بينما بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل هو من قبيل بيع الدين بغير جنسه، فلم يصح القياس على الحوالة، يقول ابن القيم في توصيف بيع الساقط بالواجب: «كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه» (١).
فظهر الفرق بين الحوالة وبين بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل.
الدليل الرابع:
لكل واحد من المتبايعين غرض صحيح، ومنفعة مطلوبة؛ إذ تبرأ ذمة المدين عن دينه الأول، وتنشغل بدين آخر، قد يكون وفاؤه أسهل عليه وأنفع لجلب منافع الناس، وتحصيل مصالحهم.
ويناقش:
نحن لا نمانع إذا كان ذلك من قبيل المنفعة للدائن والمدين، وذلك لا يكون إلا إذا كان هناك وفاء في محل العقد، فيتحول البيع إلى بيع دين بعين، ويسلمه المبيع في مجلس العقد، فتبرأ ذمة المدين، وينتفع الدائن بقبض ماله، أما إذا كانت ذمته ستنتقل من دين لدين آخر، فما الفائدة المرجوة من ذلك، فلم ينتفع الدائن، ولم ينتفع المدين، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل مقصوده أصلًا، وإذا كان المدين يراه أنه أسهل لوفاء دينه، فلينتظر حتى يكون المبيع معه، ثم يبيعه إياه، فيكون ذلك أسهل لوفاء دينه حقيقة لا دعوى.
الدليل الخامس:
استدل ﵀ بالقياس على بيع العين بالدين.
قال ﵀: «إذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته، والآخر يحصل على الربح،
стр. 1052
وذلك في بيع العين بالدين، جاز أن يفرغها من دين، ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها ابتداء بقرض، أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل» (١).
ويناقش:
وهذا الكلام مدخول من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
لو صح قياس بيع الدين بالدين، على بيع العين بالدين، لم يكن هناك إجماع على النهي عن بيع المؤخر بالمؤخر، وقد اتفقوا على منع بيع المؤخر بالمؤخر، كما لو باع عليه موصوفًا مؤجلًا، بثمن مؤجل.
الوجه الثاني:
ذكر ابن القيم أن كل واحد منهما له منفعة من هذه المعاملة، فالمدين أفرغ ذمته من دين وشغلها بآخر، والآخر حصل على الربح، والسؤال: كيف صحح ابن القيم أن يبيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل، وأذن له أن يربح فيه مع أن بيع الدين على من هو عليه بثمن حال يشترط لجوازه ألا يربح فيه حتى لا يربح فيما لم يضمن، فبيعه بثمن مؤجل من باب أولى ألا يربح فيه.
الدليل السادس:
استدل ابن القيم على الجواز بالقياس على المقاصة، وهو بيع الساقط بالساقط.
يقول ابن القيم: «إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه، فاشترى به شيئًا في ذمته
стр. 1053
فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب، فهذا من بيع الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة» (١).
ويناقش:
هناك فرق كبير بين بيع المقاصة وبين مسألتنا، ففي بيع المقاصة تبرأ الذمم، وينتهي الدين، فهو بمنزلة بيع عين بعين، بينما في مسألتنا تنشغل ذمة المدين بدين آخر بلا فائدة، وكان بالإمكان أن يمهل المدين إذا كان المقصود الإرفاق به لولا ما يرجوه الدائن من أخذ الربح في مقابل زيادة الأجل.
الراجح:
القول بالمنع؛ لأن المسألة لا تخرج إما أن يراد من هذه المعاملة منفعة الدائن، أو منفعة المدين، أو لا يراد منفعة أي واحد منهما.
فإن كان لا منفعة لهما كانت هذه المعاملة عبثًا، والعاقل لا يبيع أو يشتري ما لا منفعة فيه للمتعاقدين.
وإن كان يرى أن المنفعة في هذا التصرف في جانب الدائن فقط كان هذا من قبيل تقضي أو تربي، وتكون الزيادة في الأجل مقابل هذه المنفعة، وهي محرمة بالإجماع.
وإن كانت المنفعة للمدين فقط حيث يراه في الانتقال إلى المبيع الجديد قد يكون أسهل لوفاء دينه، فلينتظر حتى يكون المبيع معه، ثم يبيعه إياه، فيكون ذلك أسهل لوفاء دينه حقيقة لا دعوى، ويكون من قبيل بيع دين بعين، وليس من قبيل بيع دين بدين، والله أعلم.
* * *
стр. 1054
المطلب الثالث
بيع الدين على غير من هو عليه بثمن حال
[م - ٢٠٩] إذا كان الرجل مدينًا لآخر بمائة صاع من البر، فهل يجوز أن يبيعها على ثالث بمائة ريال حالة.
والمبيع هنا ليس معينًا، وإنما هو في الذمة، والمدين الأول والمدين الثاني (الذي هو البائع) كلاهما ضامنان للمبيع لكون الدين متعلقًا بذمتهما، فإذا ربح فيه البائع لا يقال: ربح فيما لم يضمن.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
لا يجوز بيع الدين لغير المدين مطلقًا.
وهذا قول الحنفية (١)، وإحدى القولين للشافعية (٢)، والمشهور من مذهب
стр. 1055
الحنابلة (١).
القول الثاني:
يجوز بيع الدين مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٢).
القول الثالث:
يجوز بيع الدين بالعين بشروط، وهو مذهب المالكية (٣)، والراجح عند
стр. 1056
الشافعية (١).
تعليل من قال: لا يجوز:
التعليل الأول:
علل الفقهاء المنع بعدم القدرة على التسليم، والقدرة شرط انعقاد العقد (٢).
ويناقش:
بأن البائع يبيع شيئًا موصوفًا في الذمة، وما كان في الذمة فهو ليس عرضة
стр. 1057
للتلف بخلاف المعين إذا كان في يد غيره فقد يتغير، وقد يتلف، فتبقى ذمة البائع مشغولة بهذا الدين حتى يسلمه إلى صاحبه.
التعليل الثاني:
أن الدين عند الحنفية، ووجه عند الشافعية، لا يعتبر مالًا، فالحنفية يرون أن المال: ما يمكن إحرازه، وادخاره، والدين معدوم، حال تعلقه بالذمة، قال الزركشي: «هل يجوز بيع الدين من غير من عليه الدين؟ إن قلنا: إنه مال جاز، أو حق فلا؛ لأن الحقوق لا تقبل النقل إلى الغير» (١).
ويناقش:
الدين وصف للمال، وليس هو المال، فالمال إما ذات أو عرض (منفعة)، وكلاهما قد يكون دينًا وقد يكون معينًا.
فالمال إذا كان ذاتًا كما لو كان مائة صاع من البر، إن كان قائمًا فهو معين، وإن كان موصوفًا من غير تعيين، متعلقًا بالذمة، فهو دين، وكلاهما يؤول إلى ذات وليس إلى عرض (منفعة).
والعرض (المنفعة) تكون دينًا ومعينة، فإذا استأجر الرجل ركوب دابة من صاحبها، فإن كانت الدابة معينة، فهي منفعة معينة، وإن كانت الدابة موصوفة في الذمة فالمنفعة دين في الذمة، فتقسيم المال إلى ثلاثة أقسام عين ودين ومنفعة تقسيم غير دقيق، فالدين وصف للمال عينًا كان أو عرضًا، وكما تكون المنفعة عينًا ودينًا، يكون المال عينًا ودينًا، فالدين وصف يلحق الذوات كما يلحق المنافع.
стр. 1058
دليل من قال: يجوز بيع الدين على غير من هو عليه بالشروط المذكورة.
ما دام أن الدين ثابت في الذمة، لا يخشى سقوطه، وكان الثمن حالًا، لم يكن بيعه من باب بيع الدين بالدين المنهي عنه، ولأن الذين منعوه، إنما منعوه: إما خوفًا من الغرر، وإما خوفًا من الوقوع في الربا، ولذلك جعلنا لجواز هذا البيع، ما ينفي وقوع الغرر، وذلك بكون الدائن مليئًا مقرًا بما عليه من الدين، كما جعلنا لهذا البيع من الشروط ما ينفي الوقوع في الربا من اشتراط التقابض في المجلس، وكون المبيع مما يجوز بيعه قبل قبضه، وألا يكون الثمن ذهبًا بفضة، فإذا تحققت هذه الشروط انتفى خوف الغرر، كما انتفى خوف الوقوع في الربا، فلا حرج في جواز هذا البيع، والله أعلم.
الراجح:
القول بالجواز، وإذا كنا منعنا في بيع الدين على من هو عليه ألا يربح فيه؛ لأن الدين ليس من ضمان البائع، فإنه لا مانع في بيع الدين على غير من هو عليه من أن يربح فيه البائع، فيجوز له أن يبيعه بمثل ثمنه أو أقل أو أكثر؛ لأن البائع إذا باع شيئًا موصوفًا في الذمة كانت ذمته مشغولة بالضمان، وإذا كان ضامنًا لم يمنع من الربح فيه، ولا مانع أن يكون المتعهد بالضمان المدين الأول والمدين الثاني.
وكون الشيء مضمونًا على شخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، فهذا المستأجر يجوز له إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر، وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني (١).
стр. 1059
وجاء في المدونة: «قال مالك: لا بأس أن تبيع ما سلفت فيه، إذا كان من غير ما يؤكل ويشرب، من غير الذي عليه ذلك السلف، بأقل أو بأكثر أو بمثل ذلك إذا انتقدت وأما الذي عليه السلف فلا تبعه منه قبل الأجل بأكثر، ولا تبعه منه إلا بمثل الثمن أو أقل، ويقبض ذلك» (١). والله أعلم.
نعم لو قال البائع: أبيع عليك ما في ذمة فلان على أني لا أضمن لك تسلم المبيع لو صح مثل هذا الشرط يصح أن يقال: لا يجوز أن يربح فيه؛ لأنه قد ربح فيما لم يضمن، أما إذا باع موصوفًا في الذمة فهو قد باع غير معين، فلا مانع من الربح فيه.
* * *
стр. 1060
المطلب الرابع
بيع الدين لغير المدين بثمن مؤجل
[م - ٢١٠] إذا كان الرجل مدينًا لآخر بمائة صاع من البر، فهل يجوز أن يبيعها على ثالث بمبلغ مؤجل مدة معينة.
ذهب الأئمة الأربعة إلى منع بيع الدين على غير المدين بثمن مؤجل (١).
قال الكاساني: «الدين لا يقبل التمليك لغير من عليه الدين» (٢).
واعتبره المالكية قسمًا من أقسام الكالئ بالكالئ.
قال الخرشي: «(وبيعه بدين) هذا هو القسم الثاني من أقسام الكالئ، والمعنى أن الدين ولو حالًا لا يجوز بيعه بدين» (٣).
وجاء في البهجة في شرح التحفة: «وأما إذا باعه لغير من هو عليه فيجوز قبل
стр. 1061
الأجل وبعده بشرط أن يكون الثمن نقدًا، لا مؤجلًا فيمنع مطلقًا؛ لأنه من بيع الدين بالدين» (١).
وجاء في حاشية الجمل: «حاصل الصور في هذا المقام أربعة: بيع الدين بغير دين لمن هو عليه، ولغير من هو عليه، وهاتان صحيحتان، الأولى باتفاق، والثانية على المعتمد. وبيع الدين بالدين لمن هو عليه ولغير من هو عليه، وهاتان باطلتان» (٢).
وقال في شرح منتهى الإرادات: «ولا بيع دين لغير من هو عليه مطلقًا .. » (٣).
وصحح المالكية بيع الدين بعين ولو كانت العين مؤجلة (٤).
قال الخرشي: «وفهم من قوله: بدين عدم منع بيع الدين بمعين يتأخر قبضه، أو بمنافع معين» (٥).
وعلل المالكية جواز بيع الدين بعين مؤجلة، بأن العين لا تثبت دينًا في الذمة، ولو تأخر تسليمها؛ فهو من قبيل بيع الدين بحاضر.
وجه القول بالمنع:
أن هذا من قبيل بيع الدين بالدين، والإجماع على منعه.
ولأن هذا البيع صورة من صور بيع الكالئ بالكالئ، هو المؤخر بالمؤخر، فالثمن مؤخر في ذمة المشتري، والمبيع مؤخر في ذمة المدين.
стр. 1062
ولأن هذا التصرف فيه شغل لذمتي البائع والمشتري بدون فائدة، وذلك أن البائع لم يستلم الثمن حتى ينتفع به، والمشتري لم يستلم المبيع، ليقضي حاجته، فكلاهما غير محتاج لهذه المعاملة حين التعاقد.
قال ابن تيمية: «فإن ذلك منع منه؛ لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت لا له ولا للآخر، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل به مقصوده أصلًا، بل هو التزام بلا فائدة» (١).
وجاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي: «فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في المدة من ٢١/ ٢٦/١٠/ ١٤٢٢ .... قد نظر في موضوع بيع الدين وبعد استعراض البحوث التي قدمت، والمناقشات المستفيضة حول الموضوع .... وبناء على ذلك قرر المجمع ما يأتي: ....... ثانيًا: من صور بيع الدين غير الجائزة: .....
(ب) بيع الدين لغير المدين بثمن مؤجل من جنسه، أو من غير جنسه؛ لأنها صورة من صور بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين) الممنوع شرعًا».
ولا أعلم أحدًا قال بجواز بيع الدين على غير المدين بثمن مؤجل، وإذا كانت الصورة السابقة، وهي بيع الدين على المدين بثمن مؤجل لم يقل بها أحد من العلماء إلا ما نقل عن ابن القيم، فإن هذه الصورة يجزم الباحث بعدم ثبوت القول بالجواز عن أحد من أهل العلم، والله أعلم.
* * *
стр. 1063
المسألة الثالثة
ابتداء الدين بالدين
يقصد به: أن يبتدئ المتعاقدان التعامل بينهما عن طريق الدين بالدين، وهو لا يقع إلا في السلم خاصة إذا كان الثمن موصوفًا مؤجلًا.
وهذا مجمع على منعه حيث لم يختلف أحد في منعه.
قال الشافعي: «المسلمون ينهون عن بيع الدين بالدين» (١).
«وقال أحمد: لم يصح منه - أي في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ - حديث، ولكن هو إجماع، وهذا مثل أن يُسْلَفَ إليه شيء مؤجل، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع» ثم قال ابن تيمية: «والإجماع إنما هو بالدين الواجب كالسلف المؤجل من الطرفين» (٢).
* * *
стр. 1064
الحكم الرابع
في تعيين مكان القبض
من المعلوم أنه لا بد في البيع من تسليم المبيع، واستلام الثمن، والمبيع تارة يكون حالًا، وتارة يكون مؤجلًا، وقد يكون لنقله إلى محل التسليم مئونة، وقد لا يكون له مئونة، كما أن المكان الذي عقد فيه البيع تارة يكون صالحًا للتسليم، وتارة لا يكون صالحًا، والعاقدان أحيانًا يعينان مكان التسليم، وأحيانًا يكون العقد مطلقًا. وكل هذه الصور تستدعي البحث عند الكلام على تعيين مكان القبض.
* * *
стр. 1065
المبحث الأول
في وجوب تعيين مكان التسليم
[م-٢١١] المبيع إذا كان حالًا غير مؤجل تعين موضع العقد موضعًا للتسليم، وهذا بالاتفاق.
قال الكاساني: «إذا كان حالًا ـ يعني المبيع ـ يتعين مكان العقد للتسليم بالإجماع» (١).
وإذا كان المبيع مؤجلًا فهل يجب على المتعاقدين أن يذكرا في العقد مكان التسليم؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب على العاقدين تعيين مكان التسليم سواء أكان التسليم يحتاج إلى مئونة أم لا، ويكون موضع العقد هو موضع التسليم، فإن كان لا يصلح للتسليم كالبحر والصحراء فإن الوفاء يتعلق بأقرب الأماكن إلى موضع العقد.
وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، والمذهب عند المالكية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤)، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٥). إلا أن المالكية قالوا يفضل تعيين المكان، ولا يجب.
стр. 1066
دليل هذا القول:
الدليل الأول:
حديث ابن عباس المتفق عليه، وفيه: من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يذكر مكان إيفاء المسلم فيه، مع أن الحديث وارد لبيان شروط السلم، فدل على عدم اشتراطه، وإذا لم يجب في المسلم فيه لم يجب في غيره من البيوع المؤجلة.
الدليل الثاني:
إطلاق العقد يقتضي التسليم في الموضع الذي تم به العقد، لأن سبب وجوب الإيفاء هو العقد، والعقد وجد في هذا المكان فتعين هذا المكان موضعًا للوفاء، فإذا كان لا يصلح للتسليم، انتقل الحق إلى أقرب مكان من موضع العقد.
ونوقش هذا:
بأن العقد قائم بالعاقدين لا بالمكان، فلم يوجد العقد في هذا المكان، وإنما هذا مكان المتعاقدين.
القول الثاني:
ذهب الشافعية في المعتمد إلى أنه لا يجب تعيين مكان التسليم، ويكون التسليم في موضع العقد إلا في حالتين:
الحال الأولى: إذا كان التسليم لحمله مئونة، فيجب ذكر مكان الإيفاء،
стр. 1067
ووافق أبو حنيفة الشافعية، فيما إذا كان المبيع لحمله مؤونة فيجب عنده ذكر مكان الإيفاء (١).
الحال الثانية: إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم (٢).
ووافق الحنابلة الشافعية فيما إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم، كالصحراء، والبحر، فيجب عندهم ذكر مكان الإيفاء (٣).
جاء في الإنصاف: «ولا يشترط ذكر مكان الإيفاء إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء به» (٤).
دليل هذا القول:
وجه اشتراط تعيين مكان الوفاء إذا كان التسليم له حمل مئونة:
يرى الشافعية أن موضع العقد هو محل التسليم، ولكن اشترطنا بيان مكان الوفاء إذا كان لحمله مؤنة قطعًا للمنازعة؛ لأن ما لحمله مؤنة تختلف قيمته باختلاف الأمكنة، فوجب اشتراط تعيين مكان الإيفاء، بخلاف ما لا حمل له ولا مئونة، فيتعين موضع العقد موضعًا للتسليم.
ويرى أبو حنيفة أن موضع العقد لا يتعين مكانًا للوفاء ولو كان صالحًا للتسليم؛ لأن العقد وجد مطلقًا عن تعيين مكان الوفاء، فلا يتعين مكان العقد
стр. 1068
مكانًا للإيفاء، والقول بأن مكان العقد هو موضع الوفاء من غير تعيين العاقدين تعيين لمطلق، فلا يجوز إلا بدليل، فإذا كان المبيع لا مئونة في حمله صح تسليمه في أي مكان، وإذا كان المبيع لحمله مئونة وجب تعيين مكان الوفاء، فإذا لم يتعين بقي مكان الوفاء مجهولًا فيؤدي ذلك إلى التنازع، فيفسد العقد.
وجه اشتراط تعيين مكان الوفاء إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم:
إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم كالصحراء والجبل تعذر الوفاء في موضع العقد، فيكون محل التسليم مجهولًا، وليس بعض الأماكن أولى من بعض، فاشترط تعيينه بالقول.
القول الثالث:
اختار ابن حزم بأن المتعاقدين إذا اشترطا دفعه في مكان بعينه فقد فسد العقد، بناء على مذهبه في الشروط، وأن كل شرط لم ينص الشرع على جواز اشتراطه، فاشتراطه باطل مفسد للعقد، وقد أجبنا على مذهبه في باب الشروط الجعلية، فأغنى عن إعادته هنا (١).
الراجح:
أرى أن تعيين مكان الوفاء ليس شرطًا يتوقف عليه صحة العقد؛ لأن مكان الإيفاء أمر خارج عن العقد، وإذا صح العقد تعين موضع العقد مكانًا للإيفاء، فإن كان غير صالح كان أقرب مكان لموضع العقد، على أن المبيع إذا كان لحمله مئونة ينبغي ذكر مكان الإيفاء قطعًا للنزاع، ولا يجب، والله أعلم.
* * *
стр. 1069
المبحث الثاني
إذا عين المتعاقدان مكانًا للتسليم غير مكان العقد
[م - ٢١٢] إذا عين المتعاقدان مكانًا للتسليم غير مكان العقد، فهل يتعين؟
اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول:
يتعين المكان بالتعيين مطلقًا، سواء كان لحمله مئونة، أو لا، وهذا مذهب الجمهور (١).
وجه هذا القول:
أن العاقدين لما عينا مكانًا للتسليم صار شرطًا في العقد، والشروط الصحيحة يجب الوفاء بها ديانة وقضاء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
ولأن القيمة تختلف باختلاف الأماكن بحسب العرض والطلب، فإذا عين العاقد موضع التسليم كان له غرض صحيح من التعيين، فيجب الوفاء به.
القول الثاني:
إن كان لحمله مئونة تعين بالتعيين، وإن لم يكن لحمله مئونة لم يتعين، وله أن يوفيه في أي مكان شاء، وهو قول في مذهب الحنفية (٢).
стр. 1070
وجه هذا القول:
أن المعقود عليه إذا لم يكن لحمله مئونة لم تختلف قيمته باختلاف الأماكن، فلم يتعين المكان بالتعيين.
والراجح القول الأول؛ لأنه لما نص عليه في العقد وجب الوفاء به.
* * *
стр. 1071
المبحث الثالث
إذا لم يعين المتعاقدان مكانًا للتسليم
[م - ٢١٣] إذا كان العقد مطلقًا لم يعين المتعاقدان فيه مكانًا للتسليم، فقد اختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يتم التسليم حيث يوجد المبيع، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
يجب الوفاء في موضع العقد إن لم يشرط في غيره، والمراد بموضع العقد تلك المحلة، لا نفس موضع العقد، وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 1072
القول الثالث:
إن كان لحمله مئونة تعين موضع العقد، وإن كان لا مئونة لحمله فله أن يوفيه في أي مكان شاء؛ لأن الأماكن كلها سواء. قال في البحر الرائق: وهو الأصح (١).
والصحيح مذهب الجمهور أن مكان التسليم هو موضع العقد.
أولًا: لأن سبب وجود التسليم وجد في موضع العقد، فوجب أن يتعين هذا المكان مكانًا للإيفاء (٢)، فموضع العقد: هو موضع الالتزام، فيتعين لإيفاء ما التزمه (٣).
وثانيًا: لأن القيمة تختلف باختلاف الأماكن، واختلاف الطلب، فتجد في مكان قد يرتفع سعر سلعة ما نتيجة إقبال أهل البلد عليها، وقد تنخفض في آخر نتيجة إعراض الناس عنها، وقلة رغبتهم فيها، فدفعًا للضرر يكون التسليم حيث وجب العقد.
* * *
стр. 1073
الحكم الخامس
في تلف المبيع
التلف تارة يكون الباعث على بحثه معرفة من يكون عليه ضمان المبيع، وتارة يكون الباعث على بحثه معرفة أثر التلف في فسخ العقد ولزومه، وفي هذا المبحث سنتكلم فقط على مسألة أثر التلف من جهة الضمان، وأما مسألة الفسخ فسأفرد لها إن شاء الله تعالى بابًا خاصًا في آخر الكتاب، يلحق فيها الكلام على أحكام الإقالة باعتبارها نوعًا من أنواع الفسخ.
كما أن التلف تارة يكون قبل القبض، وتارة يكون بعده، كما أن المتلف قد يكون آفة سماوية، وقد يحصل التلف بفعل متلف، وكل منها يحتاج إلى بحث، وهذا إن شاء الله تعالى ما سوف نقوم باستكشافه، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 1074
المبحث الأول
في ضمان المبيع إذا تلف قبل القبض بآفة سماويه
الفرع الأول
أن يكون في المبيع حق توفية
جاء في التلقين: كل مبيع هلك قبل قبضه فهو من المشتري إن كان متعينًا متميزًا، وإن كان مما يجب فيه حق توفية فهو من البائع (١).
[م - ٢١٤] إذا تلف المبيع بآفة سماوية قبل القبض، وكان فيه حق توفية من كيل، أو وزن، أو عد أو ذرع، فهو من ضمان البائع.
وهذا قول عامة الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وعليه فإذا حدث عيب في المبيع قبل القبض، وكان فيه حق توفية، فإنه يثبت للمشتري خيار الرد بالعيب؛ لأنه مضمون في هذا الوقت على البائع.
стр. 1075
فإن كان البائع قد تسلم الثمن، فللمشتري حق أن يطالبه برده، وإن لم يكن قد تسلم الثمن فلا حق للبائع بالمطالبة به.
* * *
стр. 1076
الفرع الثاني
في ضمان المبيع إذا لم يكن فيه حق توفية
[م - ٢١٥] إذا تلف المبيع قبل القبض بآفة سماوية، ولم يكن فيه حق توفية من كيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، فاختلف الفقهاء فيمن يضمن المبيع.
فقيل: ضمانه على البائع، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: ضمانه على المشتري، وهو مذهب المالكية (٤)،
والمشهور عند
стр. 1077
الحنابلة (١).
دليل من قال: ضمانه على البائع:
جاءت نصوص كثيرة في المنع من بيع الشيء قبل قبضه، وسبب المنع أن ضمانه قبل القبض على البائع، فلا يجوز للمشتري أن يربح فيما لم يضمنه، فمنع من بيعه حتى يقبضه، ليكون ضمانه عليه.
(ح-١٢٧) فقد روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
стр. 1078
ومن النصوص الدالة على منع بيع الشيء قبل قبضه، حديث ابن عباس في البخاري: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله (١).
(ح-١٢٨) وحديث ابن عمر في سنن أبي داود نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٢).
[انفرد الوهبي بلفظ (السلع) وقد رواه غيره بلفظ: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، وهو المحفوظ] (٣).
وحديث حكيم بن حزام عند أبي داود قال: قلت: يا رسول الله إني اشتري بيوعًا، فما يحل لي، وما يحرم علي؟ فقال لي: إذا بعت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه (٤).
[المحفوظ في إسناده أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى] (٥).
وقد أجبت على هذه الأحاديث في مسألة التصرف في المعين قبل قبضه، وبينت أنها لا تدل على المراد.
ونجيب أيضًا عليها بطريق الإجمال، فيقال:
الأول: لا يلزم من النهي عن الربح فيما لم يضمن النهي عن أصل البيع كما لو باعه بنفس الثمن دون أن يربح فيه، فالقول بأن النهي عن بيع ما لم يقبض من
стр. 1079
أجل أن ضمانه على البائع، لذلك منع من التصرف فيه حتى لا يربح فيما لم يضمن قول غير دقيق.
ثانيا: أن هذا ينتقض على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في بيع العقار، فإنهما يجوزان أن يربح المشتري في العقار قبل قبضه (١).
ثالثًا: مسألة تصرف المشتري فيما لم يقبضه سبق بحثها في مسألة مستقلة، والأقوال فيها كثيرة، وقد رجحت فيها أن النهي خاص في بيع الطعام الذي يحتاج إلى توفية من كيل، أو وزن، ويقاس عليه ما احتاج إلى عد، أو ذرع.
وقد قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل ﵀ عن ربح ما لم يضمن؟ فقال: هذا في الطعام، وما أشبهه ... فلا يبعه حتى يقبضه (٢).
وجاء في المنتقى: «قال عيسى: سألت ابن القاسم عن ربح ما لم يضمن؟ فقال: ذكر مالك أنه بيع الطعام قبل أن يستوفى ; لأن رسول الله ﷺ (نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى) فربحه حرام، قال: وأما غير الطعام: العروض، والحيوان، والثياب، فإن ربحه حلال لا بأس به ; لأن بيعه قبل استيفائه حلال» (٣).
رابعًا: التلازم بين التصرف والضمان فيه خلاف، ففي مذهب الحنابلة قولان، أحدهما: أنه لا تلازم بين التصرف والضمان، بدليل أن المنافع المستأجرة يجوز أن يؤجرها المستأجر، وهي مضمونة على المؤجر الأول، والثمر المبيع
стр. 1080
على شجره يجوز بيعه، وهو مضمون على البائع الأول، والمقبوض قبضًا فاسدًا كالمكيل إذا قبض جزافًا، ينتقل الضمان فيه إلى المشتري، ولا يجوز التصرف فيه قبل كيله (١)، وبيع الدين ممن هو في ذمته جائز على المذهب، وليس مضمونًا على مالكه، وكذلك المالك يتصرف في المغصوب والمعار والمقبوض قبضًا بعقد فاسد، وضمانها على القابض (٢).
وقد سبق بحث التلازم بين التصرف والضمان في مبحث مستقل، فليراجعه من أراد الاستزادة.
دليل من قال: ضمان المبيع على المشتري إذا لم يكن فيه حق توفية .
الدليل الأول:
(ث-٢٢) ما رواه الطحاوي من طريق بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن حمزة بن عبد الله،
أن عبد الله بن عمر قال: ما أدركت الصفقة حيًا، فهو من مال المبتاع.
[إسناده صحيح، وهو موقوف] (٣).
стр. 1081
وجه الاستدلال:
أثر ابن عمر يدل على أن الأصل في المال المعقود عليه مما لا يحتاج إلى استيفاء أنه من ضمان المشتري، ولو لم يقبضه.
الدليل الثاني:
أن الغنم بالغرم، فإذا كان الملك يتم بالعقد، وليس بالقبض، وخراج المبيع للمشتري على الصحيح من وقت تمام العقد؛ فإن الخراج بالضمان، فمن كان له خراجه كان عليه ضمانه.
(ح-١٢٩) فقد روى أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد ابن خفاف بن إيماء، عن عروة.
عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: الخراج بالضمان (١).
[إسناده ضعيف، وضعفه البخاري وأبو داود، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم] (٢).
والحديث وإن لم يثبت إسنادًا، فهو أصل متفق عليه بين الفقهاء (٣).
الدليل الثالث:
إذا مكن البائع المشتري من القبض، فقد أدى ما عليه، فإذا تلف كان من مال المشتري؛ لأنه هو المفرط بترك القبض، وإحالة الضمان على المفرط أولى من إحالته على من قام بما يجب عليه، ولم يفرط، كما في عقد الإجارة، فإن
стр. 1082
المستأجر إذا فرط في استيفاء المنافع حتى تلفت كانت من ضمانه، ولو تلفت من غير تفريط كانت من ضمان المؤجر (١).
الراجح:
الذي أميل إليه أن مذهب المالكية والحنابلة أقوى؛ لقوة أدلته، ولأن الغنم بالغرم، والخراج بالضمان، وعليه فإذا حدث عيب في المبيع قبل القبض، وبعد العقد، بفعل سماوي ولم يكن في المبيع حق توفية فإن ضمانه على المشتري، والله أعلم.
* * *
стр. 1083
المبحث الثاني
في ضمان المبيع إذا تلف بفعل آدمي
الفرع الأول
إذا تلف المبيع بفعل البائع قبل القبض
إتلاف البائع للمبيع بعد لزوم العقد كإتلاف الأجنبي (١).
وقال الشافعي: كل مبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري (٢).
[م -٢١٦] اتفق العلماء على أن ضمان المبيع على البائع إذا تلف بفعل منه، واختلفوا في كيفية الضمان على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يضمن البائع المبيع بالثمن، بأن يرد الثمن على المشتري إن كان قد استلمه، وإن لم يكن قد استلمه، فلا حق للبائع بالمطالبة به. وهذا مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤).
وجه ذلك:
أن المبيع إذا تلف بفعل البائع قبل القبض بطل العقد، وانفسخ البيع، وإذا
стр. 1084
انفسخ البيع كان على البائع أن يرد الثمن إلى المشتري إن كان قد استلمه، وإن لم يكن البائع قد استلمه فلا حق له في المطالبة به.
ولأن يد البائع ليست يد أمانة، فلا يمكن إعفاؤه من الضمان.
القول الثاني:
يضمن البائع المبيع بالمثل إن كان مثليًا، أو بالقيمة إن كان متقومًا. وهذا مذهب المالكية (١).
وجه ذلك:
أن إتلاف البائع للمبيع بعد لزوم العقد كإتلاف الأجنبي، لا فرق في ذلك، فمن باشر الإتلاف، وجب عليه الغرم: والغرم: هو ضمان المتلف بالمثل إن كان مثليًا، أو بالقيمة إن كان متقومًا؛ لأن البائع قد أتلف مالًا مملوكًا لغيره، بغير إذنه، فالمبيع قد صار مملوكًا للمشتري بالعقد قبل القبض، فمن أتلفه وجب عليه أن يغرم ما أتلفه.
القول الثالث:
التفريق بين ما بيع بكيل ونحوه مما فيه حق استيفاء، وما ليس كذلك:
стр. 1085
فإن كان في المبيع حق توفية: خير مشتر بين الفسخ وأخذ الثمن، وبين الإمضاء، ومطالبة البائع بمثله إن كان مثليًا، أو بقيمته إن كان متقومًا.
وإن لم يكن في المبيع حق توفية، فإن البائع يضمن المبيع بمثله، إن كان مثليًا، أو بقيمته إن كان متقومًا.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وجه التفريق بين ما كان فيه حق توفية وبين غيره:
أن المبيع الذي فيه حق توفية ضمانه على البائع حتى يقبضه المشتري، فإذا أتلفه البائع فكأنه حدث به عيب عند البائع، فيخير المشتري بين الفسخ، ليأخذ الثمن، وبين إمضاء البيع ليضمن البائع بدل المبيع، وبدل المبيع: هو المثل في المثليات، والقيمة في غير المثليات.
وأما إذا لم يكن في المبيع حق توفية، فإنه يدخل في ضمان المشتري بمجرد العقد، فإذا أتلفه البائع، فقد أتلف ملك غيره، فيجب عليه ضمان ما يتلفه: وهو دفع مثله إن كان مثليًا، أو دفع قيمته إن كان متقومًا.
وأنا أميل إلى قول الحنابلة، وقريب منه قول المالكية، والله أعلم.
* * *
стр. 1086
الفرع الثاني
إذا تلف المبيع بفعل المشتري قبل القبض
إتلاف المشتري للمبيع يقوم مقام القبض (١).
[م -٢١٧] إذا أتلف المشتري المبيع قبل القبض لم ينفسخ البيع، وضمنه المشتري بالثمن. وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢).
وجه ذلك:
أن المشتري لما أتلف المبيع فهذا يدل على أنه تصرف فيه، وتصرف المشتري في المبيع ينزل منزلة القبض له، فكأنه أتلفه بعد قبضه، وإذا أتلفه بعد القبض استقر عليه الثمن، فكذلك هنا.
قال الكاساني: «وإن هلك بفعل المشتري لا ينفسخ البيع، وعليه الثمن؛ لأنه بالإتلاف صار قابضًا كل المبيع؛ لأنه لا يمكنه إتلافه إلا بعد إثبات يده عليه، وهو معنى القبض، فيتقرر عليه الثمن» (٣).
стр. 1087
وقال ابن قدامة: «فإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن، كما لو قبضه» (١).
* * *
стр. 1088
الفرع الثالث
إذا تلف المبيع قبل القبض بفعل أجنبي
[م - ٢١٨] إذا تلف المبيع قبل القبض بفعل أجنبي، فالضمان عليه؛ لأنه أتلف مال غيره، فوجب عليه ضمانه.
وكيفية ضمانه: أن على متلفه أن يغرم بدل ما أتلفه: وهو دفع المثل إن كان المتلف مثليًا، أو دفع قيمته، إن كان المتلف متقومًا (١).
هذا فيما يتعلق بالضمان، أما مسألة انفساخ العقد، وهل يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، فهي مسألة أخرى لم نتعرض لها؛ لأن البحث هنا إنما هو في ضمان المبيع، لا في أثر التلف على انفساخ العقد.
وبهذا المبحث نكون قد انتهينا من بحث ضمان المبيع فيما لو تلف قبل القبض، سواء كان بآفة سماوية، أو كان بفعل أحد العاقدين، أو كان ذلك من أجنبي.
ونناقش إن شاء الله تعالى في الفصل التالي ضمان المبيع إذا تلف بعد القبض، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 1089
المبحث الثالث
في ضمان المبيع إذا تلف بعد القبض
[م - ٢١٩] إذا تلف المبيع بعد القبض فضمانه على المشتري إلا في مسألتين، قد اختلف العلماء فيهما:
الأولى: الثمر المبيع على شجره إذا بيع دون أصله، وقد بدا صلاحه، ولم يتم نضجه، فباعه صاحبه مبقى إلى الجذاذ، فإذا خلى البائع بينه وبين المشتري، فأصابته جائحة (١)
فعلى من يكون ضمانه؟
الثانية: هلاك العين المستأجرة قبل تمام المدة.
وسوف نعرض لهاتين المسألتين، ونذكر كلام أهل العلم فيهما.
* * *
стр. 1090
الفرع الأول
في ضمان الثمرة إذا أصابتها جائحة
[م - ٢٢٠] الثمر المبيع على شجره إذا بيع دون أصله، وقد بدا صلاحه، ولم يتم نضجه، إذا قبضه المشتري، فأصابته جائحة، فعلى من يكون ضمانه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
ضمان المبيع على المشتري، وهو مذهب الحنفية (١)، والقول الجديد للشافعي (٢).
القول الثاني:
ضمانه على البائع. وهو مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، والقديم من قول الشافعي (٥).
دليل من قال بوضع الجوائح:
(ح-١٣٠) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن