الفرع الثاني
إذا تلف المبيع بفعل المشتري قبل القبض
إتلاف المشتري للمبيع يقوم مقام القبض (١).
[م -٢١٧] إذا أتلف المشتري المبيع قبل القبض لم ينفسخ البيع، وضمنه المشتري بالثمن. وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢).
وجه ذلك:
أن المشتري لما أتلف المبيع فهذا يدل على أنه تصرف فيه، وتصرف المشتري في المبيع ينزل منزلة القبض له، فكأنه أتلفه بعد قبضه، وإذا أتلفه بعد القبض استقر عليه الثمن، فكذلك هنا.
قال الكاساني: «وإن هلك بفعل المشتري لا ينفسخ البيع، وعليه الثمن؛ لأنه بالإتلاف صار قابضًا كل المبيع؛ لأنه لا يمكنه إتلافه إلا بعد إثبات يده عليه، وهو معنى القبض، فيتقرر عليه الثمن» (٣).
стр. 1087
وقال ابن قدامة: «فإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن، كما لو قبضه» (١).
* * *
стр. 1088
الفرع الثالث
إذا تلف المبيع قبل القبض بفعل أجنبي
[م - ٢١٨] إذا تلف المبيع قبل القبض بفعل أجنبي، فالضمان عليه؛ لأنه أتلف مال غيره، فوجب عليه ضمانه.
وكيفية ضمانه: أن على متلفه أن يغرم بدل ما أتلفه: وهو دفع المثل إن كان المتلف مثليًا، أو دفع قيمته، إن كان المتلف متقومًا (١).
هذا فيما يتعلق بالضمان، أما مسألة انفساخ العقد، وهل يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، فهي مسألة أخرى لم نتعرض لها؛ لأن البحث هنا إنما هو في ضمان المبيع، لا في أثر التلف على انفساخ العقد.
وبهذا المبحث نكون قد انتهينا من بحث ضمان المبيع فيما لو تلف قبل القبض، سواء كان بآفة سماوية، أو كان بفعل أحد العاقدين، أو كان ذلك من أجنبي.
ونناقش إن شاء الله تعالى في الفصل التالي ضمان المبيع إذا تلف بعد القبض، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 1089
المبحث الثالث
في ضمان المبيع إذا تلف بعد القبض
[م - ٢١٩] إذا تلف المبيع بعد القبض فضمانه على المشتري إلا في مسألتين، قد اختلف العلماء فيهما:
الأولى: الثمر المبيع على شجره إذا بيع دون أصله، وقد بدا صلاحه، ولم يتم نضجه، فباعه صاحبه مبقى إلى الجذاذ، فإذا خلى البائع بينه وبين المشتري، فأصابته جائحة (١)
فعلى من يكون ضمانه؟
الثانية: هلاك العين المستأجرة قبل تمام المدة.
وسوف نعرض لهاتين المسألتين، ونذكر كلام أهل العلم فيهما.
* * *
стр. 1090
الفرع الأول
في ضمان الثمرة إذا أصابتها جائحة
[م - ٢٢٠] الثمر المبيع على شجره إذا بيع دون أصله، وقد بدا صلاحه، ولم يتم نضجه، إذا قبضه المشتري، فأصابته جائحة، فعلى من يكون ضمانه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
ضمان المبيع على المشتري، وهو مذهب الحنفية (١)، والقول الجديد للشافعي (٢).
القول الثاني:
ضمانه على البائع. وهو مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، والقديم من قول الشافعي (٥).
دليل من قال بوضع الجوائح:
(ح-١٣٠) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن
стр. 1091
سليمان بن عتيق.
عن جابر أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح (١).
(ح-١٣١) ورواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير،
أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ (٢).
وجه الاستدلال:
أن قوله: (لا يحل لك) وقوله: (بم تأخذ مال أخيك بغير حق) وقوله: (أمر بوضع الجوائح) كل ذلك يفيد أن لأمر ليس من قبيل الندب، وإنما هو من قبيل الإلزام.
وأجيب عن الحديث بجوابين:
القول بتضعيف الحديث، أو الذهاب إلى تأويله، وإليك هما:
الجواب الأول:
ذهب إلى القول بتضعيف الحديث الإمام الشافعي، قال: «سمعت سفيان يحدث هذا الحديث في طول مجالستي له لا يذكر فيه: (أمر بوضع الجوائح) ثم زاد بعد ذلك. قال سفيان: وكان حميد يذكر بعد بيع السنين كلامًا قبل وضع الجوائح لا أحفظه، وكنت أكف عن ذكر وضع الجوائح؛ لأني لا أدري كيف كان الكلام. قال الشافعي: قد يجوز أن يكون الكلام الذي لم يحفظه سفيان يدل على أمره بوضعها على مثال أمره بالصلح على النصف، وعلى مثل أمره بالصدقة تطوعًا
стр. 1092
حضًا على الخير لا حتمًا، ويجوز غيره. فلما احتمل الحديث المعنيين، ولم يكن فيه دلالة على أيهما أولى به، لم يجز عندنا، والله أعلم، أن نحكم على الناس في أموالهم بوضع ما وجب لهم بلا خبر عن رسول الله ﷺ يثبت بوضعه» (١).
(ح-١٣٢) وقد روى الحميدي في مسنده، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت أبا الزبير،
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ ذكر وضع الجوائح بشيء، قال سفيان: لا أحفظه، إلا أنه ذكر وضعها، ولا أحفظ كم ذلك الوضع (٢).
ويجاب عنه:
بأن الحديث لم ينفرد به سفيان، فقد رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر وذكرته عند الاستدلال، مما يدل على أن الحديث بوضع الجوائح، محفوظ، والله أعلم.
الجواب الثاني:
القول بتأويل الحديث، وله ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
قال الطحاوي: «إن معنى الجوائح المذكورة فيها هي الجوائح التي يصاب الناس بها ويجتاحهم في الأرضين الخراجية، التي خراجها للمسلمين فوضع ذلك الخراج عنهم واجب لازم؛ لأن في ذلك صلاحًا للمسلمين وتقوية لهم في عمارة أرضيهم، فأما في الأشياء المبيعات فلا. فهذا تأويل حديث جابر - يعني حديث أمر بوضع الجوائح.
стр. 1093
وأما حديث جابر الثاني ـ يعني حديث: لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا ـ فمعناه غير هذا المعنى، وذلك أنه ذكر فيه البيع، ولم يذكر فيه القبض، فذلك عندنا على البياعات التي تصاب في أيدي بائعيها قبل قبض المشتري لها، فلا يحل للباعة أخذ أثمانها؛ لأنهم يأخذونها بغير حق، فهذا تأويل هذا الحديث عندهم، فأما ما قبضه المشترون، وصار في أيديهم، فذلك كسائر البياعات التي يقبضها المشترون لها، فيحدث بها الآفات في أيديهم، فكما كان غير الثمار يذهب من أموال المشترين لها، لا من أموال باعتها، فكذلك الثمار» (١).
ويناقش:
القول بأنه تلف قبل القبض ممنوع، بل نقول: ذلك تلف قبل تمام القبض وكماله؛ لأن البائع عليه تمام التربية من سقي الثمر إلى أوان الجذاذ، حتى لو ترك ذلك لكان مفرطًا، ولو فرض أن البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية، فالمشتري إنما عليه أن يقبضه على الوجه المعروف المعتاد. فقد وجد التسليم دون تمام التسلم ... (٢).
وقد ناقشت عند الكلام على قبض المبيع: قبض الثمار على الشجر، هل يعتبر قبضًا تامًا، أو قبضًا ناقصًا هناك، فراجعه غير مأمور.
الوجه الثاني:
حمل حديث جابر على الندب، وعللوا ذلك بأنه لو كان الأمر بوضع الجوائح للوجوب مطلقًا، لم يكن لنهي النبي ﷺ عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها فائدة،
стр. 1094
فلما أذن ببيعها بعد بدو صلاحها، دل على أن ضمان ذلك من مال المشتري، فإن أصابته جائحة بعد بدو صلاحها استحب له أن يضع ذلك عن المشتري (١).
وسوف يأتي الجواب على ذلك عند ذكر أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
الوجه الثالث:
أن حديثي جابر محمولان على بيع ثمرة قبل بدو صلاحها.
وقد أجاب عن ذلك ابن تيمية وغيره، قال ابن تيمية:
«وهذا باطل لعدة أوجه.
أحدها: أن النبي ﷺ قال: (إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة) والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى البيع الصحيح.
والثاني: أنه أطلق بيع الثمرة، ولم يقل قبل بدو صلاحها، فأما تقييده ببيعها قبل بدو صلاحها، فلا وجه له.
الثالث: أنه قيد ذلك بحال الجائحة، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه لا يجب فيه ثمن بحال.
الرابع: أن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون، فلو كان الثمر على الشجر مقبوضًا، لوجب أن يكون مضمونًا على المشتري في العقد الفاسد» (٢).
الخامس: أن المشتري لم يقبض الثمرة القبض التام، الذي يوجب نقل الضمان إليه، فإن قبض كل شيء بحسبه، وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها، ونضجها إنما يحدث شيئًا فشيئًا كالمنافع في الإجارة، وتسليم الشجرة إليه، كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار والحيوان.
стр. 1095
وعلق البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن عليه سقي الأصل، وتعاهده، كما لم تنقطع علق المؤجر عن العين المستأجرة، والمشتري لم يتسلم التسليم التام، كما لم يتسلم المستأجر التسليم التام، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري، لم يحل للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله منها، قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد (١).
دليل من قال: لا يجب وضع الجوائح:
الدليل الأول:
(ح-١٣٣) ما رواه مسلم من طريق بكير، عن عياض بن عبد الله.
عن أبي سعيد الخدري، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار، ولم يرده على الباعة بالثمن، إن كانوا قد قبضوا ذلك منه، فدل ذلك على عدم وجوب وضع الجوائح.
وأجيب:
بأن الحديث مجمل، فهو يتكلم عن رجل اشترى ثمارًا فكثرت ديونه:
стр. 1096
فيحتمل أن تكون كثرة الديون بسبب رخص في الأسعار.
ويحتمل أن تكون الثمار تلفت، أو بعضها، بعد أن حازها إلى الجرين، أو إلى البيت، أو السوق.
ويحتمل أن يكون هذا قبل أن ينهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
فلا يترك الحديث الصريح البين، لحديث مجمل محتمل.
ولو فرض أن هذا كان مخالفًا لكان منسوخًا؛ لأنه باق على حكم الأصل، وذاك ناقل عنه، والناقل عن البراءة الأصلية مقدم على غيره (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٣٤) ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال البخاري: قال الليث، عن أبي الزناد، كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري، من بني حارثة،
أنه حدثه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس، وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فإما لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم (٢).
[حديث صحيح] (٣).
стр. 1097
وجه الاستدلال:
أن الصحابة ﵃ كانوا يبيعون الثمار قبل بدو صلاحها، فتصيبها العاهة، فيطلب البائع ثمنها من المشتري، ويطلب المشتري وضع ثمنها بسبب العاهة، فيتخاصمون من أجل ذلك، فلو كان وضع ثمنها واجبًا لأرشدهم إلى ذلك رسول الله ﷺ ، ولبين لهم أنه لا حق للبائع في المطالبة بثمنها إذا أصابتها عاهة، وإنما أشار عليهم بعدم البيع قبل بدو الصلاح، فدل ذلك على أن الأمر بالوضع ليس للوجوب.
وأجيب:
بأن هذا الحديث قبل الأمر بوضع الجوائح، بدليل أن هذا الحديث في بيع الثمار قبل بدو صلاحها، كما كان في أول الأمر، ثم أشار عليهم بعدم بيعها حتى يبدو صلاحها، ثم نهى نهيًا جازمًا عن بيعها قبل بدو صلاحها.
الدليل الثالث:
(ح-١٣٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن حميد،
عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل له: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر. فقال رسول الله ﷺ : أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه (١).
وجه الاستدلال:
الحديث نهى عن بيع الثمار حتى تحمر، وعلل ذلك: بأنه إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق، ومفهومه: أن الثمرة إذا احمرت فإن البيع جائز، ولا يؤمر البائع بوضع الجائحة على سبيل الوجوب، لأنه لو قيل بأن
стр. 1098
الأمر بوضع الجوائح حتى بعد بدو صلاحها لم يكن هناك معنى للتفريق بين البيع قبل بدو الصلاح، وبين البيع بعد بدو الصلاح.
وأجيب بوجهين:
الأول: أن قوله في الحديث (أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه) أخطأ فيه مالك، حيث أدرجه في الحديث، وهو من كلام أنس.
وممن خطأ مالكًا: أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة، والدارقطني، والخطيب البغدادي، وأبو مسعود الدمشقي، وغيرهم.
جاء في العلل لابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه محمد بن عباد، عن عبد العزيز الدراوردي، عن حميد، عن أنس ... وذكر الحديث، فقالا: هذا خطأ، إنما هو كلام أنس.
قال أبو زرعة: كذا يرويه الدراوردي، ومالك بن أنس مرفوعًا، والناس يروونه موقوفًا من كلام أنس» (١).
وقال الخطيب البغدادي: «روى مالك بن أنس هذا الحديث، عن حميد، عن أنس، فرفعه، وفيه هذه الألفاظ إلى النبي ﷺ ، ووهم في ذلك؛ لأن قوله: (أفرأيت إن منع الله الثمرة ... ) إلى آخر المتن كلام أنس، بين ذلك يزيد بن هارون، وعبد العزيز بن محمد، وأبو خالد الأحمر، وإسماعيل بن جعفر، كلهم في روايتهم هذا الحديث عن حميد، وفصلوا كلام أنس، من كلام النبي ﷺ .
ورواه محمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن
стр. 1099
بشير، وعبيدة بن حميد، أربعتهم، عن حميد، فاقتصروا على المرفوع فحسب، دون كلام أنس» (١).
الوجه الثاني:
وعلى فرض أن تكون الزيادة محفوظة، فإن تعرض الثمار للتلف قبل بدو الصلاح كثير، فنهى عن بيعه مطلقًا، وتعرضها للتلف بعد بدو الصلاح نادر، فأذن في بيعها، وفي حال أصابتها جائحة فإن ضمانها على البائع، والحاجة داعية إلى جواز بيع الثمار، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا بالبائع، ولو جعلناها من ضمان المشتري إذا تلفت بجائحة أضررنا بالمشتري، فجوزنا بيعها؛ لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة؛ لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه.
стр. 1100
الدليل الرابع:
(ح-١٣٦) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي الرجال، محمد ابن عبد الرحمن،
عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله ﷺ ، فعالجه، وقام فيه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يصنع له، أو أن يقيله، فحلف ألا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله ﷺ تألى ألا يفعل خيرًا، فسمع بذلك رب الحائط، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله: هو له.
[مرسل] (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (تألى ألا يفعل خيرًا) فلو كان الحكم عليه أن يضع الجائحة لكان أشبه أن يقول: ذلك لازم له، حلف أو لم يحلف (٢).
وأجيب عن هذا الحديث:
أولًا: الحديث مرسل، والمرسل لا تقوم به حجة. قال الشافعي: «حديث
стр. 1101
مالك عن عمرة مرسل، وأهل الحديث ونحن لا نثبت مرسلًا» (١).
ثانيًا: الحديث ليس صريحًا بأنه أصابته جائحة، كل ما فيه أنه عالجه، وأقام عليه حتى تبين له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن.
ثالثًا: قوله (تألى ألا يفعل خيرًا) ليس في هذا اللفظ ما يشعر بأنه ليس واجبًا عليه؛ لأن الخيرية لا تنافي الوجوب، كقوله في الأذان: الصلاة خير من النوم، ولأن من تألى ألا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيرًا.
الدليل الخامس:
ما قبضه المشتري، وصار في يديه، فضمانه عليه كسائر البياعات التي يقبضها المشتري، وقبض الثمار في رؤوس الأشجار يكون بالتخلية بينها وبين المشتري، وقد حصل ذلك، فإذا حدث بها آفة كانت من مال المشتري، لا من مال البائع (٢).
ويجاب عن ذلك:
بأن التخلية لا تعتبر من القبض التام؛ لأن البائع عليه تمام التربية من سقي الثمر حتى لو ترك ذلك لكان مفرطًا، وبالتالي لا يصح القول بأن الثمار تلفت بعد القبض، ولو فرض أن البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية، فالمشتري إنما عليه أن يقبضه على الوجه المعروف المعتاد. فقد وجد التسليم دون تمام التسلم ... (٣).
стр. 1102
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أرى أن سبب الخلاف بين القولين راجع إلى تخلية البائع للثمار على رؤوس الأشجار، هل يعتبر مثل ذلك قبضًا للثمار، بحيث يكون ضمانها على المشتري، أو لا يعتبر قبضًا تامًا باعتبار أن على البائع سقي الثمار حتى كمال طيبها، هذا هو محل النزاع، والذي أميل إليه القول بوضع الجوائح باعتبار أن القبض ليس تامًا، مثله تمامًا قبض المنفعة في عقد الإجارة، فإن التخلية بين المشتري وبين العين لا يعتبر قبضًا تامًا للمنفعة، وهي تتولد يومًا فيومًا، فإذا تلفت العين كان ضمان المنفعة من مال المؤجر، وليس من مال المستأجر، وعلى كل حال هذا القول في تحرير محل الخلاف، أما وقد ورد الحديث عن المعصوم بوضع الجوائح فلا نظر مع حديث رسول الله ﷺ ، وكل من يعارض الحديث بنظره، فهو نظر أعمى، والله أعلم.
* * *
стр. 1103
الفرع الثاني
في هلاك العين المستأجرة قبل تمام المدة
[م-٢٢١] إذا تلفت العين المستأجرة، وكان التلف قبل القبض فالإجارة منفسخة بالاتفاق.
قال ابن قدامة: «أن تتلف قبل قبضها - يعني المعين المستأجرة - فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه؛ لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه» (١).
[م-٢٢٢] وإن تلفت العين المستأجرة بعد القبض، فاختلف الفقهاء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول:
تنفسخ الإجارة فيما بقي مطلقًا، لا فرق بين العين المنقولة وبين العقار، وهذا قول عامة الفقهاء (٢).
القول الثاني:
لا تنفسخ الإجارة بهلاك العين المستأجرة مطلقًا بعد قبض المستأجر للعين، وبه قال أبو ثور، وقول في مذهب الشافعية (٣).
стр. 1104
القول الثالث:
إن كان بقي في العين المستأجرة نفع غير ما استأجرها له فلا تنفسخ فيما بقي، ويثبت الخيار فيها للمستأجر، وهو قول في مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد اختارها القاضي أبو يعلى من الحنابلة (١).
القول الرابع:
تنفسخ الإجارة فيما مضى وفيما بقي، وهو وجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
الراجح من الخلاف:
وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في عقد الإجارة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وقد رجحت أن القول بأن المستأجر بالخيار هو أعدل الأقوال فيما أرى؛ لأن الحق له، فإذا قبل الإجارة فلا وجه لانفساخ العقد، وإن اختار الفسخ كان عليه أجرة ما مضى بحسبه، والله أعلم.
стр. 1105
المبحث الرابع
في كيفية الضمان
قال السرخسي: إتلاف ما ليس بمتقوم لا يوجب الضمان (١).
قال ابن تيمية: الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان (٢).
وقال أيضًا: الأصل في بدل المتلفات أن يكون من جنس المتلف (٣).
[م - ٢٢٣] في البحوث السابقة كان البحث في معرفة من عليه الضمان، وفي هذا البحث نريد أن نعرف بماذا يكون الضمان.
فإذا تلف الشيء في يد من عليه ضمانه (٤)،
فقد اختلف العلماء بما ذا يضمنه إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
عليه رد مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا. وهذا مذهب الحنفية (٥)،
стр. 1106
والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الثاني:
يجب رد المثل مطلقًا، اختاره العنبري من الحنابلة (٤).
وقال ابن حزم: يجب رد المثل مطلقًا، فإن عدم المثل فالمضمون مخير بين أن يمهله حتى يوجد المثل، وبين أن يأخذ القيمة (٥).
القول الثالث:
يضمن المثلي وغيره مطلقًا بالقيمة، اختاره بعض الفقهاء (٦)، وهو رأي الهادوية (٧).
أدلة من قال يجب رد المثل في المثلي والقيمة في غيره .
الدليل الأول:
(ح-١٣٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع.
عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ
стр. 1107
ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق. ورواه مسلم (١).
وفي رواية لمسلم «قوم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط» (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: «قوم العبد عليه قيمة عدل».
قال ابن حجر: «واستدل به على أن من أتلف شيئا من الحيوان فعليه قيمته، لا مثله، ويلتحق بذلك ما لا يكال، ولا يوزن عند الجمهور» (٣).
ويجاب عن هذا الاستدلال:
بأن هناك فرقًا بين أن يمتلك الإنسان حيوانًا كاملًا من مال غيره فيجب عليه مثله، وبين أن يمتلك جزءًا من حيوان فتجب عليه قيمته، فالحديث لم يذكر قط بأن الحيوان ليس مثليًا، وإنما الحديث دل على أن الرجل إذا تملك مال غيره، وكان هذا النصيب لا يمكن قسمته كالحيوان، والعبد، والجوهرة، ونحوها، فإن عليه قيمته، فلو أوجبنا المثل في مثل هذا لفات حقه من نصف القيمة الواجب له شرعًا، فلا يؤخذ من هذا الحديث، أن الحيوان ليس مثليًا، وأن القيمة تجب في كل عين ليست مكيلة، ولا موزونة، ولا معدودة، ولا مذروعة.
وقد يقال: لو كان الواجب المثل مطلقًا لأمكنه أن يوجب عليه نصف عبد مثله، فيبحث عن عبد ليشتري نصفه ويدفعه إلى شريكه، ويكون هنا قد ضمن مثله، ولكن لما كان الحيوان غير مثلي وجب عليه قيمته، والله أعلم.
стр. 1108
اعتراض آخر لابن حزم والجواب عليه:
اعترض ابن حزم على وجه الاستدلال بالحديث من وجهين، وسوف أنقل كلامه بالمعنى تجنبًا لقسوة عبارته رحمه الله تعالى.
الوجه الأول:
كيف يقاس الغاصب، وهو ظالم على المعتق، وهو محسن، فالمعتق أعتق حصته التي أباح الله له تعالى عتقها، وهو مأجور بخلاف الغاصب فإنه معتد ظالم.
الوجه الثاني:
الحديث نص في التقويم على الموسر فقط، ولم يقوم على المعسر، ولو كان القياس صحيحًا للزمهم أن يقولوا: يقوم عليه سواء أكان معسرًا أم موسرًا، كما يفعلون ذلك في حق كل من يستهلك مال غيره.
ويجاب عن هذا:
بأن الحديث ليس في باب ضمان المتلفات حتى يضمنه مطلقًا موسرًا كان أو معسرًا، وإنما هو من باب تملك مال الغير بإذن شرعي، وهذا يشترط أن يكون عنده ثمنه، فإذا لم يكن عنده ثمنه لم يتملكه، فالتضمين هاهنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذ بالشفعة، لا بد أن يكون عنده الثمن ليدفعه إلى شريكه وإلا سقطت شفعته (١).
الدليل الثاني:
المعيار في وجوب المثل في المثليات والقيمة في غيرها هو تحقيق العدالة
стр. 1109
بحيث لا يُظْلَم الضامن، ولا المضمون له، ولو أمرنا بالمثل في الأعيان التي لا تتساوى أجزاؤها، وتختلف صفاتها، لكان في ذلك ظلم بين، فرب حيوان مدرب، أو طير معلم، أو عبد يحسن الصناعة يساوي أضعاف قيمة غيره من مثله ممن لا يحسن شيئًا من ذلك (١).
دليل من قال: يجب المثل مطلقًا .
الدليل الأول:
قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وجه الاستدلال:
أوجبت الآية المثل في العقاب، وهو دليل على أن المشروع هو المثل، وليس القيمة.
ويجاب عن الآية:
بأن الآية سيقت في باب العقوبات خاصة، وأما ضمان المتلفات فباب آخر، فقد يضمن بالمثل، وقد يضمن بغير المثل، ألا ترى أن الشاة المصراة إذا رغب المشتري في ردها، فإنه يردها وصاعًا من تمر بدلًا من الحليب الذي أخذ، فلو كان الواجب المثل مطلقًا لرد الحليب الذي أخذ أو رد مثله، خاصة أن الحليب مثلي عند الجمهور، وليس قيميًا.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٨) ما رواه البخاري من طريق ابن علية، عن حميد،
عن أنس قال: كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها
стр. 1110
طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت (١).
وجه الاستدلال:
حيث أوجب في الصحفة مثلها، والصحفة ليست مثلية خاصة على عهد النبي ﷺ حيث كانت الصنعة يدوية.
وأجيب:
نقل البيهقي في السنن جوابًا عن هذا، فقال:
«قال بعض أهل العلم: الصحفتان جميعًا كانتا للنبي ﷺ في بيتي زوجتيه، ولم يكن هناك تضمين، إلا أنه عاقب الكاسرة بترك المكسورة في بيتها، ونقل الصحيحة إلى بيت صاحبتها».
الدليل الثالث:
(ح-١٣٩) ما رواه أحمد (٢)، والنسائي (٣)، وأبو داود (٤)، وغيرهما (٥)، من طريق فليت، عن جسرة بنت دجاجة.
عن عائشة، قالت: ما رأيت صانعة طعام
стр. 1111
مثل صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي ﷺ عن كفارته، فقال: إناء كإناء، وطعام كطعام.
فظاهره أنه حكم من النبي ﷺ بوجوب المثل في الإناء والطعام، مع أن الإناء والطعام عند الجمهور من المتقومات، وليس من المثليات.
ويجاب عن حديث جسرة، عن عائشة بأن إسناده ضعيف (١).
فإن قيل: قد رواه غير جسرة.
(ح-١٤٠) فقد رواه ابن أبي حاتم في العلل، قال: «سألت أبي عن حديث رواه عمران بن خالد الواسطي، عن ثابت،
عن أنس، قال: كان النبي ﷺ في
стр. 1112
بيت عائشة، ومعه أصحابه، فأرسلت حفصة بقصعة، فكسرتها عائشة، فقضى النبي ﷺ : من كسر شيئًا فهو له وعليه مثله.
قال أبو زرعة: هذا خطأ، رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي المتوكل، أن النبي ﷺ ، وهذا هو الصحيح» (١).
ورواه أبو يعلى في مسنده (٢)، والدارقطني في سننه، وفيه:
قال عمران: أكبر ظني أنه قال: حفصة، وفيه فصارت قضية من كسر شيئًا فهو له، وعليه مثله (٣).
فالجواب:
بأن إسناده ضعيف، ومتنه منكر خالف عمران غيره في إسناده ومتنه (٤).
فأما مخالفته في الإسناد، فرواه عمران، عن ثابت، عن أنس.
ورواه حماد بن سلمة، وهو من أثبت الناس في ثابت، عن ثابت، عن أبي المتوكل، عن أم سلمة.
وأما مخالفته في المتن، فرواه عمران، فزاد قوله: فصارت قضية، من كسر شيئًا فهو له، وعليه مثله، بينما لفظ حماد حكاية فعل، كلفظ حديث حميد، عن أنس في الصحيح (٥).
стр. 1113
الدليل الرابع:
قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].
«فنص الله ضمان الصيد بمثله من النعم، ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير، والمماثلة بين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة ... » (١).
ويجاب:
بأن الحكم من الابتداء لم يقصد فيه المثلية من كل وجه، لأن المتلف من الصيد، وكفارته مثله من النعم، فالجنس مختلف، وما دام أن الجنس مختلف فقد خرجت المثلية عن بابها، ولو أتلف الإنسان بعيرًا لآدمي لم يجز أن يدفع بدلًا منه نعامة، ولأن المثلية في آية الصيد كفارة في حق الله ، وحقوق الله تعالى تجري فيها المسامحة، ولا تحمل على الاستقصاء وكمال الاستيفاء، بخلاف حقوق الآدميين.
الدليل الخامس:
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩].
стр. 1114
فقد ذكر المفسرون أن داود حكم بقيمة المتلف، فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث، وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل، بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان، ولم يضيع عليهم ثماره من الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان، فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم، وهذا هو العلم الذي خصه الله به، وأثنى عليه (١).
قال ابن القيم: «وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس، وقد حكم رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها، فصح بحكمه ضمان النفش، وصح بالنصوص السابقة، والقياس الصحيح، وجوب الضمان بالمثل، وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم، فصح أنه الصواب، وبالله التوفيق» (٢).
قلت: الحكم بأن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل جاء من حديث البراء، والراجح فيه أنه مرسل، ومع أنه مرسل إلا أنه موافق لحكم سليمان في نص القرآن.
قال ابن عبد البر: «الحديث من مراسيل الثقات ... وهو موافق لما نصه
стр. 1115
الله في كتابه عن داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث .... ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن، ولغة أهل العرب أن النفش لا يكون إلا بالليل». (١)
الدليل السادس:
(ح-١٤١) ما رواه البخاري من طريق محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ كان رجل في بني إسرائيل يقال له: جريج يصلي .... وذكر قصة هدم صومعته، ثم قالوا له: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين، ورواه مسلم (٢).
وترجم البخاري له: باب إذا هدم حائطًا فليبن مثله.
قال الحافظ: أي خلافًا لمن قال: تلزمه القيمة من المالكية، وغيرهم (٣).
وجه الاستدلال:
أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولم يرد ما يرده، وقد هدموا صومعته ظلمًا ففعلوا مثلها مع أن الحائط ليس مثليًا عند الجمهور.
ويجاب:
بأن الاستدلال بالقصة فيه نظر.
أولًا: لأنهم إنما عملوا ذلك إكرامًا لجريج بدليل أنهم عرضوا عليه أن يبنوها ذهبًا، أو فضة فأبى.
وثانيًا: لم يأت في الحديث نص على أنه يلزمهم المثل، وإنما عرضوا عليه بناءها من ذهب، وهذا لا يلزمهم اتفاقًا، فطلب منهم أن يبنوها من طين، وإذا
стр. 1116
تراضى الطرفان على فعل شيء جاز اتفاقًا، سواء كان هذا المتفق عليه مثل الواجب الذي لزمهم، أو أكثر منه، أو أقل، وإنما كلامنا فيما يجب عليهم فعله، فلو دفعوا له قيمة الجدار مع نفقة البناء، هل كان ذلك لا يجزئ عنهم، هذا هو محل الخلاف، والحديث ليس فيه ما يحسم النزاع.
الراجح:
سقت لك أخي الكريم غالب أدلة الفريقين مما اطلعت عليه، والخلاف في المسألة قوي جدًا، والذي أميل إليه أن الواجب هو المثل إن وجد، على أن المثلية ليست محصورة في المكيل والموزون، بل إن التفاوت اليسير يغتفر، كالبيض، فإذا وجد مثيلًا قريبًا وجب قبوله، وإلا رجع إلى القيمة.
يقول ابن تيمية: «المماثل من كل وجه متعذر حتى في المكيلات فضلًا عن غيرها، فإنه إذا أتلف صاعًا من بر فضمن بصاع من بر لم يعلم أن أحد الصاعين فيه من الحب ما هو مثل الآخر، بل قد يزيد أحدهما على الآخر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية: [الأنعام:١٥٢]. فإن تحديد الكيل والوزن مما قد يعجز عنه البشر» (١).
* * *
стр. 1117
فرع
في إتلاف خمر الذمي وخنزيره
[م - ٢٢٤] إذا أتلف مسلم لذمي خنزيرًا أو أراق خمرًا، فهل يضمنه متلفه، باعتبار أن الخمر مال متقوم عند الذمي، أو لا يضمنه، باعتبار أنه غير متقوم عند المتلف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
عليه الضمان، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
القول الثاني:
لا ضمان عليه، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، ورجحه ابن حزم (٥).
стр. 1118
دليل من قال: عليه الضمان .
الدليل الأول:
(ث-٢٣) ما رواه عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن إبراهيم ابن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن عماله يأخذون الجزية من الخمر، فناشدهم ثلاثًا، فقال بلال: إنهم ليفعلون ذلك، قال: فلا تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها، فإن اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها (١).
ورواه أبو عبيد من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، أن بلالًا قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
стр. 1119
وجه الاستدلال:
فهذا الأثر يدل على أن الخمرة مال محترم عندهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المبيع متمول لأمر عمر بالبيع.
وثانيها: إيجاب العشر في ثمنها، ولا يجب إلا في متمول.
وثالثها: تسمية ما يقابلها ثمنًا، وهو لا يكون إلا في بيع صحيح عند الإطلاق، ولا يصح البيع إلا في متمول (١).
قال أبو عبيد: «يريد أن المسلمين كانوا يأخذون الجزية من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية رؤوسهم، وخراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها، فهذا الذي أنكره بلال، ونهى عنه عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها، إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنزير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالًا للمسلمين ..... قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قصاصًا من الجزية إلا وهو يراها مالًا من أموالهم» (٢).
стр. 1120
الدليل الثاني:
إذا كان عقد الذمة يضمن عدم التعرض لهم في شرب الخمر، وأكل الخنزير، فهذا يعني أننا قد التزمنا لهم بحفظها وحمايتها، والعصمة والإحراز يتمان بهذا الحفظ، ووجوب الضمان بالإتلاف ينبني على ذلك (١).
«لأن الخمر غير محرمة عليهم، فتكون متمولة، أما عدم تحريمها فلأن الخمر كانت مباحة في صدر الإسلام، ثم نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر - إلى قوله تعالى - ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ [المائدة:٩٠،٩١] فخصص بخطاب التحريم المؤمنين، ولأنهم ليسوا من أهل الصلاة، ولا عجب في استثناء بعض الأحكام عنهم بدليل سقوط الضمان، والأداء عنهم؛ ولأن أهل الذمة عصمت دماؤهم عن السفك، وأعراضهم عن الثلم، وأموالهم عن النهب، وأزواجهم عن الوطء، مع وجود سبب عدم ذلك في الجميع، وهو الكفر، فكذلك الخمر لا تمنع مفسدة الإسكار تمولها، وعصمتها، ويؤكده الإجماع على منع إراقتها، ووجوب ردها مع بقاء عينها، وإنما الخلاف إذا تعدى فأتلفها» (٢).
وأجيب عن هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول:
عدم التعرض لهم لا يعني الضمان بحال من الأحوال، فنحن لا نتعرض لصليبهم، ولا لأصنامهم، ومع ذلك لا نضمن لهم ما كسر لهم منها، فالضمان أمر زائد على الترك.
стр. 1121
الوجه الثاني:
لا نسلم بأننا لا نتعرض لهم في الخمر مطلقًا، وإنما تركهم مشروط بعدم إظهارها، فمتى ظهرت حلت إراقتها.
الوجه الثالث:
على التسليم بأن الخمر والخنزير مالان معصومان في حق الذمي، فإن العصمة لا تعني التقويم، فإن نساء أهل الحرب، وصبيانهم معصومون غير متقومين.
الدليل الثالث:
«الخمر يتعلق بها عندنا وجوب الحد، وسقوط الضمان، وقد خالف الذمي المسلم في الحد، فيخالفه في سقوط الضمان قياسًا لأحدهما على الآخر» (١).
دليل من قال: لا يضمن .
الدليل الأول:
(ح-١٤٢) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .... » الحديث، والحديث رواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن النص على تحريم البيع يعني بذلك أنه ليس له قيمة شرعًا، لأن كل ما حرم
стр. 1122
بيعه لا لحرمته، لم تجب له قيمة كالميتة (١).
الدليل الثاني:
إذا كان الخمر والخنزير لا يضمن بالإتلاف في حق المسلم، فكذلك في حق الذمي؛ لأن حقوقهم دون حقوقنا (٢).
ويناقش هذا الدليل:
بأن عقد الإسلام عقد عظيم يوجب الكمال، فلا تقر معه مفسدة، وأما عقد الذمة فإنه لنقصه تثبت معه المفاسد بدليل ثبوت الكفر وغيره معه، ومن المفاسد إقرارهم على شرب الخمر وضمانها لهم (٣).
الدليل الثالث:
بعقد الذمة إنما ضمنا ترك التعرض لهم في الخمر والخنزير، وإيجاب ضمان القيمة على المتلف أمر زائد على ذلك، وذلك لأن ترك التعرض لهم فيهما لاعتقادهم أن الخمر والخنزير مالا متقومان، ولكن اعتقادهم لا يكون حجة على المسلم المتلف في إيجاب الضمان، وإنما يكون معتبرًا في حقهم (٤).
ويناقش هذا الدليل:
بأن القضاء إنما هو بحسب اعتقادهم، لا باعتقاد القاضي، بدليل أنه لا يوجب الحد عليهم فيها، ويقضي لهم بثمنها إذا باعها من ذمي، ويقرهم على
стр. 1123
مسها وشربها وجعلها صداقًا وسائر التصرفات فيها، وكذلك نقرهم على أنكحتهم الفاسدة عندنا، فكذلك كونها مالًا ومضمونة (١).
الدليل الرابع:
كون الخمر والخنزير لا يضمنان بالمثل مع إمكانه دليل على عدم الضمان؛ لأن المثلي يضمن بالمثل، والخمر من ذوات المثل، فعدم الضمان بالمثل مع الإمكان دليل على سقوط الضمان.
ويناقش هذا الدليل:
بأن كون الخمر والخنزير لا يضمنان بالمثل لتعذر دفع المثل من جانب المسلم، فإن المسلم لا يمكن أن يملك المثل حتى يبذله للذمي، فكما لو قتله عن طريق اللواط فإن القصاص لا يجب أن يكون بالمثل، فهو مما عدل فيه عن المثل للضرورة.
الدليل الخامس:
الخمر حرام، ولا يجوز أن يكون للحرام ثمن، فضمانها اعتراف بثمنها.
ويناقش هذا الدليل:
القول بالضمان لا يلزم منه وجوب الثمن للخمر، وإنما يوجب القيمة، وبينهما فرق: فالثمن ما نشأ عن عقد صحيح، والقيمة ما نشأ عن إتلاف، وهي التي أوجبناها دون الثمن، فقيمة أم الولد حلال، وثمنها حرام، والقيمة في قتل الصيد على المحرم حلال، وثمنه حرام، ومهر المجوسية حرام، ومهر بضعها بالإتلاف حلال، وهكذا (٢).
стр. 1124
الدليل السادس:
قالوا: ساوى الذمي المسلم في عدم قطع يده بسرقتها، فيساويه بعدم الضمان بإتلافها.
ويناقش هذا الدليل:
بأن الفرق بين المسلم والذمي أن المسلم لا تعد في حقه مالًا، بخلاف الذمي، بدليل أنه يمكن من شربها والتصرف فيها ولا يجلد على تعاطيها، فيخالف الذمي المسلم في الضمان كذلك.
الدليل السابع:
لو كانت الخمر مالًا معصومًا لما وجب إراقتها إذا أظهروها قياسًا على سائر الأموال.
ويناقش هذا الدليل:
بأن في إظهارها في أسواق المسلمين عملًا على نشرها، وفيه مفسدة في حق المسلمين، بخلاف حمايتها لهم في بيوتهم بدليل أنه لو كان هناك قافلة لهم فيها خمر، فمر بها قطاع طريق وجب على الإمام حمايتهم، والذب عنهم، فدل ذلك على أنها كأنفسهم معصومة.
الراجح من الخلاف:
أجد أن القول بوجوب الضمان أقوى دليلًا، وأصلح للناس، فإن القول بالضمان قد يردع المعتدي؛ لأن بعض الناس إذا رأى أنه لن يؤاخذ على فعله لم يردعه شيء، وأرى أنه حتى على القول بعدم الضمان يجب أن يعزر المتلف بما يردع الناس عن التطاول على أهل الذمة، وإذا رأى القاضي أن يعزر المتلف بالمال، فله ذلك، وليس هذا من باب ضمان المتلف، وإنما من باب ردع الظالم من الظلم والعدوان، والله أعلم.
* * *
стр. 1125
الحكم السادس
حبس المبيع من أجل استلام الثمن
يترتب على عقد البيع أن يكون العقد ملزمًا للعاقدين، فلا يستطيع أحد العاقدين بمفرده التحلل من قيده، ما لم يتفقا على الإقالة، ويكتسب العقد صفة اللزوم إما بمجرد تمام العقد بتطابق الإيجاب والقبول، كما هو مذهب الحنفية والمالكية، أو بعد انقضاء مجلس العقد كما هو مذهب الشافعية والحنابلة، وقد بحثت هذه المسألة في مبحث مستقل عند الكلام على الخيار، ولله الحمد.
وفور اكتساب العقد صفة اللزوم فإن ملك المبيع ينتقل إلى المشتري، وملك الثمن ينتقل إلى البائع، ويكون البائع مطالبًا بتسليم المبيع إلى المشتري، كما أن المشتري يكون مطالبًا بتسليم الثمن إلى البائع؛ لأن تسليم البدلين واجب على العاقدين لتحقق الملك لكل منهما في البدلين.
والبحث هنا: متى يحق للبائع حبس المبيع إلى أن يستلم الثمن؟
[م - ٢٢٥] من العلماء من بنى هذه المسألة على مسألة أخرى، وهو من المطالب أولًا بتسليم ما وجب عليه بسبب العقد، هل يطالب البائع أن يسلم أولًا، أو يطالب المشتري أن يسلم أولًا، فمن قال: إن المطالب بالتسليم أولًا هو البائع، فمعنى هذا أن البائع ليس له حق في حبس المبيع، ومن قال: إن المطالب بالتسليم هو المشتري أولًا، كان للبائع حق حبس المبيع حتى يستلم الثمن.
ومن العلماء من خالف في ذلك، فقال: بحث مسألة التسليم أولًا فيما إذا كان كل من البائع والمشتري مستعدًا لبذل ما عليه، ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، أما إذا خاف البائع أو المشتري من تعذر أخذ العوض، فله حبس ما عنده.
يقول النووي ﵀: «أمر مهم، وهو أن طائفة توهمت أن الخلاف في الابتداء