تعليل من قال: الدين لا يعتبر مالًا:
التعليل الأول:
عللوا ذلك: بأن الدين إنما هو وصف في الذمة، لا يتصور قبضه حقيقة (١).
وقد تكلف الحنفية ﵏ في تصوير كيفية استيفاء الدين، لاعتقادهم بأن الدين لا يمكن قبضه حقيقة،، وإنما يكون بطريق المقاصة عند أبي حنيفة (٢).
ويناقش:
بأن الدين كونه وصفًا في الذمة فهذا من حيث تعلقه، فهو إما أن يتعلق بالذمة، وهو الدين أو يتعلق
стр. 142
بشيء معين، وهو العين، وحقيقتهما واحدة؛ لأن متعلق الشيء غير الشيء.
التعليل الثاني:
المال هو ما يتمول، وتمول ما في الذمة لا يتحقق.
ويناقش:
بأن عدم تموله ليس عائدًا إلى حقيقة المال، وإنما لوجود مانع، كما أن المرهون لا يمكن تموله، ولا يخرجه ذلك عن المالية.
التعليل الثالث:
المال ما يتوصل به إلى قضاء الحوائج، وما في الذمة باعتبار حاله غير صالح لذلك، بل باعتبار مآله، وهو القبض، والمقبوض عين (١).
والجواب عنه كالجواب عن الدليل السابق.
دليل الجمهور على اعتبار الديون من الأموال .
الدليل الأول:
الدين مال حقيقة، ينتقل بالإرث، والهبة، والوصية، وهذا شأن الأموال، ويثبت بالدين حكم اليسار لصاحبه، وتلزمه نفقة الموسرين وكفارتهم، ولا تحل له الصدقة، وتجب عليه زكاة الدين إذا كان دينه على ملئ غير مماطل على الصحيح، وهذا كله دليل على أن الدين مال من الأموال.
الدليل الثاني:
قد أثبتنا في المسألة السابقة أن المنفعة مال، مع عدم القدرة على حيازتها
стр. 143
وادخارها، فكذلك الدين فإنه مال، وإن كان متعلقًا بالذمة.
الدليل الثالث:
أكثر أموال التجار هي ديون، فلو لم نعتبرها مالًا لتضرر الفقراء لعدم وجوب الزكاة فيها؛ لأن الزكاة لا تجب إلا في ما يعتبر مالًا، وهذا إضرار كبير بمصلحة الفقراء دون دليل.
الدليل الرابع:
الديون في حقيقتها إما أعيان أو منافع، وتعلقها بالذمة لا يغير شيئًا من ماهيتها لا من قريب ولا من بعيد، وإنما له تعلق في أبواب أخرى كباب الضمان مثلًا، فما تعلق بالذمة وجب رد مثله ولو تلف مال المدين، وما كان تعلقه بالعين، ثم تلف لم يضمن إلا ما كان فيه تعد أو تفريط (١)، كما أن ما تعلق بالذمة يمكن الوفاء من أي ماله شاء، ولا يتعلق الوفاء بمال بعينه، بخلاف ما تعلق بالعين فإنه يجب رد نفس العين (٢)، فتحديد المتعلق إنما هو لهذه المصلحة وأمثالها، وهذا لا ينفي المالية.
стр. 144
الدليل الخامس:
يجوز أن يكون صداق المرأة دينًا في ذمة زوجها، ولو كان الدين لا يعتبر مالًا لما صح كونه صداقًا؛ لأن الصداق شرط في صحة النكاح قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤]
الدليل السادس:
عرف الفقهاء المال كما تقدم في باب تعريف البيع، بأنه مبادلة مال بمال، وقد يثبت الثمن وحده في ذمة المشتري، وقد يثبت المبيع وحده في ذمة البائع كما في السلم، وقد يثبت الثمن والمبيع في ذمتيهما: كما لو اشترى خمسة آصع موصوفة بدينار ولم يعينه، فيكون من باب بيع الدين بالدين فيجوز بشرط قبض أحد العوضين قبل التفرق (١).
فهل نقول عن هذه الصور بأنها ليست بيعًا، لأن أحد العوضين دين، والدين ليس بمال، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن هذا لا يسمى بيعًا ما دام الثمن في ذمة المشتري، بل يرى الحنفية أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعين، وإنما تجب في الذمة (٢).
الخلاصة:
بعد استعراض الخلاف والأدلة أجد أن القول الراجح قول الجمهور، وهو أن الدين مال حقيقة، وليس حكمًا.
وأما قول الحنفية بأن الدين ليس بمال ما دام في الذمة حتى يقبض فلعلهم
стр. 145
أرادوا أن يطردوا قولهم بأن المال لا بد له من الادخار، وأن المال وهو في الذمة لا يمكن ادخاره، وبالتالي لا يكون مالًا، ولو أنهم قالوا: إن الدين إن كان عن عين فهو مال، وإن كان عن منفعة لم يكن مالًا لاطَّرَد قولهم دون اللجوء إلى عدم اعتبار الدين مالًا في الزكاة والكفارات، واعتباره مالًا في النكاح، فإن هذا نوع من التناقض، والله أعلم.
* * *
стр. 146
الفصل الرابع
في مالية الحقوق
المبحث الأول
في تعريف الحق
تعريف الحق اصطلاحًا (١):
يقول الشيخ مصطفى الزرقاء: «لم أر للحق بمفهومه العام تعريفًا صحيحًا
стр. 147
جامعًا لأنواعه كلها لدى فقهاء الشريعة أو القانون» (١).
стр. 148
وقال الشيخ علي الخفيف ﵀: «لا يختلف استعمال الحق عند الفقهاء عن استعماله اللغوي ... » (١).
قلت: ومن ذلك ما نقله ابن نجيم عن البناية: حيث عرف الحق بقوله: الحق ما يستحقه الرجل .... (٢).
وهذا التعريف غير جامع، لعدم دخول حق الله فيه، كما أنه يلزم منه الدور، فمعرفة ما يستحقه الرجل متوقفة على معرفة الحق، ومعرفة الحق متوقفة على معرفة الاستحقاق، وهكذا.
ونقل ابن نجيم عن شرح المنار للسيد نكركار: أن الحق هو الشيء الموجود من كل وجه ولا ريب في وجوده ومنه قوله ﵇: ... العين حق (٣).
ونقل ابن نجيم أيضًا عن شرح البخاري للكرماني، حيث قال: الحق حقيقة هو الله تعالى بجميع صفاته؛ لأنه الموجود حقيقة بمعنى لم يسبق بعدم ولم يلحقه عدم وإطلاق الحق على غيره مجاز ولذا ورد في الحديث اللهم أنت
стр. 149
الحق ووعدك الحق وقولك الحق» بالتعريف في الثلاثة ثم قال: ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق بالتنكير (١). ا هـ
والحق في المعنى الاصطلاحي له معنيان: أ - معنى عام. ب - ومعنى خاص.
تعريف الحق بمعناه العام:
قال الشيخ علي الخفيف الحق «يطلق في الفقه الإسلامي على كل عين أو مصلحة تكون لك بمقتضى الشرع سلطة المطالبة بها، أو منعها عن غيرك، أو بذلها له في بعض الأحيان، أو التنازل عنها كذلك، فيطلق على الأعيان المملوكة، فتقول: هذا الكتاب حقي، ويطلق على الملك نفسه، فتقول: ملكية هذا الكتاب حق من حقوقي، ويطلق على المنافع أو المصالح على وجه عام، فتقول: سكنى هذا الدار حق للموصى له بمنفعتها ... والحضانة حق للأم، والولاية على النفس وعلى المال حق للأب، والشفعة حق للشريك، ولفلان حق المرور في هذا الطريق أو حق العلو على هذا البناء، وهكذا».
وهو بهذا المعنى يطلق على الأعيان والمنافع والمصالح المادية وغير المادية، فهو أعم من المال؛ لأن المال يطلق على ما يتموله الناس فقط كما سبق، والحق بمعناه العام يطلق على ما يتقوم ويتمول، ويطلق على غيره مما لا يتقوم أو يتمول.
وجميع هذه الإطلاقات لم تخرج عن المعنى اللغوي للحق الذي سبق بيانه (٢).
стр. 150
أقسام الحق بمعناه العام:
إذا عرفنا الحق بمعناه العام، نستطيع أن نقول: إن الحق بمعناه العام، ينقسم إلى قسمين:
стр. 151
حق مالي: وهو ما يتعلق بالمال، كملكية الأعيان أو الديون أو المنافع.
وحق غير مالي: كحق الولي في التصرف على الصغير بتعليمه وتأديبه.
والحق المالي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
حقوق عينية، وحقوق شخصية، وحقوق معنوية.
تعريف الحقوق العينية:
الحق العيني: سلطة مباشرة يقررها الشرع لشخص ما على عين مالية معينة يملك صاحبها أن يباشر حق التصرف بهذه العين بيعًا واستعمالًا واستغلالًا واستهلاكًا واحتباسًا دون وساطة أحد، ولذا لا يرى في الحق العيني سوى عنصرين بارزين هما: صاحب الحق، ومحل الحق. وأهم الحقوق العينية هو حق الملكية (١).
стр. 152
تعريف الحقوق الشخصية:
عرفه الزرقاء ﵀:
«مطلب يقره الشرع لشخص على آخر.
وهذا الحق يكون متعلقه: تارة قيامًا بفعل ذي قيمة لمصلحة صاحب الحق.
وتارة امتناعًا عن فعل مناف لمصلحته.
وذلك كحق كل من المتبايعين على الآخر، فإن أحدهما يستحق على الآخر أداء الثمن، والآخر يستحق تسليم المبيع، وكل من هذين الحقين فعل، وكذا حق المودع على الوديع في أن لا يستعمل الوديعة، وهذا امتناع عن فعل» (١).
وقيل في تعريف الحق الشخصي: هي الالتزامات التي تقوم بين الأفراد، وهي عبارة عن الحقوق التي تقوم بين شخصين معينين أو أكثر، ومحلها قيام المدين بعمل إيجابي أو سلبي مطلوب منه، مثل إقامة بناء، أو نقل بضاعة أو امتناع عن إقامة حائط أو رفعه.
وبهذا تتميز الحقوق العينية عن الحقوق الشخصية كل التميز:
فالحق العيني: سلطة لشخص على شيء.
فمحل الحق العيني بجميع أنواعه: سلطة تنصب مباشرة على عين معينة
стр. 153
بالذات دون حاجة إلى توسط شخص آخر، في حين أن الحق الشخصي ليس سلطة وإنما رابطة والتزام قائم بين طرفين.
ومحل الحق العيني مال معين مادي، ومحل الحق الشخصي فعل خارجي (١).
تعريف الحقوق المعنوية:
عرف الشيخ علي الخفيف هذه الحقوق، فقال:
«سلطة على شيء غير مادي، هو ثمرة فكر صاحب الحق أو خياله أو نشاطه، كحق المؤلف فيما ابتدعه من أفكار علمية، وحق الفنان في مبتكراته الفنية، وحق المخترع في مخترعاته الصناعية، وهكذا» (٢).
وقد اتفق القانونيون على اعتبار الحقوق المعنوية من الحقوق المالية، ولكنهم مختلفون، هل تعتبر هذه الحقوق من الحقوق المالية العينية، أم أنها حقوق مالية مستقلة بالإضافة إلى الحقوق العينية والشخصية؟
فذهب بعض القانونيين إلى أن الحقوق المالية تنقسم إلى حقوق عينية، وحقوق شخصية، وحقوق معنوية.
وجه كون الحقوق المعنوية قسمًا ثالثًا:
أن الحق العيني سلطة يعطيها القانون لشخص معين على شيء مادي معين، فالحق العيني بناء على هذا القول يشترط أن يكون محله عينًا مادية قائمة بذاتها، بخلاف الحقوق المعنوية فإن محلها شيء غير مادي.
стр. 154
وذهب قانونيون آخرون إلى أن الحق المعنوي حق من الحقوق العينية، وأن الشيء الذي تنصب عليه السلطة في الحق العيني أعم من أن يكون ماديًا أو معنويًا (١).
وإلى هذا ذهب الدكتور فتحي الدريني في كتابه (حق الابتكار في الفقه الإسلامي) معللًا ذلك بأن «الحق العيني في الفقه الإسلامي لا يشترط فيه أن يكون محله عينًا مادية، بل يجوز أن يكون منفعة أو معنى، إذ المنظور في الحق العيني: هو العلاقة المباشرة التي يقرها الشرع بين صاحب الحق ومحله، خلافًا لما استقر عليه الفقه الوضعي من اشتراط كون محل الحق ماديًا حتى يعتبر عينيًا، وبذلك يشمل الحق العيني في الشريعة الحقوق المالية وغير المالية» (٢).
والمقصود في هذا العنوان أعني (مالية الحقوق) هي الحقوق المعنوية خاصة، وأما الحقوق العينية فهي إما أعيان لا خلاف في ماليتها، وإما منافع وقد فصلت الخلاف في مالية المنافع، وأما الحقوق الشخصية فقد سبق الكلام عليها عند الكلام على مالية الديون، ولذا أفردت في هذا الفصل كلام أهل العلم في مالية الحقوق المعنوية.
الحق بالمعنى الخاص:
انتهينا من الكلام على الحق بالمعنى العام، وبينا أقسامه، وتعريف كل قسم وقد يستعمل الفقهاء الحق في مقابلة الأعيان والمنافع المملوكة، وعند ذلك لا يريدون به ذلك المعنى العام الذي سبق بيانه، وإنما يريدون تلك المصالح الاعتبارية الشرعية التي لا وجود لها إلا باعتبار الشرع وفرضه كحق الشفعة،
стр. 155
وحق الخيار .... وحق الكفاءة في الزواج، وحق الطلاق، وحق القصاص، وحق الحضانة والولاية وما إلى ذلك (١).
«ويستعمل الحق بالمعنى الخاص أيضًا فيما يثبت للعقار من منافع كحقوق الارتفاق، مثل: حق الشرب، وحق المسيل، وحق المرور وغيرها» (٢).
ويدخل في هذه الحقوق أيضًا الحقوق المعنوية، من ذلك الاسم التجاري والعنوان التجاري، والتأليف والاختراع أو الابتكار، وهي حقوق خاصة لأصحابها أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها.
وبهذا التعريف للحق نجد أن الجمهور يجعلون الحق بمعناه الخاص في مقابلة الأعيان.
والحنفية يجعلون الحق في مقابلة الأموال، ويقولون: إن الحق ليس بمال.
ونستطيع أن نقسم الحق بمعناه الخاص إلى قسمين:
حق غير مالي: وهي حقوق لا تُقَّوم بالمال، ولا تقبل التعامل بها، أو التنازل عنها، ولا نقلها من شخص لآخر، كحق الولاية، وحق حرية التنقل، وحق الحضانة ونحوها.
وحق مالي: وهي الحقوق التي تُقَّوم بالمال، وتقبل التنازل عنها، والانتقال من شخص لآخر، كحق المرور وحق المسيل وحق الشرب.
وبهذا نكون قد وقفنا على معرفة الحق بمعناه العام، وبمعناه الخاص، وعن أقسام الحق إلى حق مالي، وحق غير مالي، وأن الحق المالي ينقسم: إلى حقوق عينية، وحقوق شخصية، وحقوق معنوية.
* * *
стр. 156
المبحث الثاني
في مالية الحقوق المعنوية (الابتكار)
قال ابن تيمية: حقوق الآدميين تقبل من المعاوضة والبدل ما لا يقبلها حقوق الله تعالى، ولا تمنع المعاوضة في حق الآدمي إلا أن يكون في ذلك ظلم لغيره، أو يكون في ذلك حق لله، أو يكون من حقوق الله (١).
[ن - ١] الحقوق الفكرية (٢)، أو الحقوق المعنوية أول من أقرها واعترف بها، ونظمها هو القانون الفرنسي، ثم انتقلت بفعل التأثر إلى القوانين العربية.
فإذا جاء الفقيه المسلم ليناقش هذه الحقوق في ظل هيمنة القوانين العربية
стр. 157
المتأثرة تأثرًا كاملًا بالقوانين الغربية فإنه إما أن تكون مرجعيته في بحثه مستمدة من الفقه الإسلامي، والذي لن يجد هذا الأمر محسومًا خاصة من خلال الفقه الإسلامي القديم. وإما أن تكون المرجعية في ذلك إلى القوانين العربية المستمدة من القوانين الغربية، وهذه القوانين نشأت في بيئة النظام الرأسمالي، وإطلاق سلطان الإرادة، والحرية الفردية.
فإذا حاول الفقيه تخريج هذا الحق على أحد الحقوق المقررة في الشريعة الإسلامية فإن اجتهاده سيكون من قبيل النازلة الفقهية؛ لأن هذا الحق لم يكن معترفًا به في العصور الإسلامية السابقة، وسيكون على الفقيه أن يقدم الحجة المقنعة في عدم اعتبار هذه الحقوق حقوقًا مالية مع قيام السبب طيلة هذه القرون من عصر الدولة الإسلامية. ولن تكون هذه الحقوق الفكرية مهما قيل عنها بمنزلة الحقوق التي جاء النص الشرعي باعتبارها وذلك كحق الشفعة، وحق الخيار، وحق الطلاق، وحق القصاص، وحق الحضانة والولاية، وحقوق العاقدين وغيرها من الحقوق المالية وغير المالية المنصوص عليها.
فإذا رجع الفقيه المسلم إلى تراثه في تعريف المال ليرى هل هذه الحقوق تدخل في مسمى المال؟ وبالتالي يصح أن تكون هذه الحقوق محلًا للمعاوضة؛ لأن ما ليس بمال لا يجوز بذل المال لتحصيله والمعاوضة عليه، وجدنا هناك خلافًا بين مذهب الحنفية وبين مذهب جمهور الفقهاء في بيان حقيقة المال.
فمذهب الحنفية يرى أن المال لا يقع إلا على شيء مادي يمكن حيازته وادخاره، وهذا الشرط عندهم أخرج منافع الأعيان؛ لأنها أعراض لا يمكن حيازتها وادخارها فالسيارة مال؛ لأنها شيء مادي محسوس يمكن حيازته وادخاره، بينما ركوب السيارة ليس مالًا عند الحنفية؛ لأنه لا يمكن حيازته وادخاره، وقس على ذلك سكنى الدار ونحوها.
стр. 158
فالحنفية يرون أن هذه المنافع ملك، وليست مالًا (١).
وليس هذا هو الخلاف الوحيد بين الحنفية والجمهور في حقيقة المال، ولكن هذا هو الخلاف الذي يعنينا في مسألتنا هذه.
فإذا كانت الحقوق الفكرية كما يقول الشيخ علي الخفيف: «سلطة على شيء غير مادي، هو ثمرة فكر صاحب الحق، أو خياله، أو نشاطه، كحق المؤلف فيما ابتدعه من أفكار علمية، وحق الفنان في مبتكراته الفنية، وحق المخترع في مخترعاته الصناعية، وهكذا».
فإذا كانت الحقوق الفكرية تقع على شيء غير مادي لا يمكن حيازتها وادخارها فإن الخلاف في ماليتها يجب أن يجري عليها كما جرى الخلاف في مالية المنافع بين الفقهاء المتقدمين.
والحق أن مذهب الحنفية مذهب ضعيف جدًا، وغير معمول به في عصرنا، وقد دلت الأدلة الكثيرة على أن المنافع من الأموال، وقد سبق تفصيل ذلك في بحث سابق.
وإذا ثبت أن المنافع من قبيل الأموال، فإن إثبات المالية لها لا بد من توفر شرطين: الإذن بالتملك. وجريان التمول.
قال ابن عبد البر ﵀: «المعروف من كلام العرب أن كل ما تملك وتمول فهو مال» (٢). فأشار ابن عبد البر إلى الأمرين معًا: التملك والتمول.
فالشرط الأول لمالية الشيء هو الإذن بالتملك. بمعنى ألا ينهى الشارع عن
стр. 159
تملكه، فما نهى الشارع عن تملكه، أو كان الشيء بطبيعته لا يقبل الملكية فلا يعتبر مالًا. فالأول: كالميتة والخمر، والدم، والخنزير، والأصنام. فقد نهى الشارع عن بيعها كما في حديث جابر المتفق عليه (١)، وبالتالي لا تعتبر مالًا بالإجماع.
والثاني: كالهواء، وحق التنقل، وحق إبداء الرأي، فإن هذه الحقوق لا تقبل الملكية فلا تعتبر مالًا.
فإذا نظرنا إلى الحقوق الفكرية فإنه لا يوجد نهي من الشارع ينهى عن تملكها، فالاسم التجاري، والعلامة التجارية وحق المؤلف والمخترع لا يوجد نص من الشارع ينهى عن تملكها، أو عدم إضافتها إلى أصحابها، أو جواز التعدي عليها.
الشرط الثاني لمالية الشيء: هو جريان التمول بين الناس، فلا يكفي كون الشارع لم ينه عن تملك هذه العين أن تكون مالاً حتى يجري تمولها بين الناس، ويعتاد الناس ذلك، وتصبح لها قيمة مالية عندهم.
وهذا الشرط متوفر أيضًا في الحقوق الفكرية، فإن الناس في عصرنا اعتادوا تمول مثل هذه الأشياء، وبذل المال فيها، والمعاوضة عليها.
إذا تقرر هذا نستطيع أن نقول: إن حقيقة المال يشمل الحقوق الفكرية باعتبارها من قبيل المنافع.
هذا الاستدلال على الحقوق الفكرية (المعنوية) على سبيل الإجمال، وسوف نتناول هذه الحقوق على سبيل التفصيل في المباحث التالية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 160
الفرع الأول
مالية العلامة والاسم التجاري
المسألة الأولى
في تعريف الاسم والعلامة التجارية
تعريف الاسم التجاري:
«الاسم التجاري: هو تسمية يستخدمها التاجر علامة تميز منشأته التجارية عن نظائرها، وليعرف المتعاملون معه نوعًا خاصًا من السلع وحسن المعاملة والخدمة».
تعريف العلامة التجارية:
العلامة التجارية: «هي إشارة مادية يضعها التاجر أو المنتج على سلعة ليسهل تمييزها عن السلع الأخرى من ذات الصنف، ويمكن أن تكون اسمًا يتخذ شكلًا معينًا، أو إمضاء، أو كلمة، أو حروفًا، أو أرقامًا، أو رسومًا، أو غير ذلك (١).
الفرق بين الاسم التجاري والعلامة التجارية:
الاسم التجاري يميز المنشأة التجارية ذاتها عن نظائرها (فهو علامة توضع على المصنع أو المنشأة).
وأما العلامة التجارية يستخدم لتمييز البضائع والمنتجات (فهو علامة توضع على البضائع).
стр. 161
وقد يستخدم التاجر الاسم للمنشأة في تكوين العلامة التجارية التي يضعها على المنتجات وبذلك يقوم الاسم التجاري بوظيفة في تكوين العلامة التجارية (١).
فالعلامة التجارية والاسم التجاري رغم الفارق بينهما إلا أن لهما ارتباطًا وثيقًا بالمحل التجاري كعلامات مميزة له.
[ن- ٢] إذا عرفنا الاسم التجاري والعلامة التجارية، فهل يعتبر هذا الاسم التجاري أو العلامة التجارية مالًا يمكن بيعه، والمعاوضة عليه؟
قبل الجواب عليه ينبغي أن نبين أن هناك طريقتين في بيع الاسم التجاري، أحدهما لا ينبغي أن يكون فيه خلاف في جواز بيعه، واعتباره مالًا حتى على قول من يرى أن المنافع ليست من قبيل الأموال:
فالطريقة الأولى:
أن تتعهد الشركة المنتجة ببيع الخبرة لشركة أخرى، وذلك بأن تقوم بدور التدريب والإرشاد لتصنيع البضاعة، والكشف عن أسرارها ومزاياها حتى تكون منتجات الشركتين بنفس الجودة والإتقان، فهذا العقد في الحقيقة منصب على نقل الخبرة الصناعية، وإنما دخل الاسم التجاري تبعًا، فهذا عقد صحيح لا ينبغي الخلاف عليه؛ لأن نقل الخبرة بالتدريب مقابل ثمن يتفق عليه، لا حرج فيه شرعًا، وإنما ينتقل الاسم التجاري تبعًا لانتقال الخبرة، نظرًا لما هو قائم بينهما من التلازم المستمر.
стр. 162
الطريقة الثانية:
أن يبيع التاجر الاسم التجاري دون أي التزام بتقديم خبرة، أو الكشف عن أسرار الصناعة، وإنما يطلب المشتري الاسم التجاري ليضعه على بضاعته ليحقق رواجًا لسلعته تحت هذا الاسم مقابل مبلغ من المال، فيستفيد المشتري من شهرة الاسم وثقة الناس به (١).
وهذا النوع من البيع هو الذي يمكن أن يجري فيه خلاف حسب قواعد الفقهاء المتقدمين، ويكون بيعه من قبيل بيع الحقوق والمنافع، وإن لم يكن هذا النوع من الحقوق معروفًا في عصر الفقهاء المتقدمين، وإنما انتشر في العصر الحديث، والله أعلم.
* * *
стр. 163
المسألة الثانية
خلاف العلماء في مالية العلامة والاسم التجاري
ما جاز الانتفاع به جاز شراؤه وبيعه إلا ما خص بالدليل (١).
بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو الدنيا، وهذا أصل متفق عليه (٢).
[ن-٣] ما حكم بيع الاسم التجاري إذا لم يصاحبه التزام من البائع بنقل الخبرة أو الكشف عن أسرار الصنعة، وإنما كان البيع للاسم التجاري فقط؟
في هذا خلاف بين أهل العلم يرجع إلى الخلاف القديم في تعريف المال، والاختلاف فيه على قولين.
القول الأول:
لا يعتبر مالًا، ولا يجوز أخذ العوض عليه، ويمكن تخريج هذا القول على مذهب الحنفية القائلين بعدم مالية المنافع (٣).
القول الثاني:
يعتبر مالًا، وهو مقتضى مذهب جماهير العلماء، والذين يعتبرون المنافع من الأموال (٤).
стр. 164
وقد ذهب عامة العلماء المعاصرين على اعتبار الاسم التجاري حقًا ماليًا، وذا قيمة مالية، ودلالة تجارية معينة (١). وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي (٢).
تعليل من قال: إن الاسم التجاري لا يعتبر مالًا .
التعليل الأول:
الاسم التجاري من الحقوق المعنوية، والحقوق المعنوية لا تدخل في مسمى المال عند الحنفية كسائر المنافع العرضية، لأن الشيء لا يكون مالًا حتى يمكن حيازته وادخاره، وهذا من خصائص الأعيان، وعليه فالمنافع كسكنى الدار، والحقوق المعنوية ومنها الاسم التجاري لا تعتبر مالًا.
ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أن المال لا يطلق إلا على ما يمكن حيازته وادخاره، وقد سبق الجواب عن هذا الدليل في معرض الكلام على مالية المنافع فأغنى عن إعادته هنا.
الوجه الثاني:
يرى بعض الباحثين أن الاسم التجاري وإن كان حقًا مجردًا غير ثابت في عين قائمة، ولكنه بعد التسجيل الحكومي الذي يتطلب جهدًا كبيرًا، تحصل له بعد ذلك صفة نظامية تمثلها شهادات مكتوبة بيد حاملها، وفي دفاتر الحكومة، أشبه
стр. 165
الحق المستقر في العين، والتحق في عرف التجار بالأعيان، ولاشك أن للعرف مجالًا في إدراج بعض الأشياء في الأعيان؛ لأن المالية كما يقول ابن عابدين ﵀: تثبت بتمول الناس، وهذا مثل القوة الكهربائية أو الغاز التي لم تكن في الأزمان السالفة تعد من الأموال والأعيان المتقومة؛ لأنها ليست عينًا قائمة في ذاتها، ولم يكن إحرازها في الوسعة البشرية ولكنها صارت الآن من أعز الأموال المتقومة التي لا شبهة في جواز بيعها وشرائها، وذلك لنفعها البالغ، ولإمكان إحرازها، ولتعارف الناس بماليتها وتقومها (١).
ويقول القره داغي: «فالاسم التجاري وإن كان في ظاهره أمرًا معنويًا، لكنه في حقيقته له واقع ملموس، وقيمة ذاتية مستقلة عن السلع التي تمثلها .... » (٢).
التعليل الثاني:
أن بيع الاسم التجاري مجردًا من نقل الخبرة يحمل غشًا وتدليسًا للجمهور، وذلك لأن المزايا التي تتمتع بها السلعة الأصلية إنما هي ثمرة جهود أصحابها ونشاطهم الفكري أو الصناعي، فإذا نقل الرمز التجاري من بضاعة إلى أخرى انطوى ذلك على غش وتدليس وخداع للجمهور الذي اشترى البضاعة الجديدة على أنها نفس البضاعة الأصلية.
ويجاب عن ذلك:
بأننا نشترط في بيع الاسم التجاري أن لا يترتب على هذا البيع غرر، فبيع الاسم التجاري يلزم منه بيع مضمونه فيما يدل عليه من جودة وإتقان ومواصفات
стр. 166
للسلع، فإن انفصلت الجودة والإتقان عن ذات الاسم التجاري كان ذلك تدليسًا وغشًا لما يوقعه من توهم الجودة، وهذا البيع لا يجوز، ولكن ما المانع إذا انتقل الاسم التجاري مع ما يدل عليه من جودة بضائعه وثبات صفاته المعهودة لدى المتعاملين معه، فإن تغير صاحب الاسم التجاري لا يغير من الأمر شيئًا، فقد انفصل الاسم بمزاياه وشهرته إلى غير صاحبه الأول، فلا يترتب على هذا تدليس أو تغرير. فلا فرق بين بيع الاسم التجاري وما يستوعبه من سلع وملحقات، أو بيع الاسم التجاري منفردًا مع اشتراط أن ينشئ المشتري مضمونًا جديدًا من السلع لهذا الاسم بذات المواصفات والجودة المعهودة من ذي قبل، فإن لم يمكنه ذلك فيجب على المشتري أن يعلن أن الاسم التجاري لم يعد يمثل ما بداخله، وأن البضاعة قد تغيرت من حيث المواصفات والأنواع، فإن فعل ذلك ارتفع الغرر، ولذلك تجد المشتري للاسم التجاري أحيانًا يبين بلد التصنيع ليرتفع بذلك الغرر (١)
وفي أحيان كثيرة تعلن الشركة التي اشترت الاسم بأنها اشترت حق الترخيص من الشركة المالكة، فيزول اللبس على الجمهور ويعرف المستهلك الفرق بين البضاعة الأصلية، والبضاعة المقلدة.
وقد أشار فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني إلى هذا الشرط بقوله:
«يستلزم هذا البيع الالتباس أو الخديعة في حق المستهلكين، وذلك بأن يقع الإعلان من قبل المشتري أن منتج هذه البضاعة غير المنتج السابق، وإنما يستعمل هذا الاسم، أو العلامة بعد شرائهما بنية أنه سيحاول بقدر الإمكان أن يكون إنتاجه بمستوى الإنتاج السابق أو أحسن منه.
стр. 167
وأما بغير هذا الإعلان، فإن انتقال الاسم أو العلامة التجارية إلى منتج آخر يسبب اللبس والخديعة للمستهلكين، واللبس والخديعة حرام، لا يجوز بحال، والله أعلم» (١).
تعليلات الجمهور على جواز بيع الاسم التجاري .
التعليل الأول:
الاسم التجاري له قيمة مالية معتبرة، لأمور منها:
(أ) الأموال والأوقات والجهود التي بذلت في تحقيق السمعة الطيبة للاسم التجاري، فالتاجر الذي نجح في إيجاد اسم تجاري له سمعة وشهرة قد بذل جهدًا ذهنيًا وأموالًا ووقتًا ليس بالقليل حتى بنى هذا الاسم وأنزله منزلة مقبولة لدى جمهور الناس.
(ب) العائد المالي الذي يحققه هذا الاسم، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن الاسم التجاري ذا السمعة الطيبة يعود على صاحبه بالأرباح الطائلة.
وإذا كان الاسم التجاري رديء السمعة يهبط بقيمة السلعة، فإن الاسم التجاري ذا السمعة الجيدة يرفع من قيمة السلعة، ويحقق لها رواجًا وانتشارًا، فدل ذلك على أن له قيمة مالية معتبرة.
(جـ) قدرة الاسم التجاري على تمييز البضائع الجيدة من البضائع المقلدة والمزيفة. كل ذلك جعل للاسم التجاري قيمة مالية، وجعل لصاحبه الحق في الانتفاع بهذا الاسم، والتصرف فيه، واستعماله، واستغلاله، ومن ذلك بيعه.
стр. 168
التعليل الثاني:
كل الأدلة التي سقناها في فصل سابق واستدل بها الجمهور على مالية المنافع تساق هنا باعتبار أن الاسم التجاري مشتمل على منفعة، وإذا كان الاسم التجاري له منفعة تعود على صاحبه، وتعود على المجتمع فقد قامت الأدلة على أن المنافع أموال، وأن مالك المنفعة يجوز له أن يتصرف فيها بيعًا واستعمالًا واستغلالًا.
التعليل الثالث:
إذا كانت المنفعة تعتبر أساسًا للقيمة والمالية، ولو كانت ترفيهية يسيرة الشأن، كما في تغريد بلبل أو تصويت ببغاء، فما بالك بمنفعة الاسم التجاري والتي تعود بالأموال الطائلة على صاحبها، كما لو كان يحمل سمعة عالمية طيبة.
الراجح من القولين:
بعد استعراض الأدلة أجد أن الراجح القول بمالية الاسم التجاري، وأن له قيمة معتبرة، وأن لصاحبه الحق في التصرف فيه بيعًا، واستعمالًا، واستغلالًا بشرطه، وهو ألا يتضمن غررًا أو تدليسًا على الجمهور، والله أعلم.
وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت، هذا نصه:
بعد الاطلاع على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع الحقوق المعنوية واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرر:
أولًا: الاسم التجاري والعنوان التجاري والعلامة التجارية والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها أصبح لها في العرف
стр. 169
المعاصر قيمة مالية معتبرة لتولي الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها.
ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش باعتبار أن ذلك أصبح حقًا ماليًا ..... (١).
* * *
стр. 170
الفرع الثاني
في مالية حق المؤلف
هذا قسم من الحقوق المعنوية، وهو حق المؤلف
وقد قيل في تعريفه: «حق الإنسان في إبداع شيء علمي أو أدبي أو فني، سواء بالجمع والاختيار، أو إحداث شيء لم يسبق إليه، أو إكمال ناقص، أو تصحيح خطأ، أو تفسير وتفصيل، أو تلخيص أو تهذيب، أو ترتيب مختلط» (١).
وهذا الحق نوعان:
الأول: حق أدبي لا يقبل المعاوضة، ولا يدخل في مسمى المال، ويشمل أربعة أمور: حق المؤلف في تقرير نشر مؤلفه، وحقه في نسبة مصنفه إليه، وحقه في دفع الاعتداء على مصنفه، وحقه في سحب مصنفه من التداول وحرقه متى ما رأى أن هناك خطأ علميًا ارتكبه.
النوع الثاني: حق مالي يقبل المعاوضة، وهو حق صاحبه في اختصاصه بالمنفعة المالية التي تمكنه من استعماله واستغلاله وبيعه، وهذا هو مقصود البحث.
[ن- ٤] وقد اختلف الفقهاء في توصيف هذا الحق:
فذهب بعضهم إلى أن حق المؤلف ليس حقًا ماليًا (٢).
стр. 171
وذهب آخرون إلى أنه حق مالي (١).
واختلف القائلون بأنه حق مالي: هل هذا يعني أنه من حقوق الملكية، أو من حقوق الاحتكار.
فذهب بعض القانونيين إلى أنه من أقدس حقوق الملكية.
وعلل ذلك:
إذا كانت الملكية تطلق على استحواذ الإنسان على أشياء مادية قد لا تكون من نتاج عقله ولا من صنع يده، فإن إطلاق الملكية على نتاج ذهن الإنسان وتفكيره أولى، فهي تتصل بالصميم من نفسه، وتظهر فيها شخصيته، واعتزازه بها، وحرصه عليها، أكثر من حرصه على ملكية أمور مادية لم يكن من نتاجه، ولا من عمل فكره.
وذهب آخرون إلى أنه ليس من حقوق الملكية، وإن كان له حق في الجزاء المالي على عمله، ولكن هذا الجزاء ليس هو الملكية التي تتنافى طبيعتها مع طبيعة الفكر، بل هو الحق المالي للمؤلف أو المخترع في احتكاره، واستثمار فكره لمدة معقولة.
فالملكية: حق استئثار مؤبد، في حين أن حق المؤلف أو المخترع حق استغلال مؤقت.
والملكية تؤتي ثمارها بالاستحواذ عليها، والاستئثار بها.
أما الفكر فعلى النقيض من ذلك إنما يؤتي ثماره بالانتشار، وليس
стр. 172
بالاستئثار، وبالانتقال من شخص إلى آخر بحيث يمتد إلى أكبر مجموع ممكن من الناس.
وإذا كان صاحب الفكر هو الذي ابتدع نتاج فكره، فالإنسانية شريكة له من وجهين:
وجه تقضي به المصلحة العامة، إذ لا تتقدم الإنسانية إلا بفضل انتشار الفكر.
ووجه آخر يرجع إلى أن صاحب الفكر مدين على نحو ما لأهل العلم قبله، ففكره ليس إلا حلقة في سلسلة تسبقها حلقات، فهو إذا كان قد أعان من جاء بعده، فقد ا ستعان بمن سبقه، ومقتضى ذلك ألا يكون حق المؤلف حقًا مؤبدًا كما هو شأن الملكية المادية (١).
ويظهر ذلك جليًا في البحوث الشرعية، فإن جل مادة هذه البحوث مأخوذة من التراث، من كتاب الله، ومن سنة رسوله ﷺ ، ومن أقوال الصحابة وفقهاء هذه الأمة، وهذا التراث ليس ملكًا للباحث حتى يدعي أن ذلك من حقوق الملكية.
لهذا يرى بعض الباحثين أن أقصى مدة لاستغلال الورثة للحق الناشئ عن الإنتاج الفكري هي ستون عامًا من تاريخ وفاة مورثهم، وذلك قياسًا على أقصى مدة للانتفاع عرفها الفقه، وهي الانتفاع بحق الحكر، وهو حق القرار على الأرض الموقوفة للغرس، أو البناء بطريق الإجازة الطويلة باعتبار أن أصل هذا القياس هو كون الإنتاج الفكري نسبي الابتكار؛ لاعتماده على تراث السلف، وهو حق عام للأمة بمثابة الموقوف على جهة عامة (٢).
стр. 173
وهذا الكلام يمكن تعقبه، بأن يقال:
إن قولكم: (الملكية تؤتي ثمارها بالاستحواذ عليها، والاستئثار بها، وأما الفكر فلا يؤتي ثماره إلا بالانتشار، وليس بالاستئثار).
فيقال: إن الاستئثار المقصود في الملك في الفقه الإسلامي ليس معناه احتواء الشيء من قبل المالك، وإنما معناه أن يختص به دون غيره، فلا يعترض عليه أحد في التصرف فيه، والتصرف في الأشياء حسب طبيعتها، لذلك تختلف طبيعة التصرف في الشريعة من نوع إلى آخر (١).
وأما قولكم بأن حق المؤلف ليس حقًا مؤبدًا، والملكية تعني الاستئثار المؤبد.
فيقال: «الشريعة أيضًا لا تشترط التأبيد لتحقق معنى الملك، بل إن طبيعة ملك المنفعة مثلًا تقتضي أن يكون مؤقتًا، كما في ملك منفعة العين المستأجرة، وملك منفعة العين الموصى بمنفعتها دون رقبتها، فإذا كان لا بد أن يتأقت الحق المعنوي بمدة معينة بحجة أن صاحب الحق المعنوي قد استفاد من جهد غيره، فهو ليس جهدًا خالصًا له، كما أن جهده ضروري لتقدم البشرية ورقيها، ومقتضى ذلك ألا يكون حقه حقًا مؤبدًا، فإن هذا التوقيت لا يخرجه عن الملك في الشريعة» (٢).
стр. 174
دليل القائلين بأن حق المؤلف ليس حقًا ماليًا:
الدليل الأول:
أن حق المؤلف حق معنوي، وليس عينًا، ولا يجوز الاعتياض عن الحقوق المعنوية المجردة.
ويجاب:
بأن دعوى أن الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها بمال ليس محل إجماع، وإن سلم هذا فلا يسلم أن حق المؤلف من الحقوق المجردة كحق الشفعة وحق الخيار، وحق إبداء الرأي وحق الشورى وحق التنقل، وحق التعاقد بالعقود المشروعة، وغيرها من الحقوق المجردة التي لا تقوم بمحل، ولا تتقرر في ذات، وإنما ثبتت لدفع الضرر، بخلاف حق المؤلف الذي ثبت أصالة لصاحبه، وليس فقط لدفع الضرر عنه، وكان استحقاقه قائمًا على بذل جهد فكري، ووقت زمني، وما كان كذلك جاز أخذ العوض عليه.
الدليل الثاني:
أن حق المؤلف حق معنوي، والمالية لا تثبت إلا لما يمكن حيازته وادخاره.
ويجاب:
بأن حصر المال فيما يمكن حيازته وادخاره ليس مسلمًا، بل المال كل ما له قيمة شرعية، وأمكن الانتفاع به انتفاعًا مباحًا، وقد قدمنا في فصل سابق الأدلة على أن المنافع من الأموال، وأن الأموال ليست محصورة في الأعيان فقط.
الدليل الثالث:
أن التأليف كان موجودًا في عصور الإسلام المختلفة، ولم يطالب المصنفون
стр. 175
لهذه الكتب بحقوق مالية، ولو كانت مالًا لوجد من يطالب بها، فدل على أنها ليست مالًا، ولم يعرف هذا الحق في الشرع، وإنما مصدر هذا الحق هو القانون، وهناك فارق كبير بين أن يقر بهذا الحق الشرع، وبين أن يقر به القانون الوضعي، والذي نشأ في بيئة النظام الرأسمالي، والذي لا يدخل في حسابه أن أحدًا يبذل جهده في التأليف لا يبتغي إلا وجه الله والدار الآخرة.
ويجاب عن ذلك:
لا نسلم أن مصدر هذا الحق هو القانون، وأن الشرع لم يتعرض له، فهناك نصوص شرعية كثيرة تدل على أن أخذ الأجر على التأليف سائغ شرعًا، كالإذن بأخذ الأجر على الرقية، وجعل التعليم مهرًا في النكاح، وأخذ الأجر على التحديث، وقد أوردناها في أدلة القائلين بالجواز فانظرها هناك، وعلى التسليم بأن مصدر هذا الحق هو القانون، فإن هذا لا يعني أن هذا الحق لا تقره قواعد الشرع.
وأما كون هذا الحق لم يقم في المجتمع الإسلامي رغم نشاط حركة التأليف في القديم فله أسباب كثيرة جدًا، ذكرها بعض المحققين في هذا الشأن، منها:
السبب الأول:
قد بينا في فصل سابق أن التمول مرده إلى العادة والعرف، فإذا اعتاد الناس تمول شيء صار مالًا، وإذا ترك الناس تمول بعض الأعيان فقدت ماليتها.
قال ابن عابدين: «والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم» (١).
وقال في المبسوط «وإنما تنبني المالية على التمول» (٢).
стр. 176
ومن أبرز الأمثلة على ذلك دود القز، فقد مر عهد طويل في بعض البلاد، والناس لا يرون لدود القز أي جدوى، إذ لم يكونوا يقبلون عليه بأي محاولة استفادة، إما لجهلهم بما فيه من المزية المعروفة، وإما لجهلهم بسبل الوصول إلى هذه المزية فيه، ومن ثم فلم يكن التعامل به مشروعًا فلما تبدلت الأحوال وتنبه الناس إلى ما فيه من مزية وتمرسوا بسبل استخراج الحرير منه تغير الحكم، فأصبح التعامل به مشروعًا، بل أصبح مصدرًا من مصادر الثروة والتجارة» (١).
وإذا ثبت أن التمول مرده إلى العادة والعرف، فلقد أصبح العرف في هذا الزمن في بلاد الناس كافة تعتبر حق المؤلف حقًا ماليًا، لا يجوز الاعتداء عليه.
السبب الثاني:
أن الكتاب مهما عظمت فائدته المعنوية، ومهما كان محل رغبة عالية من جماهير الناس، فإن القيمة المالية التي يمكن أن تقدر تلك الفائدة بها تذوب وتختفي إزاء قيمة الجهد الكبير الذي كان الناس يبذلونه في سبيل رصد هذه الفائدة وتسجيلها، بحيث تبدو قيمة النسخ مساوية أو أغلى من قيمة المضمون العلمي أو الفكري للكتاب ......
ولهذه المسائل نظائر معروفة في حياتنا اليوم، وهو أننا كثيرًا ما نتأكد من وجود معادن ثمينة داخل بقعة من الأرض التي في حوزتنا، غير أن السعي إلى استخراج هذه المعادن وتصفيتها يتطلب من الجهد والتكاليف ما قد يربو ثمنه على قيمة تلك المعادن ووجوه الاستفادة منها .. ولا ريب أن قيمة تلك المعادن تضمحل وتذوب إزاء الجهود والصعوبات التي تقف في طريق استخراجها،
стр. 177
وعندئذٍ يصح أن يقال: إن هذه المعادن لا تنطوي حكمًا على أي قيمة مالية حية ..... فكذلك الشأن في ا لكتاب في الزمن الماضي.
أما اليوم وقد ظهرت الآلات الطابعة التي تقذف الواحدة منها عشرات النسخ من الكتاب في الدقيقة الواحدة فلم يعد يكلف إخراج النسخة الواحدة إلا مبلغًا زهيدًا من المال، هو في مجموعه قيمة الورق ونفقات الآلة ... وأمام ضمور كلفة استخراج النسخة الواحدة تبرز قيمة المضمون العلمي له، تلك القيمة التي ظلت خفية أو ضامرة بسبب ضخامة القيمة التي كان يستحقها استخراج النسخة الواحدة منه (١).
الدليل الرابع:
إذا كان العلم من فروض الكفاية، وكان قربة وطاعة فكيف يجوز أخذ العوض على ما هو واجب، ويراد به وجه الله والدار الآخرة.
وقد قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦].
فالتأليف الشرعي من أفضل القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وإذا كان ذلك كذلك فإن أساس العبادة ولبها هو إخلاصها لله، وتنزيهها عن شوائب الشرك بحظوظ النفس. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤].
ويجاب:
هذا الدليل مركب من دليلين، ويجاب عن كل واحد بمفرده،
стр. 178
أما القول بأن ن الواجب لا يجوز أخذ العوض عليه.
فيقال: لا مانع من أخذ المال على ما هو واجب على الإنسان، وذلك لأن التأليف اليوم حرفة ومهنة، فكيف يقوم الإنسان بمعاشه، ومعاش من يعوله إذا لم يكن لما بذله من جهد مضن وشاق ووقت كثير أي مردود مالي، بل إن الجهد البدني أخف بكثير من الجهد الذهني، فقد تأخذ مسألة فقهية من طالب علم أيامًا كثيرة، وهو يصرف الجهد والوقت في البحث عنها ليقدمها للقراء، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإمامة العظمى، وهي من أعظم فروض الكفاية في الأمة، إذا اختير شخص ليكون إمامًا للأمة وخليفة لها أجرى له بيت المال رزقًا على عمله، يعول نفسه وولده، وهذا إمام الصلاة والمؤذن والقاضي، ومعلم القرآن والحديث والفقه يجري لهم أرزاق من بيت المال، فالمؤلف مثلهم، فإذا لم يجر له هذا المال من بيت مال المسلمين فما المانع أن يأخذ هذا الحق من منفعة كتبه مستغنيًا بذلك عن هبات الحكام وعطاياهم، والتي ربما قد تكون ثمنًا لدينه، وقد تحمله على أن يتقاعس عن القيام بواجبه.
وأما الجواب عن أخذ العوض الدنيوي عما يراد به الدار الآخرة، فلا حرج فيه شرعًا، وإنما الحرج لو كان الباعث على التأليف هو الدنيا وحدها، وأما إذا كان الباعث هو الرغبة في الأجر، أو كان الباعث أمرًا مشتركًا (الدين والدنيا) فلا يقدح هذا في إخلاص المرء ودينه.
كما قدمنا في قول الرسول ﷺ : «من قتل قتيلًا فله سلبه» (١).
وقوله ﷺ «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» (٢).
стр. 179
وأذن الرسول ﷺ في أخذ الأجرة من الرقية، وهي عبادة.
وهذا الجهاد من حقوق الله تعالى، وهو من أعظم القربات، ومع ذلك فقد جعل للمجاهدين حقًا في أربعة أخماس الغنائم، وقد اعتبرت هذه الغنيمة معونة من الله للمجاهدين، ومكافأة لهم لتمكينهم من الاستمرار في الجهاد، وعدم الانقطاع عنه، وإهمال حقوق المؤلف أدعى لترك التأليف لعدم تمحض حق الله تعالى في التأليف كتمحضه في الجهاد في سبيل الله والأدلة في هذا كثيرة، وقد سبق ذكر مزيد منها عند الكلام على مالية المنافع.
الدليل الخامس:
أن في هذا السلوك كتمانًا للعلم، وقد توعد الشارع على من يكتم العلم.
ويجاب عن هذا:
بأن هناك فرقًا بين كتم العلم عن الناس، وبين بذله لهم بعوض مالي، والوعيد إنما هو في كتمه وحبسه عنهم.
الدليل السادس:
أن من باع كتابًا إلى آخر فقد ملك المشتري ذلك الكتاب، ومقتضى الملك أن يتصرف فيه كيف يشاء، فيجوز له أن يقوم بطباعته، وليس للبائع أن يحجر عليه أي نوع من أنواع التصرف من استعماله وبيعه واستغلاله (١).
والجواب على ذلك:
بأن يقال: هناك فرق واضح بين تمليك الانتفاع وبين ملك المنفعة.
فتمليك الانتفاع: حق شخصي يباشره صاحبه بنفسه فقط، وليس له أن يمكن
стр. 180
غيره من تلك المنفعة، فالنكاح مثلًا من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة، إذ ليس له أن يمكن غيره من تلك المنفعة.
ومثله حق الجلوس في الطرقات والمساجد وإجراء الماء في أرض غيره إن احتاج إليه دون الإضرار به.
وتمليك المنفعة أعم وأشمل، فهو يعطي صاحبه حق التصرف في المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم ضمن حدود العقد الذي ملك به المنفعة، فيحق له تمليك المنفعة التي ملكها لغيره بأجرة أو هبة أو عارية، ولا يقيد في تصرفه إلا بشيء واحد، وهو المماثلة لما ملكه من المنفعة في وجه الانتفاع.
فمن اشترى كتابًا فهو قد ملك الانتفاع بهذا الكتاب فقط (الوعاء المادي أصالة، وما قد تضمنه تبعًا) ولم يملك منفعته (مادة الكتاب)، ولهذا لو تلف الكتاب الذي اشتراه ليس له الحق في نسخة أخرى؛ لأن حقه تعلق في هذا الغلاف بعينه، وبه يتبين أن عقد الشراء لم يقع في الأصل على جوهر الحق الذي هو ملك للمؤلف، وإنما وقع العقد على نسخة من الكتاب ينتفع بها قراءة، وهبة، ولم ينتزع حق تلك الأفكار من مبدعها الذي لا تزال تنسب إليه شرعًا، ولم يجعل المشتري من نفسه بدلًا من المؤلف أو المبتكر، فليس للمشتري الحق في غير النسخة التي اشتراها، وليس له أن ينسخ عليها نسخًا أخرى، وهذا واضح بين.
دليل من قال: إن حق المؤلف حق مالي .
الدليل الأول:
(ح-٧) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من