المبحث التاسع
في بيع الدمى (لعب الأطفال المجسمة)
يحتاج الطفل ذكرًا كان أو أنثى إلى اللعب، واللعب بالنسبة إلى الطفل لا يعتبر ضرورة بدنية فحسب، بل هو نوع من التعليم، ويعرف هذا جيدًا من زاول مهنة التعليم في رياض الأطفال، بحيث يستوعب الطفل عن طريق الألعاب المجسمة ما لا يستوعبه عن طريق العبارات المنمقة، ومن ذلك الألعاب بصور مجسمة لحيوانات وآدميين، وقد كانت في السابق تعمل هذه الصور من الخرق، والعهن (الصوف) ثم تطورت بسبب تطور الصناعة، ودخول الآلة في الصناعة، فصارت تصنع من البلاستك، وصارت من الدقة بحيث تحاكي الصور الحية، فما حكم بيع هذه الدمى لهذا الغرض؟
وللإجابة على هذا السؤال نذكر خلاف العلماء المتقدمين في حكم صناعة الصور من العهن والخرق، ثم نذكر كلام المعاصرين في حكمها من البلاستك ونحوها، فمن أباح صناعتها أباح بيعها، ومن منع من صناعتها، فقد منع من بيعها.
* * *
стр. 1367
الفرع الأول
في صناعة الصور من الخرق والرقاع
[م - ٢٩٥] اختلف العلماء في حكم صناعة اللعب من الخرق والرقاع على قولين:
القول الأول:
يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وبعض المتأخرين من الحنابلة (٤)، ورجحه ابن حزم (٥)، وذكر القاضي عياض بأنه قول الجمهور (٦).
وقال النسائي: باب إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات (٧).
стр. 1368
وقال ابن تيمية: يرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار (١).
القول الثاني:
لا يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، واختاره بعض المالكية (٣)،
وبعض الشافعية (٤)، وبعض الحنابلة (٥)، وهو المنصوص عن الإمام أحمد ﵀ (٦).
стр. 1369
واعتبر المناوي القول بالمنع قولًا شاذًا (١).
وروي عن مالك كراهة شرائها، قال القاضي عياض: «وهذا عندي محمول على كراهة الاكتساب بها للبائع، وتنزيه أولي المروءات عن تولي ذلك من بيع وشراء، لا كراهة اللعب بهن» (٢).
دليل من قال: يجوز صناعة صور الأطفال .
الدليل الأول:
(ح-١٨٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي (٣).
стр. 1370
وجه الاستدلال:
قولها: «كنت ألعب بالبنات» وقد اطلع الرسول ﷺ على وجود هذه الصور، وأقر اللعب بها، فدل على تخصيص لعب الأطفال من عموم النهي من اتخاذ الصور.
وأجيب عن ذلك:
بأن ذلك كان قبل تحريم الصور، ثم نسخ الأمر بعد ذلك.
أو أن قول عائشة: «ألعب بالبنات» أي ألعب مع البنات، فتكون الباء بمعنى مع، فيكون المقصود بالبنات ليست اللعب.
ورد هذا الجواب:
أما الجواب عن دعوى النسخ، فيقال: إنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعارض الأدلة، ومعرفة المتأخر من المتقدم، لأن في النسخ إبطالًا لأحد الدليلين، بينما في الجمع إعمال لهما، وهنا لم يعرف التاريخ، ولم يتعذر الجمع، بل يحمل الإذن للصغار حديثي السن، ويحمل النهي للكبار، ولذلك
(ح-١٨٣) قالت عائشة كما في الصحيحين: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو (١).
وأما الجواب عن قولهم «كنت ألعب بالبنات» أي بمعنى مع البنات، كما قال ابن مالك:
بالباء استعن وعد عوض ألصق ... ومثل مع ومن وعن بها انطق
стр. 1371
فيقال: إن هذا مع كونه خلاف الظاهر ترده الألفاظ الأخرى للحديث، ففي صحيح مسلم من طريق جرير، عن هشام به بلفظ: كنت ألعب بالبنات في بيته، وهن اللعب.
وروى الحميدي عن سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة به، بلفظ: كنت ألعب بهذه البنات، وكن جواري يأتيني يلعبن معي بها .... الحديث (١).
وفي سنن النسائي الكبرى من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هشام به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ يسرب إلي صواحبي يلعبن معي باللعب البنات الصغار (٢).
وفي طريق آخر لحديث عائشة من غير طريق هشام بن عروة، فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب، وسوف أسوق إسناده بالدليل التالي.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٤) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن إبراهيم، حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن عائشة ﵂، قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان. قال: فرس له جناحان! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة، قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه (٣).
стр. 1372
[إسناده صحيح] (١).
وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال من الحديث السابق.
стр. 1373
الدليل الثالث:
(ح-١٨٥) ما رواه البخاري من طريق خالد بن ذكوان،
عن الربيع بنت معوذ، قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار (١).
وجه الاستدلال:
ظاهر قوله: «اللعبة من العهن» تنصرف في الغالب إلى اللعب المصنوعة من صور الآدميين والحيوانات، على شاكلة لعب عائشة ﵂.
وقد يقال: إن الحديث ليس صريحًا بأن اللعب من الصور، فقد تكون اللعب من صور الأشجار أو نحوها مما ليس فيه روح، وهذا لا إشكال فيه، والله أعلم.
الدليل الرابع:
الصور المهانة في الوسائد والفرش ذهب جماهير العلماء إلى جوازها؛ لأنها ليست محلًا للتعظيم، وليست ذريعة إلى الشرك، فاللعب أولى بالجواز لأنها مما تختص بالصغار، ويتسلى بها، فليست محلًا للتعظيم والتقديس.
الدليل الخامس:
من النظر اتخاذ اللعب للأولاد تمليه الحاجة الماسة إلى تعليم الأطفال، وتدريب البنات على ممارسة رعاية أولادهن بالمستقبل، وتدريب الأولاد على
стр. 1374
القيام بواجب الأبوة، مع ما فيه من إدخال السرور عليهم وكف أذاهم، وشغلهم بما ينفع بدلًا من أن يكون نشاطهم في العبث والتخريب.
دليل من قال: لا يجوز اتخاذ اللعب من الصور .
الدليل الأول:
عمومات النهي الواردة في الصور والمصورين، وهي كثيرة، منها:
(ح-١٨٦) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم (١).
فلم يفرق بين ما يصنعونه للصغار أو يصنعونه للكبار.
(ح-١٨٧) ومنها ما رواه البخاري من طريق عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال:
كنت عند ابن عباس ﵄، إذ أتاه رجل، فقال: يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول، سمعته يقول: من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا، فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح.
(ح-١٨٨) وفي لفظ لمسلم: «قال ابن عباس: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا، فتعذبه في جهنم، وقال: إن كنت لا بد فاعلًا، فاصنع الشجر، وما لا نفس له (٢).
стр. 1375
وجه الاستدلال:
أن ابن عباس لم يأذن له إلا بالشجر، أو ما ليس له روح، ولو كانت صور الأطفال داخلة في المباح لذكرها له، فلما لم يذكرها كانت داخلة في عموم النهي، وقوله في لفظ مسلم (كل مصور في النار) كل من ألفاظ العموم، فيدخل فيه ما يصوره للأطفال، وما يصوره للكبار.
الراجح:
الذي أميل إليه أن القول بإباحة صور الأطفال أقرب إلى الصحة، فهم يستدلون بأحاديث خاصة، والقائلون بالتحريم يستدلون بأحاديث عامة، والأحاديث الخاصة مقدمة على الأحاديث العامة، والنصوص العامة في الشريعة قد تخصص، والمطلق قد يقيد، ومنه مسألتنا هذه، والله أعلم.
стр. 1376
الفرع الثاني
هل يختلف الحكم إذا كانت هذه الصور من البلاستك
[م - ٢٩٦] تطورت الصناعة في هذا العصر، ودخلت الآلة في صناعة الألعاب، فصارت الصورة تحاكي الحقيقة، وكأنك وأنت تنظر إلى لعب الأطفال اليوم، كأنك تنظر إلى صورة حقيقية، بل إنهم جعلوها تبكي، وتضحك، وتغني، وتتكلم، فهل هذه الصورة بهذه المثابة داخلة في لعب عائشة، أو أن صور عائشة لم يوجد فيها هذه المضاهاة لخلق الله، فقد يكون الوجه مطموسًا أصلًا، فليس لها عينان، ولا أنف، ولا أسنان، في هذا خلاف بين أهل العلم في عصرنا.
فمنع من ذلك طائفة من أهل العلم في عصرنا، على رأسهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ (١)، وفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري (٢).
وحجتهم في ذلك:
أن الأصل المنع، وإنما الرخصة جاءت بمثل اللعب التي كانت على زمن عائشة ﵂، فيجب الاقتصار على ما ورد، ويبقى ما عدا ذلك على أصل التحريم، وأما اللعب البلاستيكية فلا تشملها الرخصة الشرعية؛ لشدة مشابهتها، ومضاهاتها لخلق الله، وخروجها عن جنس اللعب التي جاءت الشريعة باستثنائها.
стр. 1377
وذهب آخرون إلى إلحاق العب البلاستيكية باللعب القديمة، من ذلك السيد سابق في كتابه فقه السنة (١)، والشيخ يوسف القرضاوي (٢) وغيرهم.
وحجتهم:
أن الأحاديث التي فيها إذن باتخاذ لعب البنات جاءت مطلقة، ولم تتعرض للقيد صراحة، وأضيف على ذلك بأنه لو طمس الوجه لم يختلف أحد في إباحتها، واختلاف العلماء المتقدمون في لعب البنات إنما هو في صورة لها وجه، ولها يدان، ورجلان، ولذلك قال الإمام أحمد في عصره: قال أبو عبد الله: «فقد يصيرون لها صدرًا، و عينًا، وأنفًا وأسنانًا ... » (٣).
مما يدل أن كلام المتقدمين ليس في صورة لها وجه مطموس، أو صورة من عودين معترضين يشكلان على هيئة مخلوق صغير، ثم يلبس بالقماش، فإن هذا ليس منهيًا عنه مطلقًا في حق الجميع من كبار وصغار، فعندما يقول العلماء المتقدمون: إن لعب الأطفال مخصوصة من النهي فذلك يعني صورة منهيًا عنها، ولا تكون صورة منهي عنها إلا ولها عينان، وأنف، وأسنان، كما أن لها يدين ورجلين، وإلا فما معنى قولهم: إن لعب الأطفال مخصوصة من النهي، إذا كانت ليست على شكل صورة، وإنما هي صورة قد طمس وجهها.
قال القاضي عياض ﵀، وهو يتكلم على حديث: «كنت ألعب بالبنات عند رسول الله ﷺ «قال:» فيه جواز اللعب بهن، وتخصيصهم من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما في ذلك من تدريب النساء في صغرهن على النظر لأنفسهن
стр. 1378
وبيوتهن، وأبنائهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن .... وعلى الجواز بلعب الجواري بهن جمهور العلماء .. » (١).
فقوله: وتخصيصه من الصور المنهي عنها دليل على أنه يتكلم عن صورة منهي عنها، لا عن صورة مأذون فيها، فالصورة التي يتكلمون عليها، وهي الصورة المطموسة الوجه لا أحد يجادل أنه ليس منهيًا عنها أصلًا، ولذلك ذكر شيخنا ابن عثيمين ﵀ للخروج من الشبهة بأن يطمس وجهها - يعني الصورة البلاستيكية- وإذا طمس وجهها أبيحت على كل حال، ولم تكن مخصوصة من النهي، وسوف أسوق كلامه بتمامه إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ ابن حجر: «واستدل بهذا الحديث - يعني: حديث لعب عائشة - على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور» (٢).
فتأمل كلام الحافظ ابن حجر، وقوله: «وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور».
وقال الخطابي: «أرخص لعائشة ﵂؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ» (٣).
فقوله: (أرخص لعائشة) دليل على أنه في حق صورة محرمة، لا في حق وسادة كبيرة خيط في أعلاها وسادة صغيرة، ولا في أعواد ربط بعضها ببعض.
وقال المناوي في فيض القدير: «ويستثنى من تحريم التصوير لعب البنات،
стр. 1379
فيجوز عند المالكية، والشافعية، لورود الترخيص فيه، وشذ بعضهم فمنعها، ورأى أن حلها منسوخ» (١).
وذهب آخرون إلى التوقف عن القول بالتحريم، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين ﵀.
قال في كتابه الشرح الممتع: «قسم من البلاستك، وتكون على صورة الإنسان الطبيعي إلا أنها صغيرة، يكون لها حركة، وقد يكون له صوت، فقد يقول قائل: إنها حرام؛ لأنها دقيقة التصوير، وعلى صورة الإنسان تمامًا، أي ليست صورة إجمالية، ولكن صورة تفصيلية، ولها أعين تتحرك، وقد نقول: إنها مباحة؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات، ولم ينكر عليها النبي ﷺ ، ولكن إذا استدللنا بحديث عائشة، فقد يقول قائل: بأن الصور التي عند عائشة ليست بهذه الصور الموجودة الآن، بينهما فرق عظيم، فمن نظر إلى عموم الرخصة، وأنه قد يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في باب السبق لما ذكر بعض آلات اللهو، قال: إنه يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار؛ لأن طبيعة الصغار اللهو، ولهذا تجد هذه الصور عند البنات الصغار كالبنات حقيقة، كأنها ولدتها، وربما تكون وسيلة لها لتربي أولادها في المستقبل، وتجدها تسميها أيضًا، هذه فلانة، وهذه فلانة، فقد يقول قائل: إنه يرخص لها فيها، فأنا أتوقف في تحريمها في الواقع، لكن يمكن التخلص من الشبهة بأن يطمس وجهها بالنار. اهـ كلام شيخنا ﵀.
والملاحظ أن شيخنا لم يتوقف في إباحتها، بل توقف عن القول بالتحريم، وبينهما فرق، وهذا من فقهه رحمه الله تعالى.
стр. 1380
ولذلك حين وجه للشيخ سؤالان عن هذه اللعب في اللقاء المفتوح معه، لم يشدد فيها. وإليك نص جوابه ﵀.
السؤال الأول: ما حكم اقتناء لعب الأطفال التي على شكل تمثال، من حصان، أو حمار، أو طير، أو غير ذلك؟
الجواب: الألعاب التي يلعب بها الصبيان نتسامح فيها قليلًا؛ لأن عائشة ﵂ كان عندها لعب بنات تلعب بها، ويسامح للصغار ما لم يسامح للكبار، لكن الأفضل في هذه الحالة أن يشتري لهم لعبة من هذه اللعب التي بدأت تصدر حديثًا، وهي ألعاب من القطن، أو من الإسفنج، على شكل آدمي أو على شكل حصان، أو على شكل بعير، إلا أنها ليست بينة، أي: ما فيها أنف بارزة، ولا شفتان، ولا شيء من الأشياء البارزة، يتلهى بها الصبي، وهو أحسن وأحوط. اهـ جوابه ﵀.
وأما السؤال الثاني في اللقاء المفتوح، فجاء فيه:
بالنسبة للعبة الأطفال التي تسمى العروسة، سمعنا أنك أفتيت فيها بالجواز؟
فكان جوابه ﵀: أي نعم، لعب الأطفال، أنا لا أشدد فيها.
أولًا: لأن حديث عائشة (أنها كانت تلعب بالبنات) صحيح ثابت في البخاري وغيره، في عهد الرسول ﵊، لا نعلم أن الصناعة وصلت إلى هذا الحد المعروف الآن. فنقول: ما دام المعنى الذي من أجله أبيح للبنات اللعب، هو موجود الآن حتى في هذه الصور، ولذلك تجد الصبية إذا صار لها بنت من هذه الصور تعتني بها اعتناءً كاملًا، تلبسه الثياب، وتغسله، وتضعه أمام المكيف، وتقول له: يا حلالي، ويا حبيبتي، وما أشبه ذلك، فالحكمة من ذلك اعتياد البنت على تربية أبنائها، فما دامت هذه العلة، فهي
стр. 1381
موجودة، لكن مع ذلك لا نحبذ هذا الشيء، ونقول: من الممكن تأتي بالصورة هذه، وتقلع وجهها بالسكين، وتجعلها شيئًا آخر، وتكون كأنها بنت متغللة عليها غلال واحد. اهـ جوابه.
* * *
стр. 1382
المبحث العاشر
في بيع الحر
[م - ٢٩٧] لا يجوز بيع الحر، وحكاه بعض أهل العلم إجماعًا.
قال النووي: «بيع الحر باطل بالإجماع» (١).
وقال ابن قدامة: «ولا يجوز بيع الحر .... ولا نعلم في ذلك خلافًا» (٢).
(ح-١٨٩) ومستند الإجماع ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره (٣).
ولأن حقيقة البيع: مبادلة مال بمال، والحر ليس بمال، وإنما خلق مالكًا للمال، وفرق بين كونه مالًا وبين كونه مالكًا للمال (٤).
(ح-١٩٠) وأما ما رواه الطحاوي من طريق عبد الرحمن بن عبد الله ابن دينار، قال: حدثني زيد بن أسلم، قال:
لقيت رجلًا بالإسكندرية، يقال له: سرق، فقلت: ما هذا الاسم؟ فقال: سمانيه رسول الله ﷺ ، قدمت المدينة، فأخبرتهم أنه يقدم لي مال، فبايعوني، فاستهلكت أموالهم، فأتوا بي النبي ﷺ ،
стр. 1383
فقال: أنت سرق، فباعني بأربعة أبعرة، فقال له غرماؤه: ما يصنع به؟ قال: أعتقه، قالوا: ما نحن بأزهد في الآخرة منك، فأعتقوني (١).
[فإسناده ضعيف، وقد اختلف في إسناده] (٢).
قال ابن عبد الهادي في التنقيح: «وفي إجماع العلماء على خلافه - وهم لا يجمعون على ترك رواية ثابتة - دليل على ضعفه، أو نسخه إن كان ثابتًا» (٣).
وقد ذهب إلى القول بالنسخ الطحاوي ﵀، فقال في شرح معاني الآثار: «في هذا الحديث بيع الحر في الدين، وقد كان ذلك في أول الإسلام، يبتاع من عليه دين فيما عليه من الدين، إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه،
стр. 1384
حتى نسخ الله ذلك، فقال: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] .... » (١).
وذهب آخرون إلى أن المعنى: أنه باع منافعه، وليس المقصود بأنه باع رقبته؛ لأنه رجل حر، والإجارة تسمى بيعًا بلغة أهل المدينة (٢).
ولا حاجة إلى التأويل، والحديث ضعيف، والإجماع على خلافه.
* * *
стр. 1385
المبحث الحادي عشر
في النهي عن مهر البغي وحلوان الكاهن
البغي: الفاجرة، والبغاء: بكسر الباء الفجور. وفي التنزيل: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور:٢٣].
ومهر البغي: هو أجر الزانية على الزنا.
قال النووي: سماه مهرًا لكونه على صورته (١).
وحلوان بضم الحاء وسكون اللام، مثل غفران: أي العطاء، وهو اسم من حلوته أحلوه.
وقال ابن حجر: «الحلوان: مصدر حلوته حلوانًا: إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلًا بلا كلفة، ولا مشقة، يقال: حلوته: إذا أطعمته الحلو ... » (٢).
وحلوان الكاهن: ما يعطاه الكاهن أجرًا على كهانته.
والكهانة: ادعاء علم الغيب.
[م -٢٩٨] وقد ثبت النهي عن مهر البغي وحلوان الكاهن
قال ابن عبد البر: «من المكاسب المجتمع على تحريمها: الربا، ومهور
стр. 1386
البغايا، والسحت ... وأخذ الأجرة على النياحة، والغناء، وعلى الكهانة .. » (١).
كما حكى ابن عبد البر الإجماع على تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن في التمهيد (٢).
وقال النووي: «قال البغوي ... والقاضي عياض: أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوض عن محرم، ولأنه أكل المال بالباطل ... » (٣).
ومستند الإجماع:
(ح-١٩١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن.
عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن (٤).
وعن الشيخ أبي عمران من علماء المالكية: أن حلوان الكاهن لا يحل له، ولا يرد لمن أعطاه له، بل يكون للمسلمين (٥).
стр. 1387
المبحث الثاني عشر
في بيع أمهات الأولاد
[م - ٢٩٩] ذهب جماهير أهل العلم إلى أن أم الولد لا يجوز بيعها، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، واختيار ابن حزم (١).
وقيل: إن للشافعي قولًا قديمًا بجواز بيعهن (٢).، وكونه لا يوجد في عصرنا أمهات الأولاد فلا أرى الاشتغال بهذه المسألة، والإطالة فيها.
* * *
стр. 1388
المبحث الثالث
عشر في بيع المدبر
[م - ٣٠٠] اختلف العلماء في بيع المدبر.
فقيل: لا يجوز بيع المدبر مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن مالك (١).
وقيل: يجوز بيع المدبر مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (٢).
وقيل: لا يجوز بيعه إلا في دين سابق على التدبير في حياة سيده، وليس عنده ما يجعله في الدين، وأما الدين المتأخر عن التدبير، فلا يباع فيه المدبر في حياة سيده، ويباع فيه بعد موته. وهذا مذهب المالكية (٣).
وقيل: يجوز بيعه إن احتاج إلى ذلك صاحبه، وهو رواية عن أحمد (٤).
стр. 1389
وقد فضلت عدم الإطالة في هذه المسألة؛ لعدم جدواها في العصر الحاضر؛ لعدم وجود الرق في أسواق المسلمين اليوم.
* * *
стр. 1390
الفصل الثاني
البيوع المنهي عنها من أجل الغرر
تمهيد
في تعريف الغرر
الغرر اصطلاحًا (١):
عند العلماء ثلاث تعريفات للغرر:
التعريف الأول:
قيل: الغرر: ما يكون مستور العاقبة.
اختاره السرخسي (٢)، والزيلعي (٣)، من الحنفية، وهو موافق لتفسير الإمام
стр. 1391
مالك ﵀ (١)، واختاره بعض الشافعية (٢)، وابن تيمية من الحنابلة في أحد قوليه (٣). ورجحه الخطابي في معالم السنن.
ومستور العاقبة يشمل أمرين:
الأمر الأول: ما تردد بين الحصول وعدمه.
الأمر الثاني: ما كان مجهول الصفة والمقدار، وإن تحقق حصوله.
يقول مالك ﵀: «الأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر: اشتراء ما في بطون الإناث من النساء والدواب؛ لأنه لا يدرى أيخرج، أم لا يخرج، فإن خرج لم يدر أيكون حسنًا، أو قبيحًا، أم تامًا، أم ناقصًا، أم ذكرًا، أم أنثى، وذلك كله يتفاضل، إن كان على كذا، فقيمته كذا، وإن كان على كذا، فقيمته كذا» (٤).
فهذا نص من الإمام مالك ﵀ أن الغرر: هو ما كان مجهول العاقبة إما للجهل بوجوده، أو للجهل بصفته.
ويقول ابن تيمية ﵀: «الغرر: هو المجهول العاقبة» (٥).
ويقول الخطابي: «أصل الغرر: ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسره ... وكل بيع كان المقصود منه مجهولًا غير معلوم، ومعجوزًا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، مثل أن يبيعه سمكًا في الماء، أو طيرًا في الهواء».
стр. 1392
فجعل الخطابي الغرر شاملًا للأمرين: المجهول، والمعلوم المعجوز عن تسليمه.
القول الثاني:
قيل: الغرر: ما تردد بين الحصول والعدم.
فيدخل فيه ما عجز عن تسليمه. وهذا تعريف الكاساني وابن عابدين من الحنفية، وابن تيمية في أحد قوليه.
وهذا أخص من التعريف الأول؛ لأنه لا يدخل في تعريف الغرر ما كان مجهول الصفة والمقدار، وإن تحقق حصوله.
يقول الكاساني: «الغرر: هو الخطر الذي استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة الشك».
وذكر ابن عابدين أن الغرر: هو الشك في وجوده يعني: المبيع (١).
ويقول ابن تيمية: «الغرر: قد قيل في معناه: هو ما خفيت عاقبته، وطويت مغبته، أو انطوى أمره.
وقيل: ما تردد بين السلامة والعطب، ومعنى هذا: ما كان مترددًا بين أن يسلم للمشتري فيحصل المقصود بالعقد، وبين أن يعطب فلا يحصل المقصود بالعقد، وهذا التفسير أوضح وأبين من الأول، فإن الغرر من التغرير، والمغرر بالشيء: المخاطر، والمخاطر: المتردد بين السلامة والعطب، وهذا هو الذي خفيت عاقبته، فهذا كله يعود إلى سلامة المبيع للمشتري، وحصوله له .. » (٢).
стр. 1393
القول الثالث:
رأي ابن حزم، قال في تعريفه:
«ما عقد على جهل بمقداره، وصفاته» (١).
فلا يدخل عنده ما عجز عن تسليمه، كالعبد الآبق، والبعير الشارد، فإن العبد والبعير معلوما الصفة والمقدار، ولكن وقع الشك في حصولهما، أو وجودهما، ولا يرى ﵀ اشتراط القدرة على التسليم شرطًا في صحة البيع، وقد ناقشت أدلته في فصل سابق، فأغنى عن إعادته هنا (٢).
ومن خلال التعريفات السابقة نرى أن أكملها ما علق الغرر على الأمرين معًا، الجهل بالصفة، أو بالمقدار، والتردد بين حصول الشيء، وبين فواته، وهي المخاطرة، والله أعلم.
* * *
стр. 1394
المبحث الأول
في حكم الغرر
[م - ٣٠١] ذهب عامة العلماء إلى أن الغرر الكثير في عقود المعاوضات المالية، إذا كان ذلك في المعقود عليه أصالة لا تبعًا، ولم تكن هناك حاجة عامة ملحة إليه أن ذلك حرام (١).
واختار ابن سيرين وشريح (٢)، أن الغرر في المعاملات ليس بحرام.
دليل من قال: الغرر الكثير المقصود في العقد دون حاجة عامة حرام .
الدليل الأول:
(ح-١٩٢) ما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة
واشترطنا في الغرر المحرم شروطًا منها:
الشرط الأول:
أن يكون الغرر كثيرًا؛ لأن الغرر اليسير جائز بالإجماع، حكى الإجماع ابن رشد، والقرافي، والنووي (١).
стр. 1398
قال ابن عبد البر: «لا يختلفون في جواز قليل الغرر؛ لأنه لا يسلم منه بيع، ولا يمكن الإحاطة بكل المبيع، لا بنظر، ولا بصفة .. » (١).
ويحاول الباجي وضع ضابط في التفريق بين اليسير والكثير، بأن اليسير: هو ما لا يكاد يخلو منه عقد، والغرر الكثير: ما كان غالبًا في العقد حتى صار العقد يوصف به (٢).
الشرط الثاني:
أن يكون الغرر في عقود المعاوضات المالية؛ لأن الغرر لا يؤثر على الصحيح في عقود التبرعات، وهو مذهب مالك، واختاره ابن تيمية ﵀.
يقول القرافي: «فصل مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة ... وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة ... وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان وواسطة، فالطرفان، أحدهما: معاوضة صرفة، فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة .. وثانيهما: ما هو إحسان صرف، لا يقصد به تنمية المال، كالصدقة والهبة .. فإن هذه التصرفات إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه؛ لأنه لم يبذل شيئًا، بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، إما الإحسان الصرف، فلا ضرر فيه، فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان، التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعًا، وفي المنع من ذلك، وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له بعيره الشارد، جاز أن يجده، فيحصل له ما ينتفع
стр. 1399
به، ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئًا .... وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح، فهو من جهة أن المال فيه ليس مقصودًا ..... ومن جهة أن صاحب الشرع اشترط فيه المال بقوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ﴾ [النساء:٢٤] يقتضي امتناع الجهالة والغرر ... » (١).
واختار ابن تيمية مذهب مالك، في أن الغرر يؤثر في عقود المعاوضات دون عقود التبرعات.
الشرط الثالث:
أن يكون الغرر في المعقود عليه أصالة؛ لأن الغرر في التابع مغتفر، عملًا بالقاعدة الفقهية: «يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره».
ولذلك صح بيع الحمل مع الشاة، ولا يصح إفراد الحمل بالبيع، وصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تبعًا للشجرة، ولا يصح إفراد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بالعقد، وهكذا.
ويقول ابن تيمية: «يجوز من الغرر اليسير ضمنًا وتبعًا ما لا يجوز في غيره» (٢).
الشرط الرابع:
ألا يكون هناك حاجة عامة، فإن كانت هناك حاجة عامة إلى المعاملة أبيحت المعاملة، وإن كان فيها غرر.
يقول ابن تيمية: «مفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من كونه غررًا، مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع،
стр. 1400
وإن لم يعلم مقدار الحمل، أو اللبن، وإن كان قد نهي عن بيع الحمل منفردًا، وكذلك اللبن عند الأكثرين .. » (١).
وابن تيمية، وإن مثل لقاعدته في الغرر التابع، والغرر اليسير؛ لأن ابن تيمية من عادته إذا ساق الأمثلة، اختار من الأمثلة ما لا نزاع فيه، ولكن العبرة بالقاعدة التي ساقها ابن تيمية، فإنه رخص في الغرر إذا دعت إليه الحاجة، والغرر الذي تبيحه الحاجة أعم من الغرر اليسير أو التابع، فهذان يباحان مع قيام الحاجة، وبدونها.
ويقول ابن تيمية أيضًا: «من أصول الشرع، أنه إذا تعارض المصلحة، والمفسدة قدم أرجحهما، فهو إنما نهى عن بيع الغرر، لما فيه من المخاطرة التي تضر بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ذلك، فلا يمنعهم الضرر اليسير، بوقوعهم في الضرر الكثير، بل يدفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما، ولهذا لما نهاهم عن المزابنة، لما فيها من نوع ربا، أو مخاطرة، أباحها لهم في العرايا للحاجة؛ لأن ضرر المنع من ذلك أشد، وكذلك لما حرم عليهم الميتة؛ لما فيها من خبث التغذية، أباحها لهم عند الضرورة؛ لأن ضرر الموت أشد، ونظائره كثيرة ... » (٢).
ويقول ابن تيمية أيضًا: «وإذا كانت مفسدة بيع الغرر، هي كونه مظنة العداوة، والبغضاء، وأكل الأموال بالباطل، فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة، قدمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام، والإبل لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض، وإن لم يجز غيره بعوض» (٣).
стр. 1401
وهذه المفاسد التي ساقها ابن تيمية في عقد الغرر من كونه مظنة العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل إنما توجد في الغرر الكثير، وليس في الغرر اليسير أو التابع، ومع ذلك رأى ابن تيمية أن المصلحة الراجحة إذا عارضت تلك المفاسد فإنها مقدمة عليها.
ويقول ابن تيمية أيضًا: «والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه من ذلك» (١).
ويقول ابن تيمية أيضًا: «المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم» (٢).
وهذا يدل على أن المعاملة المالية قد يتنازعها موجبان: أحدهما يدعو إلى التحريم، وهو وجود الغرر، والآخر يدعو إلى الإباحة، وهو قيام الحاجة العامة الملحة، وتكون للأقوى منهما.
ويقول الشيخ الصديق الضرير في كتابه القيم الغرر وأثره في العقود:
«يشترط لتأثير الغرر في العقد ألا يكون الناس في حاجة إلى ذلك العقد، فإن كانت هناك حاجة إلى العقد لم يؤثر الغرر مهما كانت صفة الغرر، وصفة العقد؛ لأن العقود كلها شرعت لحاجة الناس إليها، ومن مبادئ الشريعة العامة المجمع عليها، رفع الحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ومما لا شك فيه أن منع الناس من العقود التي هم في حاجة إليها، يجعلهم في حرج، ولهذا كان من عدل الشارع، ورحمته بالناس، أن أباح لهم العقود التي يحتاجون إليها، ولو كان فيها غرر» (٣).
стр. 1402
ويقول أخونا الشيخ خالد المصلح: «ألا تدعو إلى الغرر حاجة عامة، فإن الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورات .... فإذا دعت حاجة الناس إلى معاملة فيها غرر لا تتم إلا به فإنه يكون من الغرر المعفو عنه ... » (١).
إذا عرفنا ذلك استطعنا أن نميز بين الغرر الجائز، والغرر المحرم:
فالغرر الكثير الذي لا تدعو إليه حاجة عامة حرام، وما عداه حلال.
فيدخل في الحلال الغرر اليسير، والغرر التابع ولو كان كثيرًا، والغرر الكثير إذا دعت إليه حاجة عامة.
دليل ابن سيرين على جواز بيع الغرر .
لم أقف على دليله، ولعله لم يبلغه النهي، ويمكن أن يستدل له بأن الغرر إذا كان هو المخاطرة، فإن البيع والشراء فيه مخاطرة بطبيعته، فالربح فيه غير مضمون، وهو دائر بين الربح والخسارة، وكم من رجل لحقته الديون الكثيرة بسبب التجارة، والله أعلم.
وعلى كل حال لو صح أن هذا دليل ابن سيرين ﵀، فإنه نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
والمخاطرة ليست كلها محرمة، ولا كلها جائزة،
قال ابن تيمية: «أما المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة، بل قد علم أن الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة» (٢).
وقال أيضًا: «الخطر خطران: خطر التجارة، وهو أن يشتري السلعة بقصد أن
стр. 1403
يبيعها بربح، ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لا بد منه للتجار ... فالتجارة لا تكون إلا كذلك، والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل أموال الناس بالباطل، فهذا الذي حرمه الله ورسوله ... » (١).
стр. 1404
المبحث الثاني
في البيوع التي نهي عنها من أجل الغرر
قال ابن عبد البر: «بيوع الغرر لا يحاط بها، ولا تحصى» (١).
وإذا كنا نقول: إن الغرر يرجع إلى سببين: إما الجهالة، أو عدم القدرة على التسليم، أمكن لنا أن نقسم الغرر إلى قسمين:
منه ما يرجع إلى الجهل بذات المعقود عليه، سواء كان جهلًا بذاته جنسًا، أو نوعًا، أو صفة، أو جهلًا في أجله بحيث لا يعرف له زمن معين ينتهي عنده.
ومنها ما يرجع إلى عدم القدرة على التسليم.
وزاد بعض أهل العلم من المعاصرين: الغرر بسبب صيغة العقد.
كبيعتين في بيعة وبيع الحصاة، وبيع المنابذة، والملامسة، والعقد المعلق والعقد المضاف (٢).
وعند التأمل أرى أن هذا القسم يرجع إلى الجهالة، وهو ظاهر في بيع الحصاة والمنابذة، والملامسة.
* * *
стр. 1405
الفرع الأول
الغرر بسبب الجهالة
[م -٣٠٢] سبق لنا عند الكلام على أركان البيع كلام أهل العلم في اشتراط أن يكون المعقود عليه معلومًا، والعلم بالمعقود عليه من ثمن أو مثمن ينفي وجود الجهالة فيهما، وقد وعدنا القارئ هناك بأننا في باب البيوع المنهي عنها سوف نتعرض لبعض البيوع المختلف فيها، هل مثلها يعتبر المعقود عليها معلومًا، فلا تدخل في بيع المجهول، أو مثلها يجعل المعقود عليه مجهولًا، وبالتالي يؤدي إلى إبطال العقد، هذا إن شاء الله ما سوف نحاول بحول الله وقوته في هذا الفصل أن نجيب عليه، ومن هذه المسائل:
(١) بيع الغائب. (٢) بيع اللبن في الضرع. (٣) بيع الحمل في البطن. (٤) بيع الصوف على الظهر. (٥) بيع المغيبات في الأرض. (٦) بيع ما مأكوله في جوفه. (٧) بيع شاة غير معينة من القطيع. (٨) بيع النوى في التمر. (٩) بيع المسك في فأرته (١٠) بيع الملامسة والمنابذة (١١) بيع الحصاة