← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الشرط الثالث: اشترط المالكية أن يكون الدين حالًا (١). الشرط الرابع: اشترط المالكية أن يعجل البدل، ويقبض في مجلس الاستبدال ليسلم من فسخ الدين بالدين. جاء في التاج والإكليل: «شروط بيع الدين ممن هو عليه، وهي ألا يكون الدين طعامًا ... وأن يتعجل العوض .... » (٢). وقال القرافي: «الدين كالعين الحاضرة في جواز البيع بشرط قبض البدل في المجلس» (٣). بل منع المالكية أن يكون البدل منافع عين ولو كانت معينة، كركوب دابة معينة، أو سكنى دار مدة معينة، أو خياطة أجير معين، أو خدمة عبد معين؛ لأن المنافع لا يقدر على قبضها دفعة واحدة، فيتأخر استيفاء المنافع عن وقت العقد، وأما منافع غير المعين فلا خلاف في منعه، وكذلك لا يصح بيع الدين

стр. 1017

بثمرة على رؤوس النخل، وإن كانت قد أزهت أو أرطبت، ولا بزرع قائم ولو كان قد اشتد؛ لتأخر قبضهما، لأن شرط الجواز أن يكون الثمن معينًا مقبوضًا، فإذا بيع بمعين يتأخر قبضه لم يصح عندهم، أما لو حصد الزرع، وجذت الثمرة جاز بيعه به؛ لعدم تأخير القبض (١). واشترط الشافعية في الأصح القبض في متحدي العلة، أما مختلفيهما فيشترط فيه التعيين فقط حتى لا يكون من بيع الدين بالدين. جاء في حاشية البجيرمي على الخطيب: «وأما بيع الدين لمن هو عليه فلا يشترط القبض إلا في متحدي العلة، أما مختلفهما فيشترط فيه التعيين فقط» (٢). وذكر ابن تيمية بأن بيع الدين على من هو عليه إن باعه بما لا يباع به نسيئة، كأن يكون الدين برًا، فباعه بشعير، أو باعه بموصوف في الذمة غير معين، اشترط التقابض، وإن باعه بمعين، ففيه وجهان: أحدهما: لا يشترط القبض. والثاني: يشترط؛ لأنه يشبه بيع الدين بالدين. قال ابن تيمية: «يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأن ما في الذمة مقبوض للمدين، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض لئلا يكون ربا، وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة، وإن باعه بغيرهما، فوجهان: أحدهما: لا يشترط كما لا يشترط في غيرهما. والثاني: يشترط؛ لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين» (٣).

стр. 1018

القول الثاني: لا يجوز بيع الدين ولو كان على من هو عليه، وهو قول ابن حزم (١)، ورواية عن أحمد (٢)، وحكي عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن شبرمة (٣). دليل من قال: يجوز بيع الدين لمن هو عليه بثمن حال . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ﴾ [ا لبقرة: ٢٧٥]. فالأصل في البيع الحل إلا ما دل على تحريمه دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل على التحريم. الدليل الثاني: (ح-١١٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير. عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (٤). [اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٥).

стр. 1019

وجه الاستدلال: الحديث دليل على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر، إذا كان المشتري هو المدين، وكان الثمن حالًا، وإذا جاز بيع النقدين بالآخر، جاز بيع غيرهما مما يثبت في الذمة من باب أولى. وهو دليل أيضًا على أنه لا فرق بين كون الدين حالًا، أو كونه مؤجلًا؛ لأنه لما لم يسأله رسول الله ﷺ عن الدين، هل كان حالًا أو مؤجلًا؟ دل ذلك على أنه لا فرق، ولو كان بينهما فرق في الشرع لبينه النبي ﵊، وفي ذلك رد على المالكية الذين اشترطوا أن يكون الدين حالًا. وهو دليل أيضًا على اشتراط أن يكون البيع بسعر يومه بحيث لا يربح فيه؛ حتى لا يربح فيما لم يضمن، لأنه ﷺ قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها. (ح-١٢٠) وروى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن (١). [وإسناده حسن] (٢). وهو دليل أيضًا على اشتراط التقابض، إذا كان العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة، لأنه قال: ما لم تتفرقا وبينكما شيء. وعلى القول بأن الأثر موقوف، فإن ابن عمر صحابي جليل، من كبار فقهاء الصحابة، فيكون قوله حجة، ما دام لم يخالف الكتاب، ولا السنة، ولا قول صحابي أقوى منه، والله أعلم.

стр. 1020

الدليل الثالث: (ث-١٦) ذكر ابن حزم معلقًا عن الحجاج بن منهال، قال: أخبرنا أبو عوانة، أخبرنا إسماعيل السدي، عن عبد الله البهي. عن يسار بن نمير، قال: كان لي على رجل دراهم فعرض علي دنانير، فقلت: لا أخذها حتى أسأل عمر، فسألته، فقال: ائت بها الصيارفة فاعرضها فإذا قامت على سعر فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ مثل دراهمك (١). [إسناده ضعيف، لكونه معلقًا، والسدي مختلف فيه والله أعلم]. الدليل الرابع: المانع من بيع الدين هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن، كان ذلك بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز شرعًا، خاصة أن القبض لم يرد له في الشرع حد معين، وإنما مرد ذلك إلى العادة والعرف. دليل من قال: لا يجوز بيع الدين على من هو عليه: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [ا لنساء: ٢٩]. وجه الاستدلال: أن المدين قد يضطر إلى هذه المعاملة فرارًا من المطالبة، فيبيع الشيء مع رغبته فيه، ويستغل الدائن حق مطالبته في شراء شيء يرغبه من المدين مما يفقد البيع الرضا، وهو شرط لصحة البيع.

стр. 1021

ويجاب: بأننا نشترط لصحة بيع الدين على من هو عليه، ألا يكون هناك إكراه على ذلك، وقد اشترط المالكية وأحمد في رواية، وابن تيمية وابن القيم، ألا يربح فيه الدائن، بحيث يكون البيع بسعر اليوم؛ لئلا يربح فيما لم يضمن. الدليل الثاني: (ح-١٢١) ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز (١). وجه الدلالة: قوله «ولا تبيعوا غائبًا بناجز» فما كان في الذمة من الدين يعتبر غائبًا، فنهى عن بيعه بالحاضر. وأجيب عن ذلك: بأن المراد بالغائب المؤجل، فلا يباع الذهب بالذهب أو بالفضة، وأحدهما مؤجل. قال النووي: «وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الذهب بالذهب أو بالفضة مؤجلًا، وكذلك الحنطة بالحنطة أو بالشعير» (٢). وما في الذمة يعتبر مقبوضًا وليس غائبًا، يبين ذلك حديث ابن عمر، حين

стр. 1022

قال: (ما لم تتفرقا وبينكما شيء) فهما إذا افترقا وذمة كل واحد منهما ليست مشغولة للآخر، صار البيع حاضرًا بحاضر، وعلى هذا التفسير لا يصير هناك تعارض بين حديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر. الدليل الثالث: (ح-١٢٢) استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر. رواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن بيع الدين داخل في بيع الغرر، ووجهه: أن الدين ليس عينًا، فهو شيء متعلق بالذمة، لا يدرى، أيحصل أم لا يحصل؟ ويجاب: بأن الغرر يرجع، إما إلى الجهالة في قدر الشيء وصفته، وإما إلى العجز عن تسليمه، وهذا غير موجود في بيع الدين على من هو عليه، فالدين والثمن كلاهما معلوما القدر والصفة، وكلاهما قد تم تسلمهما، فالدين في ذمة المشتري في حكم المقبوض، والثمن حال، وبالتالي لا يوجد غرر في مثل هذه المعاملة. الدليل الرابع: (ث-١٧) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، قال: أخبرني أبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم، قال: سألت ابن عمر، عن رجل لي عليه حق إلى أجل، فقلت: عجل لي وأضع لك، فنهاني عنه، وقال: نهانا أمير المؤمنين أن نبيع العين بالدين (٢).

стр. 1023

[إسناده صحيح]. هذا الأثر في مسألة (ضع وتعجل) وهي مسألة خلافية، وستأتي إن شاء الله تعالى، وليس هذا من باب بيع الدين على من هو عليه، وإنما هو تعجيل الدين بأخذ بعضه، وإبرائه عن بعضه، ومما يدل لذلك أن ابن حزم ساق إسنادًا معلقًا عن عمر، يدل على جواز بيع ما في الذمة بحاضر، على من هو عليه. الراجح: جواز بيع الدين على من هو عليه بثمن حال، وذلك لقوة أدلته، وسلامتها من المعارضة الصحيحة، ولأن «الاعتياض عما في الذمة من جنس الاستيفاء، فلا يقاس على البيع من كل وجه؛ لأن البيع المعروف: هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهنا لم يملك شيئًا، بل سقط الدين من ذمته، ولهذا لما وفاه ما في ذمته لا يقال: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بدراهم معينة، فإنه بيع» (١)، والله أعلم. * * *

стр. 1024

القسم الثاني بيع الدين غير المستقر على من هو عليه الصورة الأولى بيع دين السلم على من هو عليه بثمن حال تعريف السلم: السلم: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد. فهو يتكون من مشتر (المسلم، أو يقال: رب السلم). وبائع، يسمى (المسلم إليه). والثمن المقدم، يسمى (رأس مال السلم). والمبيع المؤجل يسمى (المسلم فيه، أو دين السلم). [م - ٢٠٥] فهل يجوز للمشتري أن يبيع المسلم فيه (دين السلم) على صاحبه قبل قبضه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، على قولين: القول الأول: لا يجوز بيع المسلم فيه مطلقًا، سواء كان المسلم فيه موجودًا، أو معدومًا، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 1025

القول الثاني: يجوز بيع المسلم فيه على من هو عليه بشروط، وهذا مذهب المالكية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، اختارها ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، وهو قول ابن عباس ﵁ (٥)، من هذه الشروط: الشرط الأول: اشترط المالكية أن يكون المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه، احترازًا من طعام السلم، فلا يجوز بيعه؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه. الشرط الثاني: اشترط المالكية أن يعجل البدل، ويقبض في مجلس الاستبدال ليسلم من فسخ الدين بالدين، واشترط ابن تيمية التقابض في حالتين: إن كان العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة، كالبر بالشعير، أو الذهب بالفضة. أو كان الثمن دينًا موصوفًا في الذمة.

стр. 1026

فإن كان الثمن شيئًا معينًا، فهل يشترط فيه القبض، فيه وجهان، أطلق الخلاف فيهما ابن تيمية، ولم يرجح. قال ابن تيمية: «يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأن ما في الذمة مقبوض للمدين، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض؛ لئلا يكون ربا، وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة. وإن باعه بغيرهما، فوجهان: أحدهما: لا يشترط كما لا يشترط في غيرهما. والثاني: يشترط؛ لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين» (١). الشرط الثالث: اشترط المالكية أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد، كما لو أسلم دراهم في ثوب مثلًا، فأخذ عنه طست نحاس، إذ يجوز بيع الطست بالثوب يدًا بيد. واحترز بذلك من أخذ اللحم عن الحيوان من جنسه، فإن ذلك لا يجوز؛ لامتناع بيعه يدًا بيد، وانظر مسألة بيع اللحم بالحيوان في باب الربا، فقد حررت الخلاف فيها، والحمد لله. الشرط الرابع: اشترط المالكية أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال، كما لو أسلم دراهم في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان ثوبًا، فإن ذلك جائز؛ إذ يجوز أن يسلم الدراهم في الثوب، واحترز بذلك من أخذ الدراهم عن الذهب، وعكسه، إذ لا يجوز أن تسلم الدراهم في الدنانير، ولا عكسه؛ لأنه يؤدي إلى الصرف المستأخر (٢).

стр. 1027

الشرط الخامس: اشترط المالكية وأحمد في قول له، وإسحاق بن راهوية (١)، وهو قول عثمان البتي (٢)، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٣)، أن يبيعه بمثل ثمنه أو أقل لا أكثر؛ وعلل المالكية المنع بأن بيع الدين على من هو عليه بزيادة يؤدي إلى سلف جر نفعًا، وهذا ممنوع (٤). قال في القوانين الفقهية: «يجوز بيع العرض المسلم فيه قبل قبضه من بائعه بمثل ثمنه أو أقل، لا أكثر؛ لأنه يتهم في الأكثر بسلف جر منفعة، ويجوز بيعه من غير بائعه بالمثل وأقل، وأكثر يدًا بيد، ولا يجوز التأخير» (٥). وعلل غيرهم المنع حتى لا يربح فيما لم يضمن. دليل الجمهور على منع بيع دين السلم . الدليل الأول: (ح-١٢٣) ما رواه أبو داود من طريق عطية بن سعد. عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره (٦). [ضعيف] (٧).

стр. 1028

ويجاب عن الحديث بجوابين: الأول: أن هذا الحديث ضعيف، فلا حجة فيه. الثاني: أن معنى فلا يصرفه إلى غيره، أي لا يصرفه إلى دين آخر، فيكون من باب بيع الدين بالدين، أما إذا باعه بعين، أو بثمن حال فلم يصرفه، بل أفرغه وانتهى منه. يقول ابن تيمية: «وأما احتجاج من منع بيع دين السلم، بقوله ﷺ : من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره، فعنه جوابان: أحدهما: أن الحديث ضعيف. الثاني: المراد به ألا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر، فيكون معناه: النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل، وهو من جنس بيع الدين بالدين، ولهذا قال: لا يصرفه إلى غيره، أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر، ومن اعتاض عنه بغيره، قابضًا للعوض لم يكن قد جعله سلمًا في غيره» (١). الدليل الثاني: ذكر ابن قدامة الإجماع على التحريم، قال ﵀: «أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافًا» (٢). ويناقش: بأن الخلاف في المسألة محفوظ، والإجماع لم يثبت. قال ابن القيم: «كيف يصح دعوى الإجماع، مع مخالفة حبر الأمة

стр. 1029

ابن عباس، وعالم المدينة مالك بن أنس ... » (١). الدليل الثالث: استدل الشافعية بأن دين السلم لم يقبض، وقد جاء النهي عن بيع ما لم يقبض، جاء في نهاية المحتاج: «ولا يصح بيع المثمن الذي في الذمة، نحو المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه قبل قبضه بغير نوعه أو وصفه؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض» (٢). ويناقش: بأن النهي عن بيع ما لم يقبض هو في بيع الأعيان، لا في بيع الديون، بدليل فعل ابن عمر ﵁ حيث كان يبيع بالدراهم ويعتاض عنها الدنانير، ويبيع بالدنانير ويأخذ بدلًا منها الدراهم. وقد سبق لنا في الباب السابق خلاف العلماء في بيع الأعيان قبل قبضها، وقد ترجح لي مذهب المالكية والحنابلة، وأن ذلك خاص في المنع من بيع الطعام الذي يحتاج إلى استيفاء من كيل، أو وزن، فقياس بيع الدين على بيع الأعيان قياس مع الفارق. يقول ابن القيم: «وأما نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في المعين، أو المتعلق به حق توفية من كيل أو وزن، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة،

стр. 1030

فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيره أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي في دينه؛ لأن بدله يقوم مقامه» (١). الدليل الرابع: علل بعضهم المنع، لكون المبيع لم يدخل في ضمان بائعه، فلم يجز بيعه قبل قبضه. قال ابن قدامة: «ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه .... لأنه مبيع، لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه» (٢). ويناقش: بأن الحديث إنما تضمن النهي عن ربح ما لم يضمن، وليس فيه النهي عن التصرف فيه، وبينهما فرق، فإذا اشترطنا أن يبيعه بمثل ثمنه، أو أقل، لا أكثر، لم يربح فيما لم يضمن، ولا تلازم بين التصرف، والضمان، بدليل أن المنافع المستأجرة يجوز أن يؤجرها المستأجر، وهي مضمونة على المؤجر الأول، والثمر المبيع على شجره مبقىً، يجوز بيعه، وهو مضمون على البائع الأول (٣). الدليل الخامس: (ث-١٨) روى البيهقي من طريق حصين، عن محمد بن زيد بن خليدة، قال:

стр. 1031

سألت ابن عمر عن السلف، قلت: إنا نسلف، فنقول: إن أعطيتنا برًا فبكذا، وإن أعطيتنا تمرًا فبكذا، قال: أسلم في كل صنف ورقًا معلومة، فإن أعطاكه، وإلا فخذ رأس مالك، ولا ترده في سلعة أخرى. [حسن لغيره] (١). الدليل السادس: (ث-١٩) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عطاء بن السائب. عن عبد الله بن مغفل في رجل أسلم مائة درهم في طعام، فأخذ نصف سلمه طعامًا، وعسر عليه النصف، فقال: لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك جميعًا (٢). [مغفل تصحيف والصواب معقل، وهو تابعي فلا يكون في هذا حجة] (٣).

стр. 1032

الدليل السابع: (ث-٢٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن ميسرة (١)، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب. أن عبد الله بن عمرو كان يسلف له في الطعام، فقال للذي كان يسلف له: لا تأخذ بعض مالنا، وبعض طعامنا، ولكن خذ رأس مالنا كله، أو الطعام وافيًا (٢). [ضعيف جدًا] (٣). ويجاب عن هذه الآثار السابقة: أن هذه الآثار على فرض صحتها فهي معارضة برأي ابن عباس، والصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعض، ويبقى النظر فيما ترجحه الأدلة، والله أعلم. الدليل الثامن: أن في بيع المسلم فيه قبل قبضه غررًا، وذلك أنه يحتمل حصول المبيع في المستقبل، وعدم حصوله، فهو مجهول العاقبة، وهذا حقيقة الغرر الممنوع في البيع. ويجاب: بأن الغرر إن كان يتعلق بالجهل في قدر المبيع وفي صفته فهو معلوم

стр. 1033

للمتعاقدين، وإن كان يتعلق بالقدرة على التسليم، فإن المشتري هو من عليه الدين، فهو في حكم المقبوض؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن، كان ذلك بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز شرعًا. الدليل التاسع: بيع الدين على من هو عليه، يدخل في بيع ما ليس عند الإنسان، وقد نهي عنه. ويجاب: النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، لا يدخل فيه النهي عن بيع الدين على من هو عليه؛ بل المقصود لا تبع معينًا ليس في ملكك، وإذا جاز بيع المغصوب على غاصبه، جاز بيع الدين على من هو عليه من باب أولى، والله أعلم. دليل القائلين بجواز بيع دين السلم على المدين: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [ا لبقرة: ٢٧٥]. فالأصل في البيع الحل إلا ما دل على تحريمه دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل على التحريم، ولم يرد في منع الاعتياض عن الدين المسلم فيه نص صحيح، ولا يتضمن بيعه على من هو عليه بمثل ثمنه، أو أقل محذورًا شرعيًا يقتضي المنع منه. الدليل الثاني: (ث-٢١) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: إذا أسلفت في طعام، فحَلَّ

стр. 1034

الأجل، فلم تجد طعامًا، فخذ منه عرضًا بأنقص، ولا تربح عليه مرتين (١). [صحيح]. قال ابن القيم: فهذا قول صحابي، وهو حجة ما لم يخالف (٢). الدليل الثالث: المانع من بيع الدين، هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن، كان ذلك بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز شرعًا، خاصة أن القبض لم يرد له في الشرع حد معين، وإنما مرد ذلك إلى العادة والعرف. الدليل الرابع: أن دين السلم دين ثابت في الذمة، فجاز الاعتياض عنه كغيره، فإذا جاز على الصحيح بيع الدين على من هو عليه، إذا كان المبيع بدل قرض، أوثمن مبيع، ونحوهما، جاز ذلك في دين السلم. (ح-١٢٤) فقد روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير. عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت

стр. 1035

رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير؟ فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١). [اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢). فالحديث دليل على جواز بيع ما في الذمة على من هو عليه، وإذا جاز ذلك في ثمن المبيع جاز ذلك في دين السلم، حيث لا فرق. وهو دليل أيضًا على أنه لا فرق بين كون الدين حالًا، أو كونه مؤجلًا؛ لأنه لم يسأله رسول الله ﷺ عن الدين، هل كان حالًا، أو مؤجلًا؟ ولو كان بينهما فرق في الشرع، لبينه ﵊، وفي ذلك رد على المالكية الذين اشترطوا أن يكون الدين حالًا. وهو دليل أيضًا على اشتراط أن يكون البيع بسعر يومه، بحيث لا يربح فيه؛ لئلا يربح فيما لم يضمن؛ لأنه ﷺ قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها. (ح-١٢٥) ولما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن (٣). [وإسناده حسن] (٤).

стр. 1036

وهو دليل أيضًا على اشتراط التقابض، إذا كان العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة؛ لأنه قال: ما لم تتفرقا وبينكما شيء. وعلى القول بأن الأثر موقوف، فإن ابن عمر صحابي جليل، من كبار فقهاء الصحابة، فيكون قوله حجة، ما دام لم يخالف الكتاب، ولا السنة، ولا قول صحابي أقوى منه، والله أعلم. الراجح: لقد ترجح لي بعد استعراض الأقوال وأدلتها القول بجواز بيع الدين على من هو عليه من غير فرق بين كون الدين طعامًا أو غير طعام بشروط: الأول: ألا يربح فيه حتى لا يربح فيما لم يضمن. الثاني: أن يتعين الثمن حتى لا يكون من قبيل فسخ الدين بالدين. الثالث: التقابض إن كان العوضان مما يجري بينهما ربا النسيئة. * * *

стр. 1037

الصورة الثانية بيع الديون غير المستقرة من غير السلم على من هي عليه [م - ٢٠٦] اختلف العلماء في بيع الديون غير المستقرة فيما عدا السلم، كالأجرة قبل استيفاء المنفعة، أو مضي زمانها، وكالمهر قبل الدخول. فقيل: يجوز بيعها، وهو مذهب الحنفية (١)، والقول الأظهر للشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). ورجحه ابن تيمية (٤)، بشرط أن يكون الاعتياض عنها بسعر يومها. وقيل: لا يجوز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥). والأدلة على هذه المسألة، هي الأدلة على بيع دين السلم، فانظره في المسألة التي قبل هذه. * * *

стр. 1038

المطلب الثاني في بيع الدين بالدين على من هو عليه الصورة الأولى في تطارح الدينين [م - ٢٠٧] إذا كان لرجل في ذمة آخر دنانير، وللآخر عليه دراهم، فيتفقان على المقاصة، بأن يطرح كل واحد دينه على الآخر بما عليه له، فيسقط دين هذا بسقوط دين هذا، فما حكم هذا البيع؟ اختلف العلماء في هذا البيع على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول السبكي من الشافعية، واختاره ابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة (٢). القول الثاني: لا يجوز مطلقًا، يعني سواء كان الدينان حالين، أو مؤجلين، أو أحدهما

стр. 1039

حالًا، والآخر مؤجلًا، وهذا مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: يجوز بشرط أن يكون الدينان حالين، فإن كانا مؤجلين، أو أحدهما، لم يجز، وهذا مذهب المالكية (٣). تعليل من قال بالجواز: التعليل الأول: الأصل في البيع الحل، ولا يوجد دليل على المنع. التعليل الثاني: أن هذا البيع بيع ساقط بساقط، وهو يؤدي إلى تفريغ كل واحدة من الذمتين،

стр. 1040

وهو مطلوب شرعًا؛ لما فيه من براءة الذمم، وأما بيع الدين بالدين، فهو يؤدي إلى شغل ذمتين، بغير مصلحة لهما، ولذلك نهي عنه. التعليل الثالث: أن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة، فكأنهما تبادلا عينًا بعين، والقبض غير لازم في هذه الصورة؛ لأن العوضين مقبوضان عند الطرفين مسبقًا (١). دليل من قال: لا يجوز . الدليل الأول: (ح-١٢٦) ما رواه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 1041

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1042

الدليل الثاني: قال ابن قدامة: «ولنا أنه بيع دين بدين، ولا يجوز ذلك بالإجماع، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، وقال أحمد: إنما هو إجماع ... » (١). ويناقش: إن كان بيع الدين بالدين ممنوعًا بالإجماع فليست هذه الصورة منه قطعًا لثبوت الخلاف، فالحنفية أجازوه مطلقًا، والمالكية بشرط حلول الدين، فصدق أن هذه الصورة ليست داخلة في الإجماع الذي نقله ابن قدامة، والإجماع يشترط لثبوت الاحتجاج به سلامته من الخلاف، فإذا كان الخلاف محفوظًا لم يكن هناك إجماع. وهذا بين. دليل المالكية على اشتراط حلول الأجلين: أن من عجل ما حقه التأجيل يعتبر مسلفًا، فيجتمع سلف وبيع، وهذا ممنوع (٢).

стр. 1043

وبعضهم يوجه المنع: بأنه من الصرف المتأخر، وذلك أن المؤجل لا يتعجل ولو قبضه عند المالكية، وبناء عليه لا يوصف بأنه قبضه إلا بعد مضي أجله، فيقتضيه من نفسه، ويكون بذلك قد تأخر قبضه عن صرفه، والصرف المتأخر ممتنع (١). وهذا توجيه فيه بعد، إذا كيف بعد أن قبض المؤجل، يقال: لا يستحق قبضه إلا بعد مضي أجله، فإذا حل الأجل استحق القبض، فيقبضه من نفسه، ويكون قبضه المعجل كما لو لم يقبضه. والراجح: القول بالجواز لقوة دليله. * * *

стр. 1044

الصورة الثانية في فسخ الدين بالدين على من هو عليه جاء في موسوعة القواعد والضوابط الفقهية: الأصل أن ربح ما لم يضمنه الرابح حرام .... (١). [م - ٢٠٨] هذه المسألة يسميها بعض الفقهاء بيع الساقط بالواجب، وهو أن يشتري سلعة موصوفة في الذمة مؤجلة التسليم مقابل دين للمشتري على البائع، كأن يكون الرجل مدينًا لآخر بألف ريال فيتفقا على الاعتياض عن ذلك بطعام سلمًا إلى أجل معين، وقد أطلق عليها بعض الفقهاء جعل ما في الذمة رأس مال لسلم. ومثله بيع المسلم فيه بدين آخر، كما لو كان الرجل مدينًا لآخر بخمسين صاعًا من البر سلمًا، فاتفقا على أن يبيعه المسلم فيه قبل قبضه بألف دينار إلى سنة، فما حكم هذه المسألة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢)، وهو المنصوص عن ابن تيمية.

стр. 1045

قال ابن تيمية في مختصر الفتاوى المصرية: «ومن اشترى قمحًا إلى أجل، ثم عوض البائع عن الثمن سلعة إلى أجل لم يجز، وكذلك إن احتال على أن يزيده في الثمن، ويزيده في الأجل بصورة يظهر رباها لم يجز، ولم يكن عنده إلا الدين الأول، فإن هذا هو الربا الذي أنزل الله فيه القرآن، يقول الرجل لغريمه عند محل الأجل: تقضي أو تربي» (١). وقال أيضًا: «إذا اشترى قمحًا بثمن إلى أجل، ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى أجل لم يجز فإن هذا بيع دين بدين» (٢). وقال ابن تيمية أيضًا: «وأما احتجاج من منع بيع دين السلم بقوله: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره، فعنه جوابان: أحدهما: أن الحديث ضعيف. والثاني: المراد به ألا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر، فيكون معناه: النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل، وهو من جنس بيع الدين بالدين، ولهذا قال: لا يصرفه إلى غيره، أي: لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر، ومن اعتاض عنه بغيره قابضًا للعوض لم يكن قد جعله سلمًا في غيره» (٣).

стр. 1046

فهذا القول من ابن تيمية نص صريح في أنه لا يجوز بيع الدين على من هو عليه بدين آخر، ويجوز بيع الدين بعوض مقبوض، وهو من قبيل بيع الدين بالعين. القول الثاني: يجوز بيع الدين على من هو عليه بدين آخر، اختاره ابن القيم، وحكاه قولًا لابن تيمية (١). قال ابن القيم: «إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه، فاشترى به شيئًا في ذمته، فقد سقط الدين من ذمته، وخلفه دين آخر واجب، فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز» (٢). وقال أيضًا: «وقد حكي الإجماع على امتناع هذا ولا إجماع فيه، قاله شيخنا، واختار جوازه وهو الصواب» (٣). ولم أقف على قول صريح لابن تيمية يقول بجواز بيع الدين على من هو عليه بدين، وكل ما وقفت عليه أنه حكى أن بيع الدين منه ما هو ممنوع بالاتفاق كبيع المؤخر بالمؤخر، ومنه ما تنازع العلماء فيه، وذكر منها مسألتنا هذه: بيع الساقط بالواجب. وحكاية الخلاف لا تعني أنه يقول بالجواز. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ: هو المؤخر الذي لم يبقض بالمؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق ..... وينقسم ـ

стр. 1047

يعني بيع الدين بالدين ـ إلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وهذا فيه نزاع» (١). وبيع الساقط بالساقط الخلاف فيه محفوظ بين الفقهاء، والراجح جوازه، وأما بيع الساقط بالواجب فلم يبين ابن تيمية من قال بجوازه من العلماء، ولم أقف على أحد قال بجوازه عدا ابن القيم، ولم يصرح ابن تيمية برأيه في المسألة، وقد سبق لنا في القول الأول النقل الصريح عن ابن تيمية بمنع هذه المعاملة، فإن صح ما حكاه ابن القيم عن شيخه فيكون لابن تيمية قولان في المسألة، وإلا كان وهمًا من ابن القيم في نسبة هذا القول لشيخه. دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: أنه من باب بيع الدين بالدين، وقد نهي عنه كما في حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (٢). [ضعيف]. وأجيب: قال ابن القيم: «ليس عن الشارع نص عام في المنع من بيع الدين بالدين، وغاية ما ورد فيه حديث، وفيه ما فيه: أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر، وهذا كما إذا كان رأس مال السلم دينًا في ذمة المسلم فيه، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شغل ذمتين بغير مصلحة لهما، وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه، فاشترى به شيئًا في ذمته فقد سقط الدين من

стр. 1048

ذمته، وخلفه دين آخر واجب، فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز، كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة «(١). وتعقبه بعض العلماء المعاصرين: يقول الدكتور نزيه حماد: «قَصْر شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم معنى بيع الكالئ بالكالئ على صورة السلف المؤجل من الطرفين غير مسلم؛ لافتقاره إلى دليل يقيده، ولوجود صورة أخرى يصدق عليها معناه، وتدخل تحت عمومه، وقد نقل الإجماع على حضر بعضها باعتبارها من أفراده، ومنها هذه الصورة» (٢). الدليل الثاني: الإجماع على المنع حكاه ابن قدامة وغيره. قال ابن قدامة: «إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سلمًا في طعام إلى أجل لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، منهم: مالك والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي، وعن ابن عمر، أنه قال: لا يصح ذلك، و ذلك لأن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن دينًا كان بيع دين بدين، ولا يصح ذلك بالإجماع» (٣). وقال السبكي في تكملة المجموع: «تفسير بيع الدين بالدين المجمع على منعه: وهو أن يكون للرجل على الرجل دين، فيجعله عليه في دين آخر، مخالف له في الصفة أو القدر، فهذا هو الذي وقع الإجماع على امتناعه» (٤).

стр. 1049

الدليل الثالث: هذه الصورة شبيهة بربا النساء المعروف، حيث إنَّ استبدال الدين الحال بدين مؤجل من غير جنسه مظنة الزيادة في الدين في مقابل الأجل الممنوح للمدين، وذلك في معنى ربا الجاهلية (تقضي أو تربي). الدليل الرابع: إذا كان ابتداء الدين بالدين مجمعًا على منعه، حكى الإجماع جماعة منهم ابن تيمية، وابن القيم فإن فسخ الدين بالدين مثله حيث لا فرق. دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: الأصل في البيع الحل، ولا يوجد نص يدل على التحريم، يقول ابن القيم: «ليس عن الشارع نص عام في المنع من بيع الدين بالدين» (١). وقد أجاب فيما سبق عن حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. الدليل الثاني: استدل ابن القيم على الجواز بالقياس على الحوالة. قال ﵀: «قواعد الشرع تقتضي جوازه، فإن الحوالة اقتضت نقل الدين، وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز» (٢).

стр. 1050

ويناقش: هناك فرق بين الحوالة وبين الدين على من هو عليه بثمن مؤجل من وجهين: الأول: أن بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل من قبيل البيع، والحوالة على الصحيح ليست بيعًا. قال ابن تيمية: «الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل، ولهذا ذكر النبي ﷺ الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع. فأمر المدين بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء» (١). وقال القرافي: الحوالة تحويل الحق، وليس بتبديل ... لأن تبديل الدين بالدين لا يجوز، ولأن اسم الحوالة من التحويل، لا من التبديل (٢). الوجه الثاني: يشترط في صحة الحوالة أن يحيله على جنس الدين، لا على جنس آخر، فإذا أحاله على جنس آخر لم تكن حوالة، وخرج العقد من الإرفاق والإحسان إلى المعاوضة والتكسب، فامتنعت. قال ابن رشد: «وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط: ... الثاني: أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر، والصفة؛ لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعًا، ولم يكن حوالة فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين» (٣).

стр. 1051

بينما بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل هو من قبيل بيع الدين بغير جنسه، فلم يصح القياس على الحوالة، يقول ابن القيم في توصيف بيع الساقط بالواجب: «كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه» (١). فظهر الفرق بين الحوالة وبين بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل. الدليل الرابع: لكل واحد من المتبايعين غرض صحيح، ومنفعة مطلوبة؛ إذ تبرأ ذمة المدين عن دينه الأول، وتنشغل بدين آخر، قد يكون وفاؤه أسهل عليه وأنفع لجلب منافع الناس، وتحصيل مصالحهم. ويناقش: نحن لا نمانع إذا كان ذلك من قبيل المنفعة للدائن والمدين، وذلك لا يكون إلا إذا كان هناك وفاء في محل العقد، فيتحول البيع إلى بيع دين بعين، ويسلمه المبيع في مجلس العقد، فتبرأ ذمة المدين، وينتفع الدائن بقبض ماله، أما إذا كانت ذمته ستنتقل من دين لدين آخر، فما الفائدة المرجوة من ذلك، فلم ينتفع الدائن، ولم ينتفع المدين، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل مقصوده أصلًا، وإذا كان المدين يراه أنه أسهل لوفاء دينه، فلينتظر حتى يكون المبيع معه، ثم يبيعه إياه، فيكون ذلك أسهل لوفاء دينه حقيقة لا دعوى. الدليل الخامس: استدل ﵀ بالقياس على بيع العين بالدين. قال ﵀: «إذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته، والآخر يحصل على الربح،

стр. 1052

وذلك في بيع العين بالدين، جاز أن يفرغها من دين، ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها ابتداء بقرض، أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل» (١). ويناقش: وهذا الكلام مدخول من أكثر من وجه: الوجه الأول: لو صح قياس بيع الدين بالدين، على بيع العين بالدين، لم يكن هناك إجماع على النهي عن بيع المؤخر بالمؤخر، وقد اتفقوا على منع بيع المؤخر بالمؤخر، كما لو باع عليه موصوفًا مؤجلًا، بثمن مؤجل. الوجه الثاني: ذكر ابن القيم أن كل واحد منهما له منفعة من هذه المعاملة، فالمدين أفرغ ذمته من دين وشغلها بآخر، والآخر حصل على الربح، والسؤال: كيف صحح ابن القيم أن يبيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل، وأذن له أن يربح فيه مع أن بيع الدين على من هو عليه بثمن حال يشترط لجوازه ألا يربح فيه حتى لا يربح فيما لم يضمن، فبيعه بثمن مؤجل من باب أولى ألا يربح فيه. الدليل السادس: استدل ابن القيم على الجواز بالقياس على المقاصة، وهو بيع الساقط بالساقط. يقول ابن القيم: «إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه، فاشترى به شيئًا في ذمته

стр. 1053

فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب، فهذا من بيع الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة» (١). ويناقش: هناك فرق كبير بين بيع المقاصة وبين مسألتنا، ففي بيع المقاصة تبرأ الذمم، وينتهي الدين، فهو بمنزلة بيع عين بعين، بينما في مسألتنا تنشغل ذمة المدين بدين آخر بلا فائدة، وكان بالإمكان أن يمهل المدين إذا كان المقصود الإرفاق به لولا ما يرجوه الدائن من أخذ الربح في مقابل زيادة الأجل. الراجح: القول بالمنع؛ لأن المسألة لا تخرج إما أن يراد من هذه المعاملة منفعة الدائن، أو منفعة المدين، أو لا يراد منفعة أي واحد منهما. فإن كان لا منفعة لهما كانت هذه المعاملة عبثًا، والعاقل لا يبيع أو يشتري ما لا منفعة فيه للمتعاقدين. وإن كان يرى أن المنفعة في هذا التصرف في جانب الدائن فقط كان هذا من قبيل تقضي أو تربي، وتكون الزيادة في الأجل مقابل هذه المنفعة، وهي محرمة بالإجماع. وإن كانت المنفعة للمدين فقط حيث يراه في الانتقال إلى المبيع الجديد قد يكون أسهل لوفاء دينه، فلينتظر حتى يكون المبيع معه، ثم يبيعه إياه، فيكون ذلك أسهل لوفاء دينه حقيقة لا دعوى، ويكون من قبيل بيع دين بعين، وليس من قبيل بيع دين بدين، والله أعلم. * * *

стр. 1054

المطلب الثالث بيع الدين على غير من هو عليه بثمن حال [م - ٢٠٩] إذا كان الرجل مدينًا لآخر بمائة صاع من البر، فهل يجوز أن يبيعها على ثالث بمائة ريال حالة. والمبيع هنا ليس معينًا، وإنما هو في الذمة، والمدين الأول والمدين الثاني (الذي هو البائع) كلاهما ضامنان للمبيع لكون الدين متعلقًا بذمتهما، فإذا ربح فيه البائع لا يقال: ربح فيما لم يضمن. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز بيع الدين لغير المدين مطلقًا. وهذا قول الحنفية (١)، وإحدى القولين للشافعية (٢)، والمشهور من مذهب

стр. 1055

الحنابلة (١). القول الثاني: يجوز بيع الدين مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٢). القول الثالث: يجوز بيع الدين بالعين بشروط، وهو مذهب المالكية (٣)، والراجح عند
следующие страницы →