← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الوجه الثاني: لا نسلم بأننا لا نتعرض لهم في الخمر مطلقًا، وإنما تركهم مشروط بعدم إظهارها، فمتى ظهرت حلت إراقتها. الوجه الثالث: على التسليم بأن الخمر والخنزير مالان معصومان في حق الذمي، فإن العصمة لا تعني التقويم، فإن نساء أهل الحرب، وصبيانهم معصومون غير متقومين. الدليل الثالث: «الخمر يتعلق بها عندنا وجوب الحد، وسقوط الضمان، وقد خالف الذمي المسلم في الحد، فيخالفه في سقوط الضمان قياسًا لأحدهما على الآخر» (١). دليل من قال: لا يضمن . الدليل الأول: (ح-١٤٢) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .... » الحديث، والحديث رواه مسلم (٢). وجه الاستدلال: أن النص على تحريم البيع يعني بذلك أنه ليس له قيمة شرعًا، لأن كل ما حرم

стр. 1122

بيعه لا لحرمته، لم تجب له قيمة كالميتة (١). الدليل الثاني: إذا كان الخمر والخنزير لا يضمن بالإتلاف في حق المسلم، فكذلك في حق الذمي؛ لأن حقوقهم دون حقوقنا (٢). ويناقش هذا الدليل: بأن عقد الإسلام عقد عظيم يوجب الكمال، فلا تقر معه مفسدة، وأما عقد الذمة فإنه لنقصه تثبت معه المفاسد بدليل ثبوت الكفر وغيره معه، ومن المفاسد إقرارهم على شرب الخمر وضمانها لهم (٣). الدليل الثالث: بعقد الذمة إنما ضمنا ترك التعرض لهم في الخمر والخنزير، وإيجاب ضمان القيمة على المتلف أمر زائد على ذلك، وذلك لأن ترك التعرض لهم فيهما لاعتقادهم أن الخمر والخنزير مالا متقومان، ولكن اعتقادهم لا يكون حجة على المسلم المتلف في إيجاب الضمان، وإنما يكون معتبرًا في حقهم (٤). ويناقش هذا الدليل: بأن القضاء إنما هو بحسب اعتقادهم، لا باعتقاد القاضي، بدليل أنه لا يوجب الحد عليهم فيها، ويقضي لهم بثمنها إذا باعها من ذمي، ويقرهم على

стр. 1123

مسها وشربها وجعلها صداقًا وسائر التصرفات فيها، وكذلك نقرهم على أنكحتهم الفاسدة عندنا، فكذلك كونها مالًا ومضمونة (١). الدليل الرابع: كون الخمر والخنزير لا يضمنان بالمثل مع إمكانه دليل على عدم الضمان؛ لأن المثلي يضمن بالمثل، والخمر من ذوات المثل، فعدم الضمان بالمثل مع الإمكان دليل على سقوط الضمان. ويناقش هذا الدليل: بأن كون الخمر والخنزير لا يضمنان بالمثل لتعذر دفع المثل من جانب المسلم، فإن المسلم لا يمكن أن يملك المثل حتى يبذله للذمي، فكما لو قتله عن طريق اللواط فإن القصاص لا يجب أن يكون بالمثل، فهو مما عدل فيه عن المثل للضرورة. الدليل الخامس: الخمر حرام، ولا يجوز أن يكون للحرام ثمن، فضمانها اعتراف بثمنها. ويناقش هذا الدليل: القول بالضمان لا يلزم منه وجوب الثمن للخمر، وإنما يوجب القيمة، وبينهما فرق: فالثمن ما نشأ عن عقد صحيح، والقيمة ما نشأ عن إتلاف، وهي التي أوجبناها دون الثمن، فقيمة أم الولد حلال، وثمنها حرام، والقيمة في قتل الصيد على المحرم حلال، وثمنه حرام، ومهر المجوسية حرام، ومهر بضعها بالإتلاف حلال، وهكذا (٢).

стр. 1124

الدليل السادس: قالوا: ساوى الذمي المسلم في عدم قطع يده بسرقتها، فيساويه بعدم الضمان بإتلافها. ويناقش هذا الدليل: بأن الفرق بين المسلم والذمي أن المسلم لا تعد في حقه مالًا، بخلاف الذمي، بدليل أنه يمكن من شربها والتصرف فيها ولا يجلد على تعاطيها، فيخالف الذمي المسلم في الضمان كذلك. الدليل السابع: لو كانت الخمر مالًا معصومًا لما وجب إراقتها إذا أظهروها قياسًا على سائر الأموال. ويناقش هذا الدليل: بأن في إظهارها في أسواق المسلمين عملًا على نشرها، وفيه مفسدة في حق المسلمين، بخلاف حمايتها لهم في بيوتهم بدليل أنه لو كان هناك قافلة لهم فيها خمر، فمر بها قطاع طريق وجب على الإمام حمايتهم، والذب عنهم، فدل ذلك على أنها كأنفسهم معصومة. الراجح من الخلاف: أجد أن القول بوجوب الضمان أقوى دليلًا، وأصلح للناس، فإن القول بالضمان قد يردع المعتدي؛ لأن بعض الناس إذا رأى أنه لن يؤاخذ على فعله لم يردعه شيء، وأرى أنه حتى على القول بعدم الضمان يجب أن يعزر المتلف بما يردع الناس عن التطاول على أهل الذمة، وإذا رأى القاضي أن يعزر المتلف بالمال، فله ذلك، وليس هذا من باب ضمان المتلف، وإنما من باب ردع الظالم من الظلم والعدوان، والله أعلم. * * *

стр. 1125

الحكم السادس حبس المبيع من أجل استلام الثمن يترتب على عقد البيع أن يكون العقد ملزمًا للعاقدين، فلا يستطيع أحد العاقدين بمفرده التحلل من قيده، ما لم يتفقا على الإقالة، ويكتسب العقد صفة اللزوم إما بمجرد تمام العقد بتطابق الإيجاب والقبول، كما هو مذهب الحنفية والمالكية، أو بعد انقضاء مجلس العقد كما هو مذهب الشافعية والحنابلة، وقد بحثت هذه المسألة في مبحث مستقل عند الكلام على الخيار، ولله الحمد. وفور اكتساب العقد صفة اللزوم فإن ملك المبيع ينتقل إلى المشتري، وملك الثمن ينتقل إلى البائع، ويكون البائع مطالبًا بتسليم المبيع إلى المشتري، كما أن المشتري يكون مطالبًا بتسليم الثمن إلى البائع؛ لأن تسليم البدلين واجب على العاقدين لتحقق الملك لكل منهما في البدلين. والبحث هنا: متى يحق للبائع حبس المبيع إلى أن يستلم الثمن؟ [م - ٢٢٥] من العلماء من بنى هذه المسألة على مسألة أخرى، وهو من المطالب أولًا بتسليم ما وجب عليه بسبب العقد، هل يطالب البائع أن يسلم أولًا، أو يطالب المشتري أن يسلم أولًا، فمن قال: إن المطالب بالتسليم أولًا هو البائع، فمعنى هذا أن البائع ليس له حق في حبس المبيع، ومن قال: إن المطالب بالتسليم هو المشتري أولًا، كان للبائع حق حبس المبيع حتى يستلم الثمن. ومن العلماء من خالف في ذلك، فقال: بحث مسألة التسليم أولًا فيما إذا كان كل من البائع والمشتري مستعدًا لبذل ما عليه، ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، أما إذا خاف البائع أو المشتري من تعذر أخذ العوض، فله حبس ما عنده. يقول النووي ﵀: «أمر مهم، وهو أن طائفة توهمت أن الخلاف في الابتداء

стр. 1126

خلاف في أن البائع، هل له حق الحبس أم لا؟ إن قلنا: الابتداء بالبائع فليس له حبس المبيع لاستيفاء الثمن، وإلا فله. ونازع الأكثرون فيه، وقالوا: هذا الخلاف مفروض فيما إذا كان نزاعهما في مجرد الابتداء، وكان كل واحد يبذل ما عليه، ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، فأما إذا لم يبذل البائع المبيع، وأراد حبسه خوفًا من تعذر الثمن فله ذلك، بلا خلاف، وكذلك للمشتري حبس الثمن خوفًا من تعذر المبيع، وبهذا صرح الشيخ أبو حامد، والماوردي» (١). وبناء على القول الأول، سوف نبحث إن شاء الله تعالى من هو المطالب بالتسليم أولًا، لنعرف من يحق له حبس المبيع، بناء على هذا القول. وحبس المبيع ليس مختصًا بالبائع، فقد يحبس المشتري المبيع، كما لو حصلت إقالة، أو فسخ البيع بعيب ونحوه، فللمشتري أن يحبس المبيع حتى يقبض ما دفعه من ثمن. جاء في كفاية الأخيار: «إذا فسخ المشتري لعيب كان له حبس المبيع إلى قبض الثمن» (٢). وجاء في أسنى المطالب: «للمشتري بعد الفسخ حبس المبيع إلى استرجاع الثمن من البائع» (٣). وبمنزلة المبيع الإجارة، فإذا اشترط المؤجر تعجيل الأجرة كان له الحق في حبس الدار حتى يستلم الأجرة.

стр. 1127

جاء في الجوهرة النيرة: «المؤجر إذا اشرط تعجيل الأجرة في العقد كان له حبس الدار، حتى يستوفي الأجرة؛ لأن المنافع كالمبيع، والأجرة كالثمن، فكما وجب حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن، فكذلك يجب حبس المنافع حتى يستوفي الأجرة المعجلة» (١). [م-٢٢٦] واختلف العلماء فيمن استحق جعلًا، هل له أن يحبس ما في يده حتى يستلم الجعل؟ فذهب الحنفية إلى أن له الحق في حبس ما في يده حتى يستلم الجعل، كما له الحق في حبس اللقطة حتى يأخذ الملتقط ما أنفقه عليها، كحبس المبيع لأجل الثمن (٢). جاء في فتح القدير: « .... له أن يحبس الآبق حتى يستوفي الجعل، بمنزلة البائع بحبس المبيع» (٣). وخالف في ذلك الشافعية والحنابلة، جاء في روضة الطالبين: «إذا رد الآبق لم يكن له حبسه لاستيفاء الجعل؛ لأن الاستحقاق بالتسليم، ولا حبس قبل الاستحقاق» (٤). وقد بحثت هذه المسألة في عقد الجعالة، فلله الحمد. * * *

стр. 1128

المبحث الأول حبس المبيع والثمن مؤجل [م - ٢٢٧] إذا باع الرجل سلعته بثمن مؤجل، فهل يملك البائع حق حبس المبيع إلى أن يستلم الثمن؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم: القول الأول: ذهب عامة أهل العلم إلى أن البائع ليس له الحق في حبس المبيع إذا كان الثمن مؤجلًا (١). وجه هذا القول: أن البائع لما وافق على البيع بثمن مؤجل، فقد أسقط حقه في حبس المبيع، وإذا أسقط البائع حقه لم يسقط حق المشتري في قبض المبيع. القول الثاني: للبائع حبس المبيع إلى حلول الأجل، وهو قول ضعيف في مذهب الحنابلة (٢). وجهه هذا القول: أن حق البائع هو قبض الثمن، وحق المشتري قبض المبيع، فلما كان حق البائع مؤخرًا كان هذا رضا من المشتري بتأخير حقه في القبض.

стр. 1129

والراجح القول الأول لقوة أدلته. [م - ٢٢٨] ومثل هذه المسألة المرأة إذا رضيت بتأجيل المهر، فهل لها أن تمتنع من تسليم نفسها، اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعية، والحنابلة إلى أنها ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها. وجه هذا القول أن المرأة بقبولها التأجيل رضيت بإسقاط حق نفسها، فلا يسقط حق الزوج، كالبائع إذا أجل الثمن يسقط حقه في حبس المبيع. القول الثاني: أختار أبو يوسف، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة: أن لها أن تمتنع عن تسليم نفسها حتى تستلم صداقها. وجه هذا القول: أن من حكم المهر أن يتقدم على تسليم النفس بكل حال، فلما قبل الزوج التأجيل كان ذلك رضا بتأخير حقه في القبض، بخلاف البائع إذا أجل الثمن، فليس له أن يحبس المبيع، ويبطل حقه في الحبس بتأجيل الثمن؛ لأنه ليس من حكم الثمن تقديم تسليمه على تسليم المبيع (١). * * *

стр. 1130

المبحث الثاني حبس المبيع والثمن حال الفرع الأول حبس المبيع والثمن عين [م - ٢٢٩] هل يملك البائع حبس المبيع من أجل استلام ثمنه أولًا إذا كان الثمن عينًا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ليس له الحق في حبس المبيع، بل يسلما معًا، وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: إذا حبس كل واحد منهما ما في يده، لم يجبر أي واحد منهما على التسليم،

стр. 1131

بل يتركان حتى يصطلحا، فإذا تطوع أحدهما بالتسليم أجبر الآخر، وهذا قول في مذهب المالكية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢). القول الثالث: يجعل بينهما عدل يقبض منهما، ويسلم إليهما. وهذا قول في مذهب المالكية (٣)، والأصح عند الشافعية (٤) والمذهب عند الحنابلة (٥).

стр. 1132

القول الرابع: يجبر البائع على دفع السلعة، وهو قول في مذهب المالكية (١) وقول في مذهب الشافعية (٢) ورواية عن الإمام أحمد (٣). القول الخامس: يجبر المشتري أولًا على دفع الثمن، وهو قول في مذهب المالكية (٤). وجه من قال: يسلما معًا: لما كان الثمن عينًا لم يكن هناك فرق بين المبيع والثمن، فليس أحدهما أولى بتقديم التسليم من الآخر، فكان مقتضى المساواة بين المتبايعين التسليم معًا. وجه من قال: ينصب عدل يستلم منهما، ويسلمهما: بأنه لما وجب لكل واحد من المتعاقدين علي الآخر ما قد استحق قبضه بموجب العقد، فالبائع يستحق تسلم الثمن، والمشتري يستحق تسلم المبيع، وليس هناك أحد أولى من الآخر بالتسليم، ولم يتراضيا على البداءة بالتسليم، فيجبر كل واحد منهما على قضاء صاحبه حقه عن طريق العدل الذي ينصب لهذه المهمة. وجه من قال: يجبر البائع: استدل له ابن قدامة بدليلين:

стр. 1133

أحدهما: أن الذي يتعلق به استقرار البيع، وتمامه، هو المبيع، فوجب تقديمه. الثاني: أن الثمن لا يتعين بالتعيين، فأشبه غير المعين (١). وجه من قال: يجبر المشتري: ذكر هذا القول ابن القصار من المالكية كما نقلناه عنه في معرض الأقوال، ولم يذكر دليله، وقد يستدل له بأن المشتري عادة هو من يطلب الشراء من البائع، فلا يحق له المطالبة بأخذ المبيع حتى يسلم عوضه. الترجيح: بعد ذكر الأقوال وأدلتها، أجد أن أقوى الأقوال من يرى المساواة بين البائع والمشتري، لأنه لا يوجد فرق بين المبيع والثمن، فكلاهما عين، فلا يوجد مبرر في تقديم أحدهما على الآخر، ومثل ذلك لو كان العقد من باب بيع الدين بالدين، كما في عقد الصرف على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين، فإنه يجب على العاقدين التسليم معًا، والله أعلم.

стр. 1134

الفرع الثاني حبس المبيع والثمن حال في الذمة [م - ٢٣٠] إذا اختلف العاقدان في التسليم، وكان الثمن في الذمة، كما لو باعه بدراهم غير معينة، أو معينة على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين، أو باعه عينًا بدين. فإن كان الثمن مؤجلًا فلا يحق للبائع حبس المبيع، وقد بينا ذلك. وإن كان الثمن حالًا في الذمة، فهل يملك البائع حق حبس المبيع؟ اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: يجبر المشتري على التسليم أولًا، ثم يلزم البائع بتسليم المبيع، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول للشافعية (٣). القول الثاني: يجبر البائع بتسليم المبيع أولًا، ولا يحق له حبس المبيع على الثمن. وهذا هو الأظهر عند الشافعية، و المذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 1135

القول الثالث: يلزم الحاكم بإحضار كل واحد ما عليه، فإذا أحضرا سلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري، يبدأ بأيهما شاء، أو يأمرهما بالوضع عند عدل، ليفعل العدل ذلك، وهذا قول في مذهب الشافعية (١). القول الرابع: لا يجبر أي واحد منهما، بل يمنعان من التخاصم، فإذا تطوع أحدهما بالتسليم أجبر الآخر، وهذا قول في مذهب الشافعية (٢). وجه من قال: يجبر المشتري أولًا: لما كان عقد البيع عقد معاوضة، وكانت المساواة في عقود المعاوضة مطلوبة للمتعاوضين، وتحقيق المساواة هنا إنما يتحقق بأن نجعل الثمن يتعين كما تعين المبيع، فإذا كان المبيع قد تعين بمجرد العقد، فإن الثمن لا يتعين إلا بالقبض،

стр. 1136

فيجبر المشتري على التسليم أولًا، ليتعين الثمن، كما تعين المبيع، هذا هو مقتضى المساواة بين المتعاوضين. ونوقش هذا: القول بأن الثمن لا يتعين إلا بالقبض ليس محل اتفاق، وعلى التسليم بأنه لا يتعين إلا بالقبض، لا يلزم منه اشتراط التسليم، وإنما يلزمه إحضار الثمن، فإذا أحضر كل واحد منهما ما يجب عليه تسليمه، فقد تحققت المساواة بينهما، فيتم التسليم معًا، أو بتنصيب عدل يستلم منهما، ويسلمهما، هذا هو الذي يحقق المساواة بينهما، وينزع الخوف منهما. وجه من قال: يجبر البائع: أن حق المشتري متعلق بعين المبيع، وحق البائع متعلق بذمة المشتري، وما تعلق بالعين مقدم على ما تعلق بالذمة. ولذلك قال الفقهاء: ما تعلق بالعين مقدم على ما تعلق بالذمة (١). وقال الفقهاء أيضًا: من وجد عين ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به. وقالوا أيضًا: «إذا تزاحم حقان في محل: أحدهما متعلق بذمة من هو عليه، والآخر متعلق بعين من هي له، قدم الحق المتعلق بالعين على الآخر؛ لأنه يفوت بفواتها، بخلاف الحق الآخر» (٢). وجه من قال: يستلم الحاكم أو العدل منهما، ويقوم بالتسليم نيابة عنهما: لما وجب على كل واحد منهما تسليم ما في يده، ولم يكن أحدهما أولى

стр. 1137

بالتقديم من الآخر، وجب أن يقوم الحاكم، أو العدل بالاستلام منهما، والتسليم لهما، هذا هو مقتضى العدل بين المتعاقدين. وجه من قال: لا يجبر أي واحد منهما، فإذا سلم أحدهما أجبر الآخر: لا يوجد ما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، فيتركا حتى يصطلحا، أو يتبرع أحدهما بالتسليم فيجبر الآخر. الراجح: الذي أميل إليه أن القول بأن الحاكم يستلم منهما، ويقوم بتسليمهما، أو يعين عدل يقبض منهما، ويسلمهما، هذا فيه عدل لكل واحد منهما، ولا أعلم نصًا يقتضي إجبار أحد المتعاقدين قبل الآخر، والله أعلم. * * *

стр. 1138

الفرع الثالث حبس المبيع ببعض الثمن [م - ٢٣١] لو نقد المشتري بعض الثمن، وبقي بعضه، فهل للبائع أن يحبس جميع المبيع ببعض الثمن، أو يسلم من المبيع ما يقابله من الثمن؟ اختلف العلماء في ذلك: قال الكاساني: «ولو نقد الثمن كله إلا درهمًا، كان له حق حبس المبيع جميعه لاستيفاء الباقي؛ لأن المبيع في استحقاق الحبس بالثمن لا يتجزأ، فكان كل المبيع محبوسًا بكل جزء من أجزاء الثمن» (١). وجاء في كتاب الإنصاف: «لو أحضر نصف الثمن، فهل يأخذ المبيع كله أو نصفه أو لا يأخذ شيئًا حتى يزن الباقي ... قال في الرعاية: يحتمل وجهين .... قلت - والقائل المرداوي-: أما أخذ المبيع كله ففيه ضرر على البائع، وكذا أخذ نصفه للتنقيص، فالأظهر أنه لا يأخذ شيئًا من المبيع، حتى يأتي بجميع الثمن» (٢). قلت: هذا التنظير ليس موافقًا للمذهب، فإن القول في مذهب الحنابلة يقضي بأن البائع ليس له الحق في حبس المبيع (٣).

стр. 1139

وقد جاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية: «إذا كان المبيع مما لا ينقصه التفريق، فأحضر المشتري بعض الثمن، فله أخذ ما يقابله من المبيع، أما إذا نقصه التفريق فليس له ذلك» (١). ومن لم أقف له على نص في بقية المذاهب فيمكن تخريج هذه المسألة في مذهبهم على مسألة أخرى مشابهة، فقد تكلموا في مسألة الراهن لو قضى بعض الحق الذي عليه، فهل ينفك شيء من الرهن بقضاء بعض الدين، أو يبقى الرهن جميعه مرهونًا بما تبقى من الدين؟ وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أن الرهن لا ينفك ما بقي في الدين درهم (٢).

стр. 1140

قال في الجوهرة النيرة: «وإن قضاه البعض فله أن يحبس كل الرهن حتى يستوفي البقية، اعتبارًا بحبس المبيع حتى يستوفي الثمن» (١). وجاء في أسنى المطالب: «ولا ينفك شيء من الرهن ما بقي من الدين شيء، للإجماع كما قاله ابن المنذر، وكحق حبس المبيع» (٢). والإجماع الذي نسبه إلى ابن المنذر هذا نصه: قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن من رهن شيئًا بمال، فأدى بعض المال، وأراد إخراج بعض الرهن، أن ذلك ليس له، ولا يخرج شيء حتى يوفيه آخر حقه، أو يبرئه من ذلك» (٣). ومثل هذه المسألة ما لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثمن، فله أن يحبس المبيع حتى يستوفي الباقي. قال في الجوهرة النيرة: «ولو أبرأ المشتري عن بعض الثمن، كان له الحبس حتى يستوفي الباقي؛ لأن البراءة كالاستيفاء، ولو استوفى البعض كان له الحبس بما بقي» (٤). * * *

стр. 1141

الفرع الرابع إذا اشترى شيئين فأدى أحدهما [م - ٢٣٢] إذا باع الرجل شيئين صفقة واحدة، فوفى المشتري أحدهما، فهل يجب على البائع تسليم ما استلم ثمنه، أو يحق له حبس جميع المبيع على بقية الثمن؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: له حبس الجميع، حتى يستوفي جميع الثمن، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية (١). قال الكاساني: «لو باع شيئين صفقة واحدة وسمى لكل واحد منهما ثمنًا، فنقد المشتري حصة أحدهما، كان للبائع حبسهما حتى يقبض حق الآخر، لما قلنا؛ ولأن قبض أحدهما دون الآخر تفريق الصفقة الواحدة في حق القبض والمشتري لا يملك تفريق الصفقة الواحدة في حق القبول، بأن يقبل الإيجاب في أحدهما دون الآخر، فلا يملك التفريق في حق القبض أيضًا؛ لأن للقبض شبهًا بالعقد وكذلك لو أبرأه من حصة أحدهما فله حبس الكل لاستيفاء الباقي، لما ذكرنا» (٢). وجاء في مغني المحتاج: «ولو اشترى شخص شيئًا بوكالة اثنين، ووفى نصف الثمن عن أحدهما، كان للبائع الحبس حتى يقبض الكل، بناء على أن الاعتبار بالعاقد» (٣).

стр. 1142

القول الثاني: ذهب الحنابلة في وجه مرجوح عندهم إلى أن العبرة في المعقود عليه. جاء في مجلة الأحكام الشرعية: «إذا كان المبيع مما لا ينقصه التفريق، فأحضر المشتري بعض الثمن، فله أخذ ما يقابله من المبيع، أما إذا نقصه التفريق فليس له ذلك» (١). وجاء في كشاف القناع: «وإن أحضر المشتري بعض الثمن لم يملك أخذ ما يقابله من الثمن، إن نقص الباقي بالتنقيص، وقلنا: للبائع حبس المبيع على ثمنه، وإلا فله أخذ المبيع» (٢). الراجح: أرى أن مذهب الشافعية هو أعدل الأقوال، والله أعلم. * * *

стр. 1143

الفرع الخامس إذا باع شيئين صفقة واحدة على اثنين [م-٢٣٣] إذا باع الرجل صفقة واحدة على اثنين، فسلم أحدهما فهل يحبس الجميع اعتبارًا بالصفقة، أو يسلم أحدهما اعتبارًا بالعاقد؟ القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن له أن يحبس الجميع اعتبارًا بالصفقة. قال الكاساني: «لو باع من اثنين، فنقد أحدهما حصته، كان له حق حبس المبيع حتى يقبض ما على الآخر» (١). وجه هذا القول: أن الصفقة واحدة، فلا تحتمل التفريق في البعض كما لا تحتمله في القبول، فإذا كان لا يملك تفريق الصفقة الواحدة في حق القبول، بأن يقبل الإيجاب في أحدهما دون الآخر، فلا يملك التفريق في حق القبض، فالمبيع في حق الاستحقاق لحبس الثمن لا يحتمل التجزؤ، فكان استحقاق بعضه استحقاق كله. القول الثاني: إذا سلم أحدهما ما عليه استلم ما يخصه من المبيع اعتبارًا بالعاقد، وهذا اختيار أبي يوسف، والمذهب عند الشافعية. «روي عن أبي يوسف ﵀ في (النوادر) أنه إذا نقد أحدهما نصف الثمن يأخذ نصف المبيع» (٢).

стр. 1144

جاء في مغني المحتاج: إذا «باع منهما، ولكل منهما نصف، وأعطى أحدهما البائع النصف من الثمن، سلم إليه البائع نصفه من المبيع؛ لأنه سلمه جميع ما عليه، بناء على أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري» (١). ولأن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن، فإذا أدى النصف فقد أدى ما وجب عليه، فلا معنى لتوقف حقه في قبض المبيع على أداء صاحبه. * * *

стр. 1145

المبحث الثالث في حبس المبيع في حال تقديم الرهن والكفيل [م - ٢٣٤] إذا أعطى المشتري رهنًا، أو كفيلًا بالثمن، فهل يسقط حق البائع في حبس المبيع؟ هذه المسألة مبنية، على أن للبائع حق حبس المبيع، إلى أن يستلم الثمن، ولم أجد من يقول بحبس المبيع إلا الحنفية والمالكية؛ لأن هذه المسألة كما بينا مبنية على مسألة من يطالب بالتسليم أولًا؟ وقد عرفنا من خلال البحوث السابقة ما يلي: أولًا: إذا كان الثمن مؤجلًا، لا يحق للبائع أن يحبس المبيع، إلا برضا المشتري، وهذا قول عامة الفقهاء كما سبق بحثه. ثانيًا: إذا كان الثمن عينًا، فإنه لا يحق للبائع حبس المبيع عند الحنفية؛ لأنهم يرون أن التسليم يتم معًا، وبالتالي فليس هناك أحد يطالب بالتسليم أولًا، ليكون من حق الثاني حبس ما في يده، حتى يقوم الأول بدفع ما وجب عليه. وكذلك عند من يقول: يجعل بينهما عدل يقبض منهما، ويسلم إليهما، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وقول في مذهب المالكية. ثالثًا: كذلك لا يحق له حبس المبيع عند من يقول: يجبر البائع على دفع السلعة أولًا، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد؛ لأن البائع إذا كان مطالبًا بالتسليم أولًا، لم يحق له حبس المبيع. وقد سبق بحث هذه الأقوال معزوة إلى كتب أهلها، وبيان أدلتهم فيما قالوه.

стр. 1146

رابعًا: إذا كان الثمن حالًا في الذمة وليس عينًا، فقد اختلف العلماء في من يطالب بالتسليم أولًا، فالشافعية والحنابلة يرون أن المطالب بالتسليم هو البائع، وبالتالي لا يحق له حبس المبيع، وقيد الشافعية ذلك ما لم يخف البائع فوات الثمن (١). وأما الحنابلة في المشهور فقد صرحوا بأنه ليس للبائع الحق في حبس المبيع مطلقًا. قال ابن قدامة: «ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده، باختيار البائع وبغير اختياره؛ لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن» (٢). بقي عندنا مذهب الحنفية والمالكية الذين يقولون: إن المطالب هو المشتري

стр. 1147

بالتسليم أولًا، فهذه المسألة: أعني (حبس المبيع في حال تقديم المشتري رهنًا أو كفيلًا) لا تأتي إلا على هذين المذهبين فقط، ولم أجد في كتب المالكية من تعرض لهذه المسألة، وأما الحنفية فقد توجهوا لها، وتكلموا عليها في كتبهم. جاء في تبيين الحقائق: «ولو دفع المشتري إلى البائع بالثمن رهنًا أو تكفل به كفيل لا يسقط حق الحبس» (١). وجاء في فتح القدير: «وللبائع حبس المبيع، ولو بقي من ثمنه درهم، ولا يسقط حق حبس البائع للمبيع، ولو أخذ بالثمن كفيلًا، أو رهن المشتري به رهنًا» (٢). وعلل ذلك في تحفة الفقهاء: بأن هذا وثيقة بالثمن، فلا يبطل حقه في حبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن (٣). * * *

стр. 1148

المبحث الرابع قبض المشتري للمبيع هل يسقط به حق الحبس [م - ٢٣٥] إذا قبض المشتري المبيع، هل يسقط حق البائع في حبس المبيع، أو له أن يطالب باسترداده، ليحبسه على ثمنه؟ فيه تفصيل: إن كان قبضه للمبيع بلا إذن من البائع فلا يسقط حق البائع في حبس المبيع، فله أن يطالب باسترداده، وحبسه إلى حين استلام ثمنه. وإن كان قبضه للمبيع بإذن من البائع، أو أنه رآه، فسكت، فليس له أن يطالبه برده. جاء في البحر الرائق: «ولو قبضه المشتري بغير إذن لم يسقط حقه في الحبس» (١). وجاء فيه أيضًا: «إذا قبضه المشتري بمرأى من البائع، فسكت، صح، وسقط حق الحبس بالثمن» (٢). وجاء في الفتاوى الهندية: إذا «سلم بغير قبض الثمن، أو قبض المشتري بإجازة البائع لفظًا، أو قبضه، وهو يراه، ولا ينهاه، ليس له أن يسترده ليحبسه بالثمن، وإن قبضه بغير إذنه له أن ينقض قبضه» (٣). وجاء في غمز عيون البصائر: «سكوت البائع الذي له حق حبس المبيع حين رأى المشتري قبض المبيع إذن بقبضه، صحيحًا كان البيع، أو فاسدًا» (٤).

стр. 1149

وجاء في مغني المحتاج: «ولو أخذ المشتري المبيع بغير إذن البائع، حيث له حق الحبس، فله الاسترداد» (١). أما إذا كان بإذن البائع، فقال في روضة الطالبين: «ولو تبرع بالتسليم لم يكن له رده إلى حبسه» (٢). * * *

стр. 1150

فرع إذا أودع المبيع أو أعاره للمشتري هل يسقط حق البائع بالحبس [م - ٢٣٦] إذا أودع المبيع أو أعاره للمشتري، فهل يبطل حق البائع في حبس المبيع؟ اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: يبطل حق البائع في حبس المبيع، ولا يملك استرداده في ظاهر الرواية عند الحنفية (١). وجه ظاهر الرواية: «إذا وقعت العارية، أو الوديعة في يد المشتري، وقعت بجهة الأصالة، وهي يد الملك، ويد الملك يد لازمة، فلا يملك إبطالها بالاسترداد (٢). القول الثاني: لا يبطل حق البائع في الحبس، وله أن يسترده، وهذا القول مروي عن أبي يوسف من الحنفية (٣). وجه هذا القول: أن عقد الإعارة، والإيداع ليس بعقد لازم، فكان له ولاية الاسترداد،

стр. 1151

كالمرتهن إذا أعار الرهن من الراهن، أو أودعه إياه، له أن يسترده لما قلنا، كذا هذا. القول الثالث: التفريق بين الإيداع والإعارة، فإن أودعه كان له أن يسترده، وإن أعاره لم يكن له ذلك، وهذا مذهب الشافعية. جاء في مغني المحتاج: «ولو أودعه كان له استرداده، إذ ليس في الإيداع تسليط، بخلافه في الإعارة» (١). وقال في روضة الطالبين: «ولو تبرع بالتسليم لم يكن له رده إلى حبسه، وكذا لو أعاره للمشتري، ولو أودعه إياه فله ذلك» (٢). * * *

стр. 1152

المبحث الخامس الحوالة بالثمن هل تسقط حق الحبس [م - ٢٣٧] إذا أحال المشتري البائع على شخص لأخذ ثمن المبيع، فهل يسقط حق البائع في حبس المبيع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يسقط حق البائع في حبس المبيع، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف (١)، ومذهب الشافعية (٢). وجه هذا القول: بأن البائع لما قبل الحوالة، فقد برئت ذمة المشتري من دين البائع، فالحوالة بمنزلة القبض، فكأن البائع قد قبض الثمن، لأن الحوالة بمنزلة القبض حكمًا، فكان من حق المشتري استلام المبيع. القول الثاني: إذا أحال المشتري البائع بالثمن لم يبطل حقه بالحبس، وهذا رأي محمد

стр. 1153

ابن الحسن من الحنفية (١). قال في بدائع الصنائع: «أبو يوسف أراد بقاء الحبس على بقاء الدين في ذمة المشتري، وذمته برئت من دين المحال بالحوالة، فيبطل حق الحبس، ومحمد اعتبر بقاء حق المطالبة لبقاء حق الحبس، وحق المطالبة لم يبطل بحوالة المشتري» (٢). والخلاف بين القولين راجع إلى الخلاف في توصيف عقد الحوالة: فمن قال: إن الحوالة تنقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبرأ المحيل من الدين رأى أن الحوالة تسقط حق البائع في حبس المبيع. وهذا رأي جمهور الفقهاء. ومن قال: إن الحوالة لا تنقل الدين، وإنما تنقل المطالبة فقط، رأى أن الحوالة لا تسقط حق البائع في حبس المبيع. وهذا قول محمد بن الحسن، وقد تكلمنا عن توصيف عقد الحوالة في عقد الحوالة، فلله الحمد على فضله وكرمه. [م-٢٣٨] إذا علمنا الخلاف فيما لو أحال المشتري البائع على شخص، لأخذ الثمن، فهل يختلف الحكم فيما لو أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن، فهل يسقط حق البائع في حبس المبيع؟ قال في الجوهرة النيرة: «ولو أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن سقط الحبس إجماعًا .... لأن مطالبته سقطت كما لو استوفى» (٣).

стр. 1154

وقال في البحر الرائق: «ويسقط بحوالة البائع على المشتري بالثمن اتفاقًا» (١). والخلاف في حبس المبيع يجري في حق الزوجة في حبس نفسها إذا أحالها الزوج بصداقها، والله أعلم. إذا علمنا الخلاف فيما لو أحال المشتري البائع على شخص، لأخذ الثمن، فهل يختلف الحكم فيما لو أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن، فهل يسقط حق البائع في حبس المبيع. قال في الجوهرة النيرة: «ولو أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن سقط الحبس إجماعًا .... لأن مطالبته سقطت كما لو استوفى» (٢). وقال في البحر الرائق: «ويسقط بحوالة البائع على المشتري بالثمن اتفاقًا» (٣). * * *

стр. 1155

الفصل الخامس فيما يختص بالثمن من الأحكام [م - ٢٣٩] سبق لنا أن ذكرنا تعريف الثمن عند الكلام على تعريف المبيع، كما سبق لنا أن ذكرنا جملة من شروط الثمن ذكرناها ضمن الكلام على شروط المعقود عليه (المبيع والثمن)، وسنذكر في هذه المباحث إن شاء الله تعالى بعض الأحكام المختصة بالثمن لنكون بذلك قد أتممنا والحمد لله أحكام المعقود عليه، لننتقل بعد ذلك إلى موانع البيع، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 1156

المبحث الأول في أنواع الثمن الفرع الأول في تعجيل الثمن [م - ٢٤٠] حلول الثمن هو الأصل في البيع، إذ يقتضي عقد البيع تسليم المبيع إلى المشتري، وتسليم الثمن إلى البائع إلا أن يمنع من ذلك عرف، أو شرط. جاء في مجلة الأحكام العدلية: «البيع المطلق ينعقد معجلًا، أما إذا جرى العرف في بلدة على أن يكون البيع المطلق مؤجلًا، أو مقسطًا إلى أجل معلوم ينصرف البيع المطلق إلى ذلك الأجل» (١). ويقول ابن عبد البر: «الثمن أبدًا حال، إلا أن يذكر المتبايعان له أجلًا، فيكون إلى أجله» (٢). إلا أن هناك في بعض البيوع ما يعتبر التعجيل شرطًا في بقائه على الصحة، كما في رأس مال السلم، وبيع الأثمان بعضها ببعض، وبيع الربويات بعضها ببعض. * * *

стр. 1157

المسألة الأولى وجوب تعجيل الثمن في عقد الصرف [م - ٢٤١] اتفق الأئمة على تحريم تأجيل القبض في عقد الصرف. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المتصارفين إذا تفرقا قبل أن يتقابضا، أن الصرف فاسد» (١). واختلفوا في وجوب الفورية: فرأى مالك أن القبض في عقد الصرف يجب أن يكون فورًا، ولا يجوز التراخي فيه، ولو كان العاقدان في المجلس (٢). وذهب الجمهور إلى جواز التراخي في القبض ما دام العاقدان في مجلس العقد (٣). وسيأتي بحث هذه المسألة، وذكر أدلتها في باب الربا والصرف إن شاء الله تعالى، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته. * * *

стр. 1158

المسألة الثانية تعجيل الثمن في بيع الأموال الربوية [م - ٢٤٢] اتفق الفقهاء على تحريم النسأ (التأجيل) في بيع الأموال الربوية بعضها ببعض، ولو اختلف جنسها إذا كانت العلة واحدة (١). واختلفوا في كيفية القبض: فقيل: يكفي فيها التعيين، ولو لم يحصل تقابض باليد. وهذا مذهب الحنفية. جاء في الدر المختار: «والمعتبر تعيين الربوي في غير الصرف، ومصوغ ذهب وفضة، بلا شرط تقابض، حتى لو باع برًا ببر بعينهما، وتفرقا قبل القبض جاز» (٢). وقيل: لا بد من التقابض، وهو مذهب الجمهور (٣).

стр. 1159

وقد تناولنا عند الكلام على قبض المبيع أدلة كل فريق، فأغنى عن إعادته هنا، كما سيأتي بسط آخر لهذه المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب الربا بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 1160

المسألة الثالثة في تعجيل رأس مال السلم [م - ٢٤٣] اختلف العلماء في حكم تعجيل ثمن المسلم فيه في مجلس العقد. فقيل: يجب تعجيل ثمن السلم في مجلس العقد، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: يجوز تأخير اليومين والثلاثة بالشرط وبدونه، وأما تأخيره بالشرط زيادة على الثلاثة فمفسد للعقد، وأما التأخير أكثر من ثلاثة أيام بغير شرط، ففي الفساد فيه قولان، بشرط ألا يبلغ التأخير أجل المسلم فيه، وهذا مذهب المالكية (٢). وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط أدلة الأقوال في المسألة في كتاب السلم، وهل هناك فرق بين أن يكون الثمن في السلم معينًا، أو يكون في الذمة، أسأل الله أن يبلغنا ذلك بحوله وقوته. * * *
следующие страницы →