← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المبحث الأول في أنواع الثمن الفرع الأول في تعجيل الثمن [م - ٢٤٠] حلول الثمن هو الأصل في البيع، إذ يقتضي عقد البيع تسليم المبيع إلى المشتري، وتسليم الثمن إلى البائع إلا أن يمنع من ذلك عرف، أو شرط. جاء في مجلة الأحكام العدلية: «البيع المطلق ينعقد معجلًا، أما إذا جرى العرف في بلدة على أن يكون البيع المطلق مؤجلًا، أو مقسطًا إلى أجل معلوم ينصرف البيع المطلق إلى ذلك الأجل» (١). ويقول ابن عبد البر: «الثمن أبدًا حال، إلا أن يذكر المتبايعان له أجلًا، فيكون إلى أجله» (٢). إلا أن هناك في بعض البيوع ما يعتبر التعجيل شرطًا في بقائه على الصحة، كما في رأس مال السلم، وبيع الأثمان بعضها ببعض، وبيع الربويات بعضها ببعض. * * *

стр. 1157

المسألة الأولى وجوب تعجيل الثمن في عقد الصرف [م - ٢٤١] اتفق الأئمة على تحريم تأجيل القبض في عقد الصرف. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المتصارفين إذا تفرقا قبل أن يتقابضا، أن الصرف فاسد» (١). واختلفوا في وجوب الفورية: فرأى مالك أن القبض في عقد الصرف يجب أن يكون فورًا، ولا يجوز التراخي فيه، ولو كان العاقدان في المجلس (٢). وذهب الجمهور إلى جواز التراخي في القبض ما دام العاقدان في مجلس العقد (٣). وسيأتي بحث هذه المسألة، وذكر أدلتها في باب الربا والصرف إن شاء الله تعالى، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته. * * *

стр. 1158

المسألة الثانية تعجيل الثمن في بيع الأموال الربوية [م - ٢٤٢] اتفق الفقهاء على تحريم النسأ (التأجيل) في بيع الأموال الربوية بعضها ببعض، ولو اختلف جنسها إذا كانت العلة واحدة (١). واختلفوا في كيفية القبض: فقيل: يكفي فيها التعيين، ولو لم يحصل تقابض باليد. وهذا مذهب الحنفية. جاء في الدر المختار: «والمعتبر تعيين الربوي في غير الصرف، ومصوغ ذهب وفضة، بلا شرط تقابض، حتى لو باع برًا ببر بعينهما، وتفرقا قبل القبض جاز» (٢). وقيل: لا بد من التقابض، وهو مذهب الجمهور (٣).

стр. 1159

وقد تناولنا عند الكلام على قبض المبيع أدلة كل فريق، فأغنى عن إعادته هنا، كما سيأتي بسط آخر لهذه المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب الربا بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 1160

المسألة الثالثة في تعجيل رأس مال السلم [م - ٢٤٣] اختلف العلماء في حكم تعجيل ثمن المسلم فيه في مجلس العقد. فقيل: يجب تعجيل ثمن السلم في مجلس العقد، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: يجوز تأخير اليومين والثلاثة بالشرط وبدونه، وأما تأخيره بالشرط زيادة على الثلاثة فمفسد للعقد، وأما التأخير أكثر من ثلاثة أيام بغير شرط، ففي الفساد فيه قولان، بشرط ألا يبلغ التأخير أجل المسلم فيه، وهذا مذهب المالكية (٢). وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط أدلة الأقوال في المسألة في كتاب السلم، وهل هناك فرق بين أن يكون الثمن في السلم معينًا، أو يكون في الذمة، أسأل الله أن يبلغنا ذلك بحوله وقوته. * * *

стр. 1161

الفرع الثاني في تأجيل الثمن تكلمنا في البحوث السابقة عن وجوب تعجيل الثمن في بعض أنواع البيوع، ونتناول في هذا الباب وقوع التأجيل في الثمن، في بيان حكمه، وشروطه، والأصل أن تأجيل الثمن يبحث في الشروط الجعلية، لأنه قد يشترطه المشتري على البائع فيما يسوغ فيه التأجيل، فنكتفي بذكر أحكامه بالإشارة هنا، ونترك التفصيل في باب الشروط في البيع؛ لأنه أليق به فيما أراه، والله أعلم. تعريف التأجيل اصطلاحًا (١): قال في بدائع الصنائع: «الأجل: اسم لزمان مقدر مضروب لانقضاء أمر، كآجال الديون وغيرها» (٢). والتأجيل كما يقع في الثمن، يقع في المبيع. فاشتراط الأجل في تسليم المبيع (كالسلم) لقوله ﷺ : (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) (٣). فالمؤجل هنا المبيع دون الثمن.

стр. 1162

وأما اشتراط الأجل بتسليم الثمن، كما لو اشترى رجل سلعة بثمن مؤجل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. * * *

стр. 1163

المسألة الأولى حكم تأجيل الثمن قال الماوردي: الآجال لا تثبت في العقود إلا بشرط كالآثمان (١). [م - ٢٤٤] أجمع العلماء على أنه يجوز تأجيل الثمن إذا لم يكن القبض شرطًا في بقاء العقد على الصحة. قال ابن بطال: «الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع» (٢). وقال العيني: «وقد أجمعوا على أن الشراء بالدين جائز ... » (٣). وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من باع معلومًا من السلع، بمعلوم من الثمن، إلى أجل معلوم من شهور العرب أن الدين جائز» (٤). ومستند الإجماع نصوص كثيرة من الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. قال شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀: «فيها فوائد كثيرة، منها: جواز المعاملات في الديون، سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجل ثمنه، فكله جائز؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين، فإنه من مقتضيات الإيمان، وقد أقرهم عليه الملك الديان» (٥).

стр. 1164

ومن السنة: (ح-١٤٣) ما رواه الشيخان من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد (١). وترجم البخاري في صحيحه: باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة. * * *

стр. 1165

المسألة الثانية في شروط تأجيل الثمن قال الماوردي: الآجال المجهولة يبطل بها البيع (١). [م - ٢٤٥] نذكر شروط تأجيل الثمن مجملة، وقد حررنا الخلاف فيها في كتاب الشروط الجعلية (الشروط في البيع) فارجع إليه إن أردت. الشرط الأول: أن يكون العوضان مما لا يجري فيهما ربا النسيئة، فإن كان مما يجري فيهما ربا النسيئة حرم التأجيل، وذلك كما لو باع دراهم بدراهم، أو باع برًا بشعير، وقد ذكرنا أدلة هذا الشرط في باب اشتراط التأجيل من كتاب الشروط في البيع، وانظر ربا النسيئة في كتاب الربا من هذا الكتاب لمعرفة الأموال التي يجري بينها ربا النسيئة. الشرط الثاني: يشترط في المؤجل عند الجمهور أن يكون دينًا موصوفًا في الذمة، فلا يجوز التأجيل في المعقود عليه (ثمنًا، أو مثمنًا) إذا كان معينًا. وقال ابن عابدين: «الأعيان لا تقبل التأجيل» (٢). وقال الرملي: «الأعيان لا تقبل التأجيل ثمنًا، ولا مثمنًا» (٣).

стр. 1166

وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر الصفقة» (١). وجاء في المجموع: «قال أصحابنا: إنما يجوز الأجل إذا كان العوض في الذمة، فأما إذا أجل تسليم المبيع أو الثمن المعين، بأن قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا، فالعقد باطل» (٢). وقد حكي فيه الإجماع، فإن صح الإجماع فهو حجة، وإلا فالنظر لا يمنع من تأجيل المعين، وإذا جاز على الصحيح أن يبيع الدار ويستثني سكناها مدة معينة، وهذا يقتضي عدم تسليم المعين، جاز الأجل في المعين (٣)، كما تجوز الإجارة على مدة لا تلي العقد على الصحيح، وهذا يعني تأخير تسليم المعين. وقد بحثت هذا الشرط في كتاب الشروط في البيع (اشتراط التأجيل في العقد) فانظره هناك. الشرط الثالث: يشترط لتأجيل الثمن أن تكون السلعة حالة، حتى لا يؤدي ذلك إلى بيع الدين بالدين. «قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، وقال أحمد: إنما هو إجماع ... » (٤). وقال ابن تيمية: «ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ: هو المؤخر

стр. 1167

الذي لم يقبض، بالمؤخر الذي لم يقبض، وهذا كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ» (١). وانظر مزيد بحث له في شروط التأجيل في العقد في الشروط في البيع. الشرط الرابع: ألا يكون الثمن والمثمن من جنس واحد، وهذا الشرط عند الحنفية فقط، لأن الحنفية يرون تحريم النسيئة في كل ما اتحد جنسه، وإن لم يكن مكيلًا، أو موزونًا، فيذهبون إلى تحريم النسيئة في بيع الثوب بالثوب، وفي بيع الحيوان بالحيوان إذا كانا من جنس واحد (٢). ووافقهم المالكية على ذلك بشرط أن يجمع بين التفاضل والنساء، وأن تتفق الأغراض والمنافع (٣). وخالف في ذلك الشافعية والحنابلة فلم يشترطوا ذلك في الأموال التي ليست ربوية، فأجازوا فيها التفاضل والنساء. والراجح أن الربا لا يجري إلا في الأموال الربوية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وسوف نذكر إن شاء الله تعالى أدلة كل قول في كتاب الربا ومناقشتها، نسأل الله أن يبلغنا ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 1168

المسألة الثالثة في الزيادة في الثمن مقابل التأجيل سبق لنا أن بينا أن إطلاق العقد يقتضي تعجيل التسليم لكل من المبيع والثمن، كما تكلمنا عن الحالات التي لم يجعل الشارع الخيار للعاقدين في التأجيل، بل أوجب عليهما التعجيل في مجلس العقد، ثم تكلمنا عن الحالات التي يكون الخيار فيها للعاقدين في تأجيل الثمن، كما لو شرطاه في العقد، ونبحث في هذا المبحث جواز الزيادة في الثمن مقابل التأجيل، بمعنى هل الأجل له قيمة في العقد. أما في عقد القرض فلا يجوز أن يكون للأجل أي قيمة، بل يجب في القرض أن يرد مثل ما أخذ بدون اشتراط أي زيادة، وهذا مجمع عليه. [م - ٢٤٦] وأما الزيادة في عقد البيع مقابل التأجيل فهي محل خلاف. وللجواب على ذلك نقول: للمسألة صورتان: الصورة الأولى: أن يقول البائع للمشتري: السلعة بمائة نقدًا، أو بمائة وخمسين نسيئة. الصورة الثانية: أن يكون العقد من الأصل مؤجلًا دون أن يتعرض العاقدان لقيمة السلعة في حال التعجيل، ولكن من نظر إلى قيمة السلعة علم أن قيمتها قد زيد فيها مقابل التأجيل. وسوف نبحث كل مسألة على انفراد إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 1169

المطلب الأول إذا عرضت السلعة نقدًا بكذا ونسيئة بكذا [م - ٢٤٧] إذا قال الرجل للرجل: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، وتفرقا دون القطع بأحد الثمنين فقد اختلف العلماء في حكم هذا البيع على ثلاثة أقوال: القول الأول: البيع لا يصح، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: إن وقع البيع على وجه اللزوم فالبيع باطل، وإن وقع على وجه الاختيار فالبيع صحيح، وهذا مذهب مالك في المدونة (٤).

стр. 1170

القول الثالث: البيع صحيح، وهو اختيار ابن القيم (١)، وخرجه بعضهم وجهًا في مذهب الحنابلة (٢). وسبب الاختلاف عندهم: هو جهالة الثمن، لأنهم لا يدرون هل الثمن هو النقد، أو الثمن هو النسيئة. وسبق لنا تحرير هذه المسألة مع ذكر أدلتها في باب الجهالة بالثمن، حكم إبهام الثمن على وجه التخيير، فأغنى عن إعادته هنا.

стр. 1171

وبعضهم يمنع البيع من باب منع الزيادة مقابل التأجيل (١)، اختاره بعض المعاصرين. ووجه المنع عندهم: أن الزيادة إذا أفردت بالذكر عن ثمن السلعة حالة، يشعر أن الثمن للسلعة، والزيادة في مقابل الأجل، فيشبه الربا، وكأن الثمن النقدي ثبت في الذمة أولًا، ثم قدرت الزيادة خارجة عن قيمة السلعة، وإنما جاءت في مقابل تأجيل دين ثبت في الذمة حالًا. والصحيح أنه لا حرج في إفراد الزيادة بالذكر بشرط أن يتم العقد بثمن بات غير قابل للزيادة عند تأخر الأداء. وسيأتي إعادة هذه المسألة بالبحث بشيء من التفصيل والتوسع في ذكر الأدلة عند الكلام على المعاملات المصرفية: بيع المرابحة للآمر بالشراء، فانظره هناك، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

стр. 1172

المطلب الثاني أن يكون العقد من الأصل مؤجلًا [م - ٢٤٨] إذا دخل العاقدان من ابتداء العقد على أن الثمن مؤجل، ولم يتعرضا لقيمة السلعة حالة، ولكن قيمتها قد روعي فيه كون الثمن مؤجلًا، فزيد فيه من أجل ذلك، فما حكم هذه الزيادة؟ ذهب عامة أهل العلم إلى جواز مثل تلك المعاملة (١)، إلا خلافًا شاذا قال به بعض أهل العلم (٢)، وهو قول مرجوح. وسنأتي على هذه المسألة إن شاء الله تعالى، في كتاب المعاملات المصرفية، باب بيع المرابحة للآمر بالشراء، فانظره هناك، وإنما اقتضى تمام التقسيم الإشارة إليه هنا، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

стр. 1173

الفرع الثالث في تقسيط الثمن تعريف التقسيط اصطلاحًا (١): تقسيط الدين: جعله أجزاء معلومة تؤدى في أوقات معينة (٢). وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «التقسيط: تأجيل أداء الدين مفرقًا إلى أوقات متعددة معينة» (٣). * * *

стр. 1174

المسألة الأولى شروط تقسيط الثمن ما يشترط في تأجيل الثمن يشترط في تقسيط الثمن، حيث لا يوجد فرق في الحكم الشرعي بين ثمن مؤجل لأجل واحد، وثمن مؤجل إلى آجال متعددة، فما يحرم تأجيل الثمن فيه يحرم تقسيط الثمن فيه، وما يجوز فيه تأجيل الثمن يجوز فيه تقسيط الثمن، فشروط تأجيل الثمن هي شروط تقسيط الثمن، وقد ذكرنا شروط تأجيل الثمن في مسألة سابقة فأغنى عن إعادتها هنا. * * *

стр. 1175

المسألة الثانية في حلول المؤجل إذا تأخر عن سداد قسط واحد [م - ٢٤٩] قد تنص بعض العقود بأنه في حالة تأخر المدين عن تسديد القسط الذي عليه في حينه، أو في حالة تأخره عن قسطين متتاليين، فإن بقية الأقساط تصير حالة بذلك، فما حكم هذا الشرط؟ هذا نوع من الشرط الجزائي، فإن كان ذلك دون شرط في العقد، فإنه لا يجوز تعجيل المؤجل إلا أن يتبرع المدين، وإن كان ذلك مشروطًا في العقد جاز ذلك بشرط أن يكون التأخير عن السداد ليس سببه الإعسار، لأنه ينبغي التفريق بين المعسر، وبين المؤسر المماطل، وقد بحثت هذه المسألة ولله الحمد في باب الشروط في البيع، عند الكلام على الشرط الجزائي، فارجع إليه إن شئت، كما بحثت معها مسألة لها علاقة بالباب، وهو حكم تعويض الدائن تعويضًا ماليًا عن التأخير في سداد الدين، فلله وحده الفضل والمنة. * * *

стр. 1176

الفرع الرابع في تحديد الثمن تكلمنا في الفصول السابقة عن تعجيل الثمن، وعن تأجيل الثمن، وسنتكلم في البحوث التالية عن تحديد الثمن، فقد يدخل البائع والمشتري والثمن قد تم تحديده، وتحديد الثمن له طرق كثيرة: فقد يكون تحديد الثمن عن طريق التسعير الذي يتولاه إمام المسلمين أو نائبه. وقد يكون تحديد الثمن عن طريق اتفاق العاقدين بالمبيع بسعر السوق، أو بما يبيع به التاجر الفلاني، وهو معروف مشهور بالسوق، أو بما ينقطع به السعر، أو عن طريق الرقم. وقد يأخذ التحديد شكلًا آخر، وذلك عن طريق بيوع ما يسمى اصطلاحًا بيوع الأمانة، كالتولية، والمرابحة، والمواضعة، والشركة، وسوف نعرض أراء الفقهاء لكل مسألة من هذه المسائل، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 1177

المسألة الأولى تحديد الثمن عن طريق التسعير التسعير الاصطلاح (١): التسعير: تقدير السلطان أو نائبه للناس سعرًا، وإجبارهم على التبايع بما قدره (٢). وجاء في حدود ابن عرفة، وشرحها: «تحديد حاكم السوق لبائع المأكول فيه قدرًا للمبيع بدرهم معلوم. قوله (تحديد) مناسب للمحدود لأنه مصدر. وقوله (حاكم) أخرج به غير حاكم السوق، كما إذا حدد البائع لنفسه؛ لأنه لا يسمى تسعيرًا، وكذلك غير الحاكم. قوله (لبائع المأكول) أخرج به غير المأكول؛ لأنه لا يسعر. وقوله (فيه) يتعلق بالبائع، والضمير يعود على السوق، ولا بد من ذكر

стр. 1178

الظرف، وإلا دخل فيه إذا حدد حاكم السوق على بائع المأكول قدرًا في مبيعه في غير السوق فتأمله. وقدرًا منصوب على المفعول، وللمبيع صفة للقدر، وبدرهم يتعلق بالتحديد» (١). * * *

стр. 1179

المطلب الأول في حكم التسعير [م - ٢٥٠] ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأصل في التسعير الحرمة، خاصة إذا كان أهل السوق يقومون بما أوجب الله عليهم (١).

стр. 1180

ومن أجاز التسعير منهم كالحنفية (١)، وابن عبد البر من المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥)، فإنما أجازوه في حالات خاصة، بشروط معينة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. وقيل: يجوز التسعير، وهو قول سعيد بن المسيب (٦)، وربيعة

стр. 1181

ابن عبد الرحمن (١)، والليث بن سعد (٢)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٣)، وهو رواية أشهب عن مالك (٤)، واختاره ابن العربي من المالكية (٥). وأوجب ابن تيمية وابن القيم التسعير في حال التزم الناس ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع (٦).

стр. 1182

وانظر أدلة كل قول في باب موانع البيع (البيوع المنهي عنها) من أجل الضرر، فقد فصلت المسألة هناك، والحمد لله، وبينت أن الأصل في التسعير الحرمة، وأن ارتفاع الأسعار منه ما هو مقبول، ولا يعالج بالتسعير، كما لو كان ذلك نتيجة عدم توفر السلع في الأسواق، أو كان ذلك بسبب كثرة الطلب على السلع، فهنا يترك السوق على حاله، والله هو المسعر كما قال ﷺ ، وهو الذي حمل النبي ﷺ على ترك التسعير، واعتباره من الظلم، وأما إذا كان الباعة يظلمون الناس، كما لو كان أهل السوق يتفقون على عدم البيع إلا بسعر معين، أكثر من ثمن المثل، أو كانوا يحتكرون السلع طلبًا لغلاء الأسعار، فهنا يجب على ولي الأمر، أو نائبه، أن يتدخل ليحمي الناس من الإضرار بهم، فيسعر عليهم بطريقة تضمن حق البائع، كما تضمن حق المشتري، وسنأتي إن شاء الله تعالى على كيفية التسعير وطريقته بما يحفظ المصالح العامة، ولا يظلم الناس حقوقهم، والله أعلم. * * *

стр. 1183

المطلب الثالث ما يدخله التسعير [م - ٢٥١] الحالات التي يسوغ فيها التسعير بعضها يصدق عليه أنه حالات، وبعضها تجري مجرى الشروط، وهي: الحالة الأولى: تعدي أهل السوق في قيم السلع: اشترط الحنفية: أن يتعدى أهل السوق تعديًا فاحشًا، وقدر الحنفية التعدي الفاحش: بأن يبيع بضعف القيمة، ويعجز الحاكم عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فلا بأس به. جاء في البحر الرائق: «ولا يسعر السلطان إلا أن يتعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديًا فاحشًا» (١). وقدر الحنفية التعدي الفاحش بضعف القيمة (٢). ولم يقدر ابن تيمية وابن القيم التعدي بضعف القيمة، وإنما ذكرا فقط أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة عن القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ... (٣). الحال الثانية: أن يكون الإمام عادلًا. هذا شرط ذكره بعض المالكية، جاء في التاج والإكليل: «الجالب لا يسعر

стр. 1184

عليه اتفاقًا، وإن كان التسعير لغيره، فلا يكون إلا إذا كان الإمام عدلًا، ورآه مصلحة، بعد جمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء» (١). وهذا الشرط لحظ فيه المالكية أن الإمام إذا لم يكن عادلًا ربما قصد من التسعير ظلم الناس، بائعًا كان، أو مشتريًا؛ لأن التسعير سلاح ذو حدين، إن ظلم به الإمام أرباب السلع امتنعوا عن بيع سلعهم، وإن ظلم به العامة ضيق عليهم في أرزاقهم، وأقواتهم، فكان الإمام العادل يتحرى الإنصاف في التسعير، ولذلك قالوا: يسعر بعد أن يجمع أهل السوق ليطلع على القيمة الحقيقية للسلع، لا وكس، ولا شطط، والله أعلم. الحال الثالثة: أن تكون السلعة المسعرة مما يحتاجها عامة الناس. لأن التسعير إنما جاز مراعاة للمصلحة العامة، والمصلحة العامة: تعني بذلك قيام الحاجة العامة لدى الناس إلى مثل تلك السلعة. وبهذا المعنى يقول الحنفية: «ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس ... إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة ... » (٢). ويقول ابن تيمية: «وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس، فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة، والنساجة، والبناية، فإن الناس لابد لهم من طعام يأكلونه، وثياب يلبسونها، ومساكن يسكنونها، فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم، كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله ﷺ .... احتاجوا إلى من ينسج لهم

стр. 1185

الثياب ... ولهذا قال غير واحد من الفقهاء كأبي حامد الغزالي، وأبي الفرج ابن الجوزي، وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية، فإنها لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما أن الجهاد فرض على الكفاية .... والمقصود هنا: أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعتهم، كالفلاحة، والحياكة، والبناية، فإنه يقدر أجرة المثل، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك، ولا يُمَكَّن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك، حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب، وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد، من سلاح، وجسر للحرب، وغير ذلك، فيستعمل بأجرة المثل، لا يمكن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم، مع الحاجة إليهم، فهذا تسعير في الأعمال، وأما في الأموال: فإذا احتاج الناس إلى سلاح الجهاد، فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو، أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون .. » (١). الحال الرابعة: احتكار التجار للسلع الضرورية. يشترط لجواز التسعير، أن يكون هناك احتكار من التجار للسلع، ينتج عنه غلاء تلك السلع، والناس يحتاجون إلى ما عندهم من الطعام، فيجبرون على بيع سلعهم بثمن المثل. يقول ابن تيمية: «المحتكر: هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام، فيحبسه عنهم، ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظالم للخلق المشترين، ولهذا

стр. 1186

كان لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والناس في مخمصة ... ومن هنا يتبين أن السعر: منه ما هو ظلم لا يجوز، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس، وإكراههم بغير حق على بيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام ... وإذا تضمن العدل بين الناس بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب. فأما الأول، فمثل ما روى أنس، قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر .... وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة الناس إليها، إلا بزيادة عن القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به» (١). الحالة الخامسة: أن تحتكر فئة معينة بيع سلع مخصوصة . يشترط لجواز التسعير، أن تحتكر فئة الشراء من المنتجين، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ولا تشترى إلا منهم، فهنا يكون التسعير واجبًا عليهم. فإذا كان المنتج والذي يجلب بضاعته إلى السوق قد منع من البيع إلا لفئة من التجار، فلا يجد من يشتري منه، ولو باع على غيرهم عوقب ومنع، فهو مجبر على البيع لهؤلاء، فلو باعه بالسعر الذي يريدونه، ثم كان لهؤلاء المحتكرين

стр. 1187

البيع على الناس بالسعر الذي يريدونه، لكان هذا من أعظم الفساد في الأرض، ولهذا يجب أن يسعر على هؤلاء شراء، وبيعًا، فيشترون بقيمة المثل لمن اشترى جملة، ويبيعون بقيمة المثل لمن باع مفرقًا. يقول ابن تيمية: «وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا، أن لا يبيع الطعام، أو غيره إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع، إما ظلمًا لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد، فهاهنا يجب التسعير عليهم، بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع غيره أن يبيع ذلك النوع، أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا، أو اشتروا بما اختاروا، كان ذلك ظلمًا للخلق من وجهين: ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال. وظلمًا للمشترين منهم، والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم، أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته: إلزامهم ألا يبيعوا، ولا يشتروا إلا بثمن المثل» (١). الحالة السادسة: أن يتواطأ البائعون ضد المشترين، أو العكس . قال ابن تيمية: «إذا اتفق أهل السوق على أن لا يزايدوا في سلع، هم محتاجون لها؛ ليبيعها صاحبها بدون قيمتها، ويتقاسموها بينهم، فإن هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقي السلع إذا باعها مساومة، فإن ذلك فيه من بخس الناس ما لا يخفى، والله أعلم» (٢).

стр. 1188

وجاء في البيان والتحصيل: «وسئل عن قوم يجتمعون في البيع، يقولون: لا نزيد على كذا، وكذا، فقال: لا والله، ما هذا بحسن. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن تواطؤهم على ذلك إفساد على البائع، وإضرار به في سلعته ... » (١). وقال ابن تيمية: «منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة، وأصحابه القسامين، الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة، أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا والناس يحتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجرة، فمنع البائعين الذين تواطؤوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى، وكذلك منع المشتري إذا تواطؤوا على أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضًا. فإذا كانت الطائفة التي تشترى نوعًا من السلع، أو تبيعها، قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه، فيشتروه بدون ثمن المثل المعروف، ويزيدوا ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف، وينموا ما يشترونه، كان هذا أعظم عدوانًا من تلقى السلع، ومن بيع الحاضر للبادي، ومن النجش، ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل، والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه، وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب أن لا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة» (٢). هذه هي الحالات التي ذكرها الفقهاء، والتي كانت تستدعي في عصرهم إلى علاجها عن طريق التسعير.

стр. 1189

يقول ابن القيم: «وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم» (١). وجاء في الموسوعة الكويتية: «وخلاصة رأي ابن تيمية، وابن القيم، أنه إذا لم تتم مصلحة إلا بالتسعير سعر عليهم السلطان تسعير عدل، بلا وكس، ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل. وهذا يدل على أن الحالات المذكورة ليست حصرًا للحالات التي يجب فيها التسعير بل كلما كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير ولا تتحقق مصلحتهم إلا به كان واجبا على الحاكم حقا للعامة» (٢). * * *

стр. 1190

المطلب الثالث ما يدخله التسعير كما اختلف العلماء في الاحتكار، هل هو خاص بالقوت، أو في كل السلع؟ كما سيأتي إن شاء الله تعالى كشفه في موانع البيع. [م - ٢٥٢] كذلك اختلفوا في التسعير، هل يسعر كل شيء، أو يسعر ما هو قوت ضروري للناس، على النحو التالي: القول الأول: التسعير خاص في القوتين (قوت الآدمي وعلف الدواب)، صرح به العتابي وغيره من الحنفية (١)، وهو قول لبعض الشافعية (٢). القول الثاني: التسعير في الطعام، وهو قول ربيعة، ويحيى بن سعيد (٣).

стр. 1191

القول الثالث: التسعير في كل شيء، واستظهره ابن عابدين بناء على قول أبي حنيفة في الحجر لدفع الضرر العام، وبناء على قول أبي يوسف، في أن الاحتكار يجري في كل شيء (١)، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة (٢). القول الرابع: التسعير خاص في المكيل والموزون، مأكولًا كان أو غير مأكول، وهذا قول ابن حبيب من المالكية. قال أبو الوليد الباجي: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين، أما إذا اختلفا لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بمثل سعر ما هو أدون؛ لأن الجودة لها حصة من الثمن (٣). وقدمه صاحب مطالب أولى النهى من الحنابلة (٤). دليل من قال: التسعير يكون في القوتين فقط . هذا القول يرجع إلى مسألة سابقة، فمن قال: الاحتكار لا يكون إلا في

стр. 1192

القوتين، قوت الآدمي وقوت الدواب، رأى أن التسعير لا يكون إلا في القوتين خاصة، منعًا من احتكارهما ورفع أسعارهما، وقد ذكرت أدلة من يرى أن الاحتكار لا يجري إلا في القوتين، وأجبت عنها في حكم الاحتكار في باب موانع البيع. ولأن الضرر في الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف، فلا يتحقق الاحتكار إلا بهما (١)، وبالتالي تكون الحاجة إلى التسعير فيهما ضرورة؛ لأن قوام عيش الكائن الحي بهما. وجه من قال: التسعير يكون في المكيل والموزون خاصة . وجه ذلك أن المكيل والموزون مما يرجع إلى المثل، فلذلك وجب أن يحمل الناس فيه على سعر واحد وغير المكيل والموزون لا يرجع فيه إلى المثل وإنما يرجع فيه إلى القيمة ويكثر اختلاف الأغراض في أعيانه، فلما لم يكن متماثلا لم يصح أن يحمل الناس فيه على سعر واحد. وجه من قال: التسعير في كل شيء . أن التسعير إنما جاز لدفع الإضرار بالعامة، وهذا لا يختص بالقوت والعلف، كما أن النهي عن الاحتكار إنما كان لمكان الإضرار بالعامة، وهو لا يختص بالقوت والعلف على الصحيح (٢). الراجح: بعد استعراض الأقوال نجد أن القول بأن التسعير يجري في كل شيء فيه

стр. 1193

مصلحة للناس، سواء كان من قوتهم أو من غير قوتهم، فاليوم تجد أن الدواء، والسكن لا يقل أهمية عن الطعام، ورفع مثل ذلك على الناس مما يلحق الضرر بعامتهم، ويعطل مصالحهم، ولكن لا يكون التسعير مشروعًا حتى تتحقق شروطه السابقة، وتنتفي موانعه، ويكون صادرًا من رجل يريد الخير للناس، ويوازن بين مصلحة السوق، ومصلحة المستهلك، ولا يغلب مصلحة طرف على طرف. * * *

стр. 1194

المطلب الرابع كيفية التسعير وصفته [م -٢٥٣] التسعير لا يكون إلا بعد دراسة لقيم الأشياء، ومشاورة أهل الخبرة، وأخذ رأي أهل السوق المعنيين بالسلع. قال ابن القيم: «لا يجوز عند أحد من العلماء، أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم، أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن، أو أقل. وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون، لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، إن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم، فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم» (١). ولذلك نص الحنفية على أن تسعير الإمام إنما يكون بمشاورة أهل الرأي والنظر. جاء في الدر المختار: «إذا تعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديًا فاحشًا، فيسعر بمشورة أهل الرأي». وفي الهداية شرح البداية: «فإن كان أرباب الطعام يتحكمون، ويتعدون عن القيمة تعديًا فاحشًا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصيرة» (٢).

стр. 1195

وصفة التسعير عند المالكية: «قال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم، كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به، قال: ولا يجبرون على التسعير ولكن عن رضا وعلى هذا أجازه من أجازه. ووجه ذلك: أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس» (١). وقال ابن القيم: «وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته، أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدًا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم، فمن خالف أمره عاقبه، وأخرجه من السوق ... » (٢). * * *
следующие страницы →