← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1333

الدليل الثاني: (ح-١٦٩) ما رواه الدارقطني من طريق عبيد بن محمد الصنعاني، عن محمد بن عمر ابن أبي مسلم، عن محمد بن مصعب الصنعاني، عن نافع بن عمر، عن الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ثلاث كلهن سحت، كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب إلا كلبًا ضاريًا. [الحديث متنه منكر] (١).

стр. 1334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1335

الدليل الثالث: قال القرطبي: «لما لم يكن الكلب عنده نجسًا- يعني مالكًا - وكان مأذونًا في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق» (١). ويناقش: بأن الراجح أن الكلب نجس، وقد بينت ذلك في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، وقدمت الأدلة على نجاسة عينه، ونجاسة الماء الذي يلغ فيه إذا كان في إناء ونحوه، وأن ولوغه في ماء الإناء لا ينجس الماء فحسب، بل ينجس حتى الإناء، ولذلك قال ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب .. » (٢).

стр. 1336

الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أسعد الأقوال من قال: لا يجوز بيع الكلب، ويجوز اقتناء كلب الصيد ونحوه مما يحتاج إليه، ولو احتاج الإنسان إلى كلب حراسة ونحوه، ولم يجد أحدًا يبذله له إلا بالبيع، فإنه يجوز شراؤه بعد أن ينصح بائعه، والإثم على البائع، وإذا كان الإنسان لا يصل إلى حقه إلا عن طريق الشراء فالإثم على من ألجأه إلى ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 1337

المبحث الثالث في تحريم بيع الخمر [م - ٢٨١] يحرم بيع الخمر بالإجماع. قال القرطبي: «أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر .. » (١). وقال ابن مفلح: «بيع الخمر وشراؤه باطل إجماعًا» (٢). وقال ابن المنذر: «أجمعوا على أن بيع الخمر غير جائز» (٣). وحكى الإجماع الغزالي في الوسيط (٤)، وغيره (٥). * * *

стр. 1338

فرع في قبض المسلم ثمن الخمر من الذمي وأكله [م - ٢٨٢] إذا باع النصراني خمرًا، ثم قضى من ثمنه دينًا لمسلم، فهل للمسلم أن يقبض ثمن الخمر، ويأكله، أو يحرم عليه؟ اختلف في ذلك: فقيل: يجوز له قبض ثمنه، وهو مذهب الحنفية (١). وعللوا ذلك: بأن الخمر في حق الذمي مال متقوم، فملك ثمنها، فصح قضاء الدين منه. واستدل الجصاص على كون الخمر مالًا في حق الذمي، بقوله: «لا نعلم خلافًا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرًا أن عليه قيمتها» (٢). وسبق لنا تحرير الخلاف في هذه المسألة، وأن المسألة خلافية فيما لو أتلف مسلم خمرًا لذمي، وأن في المسألة قولين، فارجع إليها إن شئت في باب ضمان المبيع. وعلل ابن تيمية جواز قبض ثمن الخمر بعلة أخرى، وهي أوجه من علة وجوب الضمان على متلفه. قال ابن تيمية: «ما قبض بتأويل، فإنه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه، وإن كان المشتري يعتقد أن ذلك العقد محرم، كالذمي إذا باع خمرًا، وأخذ ثمنه، جاز للمسلم أن يعامله في ذلك الثمن، وإن كان المسلم لا يجوز له بيع

стр. 1339

الخمر، كما قال عمر بن الخطاب: ولوهم بيعها، وخذوا أثمانها، وهذا سببه أن بعض عماله أخذ خمرًا في الجزية، وباع الخمر لأهل الذمة، فبلغ ذلك عمر، فأنكر عمر ذلك، وقال: ولوهم بيعها وخذوا أثمانها، وهذا ثابت عن عمر، وهو مذهب الأئمة، وهكذا من عامل معاملة يعتقد جوازها، في مذهبه، وقبض المال جاز لغيره أن يشتري ذلك المال منه، وإن كان لا يرى جواز تلك المعاملة» (١). وقيل: لا يجوز، وهو مذهب الشافعية (٢). واستدلوا بأن الذي حرمها حرم أكل ثمنها. (ح-١٧٠) فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة، إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .... الحديث، وفيه: قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها، جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (٣). فإذا كان الحرام لا يجوز أكله، فكذلك ثمن الحرام حرام. الراجح: جواز أكله ما دام أن البائع يعتقد أن المبيع لا يحرم عليه، وهكذا الشأن في جميع المسائل الخلافية، فلو كان الإنسان يرى أن وضوءه يبطل بأكل لحم الجزور وصلى خلف إنسان يعتقد صحة صلاته، وقد أكل لحم جزور صحت صلاته على الصحيح، والله أعلم. * * *

стр. 1340

المبحث الرابع في بيع الدم [م -٢٨٣] يحرم على الإنسان شرب الدم، قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥]. [م-٢٨٤] واختلف الفقهاء في طهارة الدم، فذهب عامة الفقهاء إلى نجاسته، وذهب بعض المجتهدين إلى طهارته، وهو الصحيح، وقد سبق بحث المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة مفصلًا، فارجع إليه إن شئت. [م-٢٨٥] وقد استقرت فتوى أهل العلم على جواز نقل الدم من شخص إلى آخر (١)، وتم بواسطة نقل الدم إنقاذ حياة ملايين من الناس ممن يتعرضون للحوادث بشكل يومي، أو كانت حاجتهم إلى الدم نتيجة عمليات جراحية أو بسبب ولادة ونحوها، وأجابوا عن النهي عن التداوي بالحرام، بأن نقل الدم إما أن يخرج على أنه من باب الغذاء، لا الدواء، وهذا يشكل عليه أنه قد نهي عن تناول الدم كطعام، أو أنه داخل في جواز تناول المضطر للحرام، لإنقاذ نفسه من الهلكة، ويكون داخلًا في عموم قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ إلى قوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣]. وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة:٣].

стр. 1341

[م-٢٨٦] وإذا كان الراجح في الدم طهارته، وجواز الانتفاع به في حال الاضطرار بنقله من شخص لآخر فهل يجوز بيعه؟ وقد نقل الإجماع على تحريم ثمن الدم ابن المنذر (١)، وابن عبد البر (٢)، وابن حجر (٣)، وغيرهم. وقال ابن قدامة: «ولا يجوز بيع الخنزير، ولا الميتة، ولا الدم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به» (٤). ومستند الإجماع: (ح-١٧١) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي اشترى عبدًا حجامًا، فأمر بمحاجمه، فكسرت، فسألته، فقال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وعن ثمن الدم ... الحديث (٥). [م-٢٨٧] وقد اختلف في المراد بالنهي عن ثمن الدم: فقيل: المراد بالنهي عن ثمن الدم النهي عن أخذ أجرة الحجامة، ثم اختلفوا هل النهي للكراهة، أو أنه قد نسخ، وسيأتي الكلام على كسب الحجام إن شاء الله تعالى (٦). وقد رد هذا التفسير ابن عبد البر في التمهيد، فقال: «نهيه ﷺ عن ثمن الدم ليس من أجرة الحجام في شيء، وإنما هو كنهيه عن ثمن الكلب، وثمن الخمر،

стр. 1342

والخنزير، وثمن الميتة ونحو ذلك، ولما لم يكن نهيه عن ثمن الكلب تحريمًا لصيده، كذلك ليس تحريم الدم تحريمًا لأجرة الحجام؛ لأنه إنما أخذ أجرة تعبه وعمله» (١). وقيل: المراد بالنهي عن ثمن الدم النهي عن بيع الدم، وهو السائل المعروف (٢). والنهي عن بيعه إما لنجاسته عند من يحرم بيع كل شيء نجس كالمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وإما لأن الدم ليس بمال عند من يجيز بيع النجس إذا جرى تموله والانتفاع به كالحنفية (٦). أو لأن الآدمي محترم، وبيعه فيه ابتذال له، وإهانة لكرامته، كما علل الحنفية تحريمهم لبيع عظم الآدمي، مع القول بطهارته (٧). أو لأن الشارع إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه. ويستثنى من النهي عن بيع الدم ما استثني من تحريم أكله، وهو الكبد والطحال.

стр. 1343

لحديث ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان ... » وسبق تخريجه (١). والمقصود من غير الآدمي. * * *

стр. 1344

المبحث الخامس في بيع العذرة [م -٢٨٨] اختلف العلماء في حكم بيع العذرة (رجيع الآدمي)، فقيل: بالمنع مطلقًا، وعليه أكثر المالكية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: بالجواز مطلقًا، وهو اختيار ابن الماجشون من المالكية (٤)، وابن حزم (٥). وقيل: يكره بيعها، وهو اختيار أبي الحسن، واللخمي من المالكية (٦). وقيل: بالتفصيل: فقيل: إن كانت مخلوطة بالتراب، وكان التراب غالبًا عليها فيجوز بيعها، وهو مذهب الحنفية (٧).

стр. 1345

وقيل: يجوز بيعها في حال الاضطرار، ولا يجوز مع عدمه، وهو اختيار أشهب من المالكية (١). هذا ملخص أقوال أهل العلم في بيع العذرة. ومدار المسألة وأدلتها على مسألة تقدم بحثها، وذكرنا أدلتها بالتفصيل، وهي: هل يشترط أن يكون المعقود عليه من مبيع، أو ثمن طاهرًا، أو لا يشترط؟ فمن اشترط الطهارة، وهم الجمهور قالوا: لا يجوز بيع العذرة؛ لأنها نجسة بالإجماع، وطردوا المنع في بيع في كل عين نجسة، كالميتة، والدم. وسبق ذكر جميع أدلتهم على اشتراط الطهارة في المعقود عليه، فأغنى عن إعادته هنا. ومن لا يرى الطهارة بالاستحالة يرى أن تسميد الحرث والزرع بها يكون سببًا في نجاسة الثمار، والحبوب إذا سقيت بالنجاسة. وسبق لي في كتاب المياه والنجاسات من أحكام الطهارة ذكر خلاف أهل العلم في الطهارة بالاستحالة، وأن الراجح أن العين النجسة إذا استحالت إلى عين طاهرة أخذت حكمها، كما أن العين الطاهرة إذا استحالت إلى نجاسة أصبحت نجسة. ومن قال: لا يشترط في المعقود عليه طهارة عينه، أجاز بيعها إن كان قد جرى تمولها بين المسلمين وأمكن الانتفاع بها. ومنهم من كره بيعها؛ لأنها من الكسب الرديء كما كره التكسب في الحجامة، ولأنه يلزم منها مخالطة النجاسات، وهو مكروه عندهم.

стр. 1346

ومنهم من رأى أنها إذا استهلكت في التراب، جاز بيعها تبعًا، ومنع بيعها استقلالًا، بناء على القاعدة الفقهية: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا. الراجح: إذا كنا رجحنا أن طهارة المعقود عليه ليست بشرط في غير المأكول والمشروب، وكان الانتفاع به ساريًا بين الناس، ولم ينه عن بيعه لذاته كالكلب والميتة، جاز تملكه، وجاز بذله بعوض، هذا ما أميل إليه، وإن ترفع أحد عن بيعه كان أولى. * * *

стр. 1347

المبحث السادس في بيع السرجين النجس [م -٢٨٩] اختلف العلماء في بيع السرجين. فقيل: يجوز بيعه مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (١)، واختيار ابن القاسم من المالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). وقيل: لا يجوز بيعه مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (٤). وقيل: يجوز بيع السرجين إذا كان طاهرًا، كما لو كان من حيوان مأكول اللحم، ولا يجوز بيع السرجين النجس، وهذا مذهب المالكية (٥)،

стр. 1348

والحنابلة (١). وقيل: يكره بيع السرجين النجس، وهو قول في مذهب المالكية (٢). ومدار الخلاف بينهم اختلافهم في حكم بيع النجاسات العينية التي لا يمكن تطهيرها بحال، فمن رأى أن طهارة المعقود عليه شرط في صحة البيع منع من بيعها قياسًا على النهي من بيع الميتة، والدم. ومن لم ير الطهارة شرطًا أجاز بيعها، ورأى أن العلة في النهي عن بيع الميتة ليست النجاسة، وإنما انتفاء أن تكون مالًا، واعتبر النجاسة إذا أمكن الانتفاع بها وجرى تمولها أصبحت مالًا يمكن بيعها. وأما من كره بيعها فقد رأى أن ذلك من الكسب الردئ كما نهي عن كسب الحجامة ونحو ذلك. وقد عقدنا فصلًا مستقلًا ذكرنا فيه أدلة القائلين باشتراط الطهارة، في المعقود عليه، فأغنى عن إعادته هنا. * * *

стр. 1349

المبحث السابع في بيع الدهون النجسة والمتنجسة الفرق بين الدهون النجسة، والدهون المتنجسة: الدهون النجسة: ما كانت عينها نجسة، كشحوم الميتة ونحوها. والدهون المتنجسة: هي دهون طاهرة في ذاتها، طرأت عليها النجاسة، فتنجست بها، وسوف نتعرض في حكم بيع كل قسم على وجه التفصيل. * * *

стр. 1350

الفرع الأول في بيع الدهون النجسة [م -٢٩٠] الأدهان النجسة لا يجوز بيعها، وهو مذهب الأئمة، وحكي إجماعًا، وإن كان العلماء قد اختلفوا في جواز الانتفاع بها، وسيأتي الكلام على الانتفاع إن شاء الله تعالى. قال ابن عابدين: «لا يجوز بيعها اتفاقًا» - يعني: دهن الميتة - وعلل ذلك بقوله: «لأنه جزؤها، فلا يكون مالًا» (١). وقال النووي: «الدهن النجس ضربان: ضرب نجس العين، كودك الميتة، فلا يجوز بيعه بلا خلاف، ولا يطهر بالغسل» (٢). وفي مذهب الحنابلة قول بجواز بيعها، وهو شاذ. قال في الإنصاف: «لا يجوز الاستصباح بشحوم الميتة ... واختار الشيخ تقي الدين جواز الانتفاع بالنجاسات .... ويتخرج على ذلك جواز بيعها، أن المصنف وغيره خرجوا جواز البيع من رواية جواز الاستصباح بها» (٣). (ح-١٧٢) ومستند الإجماع ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة، إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال:

стр. 1351

لا، هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها، جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (١). (ح-١٧٣) وما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم (٢). وجه الشاهد منه: حيث أمر رسول الله ﷺ بطرح ما حول الفأرة لتنجسه، ولو كان مالًا لما أمر الرسول ﷺ بطرحه. فإن قيل: لماذا لم يأمر الرسول ﷺ بالانتفاع به في غير الأكل، حيث ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الانتفاع بشحوم الميتة بدهن السفن، وطلي الجلود، والاستصباح مثلًا. فيقال: أكثر أهل العلم على تحريم الانتفاع بشحوم الميتة، وهو رأي مرجوح، وسبق الجواب عليه، وقد يقال في الجواب على الإشكال الوارد أن ما حول الفأرة لا يبلغ من الكمية ما يمكن الانتفاع به، فأمر بطرحه لزهادته، والله أعلم. * * *

стр. 1352

الفرع الثاني في بيع الأدهان المتنجسة [م -٢٩١] اختلف العلماء في حكم بيع الأدهان المتنجسة على قولين: القول الأول: يجوز بيعها إذا بين ذلك، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض المالكية (٢)، وقول عند الشافعية (٣). ونسب هذا القول لأبي موسى الأشعري والليث بن سعد، والقاسم وسالم (٤). القول الثاني: لا يجوز بيعها، وهو قول الجمهور (٥). دليل من قال: لا يجوز بيع الأدهان المتنجسة . الدليل الأول: (ح-١٧٤) ما رواه أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن

стр. 1353

سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سئل النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن، فقال: إن كان جامدًا، فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه (١). [أخطأ فيه معمر في إسناده ومتنه، والمحفوظ منه: (ألقوها وما حولها وكلوه)] (٢). الدليل الثاني: القياس على الأدهان النجسة، فإذا كانت الأدهان النجسة لا يصح بيعها، فكذلك المتنجسة بجامع أن كلا منهما لا يمكن تطهيره. الدليل الثالث: ما ذكرناه من الأدلة على اشتراط طهارة المعقود عليه يصح أن يكون دليلًا في المسألة، ومن ذلك النهي عن بيع الميتة، والخنزير، والخمر، والدم لنجاسة هذه الأعيان. دليل من قال: يجوز بيع الأدهان المتنجسة . الدليل الأول: لا يوجد دليل من الشارع ينهى عن بيع الشيء النجس، وإنما وجد النهي عن بيع شحوم الميتة، وهذا الدليل أخص من المدلول؛ لأن المقصود الأعظم من شحوم الميتة هي الأكل، فحرم بيعها لتحريم أكلها، وهذا لا يعني النهي عن بيع كل شيء نجس، فهناك من الأعيان ما هو نجس، ويجوز بيعه، وذلك مثل سباع

стр. 1354

البهائم التي تصلح للصيد، فكذلك الزيت الطاهر الذي طرأت عليه نجاسة، وكان يمكن الانتفاع به في غير الأكل لا يمنع من بيعه لوجود منافعه. الدليل الثاني: أن نجاسة الزيت الطاهر نجاسة مجاورة، والعقد يقع على العين، والعين طاهرة، ومجاورة النجاسة لا تمنع جواز البيع كالثوب المتنجس إذا بيع (١). الدليل الثالث: (ح-١٧٥) استدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم (٢). فأجابهم النبي ﷺ جوابًا عامًا مطلقًا، بأن يلقوها وما حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم، هل كان مائعًا، أو جامدًا، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، مع أن الغالب في سمن الحجاز أن يكون ذائبًا لشدة الحرارة، والغالب على السمن، ألا يبلغ قلتين، مع أنه لم يستفصل، هل كان قليلًا أو كثيرًا؟ الدليل الرابع: [م -٢٩٢] القول بأنه لا يمكن تطهير الدهن المتنجس فيه نظر، وقد اختلف العلماء في إمكان تطهير المائعات من غير الماء إذا وقعت فيه نجاسة: فقيل: يمكن تطهير جميع المائعات إذا وقعت فيها نجاسة، وهو مذهب

стр. 1355

الحنفية (١)، واختاره ابن القاسم وابن العربي من المالكية (٢)، وابن سريج من الشافعية (٣). وقيل: لا يطهر البتة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٤) والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وقيل: يمكن تطهير الزيت، ولا يمكن تطهير غيره من المائعات؛ وذلك لأن الماء لا يخالط الزيت بخلاف غيره، وهو قول في مذهب المالكية (٧)، والحنابلة (٨). وقد ذكرت أدلة الأقوال في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، فأغنى عن إعادته هنا (٩). الراجح: بعد ذكر الخلاف الذي يظهر لي جواز بيع الدهون المتنجسة، قال ابن رشد ﵀: «المشهور عن مالك، المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها: أن

стр. 1356

بيعه لا يجوز، والأظهر في القياس أن بيعه جائز ممن لا يغش به، إذا بين; لأن تنجيسه بسقوط النجاسة فيه لا يسقط ملك ربه عنه، ولا يذهب جملة المنافع منه ولا يجوز أن يتلف عليه، فجاز له أن يبيعه ممن يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه وهذا في الزيت على مذهب من لا يجيز غسله وأما على مذهب من يجيز غسله، وروي ذلك عن مالك، فسبيله في البيع سبيل الثوب المتنجس» (١). ويدخل في ذلك بيع ماء المجاري، جاء في شرح ميارة: «ومما تدعو الضرورة إليه مع الاتفاق على نجاسته الماء المتغير بالنجاسة كالمجتمع من المراحيض وقياسه على الزبل في الترخص في جواز بيعه أحرى والله أعلم» (٢). وإن كان ماء المجاري يمكن معالجته وتطهيره، ولكن لو أراد أن يستفيد منه على حالته، واحتاج إليه، ولم يقم غيره مقامه، جاز له شراؤه، والله أعلم. * * *

стр. 1357

الفرع الثالث في الانتفاع بالدهن النجس والمتنجس [م -٢٩٣] اختلف العلماء في الانتفاع بالدهن النجس والمتنجس فيما عدا الأكل، والبيع على قولين. القول الأول: لا يجوز الانتفاع بالدهن النجس، ويجوز الانتفاع بالدهن المتنجس، وهذا مذهب الجمهور (١). القول الثاني: يجوز الانتفاع بالدهن النجس والمتنجس، وهذا مذهب الشافعي ﵀ (٢)، واختاره من المالكية أبو العباس القرطبي (٣)، ومن الحنابلة ابن تيمية (٤).

стр. 1358

دليل من قال: يجوز الانتفاع بالدهن نجسًا كان أو متنجسًا . الدليل الأول: (ح-١٧٦) ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس في شاة ميمونة، بلفظ: هلا انتفعتم بإهابها، قالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها (١). فأباح الانتفاع، ومنع من الأكل. الدليل الثاني: استدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة، ساغ له إطعامها لكلاب الصيد، فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة، ولا فرق (٢). دليل من فرق بين الدهن النجس والمتنجس . أما الأدلة على تحريم الانتفاع بالدهن النجس فمنها: الدليل الأول: (ح-١٧٧) وما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم (٣). وجه الشاهد منه: حيث أمر رسول الله ﷺ بطرح ما حول الفأرة لتنجسه، ولم يأمر بالانتفاع به.

стр. 1359

ويجاب عن ذلك: أن ما حول الفأرة لا يبلغ من الكمية ما يمكن الانتفاع به، فأمر بطرحه لزهادته، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١٧٨) ما رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة، إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام ... الحديث (١). وجه الاستدلال: قالوا: لا هو حرام: أي الانتفاع، فقال: يحرم الانتفاع بالميتة إلا ما خصصته السنة من الانتفاع بالجلد بعد الدبغ، ويبقى سائر أجزاء الميتة ومنه الشحم على النهي عن الانتفاع به. قال ابن حجر: «وهو قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة أصلًا عندهم إلا ما خص بالدليل، وهو الجلد المدبوغ» (٢). وأجيب: بأن قوله: هو حرام راجع إلى البيع، وهذا ما ذهب إليه الشافعية، وذلك أن الرسول ﷺ لما نهى عن بيع الميتة، قال رجل: أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى

стр. 1360

بها السفن ويدهن بها الجلود .. الخ أي فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع؛ فإنه مقتضية لصحة البيع، فقال ﷺ : لا هو حرام، أي البيع، فكأنهم قالوا: أرأيت شحوم الميتة، فهل يجوز بيعها؛ لأنها تطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، فقال: لا هو حرام، فهذه المنافع، وإن كانت جائزة، فليست مسوغة لجواز بيعها. قال النووي: «والضمير في (هو) يعود إلى البيع لا إلى الانتفاع، هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه ... وبهذا قال أيضًا عطاء بن أبي رباح، ومحمد ابن جرير الطبري» (١). ورجح ذلك ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى (٢). ويدل له ما نقله الحافظ في الفتح، ونسبه إلى مسند أحمد، قال الحافظ: «قال أحمد: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: إن الله حرم بيع الخنازير وبيع الميتة، وبيع الخمر، وبيع الأصنام. قال رجل: يا رسول الله فما ترى في بيع شحوم الميتة؛ فإنها تدهن بها السفن والجلود، ويستصبح بها، فقال: قاتل الله يهود ... وذكر الحديث (٣). [لفظ «فما ترى في بيع شحوم الميتة» غير محفوظ، والمحفوظ «فما ترى في شحوم الميتة»] (٤).

стр. 1361

ولكن قوله ﷺ : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه مشعر بأن النهي عن البيع؛ لأن من نهي عن أكل شيء، ثم باعه، فأكل ثمنه، كأنه أكل ما نهي عنه، مثله في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] فالوعيد يدخل فيه من باع مال اليتيم ثم أكل ثمنه، فيكون قوله: لا هو حرام، أي لا تبيعوا الميتة، فتأكلوا ثمنها كما باع اليهود شحوم الميتة، فإنكم بهذا بمنزلة من أكل الميتة.

стр. 1362

ويدل لذلك أيضًا (ح-١٧٩) ما رواه أحمد من طريق هشيم، أخبرنا خالد الحذاء، عن بركة ابن العريان المجاشعي، قال: سمعت ابن عباس يحدث، قال: قال رسول الله ﷺ : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه (١). [إسناده صحيح] (٢). فنص على أن التحريم للشحوم إنما هو في مباشرة الأكل، وتحريم أكل الثمن في البيع، وليس في الانتفاع بغيرهما. وأما الأدلة على الانتفاع بالدهن المتنجس: (ح-١٨٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، أن جرًا لآل ابن عمر، فيه عشرون فرقا من سمن

стр. 1363

أو زيادة، وقعت فيه فأرة، فماتت فأمرهم ابن عمر أن يستصبحوا به (١). [إسناده صحيح] (٢). الدليل الثاني: ولأن عينه ليست نجسة، وإنما نجاسته نجاسة مجاورة، فلم يمنع الانتفاع به. الدليل الثالث: ولأن الدهن المتنجس ليس دهن ميتة، ولا هو من شحومها، فلم يتناوله حديث جابر بالنهي عن شحوم الميتة، وقد أمكن الانتفاع به من غير ضرر، فجاز كالطاهر. الراجح من الخلاف: الذي يظهر لي، والله أعلم، أن القول بالانتفاع من الدهن النجس والمتنجس، هو القول الراجح؛ لأن الانتفاع بالنجس على وجه لا يتعدى، ليس في ذلك محذور شرعي، وحتى كراهيته لمخالطة النجاسة، ليس بصواب؛ لأن الإنسان إذا أراد عبادة من شرطها الطهارة، طلب منه التخلي عن النجاسة، وإن لم يكن في عبادة لم يكن في التلبس بالنجاسة مع الحاجة إلى ذلك حرج، ونحن في الاستنجاء ربما باشرنا النجاسة للتخلص منها، ولم يكن في ذلك بأس ما دام الحال سينتهي إلى قطعها عن البدن، فما بالك بالانتفاع بها خارج البدن، وخارج الأكل، والشرب، والبيع. * * *

стр. 1364

المبحث الثامن في بيع الأصنام (ح-١٨١) روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة، إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها، جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (١). وجه الاستدلال من الحديث: دل الحديث على تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. قال ابن القيم: «وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك، على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت، صنمًا، أو وثنًا، أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك، وعبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها، وإعدامها، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها، والنبي ﷺ لم يؤخر ذكرها لخفة أمرها، ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو أغلظ، فإن الخمر أحسن حالًا من الميتة، فإنها قد تصير مالًا محترمًا إذا قلبها الله ابتداء خلًا، أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء .... » (٢).

стр. 1365

[م -٢٩٤] وقد ذهب جماهير العلماء إلى تحريم بيع الأصنام مطلقًا عملًا بالحديث المتفق عليه. وذهب أبو حنيفة، وبعض الشافعية إلى جواز بيعها إذا كان مما يمكن الانتفاع بها بعد كسرها، فإذا أمكن الانتفاع بها فقد وجدت المالية، والتقوم، مما يترتب عليه جواز البيع حينئذ (١). وقيل: إن اتخذ من جوهر نفيس صح بيعها، وإن اتخذ من خشب ونحوه فلا، اختاره من الشافعية القاضي حسين، والمتولي، وإمام الحرمين والغزالي (٢). وجه التفريق بين الخشب والجوهر: أن الصنعة في الجوهرة تابعة؛ لأنها أقل قيمة. وفي الخشب والحجر، هي الأصل، فلا يضمن. قال ابن المنذر: «في معنى الأصنام: الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، إذا غيرت عما هي عليه، وصارت نقرًا، أو قطعًا، فيجوز بيعها والشراء بها .. » (٣). قال الصنعاني: «الأولى أن يقال: لا يجوز بيعها، وهي أصنام للنهي، ويجوز بيع كسرها، إذ هي ليست بأصنام، ولا وجه لمنع بيع الأكسار أصلًا» (٤). * * *

стр. 1366

المبحث التاسع في بيع الدمى (لعب الأطفال المجسمة) يحتاج الطفل ذكرًا كان أو أنثى إلى اللعب، واللعب بالنسبة إلى الطفل لا يعتبر ضرورة بدنية فحسب، بل هو نوع من التعليم، ويعرف هذا جيدًا من زاول مهنة التعليم في رياض الأطفال، بحيث يستوعب الطفل عن طريق الألعاب المجسمة ما لا يستوعبه عن طريق العبارات المنمقة، ومن ذلك الألعاب بصور مجسمة لحيوانات وآدميين، وقد كانت في السابق تعمل هذه الصور من الخرق، والعهن (الصوف) ثم تطورت بسبب تطور الصناعة، ودخول الآلة في الصناعة، فصارت تصنع من البلاستك، وصارت من الدقة بحيث تحاكي الصور الحية، فما حكم بيع هذه الدمى لهذا الغرض؟ وللإجابة على هذا السؤال نذكر خلاف العلماء المتقدمين في حكم صناعة الصور من العهن والخرق، ثم نذكر كلام المعاصرين في حكمها من البلاستك ونحوها، فمن أباح صناعتها أباح بيعها، ومن منع من صناعتها، فقد منع من بيعها. * * *

стр. 1367

الفرع الأول في صناعة الصور من الخرق والرقاع [م - ٢٩٥] اختلف العلماء في حكم صناعة اللعب من الخرق والرقاع على قولين: القول الأول: يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وبعض المتأخرين من الحنابلة (٤)، ورجحه ابن حزم (٥)، وذكر القاضي عياض بأنه قول الجمهور (٦). وقال النسائي: باب إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات (٧).

стр. 1368

وقال ابن تيمية: يرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار (١). القول الثاني: لا يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، واختاره بعض المالكية (٣)، وبعض الشافعية (٤)، وبعض الحنابلة (٥)، وهو المنصوص عن الإمام أحمد ﵀ (٦).

стр. 1369

واعتبر المناوي القول بالمنع قولًا شاذًا (١). وروي عن مالك كراهة شرائها، قال القاضي عياض: «وهذا عندي محمول على كراهة الاكتساب بها للبائع، وتنزيه أولي المروءات عن تولي ذلك من بيع وشراء، لا كراهة اللعب بهن» (٢). دليل من قال: يجوز صناعة صور الأطفال . الدليل الأول: (ح-١٨٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي (٣).

стр. 1370

وجه الاستدلال: قولها: «كنت ألعب بالبنات» وقد اطلع الرسول ﷺ على وجود هذه الصور، وأقر اللعب بها، فدل على تخصيص لعب الأطفال من عموم النهي من اتخاذ الصور. وأجيب عن ذلك: بأن ذلك كان قبل تحريم الصور، ثم نسخ الأمر بعد ذلك. أو أن قول عائشة: «ألعب بالبنات» أي ألعب مع البنات، فتكون الباء بمعنى مع، فيكون المقصود بالبنات ليست اللعب. ورد هذا الجواب: أما الجواب عن دعوى النسخ، فيقال: إنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعارض الأدلة، ومعرفة المتأخر من المتقدم، لأن في النسخ إبطالًا لأحد الدليلين، بينما في الجمع إعمال لهما، وهنا لم يعرف التاريخ، ولم يتعذر الجمع، بل يحمل الإذن للصغار حديثي السن، ويحمل النهي للكبار، ولذلك (ح-١٨٣) قالت عائشة كما في الصحيحين: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو (١). وأما الجواب عن قولهم «كنت ألعب بالبنات» أي بمعنى مع البنات، كما قال ابن مالك: بالباء استعن وعد عوض ألصق ... ومثل مع ومن وعن بها انطق
следующие страницы →