وعلى التنزل فإن الأحاديث تنهى عن بيع الطعام قبل قبضه، فهي إنما نصت على الطعام، مما يدل على أن غير الطعام يخالفه في الحكم، وإلا كان النص على الطعام لغوًا لا فائدة فيه، كما أن ظاهر الأحاديث يدل على أن من كان عنده طعام لم يشتره، ولكنه أقرضه أو أودعه أو نحو ذلك فلا بأس ببيعه قبل أن يستوفيه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه، ولم يقل: من كان عنده طعام، أو كان له طعام فلا يبعه حتى يستوفيه (١).
الدليل الرابع:
(ح-١٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو سعيد، حدثنا جهضم -يعني اليمامي- حدثنا محمد بن إبراهيم، عن محمد بن زيد، عن شهر بن حوشب،
عن أبي سعيد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد، وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص (٢).
[إسناده ضعيف جدًا] (٣).
стр. 982
الدليل الخامس:
(ح-١١٠) ما رواه البيهقي من طريق يحيى بن صالح الأيلي، عن إسماعيل ابن أمية، عن عطاء بن أبي رباح،
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ -
стр. 983
لعتاب بن أسيد: إني قد بعثتك إلى أهل الله وأهل مكة، فانههم عن بيع ما لم يقبضوا، أو ربح ما لم يضمنوا، وعن قرض وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل السادس:
من القياس، فإذا ثبت النهي عن بيع الطعام قبل قبضه بالنص كما سبق، ثبت النهي عن بيع غير الطعام كذلك، إما بقياس النظير كما قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام.
أو بقياس الأولى؛ لأنه إذا نهي عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى (٣).
стр. 984
ويناقش:
بأن قياس غير الطعام على الطعام لا يصح؛ لأن القاعدة الشرعية أن الشيء إذا عظم قدره شدد فيه، وكثرت شروطه تعظيمًا لشأنه ورفعًا لقدره، وكلما عظم شرف الشيء عظم خطره عقلًا وشرعًا وعادة.
ومن تطبيقات هذه القاعدة: خصوص المنع من بيع الشيء قبل قبضه بالطعام دون غيره، وذلك أن الطعام أشرف من غيره؛ لكونه سببًا لقيام البنية، وعماد الحياة، وهو غذاء الإنسان وحافظ بنيته الشريفة، فشدد الشرع على عادته من تكثير الشروط فيما عظم شرفه، فكل ما شرف قدره عظمه الله بتكثير شروطه، وهذا هو شأن الشرع في كل ما عظم خطره.
ويتأكد ذلك بمفهوم نهيه ﵊ (عن بيع الطعام حتى يستوفى) فمفهومه أن غير الطعام يجوز بيعه قبل قبضه، ولو لم يكن كذلك ما كان في تخصيص الطعام فائدة، وما لا توفية فيه كالجزاف يجوز بيعه قبل قبضه، ولو كان طعامًا.
ومن تطبيقات هذه القاعدة أيضًا النكاح، فإن النكاح عظيم الخطر، جليل المقدار؛ لأنه سبب بقاء النوع الإنساني المكرم المفضل على جميع المخلوقات، وسبب العفاف الحاسم لمادة الفساد، و اختلاط الأنساب، وسبب المودة والمواصلة والسكون وسبب استمرار النسل، فلما كان كذلك شدد الشرع فيه تفخيمًا لقدره باشتراط الصداق والشهادة والولي والإعلان وخصوص الألفاظ، ومقابل هذه القاعدة أن الشرع يوسع فيما كان على سبيل الإحسان والمعروف، ويسهل في أسبابه، وييسر شروطه، ويغتفر فيه ما لا يغتفره فيما ليس كذلك، فالقرض، والهبة، والصدقة، والوصايا، وأعطيات الناس من بيت
стр. 985
المال، كلها اشتركت في معنى الإحسان والمعروف، فوسع الشرع فيها تسهيلًا لطرق المعروف؛ ليكثر وقوعه (١).
الدليل السابع:
أن بيع ما لم يقبض غير مقدور على تسليمه، وبيع ما لا يقدر على تسليمه باطل كالعبد الآبق، والجمل الشارد (٢).
ويجاب:
بأن هناك فرقًا بين بيع الآبق وبين بيع الشيء قبل قبضه، فالعبد الآبق ملك صاحبه عليه غير مستقر؛ لأنه شبيه بالمعدوم، بخلاف ما لم يقبض، ومع ذلك نحن نجعل القدرة على التسليم شرطًا للزوم البيع، وليس شرطًا في انعقاد البيع، فإذا لم يسلم المبيع لم يكن البيع لازمًا.
دليل من قال: لا يشترط القبض إلا فيما يحتاج إلى استيفاء من كيل ونحوه .
الدليل الأول:
الأصل في المعاملات الصحة والجواز، والنهي إنما ورد في الطعام الذي فيه حق توفية من كيل أو وزن.
(ح-١١١) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه (٣).
стр. 986
فقد دل مفهوم الحديث على حكمين:
الأول: أن غير الطعام يجوز بيعه قبل قبضه، ولو لم يكن كذلك ما كان في تخصيص الطعام فائدة.
الثاني: أن ما لا توفية فيه كالجزاف يجوز بيعه قبل قبضه، ولو كان طعامًا.
الدليل الثاني:
(ح-١١٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الثمن أحد العوضين في عقد البيع، فإذا جاز التصرف في الثمن قبل قبضه، جاز التصرف في المبيع قبل قبضه.
ويجاب:
بأن الخلاف في مسألتنا هو في بيع المعين قبل قبضه، وليس في بيع الدين، وحديث ابن عمر إنما هو في بيع الدين على من هو عليه، فليس الحديث حجة في مسألتنا، وهناك فرق بين التصرف في الدين قبل قبضه، وبين التصرف في المبيع المتعين فالثمن مستقر في الذمة لا يتصور تلفه، والمبيع المتعين ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معينًا لكان بمنزلة المبيع المتعين.
الدليل الثالث:
(ح-١١٣) ما رواه البخاري من طريق سفيان، حدثنا عمرو،
عن ابن عمر ﵄
стр. 990
قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه. قال هو لك يا رسول الله. قال: بعنيه، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت (١).
وجه الاستدلال:
في هذا الحديث دليل على جواز التصرف في المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه، وإذا جاز التصرف بالهبة قبل قبضها، جاز البيع؛ لأنه نوع من التصرف.
ويجاب:
بأن الهبة ليست من عقود المعاوضات، وإنما هي من عقود الإحسان، فلا يكون التصرف فيها عرضة لربح ما لم يضمن، فيجوز فيها ما لا يجوز في البيع، ألا ترى أن بيع المجهول لا يصح، وتصح هبته على الصحيح.
وقد يقال: إن قبض البعير حصل بالتخلية بينه وبينه مع تميزه وتعينه، وهذا كاف في القبض، فلا يكون فيه دليل على صحة التصرف قبل القبض (٢).
الدليل الرابع:
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ اشترى من جابر جمله، ونقده ثمنه، ثم وهبه إياه قبل قبضه (٣).
стр. 991
وما قيل في الجواب عن حديث ابن عمر، يقال في الجواب عن حديث جابر، والله أعلم.
الدليل الخامس:
القياس على المنافع في الإجارة، فإذا كان للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها قبل قبض المنافع، فكذلك في المبيع، يجوز له التصرف فيه قبل قبضه إذا لم يكن هناك حق توفية.
ويجاب:
بأن قبض العين المؤجرة قائم مقام قبض المنافع، ألا ترى أن المؤجر لو أتلف العين أو عطلها بعد قبضها، لكانت منافعها من ضمان المستأجر.
الدليل السادس:
جاز بيع الملك قبل قبضه في صور، فما ملك بالبيع، وليس فيه حق توفيه، فهو مقيس عليه، من ذلك:
ما ملك بـ «الإرث والوصية وغلة الوقف والرزق المقرر من بيت المال، والسهم المقرر من الغنيمة والصيد إذا ثبت ووقع في الشبكة وما رجع فيه الوالد من الهبة لولده» (١).
ويجاب عن ذلك:
بأن كلامنا إنما هو في العقود، فأما الملك بغير عقد فليس داخلًا فيه، والقياس عليه قياس مع الفارق.
стр. 992
يقول ابن رجب في قواعده: «فأما الملك بغير عقد، كالميراث والغنيمة، والاستحقاق من أموال الوقف، أو الفيء للمتناولين منه، كالمرتزقة في ديوان الجند، وأهل الوقف المستحقين له، فإذا ثبت لهم الملك فيه، وتعين مقداره، جاز لهم التصرف فيه قبل القبض بغير خلاف أيضًا؛ لأن حقهم مستقر فيه، ولا علاقة لأحد معهم، ويد من هو في يده بمنزلة يد المودع ونحوه من الأمناء» (١).
والأمانات جميعها يجوز بيعها قبل قبضها لتمام الملك وعدم الضمان، كالوديعة ومال الشركة والقراض وما في يد الوكيل ويد المرتهن بعد فك الرهن، وما في يد المستأجر بعد انقضاء المدة وما في يد القيم بعد بلوغ الصبي ورشد السفيه وإفاقة المجنون (٢).
والأحاديث فيها إشارة إلى ذلك، فقد نبهت فيما تقدم، أن ظاهر الأحاديث يدل على أن من كان عنده طعام لم يشتره، ولكنه أقرضه، أو أودعه أو نحو ذلك، فلا بأس ببيعه قبل أن يستوفيه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه، ولم يقل: من كان عنده طعام، أو كان له طعام فلا يبعه حتى يستوفيه (٣).
الدليل السابع:
(ث-١٥) ما رواه الطحاوي من طريق بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن حمزة بن عبد الله،
أن عبد الله بن عمر قال: ما أدركت الصفقة حيًا، فهو من مال المبتاع.
стр. 993
[إسناده صحيح، وهو موقوف] (١).
(ح-١١٤) وروى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
стр. 994
وجه الاستدلال:
دل أثر ابن عمر على أن الأصل في المال المعقود عليه مما لا يحتاج إلى استيفاء، أنه من ضمان المشتري، ولو لم يقبضه.
ودل حديث عبد الله بن عمرو بمنطوقه على النهي عن ربح ما لم يضمن، ومفهومه الإذن بالربح فيما كان من ضمان المشتري، فما دخل في ضمانه، فله أن يربح فيه، والإذن بالربح إذن بالتصرف، فدل على جواز التصرف في المبيع قبل القبض، إذا كان ضمانه قد استقر على المشتري (١)،
كالمبيع الذي لا يحتاج
стр. 995
إلى كيل، أو وزن أو عد أو ذرع أو نحوها، وهذا هو الذي جعل المال
стр. 996
الموروث والموصى به وغلة الوقف والرزق المقرر من بيت المال والسهم المقرر من الغنيمة والصيد إذا ثبت ووقع في الشبكة يجوز التصرف فيه، ولو لم يقبضه؛ لأن ملك صاحبه قد استقر عليه، وضمانه لو تلف على صاحبه، والله أعلم.
وأجيب:
بأن التلازم بين التصرف والضمان فيه خلاف، وسوف يأتي بحث ذلك إن شاء الله تعالى في المبحث التالي.
دليل من قال: لا يجوز التصرف في الطعام قبل قبضه ويجوز غير الطعام .
الدليل الأول:
(ح-١١٥) ما رواه البخاري من طريق شعبة، حدثنا عبد الله بن دينار، قال:
سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه. ورواه مسلم (١).
فالحديث له منطوق ومفهوم، منطوقه أن من ابتاع طعامًا فلا يجوز له بيعه إلا بعد قبضه.
وطعام نكرة في سياق الشرط فتعم كل طعام، سواء كان مما اشتري جزافًا، أو اشتري بكيل، أو وزن.
ومفهوم الحديث أن غير الطعام يجوز بيعه ولو لم يقبضه.
وأجيب:
بأن المقصود في الطعام هو الطعام الذي فيه حق توفية، وهو الكيل أو
стр. 997
الوزن، بدليل اللفظ الثاني للحديث نفسه، من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه، والاستيفاء: هو الكيل أو الوزن كما تقدم الاستدلال على ذلك ..
الدليل الثاني:
(ح-١١٦) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله.
أن ابن عمر ﵄ قال: لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافا - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم (١).
وجه الاستدلال من هذا الحديث كوجه الاستدلال من الحديث السابق، بل تضمن زيادة أخرى، وهو النص على أن الطعام كان جزافًا، أي ليس مكيلًا، ولا موزونًا، فإذا كان الجزاف لا يجوز بيعه حتى ينقله المشتري فغيره من باب أولى.
وأجيب:
بأنه سبق مناقشة هذا الحديث، وبيان أن المنع من بيعه ليس بسبب كونه طعامًا، ولا بسبب كونه جزافًا، وإنما الحديث نص في النهي عن تلقي السلع، وأن الغاية في النهي حتى يبلغ به سوق الطعام، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
هذه المسألة من مسائل المعاملات الشائكة، والأدلة فيها متقابلة، والترجيح في مثلها قد يتمكن منه الباحث، وقد لا يسعه إلا التوقف فيها، ويترك الترجيح للقارئ الكريم، وقد قال ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى عند الكلام على هذه
стр. 998
المسألة، قال: «ولغموض مأخذ هذه المسائل كثر تنازع الفقهاء فيها» فإذا كانت غامضة بحق الفقهاء المتقدمين، مع رسوخهم في العلم، فما بالك بطالب العلم في هذا العصر، والذي بضاعته مزجاة، وهمته في فتور، وينازعه كثرة الصوارف، وقلة التفرغ، مع ضعف التوجه والالتجاء إلى الله .
وإذا كان لا بد من الترجيح فلن يكون إلا مجرد ميل قلبي لهذا القول أو ذاك، وسيكون الترجيح بين مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة فهما أقوى قولين في المسألة، ومما يعين على معرفة القول الراجح تلمس العلة من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
فهل العلة في النهي عن بيع ما لم يقبض هو كون العقد الأول لم يتم، حيث بقي من أحكامه التسليم، فلا يرد عليه عقد آخر قبل انبرامه، فالمشتري عاجز عن تسليم المبيع إلى المشتري الجديد، لأن البائع قد يسلمه إياه، وقد لا يسلمه إياه، لاسيما إذا رأى البائع أن المشتري قد ربح فيه، فيسعى في رد البيع إما بجحد أو باحتيال في الفسخ، وعلى هذا تجوز التولية في المبيع قبل قبضه، وهو مخرج من جواز بيع الدين، ويجوز التصرف فيه بغير البيع،، ويجوز بيعه لبائعه والشركة فيه، وإذا تعين ملك إنسان في موروث، أو وصية، أو غنيمة لم يعتبر لصحة تصرفه قبضه بلا خلاف.
أو نقول: إن التصرف تبع للضمان، فما كان من ضمانه كان له أن يتصرف فيه، وأن يربح فيه، ولو لم يقبضه، وما كان من ضمان البائع، فلا يجوز له التصرف فيه حتى يقبضه، وحتى لا يتوالى ضمانان، وبالتالي نخص النهي عن بيع ما لم يقبض بالشيء الذي يحتاج فيه إلى استيفاء، وأما الشيء الذي لا يحتاج إلى استيفاء فلا مانع من بيعه قبل قبضه كما لو اشترى صبرة من الطعام.
أو نقول: إن العلة هي خوف فوات المبيع، فما كان منقولًا عرضة للهلاك،
стр. 999
وإذا هلك بطل البيع الذي كان أساسًا لذلك التصرف، فكان من الاحتياط الانتظار إلى حين القبض صونًا للعقود من البطلان، وإبعادًا للتصرفات من الإلغاء، بخلاف العقار فإنه لا يتعرض غالبًا للهلاك، فيجوز له بيعه قبل قبضه.
الذي أميل إليه بعض الشيء أن مذهب الشافعية أحوط، وهو أن الإنسان لا يبيع شيئًا ملكه بالبيع حتى يقبضه، ولأنه إذا باعه قبل قبضه كان العلماء متنازعين في صحة البيع، وإذا باعه بعد القبض كان الجميع متفقين على صحة البيع، وكوننا نفعل فعلًا يتفق عليه الفقهاء خير لنا من أن نفعل فعلًا يختلف الفقهاء في صحته، وإذا كان الترجيح لن يأخذ مسلك الاحتياط، وإنما مسلك أن الأصل في المعاملات الصحة، والحل إلا بدليل ظاهر أجد أن القول الذي ترجحه ظاهر الأدلة على غيره، هو القول بأن النهي خاص في بيع الطعام الذي يحتاج إلى توفية، من كيل، أو وزن، ويقاس عليه ما احتاج إلى عد، أو ذرع، والله أعلم.
* * *
стр. 1000
مطلب
ارتباط التصرف بالضمان
[م - ٢٠٢] موضوع الضمان سيكون إن شاء الله موضع بحث مفصل عند الكلام على تلف المبيع، فالبحث في تلف المبيع إنما هو من أجل معرفة تبعات التلف، ومن يتحمل ضمان التلف عند وقوعه، وأما البحث الآن فهو في علاقة التصرف بالضمان، بمعنى: هل هناك تلازم بين التصرف في المبيع وبين الضمان، بحيث نستطيع أن نقول: إن المشتري إذا كان عليه الضمان كان له أن يتصرف فيه، وأن يربح فيه، ولو لم يقبضه، وأما إن كان ضمان المبيع على البائع، فلا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه حتى يقبضه؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين.
القول الأول:
هناك تلازم بين التصرف وبين الضمان، فإذا كان الضمان على البائع منع المشتري من التصرف في المبيع، وإذا انتقل الضمان من البائع إلى المشتري أطلقت يد المشتري بالتصرف.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وقول في مذهب المالكية، وهي طريقة القاضي أبي يعلى وأصحابه والمتأخرين من أصحاب الإمام أحمد (١).
стр. 1001
وحجتهم:
(ح-١١٧) ما رواه الشيخان من طريق ابن طاووس، عن أبيه،
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه. قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام (١).
(ح-١١٨) وما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن].
وجه الاستدلال:
ففي الحديث الأول: نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وقال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام، فيكون معنى ذلك: النهي عن بيع الشيء قبل قبضه.
وفي الحديث الثاني: نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن، ومعناه: أن ما كان في ضمان غيره فليس له أن يبيعه، فصار الربح وغير الربح في ذلك سواء؛ لأن ما جاز بيعه برأس المال جاز بيعه بدونه، وبأكثر منه.
فصار القبض شرطًا في صحة التصرف وشرطًا في دخول المبيع في ضمان المشتري، وهذا يدل على تلازم بين التصرف والضمان (٣).
стр. 1002
القول الثاني:
لا تلازم بين التصرف والضمان، وهو قول في مذهب الحنابلة.
واستدلوا: بأن المنافع المستأجرة يجوز أن يؤجرها المستأجر، وهي مضمونة على المؤجر الأول، والثمر المبيع على شجره يجوز بيعه، وهو مضمون على البائع الأول (١)، والمقبوض قبضًا فاسدًا كالمكيل إذا قبض جزافًا، ينتقل الضمان فيه إلى المشتري، ولا يجوز التصرف فيه قبل كيله (٢)، وبيع الدين على من هو في ذمته جائز عند جماهير العلماء، وليس مضمونًا على مالكه، وكذلك المالك يتصرف في المغصوب والمعار والمقبوض قبضًا بعقد فاسد، وضمانها على القابض (٣).
يقول ابن تيمية ﵀: «ومن جعل التصرف تابعًا للضمان فقد غلط؛ فإنهم متفقون على أن منافع الإجارة إذا تلفت قبل تمكن المستأجر من استيفائها، كانت من ضمان المؤجر، ومع هذا للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة، وإنما تنازعوا في إيجارها بأكثر من الأجرة؛ لئلا يكون ذلك ربحًا فيما لا يضمن، والصحيح جواز ذلك؛ لأنها مضمونة على المستأجر؛ فإنها إذا تلفت مع تمكنه
стр. 1003
من الاستيفاء كانت من ضمانه ولكن إذا تلفت قبل تمكنه من الاستيفاء لم تكن من ضمانه» (١).
وهذا الخرقي من الحنابلة ﵀ يرى أن الصبرة المتعينة المبيعة جزافًا تدخل في ضمان المشتري بالعقد، و لا يجوز للمشترى بيعها حتى ينقلها (٢).
ويقول ابن تيمية: «ليس كل ما كان مضمونًا على شخص كان له التصرف فيه، كالمغصوب، والعارية.
وليس كل ما جاز التصرف فيه كان مضمونًا عليه على المتصرف، كالمالك، له أن يتصرف في المغصوب والمعار، فيبيع المغصوب من غاصبه، وممن يقدر على تخليصه منه، وإن كان مضمونًا على الغاصب، كما أن الضمان بالخراج فإنما هو فيما اتفق ملكًا ويدًا، وأما إذا كان الملك لشخص، واليد لآخر، فقد يكون الخراج للمالك، والضمان على القابض» (٣). اهـ
ويناقش:
غلط ابن تيمية من جعل التصرف تابعًا للضمان، واعترض عليه بمنافع الإجارة، فإنه يجوز للمستأجر أن يؤجرها، وضمانها على المستأجر ثم نقض كلامه ﵀ بنفسه مباشرة عند الكلام على جواز إجارة العين المستأجرة بأكثر من الأجرة، فصحح العقد، وعلل ذلك بأنها مضمونة على المستأجر، فإنها إذا تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ضمانه. فيقال: إذا كانت من ضمان المستأجر لم يصح تغليط من قال: بتلازم التصرف والضمان بمنافع الإجارة.
стр. 1004
وأما الاعتراض بكلام الخرقي، وهو أن الصبرة المبيعة جزافًا تدخل في ضمان المشتري بالعقد، ولا يجوز للمشتري بيعها حتى ينقلها.
هذا القول ليس محل اتفاق، فلا يعترض بالمسائل الخلافية على المخالف، وقد قال ابن عبد البر: «إجماع العلماء على أنه لو استوفاه بالكيل أو الوزن إلى آخره لجاز له بيعه في موضعه ... » (١).
فنقل ابن عبد البر إجماع العلماء على جواز التصرف قبل النقل.
وأما الاعتراض بالعارية فالراجح فيها أنها ليست مضمونة على المستعير، وأن يده يد أمانة، فإذا تصرف المعير فهي من ضمانه، فالضمان والتصرف متلازمان.
وأما الاعتراض بالعين المغصوبة، وكون الغاصب ضامنًا ويصح تصرف المالك فالكلام إنما هو فيما ملك بالمعاوضة، أما ما ملك بغير ذلك كالأمانات والغصوب، والإرث فكل ذلك يجوز له بيعه قبل قبضه، ولا تلازم فيه بين التصرف والضمان، والله أعلم.
وإذا قيل بأنه لا تلازم بين التصرف والضمان، فيقال أيضًا: لا تلازم بين النهي عن الربح فيما لم يضمن، والمنع من أصل البيع، فالنهي عن الربح أخص من النهي عن البيع، فإذا باعه بمثل، أو بأقل مما اشتراه به لم يربح فيما لم يضمن.
يقول ابن رجب في القواعد: «وأشار الإمام أحمد إلى أن المراد من النهي عن الربح ما لم يضمن حيث كان مضمونًا على بائعه، فلا يربح فيه مشتريه، وكأنه حمل النهي عن الربح على النهي عن أصل البيع؛ لأنه مظنة الربح.
стр. 1005
ويتخرج له قول آخر: أن المنهي عنه حقيقة الربح دون البيع بالثمن الذي اشتراه به، فإنه منع في رواية من إجارة المنافع المستأجرة إلا بمثل الأجرة؛ لئلا يربح فيما لم يضمن، ومنع في رواية أخرى من ربح ما اشتراه المضارب على وجه المخالفة لرب المال؛ لأنه ضامن له بالمخالفة، فكره أحمد ربحه لدخوله في ربح ما لم يضمنه، وأجاز أصل البيع، وأجاز الاعتياض عن ثمن المبيع قبل قبضه بقيمته من غير ربح؛ لئلا يكون ربحًا فيما لم يضمنه، فيخرج من هذا رواية عنه: أن كل مضمون على غير مالكه يجوز بيعه بغير ربح، ويلزم مثل ذلك في بيع الدين من الغريم، والتمر على رؤوس النخل وغيرهما مما لم يضمنه البائع» (١).
الراجح من الخلاف:
أرى أن المسألة على قسمين:
(١) ـ أن يكون القبض تامًا، فالتلازم بين التصرف والضمان وارد.
(٢) أن يكون القبض غير تام فالتلازم بين التصرف والضمان منتف، هذا هو تحقيق المسألة، والله أعلم.
* * *
стр. 1006
الفرع الثاني
التصرف في الدين قبل قبضه
المسألة الأولى
في تعريف الدين
تكلمنا في المسألة الأولى عن التصرف في الأعيان قبل قبضها في المبحث السابق، ونتكلم في المباحث التالية عن التصرف في الدين قبل قبضه.
ونقصد بالتصرف: التصرف عن طريق البيع ونحوه، ولا نقصد التصرف بالدين عن طريق الهبة والإعارة والإبراء وغيرها من عقود التبرعات والإرفاق.
الدين في اصطلاح الفقهاء (١): يعرف الفقهاء كلمة الدين في اصطلاحهم باعتبارين: باعتبار التعلق، وباعتبار المضمون.
أما باعتبار التعلق: فيرد استعمالهم للدين في مقابل العين؛ لأن الحق
стр. 1007
المالي، إما أن يتعلق بالذمة، أو بذات معينة، فإذا تعلق بالذمة، فإنه يسمى دينًا، وإذا تعلق بذات معينة، فإنه يسمى عينًا.
فيقولون: اشتريت بالدين، يعني: بالذمة.
واشتريت بالعين: أي بالمنقود الحاضر.
فالعين: هو الشيء المعين المشخص، كهذا البيت وهذا الحصان وهذه الصبرة، لحنطة حاضرة، فكل ذلك يعد من الأعيان.
والدين: هو ما يثبت في الذمة، من غير أن يكون معينًا مشخصًا، سواء أكان نقدًا، أم غيره.
فإذا كانت العين من الأموال: هي ذاتًا يمكن الإشارة إليها بالتعيين، وترى بالعين، فإن الدين وصف، وليس عينًا، ويثبت في الذمة، ولا يمكن الإشارة إليه.
فإذا اشتريت سيارة بسيارة، فقد اشتريت عينًا بعين.
وإذا اشتريت سيارة بدراهم غير معينة، أو معينة - على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين - فقد اشتريت عينًا بدين، حتى ولو كانت الدراهم حالة، فإنها تسمى دينًا؛ لأن الدين قد يكون حالًا، وقد يكون مؤجلًا، والفرق بين الدين والعين من وجوه:
أحدها: أن المعين إذا تلف فقد فات، وغير المعين (الدين) إذا تلف مال الإنسان لم يفت؛ لأن تعلقه بالذمة، وليس بعين المال، فتشغل ذمته بدفع مثله.
ثانيًا: الدين يكون وفاؤه بدفع أيةِ عينٍ مالية مثلية من جنس الدين الملتزم به، بخلاف العين، فإن الحق يتعلق بذاتها.
стр. 1008
ثالثًا: عقد الحوالة والمقاصة لا يجريان إلا في الديون دون الأعيان؛ لأن الأعيان إنما تستوفى بذواتها، لا بأمثالها (١).
تعريف الدين باعتبار المضمون:
الدين باعتبار المضمون له معنيان، عام، وخاص:
تعريف الدين بمعناه العام: قال ابن نجيم: الدين «لزوم حق في الذمة» (٢).
وكان هذا التعريف عامًا؛ لأنه يشمل كل ما يشغل ذمة الإنسان، سواء أكان حقًا لله، أم للعبد، ودَيْن الله: حقوقه التي ثبتت في الذمة، ولا مطالب لها من جهة العباد، كالنذور، والكفارات، وصدقة الفطر ... (٣).
وأما تعريف الدين بمعناه الخاص: (أي في الأموال):
عرفه ابن عابدين بقوله: «الدين: ما وجب في الذمة بعقد، أو استهلاك، وما صار في ذمته دينًا باستقراضه» (٤).
فقولنا: (ما وجب في الذمة) الذمة: وصف يصير به الإنسان أهلًا لما له وما عليه، فيكون أهلًا للتملك، كما يكون أهلًا لتحمل دفع ثمن ما يملك (٥).
كما أن التعريف جعل الدين يشمل ثلاثة أمور:
الأول: ما وجب بعقد كالمعاوضة عن طريق البيع، والشراء، والإجارة.
стр. 1009
الثاني: ما ثبت عن طريق الاستهلاك، كالإتلاف مثلًا.
الثالث: ما ثبت عن طريق القرض.
فالدين أعم من القرض، فكل قرض دين، وليس العكس.
وقد ذهب الحنفية إلى أن الدين لا يعتبر مالًا حقيقة، وإنما يعتبر مالًا حكمًا، باعتبار أنه يتحول إلى المال بالاستيفاء (١)، وهذا هو القول القديم للشافعي (٢).
وذهب الجمهور إلى أن الدين قسم من أقسام الأموال، فقد سبق لنا: أن
стр. 1010
المال ينقسم إلى أعيان ومنافع (١)، وكل منهما قد يكون دينًا وقد يكون معينًا.
وقد ذكرت أدلة كل قول، فأغنى عن إعادته هنا.
فإذا عرفنا الدين، وأنه مال، يأتي الكلام إن شاء الله تعلى على حكم التصرف في الدين، وسوف نبحث في هذا الباب مسألتين:
الأولى: بيع الدين بالدين. وهذه لها صور أربع، وسوف نتكلم بحول الله وقوته على كل صورة.
والمسألة الثانية: مسألة ابتداء الدين بالدين، وهذه ليس لها إلا صورة واحدة.
* * *
стр. 1011
المسألة الثانية
موقف العلماء من بيع الدين في الجملة
[م - ٢٠٣] ذهب ابن حزم إلى تحريم بيع الدين مطلقًا في جميع صوره وحالاته (١).
وأما الجمهور، فذهبوا إلى تقسيم الدين إلى صور خمسة، منها ما هو جائز، ومنها ما هو ممنوع، ومنها ما هو محل خلاف بينهم، وحتى نعرف هذه الصور، وحكم كل صورة، نقول:
بيع الدين لا يخلو إما أن يكون بيعه على المدين، أو على شخص غيره، وفي كل الحالتين، لا يخلو إما أن يكون ثمن الدين حالًا، أو مؤجلًا، فالصور أربع:
الصورة الأولى: بيع الدين على من هو عليه بثمن حال.
الصورة الثانية: بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل.
الصورة الثالثة: بيع الدين على غير المدين بثمن حال.
الصورة الرابعة: بيع الدين على غير المدين بثمن مؤجل.
وإليك كلام أهل العلم في كل صورة على حدة.
* * *
стр. 1012
المطلب الأول
بيع الدين على هو عليه بثمن حال
قسم الفقهاء الديون إلى قسمين:
ديون مستقرة: وذلك مثل ثمن المبيع، وبدل القرض، وغرامة المتلف.
وديون غير مستقرة: مثل دين الكتابة، والمهر قبل الدخول، والأجرة قبل استيفاء المنفعة، والمسلم فيه.
فأما دين الكتابة، فلأنه معرض للسقوط بعجز الكاتب، ولا يملك السيد إجبار العبد على أدائه.
وأما المهر قبل الدخول، فلأنه قد ينفسخ النكاح بسبب من جهة المرأة، فلا تستحق شيئًا.
والأجرة قبل استيفاء المنفعة: غير مستقرة؛ لأن المنفعة قد تتلف، فتسقط الأجرة.
والمسلم فيه، قد لا يستطيع تسليمه، فينفسخ العقد.
لذلك فرق الفقهاء في حكم بيع الديون، بين أن تكون الديون مستقرة، وبين أن تكون غير مستقرة، وسنعرض حكم كل واحد على حدة.
* * *
стр. 1013
القسم الأول
بيع الدين المستقر على من هو عليه بثمن حال
[م - ٢٠٤] مثاله: لو كان لرجل على آخر مائة صاع من البر دينًا في ذمته، فأراد أن يأخذ بدلًا منها نقودًا حالة، فهذا التصرف معاوضة، وهو من قبيل بيع الدين على من هو عليه بثمن حال، ومثله لو كان لك عند رجل ريالات، فأراد أن يعطيك بدلًا منها دولارات في مجلس العقد.
فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا البيع على قولين:
القول الأول:
يجوز، وهو قول الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)،
والحنابلة (٤).
بشروط، منها:
стр. 1014
الشرط الأول:
أن يكون المبيع مما يجوز بيعه قبل قبضه، وهذا الشرط احتراز به من أمرين:
الأمر الأول:
الاحتراز من دين السلم فلا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه عند الحنفية والشافعية والحنابلة مطلقًا (١)، وخص المالكية المنع بالطعام خاصة؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه (٢).
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى البحث في مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه، والصحيح جوازه.
الأمر الثاني:
ألا يكون البيع في بدل صرف، أو رأس مال لسلم، فلا يجوز بيع أي منهما قبل قبضه؛ لأن القبض شرط لصحة العقد، وانتفاء القبض يبطل العقد، فلم يثبت ملكه عليه، فلا يصح ورود عقد آخر عليه قبل انبرامه؛ لعدم ثبوت الملك فيه (٣).
стр. 1015
الشرط الثاني:
اشترط المالكية، وأحمد في قول له، وإسحاق بن راهوية (١)، وهو قول عثمان البتي (٢)، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٣)، أن يكون البيع بسعر يومه أو دونه، لا أكثر منه، وهذا الشرط معتبر؛ لأن بيعه بأكثر من ثمنه يدخل في ربح ما لم يضمن.
جاء في المدونة: «قال مالك: لا بأس أن تبيع ما سلفت فيه، إذا كان من غير ما يؤكل ويشرب، من غير الذي عليه ذلك السلف، بأقل أو بأكثر أو بمثل ذلك إذا انتقدت وأما الذي عليه السلف فلا تبعه منه قبل الأجل بأكثر، ولا تبعه منه إلا بمثل الثمن أو أقل، ويقبض ذلك» (٤). والله أعلم.
فالمالكية أجازوا الربح في بيع الدين إن كان على غير من هو عليه إذا نقد الثمن، حتى لا تكون المعاملة من بيع الدين بالدين.
وجه القول بجواز الربح: أن المبيع موصوف في الذمة، فهو مضمون على بائعه، وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى هذه المسألة، وخلاف العلماء فيها.
وأما إذا باع الدين على المدين فلا يجوز أن يربح فيه؛ لأنه لا يتصور أن يكون الدائن ضامنًا للدين، والدين في ذمة المشتري، والله أعلم.
стр. 1016
الشرط الثالث:
اشترط المالكية أن يكون الدين حالًا (١).
الشرط الرابع:
اشترط المالكية أن يعجل البدل، ويقبض في مجلس الاستبدال ليسلم من فسخ الدين بالدين.
جاء في التاج والإكليل: «شروط بيع الدين ممن هو عليه، وهي ألا يكون الدين طعامًا ... وأن يتعجل العوض .... » (٢).
وقال القرافي: «الدين كالعين الحاضرة في جواز البيع بشرط قبض البدل في المجلس» (٣).
بل منع المالكية أن يكون البدل منافع عين ولو كانت معينة، كركوب دابة معينة، أو سكنى دار مدة معينة، أو خياطة أجير معين، أو خدمة عبد معين؛ لأن المنافع لا يقدر على قبضها دفعة واحدة، فيتأخر استيفاء المنافع عن وقت العقد، وأما منافع غير المعين فلا خلاف في منعه، وكذلك لا يصح بيع الدين
стр. 1017
بثمرة على رؤوس النخل، وإن كانت قد أزهت أو أرطبت، ولا بزرع قائم ولو كان قد اشتد؛ لتأخر قبضهما، لأن شرط الجواز أن يكون الثمن معينًا مقبوضًا، فإذا بيع بمعين يتأخر قبضه لم يصح عندهم، أما لو حصد الزرع، وجذت الثمرة جاز بيعه به؛ لعدم تأخير القبض (١).
واشترط الشافعية في الأصح القبض في متحدي العلة، أما مختلفيهما فيشترط فيه التعيين فقط حتى لا يكون من بيع الدين بالدين.
جاء في حاشية البجيرمي على الخطيب: «وأما بيع الدين لمن هو عليه فلا يشترط القبض إلا في متحدي العلة، أما مختلفهما فيشترط فيه التعيين فقط» (٢).
وذكر ابن تيمية بأن بيع الدين على من هو عليه إن باعه بما لا يباع به نسيئة، كأن يكون الدين برًا، فباعه بشعير، أو باعه بموصوف في الذمة غير معين، اشترط التقابض، وإن باعه بمعين، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يشترط القبض.
والثاني: يشترط؛ لأنه يشبه بيع الدين بالدين.
قال ابن تيمية: «يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأن ما في الذمة مقبوض للمدين، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض لئلا يكون ربا، وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة، وإن باعه بغيرهما، فوجهان:
أحدهما: لا يشترط كما لا يشترط في غيرهما.
والثاني: يشترط؛ لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين» (٣).
стр. 1018
القول الثاني:
لا يجوز بيع الدين ولو كان على من هو عليه، وهو قول ابن حزم (١)، ورواية عن أحمد (٢)، وحكي عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن شبرمة (٣).
دليل من قال: يجوز بيع الدين لمن هو عليه بثمن حال .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ﴾ [ا لبقرة: ٢٧٥].
فالأصل في البيع الحل إلا ما دل على تحريمه دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل على التحريم.
الدليل الثاني:
(ح-١١٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير.
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (٤).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٥).
стр. 1019
وجه الاستدلال:
الحديث دليل على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر، إذا كان المشتري هو المدين، وكان الثمن حالًا، وإذا جاز بيع النقدين بالآخر، جاز بيع غيرهما مما يثبت في الذمة من باب أولى.
وهو دليل أيضًا على أنه لا فرق بين كون الدين حالًا، أو كونه مؤجلًا؛ لأنه لما لم يسأله رسول الله ﷺ عن الدين، هل كان حالًا أو مؤجلًا؟ دل ذلك على أنه لا فرق، ولو كان بينهما فرق في الشرع لبينه النبي ﵊، وفي ذلك رد على المالكية الذين اشترطوا أن يكون الدين حالًا.
وهو دليل أيضًا على اشتراط أن يكون البيع بسعر يومه بحيث لا يربح فيه؛ حتى لا يربح فيما لم يضمن، لأنه ﷺ قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها.
(ح-١٢٠) وروى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن (١).
[وإسناده حسن] (٢).
وهو دليل أيضًا على اشتراط التقابض، إذا كان العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة، لأنه قال: ما لم تتفرقا وبينكما شيء.
وعلى القول بأن الأثر موقوف، فإن ابن عمر صحابي جليل، من كبار فقهاء الصحابة، فيكون قوله حجة، ما دام لم يخالف الكتاب، ولا السنة، ولا قول صحابي أقوى منه، والله أعلم.
стр. 1020
الدليل الثالث:
(ث-١٦) ذكر ابن حزم معلقًا عن الحجاج بن منهال، قال: أخبرنا أبو عوانة، أخبرنا إسماعيل السدي، عن عبد الله البهي.
عن يسار بن نمير، قال: كان لي على رجل دراهم فعرض علي دنانير، فقلت: لا أخذها حتى أسأل عمر، فسألته، فقال: ائت بها الصيارفة فاعرضها فإذا قامت على سعر فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ مثل دراهمك (١).
[إسناده ضعيف، لكونه معلقًا، والسدي مختلف فيه والله أعلم].
الدليل الرابع:
المانع من بيع الدين هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن، كان ذلك بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز شرعًا، خاصة أن القبض لم يرد له في الشرع حد معين، وإنما مرد ذلك إلى العادة والعرف.
دليل من قال: لا يجوز بيع الدين على من هو عليه:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [ا لنساء: ٢٩].
وجه الاستدلال:
أن المدين قد يضطر إلى هذه المعاملة فرارًا من المطالبة، فيبيع الشيء مع رغبته فيه، ويستغل الدائن حق مطالبته في شراء شيء يرغبه من المدين مما يفقد البيع الرضا، وهو شرط لصحة البيع.