← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أخذه من وجهه» (١). فقوله في حده (ما يقع عليه الملك) يشمل الأعيان كما يشمل المنافع؛ لأنه يقع عليهما الملك. وقوله: (ويستبد به المالك عن غيره) إشارة إلى أن المقصود مما يقع عليه الملك مما له قيمة بين الناس، وليس المقصود ما يقع عليه الملك مما لا قيمة له فإنه لا يعتبر والحالة هذه مالًا، بل صرح بعضهم بأن ما لا قيمة له (أي منفعة) لا يقع عليه الملك (٢). وينتقد التعريف بأنه لم يصرح بأن تكون العين أو المنفعة مأذونًا له شرعًا بالانتفاع بها، فإن هناك أشياء قد يستبد بها المالك عن غيره، ويجوز له الانتفاع بها، ولا تعتبر مالًا كشحوم الميتة وجلودها على المشهور من مذهب المالكية فإنهم يبيحون الانتفاع بها، ولا يجيزون بيعها (٣). وعرفه النفرواي بقوله: «حقيقة المال: كل ما ملك شرعًا، ولو قلَّ» (٤). فيفهم من هذا التعريف أن الأعيان قبل تملكها لا يطلق عليها مال، مثل السمك في البحر، والطير في الهواء، ولو قال: كل ما يمكن تملكه شرعًا لشمل الأعيان قبل وبعد تملكها.

стр. 107

وقال ابن العربي: «وتحقيق المال: ما تتعلق به الأطماع، ويعد للانتفاع، هذا رسمه في الجملة ... يترتب عليه أن منفعة الرقبة في الإجارة مال، وأن منفعة التعليم للعلم كله مال ... وأما عتق الأمة فليس بمال، وقال أحمد بن حنبل: هو مال يجوز النكاح بمثله؛ لأن النبي ﷺ جعله صداقًا في نكاحه لصفية بنت حيي (١) .... وقال علماؤنا: كان النبي ﷺ مخصوصًا في النكاح وغيره بخصائص، ومن جملتها أنه كان ينكح بغير ولي ولا صداق» (٢). والحق أن العتق مال، لأن العبد في نفسه مال من الأموال، فعتقه إخراج لهذا المال من ملكه. وقال القرافي في الذخيرة: «والأعيان على ثلاثة أقسام: ما اتفق على جواز بيعه وقبوله للملك والمالية كالدار والعبد. وما اتفق على منع بيعه وقبوله للمالية، إما لعدم اعتباره شرعًا كالمحرمات من الميتة وغيرها، أو لعدم القيمة فيه عرفًا كالنظر إلى السماء، والتوجه تلقاء الهواء .... وغير ذلك. وما اختلف فيه هل هو من القسم الأول أو الثاني» ثم ذكر من أمثلته بيع المصحف وإجارته وتعليم القرآن والفقه ونحوهما (٣). المال في اصطلاح الشافعية: قال الشافعي: «ولا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها، وتكون إذا

стр. 108

استهلكها مستهلك أدى قيمتها وإن قلت» (١). وقال السيوطي: «قال الشافعي: لا يقع اسم مال إلا على ماله قيمة يباع بها، وتلزم متلفه، وإن قلت، وما لا يطرحه الناس، مثل الفلس وما أشبه ذلك» (٢). فقوله: (ما له قيمة بين الناس): أخرج ما ليس له قيمة فلا يعد مالًا. قال في الإقناع: «ولا يصح بيع ما لا منفعة فيه؛ لأنه لا يعد مالًا، فأخذ المال في مقابلته ممتنع، للنهي عن إضاعة المال ... » (٣). قال الغزالي: «وما لا منفعة له ثلاثة أقسام: أحدها: أن تسقط المنفعة للقلة، كالحبة من الحنطة ... فمن أتلفه فلا شيء عليه إذ لا قيمة له، وقال القفال: عليه مثله إن كان من ذوات الأمثال .... الثاني: أن تسقط منفعته لخسته، كحشرات الأرض من الخنافس والعقارب ... الثالث: ما سقطت منفعته شرعًا كالمعازف ... » (٤).

стр. 109

وقول السيوطي: «وتلزم متلفه» أخرج الكلب ونحوه مما له منفعة مباحة مقيدة بالحاجة أو الضرورة، فإذا أتلفه أحد لم تلزمه قيمته، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى ذكر خلاف العلماء في بيع الكلب (١). المال في اصطلاح الحنابلة: عرفه البهوتي بقوله: «والمال عين مباحة النفع بلا حاجة» (٢). وينتقد هذا التعريف بإخراجه المنافع والديون من المالية؛ لأن المنفعة والدين ليست عينًا، والمذهب الحنبلي يعتبر المنفعة والدين مالًا كما سيأتي تحريره في فصل مستقل إن شاء الله تعالى. وعرفه بعضهم: «المال شرعًا: ما يباح نفعه مطلقًا في كل الأحوال ...

стр. 110

ويباح اقتناؤه بلا حاجة» (١). فخرج بقوله: (ما يباح نفعه) ما لا نفع فيه كالحشرات. وما فيه نفع محرم كالخمر. وما لا يباح نفعه لنجاسته كالميتة. وخرج بقوله: (يباح نفعه في كل الأحوال) جلد ميتة دبغ فإن الحنابلة لا يجيزون الانتفاع به إلا في اليابسات فقط، وقد فصلت مذهبهم في كتاب أحكام الطهارة، وبينت الراجح. وخرج بقوله: (يباح اقتناؤه بلا حاجة) ما أبيح بقيد الحاجة فلا يعتبر مالًا كالكلب، وكذلك ما أبيح الانتفاع به بقيد الضرورة كأكل الميتة من باب أولى. * * *

стр. 111

المبحث الثاني في اشتراط إباحة الانتفاع كل ما لا ينتفع به فليس بمال، سواء كان ذلك لتحريمه كالخمر، أو لقلته كحبة الأرز، أو لخسته كبعض الحشرات (١). وقال ابن عبد البر: كل ما تملك وتمول فهو مال (٢) [م - ٩] يشترط الجمهور في المال أن يكون الانتفاع به مباحًا، فالشيء إذا لم يكن مما يباح الانتفاع به شرعًا فليس بمال أصلًا. وأما الحنفية فلا يشترطون في المالية إباحة الانتفاع، وهذا الذي دفعهم إلى تقسيم المال إلى متقوم وغير متقوم، ليخرجوا ما لا يحل الانتفاع به من الأموال عن أن يكون محلًا للعقد، نظرًا لعدم تقومه. يقول ابن عابدين في حاشيته: «المال أعم من المتقوم (٣) ; لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة فالخمر مال لا متقوم ... » (٤). وقال أيضًا: «فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم .. » (٥). وقول الجمهور هو الصواب. * * *

стр. 112

المبحث الثالث في اشتراط الادخار للمال [م -١٠] هذا هو الخلاف الثاني بين الحنفية والجمهور: فالحنفية يشترطون الادخار في المال، فالذي لا يمكن ادخاره لا يصلح أن يكون مالًا، وقد سبق نقل كلامهم عند تعريف المال. وهذا الشرط أخرج منافع الأعيان فلا تعتبر مالًا عندهم، كما أخرج الديون المتعلقة بالذمة حال تعلقها، لأنها أوصاف، وليست أعيانًا، فإذا قبضها صارت مالًا لتحولها من وصف إلى عين، ولإمكان ادخارها حينئذٍ. بل ذهب الحنفية إلى عدم القطع في السرقة إلا في مال يمكن ادخاره. يقول السرخسي: «ولا قطع على سارق الخبز واللحم والفاكهة والرمان والعنب والبقول والرياحين والحناء والوسمة سواء سرق من شجره أو من غير شجره عندنا .... » (١). وعلل ذلك بقوله: «لأن في مالية هذه الأشياء نقصانًا; لأن المالية بالتمول وذلك بالصيانة والادخار لوقت الحاجة ولا يتأتى ذلك فيما يتسارع إليه الفساد فيتمكن النقصان في ماليتها وفي النقصان شبهة العدم ... » (٢). بينما الجمهور لا يشترطون الادخار في المال، بل يرون مالية المنافع والديون والحقوق كما سيأتي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 113

المبحث الرابع في اشتراط الطهارة في المال [م-١١] وهذا هو الخلاف الثالث بين الحنفية والجمهور في حقيقة المال، وذلك اختلافهم في اشتراط الطهارة في المال، أو بعبارة أخرى هل يعتبر النجس مالًا؟ فالحنفية علقوا جواز بيع النجس على جريان الانتفاع، فما جرى الانتفاع به بين المسلمين، واعتادوا تموله من غير نكير جاز بيعه وإن كان نجسًا، وما لم تجر العادة بتموله لم يجز بيعه، وفي الجملة هم يقسمون النجس إلى ثلاثة أقسام: الأول: نجس العين الذي لم يجر العمل على الانتفاع به، فهذا لا يجوز بيعه، وإذا قال الحنفية عن شيء: إنه نجس العين فمعنى ذلك أن نجاسته نجاسة مغلظة غالبًا. قال القدوري: «وإنما معنى قولنا: نجس العين: ما تغلظت نجاسته» (١)، وهذا يعني أنهم لا يطلقون كلمة نجس العين على كل نجس في الغالب. قال في الهداية: «ولا يجوز بيع شعر الخنزير؛ لأنه نجس العين ... » (٢).

стр. 114

فهذا الكلام في نجس العين الذي لم يجر العمل على الانتفاع به، وكانت نجاسته مغلظة. الثاني: ما كانت نجاسته غير مغلظة، وجرى الانتفاع به من غير نكير فيجوز بيعه، وإن كان نجسًا. وهذا مثل السرجين النجس. وجاء في تبيين الحقائق: «كره بيع العذرة لا السرقين، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيع السرقين أيضًا؛ لأنه نجس العين ... ولنا: أن المسلمين تمولوا السرقين، وانتفعوا به في سائر البلدان والأعصار من غير نكير، فإنهم يلقونه في الأراضي لاستكثار الريع بخلاف العذرة؛ لأن العادة لم تجر بالانتفاع بها ... » (١).

стр. 115

فهنا نص على أنهم حكموا عادة الناس بالانتفاع والتمول، ولم ينظروا إلى طهارة العين. وقال القدوري: «قال أصحابنا: يجوز بيع السرجين. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك. لنا أن الناس يتبايعونه للزرع، وفي سائر الأزمان من غير نكير ...... ولأن الناس استخفوا نجاسته بدلالة أنهم لا يتجنبونه في الطرق كتجنب النجاسات، ويطينون به السطوح، ومتى خفت نجاسته جاز بيعه، كالثوب النجس ..... وإنما معنى قولنا: نجس العين ما تغلظت نجاسته، ولا نسلم أن السرجين مغلظ النجاسة، فالوصف غير مسلم .... ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز استعمال العذرة والدم في الأراضي حتى يغلب التراب عليها، ويجوز استعمال السرجين من غير أن يخالطه شيء» (١). الثالث: ما كانت نجاسته عن مجاورة كالدهن والثوب النجس، فهذا يجوز بيعه. جاء في المبسوط: «مسألة الدهن إذا اختلط به ودك الميتة، أو شحم الخنزير وهي تنقسم ثلاثة أقسام: فإن كان الغالب ودك الميتة لم يجز الانتفاع بشيء منه، لا بأكل ولا بغيره من وجوه الانتفاع؛ لأن الحكم للغالب، وباعتبار الغالب هذا محرم العين غير منتفع به، فكان الكل ودك الميتة ... وكذلك إن كانا متساويين؛ لأن عند المساواة يغلب الحرام، فكان هذا كالأول. فأما إذا كان الغالب هو الزيت، فليس له أن يتناول شيئًا منه في حال الاختيار؛ لأن ودك الميتة وإن كان مغلوبًا مستهلكًا حكمًا، فهو موجود في هذا

стр. 116

المحل حقيقة، وقد تعذر تمييز الحلال من الحرام، ولا يمكنه أن يتناول جزءًا من الحلال إلا بتناول جزء من الحرام، وهو ممنوع شرعًا من تناول الحرام، ويجوز له أن ينتفع به من حيث الاستصباح، ودبغ الجلود بها؛ فإن الغالب هو الحلال، فالانتفاع إنما يلاقي الحلال مقصودًا ...... وكذلك يجوز بيعه مع بيان العيب عندنا، ولا يجوز عند الشافعي رحمه الله تعالى؛ لأنه نجس العين كالخمر، ولكنا نقول: النجاسة للجار، لا لعين الزيت، فهو كالثوب النجس يجوز بيعه، وإن كان لا تجوز الصلاة فيه» (١). فهنا الحنفية أجازوا بيع الزيت المتنجس والانتفاع به في غير الأكل بشرط أن يكون الزيت متنجسًا لا نجسًا، وأن يكون الزيت الطاهر هو الغالب، ففرقوا في الحكم بين بيع نجس العين مما لم يجر الانتفاع به كالخنزير فلا يجوز بيعه، ولا الانتفاع به، وبين نجس جرى الانتفاع به من غير نكير، فأجازوا بيعه والانتفاع به في غير الأكل كالسرجين، ومثله الزيت الطاهر تقع فيه النجاسة فتنجسه، ويكون الزيت هو الغالب فيجوز بيعه والانتفاع به. وأجاز الحنابلة في قول في المذهب بيع النجس إذا كان مشتملًا على نفع (٢)،

стр. 117

وهو اختيار ابن حزم (١)، وابن القاسم من المالكية (٢). وقيل: نجس العين لا يجوز بيعه، وكذا المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، وهو مذهب الجمهور، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).

стр. 118

واستدلوا بما ثبت من الأحاديث الصحيحة في النهي عن بيع الميتة، والخنزير، والخمر، والدم، والكلب، فهذه الأعيان نجسة، وقاسوا عليها سائر الأعيان النجسة. وسوف يأتي في كتاب موانع البيع حكم بيع هذه الأعيان إن شاء الله، وما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة، كما سيأتي في شروط المعقود عليه خلاف أهل العلم في طهارة المعقود عليه، مع ذكر الأدلة ومناقشتها، فانظره هناك، وإنما اقتضى هنا التنبيه في خلاف الحنفية مع الجمهور حول حقيقة المال. هذه المسائل تقريبًا التي خالف فيها الحنفية جمهور الفقهاء فيما يتعلق بحقيقة المال. * * *

стр. 119

المبحث الخامس في عناصر المالية من خلال التعريفات السابقة في المال، ومن خلال دراسة الفروق بين مذهب الحنفية ومذهب الجمهور نستطيع أن نتبين عناصر المالية على القول الصحيح فيما يلي: الأول: أن يأذن الشارع بتملكه، فما نهى الشرع عن تملكه، أو كان الشيء بطبيعته لا يقبل الملكية فلا يعتبر مالًا. قال ابن عبد البر ﵀: «المعروف من كلام العرب أن كل ما تملك وتمول فهو مال». ثم قال أبو عمر: «وهذا أبين من أن يحتاج فيه إلى استشهاد .... لأن العلم محيط، واللسان شاهد في أن ما تملك وتمول يسمى مالًا .. » (١). وفي القاموس: «المال ما ملكته من كل شيء» (٢). وفي اللسان: «المال معروف: ما ملكته من جميع الأشياء» (٣). فما لا يقبل الملكية لا يمكن أن يكون مالًا كالصحة والشرف والشجاعة والذكاء والهواء في الجو، والماء في البحر، والشمس والنجوم. الثاني: أن يكون مشتملًا على منفعة مباحة شرعًا واعتاد الناس تمولها (٤).

стр. 120

فقولنا: (أن يكون مشتملًا على منفعة) لا بد من اشتمال العين على منفعة وإن قَلَّت، والمنفعة قد تقوم في مكان دون آخر، وفي عصر دون عصر، فالماء العذب في وسط البحر نفيس جدًا لقلة المياه العذبة فيه، وإذا استغنى الناس عن شيء، ولم يعد الناس محتاجين إليه فقد ماليته لفقد منفعته، فالمنفعة تحددها حاجة الناس إلى تبادلها وبذل المال في تحصيلها. واشتراط المنفعة في العين يخرج ما لا نفع فيه، فلا يعتبر مالًا. وقولنا: (منفعة مباحة) يخرج ما فيه منفعة محرمة، فإنه لا يعتبر مالًا كالخمر والخنزير ونحوهما. وقولنا: (واعتاد الناس تمولها). هذا قيد ثالث في المنفعة، فقد تكون العين مشتملة على منفعة، وهذه المنفعة مباحة، ولكن الناس هجروا هذه المنفعة، ولم يعتادوا تمولها، فإنه والحالة هذه تفقد هذه العين ماليتها.

стр. 121

فلو كنا في بلد تعارف أهله على عدم أكل حوايا الذبيحة ورأسها وأطرافها لم تكن هذه الأشياء مالًا عندهم، وإن كانت هذه الأعيان فيها منافع مباحة. وبناء عليه فإذا ترك الناس تمول بعض الأعيان فقدت ماليتها، فإذا رجع الناس إلى تمولها أصبحت مالًا. قال ابن عابدين: «والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم» (١). وقال في المبسوط «وإنما تنبني المالية على التمول» (٢). وهذا فيه حصر ثبوت المالية على التمول. وقال أيضًا: «وإنما تعرف مالية الشيء بالتمول» (٣). وقال أيضًا: «والمقصود بالمال التمول ... » (٤). وعلل الكاساني من الحنفية عدم القطع في سرقة المصحف؛ بأنه يدخر لا للتمول، بل للقراءة، والوقوف على ما يتعلق به مصلحة الدين والدنيا والعمل به (٥). وقال ابن نجيم: «فما يكون مباح الانتفاع بدون تمول الناس لا يكون مالًا كحبة حنطة» (٦). وفي أسنى المطالب «وكل متمول مال ... » (٧).

стр. 122

وقال المرداوي في الإنصاف: «لا ربا في الماء مطلقًا على الصحيح من المذهب؛ لإباحته أصلًا، وعدم تموله عادة» (١). وقال في موضع آخر: «إن لم يتمول عادة كماء وكلأ محرز فلا قطع - يعني على سارقه - في إحدى الروايتين» (٢). وقال في كشاف القناع: «ويلزمه قبول الماء إذا بذل له هبة؛ لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة» (٣). وقال ابن قدامة في شروط القطع في السرقة: «أن يكون المسروق مما يتمول عادة؛ لأن القطع شرع لصيانة الأموال، فلا يجب في غيرها ... » (٤). والنصوص في هذا كثيرة كلها تصرح أن التمول مرده إلى العادة والعرف. ومن خلال هذه النصوص مع ما تقدم يتبين أن مالية الشيء متوقفة على إذن الشارع وحاجة الناس العرفية إلى تدواله، فإثبات المالية لعين ما، لا يقال: إن طريقه شرعي فقط، ولا عرفي فقط، بل مركب من الأمرين معًا، فما نهى الشارع عن بيعه فقد ماليته، وإذا هجر الناس الانتفاع بعين، ولم يعتادوا تدوالها فقدت ماليتها، كالنفط كان في عصر من العصور لا ينتفع به، وبعد اكتشاف دوره في الطاقة والصناعة كان من الأموال النفيسة. وإذا عرفنا عناصر المالية نستطيع أن نخلص إلى تعريف للمال على القول الصحيح، وأرجو أن يكون جامعًا، فأقول:

стр. 123

المال: ما يمكن تملكه، وكان ذا منفعة مباحة مطلقًا، واعتاد الناس أو بعضهم تموله. وقولي: منفعة مباحة مطلقًا ليخرج بذلك ما كانت منفعة مباحة بقيد الحاجة كاقتناء الكلب، أو بقيد الضرورة كتناول الميتة. ونختم هذا الفصل ببعض الضوابط والقواعد: المال لا يثبت إلا بالتمول، والتمول مرده إلى العرف والعادة بشرط ألا ينهى الشارع عن تموله. أو بعبارة أخرى: ما اعتاد الناس تموله، ولم ينه الشارع عنه، فهو مال. وما ترك الناس تموله فقد ماليته. قد تكون العين مالًا عند أناس، وليست مالًا عند آخرين بحسب قيام التمول من عدمه. * * *

стр. 124

الفصل الثاني في مالية المنافع المبحث الأول في تعريف المنفعة تعريف المنفعة: المنفعة في اللغة تشمل كل ما يمكن استفادته من الأعيان عرضًا كان مثل سكنى الدار وأجرتها، وركوب السيارة والدواب، ولبس الثياب وقراءة الكتب، أو عينًا: مثل ثمر الأشجار، وحليب الأنعام ونحوها (١). إلا أن المقصود بالمنافع هنا ما هو أخص من التعريف اللغوي: فالمقصود المنافع المعنوية (الأعراض) وليست الأعيان، ويتضح ذلك ب تعريف المنفعة اصطلاحًا . تعريف المنفعة اصطلاحًا: قال السرخسي: «المنفعة عرض يقوم بالعين» (٢). وعرفها ابن عرفة: «ما لا يمكن الإشارة إليه حسًا دون إضافة، يمكن استيفاؤه، غير جزء مما أضيف إليه. قال الشارح قوله: (ما لا يمكن) أي الشيء الذي لا يمكن الإشارة إليه، فخرج بذلك الأعيان.

стр. 125

وقوله: (حسًا) احترز مما يمكن الإشارة إليه حسًا من الأعيان بنفسه كالثوب والدابة، فإنهما ليسا بمنفعة. قوله: (دون إضافة) معمول لإشارة وهو قيد في الإشارة، ومعناه: ما لا يشار إليه حسًا إلا بقيد الإضافة، ولا يمكن عقلًا إلا ذلك، مثل ركوب الدابة، ولبس الثوب، بخلاف الثوب والدابة، فإنهما يمكن الإشارة إليهما حسًا من غير إضافة، فركوب الدابة منفعة، والدابة ليست كذلك. قوله: (يمكن استيفاؤه) أخرج به العلم والقدرة؛ لأنهما لا يمكن استيفاؤهما، ولا تمكن الإشارة إليهما حسًا إلا بإضافتهما، تقول: هذا علم زيد. قوله: (غير جزء مما أضيف إليه) أخرج به نفس نصف العبد ونصف الدار مشاعًا؛ لأنه يصدق عليه، وهو مشاع لا تمكن الإشارة إليه إلا مضافًا ويمكن أخذ المنفعة منه، لكنه جزء مما أضيف إليه، وليس ركوب الدابة وما شابهه كذلك» (١). وعرفها في المطلع: «المنفعة والمنافع: الانتفاع بالأعيان كسكنى الدار، وركوب الدواب، واستخدام العبيد» (٢). وفي مجلة مجمع الفقه الإسلامي: المنفعة كل ما يقوم بالأعيان من أعراض .. (٣). وفي الموسوعة الكويتية: «المنفعة في الاصطلاح هي: الفائدة التي تحصل

стр. 126

باستعمال العين، فكما أن المنفعة تستحصل من الدار بسكناها، تستحصل من الدابة بركوبها» (١). * * *

стр. 127

المبحث الثاني في خلاف العلماء في مالية المنافع قال ابن قدامة: ما زالت عنه المنفعة زال عنه التقويم لا يصح بيع ما لا نفع فيه (١). جاء في حاشية ابن عابدين: الأصل أن المنافع تجري مجرى الأعيان (٢). كل ما تعورف على تداوله من أعيان ومنافع مباحة مطلقًا يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه، ككل مال متقوم (٣). بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو في الدنيا، هذا أصل متفق عليه (٤). [م -١٢] سبق لنا تعريف المال، ومن خلال التعريف السابق يتبين لنا أن العلماء متفقون على مالية الأعيان، مختلفون في مالية المنافع والحقوق. فقيل: المنفعة ملك، وليست مالًا، وهو مذهب الحنفية (٥).

стр. 128

وقيل: المنافع من الأموال، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح (١). ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في بعض الأبواب كالضمان والإجارة: فيرى الحنفية أن المنافع لا تضمن بالغصب والإتلاف خلافًا للجمهور، فمن غصب دارًا، فسكنها سنين لم تجب عليه أجرتها، وعند الجمهور تلزمه (٢). كما يرى الحنفية أن المستأجر إذا مات قبل انتهاء مدة الإيجار فإن العقد ينتهي بموته؛ لأن المنفعة ليست مالًا حتى تورث خلافًا للجمهور الذين يجعلون الورثة يحلون محل مورثهم حتى تنتهي مدة الإيجار، والله أعلم (٣).

стр. 129

دليل الحنفية على عدم اعتبار المالية في المنافع: الدليل الأول: المنافع قبل وجودها معدومة، والمعدوم لا يطلق عليه اسم مال، وبعد كسبها تتلاشى وتفنى، فلا يمكن إحرازها. ويناقش: كون المنافع معدومة قبل وجودها لا ينفي عنها المالية إذا وجدت، كالعين المستأجرة إذا تلفت قبل تمام المدة، تلفت فيما بقي من مال المؤجر، وفيما مضى من مال المستأجر، وهذا لا ينفي عنها المالية. وأما كونها بعد كسبها تتلاشى، فهذا ليس بشيء، فإن من الأعيان ما يكون الانتفاع بعينه يذهب به بالكلية، ومع ذلك لم ينف عنه المالية، فما بالك بمنافع تتجدد. الدليل الثاني: صفة المالية للشيء لا تثبت إلا بالتمول، والتمول صيانة الشيء وإحرازه، والمنافع لا يمكن تمولها؛ لأنه لا يمكن إحرازها. ويناقش: بأن هذا استدلال بموضع النزاع، فنحن لا نسلم أن مالية الشيء لا تثبت إلا بصيانة الشيء وإحرازه، والتمول ليس معناه صيانة الشيء وإحرازه، بل معنى قولك: تمول الشيء، أي اتخذه مالًا.

стр. 130

قال النبي ﷺ لعمر: خذه فتموله، أو تصدق به. وتمولت واستملت: أي كثر مالك. الدليل الثالث: المنافع ليست أموالًا متقومة بنفسها؛ لأن التقوم يستدعي سابقة الإحراز، وما لا بقاء له لا يمكن إحرازه، وغير المحرز لا يعتبر مالًا متقومًا كالصيد في الفلاة، وإنما تتقوم المنافع بالعقد الشرعي للضرورة (١). دليل الجمهور على أن المنافع من الأموال . الدليل الأول: (ح-٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إني قد وهبت لك من نفسي فقال رجل زوجنيها قال قد زوجناكها بما معك من القرآن. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (زوجناكها بما معك من القرآن) فالباء في قوله (بما معك) للعوض، فإذا جعل التعليم عوضًا في النكاح دل على أنه مال، ولو لم يكن التعليم مالًا لم يصح جعله صداقًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] ففي الآية دليل على أن ما لا يسمى مالًا لا يكون مهرًا.

стр. 131

اعترض على وجه الاستدلال اعترض على وجه الاستدلال باعتراضين: الأول: أن الآية ليس فيها دليل؛ لأن الآية إن كانت من باب الإجارة فهي لا تصح لعدم تحديد المدة، لأن التعليم لا يعلم مقدار وقته، فقد يتعلم في زمان يسير، وقد يحتاج إلى زمان طويل، وإن كانت من باب الجعالة وهي في مثل هذا، مع عدم تحديد المدة لا تصح أيضًا، بل يجب أن يعتقد أنه لما تعذر الصداق بالعجز جعل ﵇ حفظه للقرآن فضيلة توجب تزويجه، وأخر الصداق في ذمته تفويضًا، وعليه فتكون الباء في قوله (بما معك) بمعنى اللام، أي زوجناكها لما معك من القرآن، ونظيره قصة أبي طلحة مع أم سليم. (ح-٥) وذلك فيما أخرجه النسائي وصححه من طريق جعفر ابن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يرد، ولكنك كافر، وأنا مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري، لا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها. والإسلام لا يكون صداقًا بل تفويضًا. ورد هذا الاعتراض: ليس في الحديث ما يدل على أنه جعل الصداق دينًا في ذمته، وإنما النص على أن الرسول ﷺ زوجها بما معه من القرآن، والأصل أن الباء للعوض، ودعوى أن الرسول ﷺ زوجها إياه بمهر في الذمة تعطيل للنص المحفوظ، وإحالة على أمر لم يحفظ من النص. وأما الجواب عن دعوى الجهالة في مدة الإيجار فإن الجهالة في مدة الإيجار يسيرة خاصة مع تحديد السور المراد تعلمها، فهذا العقد في استئجار الحمام

стр. 132

يكون على الماء، وعلى مقدار مدة اللبث في الحمام، وهما مجهولان، والإجارة لا تصح إلا بشرط معرفة العين المستهلكة من الماء، ومدة اللبث في الحمام، ومع كون العقد مشتملًا على جهالتين: جهالة المدة، وجهالة المعقود عليه، ومع ذلك صح دخول الحمام بأجرة والغرر ليس كله منهيًا عنه، بل هناك غرر متفق على قبوله، كالغرر اليسير، وغرر مجمع على النهي عنه كالغرر الكثير، وغرر مختلف فيه، هل يدخل في الغرر اليسير، فيقبل، أو في الغرر الكثير، فيمنع، وعقد التعليم مع تحديد السور المراد تعلمها من الغرر اليسير المقبول إن شاء الله تعالى. يقول ابن عابدين: «الناس في سائر الأمصار يدفعون أجرة الحمام، وإن لم يعلم مقدار ما يستعمل من الماء، ولا مقدار القعود، فدل إجماعهم على جواز ذلك، وإن كان القياس يأباه لوروده على إتلاف العين مع الجهالة)) (١). الاعتراض الثاني: قالوا: إن تعليم القرآن قربة أخروية، ومنفعة بضع المرأة عرض دنيوي، والمعاوضة على القرب بعرض من الدنيا لا يجوز، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [هود: ١٦]. ويجاب عن هذا: بأن تعليم القرآن مركب من أمرين، القيام بالتعليم، وكونه من القرآن، فالتعليم بحد ذاته منفعة دنيوية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المحذور أن

стр. 133

يكون قصد الإنسان في أمور الآخرة الدنيا فقط، وأما أن يكون الباعث على الأمر الأخروي مجموع الأمرين: الدنيا والآخرة فلا يقدح في هذا. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾. [نوح:١٠،١١] فحض تعالى على الاستغفار بذكر بعض الفوائد الدنيوية. وأقر الرسول ﷺ أخذ العوض على الرقية بالحديث الصحيح (١). مع أن الرقية عبادة. وقال الرسول ﷺ (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه) (٢) ولو كان هذا يقدح في الإخلاص لم يحض الرسول ﷺ صحابته على الجهاد بذكر المغنم. وقال ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديث) (٣). الدليل الثاني: آجر شعيب موسى على أن ينكحه إحدى ابنتيه، والإجارة منفعة، قال تعالى في قصة موسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧].

стр. 134

فصح بذل المنفعة صداقًا للمرأة، وصح أن المنفعة مال و إلا لما صح جعله مهرًا. الدليل الثالث: الأعيان لا تكون مالًا إلا إذا ثبت أن لها منفعة؛ لأن الأعيان لا تقصد لذاتها، وإنما تقصد لمنافعها، فالمنافع هي الأصل في ثبوت المالية للأعيان، وإنما تعرف قيمة العين بحجم منفعتها، وإذا قلت منفعة العين أو انعدمت طرح الناس التمسك بالعين، وانتفت عنها المالية كما عرفنا سابقًا أن من شروط المال أن يكون مشتملًا على منفعة مباحة، وإذا كانت المنافع بهذه المثابة، فيستحيل ألا تكون متقومة بنفسها، فثبت بذلك ماليتها. الدليل الرابع: لو لم تكن المنافع أموالًا لما بذلت الأموال في تحصيلها، ولما بني عليها كثير من العقود كعقد الإجارة وعقد الاستصناع. ويمكن أن يجاب عن قول أصحاب القول الأول بأن قولكم: إن الإجارة على خلاف القياس دعوى في محل النزاع، بل لا يوجد في أحكام الشرع ما هو على خلاف القياس، وقد بينت ذلك في كتابي أحكام الطهارة في كتاب التيمم. الراجح من الخلاف الراجح أن المال كما يشمل الأعيان فإنه يشمل المنافع التي لها قيمة بين الناس واعتاد الناس الاعتياض عنها وتمولها. * * *

стр. 135

الفصل الثالث في مالية الديون المبحث الأول في تعريف الدين قال ابن مفلح الدين لا يثبت إلا في الذمم (١). قال في الحاوي: جميع الديون تقضى من جميع الأموال (٢). وفيه أيضًا: كل حق ثابت في الذمة لا يبطل بتلف المال كالدين والقرض (٣). تعريف الدين (٤). الدين في اصطلاح الفقهاء: عرفه ابن عابدين بقوله: «الدين: ما وجب في الذمة بعقد أو استهلاك، وما صار في ذمته دينًا باستقراضه» (٥).

стр. 136

فقولنا: (ما وجب في الذمة) الذمة: وصف يصير به الإنسان أهلًا لما له، وما عليه، فيكون أهلًا للتملك، كما يكون أهلًا لتحمل دفع ثمن ما يملك (١). هذا هو تعريف الحنفية للذمة، فهو وصف قدر الشارع وافترض وجوده في الشخص إيذانًا بصلاحيته لأن تكون له حقوق، وعليه واجبات. وخالفهم آخرون، فلم يروا أن الذمة وصف مقدر، وإنما الذمة: هي النفس والذات، فإذا قيل: ثبت المال في ذمة فلا ن، وتعلق بذمته، وبرئت ذمته، وشغلت ذمته، فالمراد بذمته: ذاته، ونفسه؛ لأن الذمة في اللغة: العهد والأمانة، ومحلها: النفس، فسمي محلها باسمها (٢). كما أن التعريف جعل الدين يشمل ثلاثة أمور: الأمر الأول: ما وجب بعقد كالمعاوضة عن طريق البيع والشراء والإجارة. الأمر الثاني: ما ثبت عن طريق الاستهلاك كالإتلاف مثلًا. الأمر الثالث: ما ثبت عن طريق القرض. فالدين أعم من القرض، فكل قرض دين، وليس العكس. وقال ابن نجيم: الدين «لزوم حق في الذمة» (٣). وهذا أحسنها؛ لأنه يشمل كل ما يشغل ذمة الإنسان، سواء أكان حقًا لله، أم للعبد. ودَيْن الله: حقوقه التي ثبتت في الذمة، ولا مطالب لها من جهة العباد، كالنذور والكفارات، وصدقة الفطر ... (٤).

стр. 137

توصيف الدين: يطلق الفقهاء كلمة (الدين) في مقابل كلمة (العين). فإذا كانت العين من الأموال هي ذاتًا يمكن الإشارة إليها بالتعيين، وترى بالعين، فإن الدين وصف، وليس عينًا، ويثبت في الذمة، ولا يمكن الإشارة إليه. فإذا اشتريت سيارة بسيارة، فقد اشتريت عينًا بعين. وإذا اشتريت سيارة بدراهم غير معينة، أو معينة على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين، فقد اشتريت عينًا بدين، حتى ولو كانت الدراهم حالة فإنها تسمى دينًا، لأن الدين قد يكون حالًا، وقد يكون مؤجلًا، والفرق بينهما: أن المعين إذا تلف فقد فات، وغير المعين (الدين) إذا تلف مال الإنسان لم يفت؛ لأن تعلقه بالذمة، وليس بعين المال فتشغل ذمته بدفع مثله. جاء في مجلة الأحكام العدلية: «الدين ما يثبت في الذمة، كمقدار من الدراهم في ذمة رجل، ومقدار منها ليس بحاضر، والمقدار المعين من الدراهم أو من صبرة الحنطة الحاضرتين قبل الإفراز، فكلها من قبيل الدين» (١). فجعل شراء المقدار المعين بكيل من صبرة الحنطة قبل كيلها من قبيل الدين، ولو كانت حاضرة. فتقسيم المال إلى دين وعين إنما هو تقسيم باعتبار متعلقه، فالمال إما أن يتعلق بالذمة، وهو ما يسمى بالدين.

стр. 138

أو لا يتعلق بالذمة، فيسمى بالعين. وأقرب مثال يوضح ذلك: أن الزكاة لما كانت متعلقة بعين المال، وليست بالذمة وجبت في مال الصبي والمجنون، مع أن ذمتهما ليست محلًا للتكليف. قال ﷺ : فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم (١). والفرق بين الدين والعين من وجوه: الأول: المال المعين إذا تلف بغير تعد ولا تفريط فقد فات، أما المال الثابت في الذمة فإنه لا يبطل بتلف مال صاحبه. الثاني: من عليه دين فله قضاؤه من أي ماله شاء، فالدين يمكن وفاؤه بدفع مثله، وإن لم يدفع عينه. بخلاف العين فإن الحق يتعلق بذاتها، لا بأمثالها. الثالث: الحوالة، والمقاصة لا تجري إلا في الديون؛ لأن الأعيان إنما تستوفى بذاتها، لا بأمثالها. فائدة: إذا تزاحم حقان في محل: أحدهما متعلق بذمة من هو عليه، والآخر متعلق بعين من هي له، قدم الحق المتعلق بالعين على الآخر؛ لأنه يفوت بفواتها، بخلاف الحق الآخر (٢). (ح-٦) لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره. متفق عليه (٣). * * *

стр. 139

المبحث الثاني في خلاف العلماء في مالية الديون قال ابن رجب: الواجبات المالية منقسمة إلى دين وعين (١). وقال ابن الهمام: الدين مال حكمًا لا حقيقة (٢). [م - ١٣] عرفنا فيما سبق الخلاف في مالية المنافع، ونريد أن نعرف الآن خلاف العلماء في مالية الديون، فهل يعتبر ما ثبت في ذمة الإنسان مالًا حال كونه في الذمة؟ وللجواب على هذا نقول: «لا خلاف بين الفقهاء في أن الحق الواجب في الذمة إذا لم يكن ماليًا، فإنه لا يعتبر مالًا، ولا يترتب عليه شيء من أحكامه» (٣). وأما إذا كان الدين الشاغل للذمة ماليًا، فقد اختلف الفقهاء في اعتباره مالًا حقيقة حال كونه دينًا على قولين: القول الأول: الدين لا يعتبر مالًا حقيقة، وإنما يعتبر مالًا حكمًا باعتبار أنه يتحول إلى المال بالاستيفاء، وهو مذهب الحنفية (٤)، والقديم من قولي الشافعي

стр. 140

عليه ﵀ (١). القول الثاني: الدين يعتبر من الأموال، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٢).

стр. 141

تعليل من قال: الدين لا يعتبر مالًا: التعليل الأول: عللوا ذلك: بأن الدين إنما هو وصف في الذمة، لا يتصور قبضه حقيقة (١). وقد تكلف الحنفية ﵏ في تصوير كيفية استيفاء الدين، لاعتقادهم بأن الدين لا يمكن قبضه حقيقة،، وإنما يكون بطريق المقاصة عند أبي حنيفة (٢). ويناقش: بأن الدين كونه وصفًا في الذمة فهذا من حيث تعلقه، فهو إما أن يتعلق بالذمة، وهو الدين أو يتعلق

стр. 142

بشيء معين، وهو العين، وحقيقتهما واحدة؛ لأن متعلق الشيء غير الشيء. التعليل الثاني: المال هو ما يتمول، وتمول ما في الذمة لا يتحقق. ويناقش: بأن عدم تموله ليس عائدًا إلى حقيقة المال، وإنما لوجود مانع، كما أن المرهون لا يمكن تموله، ولا يخرجه ذلك عن المالية. التعليل الثالث: المال ما يتوصل به إلى قضاء الحوائج، وما في الذمة باعتبار حاله غير صالح لذلك، بل باعتبار مآله، وهو القبض، والمقبوض عين (١). والجواب عنه كالجواب عن الدليل السابق. دليل الجمهور على اعتبار الديون من الأموال . الدليل الأول: الدين مال حقيقة، ينتقل بالإرث، والهبة، والوصية، وهذا شأن الأموال، ويثبت بالدين حكم اليسار لصاحبه، وتلزمه نفقة الموسرين وكفارتهم، ولا تحل له الصدقة، وتجب عليه زكاة الدين إذا كان دينه على ملئ غير مماطل على الصحيح، وهذا كله دليل على أن الدين مال من الأموال. الدليل الثاني: قد أثبتنا في المسألة السابقة أن المنفعة مال، مع عدم القدرة على حيازتها

стр. 143

وادخارها، فكذلك الدين فإنه مال، وإن كان متعلقًا بالذمة. الدليل الثالث: أكثر أموال التجار هي ديون، فلو لم نعتبرها مالًا لتضرر الفقراء لعدم وجوب الزكاة فيها؛ لأن الزكاة لا تجب إلا في ما يعتبر مالًا، وهذا إضرار كبير بمصلحة الفقراء دون دليل. الدليل الرابع: الديون في حقيقتها إما أعيان أو منافع، وتعلقها بالذمة لا يغير شيئًا من ماهيتها لا من قريب ولا من بعيد، وإنما له تعلق في أبواب أخرى كباب الضمان مثلًا، فما تعلق بالذمة وجب رد مثله ولو تلف مال المدين، وما كان تعلقه بالعين، ثم تلف لم يضمن إلا ما كان فيه تعد أو تفريط (١)، كما أن ما تعلق بالذمة يمكن الوفاء من أي ماله شاء، ولا يتعلق الوفاء بمال بعينه، بخلاف ما تعلق بالعين فإنه يجب رد نفس العين (٢)، فتحديد المتعلق إنما هو لهذه المصلحة وأمثالها، وهذا لا ينفي المالية.

стр. 144

الدليل الخامس: يجوز أن يكون صداق المرأة دينًا في ذمة زوجها، ولو كان الدين لا يعتبر مالًا لما صح كونه صداقًا؛ لأن الصداق شرط في صحة النكاح قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤] الدليل السادس: عرف الفقهاء المال كما تقدم في باب تعريف البيع، بأنه مبادلة مال بمال، وقد يثبت الثمن وحده في ذمة المشتري، وقد يثبت المبيع وحده في ذمة البائع كما في السلم، وقد يثبت الثمن والمبيع في ذمتيهما: كما لو اشترى خمسة آصع موصوفة بدينار ولم يعينه، فيكون من باب بيع الدين بالدين فيجوز بشرط قبض أحد العوضين قبل التفرق (١). فهل نقول عن هذه الصور بأنها ليست بيعًا، لأن أحد العوضين دين، والدين ليس بمال، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن هذا لا يسمى بيعًا ما دام الثمن في ذمة المشتري، بل يرى الحنفية أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعين، وإنما تجب في الذمة (٢). الخلاصة: بعد استعراض الخلاف والأدلة أجد أن القول الراجح قول الجمهور، وهو أن الدين مال حقيقة، وليس حكمًا. وأما قول الحنفية بأن الدين ليس بمال ما دام في الذمة حتى يقبض فلعلهم

стр. 145

أرادوا أن يطردوا قولهم بأن المال لا بد له من الادخار، وأن المال وهو في الذمة لا يمكن ادخاره، وبالتالي لا يكون مالًا، ولو أنهم قالوا: إن الدين إن كان عن عين فهو مال، وإن كان عن منفعة لم يكن مالًا لاطَّرَد قولهم دون اللجوء إلى عدم اعتبار الدين مالًا في الزكاة والكفارات، واعتباره مالًا في النكاح، فإن هذا نوع من التناقض، والله أعلم. * * *
следующие страницы →