← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

والشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يكره البيع بهذه الصورة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). وقيل: يحرم البيع بهذه الصورة، والبيع باطل، اختاره إسحاق ابن راهوية (٤)، ورجحه ابن حزم (٥). دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: (ث-٢٤) قال ابن حزم: روينا عن ابن مسعود أنه أجازه إذا لم يأخذ للنفقة ربحًا (٦). [لم أقف عليه مسندًا] (٧).

стр. 1227

الدليل الثاني: الأصل صحة البيع، ولا يحرم إلا بدليل، وهذا البيع قد توفرت فيه شروط البيع الصحيح، وأركانه، وليس فيه ما يمنع صحة البيع، فالمبيع معلوم، ورأس المال والربح معلومان، فأشبه ما لو قال: بعتك وربح عشرة دراهم. الدليل الثالث: أن الجهالة يسيرة يمكن إزالتها بالحساب، فلا تضر، كما قلنا: في مسألة سابقة: إذا باعه صبرة: كل قفيز بدرهم، فإذا قال: رأس مالي ١٠٠ ريال، وأربح في كل عشرة درهمًا، كان مجموع الربح نتيجة تقسيم المائة على عشرة، فيكون الربح عشرة دراهم. دليل من قال بالكراهة: الدليل الأول: (ث-٢٥) ما رواه عبد الرزاق (١)، وابن أبي شيبة (٢)، من طريق عبيد الله ابن أبي يزيد، عن ابن عباس، أنه كره بيع دوازده، وقال: بيع الأعاجم. ويجاب عن هذا الأثر بعدة أوجه: الوجه الأول: أن مقتضى تعليل الكراهة، أن الكراهة متوجهة على اللفظ، وليس على البيع؛ باعتبار أن اللفظ لفظ أعجمي، وقد كان السلف يكرهون رطانة العجم، والعدول عن العربية من أهلها.

стр. 1228

الوجه الثاني: «ويحتمل أن يكون إنما نهى عنه إذا قال: هو لك بده يازده، أو قال: بده دوازده، ولم يسم رأس المال، ثم سماه عند النقد» (١). الوجه الثالث: أن يكون كره ذلك خشية أن يحمل ذلك منهم على جواز بيع الدراهم: العشرة باثنتي عشرة، فيكون ذلك من باب سد الذرائع. الوجه الرابع: أن يكون كره ذلك لكون المساومة أفضل من بيع المرابحة؛ لكثرة ما يحتاج إليه البائع في المرابحة من البيان، فيحتاج أن يعلم المشتري بكل ما يعلمه البائع، وليس كذلك بيع المساومة. الدليل الثاني: أن هذه الصورة من المرابحة فيها نوع من الجهالة، والتحرز عنها أولى. وأجيب: بأن الجهالة يمكن إزالتها بالحساب، وإذا عقداه بما يصير به الثمن معلومًا بعد العقد لم تضر الجهالة، كما لو باعه صبرة كل قفيز بدرهم. دليل من قال بالتحريم: الدليل الأول: (ث-٢٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن الوليد بن جميع،

стр. 1229

عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هو ربا (١). [حسن]. ويجاب: لعل ابن عباس ﵄ قصد بذلك أن هذا البيع يشبه في صورته بيع الدراهم العشرة اثنتي عشرة، والعبرة في العقود بالمعاني، وليس في الصورة الظاهرة، ولذلك جاز بالإجماع البيع برأس المال وربح معلوم، فالعبارتان مؤداهما واحد، وما يجوز في أحدهما يجوز على الأخرى. الدليل الثاني: استدل ابن حزم بما يراه أنه الأصل في الشروط، فهو يرى أن الأصل في الشروط التحريم حتى يأتي دليل خاص على صحة هذا الشرط، مستدلًا بقوله ﷺ : «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» (٢). وفي رواية: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط» (٣)، وبناء عليه فإن البيع على أن تربحني كذا شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، والعقد به باطل. وقد أجبت على هذا الاستدلال، وبينت أن الأصل في الشروط الصحة والجواز في باب الشروط في البيع فلله الحمد، فانظره هناك.

стр. 1230

الدليل الثالث: استدل ابن حزم أيضًا بقوله: ولأنه « ... بَيْع بثمن مجهول؛ لأنهما إنما تعاقدا البيع على أنه يربح معه للدينار درهمًا، فإن كان شراؤه دينارًا غير ربع كان الشراء بذلك، والربح درهمًا غير ربع درهم، فهذا بيع الغرر الذي نهى عن ﷺ ، والبيع بثمن لا يدرى مقداره (١). وقد أجبنا عن دعوى الجهالة بالثمن. الراجح من أقوال أهل العلم: بعد استعراض الأقوال ومناقشتها أجد أن القول بالجواز هو الأقوى، وحجته أظهر، وما يدعى فيه من الجهالة فهو يسير يمكن كشفه بالحساب، والله أعلم. * * *

стр. 1231

المطلب السابع شروط المرابحة [م - ٢٦١] يشترط في المرابحة شروط منها. الشرط الأول: أن يكون العقد الأول صحيحًا فإن كان فاسدًا لم يجز بيع المرابحة؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح والبيع الفاسد وإن كان يفيد الملك عند الحنفية في الجملة إذا تم القبض فيه بإذن البائع (١). ويفيد شبهة الملك عند المالكية بشرط القبض، وفوات الرجوع في المبيع. لكن يثبت الملك فيه بالقيمة، أو بالمثل لا بالثمن المسمى في العقد لفساد التسمية وهذا لا يتفق مع مقتضى عقد المرابحة القائم على معرفة الثمن الأول. وأما مذهب الشافعية والحنابلة فهو لا يفيد الملك مطلقًا (٢).

стр. 1232

الشرط الثاني: أن يكون رأس المال والربح معلومًا؛ لأن العلم بالثمن شرط في صحة البيع، وكذا العلم بالربح؛ لأنه بعض الثمن (١).

стр. 1233

قال في بدائع الصنائع: «العلم بالثمن الأول شرط صحة البياعات كلها» (١). وقال أيضًا: «أن يكون الربح معلومًا؛ لأنه بعض الثمن، والعلم بالثمن شرط صحة البياعات» (٢). وقال في البدائع أيضًا: «فإن لم يكن معلومًا له فالبيع فاسد، إلا أن يعلم في المجلس فيختار إن شاء، أو يترك، فيبطل. أما الفساد للحال، فلجهالة الثمن؛ لأن الثمن للحال مجهول. وأما الخيار فللخلل في الرضا؛ لأن الإنسان قد يرضى بشراء شيء بثمن يسير، ولا يرضى بشرائه بثمن كبير، فلا يتكامل الرضا إلا بعد معرفة مقدار الثمن، فإذا لم يعرف اختل رضاه، واختلال الرضا يوجب الخيار، ولو لم يعلم حتى افترقا عن المجلس بطل العقد لتقرر الفساد» (٣). الشرط الثالث: ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلًا بجنسه من أموال الربا؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة، وما منعت الزيادة فيه من أموال الربا يكون أخذها أخذًا للربا وليست ربحًا. الشرط الرابع: أن يكون الثمن مثليًا، كالنقود، والمكيل، والموزون، سواء جعل الربح من جنس الثمن، أو من خلاف جنسه.

стр. 1234

[م - ٢٦٢] أما إذا كان الثمن قيميًا، وهو ما ليس له مثل، فقد اختلف الفقهاء في حكم بيعه مرابحة: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز بيعه مرابحة إلا بشرط أن يكون العرض في ملك المشتري، والربح مثليًا معلومًا، وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: مذهب المالكية: يجوز بيعه مرابحة، ولو كان ثمنها قيميًا بشرط أن يكون الثمن بمقوم مماثل للمقوم الأول في صفته، وأن يكن هذا الثمن إما معينًا موجودًا في ملك المشتري، أو مضمونًا (موصوفًا) في ملك المشتري. فهاتان الصورتان يجوز البيع بهما مرابحة اتفاقًا في مذهب المالكية. فإن باعه بقيمة ذلك القيمي، فإنه لا يجوز قولًا واحدًا عند المالكية وإن كان الثمن معينًا في ملك الغير، أو كان مضمونًا (موصوفًا) ليس في ملك المشتري، ولا يقدر على تحصيله، لم يجز بيعه مرابحة اتفاقًا عند المالكية.

стр. 1235

وإن كان الثمن المضمون ليس في ملك المشتري مع قدرته على تحصيله، ففيه خلاف بين المالكية، فمنعه أشهب، وأجازه ابن القاسم (١). وقيل: يجوز بيعه مرابحة، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وحجة الحنفية: أن المرابحة بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح معلوم، فإذا لم يكن الثمن الأول مثليًا، فإما أن يقع البيع على قيمة ذلك العين، لأن العين ليست في ملكه،

стр. 1236

وهذا يجعل قيمة العين مجهولة؛ لأنها سوف تعرف عن طريق الحرز والتخمين؛ لاختلاف أهل التقويم فيها، وهذا لا يجوز. وإما أن يقع البيع على عين ذلك العرض، وهذا يشترط أن تكون العين قد انتقلت إلى ملك المشتري، فإن جعل الربح شيئًا مفردًا عن رأس المال معلومًا كالدراهم والدنانير، فإن ذلك جائز؛ لأن الثمن الأول معلوم، والربح معلوم. وإن جعل الربح جزءًا من رأس المال، بأن قال: بعتك بالثمن الأول، وربح ده يازده، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه جعل الربح جزءًا من العرض، والعرض ليس متماثل الأجزاء، وإنما يعرف ذلك بالتقويم، والقيمة مجهولة؛ لأن معرفتها بالحرز والتخمين، والله أعلم. وحجة المنع عند أشهب: أنه إذا اشترى ثوبًا بمال قيمي، فأراد بيعه مرابحة، فإن باعه بقيمة ذلك القيمي، فإنه لا يجوز قولًا واحدًا عند المالكية، وإن باعه بقيمي مماثل للمقوم الأول في صفته، ويزيده المشتري عليه ربحًا معلومًا، فإن أشهب يمنع ذلك؛ لأن دخول البائع على أن المشتري يدفع له مقومًا موصوفًا مماثلًا حالًا هو عين السلم الحال، وهو باطل عندهم. ولو منعه أشهب باعتبار أن المال القيمي لا مثل له لكان له وجه، باعتبار أن المال القيمي لو كان له مثل لكان مالًا مثليًا، وليس قيميًا، ولذلك لما أجازه الشافعية اشترطوا أن يذكر قيمة المال القيمي، ليكون العقد على القيمة، وليس على المثل، وأما كونه يمنعه لأنه من قبيل السلم الحال، فإن السلم الحال يجوز على الصحيح، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، والله أعلم.

стр. 1237

دليل من قال: بالجواز: اشترط الشافعية للجواز أن يذكر العرض وقيمته ليكون الثمن معلومًا، والمعتبر في قيمة العرض هو يوم العقد الأول، سواء ارتفعت قيمته أو انخفضت، ويقوم البائع إن كان من أهل الخبرة، فإن اختلفا في التقويم قوم لهما عدل، وإذا كان الثمن معلومًا، والربح معلومًا ودخل المشتري على بصيرة من أمره، لم يوجد مانع من صحة العقد، وإذا تبين أن الأمر بخلاف الواقع، فإن المشتري بالخيار. الراجح: بعد استعراض الأقوال، أجد أن القول بالجواز أقوى بالقيد الذي ذكره الشافعية، وهو أن يذكر قيمة العرض عند العقد لتزول الجهالة عن مقدار الثمن، فإن الثمن يشترط أن يكون معلومًا، ومقدار الربح، فإذا ذكر قيمة العرض، ومقدار الربح زالت الجهالة عن الثمن، فجاز بيعه مرابحة، والله أعلم. * * *

стр. 1238

المطلب الثامن صيغ بيع المرابحة هناك عبارتان شائعتان لبيع المرابحة، وتختلف العبارتان فيما يدخل تحتهما من الأحكام: العبارة الأولى: أن يقول: بعتك بما اشتريت به، وربح كذا وكذا، أو بعتك بالثمن الذي اشتريت به، وربح كذا وكذا، فإذا قال ذلك لم يدخل فيه سوى الثمن. العبارة الثانية: [م - ٢٦٣] أن يقول: بعتك بما قام علي، وربح كذا وكذا، فهنا اختلف الفقهاء في الأمور التي يمكن أن تلحق برأس المال، وما لا يلحق به على النحو التالي: القول الأول: مذهب الحنفية: ضابط ما يلحق بالثمن عند الحنفية ما يأتي: الأول: يلحق برأس المال كل ما جرى العرف التجاري بإضافته. الثاني: يلحق أيضًا ما يزيد في عين المبيع، أو يزيد في قيمته، مثل الصبغ، وأجرة القصار، والطراز، والصباغ، والفتال، وأجرة حمل المبيع؛ لأن هذه الأشياء إما أن تزيد في عين المبيع، أو تزيد في قيمته: فالصبغ: يزيد في عين المبيع. وحمله يزيد في قيمته؛ لأن قيمة السلعة تختلف من مكان لآخر (١).

стр. 1239

وعلى هذا كل ما يذكره الحنفية مما يضاف إلى رأس المال على وجه التفصيل يدخل في هذين الضابطين، إما ألحقوه بناء على العرف الجاري في عصرهم، وهذا قد يختلف من عصر إلى آخر، ومن بلد إلى آخر (١)، أو ألحقوه بناء على أن ما أضافه إلى السلعة زاد في عينها، أو زاد في قيمتها. وأما أجرة السمسار ففي إضافتها روايتان: الأولى: أنها تضم، وهو ظاهر الرواية. الثاني: أنها لا تضم؛ لأنها لا تزيد في عين السلعة، ولا في قيمتها (٢).

стр. 1240

القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى التفريق بين ما له عين قائمة كصبغ، وقصارة، وخياطة وتطريز، ونحوها، فيضاف إلى أصل الثمن، ويحسب في الربح، وبين ما له أثر في القيمة، وليس له عين قائمة، كأجرة الحمال، فإنه يحسب في أصل الثمن، ولا يحسب في الربح. وما ليس له أثر لا في عين السلعة، ولا في قيمتها، فلا يحسب مطلقًا، مثل أجر السمسرة، والنفقة، وأجر الشد، وأجر الطي. جاء في المدونة: «قال مالك في البر: يشترى في بلد، فيحمل إلى بلد آخر؟ قال مالك: أرى أن لا يحمل عليه أجر السماسرة، ولا النفقة، ولا أجر الشد، ولا أجر الطي، ولا كراء بيت، فأما كراء الحمولة، فإنه يحسب في أصل الثمن، ولا يجعل لكراء المحمولة ربح، إلا أن يعلم البائع من يساومه بذلك كله، فإن ربَّحوه بعد العلم بذلك فلا بأس بذلك، وتحمل القصارة على الثمن، والخياطة والصبغ، ويحمل عليها الربح كما يحمل على الثمن» (١). وما جاء في المدونة في السمسرة محمول على ما إذا كان المبيع من عادته أن يشترى بدون وسيط، وقد جاء في مذهب المالكية تفصيل في إلحاق أجرة السمسار إلى رأس المال، على النحو التالي: ما جرت العادة أنه لا يباع إلا بوسيط، فالمعتمد أن أجرة السمسار تضم إلى رأس المال، ولا يكون له قسط من الربح. وقيل: تحسب الأجرة وربحها. وما جرت العادة أنه يباع بدون وسيط، فثلاثة أقوال:

стр. 1241

أنه لا يضم إلى رأس المال، ولا إلى الربح، وهو مذهب المدونة، والموطأ. أنه يضم إلى رأس المال، ويكون له قسط من الربح. أنه يضم إلى رأس المال، ولا يكون له قسط من الربح (١). القول الثالث: مذهب الشافعية: ذهب الشافعية إلى إضافة جميع مؤن التجارة المرادة للاسترباح، كأجرة الكيال والدلال، والحمال، والقصار، والصباغ، وقيمة الصبغ، وعلف التسمين، وأجرة المكان، وأجرة الطبيب إذا اشتراه مريضًا. أما المؤن التي يقصد منها استبقاء الملك دون الاسترباح، كعلف الدابة المعتاد، فلا تدخل على الصحيح وكذا أجرة الطبيب إذا حدث المرض (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة: ما زاد في ثمن السلعة نتيجة أجرة الكيل، أو الخياطة، أو الوزن، أو الحمل، أو نحو ذلك، ففي إضافة هذه التكاليف وجهان عند الحنابلة: الأول، وهو المذهب: أنه لا يجوز إضافة هذه التكاليف إلى الثمن، وإنما يخبر به على وجهه، بحيث يقول: اشتريت السلعة بكذا، وأنفقت عليها كذا، أو عملت فيها بكذا، ويبيعها بهما، وربح معلوم. وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد، واختاره القاضي، ونصره ابن قدامة.

стр. 1242

وبه قال الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وطاووس، والنخعي، والأوزاعي، وأبو ثور. وحجة هذا القول: أن عدم البيان فيه تغرير بالمشتري؛ لأنه قد لا يرغب في السلعة إذا علم أن جزءًا من الثمن هو قيمة للعمل الذي أدخله البائع عليها. الوجه الثاني: تجوز إضافة هذه التكاليف إلى الثمن، ويقول: قامت علي بكذا، أو تحصلت علي بكذا؛ لأنه صادق في ذلك (١). الراجح: عرفنا ملخص الأقوال، فيما يضاف إلى رأس المال، ولا شك أن مذهب الحنابلة الذي يوجب أن يبين الأمر على وجهه بحيث يقول: اشتريتها بكذا، وأنفقت عليها بكذا، بحيث يدخل المشتري على بينة من أمره أسلم من النزاع، لأن هذا البيع من بيوع الأمانة، والذي يدخل فيه المشتري بناء على صدق خبر البائع، فإذا بين ذلك على وجه التفصيل، قطع البائع مادة النزاع، وابتعد عن تغرير المشتري، إلا أن يكون هناك عرف مطرد، فإذا اشتهر العرف لدى الناس أن النفقات التي أنفقها على السلعة أجرة للنقل، والخياطة، أو عمل صناعة فيها تضاف إلى التكاليف كان المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، ولذلك قال القرافي بعد أن تكلم على هذه المسألة، قال:

стр. 1243

«تنبيه: مدرك الأصحاب وغيرهم من العلماء فيما يحسب، وما لا يحسب، وما له ربح، وما لا ربح له إنما هو عرف التجارة،، وكذلك صرحوا في تعاليلهم بذلك، ووقع لفظ المرابحة في تصانيفهم في مقتضيات الألفاظ عرفًا، ويلزم على هذا أمران: أحدهما: أن البلد إذا لم يكن فيه عرف، وباع بهذه العبارات من غير بيان، أن يفسد البيع للجهل بالثمن، وبأي شيء هو مقابل من المبيع. وثانيهما: أن العرف إذا كان في بلد على خلاف مقتضى هذه التفاصيل أن تختلف هذه الأحكام بحسب ذلك العرف، فاعلم ذلك» (١). * * *

стр. 1244

المطلب التاسع الإخبار بالنماء المنفصل كالولد والثمرة [م - ٢٦٤] إذا نتج عن المبيع نماء منفصل، كالولد، والثمرة، والصوف، واللبن، فهل يجب على البائع إذا باعه مرابحة أن يخبر المشتري بهذا النماء، أو لا يخبره؟ فقيل: يجب أن يبين ذلك، فإن لم يفعل كان غاشًا للمشتري، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وبه قال إسحاق بن راهوية (٤). وقيل: لا يجب بيان ذلك ما دام أن النماء المنفصل لم تنقص به العين، وهذا هو قول الشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦).

стр. 1245

تعليل من قال: يجب بيان ذلك: التعليل الأول: أن الزيادة المتولدة من المبيع مبيعة تلحق بالأصل، حتى تمنع من الرد بالعيب، فإذا باعها مرابحة ولم يبين كان ذلك حبسًا لبعض المبيع، فلا يجوز من غير بيان. التعليل الثاني: تعتبر الولادة عند المشتري مما ينقص قيمة السلعة لاسيما إذا طالت إقامة الحيوان عند المشتري، وإذا كان الشأن كذلك فإنه يجب بيانه دفعًا للغش. تعليل من قال: لا يجب عليه بيان ذلك: التعليل الأول: أن البائع صادق فيما أخبر به من غير تغرير بالمشتري، فجاز كما لو لم يزد. التعليل الثاني: القياس على الغلة، بجامع أن كلًا منهما نماء منفصل، فكما أنه يجوز أن يأخذ أجرة الدابة من غير أن يبين ذلك للمشتري، فكذلك يجوز أن يأخذ الولد من غير أن يذكر ذلك للمشتري. ويناقش: بأن القياس على الغلة قياس مع الفارق، فإن الغلة لو استحق المبيع فإنه لا يرد مع الأصل، وذلك لأنه يملكها بالضمان، بخلاف الولد فإنه جزء من المبيع.

стр. 1246

الراجح: يمكن القول أن النماء المنفصل تارة يكون له تأثير على الأصل، وتارة لا يكون له ذلك الأثر، فإن كان له تأثير على الأصل بحيث ينقص قيمة السلعة وجب بيانه، كالولد فإن له تأثيرًا على الأم، وإن كان لا تأثير له كالحليب لم يجب عليه الإخبار به، والله أعلم. * * *

стр. 1247

المطلب العاشر ما يعمله المشتري بنفسه أو عمل له مجانًا [م - ٢٦٥] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن ما يعمله التاجر بنفسه من حمل، أو خياطة، أو صبغ، أو تطريز أو غير ذلك، أو عمله متبرع له أنه لا يضيفه إلى رأس المال، ويقول: تحصلت علي بكذا، وليس معنى ذلك أن ما عمله لا قيمة له، فقد يكون ما يعمله يرفع من سعر السلعة أضعافًا مضاعفة مما استأجر على عمله، ولكن البائع عندما يقول: قامت علي بكذا، فمعنى ذلك أنه بذل هذا المال في سبيل تحصيل ذلك، وما عمله بنفسه لم يبذل مالًا في تحصيله، فإذا أراد أن يخرج من ذلك يقول: قامت علي بكذا، وعملت فيها ما قيمته كذا وكذا، وأبيعك إياها بهما، وربح كذا وكذا. وكذلك يقال في قيمة الصبغ والصابون، إن كانت أعيانهما من البائع لم يحسب ذلك من الثمن، وإن كان قد اشتراهما أضيفا إلى رأس المال. قال ابن الهمام: «ولو قصر الثوب بنفسه، أو طين، أو عمل هذه الأعمال لا يضم شيئًا منها، وكذا لو تطوع متطوع» (١). وجاء في الشرح الكبير: «فإن عمله بنفسه - يعني الصبغ - أو عمل له مجانًا فلا يحسب، ولا يحسب ربحه، وكذا ما يصبغ به وما يخاط به، فإنه لا يحسب هو ولا ربحه إن كان من عند البائع وإلا حسبا» (٢).

стр. 1248

وقال النووي: «ولو قصر الثوب بنفسه، أو كال، أو حمل، أو طين الدار بنفسه لم تدخل الأجرة فيه؛ لأن السلعة إنما تعد قائمة عليه بما بذل، وكذا لو كان البيت ملكه، أو تبرع أجنبي بالعمل، أو بإعارة البيت، فإن أراد استدراك ذلك فطريقه أن يقول: اشتريت، أو قام علي بكذا، وعملت فيه ما أجرته كذا، وقد بعتكه بهما، وربح كذا» (١). وفي مغني المحتاج: «ولو صبغه بنفسه حسبت له قيمة الصبغ فقط؛ لأنه عين، ومثله ثمن الصابون في القصارة» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن قال: تحصل علي بكذا لم يجز فيما عمله بنفسه؛ لأنه كذب، وجاز فيما استأجر عليه في أحد الوجهين لأنه صادق» (٣). * * *

стр. 1249

المطلب الحادي عشر في تعريف المواضعة المواضعة اصطلاحًا (١): أن يقول البائع: بعتك بمثل ما اشتريت به، أو بما قام علي، مع نقصان شيء معلوم، كعشرة دراهم، أو حط درهم لكل عشرة (٢). كما قلنا في المرابحة. وهذا البيع هو نوع من بيوع الأمانة، لأن المشتري يأتمن البائع في خبره، معتمدًا على قوله، فيجب على البائع التنزه عن الخيانة، والتدليس، وتجنب الكذب لئلا يقع المشتري في التغرير. * * *

стр. 1250

المطلب الثاني عشر أحكام بيع المواضعة إذا كان حكم التولية هو حكم الشركة؛ لأن الشركة تولية، ولكن ببعض المبيع، فكذلك حكم المواضعة حكم بيع المرابحة، إلا أن المرابحة بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح معلوم، وبيع المواضعة: بيع بمثل الثمن الأول مع نقص معلوم. قال في بدائع الصنائع: «ويعتبر لها - يعني المواضعة - من الشرائط والأحكام ما يعتبر للمرابحة» (١). قال في الإنصاف: «حكم بيع المواضعة في الكراهة وعدمها، والصحة وعدمها حكم بيع المرابحة ... » (٢). * * *

стр. 1251

المطلب الثالث عشر في إلحاق ما زيد في الثمن أو حط منه بأصل العقد [م - ٢٦٦] لا خلاف بين الفقهاء بأن للمشتري أن يزيد للبائع في الثمن، وأن للبائع أن يزيد في المبيع للمشتري، أو يحط عن المشتري في الثمن، وإنما الخلاف بينهم هل تلحق هذه الزيادة أو النقصان بأصل العقد، وتكون ثمنًا، أو لا تلحق وتعتبر هبة؟ فإن اعتبرنا الزيادة أو النقص هبة لم تلزم إلا بالقبض، وإن اعتبرنا ذلك من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق، وفي الرد بالعيب، وإن كانت الزيادة فاسدة فسد البيع، ومن لم يجعلها من الثمن لم يوجب شيئًا من هذا. ولتحرير ذلك نقول: إن كانت الزيادة أو الحط قبل لزوم العقد (١)، فإنها تلحق بأصل العقد، وتكون ثمنًا، وتضاف إلى الثمن في بيوع الأمانة، باعتبار أن الزيادة، أو النقص جزء من الثمن، ولأن العقد قبل لزومه لم يستقر، فالثمن فيه قابل للزيادة والنقص، فوجب إلحاقه برأس المال، والإخبار به كأصله. قال ابن قدامة: «وإن كان ذلك - يعني الزيادة في الثمن والحط منه - في مدة

стр. 1252

الخيار لحق بالعقد، وأخبر به في الثمن، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم» (١). [م - ٢٦٧] وأما إن كانت الزيادة، أو الحط، بعد لزوم العقد، فقد اختلف الفقهاء هل يلحق ذلك بأصل العقد، أو تكون الزيادة هبة، والحط إبراء؟ فقيل: يلحق ذلك بأصل العقد (٢) بشروط منها: الأول: أن يقترن ذلك بقبول الطرف الآخر في مجلس الزيادة. الثاني: يشترط أن يكون المبيع قائمًا إذا كانت الزيادة في الثمن لأنه إذا كان هالكًا قوبلت الزيادة بمعدوم وإذا كان في حكم الهالك - وهو ما أخرجه عن ملكه - قوبلت الزيادة بما هو في حكم المعدوم (٣)، وأما الحط من الثمن فيجوز، ولو بعد هلاك المعقود عليه إجماعًا.

стр. 1253

الثالث: يستثنى من المبيع المسلم فيه، فإنه لا تجوز الزيادة فيه، وعللوا ذلك: بأنه معدوم حقيقة، وإنما جعل في الذمة لحاجة المسلم إليه. وقال في بدائع الصنائع: «وأما الزيادة في المسلم فيه فلا تجوز في الإجماع» (١). الرابع: ألا تكون الزيادة مفسدة للعقد، فإن كانت مفسدة للعقد لم تصح الزيادة عند أبي يوسف ومحمد، كما لو باع الدراهم بالدراهم متساوية، ثم زاد أحدهما، أو حط، وقبل الآخر، وقبض الزايد في الزيادة، أو المردود في الحط، لم تصح الزيادة ولا الحط عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنفية تصح الزيادة، وتلحق بأصل العقد كأنهما عقداه كذلك من الابتداء، فيفسد العقد بسبب الزيادة أو الحط. ولا فرق فيما لو كانت الزيادة بعد التقابض، أو قبله أو كانت من جنس المبيع، أو الثمن، أو من غير جنسه.

стр. 1254

وحكم الزيادة أنها تعديل للعقد السابق وليست هبة ولذا لا تحتاج إلى القبض المشروط لتمام الهبة. هذا هو مذهب الحنفية في الجملة (١). وفي مذهب المالكية: أن الزيادة والحط يلحقان بالبيع، ويجريان مجراهما في أحد القولين، سواء أحدث ذلك عند التقابض، أم بعده، ويجب رد الزيادة عند الاستحقاق، وعند الرد بالعيب، وما أشبه ذلك (٢)، إلا أن بعض المالكية استثنى الزيادة في حق الشفيع، وفي بيع المرابحة فلم يلحقها بالثمن الأول (٣). وقال بعضهم: إن حط عن المبتاع ما يشبه أن يحط في البيوع وضع ذلك عن الشفيع، وإن كان لا يحط مثله فهي هبة، ولا يحط عن الشفيع شيئًا (٤). دليل من قال: إن الزيادة والنقص تلحق بأصل العقد: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء:٢٤]. وجه الاستدلال: أنه إذا جاز إلحاق الزيادة والحط من المهر بعد وجوبه، جاز ذلك في عقد البيع.

стр. 1255

ويناقش: ليس الكلام على جواز الزيادة والحط، وإنما الخلاف في تكييف هذه الزيادة والحط، هل هما تبرع باعتبار أن العقد أصبح لازمًا بالثمن الأول، أو رجوع عن العقد الأول إلى عقد آخر بحيث تلحق بالثمن في بيوع الأمانة ونحوها. الدليل الثاني: أن الزيادة والحط غيرا العقد عن وجهه الأول وهو كونه بذلك المقدار إلى كونه بهذا المقدار ورأينا أن الشرع أثبت لهما ولاية تحويل العقد من صفة إلى صفة، فلهما أن يحولا العقد من عدم اللزوم إلى اللزوم بإسقاط الخيار، وعكسه بإلحاق الخيار وكذا من كونه حالا إلى مؤجل بإلحاق الأجل. ومن وجوده بعد تحققه في الوجود إلى إعدامه بلا سبب سوى اختيارهما، كما لو أَقَالَ أحدهما الآخر، فأولى أن يثبت لهما تغييره من وصف كونه رابحًا إلى خاسر، أو خاسرًا إلى رابح وإلى كونه عدلًا؛ لأن التصرف في صفة الشيء أهون من التصرف في أصله (١). وقيل: تكون هبة مطلقًا، فإن قبضها صارت ملكًا له، وإلا تبطل، وهذا قول زفر من الحنفية (٢)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٣)، ومذهب الشافعية (٤)،

стр. 1256

والمشهور في مذهب الحنابلة (١). دليل من قال: الزيادة والحط بعد اللزوم هبة . الدليل الأول: إذا كان الفقهاء متفقين على أن الزيادة لا تلحق بأصل الثمن لمن أخذ بالشفعة، ولو كانت الزيادة تعديلًا للعقد الأول، للحقت الزيادة لمن أخذ المبيع بالشفعة، فدل ذلك على أن الزيادة، أو الحط، إنما هما من قبيل التبرع، وليسا تعديلًا للعقد الأول (٢). الدليل الثاني: أن العقد قد استقر بلزومه، فلا تلحق به الزيادة، وما أعطاه البائع، أو المشتري بعد لزوم العقد، إنما هو بطيب نفس منه، لا يجبر عليه، ولا يلزمه ذلك إلا بأن يقبضه الطرف الآخر، وهذا شأن الهبة، وبالتالي لا يلحق بأصل العقد. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في مسائل منها. الأولى: حكم الزيادة، أو الحط برأس المال في بيع التولية، والمرابحة، هل تلحق الزيادة برأس المال، أو يكون البيع على الثمن الأول دون الزيادة. وكذلك الحط من الثمن، هل يكون العقد مرابحة، أو تولية على الباقي، أو يعتبر البيع على الثمن الأول، على الخلاف السابق، هل ذلك هبة، أو بيع، فمن

стр. 1257

قال: إن ذلك هبة لم يلحقها، ومن قال: تجري مجرى البيع ألحقها بأصل العقد. الثانية: في الأخذ بالشفعة، هل يخصم الحط على الشفيع، أو يأخذها الشفيع بالثمن الأول قبل الحط، على الخلاف السابق: هل ذلك هبة، أو بيع. أما الزيادة فقد اتفق الفقهاء على عدم إلحاقها بأصل العقد، وذلك لأن الزيادة لما كانت بعد لزوم العقد، فقد ثبت حق الشفيع بالثمن الأول قبل الزيادة، لأنه بمجرد العقد تعلق حقه بأخذ الشفعة، والزيادة حدثت بعد ذلك فلا تلزمه. الثالثة: في الاستحقاق، فإذا استُحِق المبيعُ، وقضى به للمستحق، فمن قال: إن ذلك بيع رأى أن المشتري يرجع على البائع بالكل من أصل وزيادة، وكذلك في الرجوع بالعيب ولو أجاز المستحق البيع أخذ الكل. ومن قال: إن ذلك هبة لم ير رجوع المشتري بالاستحقاق. الرابعة: في حبس المبيع حتى يقبض الزيادة، أو الحط، فمن قال: إن ذلك بيع، رأى أن له حبسه حتى يقبض الزيادة، بخلاف من يرى أن ذلك هبة. الخامسة: هل يفسد عقد الصرف بالحط أو الزيادة، فمن رأى أن ذلك في حكم البيع رأى أن عقد الصرف يفسد بالحط، أو الزيادة للربا، كأنهما عقداه متفاضلًا ابتداء. ومنع أبو يوسف صحة الزيادة فيه والحط، ولم يبطل البيع، ووافقه محمد في الزيادة، وجوز الحط على أنه هبة مبتدأة (١). الراجح من الخلاف: الأدلة في المسألة متجاذبة، وإن كان قول الشافعية والحنابلة أقوى من قول

стр. 1258

الحنفية والمالكية، لأن الأصل عدم الإلحاق، ولأن القول بأن أي زيادة، أو نقص يكون تغييرًا للعقد الأول يؤدي ذلك إلى عدم استقرار التعامل، ومع ذلك فلا مانع من اعتبار القرائن، فالزيادة والحط، تارة تكون تبرعًا محضًا دون شكوى من أحد من العاقدين، فيكون ذلك من باب الإحسان، وليس من باب المعاوضة، وأحيانًا يكون ذلك مشعرًا بطلب الإقالة من العقد الأول، لادعاء الغبن، فيحاول المشتري أن يجبر النقص بزيادة الثمن، أو يحاول البائع أن يجبر ذلك بزيادة المبيع، أو الحط من الثمن، فمثل هذا فيه شبهة أن أحد الطرفين أحب أن يقيل الآخر من الالتزام الأول، وأن يجري معه عقدًا آخر برضاهما يتم فيه تعديل العقد الأول دفعًا لما يدعيه أحدهما من الغبن، فيكون مثل هذا التصرف استصلاحًا للعقد الأول، فمثل هذا لو قيل: إنه يلحق بأصل العقد لم يكن بعيدًا. ثم وقفت على كلام للمالكية بمثل ما استحسنته، فجاء في التاج والإكليل: «وإن أشركت رجلًا في سلعة، أو وليتها، ثم حط بائعك من الثمن ما يشبه استصلاح البيع، لزمك أن تضع عمن أشركته نصف ما حط عنك، ولا يلزمك ذلك فيمن وليته. ابن القاسم: ولو حطك بائعك جميع الثمن أو نصفه، مما يعلم أنه لغير البيع، لم يلزمك أن تحط شيئًا، لا في بيع، ولا شرك، ولا تولية، ولا خيار لهم» والله أعلم (١). * * *

стр. 1259

المطلب الرابع عشر إذا اشتري شيئين صفقة واحدة وباع أحدهما مرابحة [م - ٢٦٨] إذا اشترى شيئين صفقة واحدة، ولم ينص على ثمن كل واحد منهما، ثم أراد بيع أحدهما مرابحة، فهل يجب عليه أن يبين؟ وللجواب على ذلك نقول: إن كان البيع من المثليات، كما لو كان مما يكال، أو يوزن، فيجوز أن يبيع بعضه مرابحة، وإن لم يبين. وحكاه ابن قدامة إجماعًا، قال ﵀: «أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم الثمن عليها بالأجزاء كالبر، والشعير المتساوي فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن ..... ولا نعلم فيه خلافًا» (١). قال في التاج والإكليل: هذا «بناء على أن القسم في المكيل، والموزون تمييز حق، وأنه لا يزاد فيه لأجل الجملة». وإن كان البيع من المتقومات، التي لا ينقسم الثمن عليها بالأجزاء، وكانت معينة كالثياب (٢)، والحيوان، والشجرة المثمرة، وأشباه هذا، فهذا لا يجوز بيع

стр. 1260

بعضه مرابحة، حتى يخبر بالحال على وجهه. وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). وجه المنع: أن المبيع لما كان معينًا أصبح الثمن ينقسم عليه بحسب القيمة، وهي مختلفة، فإذا اختلفت قيم آحاد المبيع، لم يجب بيعه مرابحة حتى يبين ذلك. وذهب الشافعية إلى جواز بيع القيمي بحصته من الثمن، إذا قسط الثمن عليهما بالقيمة.

стр. 1261

وحجتهم: أن الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته؛ بدليل ما لو كان المبيع شقصًا وسيفًا، أخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن (١). وأجيب: بأن الشفعة لدفع الضرر، فاغتفر فيها ذلك، ولا ضرروة للبيع مرابحة، لأن بإمكانه أن يبين ذلك، ويتم البيع. الراجح: الذي أميل إليه أن المال القيمي المعين لا يجوز بيع بعضه مرابحة حتى يبين ذلك، وأما المال المثلي، فإن كان ثمن الجملة يخالف ثمن الجزء كما هو حال السوق في عصرنا فإنه يجب البيان، وإلا لم يجب. * * *

стр. 1262

المطلب الخامس عشر في بيع ما شتراه من أبيه أو أبنه أو زوجه مرابحة [م - ٢٦٩] ذهب أبو حنيفة إلى أن البائع إن كان اشترى من أبيه، أو ابنه، أو ممن لا تقبل شهادته له لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره (١). وبهذا قال الحنابلة، جاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن اشتراه - أي المبيع - تولية، أو شركة، أو مرابحة، أو مواضعة ممن ترد شهادته له، كأحد عمودي نسبه، أو زوجته لزمه أن يبين، أو اشتراه ممن حاباه، أي اشتراه منه بأكثر من ثمن مثله، لزمه أن يبين، أو اشتراه لرغبة تخصه، كدار بجوار منزله، أو أمة لرضاع ولده، لزمه أن يبين» (٢). وذلك أن بيع الأمانة يتعلق ببيع المكايسة، والاجتهاد دون بيع المحاباة، فلا يبع مرابحة إلا على القدر الذي يتيقن بالالتزام فيه لا على وجه المسامحة، وما يشتريه الإنسان من أصوله، وفروعه فهو يتسامح في الزيادة لهم، ما لا يتسامح مع غيرهم، لأن ما يحصله هؤلاء بمنزلة ما يحصله لنفسه، ولهذا لا تقبل شهادته لهم، وتقبل عليهم، فإذا وقع أن اشترى من هؤلاء، فباعه مرابحة وجب أن يعلم المشتري بذلك. وقيل: للبائع أن يبيع ما اشتراه من أبيه وابنه وزوجه مرابحة، وإن لم يبين،

стр. 1263

اختاره أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١)، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢). وعللوا ذلك: بأن الأملاك بين الآباء والأبناء متباينة، إذ ليس لكل واحد منهما في ملك صاحبه ملك، ولا حق ملك، فهما في ذلك كالأخوين. واستثنى الشافعية ما يشتريه من ابنه الطفل، فيجب الإخبار به؛ لأن الغالب في مثله الزيادة. وكذا ما اشتراه بدين من مماطل أو معسر. وقيل: إذا اشتراه من أبيه أو ابنه، أو زوجه ولم يكن في البيع محاباة لم يجب البيان، وهذا مذهب المالكية (٣). فجعل المالكية الحكم يدور مع علته، وجودًا وعدمًا، فإن وجد محاباة وجب البيان، وإن لم يوجد لم يجب. وهذا الكلام جيد إلا أنه لا يترك التقدير للبائع، لأن الناس لا ينصفون من أنفسهم، فقد يدعي البائع بأنه لا محاباة في مثل ذلك، وواقع الحال غير هذا،

стр. 1264

إلا أن يقال: إن بيع الأمانة ما دام منوطًا في صدق البائع فليصدق في هذا أيضًا، فهو قائم على أساس أمانة البائع وصدقه، والله أعلم. وبهذا نكون قد أنهينا الكلام على بيوع الأمانة، ولم يبق فيها إلا مسألة واحدة، وهي حكم الخيانة إذا ظهرت في بيوع الأمانة، وقد أرجأت هذه المسألة إلى كتاب الخيار لعلاقتها به، فلله الحمد والفضل سبحانه لا أحصي ثناء عليه. * * *

стр. 1265

الباب السادس في موانع البيوع أو البيوع المنهي عنها في هذا الباب سوف نتكلم عن البيوع المنهي عنها، ويبحثها بعض الفقهاء تحت مسمى (موانع البيع) فهي بيوع في جملتها قد توفرت في كثير منها شروط البيع الصحيح، لكن الشيء لا يتم حتى تتوفر شروطه، وتنتفي موانعه، وهذه البيوع منها ما يكون المانع فيها لحق الله ، كالبيع بعد نداء الجمعة الثاني، ومنها ما يكون المانع فيها لحق الآدمي، كالبيع على بيع أخيه، وتلقي الجلب، ومنها ما يكون المانع فيه لحق الله ، ولحق الآدمي، كالبيوع المشتملة على الربا، وهذه المسائل، منها ما هو الراجح فيها بطلان البيع، فيجمع النهي بين التحريم والبطلان، ومنها ما لا يقتضي البطلان على الصحيح، وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى في هذا الباب على المسائل التي ورد فيها نصوص، سواء كانت هذه النصوص صحيحة، أو كانت لا تصح، ونتناول فهم الفقهاء لهذه النصوص، وسيكون الترجيح فيها بحسب فهم الباحث وظنه كالحال في مسائل الخلاف، وقد يكون الصواب خلاف ما رجحت، وإنما التكليف على قدر الفهم، والله المستعان وحده، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويمكن للباحث أن يقسم هذا الباب عدة أقسام: إما تقسيمه باعتبار ما كان النهي فيه لحق الله. وما كان النهي فيه لحق الآدمي. وما كان النهي فيه لحق الله، ولحق الآدمي.
следующие страницы →