ لأن ذلك انتفاع غير مأذون فيه، وإن كانت عمرة مثلها، أو أخف منها .. ففيه وجهان، حكاهما الطبري: أحدهما: يجوز، وبه قال أبو حنيفة، كما قلنا في الإجارة. والثاني: لا يجوز؛ لأنه انتفاع غير مأذون فيه، فلم يجز، كما لو كانت أثقل منها» (١). * * *

стр. 10190

الفرع الثاني في كيفية ضمان العارية المركوبة [م-٢١٢٢] اختلف العلماء في كيفية ضمان المركوب مع اتفاقهم على القول به إذا تعدى المستعير، أو فرط على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن تلفت الدابة بسبب تعديه ضمن قيمتها، وإن ردها إلى صاحبها سالمة فليس عليه شيء. وهذا مذهب الحنفية. جاء في الجوهرة النيرة: «إذا استعار دابة إلى موضع سماه فجاوز بها ذلك الموضع فعطبت ضمن قيمتها؛ لأن الإذن لم يتناول ذلك الموضع فصار بركونه فيه غاصبًا فلهذا ضمن، فإن رجع بها إلى الموضع الذي استعارها إليه فعطبت لم يبرأ من الضمان» (١). وجاء في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «لو استعار دابة إلى مكان مسمى، فجاوز بها المستعير المكان المسمى، ثم عاد إليه فهو ضامن إلى أن يردها على المالك. قيل: هذا إذا استعارها ذاهبًا لا جائيًا، أما إذا استعارها ذاهبا وجائيا يبرأ وهذا القائل يسوي بين المودع والمستعير والمستأجر إذ خالفوا ثم عادوا إلى الوفاق برئوا عن الضمان إذا كانت مدة الإيداع والإعارة باقية.
следующие страницы →