← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومن أبرز الأمثلة على ذلك دود القز، فقد مر عهد طويل في بعض البلاد، والناس لا يرون لدود القز أي جدوى، إذ لم يكونوا يقبلون عليه بأي محاولة استفادة، إما لجهلهم بما فيه من المزية المعروفة، وإما لجهلهم بسبل الوصول إلى هذه المزية فيه، ومن ثم فلم يكن التعامل به مشروعًا فلما تبدلت الأحوال وتنبه الناس إلى ما فيه من مزية وتمرسوا بسبل استخراج الحرير منه تغير الحكم، فأصبح التعامل به مشروعًا، بل أصبح مصدرًا من مصادر الثروة والتجارة» (١). وإذا ثبت أن التمول مرده إلى العادة والعرف، فلقد أصبح العرف في هذا الزمن في بلاد الناس كافة تعتبر حق المؤلف حقًا ماليًا، لا يجوز الاعتداء عليه. السبب الثاني: أن الكتاب مهما عظمت فائدته المعنوية، ومهما كان محل رغبة عالية من جماهير الناس، فإن القيمة المالية التي يمكن أن تقدر تلك الفائدة بها تذوب وتختفي إزاء قيمة الجهد الكبير الذي كان الناس يبذلونه في سبيل رصد هذه الفائدة وتسجيلها، بحيث تبدو قيمة النسخ مساوية أو أغلى من قيمة المضمون العلمي أو الفكري للكتاب ...... ولهذه المسائل نظائر معروفة في حياتنا اليوم، وهو أننا كثيرًا ما نتأكد من وجود معادن ثمينة داخل بقعة من الأرض التي في حوزتنا، غير أن السعي إلى استخراج هذه المعادن وتصفيتها يتطلب من الجهد والتكاليف ما قد يربو ثمنه على قيمة تلك المعادن ووجوه الاستفادة منها .. ولا ريب أن قيمة تلك المعادن تضمحل وتذوب إزاء الجهود والصعوبات التي تقف في طريق استخراجها،

стр. 177

وعندئذٍ يصح أن يقال: إن هذه المعادن لا تنطوي حكمًا على أي قيمة مالية حية ..... فكذلك الشأن في ا لكتاب في الزمن الماضي. أما اليوم وقد ظهرت الآلات الطابعة التي تقذف الواحدة منها عشرات النسخ من الكتاب في الدقيقة الواحدة فلم يعد يكلف إخراج النسخة الواحدة إلا مبلغًا زهيدًا من المال، هو في مجموعه قيمة الورق ونفقات الآلة ... وأمام ضمور كلفة استخراج النسخة الواحدة تبرز قيمة المضمون العلمي له، تلك القيمة التي ظلت خفية أو ضامرة بسبب ضخامة القيمة التي كان يستحقها استخراج النسخة الواحدة منه (١). الدليل الرابع: إذا كان العلم من فروض الكفاية، وكان قربة وطاعة فكيف يجوز أخذ العوض على ما هو واجب، ويراد به وجه الله والدار الآخرة. وقد قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]. فالتأليف الشرعي من أفضل القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وإذا كان ذلك كذلك فإن أساس العبادة ولبها هو إخلاصها لله، وتنزيهها عن شوائب الشرك بحظوظ النفس. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]. ويجاب: هذا الدليل مركب من دليلين، ويجاب عن كل واحد بمفرده،

стр. 178

أما القول بأن ن الواجب لا يجوز أخذ العوض عليه. فيقال: لا مانع من أخذ المال على ما هو واجب على الإنسان، وذلك لأن التأليف اليوم حرفة ومهنة، فكيف يقوم الإنسان بمعاشه، ومعاش من يعوله إذا لم يكن لما بذله من جهد مضن وشاق ووقت كثير أي مردود مالي، بل إن الجهد البدني أخف بكثير من الجهد الذهني، فقد تأخذ مسألة فقهية من طالب علم أيامًا كثيرة، وهو يصرف الجهد والوقت في البحث عنها ليقدمها للقراء، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإمامة العظمى، وهي من أعظم فروض الكفاية في الأمة، إذا اختير شخص ليكون إمامًا للأمة وخليفة لها أجرى له بيت المال رزقًا على عمله، يعول نفسه وولده، وهذا إمام الصلاة والمؤذن والقاضي، ومعلم القرآن والحديث والفقه يجري لهم أرزاق من بيت المال، فالمؤلف مثلهم، فإذا لم يجر له هذا المال من بيت مال المسلمين فما المانع أن يأخذ هذا الحق من منفعة كتبه مستغنيًا بذلك عن هبات الحكام وعطاياهم، والتي ربما قد تكون ثمنًا لدينه، وقد تحمله على أن يتقاعس عن القيام بواجبه. وأما الجواب عن أخذ العوض الدنيوي عما يراد به الدار الآخرة، فلا حرج فيه شرعًا، وإنما الحرج لو كان الباعث على التأليف هو الدنيا وحدها، وأما إذا كان الباعث هو الرغبة في الأجر، أو كان الباعث أمرًا مشتركًا (الدين والدنيا) فلا يقدح هذا في إخلاص المرء ودينه. كما قدمنا في قول الرسول ﷺ : «من قتل قتيلًا فله سلبه» (١). وقوله ﷺ «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» (٢).

стр. 179

وأذن الرسول ﷺ في أخذ الأجرة من الرقية، وهي عبادة. وهذا الجهاد من حقوق الله تعالى، وهو من أعظم القربات، ومع ذلك فقد جعل للمجاهدين حقًا في أربعة أخماس الغنائم، وقد اعتبرت هذه الغنيمة معونة من الله للمجاهدين، ومكافأة لهم لتمكينهم من الاستمرار في الجهاد، وعدم الانقطاع عنه، وإهمال حقوق المؤلف أدعى لترك التأليف لعدم تمحض حق الله تعالى في التأليف كتمحضه في الجهاد في سبيل الله والأدلة في هذا كثيرة، وقد سبق ذكر مزيد منها عند الكلام على مالية المنافع. الدليل الخامس: أن في هذا السلوك كتمانًا للعلم، وقد توعد الشارع على من يكتم العلم. ويجاب عن هذا: بأن هناك فرقًا بين كتم العلم عن الناس، وبين بذله لهم بعوض مالي، والوعيد إنما هو في كتمه وحبسه عنهم. الدليل السادس: أن من باع كتابًا إلى آخر فقد ملك المشتري ذلك الكتاب، ومقتضى الملك أن يتصرف فيه كيف يشاء، فيجوز له أن يقوم بطباعته، وليس للبائع أن يحجر عليه أي نوع من أنواع التصرف من استعماله وبيعه واستغلاله (١). والجواب على ذلك: بأن يقال: هناك فرق واضح بين تمليك الانتفاع وبين ملك المنفعة. فتمليك الانتفاع: حق شخصي يباشره صاحبه بنفسه فقط، وليس له أن يمكن

стр. 180

غيره من تلك المنفعة، فالنكاح مثلًا من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة، إذ ليس له أن يمكن غيره من تلك المنفعة. ومثله حق الجلوس في الطرقات والمساجد وإجراء الماء في أرض غيره إن احتاج إليه دون الإضرار به. وتمليك المنفعة أعم وأشمل، فهو يعطي صاحبه حق التصرف في المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم ضمن حدود العقد الذي ملك به المنفعة، فيحق له تمليك المنفعة التي ملكها لغيره بأجرة أو هبة أو عارية، ولا يقيد في تصرفه إلا بشيء واحد، وهو المماثلة لما ملكه من المنفعة في وجه الانتفاع. فمن اشترى كتابًا فهو قد ملك الانتفاع بهذا الكتاب فقط (الوعاء المادي أصالة، وما قد تضمنه تبعًا) ولم يملك منفعته (مادة الكتاب)، ولهذا لو تلف الكتاب الذي اشتراه ليس له الحق في نسخة أخرى؛ لأن حقه تعلق في هذا الغلاف بعينه، وبه يتبين أن عقد الشراء لم يقع في الأصل على جوهر الحق الذي هو ملك للمؤلف، وإنما وقع العقد على نسخة من الكتاب ينتفع بها قراءة، وهبة، ولم ينتزع حق تلك الأفكار من مبدعها الذي لا تزال تنسب إليه شرعًا، ولم يجعل المشتري من نفسه بدلًا من المؤلف أو المبتكر، فليس للمشتري الحق في غير النسخة التي اشتراها، وليس له أن ينسخ عليها نسخًا أخرى، وهذا واضح بين. دليل من قال: إن حق المؤلف حق مالي . الدليل الأول: (ح-٧) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من

стр. 181

صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١). وجه الاستدلال: أثبت الحديث أن العلم من عمل الإنسان، لقوله (انقطع عمله) وعمل الإنسان له قيمة مالية، كما أثبت الحديث المنفعة للعلم بقوله (أو علم ينتفع به) وهو إثبات لقيمته المالية أيضًا، وقد ذكر الحديث أن منفعة العلم كما تكون في حياة صاحبه، تكون بعد وفاته. (ح-٨) وروى مسلم أيضًا من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد الله ابن الحارث، وعن أبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ... الحديث (٢). فتعوذ الرسول ﷺ من العلم الذي لا ينفع، وإذا ثبتت المنفعة للعلم، وهو أمر لا يمكن أن يكابر فيه أحد، فقد ذكرت في مسألة سابقة الأدلة على أن المنافع أموال معتبرة شرعًا، وأن المقصود من الأعيان إنما هي منافعها، وأن العين إذا فقدت منفعتها فقدت ماليتها، وبقدر ما تزداد المنفعة تزداد القيمة، وكل هذا دليل على أن حق المؤلف منفعة مالية. الدليل الثاني: القول بجواز الاعتياض عن حق المؤلف لا يعارض نصًا، ولا إجماعًا، ولا

стр. 182

قياسًا صحيحًا، ولا قول صحابي فيما أعلم، ولا قاعدة شرعية، بل إن ذلك موافق لقواعد الشريعة، وجريان العمل في العصر الحاضر دون أن ينكر ذلك أحد من العلماء المعاصرين. وقد أفتى المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي بقرار نصه: «حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها» (١). الدليل الثالث: الأحكام الشرعية جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وحفظ حقوق المؤلفين فيه مصلحة كبيرة تعود على العلم، وعلى المجتمع، وعلى المؤلف، وذلك لأن حفظ حقوق المؤلفين فيه تشجيع للمفكرين والعلماء، وسبب في زيادة الإنتاج والبحث العلمي وشحذ الهمم على الإبداع، وإهمال حقوق المؤلفين قد يتسبب في انصراف الناس عن البحث إلى تحصيل المعاش المفروض عليهم تحصيله، وهذا يؤدي إلى فساد عظيم وحرمان الأمة من مصلحة راجحة، وقاعدة سد الذرائع تقتضي اعتبار المالية لهذه الحقوق لما يؤدي إليه إبطالها من مفاسد وخيمة، وتعطيل جزء من المصالح العامة، وهي معتبرة من حقوق الله تعالى، وهي واجبة التحقيق، ولا يمكن إسقاطها، ويلزم حماية هذا الحق، وسد جميع السبل المفضية إلى إبطاله وتضييعه. الدليل الرابع: تمكين الناشرين والموزعين من حقوقهم المالية دون المؤلف وإثراؤهم على

стр. 183

حساب المؤلف دون أن يكون له نصيب فيما قام به من جهد، وتكلفه من مشقة، ليس من العدل والإنصاف، حيث إن المؤلف قد حبس نفسه ووقف حياته على هذا العمل، وقد لا يكون له مصدر للمعاش سواه. وقد أنكر الشيخ وهبة الزحيلي على من أنكر هذا الحق، قائلًا وفقه الله: «لا أدري وجود شر أو غبن أو جور أعظم من هذا: أن يستثمر الطابع أو الناشر حق المؤلف، ويربح على حسابه أموالًا طائلة، ويحرم المؤلف المسكين الذي كاد عقله أن يتفجر، وفكره يعيا، وأعصابه تتلف من عناء إنجاز المصنف، والذي كلفه جهودًا طويلة وشاقة، فسهر ليله، وأتعب عينيه، وشغل نهاره كله بالتأليف، ثم يقال له: قدم هذا العمل لغيرك مجانًا!! إن هذا لهو الإفك المبين والخطأ الواضح» (١). وقد اعترض بعضهم على هذا بقوله: لا يعتبر مصنف المؤلف الشرعي مغبونًا ومحرومًا إذا اختار ما وعد الله، وما يرجوه منه على دراهم معدودة يأخذها من الناشر، وقد يكون الله أغناه عنها بما أنعم عليه من كفاية. ويجاب عن هذا: بأن أخذ العوض لا يعني قطع الأجر، ولا القدح في الإخلاص كما ذكرنا ذلك في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية السابقة، وإنما الذي يقدح لو كان الباعث على التأليف هو الكسب الدنيوي فقط، وأما إذا كان الباعث على العمل الدار الآخر، والكسب الدنيوي لم يكن ذلك قادحًا في النية.

стр. 184

الدليل الخامس: إذا كانت المنفعة الناشئة عن خدمة بعض الحيوانات مهما كانت بسيطة كتغريد العصافير، وأصوات الببغاوات تعتبر مالًا محترمًا لأصحابها، وكذلك الديدان المعدة للصيد تعتبر مالًا نظرًا لمنفعتها في جعلها طعمًا في الشرك، فأولى ثم أولى أن تكون المنفعة الناشئة عن التأليف مالًا محترمًا يجب صونه لصاحبه، وذلك لوجود البون الشاسع بين المنفعتين. الدليل السادس: إذا جاز جعل تعليم القرآن عوضًا تستحل به الأبضاع، كما في قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه (زوجناكها بما معك من القرآن) فمن باب أولى أخذ العوض على نشر علومه. الدليل السابع: قال ﷺ «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» (١). وجه الاستدلال: إذا جاز العوض في القرآن، ففي السنة من باب أولى، وإذا جاز في الوحيين فما تفرع عنهما من الاستنباط والمفهوم وتقعيد القواعد، وتأصيل الأصول لهو أولى بالجواز. الراجح من الأقوال: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول الراجح هو من يقول: إن حق المؤلف حق مالي يجب صونه والدفاع عنه، وهذا الحق من حقوق

стр. 185

الحكرة أكثر من كونه من حقوق الملكية، فيجب أن يستمر هذا الحق مدة معينة، ثم يصبح من حق الأمة، وهذه المدة هي محل اجتهاد، ويترك تقديرها في كل بلد إسلامي لأهل العلم، أو القضاة الشرعيين. وأما القوانين الوضعية فهي وإن كانت تعتبره حقًا ماليًا، إلا أنها في مدة استغلال هذا الحق مختلفة فيما بينها وأقصى مدة ذهب إليها القانونيون هي خمسون سنة (١). * * *

стр. 186

الفرع الثالث في مالية براءة الاختراع المسألة الأولى في تعريف براءة الاختراع تعريف براءة الاختراع: هو سند، أو وثيقة، أو شهادة بالبراءة تشهد أن المخترع لم يسبق إليه، وأنه بريء من التقليد، أو التزوير، أو الانتحال، وأنه في أمان من الاعتداء على حقه حين أذاعه وأعلنه. فهو يشبه حق المؤلف إلا أن المؤلف يتعلق بالأعمال الأدبية والفنية، وأما حق براءة الاختراع فيتعلق بالأعمال الصناعية، كابتكار مذياع، أو اكتشاف دواء مرض معين (١). وتعطي هذه الشهادة صاحبها حق التصرف في الاختراع بجميع الطرق الممكنة والمباحة شرعًا من استغلال أو بيع أو نحوهما. ويشترط لمنح براءة الاختراع شروط أربعة: الشرط الأول: أن ينطوي الاختراع على ابتكار. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه حماية حق المخترع، فلولا هذا الابتكار الذي ينطوي عليه الاختراع لما استحق الحماية، فحق المخترع إنما هو ثمرة من

стр. 187

ثمار فكر الإنسان وابتكاراته، ولا يشترط في الابتكار أن يكون ابتداعًا رائعًا، بل يكفي أي قدر من الابتكار، أيا كانت قيمته. الشرط الثاني: أن يكون الابتكار جديدًا. أي ليس تكرارًا لابتكار سابق، لأنه إذا كان الابتكار قد سبق إليه لم تكن البراءة في محلها؛ لأن البراءة تعني الشهادة بأن المخترع لم يسبق إليه، وإن كان القانون يقصد بكون الابتكار جديدًا أن أحدًا لم يسبقه بالتعريف بالمخترع، فلو سبقه أحد بابتكار هذا المخترع، ولم يسجله كان للمتأخر أن يطلب براءة باختراعه باعتبار أنه قد سبق غيره بطلب البراءة. الشرط الثالث: أن يكون الاختراع قابلًا للاستغلال التجاري. لأن براءة الاختراع تعطي صاحبه وحده حق استغلاله اقتصاديًا، وهذا هو المقصود الأعظم من براءة الاختراع، وتحميه من أن يعتدي على حقه أحد من الناس. الشرط الرابع: ألا يكون في الاختراع ما يخالف الشرع، ويعبر عنه القانون بألا يخالف الآداب العامة. فلا يجوز أن تمنح براءة اختراع لآلة تصنع الخمور مثلًا، ولا لآلة للعب القمار، ولا لغيرها من المحرمات التي قد نص الشرع على تحريمها، وأجمع أهل العلم على أنها من الأمور المحرمة (١). * * *

стр. 188

المسألة الثانية خلاف العلماء في مالية براءة الاختراع [ن - ٥] الخلاف فيه كالخلاف في حق المؤلف، والأدلة هي الأدلة إلا أن الفرق بينهما كما قدمنا أن حق المؤلف يتعلق بالأعمال الأدبية والفنية، وحق براءة الاختراع يتعلق بالأمور الصناعية، والجامع بينهما أن كلا الحقين ثمرة من ثمرات الفكر والابتكار، وما رجحناه هناك نرجحه هنا: وأن براءة الاختراع حق مالي وملك لصاحبه، له حق حيازته، والاستئثار به. كما أن له حق أدبي فيه وذلك في نسبة المخترع إليه دون غيره، وحمايته من التقليد والغش والانتحال. وله حق في استغلال الاختراع، وينتقل هذا الحق إلى ورثة المخترع مدة مؤقتة، يقدرها القضاة الشرعيون في كل بلد، وتحديدها خاضع للاجتهاد. والقول بعدم مالية براءة الاختراع، وإعطاء غيره ليستغله دون الرجوع إلى صاحبه يفضي إلى انقطاع الناس عن العمل على إنتاج ابتكارات جديدة تخدم المجتمع في كل نواحي الحياة المدنية والعسكرية. ويجب على الدول الإسلامية أن تعنى بإقامة مراكز للبحوث تشجع على البحث يتم من خلالها الوصول إلى أدوية جديدة لأمراض مستعصية، وكذلك صناعات عسكرية تحمي المسلمين وبلادهم من شر الاعتداء عليهم، وتمكنهم من نشر الدعوة إلى الله، وكل ما يخدم الإنسان في حياته اليومية، وهذا الجانب قد قصر فيه المسلمون كثيرًا، وكان من عواقبه أن كانت أمة محمد في ذيل الأمم، وهي خير أمة أخرجت للناس، فالله المستعان.

стр. 189

وبهذا التقرير نعرف أن الحقوق الفكرية هي حقوق مالية يجب المحافظة عليها، وصونها تشجيعًا للباحث، وخدمة للبحث العلمي، ولن تتطور البحوث ويتوجه الناس لها، وهي حقوق منتهكة، يستفيد منها غير أهلها، كما أن على الإعلام أن ينشر هذه الثقافة بين عامة المواطنين ليكون هناك وعي لدى كافة الناس في أهمية المحافظة على هذه الحقوق الفكرية خدمة للعلم وأهله، وخدمة للمجتمع ليكون مجتمعًا منتجًا لا مستهلكًا، وليكون هناك وازع أخلاقي يردع الناس من الاعتداء على تلك الحقوق، وبلادنا كغيرها من البلاد النامية تعاني نقصًا من التشريعات الضرورية التي تحمي هذه الحقوق، ومن سوء تطبيق تلك القرارات إن وجدت، والتساهل غير المبرر في تطبيقها مع أن خسائرها قد تبلغ مليارات الريالات، فالله المستعان. * * *

стр. 190

المبحث الثالث في مالية حقوق الارتفاق الفرع الأول في تعريف الارتفاق تعريف الارتفاق في الاصطلاح (١): ذكر الفقهاء حقوق الارتفاق، ولم يصطلحوا على تعريف له، وأول من استعمل مصطلح حقوق الارتفاق، ووضع تعريفًا له هو محمد قدري باشا في كتابه مرشد الحيران، حيث عرفه: بأنه: حق مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر لشخص آخر (٢).

стр. 191

وقيل: هو «حق الانتفاع العيني الثابت لعقار على عقار آخر بقطع النظر عن شخص المالك» (١). ويلحظ على هذا التعريف بأنه غير جامع، فحق الشفة يعتبر من حقوق الارتفاق، وهو ليس خاصًا بعقار. ولذا عرفه بعض الباحثين: بأنه حق متقرر على عقار لمنفعة عقار آخر، مالكهما مختلف، أو لمنفعة شخص بغير إجارة، أو إعارة، أو وقف، أو وصية (٢). الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع الشخصي: أهم فرق بين هذين الحقين: أن حق الارتفاق إنما يكون مقررًا لعقار كحق الشرب الثابت لأرض على مجرى يكون لها مهما تغير مالكها أو المنتفع بها، فينتفع به على أنه للأرض، بصرف النظر عن المالك بخلاف حق الانتفاع الموصى له بمنفعة أرض، فإنه خاص بشخصه، وينتفع به على أنه من حقوقه الشخصية، ولذا لا ينتفع به سواه، وإذا مات انتهى بذلك حقه. فإذا عرفنا هذا تبين لنا أن حق الارتفاق حق لازم بالنسبة لمالك العقار المرتفق به، فلا يملك أن يبطله بخلاف حق الانتفاع الشخصي فإنه قد يكون غير لازم، كما في المستعير فإن المعير يملك إبطاله (٣).

стр. 192

يقول الدكتور محمد يوسف موسى: «حق الارتفاق: هو النوع الثالث من أنواع الملك الخاص، وهو حق الانتفاع العيني الثابت لعقار على عقار آخر، بقطع النظر عن شخص المالك، فإن حق سقي أرض من مجرى ماء معين، أو صرف الماء الزائد عن حاجتها في مصرف معروف، أو المرور إليها من طريق هو جزء من أرض أخرى كل هذه الحقوق مرتبة لتلك الأرض على تلك المحال، سواء أكانت مملوكة ملكًا عامًا أم خاصًا، ومن أجل ذلك قلنا: بأن تلك حقوق عينية ما دامت تابعة للعين نفسها، لا لشخص المالك، فهي دائمة وليست مؤقتة بحياة مالك العقار. اهـ» (١). ويقول الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى: «حق الارتفاق في نظر الفقهاء من قبيل ملك المنفعة، وهي منفعة بين عقارين تابعة لهما على الدوام مهما انتقلت ملكيتها، وإن مالك هذه المنفعة هو مالك العقار المنتفع، ومن هنا تتجلى عينية هذا الحق» (٢). * * *

стр. 193

الفرع الثاني أنواع حقوق الارتفاق الحقوق التي تكلم عنها الفقهاء والتي وجدت من قبل هي: الأول: حق الشرب وحق الشفة (١): وقد عرفه الفقهاء بأنه: النصيب من الماء لسقي الزرع والشجر، أو نوبة الانتفاع بالماء سقيًا للشجر أو الزرع. وقد شمل التعريف معنيين من الحق: أحدهما: النصيب المستحق من الماء كما لو كانت القسمة على مقدار معين من الماء، وهو ما نص عليه بقوله: (بأنه النصيب من الماء لسقي الزرع ... ). الثاني: زمن الانتفاع به كما لو كانت القسمة بالزمن، وهو ما نص عليه بقوله: (أو نوبة الانتفاع بالماء ... ). ويلحق بهذا الحق: حق الشفة، وهو حق شرب الإنسان والدواب والاستعمال المنزلي، وسمي بذلك؛ لأن شرب الإنسان يكون بتناول الشفة لإيصاله إلى الجوف (٢).

стр. 194

الثاني: حق المجرى (١): يراد به في الاصطلاح: حق إجراء الماء المستحق من أرض إلى أرض أخرى لسقي ما بها من شجر أو زرع (٢). وهذا الحق تابع لحق الشرب؛ لأن الشرب وهو النصيب من الماء لسقي الأشجار لا يمكن استيفاؤه إلا إذا كان له مجرى يمر به إلى الأرض المراد سقيها، فيكون حق المجرى: هو أن يكون لعقار حق مرور الماء الصالح لسقي زرعه أو شجره على عقار آخر مالكه غير المالك الأول. وقد وقع خلاف بين الفقهاء في ثبوت هذا الحق، وليس هذا الفصل مخصصًا لبيان ثبوت هذا الحق من عدمه، فإن هذا له باب آخر، وإنما الكلام في هذا الفصل مخصص لمالية هذا الحق على القول بثبوته، لأن الكلام في تعريف المال، وكونه شاملًا للأعيان والديون والمنافع والحقوق، ومن الحقوق حقوق الارتفاق (٣).

стр. 195

الثالث: حق المسيل (١): لم يعن الفقهاء بتعريف حق المسيل، وإن كانوا قد تعرضوا لأحكامه، وقد عرفه بعضهم بأنه: حق صرف الماء غير الصالح، أو الزائد عن الحاجة في ملك الغير حتى يصل إلى مستودع أو مصرف عام (٢). الفرق بين حق المجرى وحق المسيل: أن المجرى يكون لجلب الماء الصالح للاستعمال، وأما المسيل: فيكون لتصريف المياه غير الصالحة، أو الزائدة عن الحاجة، والتخلص منها. الرابع: حق المرور (٣): أن يكون لشخص حق المرور في أرض شخص آخر (٤).

стр. 196

الخامس: حق التعلي (١): هو أن يكون لإنسان الحق في أن يعلو بناؤه بناء غيره على وجه الاستقرار والدوام، بقي أو تهدم كل منهما. ويتحقق ذلك في دار لها سفل وعلو، ويكون مالك السفل غير مالك العلو، ويكون للعلو حق القرار والبقاء على ذلك السفل دون أن يتملك سقفه. كما يتحقق ذلك في دار مكونة من ثلاث طبقات فأكثر، يبيعها مالكها لثلاثة أشخاص فأكثر، لكل شخص طبقة من طبقاتها، فيكون للأعلى حق التعلي والقرار على من يليه، ولمن يليه حق التعلي والقرار على من يليه، وهكذا إلى أرضها (٢). السادس: حق الجوار (٣): يراد بالجوار هنا الجوار الجانبي، وهو الناشئ عن الملاصقة بالحدود؛ لأن الجار العلوي داخل في حق التعلي كما سبق (٤). ويرى أبو زهرة أن حق الجوار لا يدخل في حق الارتفاق؛ لأن حق الارتفاق: تكليف وعبء على عقار لمنفعة عقار آخر، وهو من نوع الشركة في العين التي تعلق بها الارتفاق، فإذا كان لعقار حق الشرب من مجرى يجري في عقار آخر كان بين صاحبي العقارين شركة في حق الشرب.

стр. 197

أما حقوق الجار فتقوم على منع الضرر بالجار ضررًا بينًا فاحشًا في سبيل انتفاع الشخص بملكه، فهي تقييد لانتفاع الشخص بملكه بقيد أن لا يضر بجاره. وبعبارة موجزة، أن الفرق بينهما: أن حق الارتفاق: حق إيجابي متعلق بالعقار. وأما حق الجوار فحق سلبي ليس إلا منعًا للضرر (١). * * *

стр. 198

الفرع الثالث في إحداث حقوق ارتفاق جديدة [م - ١٤] سبق لنا أن ذكرنا ستة أنواع من حقوق الارتفاق، وهي حق الشرب، وحق المجرى، وحق المسيل، وحق المرور، وحق التعلي، وحق الجوار، ولم يتعارف قديمًا على غير هذه الحقوق، فهل يحق إنشاء حقوق ارتفاق أخرى سوى ما ذكر، في هذا خلاف بين العلماء، فيرى الحنفية أنه لا يجوز لمالك عقار أن ينشئ على عقاره حقوق ارتفاق أخرى؛ لأن في إنشائها تقييدًا للملكية التامة، والأصل فيها أنها لا تقبل التقييد، وما قيدت بتلك الحقوق إلا استثناء، ولا يتوسع في الاستثناء. ولأن المنافع والحقوق ليست بأموال عندهم فلا يصح أن تكون محلًا للمعاوضة استقلالًا، أما إذا دخل هذا الحق في العقد تبرعًا، فإن هذا التبرع يعتبر إعارة، وهي لا تفيد التزامًا، فيصح له أن يرجع في إعارته، مع أن حقوق الارتفاق ثابتة دائمة لا يملك معطيها الرجوع فيها. ويرى بعض العلماء، ومنهم المالكية أن المالك حر فيما ينشئ على عقاره من حقوق لعقار غيره، وأن الحقوق لم تكن محصورة فيما سبق ذكره، فإذا كان لشخص قطعة أرض معدة للبناء بجوار داره، فباعها، واشترط على المشتري أن لا يقيم بناء ملاصقًا لبنائه، أو أن يبني بارتفاع معين لا يتجاوزه، وقبل المشتري، تم العقد، وصح الشرط (١).

стр. 199

وهذا يتمشى مع مذهب الحنابلة الذين يجيزون الشروط كلها إلا شرطًا خالف نصًا، أو خالف مقتضى العقد، وقد سبق لنا الكلام على خلاف العلماء في إحداث شروط جديدة، وما هو الأصل في الشروط، والحمد لله، فليرجع إليه من شاء. * * *

стр. 200

الفرع الرابع في مالية حقوق الارتفاق ليست حقوق الارتفاق على حكم واحد في مذاهب أهل العلم، فقد تجد في المذهب الواحد من يعتبر بعض هذه الحقوق حقًا ماليًا يجوز الاعتياض عنه، بينما يمنع بيع حق آخر لعلة عنده أوجبت التفريق، فالحنفية الذين يمنعون من بيع حقوق الارتفاق بمفردها، ويرون أن المنافع ليست أموالًا يرون جواز بيع حق المرور. والحنابلة مثلًا يمنعون بيع حق الشرب، كما يرون أن للجار أن يضع خشبة على جدار جاره، وليس له أن يمنعه من ذلك، فضلًا عن أن يطالبه بعوض مالي مقابل ذلك، بينما ذكروا في حق آخر حكمًا مختلفًا، فجاء في الروض المربع: «وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلومًا صح لدعاء الحاجة إليه، فإن كان بعوض مع بقاء ملكه فإجارة، وإلا فبيع» (١). ولما كان ذلك كذلك، وطلبًا لأن يكون البحث دقيقًا رأيت أن أعرض هذه الحقوق حقًا حقًا، وأحرر الخلاف فيها ليقف طالب العلم على حكم كل مسألة بانفرادها، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 201

المسألة الأولى في بيع حق الشرب حقوق الآدميين تقبل من المعاوضة والبدل ما لا يقبله حقوق الله تعالى، ولا تمنع المعاوضة في حق الآدمي إلا أن يكون في ذلك ظلم لغيره، أو يكون في ذلك حق لله، أو يكون من حقوق الله (١). حقوق الأشياء معتبرة بأصولها . [م - ١٥] اتفق الفقهاء على جواز بيعه تبعًا للأرض، واختلفوا في بيعه منفردًا. فقيل: لا يجوز بيعه، وبهذا قال جمهور الحنفية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). على خلاف بينهم في وجه المنع: فالحنفية يرون المانع من بيع حق الشرب كونه من الحقوق، والحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع، ويصح بيعه تبعًا للأرض

стр. 202

يقول الكاساني: «الحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع والشراء» (١). ويقول أيضًا: «ولو باع الأرض مع الشرب جاز تبعًا للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعًا لغيره، وإن كان لا يجعله مقصودًا بنفسه» (٢). وقال في مجلة الأحكام العدلية: يصح بيع .... حق الشرب والمسيل تبعًا للأرض، والماء تبعًا لقنواته» (٣). وقال سليم في شرح المجلة: «وإذا باع أرضًا مع شرب أرض أخرى جاز، ولكن لا يجوز بيع حق المرور، وحق الشرب، وحق التسييل، ولا هبتها قصدًا؛ لأن الحقوق بانفرادها لا يجوز بيعها ... » (٤). واستدلوا لعدم ماليتها بتعذر إمكانية حيازتها؛ لأن من شرط المال أن يكون قابلًا لحيازته وادخاره كما مر معنا في الخلاف في مالية المنافع.

стр. 203

وأما المانع عند الحنابلة فلأن النبي ﷺ نهى عن بيع فضل الماء (١)، وقال ﷺ : الناس شركاء في ثلاث، الماء والكلأ والنار (٢)، وليس المانع عندهم كون هذا من قبيل بيع المنافع، فالمنافع يجوز المعاوضة عليها، وهي من أقسام المال، وليس المانع عندهم أيضًا كون هذا البيع من بيع الحقوق، فالحقوق المالية عندهم يجوز بيعها، والمعاضة عليها. وقد تكلمنا بشيء من التفصيل عن النهي عن بيع فضل الماء، فانظره في باب موانع البيع. وقيل: يجوز بيعه، وبهذا قال مشايخ بلخ من الحنفية (٣)، وهو مذهب المالكية (٤)، وأحد الوجهين عند الشافعية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦). وجه هذا القول: تعليل مشايخ بلخ: بأن الشرب حظ من الماء، يضمن بالإتلاف، وله قسط من الثمن، فجاز بيعه. وتعليل غيرهم: بأن حق الشرب ملك للبائع، ومن ملك شيئًا كان له حق التصرف فيه، ببيع أو هبة أو غيرهما، والأصل أن مال المسلم لا يحل إلا بطيب

стр. 204

نفس منه، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فأشبه ثمرة شجرته، ولبن شاته، ونحو ذلك. القول الراجح: أن اختصاص الإنسان بالشرب يعني تقديمه على غيره، ولا يعني أنه ملكه قبل حيازته، فما حازه جاز له بيعه، وما فضل عن حاجته، وكان ذلك قبل حيازته لم يجز له بيعه، ولا منع الناس منه إلا أن يتضرر، وقد بحثت هذه المسألة، ولله الحمد في موانع البيع، فمن أراد الاستزادة من الأدلة فليرجع إلى المسألة في موانع البيع. * * *

стр. 205

المسألة الثانية في حق المجري كل ما تعورف تداوله من أعيان ومنافع وحقوق يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه ككل مال متقوم (١). وهو أصح من قول الحنفية: الحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع (٢). [م - ١٦] اختلف الفقهاء في المجرى، هل يجب بذله بلا عوض، أو يجوز أخذ المعاوضة عليه. فذهب الحنفية (٣)، والشافعي في أحد قوليه (٤)، ورواية عن أحمد إلى أنه لا يجوز المعاوضة على المجرى بانفراده (٥). إلا أن الحنيفة يمنعون المعاوضة عليها؛ لأن الحقوق لا يجوز إفرادها بالبيع، ولأن المنافع وحدها ليست مالًا؛ لأن المال عندهم ما يمكن تموله وادخاره، يقول الكاساني: «الحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع والشراء» (٦).

стр. 206

بينما الشافعي والرواية الثانية عن أحمد، والتي رجحها ابن تيمية يرون أن المانع من المعاوضة عليها؛ ليس لأنها ليست مالًا، وإنما لأن المرافق يجب بذلها مجانًا إذا لم يكن على صاحبها ضرر في بذلها، وهو أقوى من تعليل الحنفية؛ لأن المنافع على الصحيح تعتبر مالًا يقع عليها البيع كما تقدم في بحث مالية المنافع. (ث - ١) واستدلوا بما رواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني، وهو لك منفعة، تشرب به أولا وآخرًا، ولا يضرك؟ فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر ابن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا. فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولًا وآخرًا، وهو لا يضرك؟ فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك (١). وأجيب عنه: الأول: أنه مرسل، يحيى المازني لم يدرك عمر، والمرسل من قبيل الضعيف، وقد صحح إسناده الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح (٢). الثاني: على فرض أنه صحيح، فإنه حكم لعمر موقوف عليه، خالفه فيه صحابي جليل، وهو محمد بن مسلمة، وهو من كبار الصحابة، وممن شهد بدرًا، ولو كان يعلم أن ذلك قضاء الله، وقضاء رسوله ﷺ لم يمتنع عن ذلك،

стр. 207

ولكن ربما رآه أنه على الندب، وإذا وجد الخلاف بين الصحابة في ذلك وجب النظر في ترجيح أحد القولين، كيف والعمومات الشرعية قطعية الدلالة كلها تدل على حرمة مال المسلم إلا بطيب نفس منه. الثالث: أن الحديث على الندب، وليس على الوجوب، كما قال تعالى في مكاتبة العبد: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] والأمر بمكاتبة العبد على الندب. قال ابن عبد البر: «لم يختلف علماء السلف أن ذلك على الندب، لا على الإيجاب - يعني: مكاتبة العبد - فكذلك هنا» (١). وقال مالك: «لم أسمع أن أحدًا من الأئمة أكره رجلا على أن يكاتب عبدًا» (٢). وقال الباجي تعليقًا على قول مالك: «يريد أنه لم يكن ذلك في السلف، وما روي عن عمر أنه أمر أنسا أن يعتق عبده سيرين، فأبى فضربه عمر بالدرة، وقال: كاتبه فقال أنس: لا أكاتبه فتلا عمر ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فكاتبه أنس، فليس فيه دليل على اللزوم، والجبر، ولو كان لعمر أن يجبر على ذلك أنسا لحكم بذلك عليه، واستغنى عن أن يضربه بالدرة، ويتلو عليه القرآن بالأمر بذلك، وإنما ضربه بالدَّرة لما ندبه إلى الخير، وإلى ما رآه صلاحًا له في دينه ودنياه، فامتنع من ذلك، فأدبه لامتناعه، وتلا عليه القرآن بالأمر بذلك والندب إليه، وقد أمر محمد بن مسلمة أن يبيح لجاره

стр. 208

إمرار النهر على أرضه، وقال: والله ليمرن به ولو على بطنك على وجه التحكم عليه فيما هو صلاح له في دينه ودنياه، وعلم أن محمد بن مسلمة لا يراجعه إذا عزم عليه في ذلك» (١). القول الثاني: ذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة في المشهور (٤)، إلى جواز أخذ العوض عليها منفردة. واشترط الشافعية فيما إذا كان العقد بيعًا معرفة أمرين: أحدهما: معرفة موضع المجرى. والثاني: معرفة الطول والعرض، والعمق. ووافقهم الحنابلة إن كان ذلك بعوض مع بقاء ملك البائع؛ لأن العقد إجارة لبقاء ملك الرقبة لصاحب الأرض، أما لو كان البيع على موضع المجرى فلا يشترط معرفة العمق حينئذ؛ لأن من ملك الموضع كان له إلى تخوم الأرض، فلا حاجة لاشتراط معرفة ذلك. واستدلوا على جواز المعاوضة عليه بأدلة منها:

стр. 209

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فمن أخذ مال الغير بدون رضاه فقد أكل ماله بالباطل الدليل الثاني: جميع الأدلة التي سقتها على مالية المنافع تصلح دليلًا على مالية هذه الحقوق. وهذا الاستدلال يصلح الاحتجاج به على الحنفية الذي لا يرون المنفعة مالًا، وليس بحجة على الحنابلة، الذين يرون أن المنفعة مال، ويرون في الوقت نفسه وجوب بذل المرفق إذا احتاج له الجار، ولم يكن في ذلك ضرر على المالك. الدليل الثالث: (ح - ٩) ما رواه البخاري من طريق ابن سيرين، عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة. عن أبيه مرفوعًا، وفيه: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه. ورواه مسلم (١). وأجيب عن هذا الحديث وأمثاله: بأن مال المسلم حرام على وجه التمليك والاستهلاك، وليس المرفق من ذلك؛ لأن النبي ﷺ فرق بينهما في الحكم، فغير جائز أن يجمع بين ما فرق

стр. 210

رسول الله ﷺ ، فقد أوجب أحدهما كما في غرز الخشبة على جدار الجار، ومنع من الآخر وهو التعدي على ملك الغير بغير حق. * * *

стр. 211

المسألة الثالثة في المعاوضة على حق المسيل [م -١٧] اختلف العلماء في المعاوضة على حق المسيل منفردًا، فقيل: لا يجوز ذلك، سواء كان ذلك على سطح، أو على الأرض، وهذا مذهب الحنفية. وقيل يجوز، سوء كان ذلك ببيع، أم بإجارة، وسواء كان المسيل على السطح أم على الأرض، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). والخلاف فيها بين الحنفية والجمهور راجع للخلاف في مالية المنافع. فالحنفية يرون أن المنافع لا يجوز إفرادها بالبيع إلا تبعًا للعين، لأنها ليست مالًا؛ لأن المالية لا تثبت إلا بالتمول، وتمول الشيء يعني إحرازه وادخاره، والمنفعة لا يمكن صيانتها وادخارها. والجمهور لا يوافقونهم على أن المنافع ليست من الأموال، بل إن المالية تدور على المنفعة، فأينما وجدت المنفعة المباحة مطلقًا وجدت المالية، وإذا فقدت المنفعة فقدت المالية. وسبق لنا تحرير أدلة كل قول، ومناقشتها في مالية المنافع، فارجع إليها إن شئت. * * *

стр. 212

المسألة الرابعة في بيع حق المرور [م - ١٨] اختلف العلماء في بيع حق المرور. فقيل: يجوز، وبه قال جماهير أهل العلم (١)، ورواية في مذهب الحنفية (٢)، وعليها الفتوى (٣). وجه الفرق عند الحنفية بين حق المرور وبين سائر حقوق الارتفاق: أن الفرق بين حق المرور وحق المسيل: أن حق المرور متعلق بمحل معلوم، وهو الطريق، وهو معلوم الطول والعرض، فيجوز بيعه، وأما حق التسييل، فإن كان على الأرض، فمجهول لجهالة محله الذي يأخذه الماء؛ لأن مقدار ما يشغله الماء من الأرض مختلف، ويختلف بقلة الماء وكثرته. وهو مجهول، وإن كان على السطح فهو نظير حق التعلي، وحق التعلي ليس متعلقًا بما هو مال، بل بالهواء (٤).

стр. 213

كما أن الفرق بين حق المرور وحق التعلي أن حق المرور حق يتعلق برقبة الأرض، وهي عين مال، فما يتعلق به يكون له حكم العين، وأما حق التعلي فحق يتعلق بالهواء، وهو ليس بعين مال (١). وقيل: لا يجوز بيع حق المرور، وهو رواية ثانية في مذهب الحنفية (٢). بناء على أصلهم في أن الحقوق لا تفرد بالبيع، وأن المنافع ليست مالًا. وقد سبق مناقشة هذا الدليل فيما تقدم ذكره في بيع حق الشرب والمجرى والمسيل، فانظره هناك. والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من جواز بيع المنفعة كممر في دار، سواء كان ذلك على وجه التأبيد ليكون بيعًا، أو كان مؤقتًا كما لو كان العقد عقد إجارة، والله أعلم. * * *

стр. 214

المسألة الخامسة في بيع حق التعلي [م - ١٩] اختلف العلماء في بيع حق التعلي. فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول المزني من الشافعية (٢)، واختيار ابن حزم (٣). وقيل: بل يجوز، وهو مذهب الجمهور (٤)، بشرط أن يبين في العقد كل ما يرفع الجهالة والغرر، بحيث يبين قدر الارتفاع، ومتانته، ومادة البناء، ونحو ذلك. وجه قول الحنفية: أن حق التعلي ليس بمال؛ لأن المال ما يمكن إحرازه وقبضه، والهواء لا يمكن إحرازه وقبضه.

стр. 215

ويناقش: بأن البيع ليس لمادة الهواء، وإنما لسطح البناء من أجل الانتفاع به، والبناء عليه، وهو مال، يمكن الانتفاع به، واستغلاله. وجه قول الجمهور: أنه بيع عين يجوز الانتفاع به، فجاز إفراده بالبيع، وهو الصواب. * * *
следующие страницы →