المسألة الخامسة
في بيع المغيبات في الأرض
[م - ٣٠٧] يدخل في بيع ما لم يره العاقد بيع المغيبات في الأرض. وقد ذكرنا من شروط المبيع أن يكون معلومًا برؤية أو صفة، فما حكم بيع بعض النباتات المستترة في الأرض كاللفت والجزر والفجل والبصل والبطاطس ونحوها؟ فهل كون هذه المغيبات لا يمكن رؤيتها، لا يصح بيعها حتى يتم قلعها وتتم معاينتها، أو يصح بيعها باعتبار أن أهل الخبرة يستدلون بما ظهر منها على ما بطن؟
وقبل الجواب أود أن ألفت الانتباه بأن المسألة محصورة فيما إذا كان المستتر في الأرض هو المقصود في الصفقة دون ما ظهر. أما ما كان يقصد منه فروعه وأصوله، كالبصل، والفجل. أو كان المقصود فروعه فقط، فالأولى جواز بيعه.
يقول ابن قدامة عن بيع المغيبات: «أما إذا كان مما تقصد فروعه وأصوله، كالبصل المبيع أخضر والكراث والفجل، أو كان المقصود فروعه فالأولى جواز بيعه؛ لأن المقصود منه ظاهر، فأشبه الشجر والحيطان التي لها أساسات مدفونة، ويدخل ما لم يظهر في البيع تبعًا فلا تضر جهالته، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع مع الحيوان ... » (١).
أما إذا كان المقصود منه أصوله فقط، ففي جواز بيعه، وهو كامن في الأرض خلاف بين أهل العلم على قولين:
стр. 1437
القول الأول:
ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز بيع المغيبات في الأرض على خلاف بينهم في شروط الجواز.
فذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى جواز بيع المغيبات في الأرض إن علم وجوده، ويكون مشتريًا شيئًا لم يره.
إلا أن أبا حنيفة يثبت للمشتري الخيار مطلقًا ما لم ير الكل ويرض به، سواء كان يباع كيلًا، أو وزنًا، أو عددًا.
وذهب صاحباه إلى أن المبيع إن كان مما يكال، أو يوزن بعد القطع كالجزر والثوم والبصل، وقلع المشتري بعضه بإذن البائع، أو قلعه البائع، فإن رضي بالمقلوع لزمه البيع بالباقي (١)؛ لأن الرضا ببعض المكيل بعد رؤيته رضا بالكل؛ لأن رؤية بعضه تدل على الباقي.
وإن كان المغيب يباع بعد القلع عددًا، كالسلق والفجل لا يلزمه المبيع ما لم ير الكل، ويرض به؛ لأن رؤية البعض منه لا تفيد العلم بحال الباقي؛ للتفاوت الفاحش بين الصغير والكبير من هذا الجنس، فلا يحصل المقصود برؤية البعض، فيبقى على خياره (٢).
стр. 1438
فعلم من هذا التفصيل، أن مذهب الحنفية جواز بيع المغيب في الأرض، إذا علم وجوده، ويبقى الخلاف في ثبوت الخيار للمشتري بعد رؤيته، فأبو حنيفة يثبت له الخيار مطلقًا.
وذهب صاحباه أن ما يباع كيلًا، أو وزنًا، إذا رأى بعضه ليس له خيار في الباقي، وما يباع بالعدد فللمشتري الخيار، ولو رأى بعضه، وعليه الفتوى.
وأما مذهب المالكية، فمنهم من أجازه مطلقًا، كالناصر اللقاني، ورأى أن رؤية ورقه يستدل بها على رؤية ما في الأرض من كبر أو صغر، على ما هو معروف لأهل الخبرة.
واشترط ابن رشد وغيره ثلاثة شروط للجواز:
الأول: أن يرى المشتري ظاهره.
الثاني: أن يقلع شيئًا منه ويراه، فلا يكفي في الجواز رؤية ما ظهر منه بدون قلع.
الثالث: أن يحزر إجمالًا بالقيراط، أو بالفدان، أو بالقصبة، ونحوها، ولا يجوز بيعه من غير حرز حتى لا يكون مجهولًا (١).
стр. 1439
القول الثاني:
ذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢) والظاهرية (٣)، إلى أنه لا يجوز بيع المغيب في الأرض.
خلاصة الأقوال:
نحن أمام قولين للفقهاء، قول يرى جواز بيع المغيب في الأرض، كالحنفية والمالكية، على خلاف بينهم في شروط الجواز.
وقول يمنع من بيعه مطلقًا كالشافعية والحنابلة والظاهرية.
دليل من قال: يجوز بيع المغيب في الأرض .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
فالآية مطلقة تشمل بيع المغيب في الأرض، وغير المغيب في الأرض، ومن استثنى المغيب في الأرض فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد.
عن
стр. 1440
أنس بن مالك، أن النبي ﷺ نهى أن تباع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن الحب حتى يشتد (١).
[رجاله ثقات، وأشار الترمذي والبيهقي إلى تفرد حماد، وأشار البيهقي إلى مخالفته أصحاب حميد] (٢).
стр. 1441
(ح-٢٠٠) وروى مسلم من طريق أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري (١).
стр. 1442
وجه الاستدلال:
في الحديثين دليل على جواز بيع المغيبات في الأرض؛ لأن الرسول الله ﷺ أجاز في حديث أنس بيع الحب إذا اشتد، وفي رواية ابن عمر إذا ابيض، ولم يقل: حتى ينفصل من سنبله، فكان هذا دليلًا على جواز بيع المغيبات في الأرض إذا طابت، وصلحت للأكل.
الدليل الثالث:
كل الأدلة التي سقناها على جواز بيع العين الغائبة عن مجلس العقد تصلح دليلًا لمسألتنا هذه، بجامع أن كلًا منهما غائب عن المشاهدة.
الدليل الرابع:
أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها، ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون البيت برؤية جدرانه، والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به، وهم يقرون أنهم يعرفون هذه الأشياء، كما يعرف غيرها، مما اتفق المسلمون على بيعه.
الدليل الخامس:
أن هذا مما تمس الحاجة إلى بيعه، فإنه إذا لم يبع حتى يقلع حصل على أصحابه ضرر عظيم، فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع، والاستنابة فيه، وإن قلعوه جملة فسد بالقلع، فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره الأخضر (١).
стр. 1443
دليل من قال: لا يجوز بيع المغيبات في الأرض حتى ترى .
الدليل الأول:
(ح-٢٠١) ما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١).
وجه الغرر في هذا البيع:
أن المبيع في الأرض مجهول القدر، مجهول الصفة، وما كان كذلك، كان في الإقدام على شرائه مخاطرة، فقد يغنم، وقد يغرم.
وأجيب:
بأننا لا نعترف أن فيه غررًا، وعلى التسليم بأن فيه غررًا، فهو من الغرر اليسير المغتفر، مقابل المصلحة الراجحة، وقياسًا على بيع العقار، فإذا رؤي من المبيع ما يدل على ما لم ير جاز البيع باتفاق المسلمين في مثل بيع العقار، والحيوان، فغيره مقيس عليه، وكذلك ما يحصل من الحرج بمعرفة جميعه يكتفى برؤية ما يمكن منه، كما في بيع الحيطان، وما مأكوله في جوفه، والحيوان الحامل، وغير ذلك.
قال ابن القيم: «قول القائل: إن هذا غرر ومجهول، فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدوه قمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا؛ لأن الله أباحه، ويحرم كذا؛ لأن الله حرمه، وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة، وأما أن هذا يرى خطرًا وقمارًا وغررًا فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا أم لا، وكون هذا البيع مربحًا أم لا،
стр. 1444
وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية ... » (١).
الدليل الثاني:
بيع المغيبات في الأرض، إما أن يبيعه بشرط خيار الرؤية، أو يبيعه بدون خيار الرؤية، وفي الحالتين لا يجوز:
لأنه إن باعه بدون أن يكون له خيار فهذا من الغرر؛ لجهالة قدره، ووصفه. وقد أجبت عن دعوى الغرر
وإن باعه بشرط الخيار إذا رآه لم يجز أيضًا؛ لأن اشتراط خيار الرؤية إنما يكون في بضاعة إذا ردها المشتري على البائع لم يتضرر البائع، وها هنا لا يمكن أن يرده إليه إلا بعد قلعه، ولا يمكنه رده على البائع كما أخذه، وقد يفسد على البائع إذا خرج من الأرض؛ لأن الأرض بمثابة القشرة له تحفظه من الفساد (٢).
ويناقش:
بأن هذه العلة هي التي حملتنا على القول بجواز بيع المغيب في الأرض، لأننا إذا قلنا: لا يباع حتى يقلع، حصل على أصحابه ضرر عظيم، لأنهم إذا قلعوه جملة فسد بالقلع، وقد يتأخر شراؤه، فأجزنا بيعه، وهو كامن في أرضه، مراعاة لمصلحة البائع، والمشتري معًا، والمشتري يستطيع أن يستدل بما ظهر منه على ما بطن، والله أعلم.
стр. 1445
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة نجد أن القول بجواز البيع على من يستطيع أن يستدل بما ظهر من النبات على ما بطن منه هو القول الراجح لقوة أدلته، فإن كان لا يستطيع أن يستدل على ما بطن برؤية ما ظهر فلا يحل له الشراء، والله أعلم.
* * *
стр. 1446
المسألة السادسة
في بيع ما مأكوله في جوفه
[م - ٣٠٨] يدخل في بيع الغائب مما لا يراه العاقد بيع ما مأكوله في جوفه، وقد اختلف العلماء في بيع ما يختفي في قشره كالجوز واللوز والحب في سنبله على قولين:
القول الأول:
يجوز بيع البر في سنبله، والجوز، والفستق واللوز، في قشره مطلقًا، سواء بيع الحب وحده، أو الحب مع قشره، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، والقديم من قول الشافعي (٣)، إلا أن الحنفية أثبتوا للمشتري خيار الرؤية؛ لأنه اشترى ما لم يره.
وأجاز المالكية بيع الحب في سنبله جزافًا إذا يبس، واستغنى عن الماء، وابيض السنبل، بشرط أن يكون قتًا، أو قائمًا دون المنفوش (٤)، ودون ما في
стр. 1447
تبنه إلا أن يكون رآه، وهو في سنبله قائمًا، وحزره، وألا يفرد الحنطة في سنبلها في الشراء دون السنبل على الجزاف. ومثله الجوز واللوز والباقلاء لا يجوز أن يفرد بالبيع دون قشره على الجزاف، ويجوز كل ذلك بالكيل (١).
القول الثاني:
لا يجوز بيع الحب في سنبله، وهو الجديد من قول الشافعي (٢).
وإذا كان للمبيع كمام واحد لا يزال إلا عند الأكل كالرمان والبيض جاز بيعه في قشره. وأما ما له كمامان: كالجوز واللوز والباقلاء: أي الفول فيباع في قشره الأسفل؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته، ولا يصح في الأعلى (٣).
стр. 1448
فتلخص لنا من الخلاف قولان:
أحدهما: يجوز بيع الحب في سنبله، سواء كان القول بالجواز مطلقًا كالحنفية والحنابلة، والقديم من قول الشافعي، أو جاز ذلك بشروط كالمالكية، وكان قصد المالكية من هذه الشروط إبعاد الغرر عن هذا البيع، خاصة في بيعه جزافًا.
والثاني: لا يجوز بيع الحب في سنبله كالجديد من قول الشافعي.
دليل من قال: يجوز بيع الحب المشتد في سنبله .
الدليل الأول:
(ح-٢٠٢) ما رواه مسلم من طريق أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري (١).
وجه الاستدلال:
أجاز الرسول ﷺ في حديث ابن عمر بيع الحب إذا ابيض، ولم يقل: حتى ينفصل من سنبله، فكان هذا دليلًا على جواز بيع الحب في سنبله، وإذا جاز بيع الحب في سنبله، وهو غائب في قشره جاز بيع ما مأكوله في جوفه لعدم الفرق.
الدليل الثاني:
إذا جاز بيع الرمان في قشره، والبيض في قشره، فيجوز كذلك بيع الحنطة في سنبلها، والجوز، واللوز في قشرهما، وهذا مقتضى القياس.
стр. 1449
الدليل الثالث:
كل دليل استدللنا به على جواز بيع الغائب، وعلى جواز بيع الكامن في الأرض، يصح أن يكون دليلًا هنا، بجامع أن كلًا منهما مستتر.
دليل من قال: لا يجوز البيع .
الدليل الأول:
(ح-٢٠٣) استدلوا بما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١).
وجه كونه من الغرر:
أن الحب في سنبله مجهول القدر والصفة، والمقصود في البيع هو الحب دون السنبل، ورؤية السنبل وحده لا تحصل به المعرفة التامة في مقدار الحب، وهو شرط من شروط صحة البيع.
الراجح:
بعد عرض الأدلة أجد القول بالجواز هو القول الراجح، ونظر الشافعية نظر في مقابل النص؛ لأن النهي عن بيع الحب في سنبله يمتد إلى أن يبيض ويأمن العاهة، فإذا اشتد جاز بيعه، ولم يشترط الحديث غير ذلك، فاشتراط أن ينفصل عن السنبل زيادة على الحديث المرفوع، والله أعلم.
* * *
стр. 1450
المسألة السابعة
في بيع أسهم الشركات المساهمة
[ن - ١٥] يدخل في بيع ما لم يره العاقدان، البائع والمشتري بيع أسهم ما يسمى بالشركات المساهمة. فقد انتشر في عصرنا هذا النوع من الشركات، وجرى بين الناس تداول أسهمها بالبيع، والهبة ونحوهما، وإذا كان الراجح في توصيف السهم: أنه حصة شائعة في الشركة وموجوداتها، وأموال الشركة بعضها نقود، وبعضها ديون لها وعليها، وبعضها عروض مما لا يمكن ضبطه بالرؤية أو بالصفة بين المتبايعين، وإذا كان من شروط المبيع أن يكون معلومًا برؤية أو صفة، فالسؤال كيف يتحقق هذا الشرط في بيع تلك الأسهم؟
وللجواب على هذا الإشكال يقول سماحة مفتي الديار السعودية في عصره الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى:
«ورد إلينا استفتاء عن هذه الشركات المساهمة، كشركة الكهرباء والأسمنت، والغاز، ونحوها مما يشترك فيه المساهمون، ثم يرغب بعضهم بيع شيء من سهامهم بمثل قيمتها، أو أقل، أو أكثر، حسب نجاح تلك الشركة وضده، وذكر المستفتي أن الشركة عبارة عن رؤوس أموال، بعضها نقد، وبعضها ديون لها وعليها، وبعضها قيم ممتلكات وأدوات مما لا يمكن ضبطه بالرؤية ولا بالوصف، واستشكل السائل القول بجواز بيع تلك السهام؛ لأن المنصوص: اشتراط معرفة المتبايعين للمبيع ... وذكر أن هذا مما عمت به البلوى، وهذا حاصل السؤال منه ومن غيره عن حكم هذه المسألة.
والجواب: الحمد لله، لا يخفى أن الشريعة الإسلامية كفيلة ببيان كل ما يحتاج الناس إليه في معاشهم، ومعادهم، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
стр. 1451
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] والكلام على هذا مبني على معرفة حكم عقد هذه الشركة، ومساهمة الناس فيها، ولا ريب في جواز ذلك، ولا نعلم أصلًا من أصول الشريعة يمنعه وينافيه، ولا أحد من العلماء نازع فيه.
إذا عرف هذا فإنه إذا كان للإنسان أسهم في أية شركة، وأراد بيع أسهمه منها، فلا مانع من بيعها بشرط معرفة الثمن، وأن يكون أصل ما فيه الاشتراك معلومًا، وأن تكون أسهمه منها معلومة أيضًا.
فإن قيل: إن فيها جهالة؛ لعدم معرفة أعيان ممتلكات الشركة، وصفاتها، فيقال: إن العلم في كل شيء بحسبه، فلا بد أن يطلع المشتري على ما يمكن الاطلاع عليه بلا حرج ولا مشقة، ولا بد أن يكون هناك معرفة عن حال الشركة ونجاحها وأرباحها، وهذا مما لا يتعذر علمه في الغالب؛ لأن الشركة تصدر في كل سنة نشرات توضح فيها بيان أرباحها وخسائرها، كما تبين ممتلكاتها من عقارات ومكائن وأرصدة كما هو معلوم من الواقع، فالمعرفة الكلية ممكنة ولابد، وتتبع الجزئيات في مثل هذا فيه حرج ومشقة، ومن القواعد المقررة أن المشقة تجلب التيسير، وقد صرح الفقهاء ﵏ باغتفار الجهالة في مسائل معروفة، في أبواب متفرقة، مثل جهالة أساس الحيطان وغير ذلك ... » (١).
ويقول الدكتور عمر المترك ﵀: «إنه وإن كان يحصل في الشركات نوع من الجهالة، إلا أن مثل هذه الجهالة تغتفر، حيث إنها لا تفضي إلى النزاع. والجهالة التي تؤثر في صحة العقد هي الجهالة التي تؤدي إلى عدم إمكان تنفيذ العقد، أو إلى نزاع فيه، كبيع شاة من قطيع تتفاوت آحاده دون تعيين، فإن البائع يرغب عادة في إعطاء المشتري أدناه، والمشتري يرغب في أن يأخذ منه أحسنه
стр. 1452
وأغلاه، فيتنازعان، ويؤدي ذلك إلى عدم التنفيذ، أما الجهالة في مثل هذه المسألة فلا تؤدي إلى نزاع؛ لأن البيع والشراء يجري في جزء معين، وهو معلوم للبائع والمشتري.
ولأن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والقول بعدم جوازها يؤدي إلى ضرر كبير، والشارع لا يحرم ما يحتاج إليه الناس لأجل نوع يسير من الغرر، ولذا أباح بيع الثمار بعد بدء صلاحها مبقاة إلى الجذاذ، وإن كان بعض المبيع لم يخلق بعد، وأجاز بعض العلماء بيع المغيبات في الأرض كالجزر وما أشبهه، وبيع ما يكون قشره صونًا له كالعنب والرمان والموز في قشره قولًا واحدًا، فإذا رئي من المبيع ما يدل على ما لم ير جاز البيع باتفاق، فكذلك الشركات يستدل على نجاحها وفشلها بما ظهر منها واشتهرت به، وبيع الغرر نهي عنه؛ لأنه يفضي إلى أكل المال بالباطل، فإذا عارض ذلك ضرر أعظم من ذلك أبيح دفعًا لأعظم الفسادين باحتمال أدناهما، وهذه قاعدة مستقرة في الشريعة الإسلامية» (١).
وسوف أتناول بشيء من التفصيل الخلاف الفقهي في جواز إنشاء شركات المساهمة، والخلاف في حكم تداولها في بحوث مستقلة إن شاء الله تعالى في الكلام على سوق المال، وأسوق حجج المانعين وأدلة المجيزين بشيء من التوسع، وإنما اقتضى التذكير هنا لهذه المسألة لعلاقة بيع الأسهم هنا في بيع ما لم يره العاقد، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، وأعاننا على فهمه ومعرفة الحق فيه.
* * *
стр. 1453
المطلب الثاني
في بيع الأنموذج
[م -٣٠٩] هل تكفي رؤية الأنموذج عن رؤية بقية المبيع؟
إن كان الأنموذج من مال متقوم تتفاوت آحاده، فاختلف العلماء في صحة بيعه بالأنموذج على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح، وله الخيار إذا رآه. وهذا مذهب الحنفية (١).
وجه القول بالصحة:
شراء المتقوم بالأنموذج يعتبر بمنزلة من اشترى بلا رؤية ولا صفة، والمبيع يصح بيعه بلا رؤية ولا صفة، ويكون لمشتريه الخيار إذا رآه. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على خيار الرؤية.
القول الثاني:
لا يصح مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
وجه القول بعدم الصحة:
إذا كانت آحاده متفاوتة لم تكن رؤية الأنموذج دالة على رؤية باقية، فكأنه اشترى الشيء دون علم بالمبيع، والعلم بالمبيع شرط لصحة البيع.
стр. 1454
كما أن الشافعية يمنعون من بيع الموصوف الغائب إذا كان معينًا.
القول الثالث:
لا يصح شراء المتقوم برؤية بعضه إلا أن يكون في نشره إتلاف للمبيع، فيصح للحاجة (١).
وإن كان الأنموذج من مال مثلي.
فاختلف أهل العلم في ذلك على قولين:
القول الأول:
يصح بيع الأنموذج على خلاف بينهم في شرط الجواز، وهذا قول جمهور العلماء، وقول في مذهب الحنابلة.
فالحنفية قالوا: يصح ورؤية الأنموذج كافية في إسقاط خيار الرؤية؛ لأن رؤية بعضه تقوم مقام رؤية كله لتساوي آحاده، بخلاف المتقوم، ولجريان العادة بالاكتفاء برؤية بعضه في الجنس الواحد.
ولأن رؤية جميع المبيع لا تشترط، لتعذره في بعض الأحوال، فيكتفى برؤية ما يدل على العلم بالمقصود (٢).
وذهب المالكية إلى صحة بيع الشيء برؤية بعضه لكن إن اشتراه جزافًا اشترط أن يكون المبيع حاضرًا، وإن اشتراه مكيلًا لم يشترط حضور المبيع (٣).
стр. 1455
وذهب الشافعية إلى تفصيل آخر في بيع الأنموذج:
قال النووي: «إذا رأى أنموذجًا من المبيع منفصلًا عنه، وبنى أمر المبيع عليه، نظر: إن قال: بعتك من هذا النوع كذا وكذا، فالمبيع باطل؛ لأنه لم يعين مالًا، ولم يراع شروط السلم، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السلم على الصحيح من الوجهين؛ لأن الوصف يرجع إليه عند النزاع بخلاف هذا.
وإن قال: بعتك الحنطة التي في البيت، وهذا الأنموذج منها، فإن لم يدخل الأنموذج منها فوجهان، أصحهما: لا يصح البيع؛ لأن البيع غير مرئي (١) وإن أدخلها صح على أصح الوجهين .... ثم صورة المسألة مفروضة في المتماثلات، والله أعلم» (٢).
جاء في الإنصاف «وقيل: ضبط الأنموذج كذكر الصفات، نقل جعفر فيمن
стр. 1456
يفتح جرابًا ويقول: الباقي بصفته، إذا جاء على صفته ليس له رده، قال المرداوي: وهو الصواب» (١).
القول الثاني:
ذهب الحنابلة إلى أن بيع الأنموذج لا يصح، قال في الإنصاف:
«ولا يصح بيع الأنموذج، بأن يريه صاعًا، ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه على الصحيح من المذهب، وقدمه في الفروع وغيره .. » (٢).
وعلل البهوتي عدم الصحة: «لعدم رؤية المبيع وقت العقد» (٣).
الراجح:
بعد أن ذكرنا مذاهب العلماء في بيع الأنموذج، أرى أن الراجح هو القول بالجواز لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
ولأن الأصل عدم التحريم حتى يأتي نص من الشرع ينهى عن هذه المعاملة بخصوصها، أو يكون في القول بالجواز وقوع في محذور شرعي مجمع عليه، ولا محذور إن شاء الله تعالى، إلا أن القول بالجواز ينبغي أن يكون بالضوابط التالية:
أولًا: أن يكون المبيع مما لا تتفاوت آحاده، حتى يمكن أن تكون رؤية الأنموذج تعبر عن رؤية الكل؛ لأن آحاده إذا اختلفت لم يكن لرؤية الأنموذج فائدة.
стр. 1457
الثاني: أن يكون المبيع معينًا، وليس موصوفًا، فإن باع غير معين: أي موصوف كما لو قال: أبيعك مائة صاع من البر بمثل هذا الأنموذج، فهذا يشترط فيه ما يشترط في السلم؛ لأننا لو جوزنا البيع بهذه الصفة دون تقديم الثمن كان البيع بيع دين بدين، وهذا لا يجوز، فلا بد من تعيين المبيع في مثل هذه الحالة، أو يقدم الثمن ليكون المبيع سلمًا إما حالًا وإما مؤجلًا بناء على صحة السلم الحال، وفيه خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما اشتراط الشافعية أن يكون الأنموذج جزءًا من المبيع، حتى يمكن أن يقال: إن المشتري قد رأى بعض المبيع؛ لأن الأنموذج إذا كان خارج الصفقة يكون المبيع لم ير بعضه، وهم يمنعون بيع الغائب المعين كما مر معنا، فهذا الشرط، وإن كان طردًا لمذهبهم إلا أنه ليس بوجيه؛ لأن بيع الغائب الموصوف على الصحيح أنه جائز، ولو لم ير، والله أعلم.
* * *
стр. 1458
المطلب الثالث
في حكم البوفيه المفتوح
[ن -١٦] البوفيه: كلمة، أصلها فرنسي، كانت تعني قطعة من الأثاث فيها أدراج وخزائن للأواني، ثم شملت الطاولة التي تقدم عليها المرطبات، ثم أصبحت تعني المطعم الذي يحتوي على هذه الطاولة (١).
وكلمة مفتوح: تعني أن للمشتري أن يختار من جميع الأصناف المعروضة المقدار الذي يكفيه لوجبة واحدة.
فهذا البيع يحتمل الصحة؛ لأن المشتري قد عرف المبيع بالرؤية، والبائع حدد المقدار بوجبة واحدة، وتفاوت الناس في الأكل يعتبر من التفاوت اليسير الذي يتسامح الناس فيه عادة، فيلحق بالغرر اليسير الجائز، ولو وجد أن أنسانًا قد يأكل بما مقداره وجبتين، أو أكثر، فهذا نادر، وسعر البوفيه المفتوح مرتفع قليلًا عن غيره لكون المشتري يحدد المقدار والصنف الذي يريد، وهذا الارتفاع في السعر يعوض البائع عن حالات قليلة قد يكون المشتري ممن يأكل مقدارًا يخرج عن العادة.
وقد يقال: بأن هذا البيع يحتمل عدم الصحة؛ لأن الأصناف المعروضة متفاوتة في السعر، فقد يرغب في أغلاها سعرًا، وتحديد المقدار بالوجبة الواحدة للشخص لا يكفي، فإن الناس يتفاوتون في مقدار ما يأكلون تفاوتًا كبيرًا، فيدخل ذلك في الغرر المنهي عنه.
والقول بالصحة عندي أقوى، والله أعلم.
* * *
стр. 1459
المطلب الرابع
في بيع اللبن في الضرع
[م - ٣١٠] يجوز بيع الحيوان، وفي ضرعه لبن، وإن كان اللبن مجهولًا؛ لأنه تابع للحيوان، وحكي الإجماع على جوازه، ودليله حديث المصراة، وهو في الصحيحين (١).
[م - ٣١١] ويجوز بيع اللبن بعد انفصاله من الضرع جزافًا، ومكيلًا، ولا إشكال فيه.
[م - ٣١٢] وأما بيع اللبن وحده، وهو في الضرع، فقد اختلف العلماء في جواز ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يجوز بيع اللبن في الضرع قبل انفصاله، وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
استدل القائلون بعدم الجواز:
الدليل الأول:
(ح-٢٠٤) ما رواه الطبراني في معجمه من طريق حفص بن عمر الحوضي،
стр. 1460
ثنا عمر بن فروخ - صاحب الأقتاب - ثنا حبيب بن الزبير، عن عكرمة.
عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع (١).
[الراجح وقفه على ابن عباس] (٢).
стр. 1461
وله شاهد من حديث أبي سعيد سيأتي ذكره إن شاء الله في باب بيع الصوف على الظهر.
الدليل الثاني:
أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، والجهل بالمبيع غرر منهي عنه، وما في الضرع لا يمكن الوقوف على مقداره، ولا يكفي في هذا رؤية الضرع أو لمسه فقد يكون الضرع كبيرًا من السمن، فيظن أنه من اللبن.
الدليل الثالث:
من شروط البيع القدرة على تسليم المبيع، وشراء اللبن في الضرع يتعذر تسليم المبيع بعينه، لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع، فإنه وإن كان مشاهدًا كاللبن في الظرف، لكنه إذا حلبه خلفه مثله سريعًا مما لم يكن في الضرع، فيختلط فيه ملك البائع بملك المشتري على وجه لا يتميز.
القول الثاني:
قالوا: يجوز بيع اللبن في الضرع أيامًا معدودة إذا عرف صفته، وقدره، وهذا اختيار القاضي عبد الوهاب البغدادي من المالكية (١).
стр. 1462
وحجته:
قال القاضي: «لأنه لبن موصوف بصفته، وقدره، فجاز بيعه في الضرع مدة معلومة كلبن الظئر» (١).
وقد يناقش هذا القول:
بأن هناك فرقًا بين بيع اللبن في الضرع، واستئجار المرأة لترضع الطفل، فالعقد في الظئر عقد مركب من عقدين هما بيع وإجارة فافترقا، ولذلك ذهب ابن تيمية إلى التفريق بين بيع اللبن في الضرع وبين استئجار البهيمة مدة معلومة لأخذ لبنها، فمنع الأول وأجاز الثاني، وهي مسألة خلافية بين أهل العلم (٢).
القول الثالث:
قيل: يجوز شراء اللبن في الضرع من الغنم جزافًا وكيلًا، لكن إن اشتراه جزافًا فيشترط لجواز البيع شروط، وهي:
الأول: أن تكون الغنم كثيرة كالعشرة ونحوها.
الثاني: أن يكون الشراء في إبان اللبن.
الثالث: أن يعرف قدر حلابها.
الرابع: أن يكون إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله.
الخامس: أن يشرع في أخذ ذلك يومه أو إلى أيام يسيرة.
وإن اشترى اللبن بكيل معلوم كأن يقول: اشتري منك كل يوم رطلين من لبن
стр. 1463
شياهك مدة شهر بكذا، فيجوز بالشروط السابقة عدا الشرط الأول (١).
هذا قول المالكية في بيع لبن الغنم المتعدد، وأما بيع لبن الشاة الواحدة، فاختلف المالكية في جوازه، فروى أشهب عن مالك جوازه.
ورأى ابن القاسم منعه، وهو الأكثر.
وحجة من فرق بين الشاة الوحدة وبين الغنم الكثير:
أن الشاة الواحدة يلحقها التغير بالنقصان والزيادة، وقد يكون اللبن صافيًا وقد يكون كدرًا، والغنم الكثير يحمل بعضها بعضًا فلا يظهر في جملتها تغير بزيادة ولا نقصان، فيبعد الغرر فيها (٢).
هذه الشروط من المالكية حملهم عليها حرصهم على معرفة مقدار المبيع وضبطه، وجعل الغرر إن وقع، يكون من الغرر اليسير المغتفر، فهم في اللبن الجزاف اشترطوا أمورًا تتعلق بعضها في وقت الشراء، وبعضها في مقدار المبيع، وبعضها في عدد الغنم.
ففي الوقت: اشترطوا أن يكون الشراء في إبان اللبن، لأن الشاة في آخر وقتها، وبعد شهور من إنجابها يقل لبنها، بخلاف لبنها إذا كان بعد الإنجاب مباشرة.
كما اشترطوا أن يكون عدد الغنم كثيرًا حتى يضمن عدم تغير صفة اللبن.
وأن يضرب أجلًا يعلم أن لبنها لا ينقطع إلى مثله.
стр. 1464
وأن يكون المتبايعان قد عرفا قدر حلابها حين التبايع، فهذه الشروط لاشك أنها تضبط إلى حد كبير جدًا مقدار المبيع وصفته، فينتفي عنه الغرر الكثير، ويبقى الغرر اليسير مما يغتفر مثله إن شاء الله تعالى.
وأما إن اشتراه كيلًا فلا يدخله غرر حينئذ من جهة المقدار، وإذا لم يوف اللبن بالقدر المطلوب، أو جاء على صفة غير مرغوبة انفسخ المبيع كالسلم تمامًا.
فلا أرى مع هذه الضوابط التي وضعها المالكية أي محذور شرعي من جواز بيع اللبن في الضرع، وليس في جوازه ظلم لأحد المتبايعين، وقدر المبيع يعرف بالعادة، وإنما المحذور، والظلم، أن يحصل لأحد المتعاوضين مال، والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل، وما يقال من أن اللبن وقت الحلب يختلط بلبن حادث، لم يقع عليه البيع، فيجاب عنه، بأن هذا المقدار يسير جدًا في وقت يسير جدًا، وهو وقت الحلب، والذي لا يستغرق دقائق معدودة، وقد طابت به نفس البائع، فيكون من الغرر اليسير الذي لا يؤثر في البيع، والله أعلم.
قال الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير «فهذه الضمانات - يعني شروط المالكية في جواز بيع اللبن في الضرع - كافية لتصحيح بيع اللبن في الضرع في الشاة الواحدة، وفي الغنم الكثير، وإن كان الغرر في بيع الغنم الكثير أبعد منه في بيع لبن الشاة الواحدة» (١).
القول الرابع: رأي ابن تيمية وابن القيم .
قال ابن القيم: «وأما بيع اللبن في الضرع .... يجب فيه التفصيل:
стр. 1465
فإن باع الموجود المشاهد في الضرع، فهذا لا يجوز مفردًا، ويجوز تبعًا للحيوان؛ لأنه إذا بيع مفردًا تعذر تسليم المبيع بعينه؛ لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع، فإنه وإن كان مشاهدًا، كاللبن في الظرف، لكنه إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع، فاختلط المبيع بغيره على وجه لا يتميز، وإن صح الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» فهذا إن شاء الله محمله.
وأما إن باعه آصعًا معلومة من اللبن، يأخذه من هذه الشاة، أو باعه لبنها أيامًا معلومة، فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لا يجوز (١).
وأما إن باعه لبنًا مطلقًا موصوفًا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة، أو البقرة، فقال شيخنا: هذا جائز.
واحتج بما في المسند من أن النبي ﷺ نهى أن يسلم في حائط بعينه، إلا أن يكون قد بدا صلاحه (٢).
ثم قال ابن القيم: «وأما إن أجره الشاة، أو البقرة، مدة معلومة، لأخذ لبنها في تلك المدة، فهذا لا يجوزه الجمهور، واختار شيخنا جوازه، وحكاه قولًا لبعض أهل العلم، وله فيها مصنف مفرد» (٣).
стр. 1466
واستئجار الشاة للبنها سيأتي إن شاء الله بحثه في كتاب الإجارة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
وأرى أن أرجح الأقوال قول المالكية، والله أعلم.
* * *
стр. 1467
المطلب الخامس
بيع الحمل في البطن
[م - ٣١٣] بيع الحيوان الحامل جائز، ويدخل الحمل تبعًا على خلاف بين أهل العلم في جواز اشتراط الحمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى بحثه.
[م -٣١٤] وأما بيع الحمل في البطن دون أمه، فلا يجوز بيعه، وهذا مذهب الأئمة (١).
قال ابن عبد البر: «هذا مما لا خلاف فيه، وقد اتفق العلماء على أن بيع ما في بطون الإناث لا يجوز؛ لأنه غرر وخطر ومجهول .. » (٢).
قال النووي: أجمع العلماء على بطلان بيع الجنين ... نقل الإجماع ابن المنذر والماوردي وغيرهما (٣).
وقال في الإنصاف: «بيع الحمل في البطن نهى الشارع عنه، فلا يصح بيعه إجماعًا» (٤).
ومستند الإجماع دليل وتعليل:
стр. 1468
أما الدليل فعام وخاص، أما العام فهو
(ح-٢٠٥) ما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١).
وجه الغرر في هذا البيع:
جهالة المبيع، حيث لا تعلم صفته، ولا حياته، قال مالك: «والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر، اشتراء ما في بطون الإناث من النساء، والدواب؛ لأنه لا يدرى أيخرج أم لا يخرج، فإن خرج لم يدر أيكون حسنًا أم قبيحًا، تامًا أم ناقصًا، ذكرًا أم أنثى، وذلك كله يتفاضل إن كان على كذا فقيمته كذا، وإن كان على كذا فقيمته على كذا» (٢).
وأما الدليل الخاص فهو
(ح-٢٠٦) ما رواه أحمد من طريق جهضم - يعني اليمامي- حدثنا محمد ابن إبراهيم، عن محمد بن زيد، عن شهر بن حوشب،
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد، وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص (٣).
[ضعيف جدًا] (٤).
وأما التعليل في المنع من بيع الحمل في البطن فذكروا ثلاثة تعاليل:
стр. 1469
الأول: الجهالة كما سبق، ونقلت ذلك من كلام الإمام مالك ﵀.
الثاني: تعذر التسليم، قال الباجي: «ووجهه من جهة المعنى ما احتج به من أنه مجهول الصفة، متعذر التسليم، وأحد الأمرين يفسد العقد، وإفسادهما إذا اجتمعا أوكد» (١).
وقد علل السرخسي أيضًا بالعجز عن التسليم (٢).
الثالث: ذكر السرخسي علة أخرى، وهي انعدام المالية، قال في المبسوط: «وكذلك بيع أولادها في بطونها لا يجوز لمعنى الغرر، وانعدام المالية، والتقوم فيه مقصودًا قبل الانفصال، وعجز البائع عن تسليمه» (٣).
يقصد والله أعلم من قوله انعدام المالية باعتبار الحال، وليس باعتبار المآل، فإنه وهو جنين متصل بأمه لا حياة له مستقلة، ولا يمكن تموله في الحال، والله أعلم.
* * *
стр. 1470
المسألة الأولى
بيع الحيوان واستثناء ما في بطنه
[م-٣١٥] لو باع حيوانًا حاملًا واستثنى ما في بطنها، فقد اختلف العلماء في جوازه على قولين.
القول الأول:
البيع فاسد، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
واختار بعض المالكية أن الاستثناء باطل، والبيع صحيح (٥).
القول الثاني:
الاستثناء صحيح، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧)، ورجحه ابن حزم (٨)، واختاره شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى (٩).
стр. 1471
حجة القائلين بالمنع دليل وتعليل:
أما الدليل:
(ح-٢٠٧) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أيوب، عن أبي الزبير، وسعيد بن ميناء،
عن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين، وعن الثنيا، ورخص في العرايا (١).
(ح-٢٠٨) وروى أبو داود من طريق عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء.
عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، والمحاقلة، وعن الثنيا إلا أن يعلم (٢).
[رجاله ثقات] (٣).
стр. 1472
ومعنى: نهى عن الثنيا: أن يبيع شيئًا، ويستثني بعضه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، إلا أن يكون معلومًا، قال الحافظ في الفتح:
«وأما حديث النهي عن الثنيا، ففي نفس الحديث إلا أن يعلم، فعلم أن المراد أن النهي إنما وقع عما كان مجهولًا» (١).
والحمل: مجهول الصفة، ولا تعلم حياته، وقد يولد، وقد لا يولد، وقد يخرج ذكرًا وقد يخرج أنثى، وقد يخرج واحدًا، وقد يخرج توأما، فاستثناء الحمل يعتبر من استثناء المجهول عند المانعين.
وقد أدخل الفقهاء مسائل كثيرة في النهي عن الثنيا، وقد ضبطها صاحب الشرح الكبير، فقال: «وضابط هذا الباب أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه منفردًا» (٢).
وأما التعليل:
فقالوا: إذا كان الحمل لا يجوز إفراده بالعقد كما سبق في المسألة السابقة، فلا يجوز استثناؤه.
стр. 1473
دليل من قال: يجوز استثناء الحمل .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١١٩].
فكل فعل لم يأت في القرآن، ولا في السنة تحريمه، فهو حلال بنص القرآن، فمن ادعى التحريم فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن استثناء الحمل ليس بيعًا حتى يقال: إن الحمل مجهول، واستثناء المجهول يصير المعلوم مجهولًا، بل هو استبقاء، فالبائع لم يبع شيئًا، والمشتري لم يشتر شيئًا، غاية ما فيه أن البائع استبقى ملكه على الحمل، ولم يدخله في الصفقة، وعدم نقل الملك في الحمل لا يضر المشتري شيئًا، فكأنه باع عليه شاة حائلًا، وهو بمنزلة من باع شجرة واستثنى ثمرتها.
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1474
المسألة الثانية
بيع الحيوان بشرط الحمل
[م - ٣١٦] هذه المسألة كان المفروض بحثها في الشروط، ولكني حريص إذا ذكرت مسألة أن أذكر ما يتعلق فيها، فلما ذكرت بيع الحيوان الحامل، وذكرت بيع الحمل وحده، وحكم استثناء الحمل من الصفقة، ناسب أن نذكر بيع الحيوان بشرط أن يكون حاملًا.
وقد اختلف العلماء في بيع الحيوان بشرط الحمل على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، وقول مرجوح في مذهب الشافعية (٣).
القول الثاني:
يصح الشرط، وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة (٤)، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦).
стр. 1475
القول الثالث:
يصح اشتراطه في الجارية، ولا يصح في غيرها، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢).
تعليل من قال بالجواز:
الحمل صفة مقصودة، مؤثرة في الثمن، فيصح اشتراطه، كما لو اشترط العبد كاتبًا.
ولأنه لا يتعلق بإنشاء ما يتجدد، بل هو التزام صفة ناجزة، فلا يؤدي إلى المنازعة.
ولأن معرفة كون الحيوان حاملًا أمر يعرفه أهل الخبرة.
ولو تبين أن الدابة ليست حاملًا، فللمشتري خيار الرد.
تعليل من قال لا يجوز:
قالوا: إن ما في البطن لا تعلم حقيقته، فاشتراطه من اشتراط زيادة مجهولة في المبيع، وهذا لا يجوز (٣).
ولأن المشروط يحتمل الوجود والعدم، ولا يمكن الوقوف عليه للحال؛ لأن عظم البطن والتحرك يحتمل أن يكون لعارض داء، أو غيره، فكان في وجوده غرر، فيوجب فساد البيع (٤).