وهذه المفاسد التي ساقها ابن تيمية في عقد الغرر من كونه مظنة العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل إنما توجد في الغرر الكثير، وليس في الغرر اليسير أو التابع، ومع ذلك رأى ابن تيمية أن المصلحة الراجحة إذا عارضت تلك المفاسد فإنها مقدمة عليها.
ويقول ابن تيمية أيضًا: «والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه من ذلك» (١).
ويقول ابن تيمية أيضًا: «المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم» (٢).
وهذا يدل على أن المعاملة المالية قد يتنازعها موجبان: أحدهما يدعو إلى التحريم، وهو وجود الغرر، والآخر يدعو إلى الإباحة، وهو قيام الحاجة العامة الملحة، وتكون للأقوى منهما.
ويقول الشيخ الصديق الضرير في كتابه القيم الغرر وأثره في العقود:
«يشترط لتأثير الغرر في العقد ألا يكون الناس في حاجة إلى ذلك العقد، فإن كانت هناك حاجة إلى العقد لم يؤثر الغرر مهما كانت صفة الغرر، وصفة العقد؛ لأن العقود كلها شرعت لحاجة الناس إليها، ومن مبادئ الشريعة العامة المجمع عليها، رفع الحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ومما لا شك فيه أن منع الناس من العقود التي هم في حاجة إليها، يجعلهم في حرج، ولهذا كان من عدل الشارع، ورحمته بالناس، أن أباح لهم العقود التي يحتاجون إليها، ولو كان فيها غرر» (٣).
стр. 1402
ويقول أخونا الشيخ خالد المصلح: «ألا تدعو إلى الغرر حاجة عامة، فإن الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورات .... فإذا دعت حاجة الناس إلى معاملة فيها غرر لا تتم إلا به فإنه يكون من الغرر المعفو عنه ... » (١).
إذا عرفنا ذلك استطعنا أن نميز بين الغرر الجائز، والغرر المحرم:
فالغرر الكثير الذي لا تدعو إليه حاجة عامة حرام، وما عداه حلال.
فيدخل في الحلال الغرر اليسير، والغرر التابع ولو كان كثيرًا، والغرر الكثير إذا دعت إليه حاجة عامة.
دليل ابن سيرين على جواز بيع الغرر .
لم أقف على دليله، ولعله لم يبلغه النهي، ويمكن أن يستدل له بأن الغرر إذا كان هو المخاطرة، فإن البيع والشراء فيه مخاطرة بطبيعته، فالربح فيه غير مضمون، وهو دائر بين الربح والخسارة، وكم من رجل لحقته الديون الكثيرة بسبب التجارة، والله أعلم.
وعلى كل حال لو صح أن هذا دليل ابن سيرين ﵀، فإنه نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
والمخاطرة ليست كلها محرمة، ولا كلها جائزة،
قال ابن تيمية: «أما المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة، بل قد علم أن الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة» (٢).
وقال أيضًا: «الخطر خطران: خطر التجارة، وهو أن يشتري السلعة بقصد أن
стр. 1403
يبيعها بربح، ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لا بد منه للتجار ... فالتجارة لا تكون إلا كذلك، والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل أموال الناس بالباطل، فهذا الذي حرمه الله ورسوله ... » (١).
стр. 1404
المبحث الثاني
في البيوع التي نهي عنها من أجل الغرر
قال ابن عبد البر: «بيوع الغرر لا يحاط بها، ولا تحصى» (١).
وإذا كنا نقول: إن الغرر يرجع إلى سببين: إما الجهالة، أو عدم القدرة على التسليم، أمكن لنا أن نقسم الغرر إلى قسمين:
منه ما يرجع إلى الجهل بذات المعقود عليه، سواء كان جهلًا بذاته جنسًا، أو نوعًا، أو صفة، أو جهلًا في أجله بحيث لا يعرف له زمن معين ينتهي عنده.
ومنها ما يرجع إلى عدم القدرة على التسليم.
وزاد بعض أهل العلم من المعاصرين: الغرر بسبب صيغة العقد.
كبيعتين في بيعة وبيع الحصاة، وبيع المنابذة، والملامسة، والعقد المعلق والعقد المضاف (٢).
وعند التأمل أرى أن هذا القسم يرجع إلى الجهالة، وهو ظاهر في بيع الحصاة والمنابذة، والملامسة.
* * *
стр. 1405
الفرع الأول
الغرر بسبب الجهالة
[م -٣٠٢] سبق لنا عند الكلام على أركان البيع كلام أهل العلم في اشتراط أن يكون المعقود عليه معلومًا، والعلم بالمعقود عليه من ثمن أو مثمن ينفي وجود الجهالة فيهما، وقد وعدنا القارئ هناك بأننا في باب البيوع المنهي عنها سوف نتعرض لبعض البيوع المختلف فيها، هل مثلها يعتبر المعقود عليها معلومًا، فلا تدخل في بيع المجهول، أو مثلها يجعل المعقود عليه مجهولًا، وبالتالي يؤدي إلى إبطال العقد، هذا إن شاء الله ما سوف نحاول بحول الله وقوته في هذا الفصل أن نجيب عليه، ومن هذه المسائل:
(١) بيع الغائب. (٢) بيع اللبن في الضرع. (٣) بيع الحمل في البطن. (٤) بيع الصوف على الظهر. (٥) بيع المغيبات في الأرض. (٦) بيع ما مأكوله في جوفه. (٧) بيع شاة غير معينة من القطيع. (٨) بيع النوى في التمر. (٩) بيع المسك في فأرته (١٠) بيع الملامسة والمنابذة (١١) بيع الحصاة
стр. 1406
(١٢ - ١٦) البيع بسعر السوق، أو بما ينقطع به السعر، أو بما يبيع به فلان، أو البيع بالرقم. (١٧) البيع بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة،، (١٨) بيع عسب الفحل. (١٩)، الثنيا غير المعلومة، (٢٠) بيع ضربة الغائص. (٢١) عقد التأمين.
* * *
стр. 1407
المطلب الأول
في بيع الغائب
المسألة الأولى
المقصود ببيع الغائب وعلاقته بالغرر
علاقة بيع الغائب بالغرر:
الفقهاء الذين منعوا بيع الشيء قبل رؤيته، إنما حملهم على ذلك الخوف من الوقوع في الغرر الكثير.
وأما المقصود في بيع الغائب
فيقال: المبيع الغائب تارة يتعلق بالذمة، بحيث يكون البيع متوجهًا إلى سلعة غير معينة موصوفة في الذمة، فيكون هذا من قبيل بيع السلم، حالًا كان أو مؤجلًا. وهذا ليس هو المقصود في الباب هنا. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
وتارة يكون البيع متوجهًا إلى سعلة معينة، فلا يقال: بأنه سلم، ولكن يقال له غائب، وهذا الغائب، إما أن يكون قد شاهده البائع، ولم يمض على الرؤية وقت يخشى عليه من التغير، أو يكون موصوفًا لم يره المشتري، وإنما وصف له، أو يباع له بدون رؤية ولا صفة، وهذا هو المقصود في هذا البحث، وهو بيع سلعة معينة غائبة، تارة بلا رؤية ولا صفة، وتارة عن طريق الوصف بدون رؤية، والله أعلم.
стр. 1408
المسألة الثانية
في بيع العين الغائبة بلا رؤية ولا صفة
[م - ٣٠٣] إذا باع الرجل سلعته بلا وصف ولا رؤية، فقد اختلف العلماء في صحة هذا البيع على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح البيع، وله الخيار مطلقًا إذا رآه، سواء اشترط الخيار أم لا، وهذا مذهب الحنفية (١). وقول مرجوح في مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد نقلها حنبل، واختارها ابن تيمية في موضع من كلامه (٣).
القول الثاني:
يصح البيع بلا صفة، ولا رؤية، بشرط أن يجعل للمشتري الخيار إذا رآه، وهذا مذهب المالكية (٤).
والفرق بين مذهب الحنفية والمالكية: أن الحنفية أثبتوا للمشتري خيار الرؤية بدون شرط، والمالكية اشترطوا لصحة البيع اشتراط المشتري خيار الرؤية.
القول الثالث:
لا يجوز البيع بغير صفة، ولا رؤية متقدمة، وهذا اختيار القاضي أبو محمد
стр. 1409
البغدادي من المالكية (١)، وهو الأظهر في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
فصارت الأقوال ثلاثة:
يصح مطلقًا وله خيار الرؤية إذا رآه سواء اشترط الخيار أو لم يشترطه.
لا يصح مطلقًا. وهذان القولان متقابلان.
يصح إن اشترط المشتري له الخيار إذا رآه، وإن لم يشترط الخيار فلا يصح.
وسوف نذكر أدلة هذا القول مع أدلة المسألة التالية لتداخلهما.
* * *
стр. 1410
المسألة الثالثة
في بيع العين الغائبة عن طريق الوصف
[م-٣٠٤] إذا باع سلعة معينة غائبة عن طريق الوصف، فهل يصح البيع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يصح مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (١)،
والمالكية (٢)، والقول القديم
стр. 1411
للشافعية (١). وقال ابن تيمية في موضع: هو أعدل الأقوال (٢).
القول الثاني:
لا يصح بيع السلع المعينة إلا عن طريق رؤيتها، وهو الجديد في مذهب الشافعي، وعليه الفتوى (٣).
القول الثالث:
يصح البيع بالوصف إذا كانت السلع مما يصح السلم فيها، بحيث تكون السلعة مما يمكن ضبطها بالوصف، فما لا يصح السلم فيه، لا يصح بيعه بالصفة، وهذا مذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: يصح البيع بلا وصف ولا رؤية متقدمة .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
стр. 1412
وجه الاستدلال:
مطلق الآية يشمل المبيع بالوصف والرؤية، والمبيع بدونهما، فتبقى الآية على إطلاقها إلا بيعًا منع منه كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا يوجد شيء من ذلك في مسألتنا.
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن إطلاق الآية مخصوص بحديث أبي هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، وعدم رؤية المبيع جهالة به، والغرر فيها ظاهر.
ورد الحنفية:
بأن الجهالة في المبيع ليست كلها تؤدي إلى إبطال البيع، فالجهالة هنا لا تفضي إلى المنازعة؛ لأننا نثبت للمشتري الخيار إذا رأى المبيع، فإذا لم يوافقه رده، وإن قبل المبيع بعد رؤيته لم يكن هناك ضرر عليه (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٩٣) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش- عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم.
عن مكحول رفعه قال: إذا اشترى الرجل الشيء، ولم ينظر إليه غائبًا عنه، فهو بالخيار إذا نظر إليه، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك (٢).
[مرسل على ضعف في إسناده] (٣).
стр. 1413
قال النووي: «حديث ضعيف باتفاق المحدثين، وضعفه من وجهين:
أحدهما: أنه مرسل؛ لأن مكحولًا تابعي. والثاني: أن أحد رواته ضعيف» (١).
الدليل الثالث:
(ث-٢٧) ما رواه الطحاوي من طريق هلال بن يحيى بن مسلم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن رباح بن أبي معروف المكي، عن ابن أبي مليكة،
عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان ابن عفان مالًا، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، وكان المال بالكوفة. فقال عثمان: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أر. فقال طلحة: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم
стр. 1414
أر، فحكما بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
هذا الأثر يدل على أن عثمان قد باع مالًا له لم يره، والغالب أن عثمان لا يمكن أن يصف مالًا له لم يره، فهو دليل على صحة بيع المال من غير صفة ولا رؤية.
ويجاب عنه بأجوبة:
الأول: أنه ضعيف الإسناد، والحجة إنما تكون فيما صح إسناده.
الثاني: قال النووي: «والجواب عن قصة عثمان، وطلحة، وجبير بن مطعم أنه لم ينتشر ذلك في الصحابة ﵃، والصواب عندنا أن قول الصحابة ليس بحجة إلا أن ينتشر من غير مخالفة» (٣).
ورد هذا الجواب: بأن دعوى أن القول لم ينتشر بين الصحابة تحتاج إلى دليل، فلو صح لكان حجة عند من يرى أن قول الصحابي حجة؛ لأن هؤلاء ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ بينهم عثمان ﵁، وهو خليفة راشد، له سنة متبعة، ولكن ذلك لم يصح، ويبقى الاستدلال بأثر عبد الله بن عمر وعبد الله بن بحينة كما في الدليل الآتي وهو أقوى من الاستدلال بأثر عثمان مع طلحة، والله أعلم.
стр. 1415
الدليل الرابع:
(ث-٢٨) روى الطحاوي من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني سالم،
أن عبد الله بن عمر ﵁ ركب يومًا مع عبد الله بن بحينة ... وهو من أصحاب النبي ﷺ إلى أرض له بريم، فابتاعها منه عبد الله بن عمر ﵄، على أن ينظر إليها، وريم من المدينة على قريب من ثلاثين ميلًا (١).
وجه الاستدلال:
هذا الأثر صحيح عن ابن عمر، وقد اشترى ما لم يره، ورأى ذلك جائزًا، وعبد الله بن عمر ﵁ من فقهاء الصحابة ﵃.
وقد يقال: الأثر صريح بأنه اشترى المال من غير رؤية؛ لاشتراطه خيار الرؤية، ولكنه لم يتعرض للوصف، فهو لم يثبت الوصف ولم ينفه، فقد يكون اشتراها عن طريق الوصف، والكلام على صحة البيع من غير وصف ولا رؤية.
الدليل الخامس:
القياس على بيع الرمان، والجوز، وما كان مأكوله في جوفه، فإذا جاز بيعه، وهو مستتر لا يمكن رؤيته، جاز بيع الشيء قبل رؤيته.
وأجيب عن هذا الدليل:
بأن ظاهر الرمان والجوز يقوم مقام باطنهما في الرؤية، كصبر الحنطة، ولأن في استتار باطنها مصلحة لها، كأساس الدار بخلاف بيع الغائب (٢).
стр. 1416
الدليل السادس:
القياس على عقد النكاح، فإذا كان يجوز عقد النكاح، ولو لم ير الرجل المرأة، فكذلك البيع.
ويمكن أن يقال: بأن عقد النكاح يخالف البيع، ولذلك يشترط في النكاح ما لا يشترط في البيع، والعكس صحيح، فليس في النكاح خيار، بخلاف البيع، والمقصود من النكاح، وهو الاستمتاع لا يمكن رؤيته قبل الزواج، ويمكن تجربة المبيع بخلاف النكاح، إلى غير ذلك من الفروق، وإذا ثبت الفرق لم يصح القياس.
دليل من صحح البيع عن طريق الوصف فقط ولو لم ير المبيع .
الدليل الأول:
(ح-١٩٤) روى البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل،
عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال النبي ﷺ : لا تباشر المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ جعل الوصف للمرأة يقوم مقام الرؤية، وهذا دليل على أن وصف الشيء يقوم مقام رؤيته.
الدليل الثاني:
استدلوا على صحة بيع الموصوف بصحة شراء الأعمى، فإن الأعمى إنما يشتري ويبيع بالوصف، قال الكاساني: «الإجماع فإن العميان في كل زمان من
стр. 1417
لدن رسول الله ﷺ لم يمنعوا من بياعاتهم وأشريتهم، بل بايعوا في سائر الأعصار من غير إنكار» (١).
قلت: سيأتي تحرير الخلاف في مسألة شراء الأعمى إن شاء الله تعالى، والراجح صحة شرائه، والله أعلم.
الدليل الثالث:
القياس على بيع السلم، فكما أنه لا يصح بيع السلم، إلا إذا كان يمكن ضبطه بالصفة، فكذلك غيره من السلع.
ويجاب:
هناك فرق بين بيع الغائب وبيع السلم، فالسلم يشترط فيه أن يكون واجبًا في الذمة، والمبيع الغائب لا يشترط فيه ذلك، وقد يكون المبيع في السلم معدومًا عند العقد، ولا يجوز هذا في بيع المعين الغائب، ولأن الجهالة في السلم تفضي إلى المنازعة، وأما الجهالة في بيع الغائب فلا تؤدي إلى ذلك لثبوت الخيار فيه بعد الرؤية.
الدليل الرابع:
الجهل في صفات المبيع كالجهل بذاته، فيفضي عدم ذكر صفاته إلى الجهالة، والجهالة في المبيع تفسد البيع.
وسبق الجواب على ذلك بأن الجهالة إذا كانت لا تؤدي إلى المنازعة لم تفسد العقد.
الدليل الخامس:
بذل العوض في مقابل السلعة لا يمكن تقديره إلا عن طريق رؤية السلعة، أو
стр. 1418
معرفة صفتها، وإذا بيعت السلعة بدون وصف ولا رؤية كيف يمكن تقدير العوض خاليًا من النقص أو الغبن.
ويجاب:
بأننا عالجنا هذا في ثبوت الخيار للمشتري، فإذا شعر بالغبن كان له فسخ البيع.
دليل من قال: لا يجوز بيع الموصوف مطلقًا بغير رؤية .
الدليل الأول:
(ح-١٩٥) روى مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١).
والغرر: هو المستور العاقبة، وهذا متحقق في بيع الغائب، فيدخل في عموم النهي.
وأجيب:
بأن النهي عن بيع الغرر إنما هو لدفع الضرر عن التغرير بالمشتري، ولا ضرر في بيع الغائب؛ لأنه إنما يلزم الضرر لو لم يثبت له الخيار عند الرؤية، وأما إذا ثبت له الخيار فقد حفظ حقه.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٦) ما رواه أحمد من طريق يونس، عن يوسف بن ماهك،
عن حكيم بن حزام، قال، قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق، فقال: لا تبع ما ليس عندك (٢).
стр. 1419
[منقطع يوسف لم يسمعه من حكيم] (١).
وجه الاستدلال:
بيع الغائب بيع شيء غير موجود عند الإنسان حال العقد، فيكون داخلًا في عموم النهي الوارد به الحديث.
ونوقش هذا الاستدلال:
سيأتينا الكلام على حديث حكيم بن حزام، وبيان المراد منه في مسألة تالية، وخلاف العلماء في ذلك، وبيان أن حكيم بن حزام كان يبيع شيئًا لم يملكه بعد، فقد يحصل عليه في السوق، وقد لا يحصل عليه، فالأمر يتعلق في القدرة على تسليم المبيع، والذي هو شرط من شروط البيع، وأما بيع الغائب فهو في ملك البائع قد استقر ملكه عليه، فافترقا.
الدليل الرابع:
النهي عن بيع المنابذة والملامسة.
(ح-١٩٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة (٢).
وجه الاستدلال:
نهى الحديث عن بيع الملامسة والمنابذة، وهما بيع للسلعة بمجرد اللمس والنبذ، دون رؤية أو تقليب، فدل على وجوب رؤية المبيع.
стр. 1420
واعترض على هذا الاستدلال:
بأن النهي ليس لعدم رؤية المبيع؛ لأن هذا البيع إنما هو بيع عين حاضرة، وليس من بيع الغائب بشيء، وإنما هذه بيوع كانت في الجاهلية لازمة للمتعاقدين بمجرد اللمس والنبذ، فهو نوع من بيوع القمار، وقد فسره راوي الحديث، وتفسيره أولى بالقبول.
(ح-١٩٨) فقد روى البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد،
أن أبا سعيد ﵁ أخبره، أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل، قبل أن يقلبه، أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه (١).
دليل الحنابلة على جواز بيع الغائب إذا كان يصح السلم فيه .
أن ما لا يصح السلم فيه، لا يمكن ضبطه بالصفة؛ لتفاوت آحاده تفاوتًا يختلف معه الثمن اختلافًا ظاهرًا، فيفضي ذلك إلى التنازع، فلا يصح بيعه بالصفة، وأما ما يصح السلم فيه، فإنه يمكن أن تنضبط صفاته، لكون آحاده لا تفاوت بينها، فيصح بيعه بالصفة.
الراجح من الخلاف:
هذه المسألة مهمة جدًا لوقوع التجار فيها، وأحيانًا لو انتظر المشتري ليرى السلعة فقد تفوته الصفقة، لكثرة الطلب عليها، والذي أحبه في المعاملات، خاصة في المسائل التي لم يرد فيها نص صريح، أن ينظر إلى مقاصد الشريعة في إباحتها ومنعها، فمن مقاصد الشريعة في المعاملات: إقامة العدل بين الناس،
стр. 1421
ومنع الظلم، ودفع الغرر الكثير، وإغلاق كل باب يؤدي إلى التنازع والتباغض، ومفسدة الغرر أخف من مفسدة الربا، فلذلك رخص في الغرر فيما تدعو إليه الحاجة منه، كما رخص في اليسير، وفي الشيء غير المقصود والذي يدخل تبعًا.
إذا عرفنا هذا يمكننا أن نقول: إن بيع الغائب إن وقع بلا وصف، ولا رؤية، فهو بيع جائز فيما أرى، ولكنه غير لازم، فللمشتري الخيار مطلقًا إذا رأى السلعة، وهنا نكون قد حققنا المصلحة لكل من المتعاقدين مصلحة البائع ومصلحة المشتري من غير لحوق ضرر فيهما، ودفعنا خوف الوقوع في الغرر، بكون البيع لا يلزم إلا إذا رأى المبيع.
وكون المشتري يشترط الخيار في العقد أحب إلي، خوفًا من الاختلاف، أو من قول: إن الخيار لا يثبت إلا بالنص الشرعي، كخيار المجلس، أو بالعرف، أو باشتراط، فإذا اشترط له الخيار قطع النزاع.
وأما إذا اشترى البضاعة بالوصف، فإن كان الوصف مطابقًا لم يكن للمشتري الخيار إلا بعرف، أو شرط، ويكون البيع لازمًا، فإن وجد الصفة غير مطابقة فللمشتري الخيار بين القبول، أو الرد، وإذا تنازعا، فالبائع يدعي أن الصفة مطابقة للموصوف، والمشتري يدعي عدم المطابقة، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه غارم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الخيار فصل مستقل في اختلاف المتبايعين، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
وأضعف الأقوال قول الشافعية، والذين يشترطون رؤية المبيع.
[م-٣٠٥] ومما يكثر في عصرنا الحاضر، وله دخل في هذه المسألة: شراء رقعة الأرض من خلال معرفة موقعها من المخطط الهندسي، وذلك بمعرفة
стр. 1422
مساحتها، وهل هي على شارع أو على أكثر، دون الوقوف على الأرض على الطبيعة.
فإن قلنا: يصح بيع الغائب بلا صفة ولا رؤية، صح البيع بلا إشكال.
وإن قلنا: يشترط ذكر صفاته، صح البيع إن عرفت الصفات المقصودة في الأرض، وذلك بمعرفة موقع الأرض، وشوارعها المحيطة بها، وبعدها وقربها من المدينة، ووصول الخدمات إليها من كهرباء وماء وتلفون، وطبيعة الأرض هل هي جبلية أو رملية، مستوية أو غير مستوية، وكل وصف مؤثر في السعر.
وإن قلنا: لا يصح بيع الغائب مطلقًا، ولو كانت موصوفة لم يصح بيع الأرض من واقع المخطط فقط.
* * *
стр. 1423
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد الرابع
стр. 1424
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 1425
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٤)
стр. 1426
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،،
فهذا هو المجلد الرابع من عقد البيع، وقد تناولت في المجلدات الثلاثة السابقة: الباب الأول: وكان يعنى بدارسة المال وبيان أنواعه.
والباب الثاني: وكان يعنى بدراسة حكم البيع، وبيان أركانه.
والباب الثالث: وكان يعنى بدراسة صيغ التعاقد (أحكام الإيجاب والقبول).
والباب الرابع، وكان يعنى بالشروط المتعلقة بالعاقدين.
والباب الخامس، وكان يعنى بأحكام المعقود عليه (المبيع والثمن).
وكنت قد تناولت جزءًا من مباحث الباب السادس، والذي يعنى بدراسة موانع البيع، (البيوع المنهي عنها)، ولم نستكمل مباحثه، وهذا المجلد بكامله سوف يخصص إن شاء الله تعالى لبحث بعض مسائل هذا الباب، وكان آخر ما تطرقت إليه في المجلد السابق البيوع المنهى عنها من أجل الغرر، (الغرر بسبب الجهالة) والمسائل التالية هي استكمال لهذا الجزء من هذا الباب، ونتناول معه أيضًا البيوع المنهي عنها من أجل الضرر، والبيوع المنهي عنها من أجل القمار، وستكون خطة البحث فيه إن شاء الله تعالى على النحو التالي:
стр. 1427
المسألة الرابعة: في بيع الأعمى وشرائه
المسألة الخامسة: في بيع المغيبات في الأرض
المسألة السادسة: في بيع ما مأكوله في جوفه.
المسألة السابعة: في بيع أسهم الشركات المساهمة
المطلب الثاني: في بيع الأنموذج:
المطلب الثالث: في حكم البوفيه المفتوح:
المطلب الرابع: في بيع اللبن في الضرع:
المطلب الخامس: بيع الحمل في البطن:
المسألة الأولى: بيع الحيوان واستثناء ما في بطنه
المسألة الثانية: بيع الحيوان بشرط الحمل:
المطلب السادس: في بيع الصوف علي الظهر
المطلب السابع: في بيع شاة غير معينة من قطيع أو ثوب من الثياب
المطلب الثامن: في بيع النوى في التمر
المطلب التاسع: في بيع المسك في فأرته
المطلب العاشر: في بيع المنابذة والملامسة
المطلب الحادي عشر: في بيع الحصاة
المطلب الثاني عشر: في النهي عن بيع عسب الفحل
المسألة الأولى: في تعريف عسب الفحل وعلاقته ببيع الغرر
المسألة الثانية: خلاف العلماء في النهي عن بيع عسب الفحل
стр. 1428
المطلب الثالث عشر: بيع ضربة الغائص
المسألة الأولى: تعريف ضربة الغائص
المسألة الثانية: في حكم بيع ضربة الغائص وقنص الصائد
المطلب الرابع عشر: الثنيا المجهولة في البيع
مسألة: في بيع الصبرة من الطعام واستثناء جزء معلوم منه
المطلب الخامس عشر: في عقد التأمين
تمهيد: في تعريف التأمين وعلاقته ببيع الغرر
المسألة الأولى: عناصر عقد التأمين
المسألة الثانية: خصائص عقد التأمين التجاري
المسألة الثالثة: في أنواع التأمين التجاري
المسألة الرابعة: حكم التأمين التجاري
المسألة الخامسة: في التأمين الاجتماعي (نظام التقاعد)
المسألة السادسة: في التأمين التعاوني
الحكم الأول: في تعريف التأمين التعاوني وبيان أقسامه
الحكم الثاني: في حكم التأمين التعاوني
الفرع الثاني: الغرر بسبب عدم القدرة على عدم التسليم
المطلب الأول: خلاف العلماء في بيع الضال والمفقود.
المطلب الثاني: في بيع السمك في الماء
المطلب الثالث: بيع المعدوم
стр. 1429
المطلب الرابع: في بيع المغصوب
المسألة الأولى: بيع المغصوب على غاصبه
المسألة الثانية: بيع المغصوب على غير غاصبه
المطلب الخامس: بيع ما ليس عند البائع
الفصل الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن بيع ما ليس عند البائع
الفصل الثاني: خلاف العلماء في تفسير حديث (لا تبع ما ليس عندك)
الفصل الثالث: في بيع مالا يملكه البائع
المبحث الأول: أن يبيعه سلعة ليست عنده موصوفة في ذمته
الفرع الأول: أن يكون المبيع حالًا
الفرع الثاني: أن يكون المبيع مؤجلا
المبحث الثاني: في بيع الرجل سلعة معينة لا يملكها
الفرع الأول: أن يبيع ملك غيره لحظ مالكه
الفرع الثاني: أن يبيع ملك غيره لحظ نفسه
المطلب السادس: في النهى عن القمار
المسألة الأولى: تعريف القمار وعلاقته بالغرر
المسألة الثانية: في حكم القمار
المسألة الثالثة: الحكمة من تحريم القمار
المسألة الرابعة: المعاملات المحرمة بسبب القمار
المطلب الأول: تعريف الحوافز المالية في المعاملات التجارية
стр. 1430
المطلب الثاني: الأصل في الحوافز التجارية
المطلب الثالث: في حكم الحوافز إذا تضمنت إلحاق الضرر بصغار المستثمرين
المطلب الرابع: في صور الحوافز التجارية وبيان حكمها
الصورة الأولى: أن تبذل الحوافز بلا مقابل
الصورة الثانية: أن يكون بذل الحافز مشروطًا بالشراء
المسألة الأولى: ربط السلعة المبيعة بهدية ظاهرة لكل مشتر
المسألة الثانية: ربط السلعة بهدية مجهولة
القسم الأول: أن توضع الهدية المجهولة مع كل سلعة
القسم الثاني: أن توضع الهدية المجهولة مع بعض السلع
المسألة الثالثة: أن تكون الهدية معلومة والحصول عليها غير معلوم
الحال الأولى: أن يزاد في قيمة السلعة من أجل الهدية
فرع: لو كان السحب على أموال المتبرعين لجهة خيرية
الحال الثانية: ألا يزاد في قيم السلع من أجل الهدية
الصورة الثالثة: أن يكون بذل الهدية دون وعد سابق على الشراء
الصورة الرابعة: جوائز البنوك على حسابات التوفير
الصورة الخامسة: بطاقات التخفيض
المسألة الأولى: التعريف ببطاقات التخفيض وبيان أقسامها.
المسألة الثانية: توصيف العلاقة بين أطراف البطاقة الثلاثة.
стр. 1431
المسألة الثالثة: حكم بطاقات التخفيض العامة
المسألة الرابعة: حكم بطاقات التخفيض الخاصة
الفصل الثالث: البيوع المنهي عنها من أجل الضرر
تمهيد: في تعريف الضرر.
المبحث الأول: الأمور التي نهي عنها حماية أو نفعًا للسوق
الفرع الأول: في الاحتكار
المسألة الأولى: في تعريف الاحتكار
المسألة الثانية: في خلاف العلماء في حكم الاحتكار
المسألة الثالثة: في شروط الاحتكار
المسألة الرابعة: ما يجري فيه الاحتكار
المسألة الخامسة: في إجبار المحتكر على بيع ماله
المسألة السادسة: إذا أجبر المحتكر على البيع فهل يبيع بسعر المثل
المسألة السابعة: في إخراج الطعام من بلد إلى آخر
الفرع الثاني: منع البيع بأقل من سعر السوق حماية له.
الفرع الثالث: في حماية السوق عن طريق تسعير السلع
المسألة الأولى: في حكم التسعير
المسألة الثانية: الحالات التي يسوغ فيها التسعير
الفرع الرابع: حماية السوق عن طريق منع الحاضر أن يبيع للبادي
المسألة الأولى: في الأحاديث الواردة في الباب
стр. 1432
المسألة الثانية: علاقة النهي عن بيع الحاضر للباد بنفع السوق
المسألة الثالثة: تعريف الحاضر للبادي
المسألة الرابعة: معنى النهي عن يبع الحاضر للبادي
المسألة الخامسة: حكم بيع الحاضر للبادي
المسألة السادسة: شروط تحريم بيع الحاضر للبادي
المسألة السابعة: الحكم الوضعي لبيع الحاضر للبادي.
المسألة الثامنة: حكم الشراء للبادي
المسألة التاسعة: النهي عن بيع الحاضر للباد أذن بغبنه
المسألة العاشرة: هل ينصح الحاضر للبادي.
هذا آخر ما استوعبه هذا المجلد من خطة البحث المتعلقة بعقد البيع، ونستكمل إن شاء الله تعالى بقية خطة البحث في المجلدات القادمة، أسأل الله العظيم العون والتوفيق.
* * *
стр. 1433
المسألة الرابعة
في بيع الأعمى وشرائه
[م - ٣٠٦] يدخل في بيع ما لم يره العاقد بيع الأعمى وشراؤه، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح، وهو مذهب الجمهور، وقول في مذهب الشافعية (١). على خلاف بينهم، هل يشترط الوصف، أو يصح بدونه على ما قدمنا في بيع الغائب؟
فقيل: يصح مطلقًا بالوصف وبدونه، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: يصح بالوصف أو ما يقوم مقامه، وهذا مذهب المالكية.
قال ابن عبد البر: «جائز عند مالك بيع الأعمى، وشراؤه، في السلم وغيره، إذا وصف له الشيء صفة معلومة، أو كان معه من يراه له ممن يرضى ذلك منه» (٢).
وقال في الروض المربع: «يصح بيع الأعمى وشراؤه، بالوصف، واللمس، والشم، والذوق فيما يعرف به» (٣).
стр. 1434
القول الثاني:
لا يصح، وهو مذهب الشافعية (١)، بناء على أصل مذهبهم في عدم جواز بيع المعين الموصوف إذا كان غائبًا.
قال النووي: «إن لم يجز بيع الغائب ولا شراؤه، لم يجز بيع الأعمى وشراؤه، وإلا فوجهان، أصحهما: لا يجوز أيضًا، إذ لا سبيل إلى رؤيته، فيكون كبيع الغائب ... » (٢).
القول الثالث:
لا يصح بيع الأعمى ولا شراؤه إذا كان المبيع جزافًا؛ لأنه في الحالة هذه يشترط رؤية المبيع، ذكر ذلك بعض المالكية (٣).
والخلاف في هذه المسألة والأدلة فيها راجع إلى المسألة التي قبلها، وهو هل رؤية المبيع شرط في البيع، أو تكفي الصفة، جاء في النكت والفوائد على مشكل المحرر: «قال القاضي وغيره: شراء الأعمى وبيعه جائز على قياس المذهب، وأن الرؤية ليست بشرط في عقد البيع، وإنما الاعتبار بالصفة، وهذا يمكن في حق الأعمى» (٤).
وما رجحته في مسألة بيع الغائب أرجحه هنا، وأن الأعمى إذا كان يمكنه إدراك حقيقة المبيع بدون رؤية كما لو كان يدرك بالشم كالطيب، أو بالذوق كالمأكول فهذا لا يحتاج إلى اشتراط الرؤية أصلًا.
стр. 1435
وإن كان المبيع لا يدرك إلا بالرؤية أو بالوصف، ولا يدرك عن طريق اللمس أو الشم أو الذوق، فإن اشترى الشيء بدون صفة كان له الخيار مطلقًا مدة معلومة بما يكفي تجربة المبيع، والوقوف على حقيقته، وإن اشترى الشيء بالصفة، فإن طابقت الصفة الموصوف لم يكن له الخيار، وإن اختلفت الصفة كان له الخيار في ذلك للخلف في الصفة، والله أعلم.
* * *
стр. 1436
المسألة الخامسة
في بيع المغيبات في الأرض
[م - ٣٠٧] يدخل في بيع ما لم يره العاقد بيع المغيبات في الأرض. وقد ذكرنا من شروط المبيع أن يكون معلومًا برؤية أو صفة، فما حكم بيع بعض النباتات المستترة في الأرض كاللفت والجزر والفجل والبصل والبطاطس ونحوها؟ فهل كون هذه المغيبات لا يمكن رؤيتها، لا يصح بيعها حتى يتم قلعها وتتم معاينتها، أو يصح بيعها باعتبار أن أهل الخبرة يستدلون بما ظهر منها على ما بطن؟
وقبل الجواب أود أن ألفت الانتباه بأن المسألة محصورة فيما إذا كان المستتر في الأرض هو المقصود في الصفقة دون ما ظهر. أما ما كان يقصد منه فروعه وأصوله، كالبصل، والفجل. أو كان المقصود فروعه فقط، فالأولى جواز بيعه.
يقول ابن قدامة عن بيع المغيبات: «أما إذا كان مما تقصد فروعه وأصوله، كالبصل المبيع أخضر والكراث والفجل، أو كان المقصود فروعه فالأولى جواز بيعه؛ لأن المقصود منه ظاهر، فأشبه الشجر والحيطان التي لها أساسات مدفونة، ويدخل ما لم يظهر في البيع تبعًا فلا تضر جهالته، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع مع الحيوان ... » (١).
أما إذا كان المقصود منه أصوله فقط، ففي جواز بيعه، وهو كامن في الأرض خلاف بين أهل العلم على قولين:
стр. 1437
القول الأول:
ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز بيع المغيبات في الأرض على خلاف بينهم في شروط الجواز.
فذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى جواز بيع المغيبات في الأرض إن علم وجوده، ويكون مشتريًا شيئًا لم يره.
إلا أن أبا حنيفة يثبت للمشتري الخيار مطلقًا ما لم ير الكل ويرض به، سواء كان يباع كيلًا، أو وزنًا، أو عددًا.
وذهب صاحباه إلى أن المبيع إن كان مما يكال، أو يوزن بعد القطع كالجزر والثوم والبصل، وقلع المشتري بعضه بإذن البائع، أو قلعه البائع، فإن رضي بالمقلوع لزمه البيع بالباقي (١)؛ لأن الرضا ببعض المكيل بعد رؤيته رضا بالكل؛ لأن رؤية بعضه تدل على الباقي.
وإن كان المغيب يباع بعد القلع عددًا، كالسلق والفجل لا يلزمه المبيع ما لم ير الكل، ويرض به؛ لأن رؤية البعض منه لا تفيد العلم بحال الباقي؛ للتفاوت الفاحش بين الصغير والكبير من هذا الجنس، فلا يحصل المقصود برؤية البعض، فيبقى على خياره (٢).
стр. 1438
فعلم من هذا التفصيل، أن مذهب الحنفية جواز بيع المغيب في الأرض، إذا علم وجوده، ويبقى الخلاف في ثبوت الخيار للمشتري بعد رؤيته، فأبو حنيفة يثبت له الخيار مطلقًا.
وذهب صاحباه أن ما يباع كيلًا، أو وزنًا، إذا رأى بعضه ليس له خيار في الباقي، وما يباع بالعدد فللمشتري الخيار، ولو رأى بعضه، وعليه الفتوى.
وأما مذهب المالكية، فمنهم من أجازه مطلقًا، كالناصر اللقاني، ورأى أن رؤية ورقه يستدل بها على رؤية ما في الأرض من كبر أو صغر، على ما هو معروف لأهل الخبرة.
واشترط ابن رشد وغيره ثلاثة شروط للجواز:
الأول: أن يرى المشتري ظاهره.
الثاني: أن يقلع شيئًا منه ويراه، فلا يكفي في الجواز رؤية ما ظهر منه بدون قلع.
الثالث: أن يحزر إجمالًا بالقيراط، أو بالفدان، أو بالقصبة، ونحوها، ولا يجوز بيعه من غير حرز حتى لا يكون مجهولًا (١).
стр. 1439
القول الثاني:
ذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢) والظاهرية (٣)، إلى أنه لا يجوز بيع المغيب في الأرض.
خلاصة الأقوال:
نحن أمام قولين للفقهاء، قول يرى جواز بيع المغيب في الأرض، كالحنفية والمالكية، على خلاف بينهم في شروط الجواز.
وقول يمنع من بيعه مطلقًا كالشافعية والحنابلة والظاهرية.
دليل من قال: يجوز بيع المغيب في الأرض .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
فالآية مطلقة تشمل بيع المغيب في الأرض، وغير المغيب في الأرض، ومن استثنى المغيب في الأرض فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد.
عن
стр. 1440
أنس بن مالك، أن النبي ﷺ نهى أن تباع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن الحب حتى يشتد (١).
[رجاله ثقات، وأشار الترمذي والبيهقي إلى تفرد حماد، وأشار البيهقي إلى مخالفته أصحاب حميد] (٢).