← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقد سبق لي بحث مسألة طهارة لبن الميتة، وأنفحتها في مسألتين مستقلتين في كتابي أحكام الطهارة فأغنى عن إعادته هنا (١). * * *

стр. 1297

الفرع الثامن في بيع الجثة (ميتة الآدمي) [م - ٢٧٨] سبق لنا أن تحريم بيع الميتة من الحيوان إجماع بين الفقهاء، لم يخالف في ذلك أحد، وهل يشمل ذلك ميتة الآدمي، فالجواب: ميتة الآدمي يخالف ميتة الحيوان: أن ميتة الآدمي طاهرة، فإذا كانت ميتة السمك، وميتة الجراد، لا تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] لم يدخل في النص ميتة الآدمي؛ لأنها على الراجح من أقوال أهل العلم أنها طاهرة، وأن الموت لا ينجس الآدمي مسلمًا كان، أو كافرًا، وقد بحثت ذلك في كتاب أحكام الطهارة (النجاسات) وسقت الأدلة على طهارة ميتة الآدمي مطلقًا. وإذا كانت ميتة الآدمي طاهرة، فهل يجوز بيع ميتة الآدمي؟ وقبل الجواب يتوجه سؤال، من يملك جثة الآدمي؟ وما الغرض من بيعه؟ وهل بدن الميت حق للورثة؟ أو حق لله، أو حق مشترك؟ وإذا قيل: إن للورثة حقًا في بدن مورثهم، فهل هو حق اختصاص، أو حق تملك، كما يتملك المال، والمتاع، فيملك التصرف فيه ببيع، وهبة وتبرع ونحو ذلك. والذي أرى أن حق الوارث في بدن مورثه هو حق اختصاص ليس إلا؛ لأنه إذا كان المسلم الحر لا يملك أن يبيع نفسه في حال حياته، وهو ألصق ببدنه من وارثه، فكيف يملك الورثة أن يبيعوا بدن مورثهم؟ وإذا كان الحر لا يملك حيًا، فكيف يملك ميتًا؟

стр. 1298

(ح-١٥٦) وقد روى البخاري في صحيحه بسنده من طريق سعيد ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره) (١). هذا فيما يتعلق بالجواب عن الشق الأول من السؤال: من يملك جثة الآدمي؟ وأما الشق الثاني: وهو: ما الغرض من شراء جثة الميت؟ أو بسؤال آخر: ما هي المنفعة المرجوة من شراء جثة الميت. فقد يتوجه لبدن الميت إما حاجة إلى تشريحه. وإما حاجة إلى أخذ عضو من أعضائه، بما يسمى في الطب الحديث: غرس الأعضاء. وإما أن يضطر المسلم إلى بدن الميت، ليتناوله كطعام لينقذ نفسه المعصومة من الموت بسبب الجوع. وكل مسألة من هذه المسائل نحتاج إلى بحثها بخصوصها. فإذا تبين أن هذه المنافع جائزة، فهل ثبوت هذه المنافع لجثة الآدمي يسوغ بيعها أو أن الانتفاع أوسع من البيع، فقد يجوز الانتفاع، ولا يجوز البيع؟ هذا ما سوف نستكشفه من خلال المباحث التالية. * * *

стр. 1299

المسألة الأولى في تشريح الجثة [ن-١٣] صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في حكم التشريح، قالت فيه: «الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية. الثاني: التشريح لغرض التحقق من أمراض وبائية؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها. الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلمًا، وتعليمًا. وبعد تداول الرأي والمناقشة، ودراسة البحث المقدم من اللجنة - يعني اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - قرر المجلس مايلي: بالنسبة للقسمين الأول، والثاني، فإن المجلس يرى أن في إجازتهما تحقيقًا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن، والعدل، ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة، مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وأن المجلس لهذا يقرر بالإجماع إجازة التشريح لهذين الغرضين، سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا. وأما بالنسبة للقسم الثالث، وهو التشريح للغرض التعليمي، فنظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين، لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها، وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني

стр. 1300

عن تشريح الإنسان، وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العملي في مجالات الطب المختلفة، فإن المجلس يرى جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة إلا أنه نظرًا إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتًا، كعنايتها بكرامته حيًا. وذلك لما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: كسر عظم الميت ككسره حيًا. ونظرًا إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسير الحصول على جثث أموات غير معصومة، فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث، وعدم التعرض لجثث أموات معصومين، والحال ما ذكر، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم» (١). وقد ذكر الفقهاء المتقدمون أسبابًا لبقر بطن الآدمي الميت مما يستأنس به على جواز التشريح للحاجة. جاء في كتاب رد المحتار على الدر المختار: «ولو بلع مال غيره، ومات، هل يشق أم لا؟ قولان، الأول: نعم» (٢). وجاء في الخرشي: «من ابتلع مالًا له، أو لغيره، ثم مات، فإنه يشق جوفه، فيخرج منه، إن كان له قدر وبال، بأن يكون نصابًا، وهل نصاب الزكاة أو السرقة، قولان. وقال ابن حبيب بعدم البَقْر، قال شيخنا: ينبغي أن يكون الخلاف إذا ابتلعه

стр. 1301

لقصد صحيح، كخوف عليه، أو لمداواة، وأما إن قصد قصدًا مذمومًا، كحرمان وارثه، فلا ينبغي أن يختلف في وجوب البقر؛ لأنه كالغاصب» (١). وجاء في المهذب: «وإن ابتلع الميت جوهرة لغيره، وطالب بها صاحبها، شق جوفه، وردت الجوهرة» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن بلع الميت مالًا لم يخل من أن يكون له، أو لغيره فإن كان له لم يشق بطنه; لأنه استهلكه في حياته ويحتمل أنه إن كان يسيرًا ترك وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج; لأن فيه حفظ المال عن الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه. وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذنه فهو كماله; لأن صاحبه أذن في إتلافه. وإن بلعه غصبا ففيه وجهان: أحدهما: لا يشق بطنه ويغرم من تركته; لأنه إذا لم يشق من أجل الولد المرجو حياته فمن أجل المال أولى. والثاني: يشق إن كان كثيرًا; لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه وعن الميت بإبراء ذمته وعن الورثة بحفظ التركة لهم» (٣). وقال الشيخ بكر أبو زيد: «أما تشريح الميت لكشف الجريمة، فإنه متى استدعى الحال لخفاء في الجريمة، وسبب الوفاة باعتداء، وهل هذه الآلة المعتدى بها قاتلة منها، فمات بسببها أو لا؟ فإنه يتخرج القول بالجواز صيانة للحكم عن الخطأ، وصيانة لحق الميت الآيل إلى وارثه، وصيانة لحق الجماعة من داء الاعتداء والاغتيال، وحقنًا لدم المتهم من وجه، فتحقيق هذه المصالح

стр. 1302

غلبت ما يحيط بالتشريح من هتك لحرمة الميت، وقاعدة الشريعة: ارتكاب أخف الضررين، والضرورات تبيح المحظورات، والله أعلم. وهذا الجواز عند من قال به في ضوء الشروط الآتية: الأول: أن يكون في الجناية متهم. الثاني: أن يكون علم التشريح لكشف الجريمة بلغ إلى درجة تفيد نتيجة الدليل، كالشأن في اكتشاف تزوير التوقيعات، والخطوط. الثالث: قيام الضرورة للتشريح، بأن تكون أدلة الجناية ضعيفة لا تقوى على الحكم بتقدير القاضي. الرابع: أن يكون حق الوارث قائمًا لم يسقطه. الخامس: أن يكون التشريح بواسطة طبيب ماهر. السادس: إذن القاضي الشرعي. السابع: التأكد من موت من يراد تشريحه لكشف الجريمة: الموت المعتبر شرعًا. وأما التشريح للتعلم والتعليم، فحيث إن جثث الموتى من الوثنيين وغيرهم من الكفار ميسورة الشراء لهذين الغرضين بأرخص الأسعار، وأموال المسلمين نهابًا فيبذل قسط منها .... » أي في ذلك (١). فخلصنا في نهاية البحث إلى أنه يجوز الانتفاع بجثة الميت بقصد التشريح لكشف الجريمة، والأمراض الوبائية، وبقي بالبحث جواز الانتفاع بأعضاء الميت، بما يسمى في الاصطلاح المعاصر زراعة الأعضاء، وبعضهم يفضل أن تسمى غرس الأعضاء، وهذا أدق. * * *

стр. 1303

المسألة الثانية في الانتفاع من جثة الميت لغرض غرس الأعضاء ليس البحث هنا عن نقل الدم، أو عن نقل عضو من إنسان حي لا يتأثر بذلك، ونقله إلى إنسان آخر، فإن ذلك لا علاقة له في بحثنا؛ لأن البحث كله يدور في حكم بيع الميتة، إذا ثبت في الواقع أن هناك منافع لها، فهل هذه المنافع تثبت لها المالية، بحيث يمكن المعاوضة عليها أو لا؟ فقد تكلمنا بشيء من التفصيل عن ميتة الحيوان، وعن بيع أجزئها من جلد وشعر ووبر وصوف وعظم ولبن وأنفحة ونحوها، وانتقلنا من ميتة الحيوان إلى ميتة الآدمي، والكلام فيها في مسألتين: الأولى: هل يمكن الانتفاع بأعضاء الميت، ونقلها إلى إنسان حي مضطر إليها؟ والمسألة الثانية: إذا أمكن ذلك، فهل يمكن بيعها والمعاوضة عليها لثبوت هذه المنفعة؟ إذا علم هذا نقول: لا يمكن من الناحية الطبية نقل الأعضاء من الميت بعد موت القلب وتوقفه عن النبض، ولا بد من نقل الأعضاء من الميت، وهو في حالة موتٍ يسميه الأطباء موتا دماغيًا، يمكن معه أن يستمر القلب في الضخ، والرئتان في التنفس بعد إعلان موت الدماغ. وهناك رأيان لأهل الاختصاص الطبي في تحديد حقيقة الموت الدماغي: الأول: التعريف الأمريكي: أن موت الدماغ يعني: توقف جميع وظائف الدماغ (المخ، والمخيخ، وجذع المخ) توقفًا نهائيًا، لا رجعة فيه.

стр. 1304

الثاني: التعريف البريطاني: أن موت الدماغ: هو توقف وظائف جذع الدماغ فقط توقفًا نهائيًا، لا رجعة فيه (١). وقد ظهر مفهوم موت الدماغ وتقبلته الدوائر الطبية أولًا، ثم القانونية وذلك منذ السبعينيات وبداية الثمانينات في القرن العشرين، وتمكن الجراحون من أخذ الأعضاء، وهي لا تزال في حالة جيدة بسبب التروية الدموية المستمرة حتى لحظة نزع العضو، أو قبيله مباشرة. وإذا كان غرس الأعضاء متوقفًا على حكم ما يسمى بالوفاة الدماغية، فإن كان ذلك موتًا حقيقيًا، أمكن النظر في جواز الانتفاع بأعضاء هذا الإنسان من الناحية الفقهية، وإن كانت الوفاة الدماغية لا تعتبر موتًا حقيقيًا فإنه لا يمكن مناقشة غرس الأعضاء؛ لأن ذلك سيكون عملًا جنائيًا أن ينزع أحد من إنسان أعضاءه التي تتوقف حياته عليها قبل وفاته.

стр. 1305

[ن-١٤] وقد اختلف العلماء، هل يحكم بموت الشخص بمجرد موت دماغه، ولا ينظر إلى عمل القلب، بحيث تترتب عليه جميع الأحكام الشرعية المقررة في حال الوفاة، أم لا بد من توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان؟ فقيل: يعتبر الموت الدماغي موتًا حقيقيًا لصاحبه، وإن كانت وظائف جسمه تعمل كالكبد، والقلب، والكلى، وغيرها من الأعضاء، وممن اختار ذلك مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فقد جاء في قرار المجمع ما نصه: يعتبر شرعًا أن الشخص قد مات، وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا في الوفاة عند ذلك، إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين: ١ - «إذا توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامًا، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه. ٢ - إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلًا نهائيًا، وحكم الأطباء الاختصاصيون، والخبراء، بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل، وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص، وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلًا لا يزال يعمل آليًا، بفعل الأجهزة المركبة» (١). اهـ وقد اختار هذا القول جماعة من العلماء المعاصرين، منهم: الدكتور عمر سليمان الأشقر (٢)، والدكتور محمد سليمان الأشقر (٣)، والدكتور محمد نعيم

стр. 1306

ياسين (١)، والدكتور محمد علي البار (٢). وحجة أصحاب هذا القول: الدليل الأول: أن المولود إذا لم يستهل صارخًا فإنه لا يعتبر حيًا، ولو تنفس، أو بال، أو تحرك، كذا قال الإمام مالك ﵀. فما لم يكن الفعل إراديًا استجابة لتنظيم الدماغ، لا يعتبر أمارة حياة وهذا واقع فيمن مات دماغه فيأخذ حكم المولود الذي لم يصرخ. وأجيب بجوابين: الجواب الأول: القول بأن المولود إذا لم يستهل صارخًا يعتبر ميتًا مسألة مختلف فيها بين الفقهاء. قال ابن عبد البر المالكي: وقد اختلف الفقهاء في المولود لا يستهل صارخًا، إلا أنه تحرك حين سقط من بطن أمه، وعطس، ونحو ذلك، ولم ينطق، ولا صرخ مستهلًا، فقال بعضهم: لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث، إلا أن يستهل صارخًا، وممن قال ذلك: مالك وأصحابه. وقال آخرون: كل ما عرفت به حياته فهو كالاستهلال، والصراخ، ويورث، ويرث، ويصلى عليه إذا استوقنت حياته بأي شيء صحت من ذلك كله، وهو قول الشافعي، والكوفي، وأصحابهم» (٣).

стр. 1307

الجواب الثاني: على التسليم بأن المولود إذا لم يستهل صارخًا يعتبر ميتًا، فإن هناك فرقًا بين المولود وبين المريض، فالمولود مشكوكٌ في حياته، لم تثبت حياته بعد، بخلاف المريض فإن الأصل بقاء حياته، فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين. الدليل الثاني: أن المرجع في ذلك إلى الأطباء، وليس إلى الفقهاء، وقد كلفنا الله أن نسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، قال تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فالأطباء: هم أهل الاختصاص والخبرة في الشأن، وهم مؤتمنون في هذا. وقد قال الأطباء: إذا رفض المخ قبول التغذية فقد مات الإنسان. ويجاب: بأن الأطباء وإن كان عامتهم يقولون بذلك، إلا أنهم لم يجمعوا على ذلك، فهناك من يعتبر الموت الدماغي موتًا فعليًا، وهناك من يرى أن من مات دماغيًا فقد استدبر الحياة، وهو في طريقه إلى الموت، ولا يحكم بموته نهائيًا إلا بعد توقف قلبه، والأجهزة الرئيسية في بدنه (١)، وانظر القول الثالث في هذه المسألة. وهذا الخلاف له أثر فقهي كبير، في أحكام الموت من ميراث وعدة، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالوفاة.

стр. 1308

القول الثاني: وقيل: لا يعتبر ميتًا حتى تتوقف معه حركة القلب، والنفس مع ظهور الأمارات الأخرى الدالة على موته، وبذلك صدر قرار هيئة كبار العلماء في السعودية في دورته الخامسة والأربعين، فقد جاء فيه ما نصه: «قرر المجلس أنه لا يجوز شرعا الحكم بموت الإنسان، الموت الذي ترتب عليه أحكامه الشرعية بمجرد تقرير الأطباء أنه مات دماغيًا، حتى يعلم أنه مات موتًا لا شبهة فيه، تتوقف معه حركة القلب، والنفس، مع ظهور الأمارات الأخرى الدالة على موته يقينًا؛ لأن الأصل حياته، فلا يعدل عنه إلا بيقين.» (١). كما صدر بذلك قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢)، ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الإسلامية الكويتية (٣)، واختار ذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله (٤)، وشيخنا محمد بن عثيمين (٥)، والشيخ بكر أبو زيد (٦)، والشيخ محمد سعيد البوطي (٧)، وجمع من أهل العلم.

стр. 1309

يقول الشيخ بكر أبو زيد: «اعلم أن المراد بالميت هنا هو من فارقت روحه بدنه انقطاعًا تامًا، من توقف دقات قلبه المنزلة طبيعيًا، أو صناعيًا، واستكمال أماراته، فهذه هي الوفاة التي تترتب عليها أحكام مفارقة الإنسان للدنيا من انقطاع أحكام التكليف، وخروج زوجته من عهدته، وماله لوارثه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه .. أما نصب موت الدماغ أو جذع الدماغ تحقيقًا لموته، مع نبض قلبه، ولو آليًا، فهذا في الحقيقة ليس موتًا، ولكنه نذير وسير إلى الموت، فما زال له حكم الأحياء حتى يتم انفصال الروح عن البدن» (١). وبناء على هذا الرأي فإنه يغلق النظر في جواز نقل أعضاء هذا الإنسان خاصة تلك الأعضاء التي تتوقف حياته عليها، كالقلب، والكبد، فإن من لم يقبل بموت الدماغ لم يقبل في الواقع العملي في نقل الأعضاء، لأن موت القلب وتوقفه عن العمل سبب في فساد تلك الأعضاء وتحللها، وبالتالي لا يمكن نقلها. وقد استدل أصحاب هذا القول بقواعد فقهية، منها: * قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) . وذلك أن حياة المريض متيقنة، لأن قلبه ما زال ينبض، وأعضاءه تعمل، وضغطه وحرارته ترتفع وتنخفض، ويحدث منه التبول، والشك إنما هو في موته باعتبار أن دماغه ميت، فوجب علينا اعتبار اليقين الموجب للحكم بحياته، فإذا شك في موت إنسان لم يكن لأحد أن يبادر بإنهائها باجتهاده، فالإقدام على نزع الأعضاء من إنسان، لا زال به رمق، أو شك في وفاته نوع من القتل المتعمد. * ومن ذلك قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) .

стр. 1310

وذلك أن الأصل في هذا المريض أنه حي، فنحن نبقى على هذا الأصل حتى نجزم بزواله. * ومن ذلك استصحاب الحال: ووجهه أن حالة المريض قبل موت الدماغ متفق على اعتباره حيًا فيها فنحن نستصحب الحكم الموجود فيها إلى هذه الحالة التي اختلفنا فيها ونقول: إنه حي لبقاء نبضه. * ومن ذلك الاحتجاج بسد الذريعة ، فإن فتح هذا الباب سيؤدي إلى مفاسد كبيرة، كما نسمع عن خطف الأطفال الصغار في بعض البلاد، ثم تقطع أعضاؤهم، وتباع، وقد يتسرع الأطباء في الحكم بموت من مات دماغيًا حرصًا على أعضائه، وقد يسرق الأطباء أعضاء بعض المرضى أثناء إجراء العمليات الجراحية. القول الثالث: هناك قول ثالث يعتبر وسطًا بين القولين: وهو أن من مات دماغيًا فقد استدبر الحياة، وأصبح صالحًا لأن تجرى عليه بعض أحكام الموت، أما بقية أحكام الموت فلا تطبق عليه إلا بعد توقف الأجهزة الرئيسية. وهذا ما أوصى به مؤتمر الطب الإسلامي (١). ولا أدري كيف نطبق بعض أحكام الموت دون بعض، وهل الموت يتجزأ، فالإنسان إما حي، وإما ميت، ولا ثالث لهما: أما اعتبار أن يكون حيًا فيما

стр. 1311

يتعلق ببعض الأحكام، وميتًا فيما يتعلق بأحكام أخرى، فأرى أن هذا القول لا ينضبط فقهيًا، وربما الذي حمل هؤلاء الأطباء على تبني هذا القول اقتناعهم بجواز عملية غرس الأعضاء، لذلك قالوا: الميت دماغيًا صالح لأن تجرى عليه بعض أحكام الموت، ولما كان مثل هذا سوف ينسحب على بقية الأحكام الأخرى، رجعوا فقالوا: ولا تجرى عليه بعض أحكام الموت الأخرى. الراجح من الخلاف: إذا عرفنا هذا الخلاف نستطيع أن نقول: إن الانتفاع من جثة الميتة لغرض غرس الأعضاء لم يتفق على جوازها، والأصل المنع. * * *

стр. 1312

المسألة الثالثة في أكل ميتة الآدمي في حال الاضطرار [م-٢٧٩] اختلف الفقهاء في الانتفاع بميتة الآدمي بأكل جزء منها لدفع الهلاك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، واختاره أكثر الحنابلة (٣) القول الثاني: يجوز، اختاره ابن عبد السلام من المالكية (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦). القول الثالث: إن كان الميت كافرًا حل أكله، وإن كان مسلمًا لم يحل، وهو وجه في

стр. 1313

مذهب الشافعية (١). دليل المانعين من أكل لحم الآدمي . (ح-١٥٧) ما رواه الإمام أحمد، حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: قالت لي عمرة: أعطني قطعة من أرضك أدفن فيها، فإني سمعت عائشة تقول: كسر عظم الميت مثل كسر عظم الحي. قال محمد: وكان مولى من أهل المدينة، يحدثه عن عائشة، عن النبي ﷺ (٢).

стр. 1314

[رجاله ثقات، وقد روي موقوفًا ومرفوعًا، قال البخاري: غير مرفوع أكثر] (١).

стр. 1315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1318

وأجيب: بأن المراد من الحديث التشبيه في أصل الحرمة، لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان، والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت. دليل القائلين بالجواز: بأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ولحمه سوف يأكله التراب، فكونه ينقذ به مسلم معصوم، أولى من كونه يأخذه التراب، والدود.

стр. 1319

الراجح: الراجح والله أعلم جواز أكل لحم الآدمي عند الضرورة. وإذا ثبت جواز المنفعة من جثة الميت بالتشريح لكشف الجريمة والأمراض الوبائية، وجاز الانتفاع بجثة الميت بالأكل للمضطر، فهل يجوز بذل المال في شراء الجثة لهذا المنافع المباحة؟ فالمباحث السابقة إنما سيقت لبيان أن جثة الميت صالحة للانتفاع بها كالتشريح، ونقل الأعضاء، والأكل عند الاضطرار، فمن احتاج إلى هذه المنافع، فهل يجوز له شراؤه لذلك. وللجواب على ذلك يقال: هناك فرق بين الانتفاع وبين البيع، فليس كل ما يجوز الانتفاع به يجوز بيعه. فهذا الدم لا يجوز بيعه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في فصل مستقل، ويكاد يتفق الفقهاء في هذا العصر على جواز هبته، ونقله من شخص لآخر. وهذا الكلب، لا يجوز بيعه على الصحيح، وهو قول الجمهور كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، ومع ذلك يجوز الانتفاع به في الحراسة، والصيد، ونحوها. فالأئمة على تحريم بيع جثة الآدمي: قال العيني: «قال ابن المنذر: فإذا أجمعوا على تحريم بيع الميتة، فبيع جيفة الكافر من أهل الحرب كذلك، وقال شيخنا: استدل بالحديث على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقا سواء فيه المسلم والكافر، أما المسلم فلشرفه وفضله، حتى إنه لا يجوز الانتفاع بشيء من شعره، وجلده، وجميع أجزائه. وأما الكافر فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة لما اقتحم الخندق، وقتل، غلب المسلمون على جسده، فأراد المشركون أن يشتروه منهم فقال ﷺ : لا حاجة لنا بجسده، ولا بثمنه فخلى بينهم وبينه.

стр. 1320

ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير، قال ابن هشام: أعطوا رسول الله ﷺ بجسده عشرة آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري. (ح-١٥٨) وروى الترمذي من حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم .. » (١). قلت: حديث ابن عباس (ح-١٥٩) رواه الترمذي (٢)، والبيهقي (٣)، من طريق الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم إياه. هذا لفظ الترمذي. ولفظ البيهقي: أن المسلمين أصابوا رجلًا من عظماء المشركين، فسألوهم أن يشتروه، فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوا جيفة مشرك. [وهذا حديث ضعيف] (٤).

стр. 1321

وقال القاضي عياض: «وفي تحريم بيع الميتة حجة على منع بيع جثة الكافر إذا قتلناه من الكفار، واقترابهم منا له، وقد امتنع النبي ﷺ من ذلك في غزوة الخندق، وقد بذلوا له في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة الآف درهم، فيما ذكره ابن هشام، فدفعه إليهم، ولم يقبل ذلك منهم، وقال: لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه، وقد خرج الترمذي في هذا حديثًا نحوه «(١). وقال البخاري في صحيحه: «باب طرح جيف المشركين في البئر، ولا يؤخذ لهم ثمن». ثم ساق البخاري بإسناده عن عبد الله في ذكر قتلى بدر، وطرحهم في القليب (٢). وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي، ورد فيه: «لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما، أما بذل المال من المستفيد ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة، أو مكافأة، فمحل اجتهاد ونظر» (٣). فهنا فرقوا بين البائع والباذل، فجزموا بالتحريم في حق البائع، وفتحوا الاجتهاد في مسألة المشتري أو ما سموه المستفيد. والباذل إذا لم يمكن أن يدفع الضرر عنه إلا عن طريق الشراء فهو مضطر لذلك، والإثم على من ألجأه إلى ذلك. وجاءت فتوى من لجنة الإفتاء في الأردن حول جواز نقل الأعضاء البشرية من إنسان لآخر تبرعًا، وتضمنت الفتوى تحريم البيع، حيث جاء فيها: «لا يجوز أن يتم التبرع مقابل بدل مادي، أو بقصد الربح» (٤).

стр. 1322

ونقل الإجماع على تحريم البيع بعض أهل العلم. ففي مجلة مجمع الفقه الإسلامي: «وقد أجمع الفقهاء على عدم جواز بيع الأعضاء من الحر» (١). * * *

стр. 1323

المبحث الثاني في خلاف العلماء في بيع الكلب [م-٢٨٠] اختلف العلماء في حكم بيع الكلب على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز بيعه مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (١). القول الثاني: لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور (٢). القول الثالث: يجوز بيع الكلب المأذون باتخاذه، ككلب الصيد والحراسة ونحوهما، ولا يجوز بيع الكلب المنهي عن اتخاذه، اختاره بعض المالكية (٣). وقد ورد النهي عن ثمن الكلب في أحاديث في الصحيحين، واختلف موقف الفقهاء منها، فمنهم من أخذ بها، ورأى أن علة النهي هي النجاسة كالجمهور. ومنهم من رأى أن الكلاب طاهرة، ورأى أن علة النهي عن ثمنها مرتبط

стр. 1324

بالنهي عن اقتنائها، فما أبيح اقتناؤه يجوز الانتفاع به، وبيعه، وما لا يجوز اقتناؤه لا يجوز بيعه. وهذا اختاره بعض المالكية. ومنهم من ذهب إلى أن أحاديث النهي عن ثمن الكلب منسوخة بأحاديث النهي عن قتلها في آخر الأمر، وإباحة الانتفاع بالمعلم منها دليل على النسخ، وبالتالي أجاز بيعها مطلقًا، المعلم منها وغيره، وهذا مذهب الحنفية، وإليك بيان أدلة كل قول، والله أعلم. دليل من قال: يجوز بيع الكلب . قالوا: «إن الكلب مال (١)، فكان محلًا للبيع ... والدليل على أنه مال، أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعًا على الإطلاق، فكان مالًا ... والدليل على أنه مباح الانتفاع به شرعًا على الإطلاق، أن الانتفاع به بجهة الحراسة والاصطياد مطلق شرعا في الأحوال كلها، فكان محلا للبيع ... » (٢). ويناقش: هناك خلاف بين الحنفية والجمهور في حقيقة المال، وقد فصلت ذلك في أول الكتاب، فالحنفية لا يشترطون في المال الطهارة، ولذا يبيحون بيع السرجين النجس، ولا يشترطون في المال إباحة الانتفاع فيعتبرون الخمر مالًا، لكنهم يقسمون المال إلى متقوم وغير متقوم، بينما الجمهور يشترطون في المال أن يكون طاهرًا ذا منفعة مباحة، انظر مبحث تعريف المال. وفي مسألة بيع الكلب؛ ليس العلة في المنع عن البيع فيما أرى النجاسة، وإنما العلة أن الكلب قد نهينا عن اقتنائه لغير حاجة، ومن اتخذه لغير حاجة

стр. 1325

نقص ذلك من أجره كما جاء في الحديث الصحيح، وهذا يدل على تحريم الاقتناء من غير حاجة، بخلاف سائر النجاسات، فإنها تملك ولو لغير حاجة، ولأن تعليل الحنفية نظر في مقابل النص، والنصوص صحيحة صريحة في النهي عن ثمن الكلب، سواء أطلق عليه الحنفية مالًا، أو ليس بمال. دليل الجمهور على تحريم بيع الكلب: الدليل الأول: (ح-١٦٠) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي اشترى عبدًا حجامًا، فأمر بمحاجمه، فكسرت، فسألته، فقال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وعن ثمن الدم ... الحديث (١). وجه الاستدلال: فقوله: (نهى عن ثمن الكلب) الكلب مطلق، يشمل المعلم وغير المعلم، وما يجوز اقتناؤه، وما لا يجوز، فمن قيده بالكلب غير المعلم، أو الكلب الذي لا يجوز اقتناؤه فعليه الدليل من الشرع المخصص لهذا الإطلاق، فما أطلقه الشارع لا يقيده إلا نص منه. الدليل الثاني: (ح-١٦١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن أبي بكر ابن عبدالرحمن، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن (٢).

стр. 1326

فقرن النهي عن ثمن الكلب بالنهي عن مهر البغي، وحلوان الكاهن، وهما محرمان إجماعًا، فدل على أن النهي للتحريم. قال ابن عبد البر: «لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مهر البغي حرام .... والبغي الزانية: والبغاء: الزنى، قال الله ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] ... وكذلك لا خلاف في حلوان الكاهن: أنه ما يعطاه على كهانته، وذلك كله من أكل المال بالباطل» (١). قلت: الاستدلال بالنهي أولى، لأن الأصل في النهي التحريم، وأما دلالة الاقتران فهي دلالة ضعيفة، ولذلك قرن الرسول ﷺ النهي عن ثمن الكلب بالنهي عن كسب الحجام، والأول حرام، والثاني مكروه. يقول القرطبي في المفهم: «فإن قيل: فقد سوى النبي ﷺ بين ثمن الكلب، وبين مهر البغي، وحلوان الكاهن، وهما محرمان بالإجماع، فليكن ثمن الكلب كذلك. فالجواب: إنا كذلك نقول، لكنه محمول على الكلب الغير مأذون فيه، ولئن سلمنا أنه متناول للكل، لكن هذا النهي ها هنا قصد به القدر المشترك الذي بين التحريم والكراهة، إذ كل واحد منهما منهي عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، كما قد اتفق هنا، فإنا إنما علمنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن بالإجماع، لا بمجرد النهي ... ثم استدل على ذلك بحديث رافع ابن خديج: شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام» فشرك بالعطف بين مهر البغي وثمن الكلب، وكسب الحجام في (شر الكسب)

стр. 1327

مع اختلاف الحكم بين مهر البغي، وكسب الحجام، وهذا مثل قوله ﷺ (شر صفوف النساء أولها .. » (١). الدليل الثالث: (ح-١٦٢) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني إبراهيم بن قارظ، عن السائب بن يزيد، حدثني رافع بن خديج عن رسول الله ﷺ قال: ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث (٢). ناقش الحنفية هذه الأدلة: بأن كلب الصيد كان مما أمر بقتله في أول الأمر، فكان بيعه في ذلك الوقت والانتفاع به حرامًا، وكان قاتله مؤديًا للفرض عليه، فلا يحل لأحد إمساك شيء منها، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن بيعها حينئذ جائزًا، ولا ثمنها بحلال (٣). واحتجوا لذلك (ح-١٦٣) بما رواه الشيخان من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب (٤). ورواه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع به، بلفظ: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل (٥).

стр. 1328

ثم نسخ ذلك (ح-١٦٤) بما رواه مسلم من طريق شعبة، عن أبي التياح، سمع مطرف ابن عبد الله، عن ابن المغفل، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب، ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم (١). (ح-١٦٥) وروى مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير. أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان (٢). فلما نسخ النهي ذلك، وأبيح الاصطياد به، كان كسائر الجوارح في جواز بيعه، ألا ترى الحمار الأهلي، قد نهي عن أكله، وأبيح كسبه، والانتفاع به، فكان بيعه حلالًا، وثمنه حلالًا، فما روي من حرمة ثمن الكلاب كان ذلك وقت حرمة الانتفاع بها، وما روي في إباحة الانتفاع بها دليل على حل ثمنها (٣). ويجاب عن ذلك: بأن الحمير يباح الانتفاع بها مطلقًا، وليس ذلك جائزًا في الكلاب. (ح-١٦٦) فقد روى مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم، أو ماشية (٤).

стр. 1329

(ح-١٦٧) وروى البخاري ومسلم من طريق حنضلة بن أبي سفيان، قال: سمعت سالمًا يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: من اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا لصيد، أو كلب ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان (١). والمتأمل لحديث عبد الله بن مغفل يبين خطأ ما ذهب إليه الحنفية عليهم رحمة الله، فالحديث نصه: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب، ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم (٢). فالحديث اشتمل على ثلاث جمل. الجملة الأولى: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. الجملة الثانية: ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب. الجملة الثالثة: ثم رخص لهم في كلب الصيد وكلب الغنم. فقوله: (ثم رخص) يستفاد منها فائدتان: الأول التعبير بـ (ثم) الدالة على الترتيب، وأن ذلك كان متأخرًا. وقوله: (رخص) في مقابل المنع، وأن الكف عن قتل الكلب على القول به، لم ينسخ النهي عن الاقتناء، لأن قوله: (رخص في كلب الصيد) معنى ذلك أن غيره ليس فيه رخصة، وأنه منهي عن اقتنائه حتى بعد الكف عن قتلها. وقال ابن القيم بعد أن ذكر حديث عبد الله بن مغفل، قال: «دل على أن الرخصة في كلب الصيد والغنم وقعت بعد الأمر بقتل الكلاب، فالكلب الذي أذن رسول الله ﷺ في اقتنائه، هو الذي حرم ثمنه، وأخبر أنه خبيث، دون

стр. 1330

الكلب الذي أمر بقتله، فإن المأمور بقتله غير مستبقى حتى تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجر العادة ببيعه وشرائه، بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه، فإن الحاجة داعية إلى بيان حكم ثمنه، أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجر عادتهم ببيعه، بل قد أمروا بقتله» (١). وقال نحوه ابن عبد البر، حيث يقول في كتابه الاستذكار: «إذا كان غير الضاري من الكلاب مأمورًا بقتله، فإنما وقع النهي عن ثمن الكلب المباح اتخاذه، لا المأمور بقتله؛ لأن المأمور بقتله معدوم، ولأنه محال ألا يطاع رسول الله ﷺ فيما أمر به من قتله» (٢). دليل من قال: يجوز بيع الكلب إذا كان مما يحل اقتناؤه . (ح-١٦٨) استدلوا بما رواه النسائي من طريق حجاج بن محمد، عن حماد ابن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد (٣). [قال النسائي: حديث حجاج، عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح، وقال مرة: هذا منكر] (٤).

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1333

الدليل الثاني: (ح-١٦٩) ما رواه الدارقطني من طريق عبيد بن محمد الصنعاني، عن محمد بن عمر ابن أبي مسلم، عن محمد بن مصعب الصنعاني، عن نافع بن عمر، عن الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ثلاث كلهن سحت، كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب إلا كلبًا ضاريًا. [الحديث متنه منكر] (١).

стр. 1334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1335

الدليل الثالث: قال القرطبي: «لما لم يكن الكلب عنده نجسًا- يعني مالكًا - وكان مأذونًا في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق» (١). ويناقش: بأن الراجح أن الكلب نجس، وقد بينت ذلك في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، وقدمت الأدلة على نجاسة عينه، ونجاسة الماء الذي يلغ فيه إذا كان في إناء ونحوه، وأن ولوغه في ماء الإناء لا ينجس الماء فحسب، بل ينجس حتى الإناء، ولذلك قال ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب .. » (٢).
следующие страницы →