← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

القول الثالث: التسعير في كل شيء، واستظهره ابن عابدين بناء على قول أبي حنيفة في الحجر لدفع الضرر العام، وبناء على قول أبي يوسف، في أن الاحتكار يجري في كل شيء (١)، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة (٢). القول الرابع: التسعير خاص في المكيل والموزون، مأكولًا كان أو غير مأكول، وهذا قول ابن حبيب من المالكية. قال أبو الوليد الباجي: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين، أما إذا اختلفا لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بمثل سعر ما هو أدون؛ لأن الجودة لها حصة من الثمن (٣). وقدمه صاحب مطالب أولى النهى من الحنابلة (٤). دليل من قال: التسعير يكون في القوتين فقط . هذا القول يرجع إلى مسألة سابقة، فمن قال: الاحتكار لا يكون إلا في

стр. 1192

القوتين، قوت الآدمي وقوت الدواب، رأى أن التسعير لا يكون إلا في القوتين خاصة، منعًا من احتكارهما ورفع أسعارهما، وقد ذكرت أدلة من يرى أن الاحتكار لا يجري إلا في القوتين، وأجبت عنها في حكم الاحتكار في باب موانع البيع. ولأن الضرر في الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف، فلا يتحقق الاحتكار إلا بهما (١)، وبالتالي تكون الحاجة إلى التسعير فيهما ضرورة؛ لأن قوام عيش الكائن الحي بهما. وجه من قال: التسعير يكون في المكيل والموزون خاصة . وجه ذلك أن المكيل والموزون مما يرجع إلى المثل، فلذلك وجب أن يحمل الناس فيه على سعر واحد وغير المكيل والموزون لا يرجع فيه إلى المثل وإنما يرجع فيه إلى القيمة ويكثر اختلاف الأغراض في أعيانه، فلما لم يكن متماثلا لم يصح أن يحمل الناس فيه على سعر واحد. وجه من قال: التسعير في كل شيء . أن التسعير إنما جاز لدفع الإضرار بالعامة، وهذا لا يختص بالقوت والعلف، كما أن النهي عن الاحتكار إنما كان لمكان الإضرار بالعامة، وهو لا يختص بالقوت والعلف على الصحيح (٢). الراجح: بعد استعراض الأقوال نجد أن القول بأن التسعير يجري في كل شيء فيه

стр. 1193

مصلحة للناس، سواء كان من قوتهم أو من غير قوتهم، فاليوم تجد أن الدواء، والسكن لا يقل أهمية عن الطعام، ورفع مثل ذلك على الناس مما يلحق الضرر بعامتهم، ويعطل مصالحهم، ولكن لا يكون التسعير مشروعًا حتى تتحقق شروطه السابقة، وتنتفي موانعه، ويكون صادرًا من رجل يريد الخير للناس، ويوازن بين مصلحة السوق، ومصلحة المستهلك، ولا يغلب مصلحة طرف على طرف. * * *

стр. 1194

المطلب الرابع كيفية التسعير وصفته [م -٢٥٣] التسعير لا يكون إلا بعد دراسة لقيم الأشياء، ومشاورة أهل الخبرة، وأخذ رأي أهل السوق المعنيين بالسلع. قال ابن القيم: «لا يجوز عند أحد من العلماء، أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم، أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن، أو أقل. وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون، لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، إن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم، فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم» (١). ولذلك نص الحنفية على أن تسعير الإمام إنما يكون بمشاورة أهل الرأي والنظر. جاء في الدر المختار: «إذا تعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديًا فاحشًا، فيسعر بمشورة أهل الرأي». وفي الهداية شرح البداية: «فإن كان أرباب الطعام يتحكمون، ويتعدون عن القيمة تعديًا فاحشًا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصيرة» (٢).

стр. 1195

وصفة التسعير عند المالكية: «قال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم، كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به، قال: ولا يجبرون على التسعير ولكن عن رضا وعلى هذا أجازه من أجازه. ووجه ذلك: أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس» (١). وقال ابن القيم: «وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته، أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدًا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم، فمن خالف أمره عاقبه، وأخرجه من السوق ... » (٢). * * *

стр. 1196

المطلب الخامس حكم البيع مع مخالفة التسعير [م -٢٥٤] إذا سعر الإمام للناس، فخالف أحدهم، فباع بأكثر، فهل يصح البيع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يصح البيع، وهو مذهب الحنفية (١)، والأصح عند الشافعية (٢)، وهو المتبادر

стр. 1197

من كلام المالكية، فإنهم يقولون: ومن زاد في سعر، أو نقص منه، أمر بإلحاقه بسعر الناس، فإن أبى أخرج من السوق (١). القول الثاني: إن هدد من خالف التسعير حرم البيع، وبطل العقد في الأصح؛ لأن الوعيد إكراه، وهذا مذهب الحنابلة (٢). وجه صحة البيع مع مخالفة التسعير: إن قلنا: إن التسعير لا يجوز، فهذا ظاهر؛ لأن التسعير حرام، وظلم، فالتزامه ليس بواجب. وإن قلنا: إن التسعير جائز، فوجه صحة البيع مع مخالفة التسعير: أن التسعير غاية ما فيه أنه جائز، ومخالفة الجائز لا تجعله حرامًا. وإن قلنا: إن التسعير واجب، كما نص عليه ابن تيمية في بعض الحالات، وقد تقدم نقل كلامه، فهنا يشكل عليه صحة البيع مع القول بوجوب التسعير، إلا أن يقال: إن الصحة والتحريم ليس بينهما تلازم، فقد يصح الشيء، مع كونه

стр. 1198

حرامًا، وقد رضي المتعاقدان بالسعر، مثله مثل ما لو رغب إنسان بسلعة آخر، وامتنع صاحبها عن بيعها إلا بثمن أعلى من ثمن المثل، ورضي المشتري فالبيع صحيح، ولو لم يكن هناك تسعير، والله أعلم. * * *

стр. 1199

المسألة الثانية تحديد الثمن بالرجوع إلى سعر السوق أو بما ينقطع به السعر أو بما يبيع به فلان ونحو ذلك [م -٢٥٥] إذا باع البائع سلعته بسعر السوق، أو بما باع فلان، أو البيع بالرقم، وكان ذلك معلومًا لدى المتعاقدين، فالبيع لا إشكال فيه، ولكن قد يكون مجهولًا حال التعاقد، فهل يصح البيع، ويرجع المتعاقدان إلى السوق، أو إلى زيد من الناس لمعرفة الثمن، أو لا يصح البيع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والصحيح في مذهب

стр. 1200

الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).

стр. 1201

القول الثاني: البيع صحيح. وهو قول في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة، رجحه ابن تيمية (٢). دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: جهالة الثمن تؤدي إلى فساد البيع، والعلم بالثمن شرط لصحة البيع، كالعلم بالمبيع، والبيع بما ينقطع به السعر، أو بما باع به زيد، والبائعان يجهلان ما باع به، أو يجهله أحدهما، والبيع بالرقم كل هذه البيوع في حقيقتها بيع بثمن مجهول وقت العقد، وإذا كان الثمن مجهولًا أدى ذلك إلى الوقوع بالغرر المنهي عنه. الدليل الثاني: السعر يختلف، فهو عرضة للنقص، والزيادة حسب العرض والطلب، فإذا زاد السعر ظلم البائع، وإذا نقص السعر غبن المشتري، وفي هذا مخاطرة تجعل هذه الصورة من البيوع المنهي عنها، والله أعلم. دليل من قال: بالجواز: الدليل الأول: الأصل في معاملات الناس الحل، ولا يوجد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يمنع ذلك، ولا يخشى من القول بالجواز الوقوع في محذور شرعي يمنع من صحة البيع.

стр. 1202

قال ابن القيم: «ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه». الدليل الثاني: شرط صحة البيع حصول الرضا، ورضا المشتري بالشراء بما يشتري به عموم الناس حاصل أكثر من حصوله بالشراء عن طريق المماكسة؛ لأنه قد يغبنه بذلك، ولهذا يرضى الناس بتخبير الثمن أكثر مما يرضون بالمساومة؛ لأن تخبير الثمن يكون قد رضي بخبرة التاجر البائع وشرائه لنفسه؛ لأن خبرة التاجر تقضي بأن لا يشتري إلا بثمن المثل، أو أنقص، بخلاف المساومة، فإنه تعود إلى خبرة المشتري نفسه، فإذا علم المشتري أن عامة الناس يشترون بهذا الثمن، فهذا مما يرضى به عامة الناس، وليس هذا من الغرر الذي نهى عنه رسول الله ﷺ (١). ويقول ابن القيم: «هو أطيب لقلب المشتري من المساومة يقول: لي أسوة بالناس، آخذ بما يأخذ به غيري» (٢). الدليل الثالث: هو عمل الناس في كل عصر ومصر، فما زال الناس يأخذون من الخباز الخبز، ومن اللحام اللحم، ومن الفاكهي الفاكهة، ولا يقدر المتبايعان الثمن، بل يتراضيان بالسعر المعروف، ويرضى المشتري بما يبيع به البائع لغيره من الناس، وهذا هو المسترسل، وهو الذي لا يماكس، بل يرضى بما يبتاع به غيره، وإن لم يعرف قدر الثمن، فبيعه جائز إذا أنصفه، فإن غبنه فله الخيار، فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل ; فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن

стр. 1203

المثل في هذه الصورة وغيرها ; فهذا هو القياس الصحيح ولا تقوم مصالح الناس إلا به. الدليل الرابع: القياس على النكاح، يقول ابن القيم «قد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل» (١)، فهذا مقيس عليه، والله أعلم. الراجح: بعد استعراض الخلاف أجد أن القول بجواز البيع بما ينقطع به السعر، وبما يبيع به الناس، وبرقمه، أو بما باع به زيد، وهو تاجر معروف يطمئن إلى سعره المشتري أن ذلك جائز، والجهالة في الثمن لا تؤدي إلى النزاع، ويمكن الوقوف عليها، فهو كما لو قال: بعت عليك هذه الصبرة كل صاع بدرهم يصح البيع وإن كانت جملة الثمن في الحال مجهولة، لكن بالإمكان معرفتها بعد كيلها، وهذا بالإمكان معرفة الثمن بعد الرجوع إلى السوق، أو الرجوع إلى التاجر المعروف، وإذا كان الحنفية يجيزون بيع ما في كمه دون ذكر جنسه، كما مر معنا في بيع الغائب، وله الخيار إذا رآه، فلماذا لا يجيزون البيع بما باع به زيد، وله الخيار إذا علم، هذا هو مقتضى القياس، والله أعلم. * * *

стр. 1204

المسألة الثالثة تحديد الثمن عن طريق ما يسمى (بيوع الأمانة) يثبت تحديث الثمن في بيوع الأمانة: في بيع التولية، والشركة، والمرابحة، والمواضعة، وتصنف هذه البيوع في النظر الفقهي تحت بيوع الأمانة؛ لأن البائع مؤتمن فيه في إخباره عن الثمن الذي اشترى به المبيع. وتقسيم هذه البيوع المختلفة إلى هذه الأقسام إنما هو باعتبار الإخبار بالثمن، لأنه إما أن يخبر بالثمن أو لا: فالثاني يسمى بيع المساومة. والأول: إما أن يخبر بالثمن مع زيادة، فهو المرابحة. أو يبيع برأس ماله فهو التولية. أو مع النقص: فهو الوضيعة. أو مع إشراك غيره فيما اشتراه، فهو الشركة. ولما كان يتعلق في كل نوع من هذه البيوع بعض الأحكام أحببت أن آخذ كل قسم منها بشيء من التفصيل. وبين التولية والإشراك ارتباط، وذلك أن الإشراك تولية، ولكنه بيع بعض المبيع ببعض الثمن، بينما التولية بيع المبيع كله بالثمن الأول، فهي أعم من الإشراك، وشاملة له. ومعلوم أن الإشراك في البعض كالتولية في الكل في جميع الأحكام.

стр. 1205

كما أن المرابحة والمواضعة بينهما ارتباط، إلا أن الأولى يكون البيع بالثمن الأول مع زيادة معلومة، والثانية: البيع بالثمن الأول مع نقص معلوم، ولذلك حكم المواضعة لا يختلف عن حكم المرابحة. * * *

стр. 1206

المطلب الأول في بيع التولية التولية اصطلاحًا (١): قيل في تعريفها: تمليك المبيع بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان (٢). وقال ابن عابدين «بيعه بثمنه الأول، ولو حكمًا: يعني بقيمته، وعبر عنها به؛ لأنه الغالب» (٣). وعرف بعضهم التولية بقوله: هي نقل جميع المبيع إلى المولَّى بفتح اللام بمثل الثمن المثلي، أو قيمة المتقوم (٤).

стр. 1207

وسيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام على شروط بيع التولية، هل يشترط أن يكون الثمن مثليًا؟ واعتبر الحنابلة بيعه بالرقم المعلوم عند البائع والمشتري، والمكتوب على المبيع من بيع التولية (١). وقال في تهذيب اللغة: «التولية في البيع: أن تشتري سلعة بثمن معلوم، ثم توليها رجلًا آخر بذلك الثمن» (٢). * * *

стр. 1208

المطلب الثاني في توصيف عقد التولية [م -٢٥٦] لم يختلف الفقهاء في جواز التولية. قال ابن قدامة: «وأما التولية والشركة فيما يجوز بيعه فجائزان ; لأنهما نوعان من أنواع البيع وإنما اختصا بأسماء كما اختص بيع المرابحة، والمواضعة بأسماء ... » (١). كما أن العلماء متفقون على أن التولية إن كانت بأقل، أو بأكثر، فهي بيع. قال ابن عبد البر: «لا خلاف بين العلماء أن الإقالة إذا كان فيها نقصان، أو زيادة، أو تأخير أنه بيع، وكذلك التولية، والشركة» (٢). والكذلكة هنا: ليس باعتبار التولية بيعًا مطلقًا حتى ولو كانت بمثل الثمن، لأن المالكية لا يرون التولية من عقود المعاوضات إذا كانت بثمل الثمن، وإنما الكذلكة هنا: أن التولية إن كانت مع نقص أو زيادة فهي بيع بهذا الشرط، ويشكل عليه كيف يتصور بيع التولية مع الزيادة والنقصان في الثمن، لأن المعلوم أن بيع التولية، هو البيع برأس المال (٣).

стр. 1209

[م -٢٥٧] وإنما وقع الخلاف بينهم في كون عقد التولية، هل يعتبر من عقود المعاوضات، أو من عقود الإرفاق والمعروف؟ (١). فذهب جمهور أهل العلم إلى أن عقد التولية بيع مبتدأ، لا يجوز في شيء منه إلا ما يجوز في سائر البيوع (٢)، ورجحه ابن حزم (٣). وذهب مالك وربيعة، وطاووس (٤)، إلى أن عقد التولية من عقود الإرفاق، ويقصد بها المعروف كالإقالة، ولهذا ذهب الإمام مالك إلى جواز بيع الطعام تولية قبل قبضه، مع أن الإجماع على أن بيع الطعام قبل قبضه منهي عنه (٥). دليل الجمهور على أن التولية بيع: في التولية مبادلة مال بمال على سبيل التمليك، غير ربا ولا قرض، وهذا هو حقيقة البيع، وليس من شرط البيع أن يكون الثمن بأكثر مما اشتراه به، فقد يكون بمثله، أو أقل، أو أكثر، وهذا شأن التجارة.

стр. 1210

دليل المالكية على أن التولية عقد إرفاق: استدل المالكية بأثر، ونظر، وإجماع: أما الأثر، ما رواه أبو داود في مراسيله، قال: (ح-١٤٤) حدثنا محمد بن إبراهيم البزار، حدثنا منصور بن سلمة، حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن. قال سعيد بن المسيب في حديث يرفعه كأنه إلى النبي ﷺ : لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بأس بالإقالة في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بأس بالشركة في الطعام قبل أن يستوفى (١). [مرسل] (٢). وأما النظر، فقد قال ابن رشد في بداية المجتهد: «إن هذه إنما يراد بها الرفق، لا المغابنة» (٣). وأما الإجماع: فقد قال مالك: «أجمع أهل العلم أنه لا بأس بالشركة، والتولية، والإقالة في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه، أو يقيله، أو يوليه» (٤).

стр. 1211

وفي حكاية الإجماع نظر كبير، إذ لو قيل: إن أكثر أهل العلم يرى أن التولية بيع لم يكن ذلك بعيدًا. قال ابن عبد البر: «وقد قال بهذا القول - يعني قول الإمام مالك - طائفة من أهل المدينة، وقال سائر الفقهاء، وأهل الحديث لا يجوز بيع شيء من الطعام قبل أن يستوفى، ولا تجوز فيه الإقالة، ولا الشركة، ولا التولية عندهم قبل أن يستوفى بوجه من الوجوه، والإقالة، والشركة، والتولية عندهم بيع ... » (١). وقال ابن حزم: «ما نعلم روي هذا إلا عن ربيعة، وعن طاووس فقط، وقوله عن الحسن في التولية قد جاء عنه خلافها ... » (٢). * * *

стр. 1212

لمطلب الثالث في بيع الشركة الشركة اصطلاحًا (١): هو بيع بعض المبيع بقسطه من الثمن (٢). فالإشراك يعتبر تولية، لكنه تولية بعض المبيع ببعض الثمن (٣). ولذلك جاء في فتح العزيز: «والإشراك في البعض كالتولية في الكل في الأحكام» (٤). والخلاف في الشركة كالخلاف في التولية، هل هي عقد إرفاق ومعروف، أو عقد مغابنة ومكايسة. والأدلة هناك هي نفس الأدلة هنا. قال ابن رشد في بداية المجتهد: «العقود تنقسم أولا إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة.

стр. 1213

وقسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات. والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة، وهي البيوع، والاجارات، والمهور، والصلح، والمال المضمون بالتعدي وغيره. والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض. والقسم الثالث: فهو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعا. أعني على قصد المغابنة وعلى قصد الرفق كالشركة، والإقالة والتولية .... وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة، وهي التولية والشركة والإقالة. فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة، أو التولية بزيادة، أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز (يعني التولية والشركة) قبل القبض وبعده. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض. وتجوز الإقالة عندهما؛ لأنها قبل القبض فسخ بيع، لا بيع. فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه، وإنما استثنى مالك من ذلك التولية والإقالة والشركة للأثر والمعنى ..... ثم ساق أثر سعيد بن المسيب المتقدم ذكره في باب التولية. وأما من طريق المعنى، فإن هذه إنما يراد بها الرفق لا المغابنة، إذا لم تدخلها زيادة أو نقصان» (١). * * *

стр. 1214

المطلب الرابع شروط بيع التولية والشركة [م -٢٥٨] جمعت شروط التولية مع الشركة؛ لأن بينهما ارتباط في الأحكام كما قدمت سابقًا، وذلك لأن الإشراك تولية لكنه تولية في بعض المبيع بقسطه من الثمن، ولذلك ما يشترط في أحدهما يشترط في الآخر: الشرط الأول: أن يكون الثمن في البيع الأول معلومًا. أما اشتراط العلم بالثمن الأول فقد وقع خلاف بين الجمهور والمالكية. فذهب الجمهور إلى اشتراط أن يكون الثمن في البيع الأول معلومًا للمشتري الثاني. واحتجوا: بأن العلم بالثمن شرط في صحة البيع، وبيع التولية يعتمد على أساس الثمن الأول، فإذا لم يعلم الثمن الأول فالبيع فاسد؛ إلا أن يعلم في المجلس، ويرضى به، فإذا لم يعلم المشتري حتى افترقا بطل العقد؛ لتقرر الفساد (١).

стр. 1215

واختار المالكية جواز بيع التولية إذا لم يعلم بالثمن بشرط أن يكون له الخيار إذا علم بالثمن، بخلاف البائع، فلا خيار له (١). جاء في التاج والإكليل «من المدونة، قال مالك: وإن اشتريت سلعة، ثم وليتها الرجل، ولم تسمها له، ولا ثمنها، أو سميت له أحدهما، فإن كنت قد ألزمتها إياه إلزامًا لم يجز؛ لأنه مخاطرة، وقمار، وإن كان على غير الإلزام جاز، وله الخيار إذا رآها، وعلم الثمن» (٢). الشرط الثاني: هل يشترط أن يكون الثمن من المثليات. [م -٢٥٩] لم يختلف العلماء في جواز بيع التولية والشركة إذا كان الثمن مثليًا كالنقود، والمكيل، والموزون، واختلفوا فيما إذا كان الثمن قيميًا:

стр. 1216

فقيل: يجوز البيع تولية إن كان العرض قد انتقل إلى ملك المشتري، فإن كان العرض لم ينتقل إلى ملك المشتري فمنعه الحنفية مطلقًا (١). وأجازه الشافعية بشرط أن يقول: قام علي بكذا، وينص على العرض، ولا يقتصر على ذكر القيمة، فيصح. جاء في أسنى المطالب: «يشترط في التولية كون الثمن مثليًا، ليأخذ المولى مثل ما بذل، فإن اشترى بعرض لم يصح أن يوليه أي العقد، إلا من انتقل العرض إليه ملكًا» (٢). وقال في مغني المحتاج: «إذا قال: وليتك هذا العقد ... لزمه مثل الثمن جنسًا وقدرًا، وصفة، أما إذا اشتراه بعرض (٣)، فإن عقد التولية لم يصح إلا ممن ملك ذلك العرض. نعم لو قال: قام علي بكذا، وقد أوليتك العقد بما قام علي ... صح» (٤). وفي فتاوى الرملي: «سئل عمن اشترى بعرض، وقال: قام علي بكذا، وقد وليتك العقد بما قام علي .... هل يصح أو لا؟ فأجاب: نعم تصح التولية إذا أخبر بشرائه بالعرض وبقيمته معًا ... » (٥). وتكلم المالكية في المسألة، ولكن من خلال بيع المرابحة، ولا أعتقد أن الحكم يختلف عنه في بيع التولية، لأن الكلام في الثمن، والحكم واحد في

стр. 1217

بيوع الأمانة، والله أعلم فانظر إلى كلامهم في المسألة في شروط بيع المرابحة. وأجاز الحنابلة أن يكون الثمن عرضًا. جاء في المغني: «فإن ابتاعه بدنانير، فأخبر أنه اشتراه بدراهم، أو كان العكس، أو اشتراه بعرض، فأخبر أنه اشتراه بثمن، أو بثمن، فأخبر أنه اشتراه بعرض، وأشباه هذا، فللمشتري الخيار بين الفسخ، والرجوع بالثمن، وبين الرضا به بالثمن الذي تبايعا به» (١). فظاهر هذا النص أن الخيار إنما ثبت لكونه لم يخبر بواقع الحال، فلو كان الخبر صحيحًا، وقد اشتراه بعرض، وباعه بما أخبر به، فالبيع صحيح، ولا خيار للمشتري. الشرط الثالث: صحة العقد الأول. يشترط أن يكون العقد الأول صحيحًا فإن كان فاسدًا لم يجز بيعه تولية؛ لأن التولية بيعه بالثمن الأول، فهو قائم على تقدير صحة البيع الأول، فإذا فسد البيع الأول لم يفد الملك عند الشافعية والحنابلة. ومن قال: إنه يفيد الملك أو شبهة الملك كالحنفية والمالكية بشرطه (٢)، فإنه قال: يثبت الملك فيه بالقيمة، وليس بالثمن، وهذا لا يتفق مع مقتضى عقد بيع التولية، القائم على صحة الثمن الأول. وانظر شروط بيع المرابحة، فسوف نتناول فيه هذا الشرط بشيء من التفصيل. * * *

стр. 1218

المطلب الخامس في بيع المرابحة المرابحة في اصطلاح الفقهاء (١): اتفقت تعريفات الفقهاء في المرابحة في مدلولها، وإن اختلفت في ألفاظها، فعرفها بعض الحنفية: بأن المرابحة بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح (٢). وعرفها بعض المالكية: بأنه بيع مرتب ثمنه على ثمن بيع تقدمه غير لازم مساواته له (٣). فخرج بقوله (مرتب ثمنه على ثمن بيع تقدمه) بيع المساومة، والمزايدة، والاستئمان (٤).

стр. 1219

وخرج بقوله (غير لازم مساواته له) الإقالة، والتولية، والشفعة. وعند المالكية أن المرابحة لا تقتصر على البيع بزيادة، بل تشمل بيع الوضيعة، والمساواة، وأن إطلاق المرابحة عليهما حقيقة عرفية. وذهب بعضهم إلى أن إطلاق المرابحة على البيع بمثل الثمن الذي اشتراه به، وزيادة ربح معلوم تعريف للنوع الغالب في المرابحة، الكثير الوقوع، لا أنه تعريف لحقيقة المرابحة الشاملة للوضيعة، والمساواة (١). وذكر بعض الشافعية أن المحاطة تدخل في المرابحة؛ وهذا ما فعله الإمام، لأنها في الحقيقة ربح للمشتري الثاني (٢). وعرفها بعض المالكية والشافعية والحنابلة: بأنه بيع السلعة برأس المال، وربح معلوم (٣). وعرفها بعضهم: بأن المرابحة بيع بمثل الثمن، أو ما قام عليه به، مع ربح موزع على أجزائه (٤). وذكر الشافعية والحنابلة أن بيع المرابحة يأتي على صورتين: الأولى: أن يبيعه بربح، فيقول رأس مالي فيه مائة، بعتكه بها، وربح عشرة. وهذه لا خلاف في جوازها.

стр. 1220

الثانية: أن يقول: بعتكه على أن أربح في كل عشرة درهمًا (١). وهذه الصورة وقع خلاف بين أهل العلم في كراهتها وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا تحرير الكلام فيها. وهل يلزم في بيع المرابحة أن يكون المالك قد ملكه بالشراء. قال في الدر المختار في تعريف المرابحة: هي «بيع ما ملكه من العروض، ولو بهبة، أو إرث، أو وصية، أو غصب، فإنه إذا ثمنه بما قام عليه .... ثم باعه مرابحة جاز» (٢). وخالف في ذلك المالكية، جاء في المنتقى للباجي: «قوله - يعني الإمام مالك - وإن باع رجل سلعة قامت عليه بمائة دينار، يريد قامت عليه بابتياع مكايسةٍ واجتهادٍ؛ لأن بيع المرابحة مخصوص بما ملكه البائع بذلك، دون ما ملكه بميراث، أو هبة، أو صدقة، فإن ملكه بشيء من ذلك لم ينبغ له أن يبيع مرابحة ... » (٣). وجاء في تحفة الفقهاء: «الأصل في بيع المرابحة أنه مبني على الأمانة، فإنه بيع بالثمن الأول بقول البائع، من غير بينة، ولا استحلاف، فيجب صيانته عن حقيقة الخيانة، وشبهها، فإذا ظهرت الخيانة يجب رده، كالشاهد يجب قبول قوله، فإذا ظهرت الخيانة يرد قوله» (٤). ولا يعتبر من بيع المرابحة لو باعه بمثل ما اشتراه به، وزيادة معلومة مع

стр. 1221

الاختلاف في اشتراط أجل، أو عدمه، أو طوله، أو قصره، أو اختلاف في اشتراط النقد وعدمه؛ لأنه حينئذ لم يبع بما اشتراه به حقيقة، وسوف يأتي بيانه في الشروط إن شاء الله تعالى. «ولو رخصت السلعة عما اشتراها به، لم يلزم الإخبار به» (١). * * *

стр. 1222

المطلب السادس في حكم بيع المرابحة الصورة الأولى أن يبيعه برأس المال وربح مجمل معلوم [م -٢٦٠] صورة المسألة: أن يقول: بعتكه برأس مالي، وربح عشرة دارهم. وهذه الصورة جائزة، وقد حكى جمع من أهل العلم الإجماع على جوازها، منهم الكسائي من الحنفية، وابن قدامة وابن مفلح من الحنابلة. قال ابن قدامة في المغني: «هذا جائز، لا خلاف في صحته، ولا نعلم فيه عند أحد كراهة» (١). ومستند الإجماع الكتاب، والسنة، والنظر الصحيح. أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] وقال : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأما السنة: (ح-١٤٥) فقد روى مسلم في صحيحه وفيه: فإذا اختلفت هذه الأوصاف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٢).

стр. 1223

وأما النظر، فإن هذه البيع قد توفرت فيه شروط البيع الصحيح، فإن المبيع معلوم، والثمن والربح معلومان كذلك. والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيوع؛ لأن الشخص الذي لا يهتدي إلى التجارة، يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي، ويطيب نفسه بمثل ما اشترى، وبزيادة ربح، فوجب القول بجوازها (١). ومع جوازه إلا أن هناك من أهل العلم من فضل عليه بيع المساومة: جاء في منح الجليل: «في التوضيح: بيع المرابحة محتاج إلى صدق، وبيان وإلا أكل الحرام فيه بسرعة، لكثرة شروطه، ونزوع النفس فيه إلى الكذب ولذا قال ابن عبد السلام: كان بعض من لقيناه يكره للعامة الإكثار من بيع المرابحة؛ لكثرة ما يحتاج إليه البائع من البيان ... » (٢). «قال الإمام أحمد: المساومة عندي أسهل من المرابحة، قال في الحاوي الكبير: وذلك لضيق المرابحة على البائع؛ لأنه يحتاج أن يعلم المشتري بكل شيء، من النقد، والوزن، وتأخير الثمن، وممن اشتراه (٣)، ويلزمه المئونة، والرقم، والقصارة، والسمسرة، والحمل، ولا يغر فيه، ولا يحل له أن يزيد على ذلك شيئًا إلا بينه له، ليعلم المشتري بكل ما يعلمه البائع، وليس كذلك المساومة» (٤). وعكسه صاحب الإنصاف، فقال: «وأما بيع المرابحة في هذه الأزمان فهو أولى للمشتري وأسهل. انتهى.

стр. 1224

قال في كشاف القناع: ولا مخالفة بينهما: لأن كلام الحاوي في الضيق على البائع، وكلام صاحب الإنصاف في سهولة الأمر على المشتري بترك المماكسة». وجاء في تحفة المحتاج: «بيع المساومة أولى منه، فإنه مجمع على حله، وعدم كراهيته ... » (١). وجاء في حاشية الجمل: «والبيع مساومة أولى من المرابحة خروجًا من خلاف من حرمها، أو أبطلها من السلف» (٢). ويناقش: لا يوجد خلاف في هذه الصورة، وإنما الخلاف وقع في الصورة الثانية كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وعلى تقدير أن يكون في هذه الصورة خلاف، فإن الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، ولذلك قال بعض الشافعية: «ليس القول بالحرمة مطلقًا مقتضيا للكراهة، بل يشترط قوة القول بها» (٣). وفي تحفة المحتاج: «ولعل عدم الكراهة مع القول بالحرمة، لشدة ضعف القول بالحرمة، وليس القول بالحرمة مطلقًا مقتضيًا للكراهة، بل يشترط قوة القول بها» (٤). * * *

стр. 1225

الصورة الثانية أن يبيعه برأس المال على أن يربح في كل عشرة درهمًا اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في بيع المرابحة، إذا قال البائع: أبيعك هذه السلعة على أن أربح في كل عشرة درهمًا، وهي الصيغة المعروفة بـ (ده يازده - وده دوازده) (١). فقيل: يجوز البيع بهذه الصورة. وهو مذهب الحنفية (٢)، والراجح عند المالكية (٣)،

стр. 1226

والشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يكره البيع بهذه الصورة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). وقيل: يحرم البيع بهذه الصورة، والبيع باطل، اختاره إسحاق ابن راهوية (٤)، ورجحه ابن حزم (٥). دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: (ث-٢٤) قال ابن حزم: روينا عن ابن مسعود أنه أجازه إذا لم يأخذ للنفقة ربحًا (٦). [لم أقف عليه مسندًا] (٧).

стр. 1227

الدليل الثاني: الأصل صحة البيع، ولا يحرم إلا بدليل، وهذا البيع قد توفرت فيه شروط البيع الصحيح، وأركانه، وليس فيه ما يمنع صحة البيع، فالمبيع معلوم، ورأس المال والربح معلومان، فأشبه ما لو قال: بعتك وربح عشرة دراهم. الدليل الثالث: أن الجهالة يسيرة يمكن إزالتها بالحساب، فلا تضر، كما قلنا: في مسألة سابقة: إذا باعه صبرة: كل قفيز بدرهم، فإذا قال: رأس مالي ١٠٠ ريال، وأربح في كل عشرة درهمًا، كان مجموع الربح نتيجة تقسيم المائة على عشرة، فيكون الربح عشرة دراهم. دليل من قال بالكراهة: الدليل الأول: (ث-٢٥) ما رواه عبد الرزاق (١)، وابن أبي شيبة (٢)، من طريق عبيد الله ابن أبي يزيد، عن ابن عباس، أنه كره بيع دوازده، وقال: بيع الأعاجم. ويجاب عن هذا الأثر بعدة أوجه: الوجه الأول: أن مقتضى تعليل الكراهة، أن الكراهة متوجهة على اللفظ، وليس على البيع؛ باعتبار أن اللفظ لفظ أعجمي، وقد كان السلف يكرهون رطانة العجم، والعدول عن العربية من أهلها.

стр. 1228

الوجه الثاني: «ويحتمل أن يكون إنما نهى عنه إذا قال: هو لك بده يازده، أو قال: بده دوازده، ولم يسم رأس المال، ثم سماه عند النقد» (١). الوجه الثالث: أن يكون كره ذلك خشية أن يحمل ذلك منهم على جواز بيع الدراهم: العشرة باثنتي عشرة، فيكون ذلك من باب سد الذرائع. الوجه الرابع: أن يكون كره ذلك لكون المساومة أفضل من بيع المرابحة؛ لكثرة ما يحتاج إليه البائع في المرابحة من البيان، فيحتاج أن يعلم المشتري بكل ما يعلمه البائع، وليس كذلك بيع المساومة. الدليل الثاني: أن هذه الصورة من المرابحة فيها نوع من الجهالة، والتحرز عنها أولى. وأجيب: بأن الجهالة يمكن إزالتها بالحساب، وإذا عقداه بما يصير به الثمن معلومًا بعد العقد لم تضر الجهالة، كما لو باعه صبرة كل قفيز بدرهم. دليل من قال بالتحريم: الدليل الأول: (ث-٢٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن الوليد بن جميع،

стр. 1229

عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هو ربا (١). [حسن]. ويجاب: لعل ابن عباس ﵄ قصد بذلك أن هذا البيع يشبه في صورته بيع الدراهم العشرة اثنتي عشرة، والعبرة في العقود بالمعاني، وليس في الصورة الظاهرة، ولذلك جاز بالإجماع البيع برأس المال وربح معلوم، فالعبارتان مؤداهما واحد، وما يجوز في أحدهما يجوز على الأخرى. الدليل الثاني: استدل ابن حزم بما يراه أنه الأصل في الشروط، فهو يرى أن الأصل في الشروط التحريم حتى يأتي دليل خاص على صحة هذا الشرط، مستدلًا بقوله ﷺ : «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» (٢). وفي رواية: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط» (٣)، وبناء عليه فإن البيع على أن تربحني كذا شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، والعقد به باطل. وقد أجبت على هذا الاستدلال، وبينت أن الأصل في الشروط الصحة والجواز في باب الشروط في البيع فلله الحمد، فانظره هناك.

стр. 1230

الدليل الثالث: استدل ابن حزم أيضًا بقوله: ولأنه « ... بَيْع بثمن مجهول؛ لأنهما إنما تعاقدا البيع على أنه يربح معه للدينار درهمًا، فإن كان شراؤه دينارًا غير ربع كان الشراء بذلك، والربح درهمًا غير ربع درهم، فهذا بيع الغرر الذي نهى عن ﷺ ، والبيع بثمن لا يدرى مقداره (١). وقد أجبنا عن دعوى الجهالة بالثمن. الراجح من أقوال أهل العلم: بعد استعراض الأقوال ومناقشتها أجد أن القول بالجواز هو الأقوى، وحجته أظهر، وما يدعى فيه من الجهالة فهو يسير يمكن كشفه بالحساب، والله أعلم. * * *
следующие страницы →