← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وحجتهم: أن الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته؛ بدليل ما لو كان المبيع شقصًا وسيفًا، أخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن (١). وأجيب: بأن الشفعة لدفع الضرر، فاغتفر فيها ذلك، ولا ضرروة للبيع مرابحة، لأن بإمكانه أن يبين ذلك، ويتم البيع. الراجح: الذي أميل إليه أن المال القيمي المعين لا يجوز بيع بعضه مرابحة حتى يبين ذلك، وأما المال المثلي، فإن كان ثمن الجملة يخالف ثمن الجزء كما هو حال السوق في عصرنا فإنه يجب البيان، وإلا لم يجب. * * *

стр. 1262

المطلب الخامس عشر في بيع ما شتراه من أبيه أو أبنه أو زوجه مرابحة [م - ٢٦٩] ذهب أبو حنيفة إلى أن البائع إن كان اشترى من أبيه، أو ابنه، أو ممن لا تقبل شهادته له لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره (١). وبهذا قال الحنابلة، جاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن اشتراه - أي المبيع - تولية، أو شركة، أو مرابحة، أو مواضعة ممن ترد شهادته له، كأحد عمودي نسبه، أو زوجته لزمه أن يبين، أو اشتراه ممن حاباه، أي اشتراه منه بأكثر من ثمن مثله، لزمه أن يبين، أو اشتراه لرغبة تخصه، كدار بجوار منزله، أو أمة لرضاع ولده، لزمه أن يبين» (٢). وذلك أن بيع الأمانة يتعلق ببيع المكايسة، والاجتهاد دون بيع المحاباة، فلا يبع مرابحة إلا على القدر الذي يتيقن بالالتزام فيه لا على وجه المسامحة، وما يشتريه الإنسان من أصوله، وفروعه فهو يتسامح في الزيادة لهم، ما لا يتسامح مع غيرهم، لأن ما يحصله هؤلاء بمنزلة ما يحصله لنفسه، ولهذا لا تقبل شهادته لهم، وتقبل عليهم، فإذا وقع أن اشترى من هؤلاء، فباعه مرابحة وجب أن يعلم المشتري بذلك. وقيل: للبائع أن يبيع ما اشتراه من أبيه وابنه وزوجه مرابحة، وإن لم يبين،

стр. 1263

اختاره أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١)، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢). وعللوا ذلك: بأن الأملاك بين الآباء والأبناء متباينة، إذ ليس لكل واحد منهما في ملك صاحبه ملك، ولا حق ملك، فهما في ذلك كالأخوين. واستثنى الشافعية ما يشتريه من ابنه الطفل، فيجب الإخبار به؛ لأن الغالب في مثله الزيادة. وكذا ما اشتراه بدين من مماطل أو معسر. وقيل: إذا اشتراه من أبيه أو ابنه، أو زوجه ولم يكن في البيع محاباة لم يجب البيان، وهذا مذهب المالكية (٣). فجعل المالكية الحكم يدور مع علته، وجودًا وعدمًا، فإن وجد محاباة وجب البيان، وإن لم يوجد لم يجب. وهذا الكلام جيد إلا أنه لا يترك التقدير للبائع، لأن الناس لا ينصفون من أنفسهم، فقد يدعي البائع بأنه لا محاباة في مثل ذلك، وواقع الحال غير هذا،

стр. 1264

إلا أن يقال: إن بيع الأمانة ما دام منوطًا في صدق البائع فليصدق في هذا أيضًا، فهو قائم على أساس أمانة البائع وصدقه، والله أعلم. وبهذا نكون قد أنهينا الكلام على بيوع الأمانة، ولم يبق فيها إلا مسألة واحدة، وهي حكم الخيانة إذا ظهرت في بيوع الأمانة، وقد أرجأت هذه المسألة إلى كتاب الخيار لعلاقتها به، فلله الحمد والفضل سبحانه لا أحصي ثناء عليه. * * *

стр. 1265

الباب السادس في موانع البيوع أو البيوع المنهي عنها في هذا الباب سوف نتكلم عن البيوع المنهي عنها، ويبحثها بعض الفقهاء تحت مسمى (موانع البيع) فهي بيوع في جملتها قد توفرت في كثير منها شروط البيع الصحيح، لكن الشيء لا يتم حتى تتوفر شروطه، وتنتفي موانعه، وهذه البيوع منها ما يكون المانع فيها لحق الله ، كالبيع بعد نداء الجمعة الثاني، ومنها ما يكون المانع فيها لحق الآدمي، كالبيع على بيع أخيه، وتلقي الجلب، ومنها ما يكون المانع فيه لحق الله ، ولحق الآدمي، كالبيوع المشتملة على الربا، وهذه المسائل، منها ما هو الراجح فيها بطلان البيع، فيجمع النهي بين التحريم والبطلان، ومنها ما لا يقتضي البطلان على الصحيح، وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى في هذا الباب على المسائل التي ورد فيها نصوص، سواء كانت هذه النصوص صحيحة، أو كانت لا تصح، ونتناول فهم الفقهاء لهذه النصوص، وسيكون الترجيح فيها بحسب فهم الباحث وظنه كالحال في مسائل الخلاف، وقد يكون الصواب خلاف ما رجحت، وإنما التكليف على قدر الفهم، والله المستعان وحده، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويمكن للباحث أن يقسم هذا الباب عدة أقسام: إما تقسيمه باعتبار ما كان النهي فيه لحق الله. وما كان النهي فيه لحق الآدمي. وما كان النهي فيه لحق الله، ولحق الآدمي.

стр. 1266

أو تقسيمه باعتبار ما نهي عنه لأمر يرجع إلى العاقد، أو لأمر يرجع إلى المعقود عليه، أو لأمر يرجع إلى صيغة العقد. أو تقسيمه باعتبار سبب التحريم، فيقال مثلًا: ما كان النهي فيه بسبب الغرر، ثم تذكر الأمثلة على ذلك. ما كان النهي فيه بسبب ترك واجب، أو ارتكاب محرم، تم تذكر الأمثلة على ذلك. ما كان النهي فيه بسب الغش والخداع، ثم تذكر أمثلة على ذلك، حتى يأتي على الأعيان المنهي عنها، وهذا ما سوف أختاره؛ لأن هذا التقسيم قائم على الفقه والفهم لهذه النصوص، وهو أليق بالبحث، ولأن التقسيم الأول، وهو ما كان النهي فيه لحق الله، أو كان النهي فيه لحق الآدمي، فيه تداخل، لأن ما نهى عنه الله بسبب حق الآدمي، فمخالفه قد عصى الله أيضًا، هذا ما أحببت أن أتقدم به قبل الدخول في صلب الموضوع، أسأل الله عونه وتوفيقه إنه على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * * *

стр. 1267

الفصل الأول في الأعيان المنهي عنها لذاتها لكونها ليست مالًا أو لكونها نجسة قسم المحققون النهي عن بيع الشيء إلى ثلاثة أقسام: الأول: النهي الوارد لذات المنهي عنه، فيوجب فساد البيع، كبيع الحر، والخمر. الثاني: النهي الوارد لغيره، وليس لذلك الغير اتصال بالمنهي عنه، لا من حيث الأصل، ولا من حيث الوصف، فلا يوجب فساد المنهي عنه على الصحيح، كالنهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني. الثالث: النهي الوارد لغيره، ولذلك الغير اتصال بالمنهي عنه من حيث وصفه، لا من حيث الأصل، وهو محل خلاف بين أهل العلم. وفي هذا الفصل سوف نتعرض إن شاء الله إلى الأعيان المنهي عنها لذاتها، ومن ذلك: (١) بيع الميتة. (٢) بيع الكلب (٣) بيع الهر. (٤) بيع الخمر (٥) بيع الخنزير (٦) بيع الدم.

стр. 1268

(٧) بيع العذرة. (٨) بيع السرجين. (٩) بيع الدهون النجسة. (١٠) بيع الدهون المتنجسة. (١١) بيع لبن الآدمي، وشعره. (١٢) بيع أمهات الأولاد. (١٣) بيع المدبر. (١٤) بيع الأصنام. (١٥) بيع الحر. (١٦) مهر البغي. (١٧) حلوان الكاهن. فتكون مجموع مسائل هذا الفصل سبع عشرة مسألة، أسأل الله العون والتوفيق. * * *

стр. 1269

المبحث الأول في بيع الميتة [م -٢٧٠] ليس المقصود بالميتة ما كانت ميتته حلالًا، كالسمك، والجراد، وإنما المقصود بالميتة ما فارقته الحياة حتف أنفه مما تحله الذكاة، وهي الذي نهينا عن أكلها في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]. قال النووي: «وأما الميتة، والخمر، والخنزير، فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها» (١). (ح -١٤٦) وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة، إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها، جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (٢). ونستطيع أن نقسم الميتة إلى أقسام، منها: الأول: حكم بيع شعر الميتة. الثاني: حكم بيع جلود الميتة.

стр. 1270

الثالث: حكم بيع العظم والقرن والظلف من الميتة. الرابع: حكم بيع ما كانت ميتته حلالًا كالسمك والجراد. الخامس: حكم بيع جثة الآدمي. * * *

стр. 1271

الفرع الأول حكم بيع شعر الميتة [م - ٢٧١] اختلف العلماء في طهارة شعر الميتة، ووبرها، وصوفها، هل هو نجس، أم طاهر؟ وقد سبق بحث هذه المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، وبناء عليه اختلفوا في حكم بيع ذلك منه على أربعة أقوال: القول الأول: يجوز بيع شعر الميتة، ووبرها، وصوفها من كل حيوان إلا شعر الخنزير، وهذا مذهب الحنفية (١)، واختاره أصبغ من المالكية (٢). القول الثاني: شعر الميتة نجس مطلقًا، سواء كان من حيوان مأكول أو غير مأكول، وإذا كان نجسًا لم يصح بيعه، وهذا مذهب الشافعية (٣). القول الثالث: يجوز بيع شعر الميتة مطلقًا، وهو اختيار ابن القاسم من المالكية (٤)، ورجحه

стр. 1272

ابن تيمية من الحنابلة (١). القول الرابع: يجوز بيع شعر الميتة إذا كان الحيوان يحكم له بالطهارة في حال حياته، فإن كان الحيوان نجسًا في الحياة، فالشعر تبع له، وهذا مذهب الحنابلة (٢). دليل من قال: يحرم بيع الشعر مطلقًا من الميتة . استدل بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] وهو مطلق، يشمل

стр. 1273

الشعر وغيره، فإن الميتة اسم لما فارقته الروح بجميع أجزائه. الدليل الثاني: (ح-١٤٧) روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة، إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة .... الحديث (١). والشعر جزء من الميتة. ويجاب عن الدليلين السابقين بثلاثة أجوبة: الجواب الأول: كون الشعر جزءًا من الميتة، لا يمنع من القول بطهارته، وصحة بيعه، فهذا جلد الميتة جزء منها، بل هو أولى من الشعر، لوجود ما يلصق به من الشحم، ونحوه من الرطوبات، ومع ذلك يرى الشافعي - كما هو قوله في الجديد- جواز بيع جلد الميتة إذا دبغ، وقطعت عنه الرطوبات (٢)، فما بالك بالشعر الذي لا يوجد به دم، ولا شحم، ولا غيرهما من الرطوبات. الجواب الثاني: «أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] لا يدخل فيها الشعر، وما أشبهه، وذلك لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان:

стр. 1274

حياة الحيوان، وحياة النبات. فحياة الحيوان: خاصتها الحس والحركة الإرادية. وحياة النبات: خاصتها النمو والاغتذاء، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] إنما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية، فإن الشجر، والزرع إذا يبس، لم ينجس باتفاق المسلمين، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل:٦٥]. وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧]. وإنما الميتة المحرمة ما فارقها الحس والحركة الإرادية، وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات، لا من جنس حياة الحيوان، فإنه ينمو، ويتغذى، ويطول، كالزرع، وليس فيه حس، ولا يتحرك بإرادته، فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها، فلا وجه لتنجيسه ... » (١). الجواب الثالث: أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] عام، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]. خاص في بعضها، وهو الشعر، والصوف، والوبر، والخاص مقدم على العام. دليل من قال: يصح بيع الشعر مطلقًا . الدليل الأول: كل شيء طاهر يباح الانتفاع به فالأصل جواز تملكه وبيعه إلا بدليل صحيح صريح في النهي عن بيعه، ولم يرد في الشرع دليل ينهى عن بيع الشعر، والصوف، والوبر.

стр. 1275

وقد قدمت الأدلة على طهارة شعر الميتة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]. وجه الاستدلال: في الآية دليل على جواز الانتفاع بالصوف، والوبر، والشعر من الحيوان، من غير فرق بين المذكى منه وبين الميتة، وبين ما أخذ قبل الموت، وما أخذ بعده، وإذا جاز الانتفاع به، وتملكه، جاز بيعه. الدليل الثالث: دل الإجماع على طهارة الشعر المأخوذ من الحيوان قبل موته، فلا ننتقل إلى نجاسته إلا بدليل، وإذا كان طاهرًا منتفعًا به جاز تملكه وبيعه. قال ابن تيمية: «اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهرًا، فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة» (٢). (ح-١٤٨) فقد روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ : ما قطع من البهيمة، وهي حية، فهي ميتة. [الراجح أنه مرسل] (٣). فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان، لما جاز أخذه من الحيوان الحي، ولكان

стр. 1276

نجسًا، حكمه حكم ميتته، فلما جاز أخذه، علم أنه ليس جزءًا من الحيوان، وأنه طاهر مطلقًا في حياة الحيوان، وبعد موته. وإذا كان الشعر والصوف والوبر طاهرًا يباح الانتفاع به، كان جواز بيعه فرعًا عن طهارته، وإباحة الانتفاع به. الدليل الرابع: أن المقصود من تحريم الميتة ما يتأتى فيه الأكل، والدليل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام:١٤٥]. (ح-١٤٩) وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، وفيه قال رسول الله ﷺ عن الميتة: «إنما حرم أكلها» (١). فلما لم يكن الشعر والصوف والوبر من المأكول لم يتناوله التحريم، وكما خصصنا جلد الميتة المدبوغ بالإباحة للآثار الواردة فيه، وجب تخصيص الشعر، والصوف، وما لا يتأتى فيه الأكل من جملة المحرم لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [الأنعام:٨٠]. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل:٥] والدفء: ما يتدفأ به من شعر، وصوف، ووبر (٢). دليل من استثنى شعر الخنزير من شعر الميتة . رأى أصبغ من المالكية أن شعر الخنزير يختلف عن شعر الميتة، ووجه الفرق بينهما: أن الخنزير محرم حيًا وميتًا، لا يجوز بيعه بحال لا حيًا ولا ميتًا، ولا

стр. 1277

تعمل فيه الذكاة، ولا يطهر جلده بالدباغ، فلما فارق غيره من الحيوانات بهذه الأمور، دل على أن شعره تبع له، لا يجوز بيعه، ولا أكل ثمنه (١). قلت: ينبغي أن يلحق به الكلب، بل هو أولى، فإن الكلب قد نهي عن اقتنائه بخصوصه. وأجاب الحطاب عن قول أصبغ: بـ «أن الشعر لا تحله الروح وأنه يجوز أخذه من الحي والميت، كان مما يؤكل، أو مما لا يؤكل لحمه، كبني آدم والخيل والبغال، والقرود التي أجمع أهل العلم على أنه لا يؤكل لحومها، أو مما يكره أكل لحمه كالسباع فوجب على هذا الأصل، أن يكون شعر الخنزير طاهر الذات، أخذ منه حيا، أو ميتا، تحل الصلاة به، وبيعه وقول أصبغ ليس ببين وقياسه فاسد» (٢). قلت: وقد بينت في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، أن المعتمد في مذهب المالكية طهارة الخنزير حيًا (٣). دليل من فرق بين شعر الحيوان الطاهر في الحياة وشعر الحيوان النجس . إذا كان الحيوان نجسًا في الحياة، فإن الشعر جزء منه، فهو نجس أيضًا، فإذا مات هذا الحيوان النجس لم يزده الموت إلا خبثًا. وقد سبق الجواب عنه. الراجح: طهارة الشعر من كل حيوان دون استثناء، وصحة بيعه. * * *

стр. 1278

الفرع الثاني في بيع جلود الميتة [م - ٢٧٢] اختلف العلماء في بيع جلود الميتة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز بيعها مطلقًا، قبل الدبغ وبعده، وهو قول ابن شهاب والليث ابن سعد (١). القول الثاني: يجوز بيعها إذا دبغت، وهو مذهب الحنفية (٢)، والجديد في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤). القول الثالث: لا يجوز بيعها وإن دبغت، وهذا مذهب المالكية (٥)، والقول القديم للشافعي (٦)،

стр. 1279

ومذهب الحنابلة (١). واختاره من السلف سالم بن عمر، وطاووس (٢). وسبب اختلافهم خلافهم أولًا في اشتراط الطهارة في المعقود عليه: فمن رأى أن طهارة الثمن والمثمن ليس بشرط أجاز بيعها مطلقًا (٣). ومن اشترط الطهارة في المعقود عليه، اختلفوا هل الدباغ مطهر، أو غير مطهر؟ فمن رأى أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، وإنما يبيح الانتفاع بالجلد منع بيعها. ومن رأى أن الدباغ مطهر أباح بيعها بعد الدبغ. ومنهم من يجيزه حتى قبل الدبغ، ويرى أنه بحكم الثوب المتنجس الممكن تطهيره.

стр. 1280

وقد فصلت القول في هذه المسألة، وذكرت الخلاف بين أهل العلم، وأدلتهم بالتفصيل في مسألة، هل الدباغ يطهر جلد الميتة، أو يبيح الانتفاع فقط في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، فأغنى عن إعادة بحثه هنا (١). كما ذكرت في بحث سابق من هذا المنظومة خلاف أهل العلم في اشتراط طهارة المعقود عليه، ورجحت أن الطهارة ليست بشرط. دليل من قال: يجوز بيع الجلد مطلقًا قبل الدبغ وبعده . (ح-١٥٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: وجد النبي ﷺ شاة ميتة، أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي ﷺ : هلا انتفعتم بجلدها؟ قالوا: إنما ميتة؟ قال: إنما حرم أكلها (٢). وفي رواية للبخاري: «هلا استمتعتم بإهابها» (٣). والإهاب: اسم للجلد قبل الدبغ. ولهذا الحديث كان الزهري يفتي بجواز الانتفاع به ولو لم يدبغ، فقد أخرج عبد الرزاق، عن معمر كان الزهري ينكر الدباغ، ويقول: يستمتع به على كل حال (٤).

стр. 1281

وإذا أذن الشرع بالاستمتاع بالجلد قبل الدبغ، كان ذلك دليلًا على ماليته، وعلى جواز بيعه، وتنجسه لا يمنع من بيعه باعتبار أن تطهيره ممكن فهو بمنزلة الثوب المتنجس يجوز بيعه. وأجيب: بأن هناك فرقًا بين جلد الميتة، وبين الثوب المتنجس، فالثوب المتنجس نجاسته طارئة، بخلاف جلد الميتة فإن نجاسته بسبب الرطوبات المتصلة به بأصل الخلقة، فصار كلحم الميتة. ويجاب: بأن هذا التفريق ليس مؤثرًا في الحكم، ما دام أن عينه طاهرة، ونجاسته نجاسة مجاورة بسبب ما لصق به من تلك الرطوبات النجسة، والجلد هو المقصود بالعقد، وليس المقصود بالعقد تلك الرطوبات النجسة اللاصقة بالجلد، والقابلة للنزع. دليل من قال: لا يجوز بيع الجلد مطلقًا قبل الدبغ وبعده . الدليل الأول: (ح-١٥١) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب النبي ﷺ ، وأنا غلام: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب (١). وجه الاستدلال: أن البيع من وجوه الانتفاع، فوجب أن يكون منهيًا عنه.

стр. 1282

ويجاب: بأن الحديث وإن كان رجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن عكيم لم يثبت له سماع من النبي ﷺ ، وقد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، وعلى فرض صحته فلا حجة فيه، لأن الإهاب: اسم للجلد قبل الدبغ. قال أبو داود: قال النضر بن شميل: وإنما يسمى إهابًا ما لم يدبغ (١). وإذا كان ذلك كذلك، فهو نهي عن الانتفاع به حال كون تلك النجاسات الرطبة ملاصقة له، لأن ذلك يؤدي إلى التلوث بالنجاسة، بخلاف البيع، فإن من اشتراه لن ينتفع به إلا بعد إزالة تلك النجاسات العالقة به. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]. وجلد الميتة جزء منها، فإذا أكلت ثمن الجلد كنت في منزلة من أكل الميتة، ولذلك جاء الذم في حق اليهود الذين حرمت عليهم شحوم الميتة، فباعوه، فأكلوا ثمنه، وحرم أكل ثمن الخمر، ولذا قال سالم بن عبد الله بن عمر: وهل بيع جلود الميتة إلا كأكل ثمنها (٢). وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يبيعوها، فيأكلوا أثمانها (٣). وقد سبق الجواب عن هذا في الكلام على شعر الميتة في المسألة التي قبل هذه.

стр. 1283

دليل من قال: يجوز بيعه إذا دبغ . الدليل الأول: (ح-١٥٢) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دبغ الإهاب فقط طهر (١). [صححه مسلم وضعفه أحمد] (٢). الدليل الثاني: قال الطحاوي: لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدبغ إلا عن الليث. قال ابن عبد البر: يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين، وأما ابن شهاب فذلك عنه صحيح ... وهو قول يأباه جمهور العلماء (٣). قلت: وإذا حفظ الخلاف لم يكن فيه إجماع، وإذا لم يكن ثمة إجماع نظر في الراجح من حيث قربه أو بعده من النص الشرعي ومن قواعد الشريعة، لا من حيث كثرة القائلين به. الدليل الثالث: (ح-١٥٣) ما رواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ ، فقال: هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟ فقالوا:

стр. 1284

إنها ميتة: فقال: إنما حرم أكلها (١). فشرط الدباغ للانتفاع، ومن جملة الانتفاع البيع. ويجاب عنه: انفرد ابن عيينة بذكر الدباغ في هذا الحديث، وقد رواه أصحاب ابن شهاب فلم يذكروا فيه الدباغ، منهم الإمام مالك، ويونس بن يزيد، وصالح ابن كيسان، ومعمر، والأوزاعي، وعقيل، وحفص بن الوليد وإسحاق بن راشد وغيرهم (٢)، وقد طعن الإمام أحمد ﵀ في زيادة ابن عيينة، قال ابن تيمية: «ليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ، ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه، لكن ذكره ابن عيينة، ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن الإمام أحمد في ذلك، وأشار إلى غلط ابن عيينة، وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ لأجل هذا الحديث» (٣). الدليل الرابع: (ح-١٥٤) ما رواه أحمد من طريق سالم بن أبي الجعد، عن أخيه، عن ابن عباس، قال: أرد النبي ﷺ أن يتوضأ من سقاء، فقيل له: إنه ميتة، فقال: دباغه يذهب خبثه أو رجسه، أو نجسه (٤). [إسناده ضعيف] (٥).

стр. 1285

وله شاهد من حديث عائشة عند الدارقطني، وإسناده حسن، إن سلم من علة التفرد (١). وفي الباب حديث ميمونة، وفيه: يطهره الماء والقرض، وهو حديث ضعيف (٢). وحديث ابن عمر: أيما إهاب دبغ فقد طهر، وهو معلول (٣). وحديث أم سلمة: دباغها يحل كما يحل الخل الخمر، وهو ضعيف (٤). وحديث زيد بن ثابت، وفيه: دباغ جلود الميتة طهورها، وهو ضعيف جدًا (٥). الدليل الخامس: قال الطحاوي: «رأينا الأصل المجتمع عليه أن العصير لا بأس بشربه والانتفاع به ما لم يحدث فيه صفات الخمر، فإذا حدثت فيه صفات الخمر حرم بذلك ثم لا يزال حراما كذلك حتى تحدث فيه صفات الخل، فإذا حدثت فيه صفات الخل حل. فكان يحل بحدوث الصفة ويحرم بحدوث صفة غيرها وإن كان بدنًا واحدًا، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك جلد الميتة يحرم بحدوث صفة الموت فيه ويحل بحدوث صفة الأمتعة فيه من الثياب وغيرها فيه، وإذا دبغ فصار كالجلود والأمتعة فقد حدثت فيه صفة الحلال.

стр. 1286

فالنظر على ما ذكرنا أن يحل أيضا بحدوث تلك الصفة فيه. وحجة أخرى: أنا قد رأينا أصحاب رسول الله ﷺ لما أسلموا لم يأمرهم رسول الله ﷺ بطرح نعالهم، وخفافهم، وأنطاعهم التي كانوا اتخذوها في حال جاهليتهم وإنما كان ذلك من ميتة أو من ذبيحة فذبيحتهم حينئذ إنما كانت ذبيحة أهل الأوثان فهي - في حرمتها على أهل الإسلام - كحرمة الميتة. فلما لم يأمرهم رسول الله ﷺ بطرح ذلك وترك الانتفاع به ثبت أن ذلك كان قد خرج من حكم الميتة ونجاستها بالدباغ إلى حكم سائر الأمتعة وطهارتها، وكذلك كانوا مع رسول الله ﷺ إذا افتتحوا بلدان المشركين لا يأمرهم بأن يتحاموا خفافهم، ونعالهم، وأنطاعهم، وسائر جلودهم فلا يأخذوا من ذلك شيئًا بل كان لا يمنعهم شيئا من ذلك فذلك دليل أيضا على طهارة الجلود بالدباغ» (١). تعليل من استثنى جلد الكلب والخنزير . علل الشافعي ﵀ بأن جلد الكلب والخنزير لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما، وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسًا حيًا (٢). تعليل من استثنى جلد الخنزير دون الكلب: فرق الحنفية بين الكلب والخنزير فقالوا: «الخنزير لا تلحقه الذكاة؛ لأنه محرم العين بمنزلة الخمر والدم، فلا تعمل فيه الذكاة، ألا ترى أنه لا يجوز الانتفاع به في حال الحياة، والكلب يجوز الانتفاع به في حال الحياة، فليس هو محرم العين» (٣).

стр. 1287

ويرى الحنفية أن الكلب لو ذبح لكان طاهرًا، يجوز الانتفاع بلحمه في غير الأكل، بخلاف الخنزير، فلا تلحقه الذكاة (١). وهناك أقوال أخرى وأدلة أخرى تركتها اقتصارًا على ما فصلته في كتابي أحكام الطهارة، فارجع إليها لزامًا (٢). وكما رجحنا أن الدباغ يطهر جميع الجلود، نرجح هنا أن بيع الجلود بعد الدبغ لا مانع من بيعها، وقبل الدبغ كذلك؛ لأن الصحيح أن الطهارة ليست شرطًا في المعقود عليه، فالصحيح جواز بيع كل عين جرى الانتفاع بها بين المسلمين، ولم ينه عن بيعها بخصوصها، كالخمر، والميتة، والدم، والله أعلم.

стр. 1288

الفرع الثالث في بيع عظم الميتة وقرنها وحافرها [م-٢٧٣] عظم الحيوان المأكول اللحم المذكى طاهر إجماعًا، كما أن عظم الآدمي طاهر تبعًا لذاته على الصحيح، ولكن لا يجوز استعماله ولو من كافر؛ لكرامة المؤمن، وتحريم المثلة في الكافر (١)، وأما عظم الحيوان غير المذكى، سواء كان من مأكول اللحم، أم من غير مأكول اللحم، فقد اختلف العلماء في بيعه لاختلافهم في طهارته. فقيل: يجوز، وهذا مذهب الحنفية (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣). وقيل: لا يجوز، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤)، الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 1289

وقيل: لا يجوز بيعه، ويجوز الانتفاع به، وهو اختيار ابن حزم (١). وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في مبحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا (٢). * * *

стр. 1290

الفرع الرابع في بيع ميتة الجراد [م-٢٧٤] قال الشنقيطي ﵀: «لا خلاف بين العلماء في جواز أكله، يعني الجراد وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد» (١). وإنما وقع خلاف بين الجمهور والمالكية في حكم أكل ميتته من غير ذكاة، فمن رأى أن ميتته طاهرة، ويجوز أكلها أباح بيع ميتة الجراد، وهو مذهب الجمهور (٢). ومن قال: إن مات حتف أنفه، أو بوعاء لم يؤكل، ولا يجوز بيعه؛ لأنه ميتة، وإن ذكي حل أكله، وذكاته أن يقتل إما بقطع رأسه، أو بغير ذلك، كما لو قطع منه شيء، أو سلق، أو قلي، أو شوي حيًا. وهذا مذهب مالك ﵀ (٣). دليل الجمهور: (ح-١٥٥) ما رواه أحمد من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم. عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال.

стр. 1291

[الراجح وقفه على ابن عمر، وقول الصحابي: أحل لنا كذا في حكم المرفوع] (١). دليل المالكية على اشتراط الذكاة للجراد . ميتة الجراد داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، وحديث: أحلت لنا ميتتان ودمان: لم يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ (٢). قال ابن العربي: ليس في الجراد حديث يعول عليه في أكل ميتته (٣). ويجاب عن ذلك: بأن الرواية الموقوفة على ابن عمر عنه صحيحة، ولها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا، أو حرم علينا له حكم الرفع؛ لأنه من المعلوم أنه لا يحل لهم، ولا يحرم عليهم إلا النبي ﷺ كما تقرر في علوم الحديث، قال الشنقيطي ﵀: وهو دليل لا لبس فيه على إباحة ميتة الجراد من غير ذكاة (٤).

стр. 1292

الفرع الخامس في بيع ميتة البحر [م-٢٧٥] اختلف العلماء في أكل ميتة البحر، قال صاحب الهداية: «والخلاف في البيع، والأكل واحد» (١). يقصد أن من منع أكل ميتة البحر، فقد منع البيع؛ لأنها ميتة، ومن أباح أكل ميتة البحر، أباح البيع. فقيل: إباحة الأكل إنما تختص بالسمك دون سائر ميتات البحر، بشرط أن يكون موت السمك بسبب ظاهر، كانحسار الماء، أو نبذه له، أو ضرب صياد، أو نحو ذلك، فإن مات السمك حتف أنفه بغير سبب ظاهر، وطفا، فإنه يكره أكله، وهذا مذهب الحنفية (٢). وقيل: إن مات في البحر ما لا نفس له سائلة، فهو طاهر، وإن مات ما له نفس سائلة، فهو نجس، وهذا منسوب إلى أبي يوسف من الحنفية (٣). وقيل: بإباحة جميع ميتات البحر مما لا يعيش إلا في الماء، وهذا مذهب الجمهور إلا أن بعضهم استثنى كلب، وإنسان، وخنزير الماء (٤).

стр. 1293

وقيل: إن ميتة البحر نجسة مطلقًا، سواء مات في البر، أو في البحر، اختاره ابن نافع من المالكية (١). وقيل: ما مات في البحر فهو طاهر، وما مات في البر، فهو نجس، وهذا اختيار ابن قاسم من المالكية (٢). وقد سبق لي ذكر أدلة الأقوال في كتابي موسوعة أحكام الطهارة فانظره مشكورًا هناك (٣). * * *

стр. 1294

الفرع السادس في بيع عصب الميتة [م - ٢٧٦] سبق لنا أن الجمهور يشترطون في المعقود عليه أن يكون طاهرًا، فإذا كان نجسًا عندهم فلا يجيزون بيعه، وبناء عليه، فالمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، لا يجيزون بيع عصب الميتة؛ لأنه نجس عندهم. بينما الحنفية يرون طهارته (٤)، وبناء عليه فلا مانع عندهم من بيعه، بل سبق لنا أن الحنفية لا يرون اشتراط الطهارة في المعقود عليه، فلا مانع عندهم من بيع النجس إذا جرى تموله والانتفاع به في غير الأكل، ولهذا أجازوا بيع السرجين النجس وغيره. وقد سبق لي في كتاب أحكام الطهارة ذكر أدلة الحنفية، وأدلة الجمهور فيما ذهبوا إليه، وترجح لي طهارة العصب، وأن تحريم الأكل، لا يلزم منه النجاسة، وأنه يجوز الانتفاع به، شأنه شأن العظم، والظفر، والقرن، والحافر، فانظر أدلتهم على وجه التفصيل في الكتاب المذكور (٥). * * *

стр. 1295

الفرع السابع في بيع أنفحة الميتة ولبنها [م - ٢٧٧] اختلف الفقهاء هل يجوز بيع أنفحة الميتة، وأكل الجبن المعمول بالأنفحة، وهل لبن الميتة طاهر أم نجس؟ على قولين: فمن ذهب إلى طهارته لم ير مانعًا من بيعه، ومن اشترط الطهارة في المعقود عليه، وهم الجمهور، ورأى نجاسة ذلك منع من البيع، وعلى القول بالبيع فإنه يجب أن يبين للمشتري أنه لبن ميتة؛ لأن النفس تستقذره، وإن كان بيعه مباحًا. فذهب أبو حنفية إلى طهارة لبن الميتة المأكولة اللحم (١) وأنفحتها (٢)، وهو رواية في مذهب أحمد (٣)، اختارها ابن تيمية (٤). جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة وهما من الشافعية: «الجبن المعمول بالإنفحة المتنجسة مما عمت به البلوى أيضا، فيحكم بطهارته ويصح بيعه، وأكله ولا يجب تطهير الفم منه وإذا أصاب شيء منه ثوب الآكل أو بدنه لم يلزمه تطهيره للمشقة» (٥). وذهب الجمهور إلى نجاسة لبن الميتة وأنفحتها (٦).

стр. 1296

وقد سبق لي بحث مسألة طهارة لبن الميتة، وأنفحتها في مسألتين مستقلتين في كتابي أحكام الطهارة فأغنى عن إعادته هنا (١). * * *

стр. 1297

الفرع الثامن في بيع الجثة (ميتة الآدمي) [م - ٢٧٨] سبق لنا أن تحريم بيع الميتة من الحيوان إجماع بين الفقهاء، لم يخالف في ذلك أحد، وهل يشمل ذلك ميتة الآدمي، فالجواب: ميتة الآدمي يخالف ميتة الحيوان: أن ميتة الآدمي طاهرة، فإذا كانت ميتة السمك، وميتة الجراد، لا تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] لم يدخل في النص ميتة الآدمي؛ لأنها على الراجح من أقوال أهل العلم أنها طاهرة، وأن الموت لا ينجس الآدمي مسلمًا كان، أو كافرًا، وقد بحثت ذلك في كتاب أحكام الطهارة (النجاسات) وسقت الأدلة على طهارة ميتة الآدمي مطلقًا. وإذا كانت ميتة الآدمي طاهرة، فهل يجوز بيع ميتة الآدمي؟ وقبل الجواب يتوجه سؤال، من يملك جثة الآدمي؟ وما الغرض من بيعه؟ وهل بدن الميت حق للورثة؟ أو حق لله، أو حق مشترك؟ وإذا قيل: إن للورثة حقًا في بدن مورثهم، فهل هو حق اختصاص، أو حق تملك، كما يتملك المال، والمتاع، فيملك التصرف فيه ببيع، وهبة وتبرع ونحو ذلك. والذي أرى أن حق الوارث في بدن مورثه هو حق اختصاص ليس إلا؛ لأنه إذا كان المسلم الحر لا يملك أن يبيع نفسه في حال حياته، وهو ألصق ببدنه من وارثه، فكيف يملك الورثة أن يبيعوا بدن مورثهم؟ وإذا كان الحر لا يملك حيًا، فكيف يملك ميتًا؟

стр. 1298

(ح-١٥٦) وقد روى البخاري في صحيحه بسنده من طريق سعيد ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره) (١). هذا فيما يتعلق بالجواب عن الشق الأول من السؤال: من يملك جثة الآدمي؟ وأما الشق الثاني: وهو: ما الغرض من شراء جثة الميت؟ أو بسؤال آخر: ما هي المنفعة المرجوة من شراء جثة الميت. فقد يتوجه لبدن الميت إما حاجة إلى تشريحه. وإما حاجة إلى أخذ عضو من أعضائه، بما يسمى في الطب الحديث: غرس الأعضاء. وإما أن يضطر المسلم إلى بدن الميت، ليتناوله كطعام لينقذ نفسه المعصومة من الموت بسبب الجوع. وكل مسألة من هذه المسائل نحتاج إلى بحثها بخصوصها. فإذا تبين أن هذه المنافع جائزة، فهل ثبوت هذه المنافع لجثة الآدمي يسوغ بيعها أو أن الانتفاع أوسع من البيع، فقد يجوز الانتفاع، ولا يجوز البيع؟ هذا ما سوف نستكشفه من خلال المباحث التالية. * * *

стр. 1299

المسألة الأولى في تشريح الجثة [ن-١٣] صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في حكم التشريح، قالت فيه: «الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية. الثاني: التشريح لغرض التحقق من أمراض وبائية؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها. الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلمًا، وتعليمًا. وبعد تداول الرأي والمناقشة، ودراسة البحث المقدم من اللجنة - يعني اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - قرر المجلس مايلي: بالنسبة للقسمين الأول، والثاني، فإن المجلس يرى أن في إجازتهما تحقيقًا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن، والعدل، ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة، مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وأن المجلس لهذا يقرر بالإجماع إجازة التشريح لهذين الغرضين، سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا. وأما بالنسبة للقسم الثالث، وهو التشريح للغرض التعليمي، فنظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين، لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها، وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني

стр. 1300

عن تشريح الإنسان، وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العملي في مجالات الطب المختلفة، فإن المجلس يرى جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة إلا أنه نظرًا إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتًا، كعنايتها بكرامته حيًا. وذلك لما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: كسر عظم الميت ككسره حيًا. ونظرًا إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسير الحصول على جثث أموات غير معصومة، فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث، وعدم التعرض لجثث أموات معصومين، والحال ما ذكر، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم» (١). وقد ذكر الفقهاء المتقدمون أسبابًا لبقر بطن الآدمي الميت مما يستأنس به على جواز التشريح للحاجة. جاء في كتاب رد المحتار على الدر المختار: «ولو بلع مال غيره، ومات، هل يشق أم لا؟ قولان، الأول: نعم» (٢). وجاء في الخرشي: «من ابتلع مالًا له، أو لغيره، ثم مات، فإنه يشق جوفه، فيخرج منه، إن كان له قدر وبال، بأن يكون نصابًا، وهل نصاب الزكاة أو السرقة، قولان. وقال ابن حبيب بعدم البَقْر، قال شيخنا: ينبغي أن يكون الخلاف إذا ابتلعه
следующие страницы →