← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

المطلب الحادي عشر في بيع الحصاة (ح-٢١٣) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١). واختلف العلماء في تفسير بيع الحصاة على أقوال: ذهب بعض أهل الحديث إلى تفسير بيع الحصاة: بأنه إذا رمى الحصاة فقد وجب البيع، وإلى هذا ذهب الترمذي والدارمي (٢)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). وعبر المالكية بقولهم: متى سقطت الحصاة ممن هي معه، ولو باختياره لزم البيع (٤). وقيل: بيع الحصاة: أن يتساوم الرجلان السلعة، فإذا وضع المشتري عليها حصاة، فقد لزم البيع، وهذا مذهب الحنفية (٥)،

стр. 1507

وقول في مذهب المالكية (١). وقيل: أن يكون هناك أثواب، فأي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو مبيع بكذا، وهذا تفسير ابن الهمام من الحنفية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: بيع الحصاة أن يقول: بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغه الحصاة إذا رميتها بكذا، وهذا وجه في مذهب الشافعية (٦)،

стр. 1508

وقول في مذهب الحنابلة (١). وقيل: بيع الحصاة أن يقول: بعتك، ولك الخيار - أو لي الخيار أو لنا الخيار- إلى أن أرمي بهذه الحصاة، وهذا وجه في مذهب الشافعية (٢). ولعل كل هذه التفسيرات ليس فيها اختلاف، وإنما هي أنواع لبيع الحصاة، وكلها لا تسلم من الجهالة والخطر ودخولها في الغرر المنهي عنه. * * *

стр. 1509

المطلب الثاني عشر في النهي عن بيع عسب الفحل المسألة الأولى في تعريف عسب الفحل وعلاقته ببيع الغرر تعريف عسب الفحل (١): ويطلق العسب: على ضراب الفحل. ويطلق على ماء الفحل فرسًا كان أو بعيرًا: والعسب: إعطاء الكراء على الضراب، وهو منهي عنه كما سيأتي. مناسبة إدخال هذا الباب في باب الغرر: أدخلت النهي عن بيع عسب الفحل بالغرر بسبب الجهالة، ويصح أن يدخل في الغرر بسبب عدم القدرة على التسليم، وهذا ما يفهم من تعليل عبارة الفقهاء ﵏. فقد علل الكاساني النهي بكون المعقود عليه معدومًا، فقال في بدائع الصنائع: «عسب الفحل ضرابه، وهو عند العقد معدوم» (٢).

стр. 1510

وعلل الزيلعي النهي عنه بالجهالة، فقال في تبيين الحقائق: «وإنما نهي عنه للجهالة التي فيه، ولا بد في الإجارة من تعيين العمل، ومعرفة مقداره» (١). وعلل أكثر الشافعية النهي لكونه مجهولًا، وغير مقدور على تسليمه (٢). وعلل الشيرازي منهم بأن ماء الفحل لا قيمة له لكونه محرمًا، قال في المهذب: «نهى عن ثمن عسب الفحل؛ لأن المقصود منه هو الماء الذي يخلق منه، وهو محرم، لا قيمة له، فلم يجز أخذ العوض عليه، كالميتة والدم» (٣). وعلل ابن قدامة النهي بقوله: «لأنه مما لا يقدر على تسليمه، فأشبه إجارة الآبق، ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته، ولأن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول» (٤). وعلل بعضهم: «بأن ثمرته المقصودة غير معلومة، فإنه قد يلقح، وقد لا يلقح، فهو غرر» (٥). وهذا معنى التعليل بالجهالة. وعلل ابن القيم النهي بقوله: «النهي عن بيع عسب الفحل من محاسن الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان، وجعله محلًا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح، ومستهجن عند العقلاء» (٦). * * *

стр. 1511

المسألة الثانية خلاف العلماء في بيع عسب الفحل [م-٣٢٤] اختلف العلماء في حكم بيع عسب الفحل، وإجارته للضراب. فقيل: لا يجوز بيع عسب الفحل، ولا إجارته، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: لا يجوز بيعه، وتجوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة، وهو مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣). واختار ربيعة جواز بيعه إذا كان له أجل ينتهي إليه ضرابه، ولم يكن يضمن له اللقاح (٤). دليل من منع بيع عسب الفحل وإجارته . الدليل الأول: (ح-٢١٤) ما رواه البخاري من طريق علي بن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل (٥).

стр. 1512

وجه الاستدلال: لا يمكن حمل النهي على نفس العسب، وهو الضراب؛ لأن ذلك جائز بالإعارة، فيحمل على بيع مائه وإجارته إلا أنه حذف ذلك وأضمره فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]. وعلة النهي ما تقدم بأن المبيع مجهول غير متقوم، ولا مقدور على تسليمه. وأجاب المالكية: بأن النهي محمول على ما فيه غرر من اشتراط الحمل (١). وحمل بعضهم النهي على الكراهة، وأن النفوس تستقبحه. ويجاب: بأن اشتراط الحمل لم يرد في شيء من النصوص، فحمل النهي على أمر لم يذكر في النص تأويل غير سائغ. الدليل الثاني: علل الحنفية منع البيع لكون عسب الفحل ليس مالًا (٢). دليل من قال: تجوز إجارته لمدة معلومة . الدليل الأول: القياس على إجارة الظئر للرضاع، مع أنه ممنوع بيع لبنها. الدليل الثاني: القياس على جواز الإجارة على تلقيح النخل.

стр. 1513

الدليل الثالث: أن الضراب منفعة مقصودة، والحاجة تدعو إليه، ولولا ذلك لانقطع النسل، والعقد إنما هو على ضراب الفحل، وهي منفعة معلومة، والماء تابع، والغالب حصوله عقيب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر. ويجاب عن ذلك: بأن قيام الحاجة إليه ليس مسوغًا لجواز بيعه، فهذا الكلب نهى الشارع عن أخذ ثمنه، مع قيام الحاجة إليه في الحراسة والصيد ونحوهما، والمقصود هو ماء الفحل، والضراب وسيلة إليه، وإذا كان قد جاء النهي عن بيع اللبن في الضرع مع أن تحصيله أمر ممكن مقدور عليه، فالنهي عن بيع عسب الفحل من باب أولى؛ لأنه عين غائبة غير مقدور على تسليمها، والله أعلم. الدليل الرابع: ذكر بعض المالكية بأن مالكًا إنما أجاز إجارة الفحل؛ لأن العمل عليه عند أهل المدينة، ومعروف رأي مالك في الاحتجاج بعمل أهل المدينة (١). ويجاب: بأن الحجة هو في الدليل الشرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أما عمل أهل المدينة فلم نؤمر عند النزاع بالرجوع إليه. قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 1514

الراجح: بعد استعراض أقوال العلماء أجد أن القول بالمنع أقوى دليلًا، خاصة مع صحة النهي عن المعصوم ﵊، وإذا لم يجد الإنسان فحلًا بالإعارة جاز له دفع الأجرة على ذلك، والإثم على المؤجر وحده بعد أن يبين له أنه لا يحل له أخذ العوض على الضراب، والله أعلم. * * *

стр. 1515

المطلب الثالث عشر بيع ضربة الغائص المسألة الأولى تعريف ضربة الغائص ضربة الغائص: الغوص: هو النزول تحت الماء، وقيل: الغوص: الدخول في الماء، يقال: غاص في الماء غوصًا فهو غائص، والجمع: غاصة، وغواصون، فالغوص: هو الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ. والغاصة: مستخرجوه، وفعله: الغياصة (١). والمراد أن يقول الغائص للتاجر: أغوص لك غوصة، فما أخرجته فهو لك بكذا (٢). وقال الزيلعي: «روي في تهذيب الأزهري عن ضربة الغايص بالغين المعجمة والياء آخر الحروف بعد الألف وهو غوص الصائد في الماء أو غوص الرجل في البحر لأجل اللؤلؤ .... » (٣). وقال بعضهم: ضربة القانص: وهو ما يخرج من الصيد بضرب الشبكة، أي وهو على هذا من القنص يقال قنص يقنص قنصا إذا صاد (٤). * * *

стр. 1516

المسألة الثانية في بيع ضربة الغائص وقنص الصائد [م - ٣٢٥] لا يختلف الفقهاء في فساد بيع ضربة الغائص، وقنص الصائد (١). وجه الفساد في هذا البيع: كون هذا البيع مشتملًا على غرر ظاهر، وذلك لجهالة ما يخرج من ضربة الغائص؛ لأنه يحتمل أن يحصل شيء من هذه الضربة، ويحتمل ألا يحصل، وإذا حصل فلا يعرف مقداره. قال ابن القيم: «وأما ضربة الغائص فغرر ظاهر لا خفاء به» (٢). وعلل بعضهم النهي عنه لكون الغائص باع ما ليس بملكه، حيث لم يكن مالكًا وقت العقد ما يحصل من الضربة (٣). (ح-٢١٥) وأما ما رواه أحمد من طريق جهضم - يعني اليمامي- حدثنا محمد بن إبراهيم، عن محمد بن زيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد، وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص (٤).

стр. 1517

[فإسناده ضعيف] (١). وقد قال البيهقي عن هذا الحديث: «وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي، فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهي عنه في الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ » (٢). * * *

стр. 1518

المطلب الرابع عشر الثنيا المجهولة في البيع سبق لنا عند الكلام على شروط المعقود عليه أنه يشترط العلم بمقدار المبيع، قال النووي: «وهذا لا خلاف فيه» (١). [م -٣٢٦] وإذا استثنى البائع شيئًا مجهولًا في المبيع كما لو قال: بعتك هذه الصبرة إلا بعضها، فإن مقدار المستثنى مجهول، ومتى كان المستثنى مجهولًا لزم منه أن يكون الباقي بعده (وهو المبيع) مجهولًا أيضًا، وجهالة المبيع تبطل البيع. قال النووي: «والثنيا المبطلة للبيع قوله: بعتك هذه الصبرة إلا بعضها، وهذه الأشجار أو الأغنام، أو الثياب ونحوها إلا بعضها، فلا يصح البيع؛ لأن المستثنى مجهول، فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهمًا، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة صح البيع باتفاق العلماء .. » (٢). (ح-٢١٦) وقد روى مسلم في صحيحه من طريق أيوب، عن أبي الزبير، وسعيد بن ميناء، عن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين، وعن الثنيا، ورخص في العرايا (٣).

стр. 1519

(ح-٢١٧) وأما ما رواه أبو داود من طريق عباد بن العوام، عن سفيان ابن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، والمحاقلة، وعن الثنيا إلا أن يعلم (١). رجاله ثقات، إلا أن زيادة (إلا أن يعلم) تفرد بها يونس بن عبيد عن عطاء، وأين أصحاب عطاء عن هذه الزيادة، مع أن البخاري قال: لا أعلم ليونس سماعًا من عطاء، وتفرد بها سفيان بن حسين عن يونس، بل قال ابن عدي: لا أعلم يروي سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، غير هذا الحديث (٢). هذا الكلام هو ما يقتضيه البحث وفق القواعد الحديثية، وأما المعنى فإن النهى عن الثنايا المطلق في رواية مسلم ينبغي أن يقيد بالثنيا المجهولة، لأن استثناء المجهول يصير المعلوم مجهولًا، وأما الاستثناء إذا كان معلومًا فلا حرج في استثنائه، وقد حكى النووي فيما سبق اتفاق العلماء على جوازه، والله أعلم.

стр. 1520

مسألة في بيع الصبرة من الطعام واستثناء جزء معلوم منه [م-٣٢٧] بيع الصبرة من الطعام واستثناء مقدار معين منها، إن كان الاستثناء منها بالجزء، كالربع، والثلث، والخمس صح، وحكى ابن نجيم، والكاساني من الحنفية، والنووي من الشافعية اتفاق العلماء عليه (١). وذكر بعض الحنابلة فيه قولًا بالمنع (٢). أما لو استثنى مقدارًا معينًا منها كما لو باع الصبرة إلا صاعًا منها، فاختلف العلماء في حكم البيع على قولين.

стр. 1521

القول الأول: لا يصح البيع، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: إذا استثنى رطلًا واحدًا جاز، وإذا استثنى أرطالًا معلومة لم يجز، حكاه ابن نجيم من الحنفية (٤). وأجاز مالك البيع بشرط ألا يتجاوز المستثنى مقدار الثلث (٥). القول الثالث: يصح البيع، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره أبو يوسف (٦)، ورواية عن أحمد (٧).

стр. 1522

دليل من قال: لا يصح البيع: قالوا: إن استثناء المعلوم من المجهول، كاستثناء المجهول من المعلوم، مثال ذلك: إذا استثنى صاعًا من مبيع مجهول قدره كالصبرة لا يعلم قدرها، حكمه كما لو استثنى مجهولًا من معلوم، كما لو قال: بعتك مائة صاع إلا بعضها، فالإبهام يعمهما. أو بعبارة أخرى: أن المبيع، والحالة هذه إنما علم بالمشاهدة، وبعد إخراج المستثنى تختل المشاهدة، فقد يدخل الندم على المشتري بعد إخراج المستثنى من البيع. وقال في قواعد الأحكام في مصالح الأنام: «لو باع صبرة مجهولة الصيعان، واستثنى منها صاعًا، فهل يصح هذا البيع؟ قلنا: لا يصح؛ لأن المبيع غير مقدر بالكيل ولا بتخمين العيان، فإن العيان لا يخمن المقادير إلا بعد الانفصال، فلما تعذر التقدير الحقيقي، والتخميني في هذه الصفقة حكم ببطلانها؛ لأن الجهل بتقديرها وتخمينها غرر لا تمس الحاجة إليه» (١). دليل من قال: يصح البيع: إنما نهى الشارع عن الثنيا إذا كانت غير معلومة، أما استثناء الصاع من الصبرة فلا يدخل في النهي، إذ الثنيا، والحال هذه معلومة، وإذا كانت الصبرة يجوز بيعها جزافًا مع الجهل بمقدارها، فالباقي بعد إخراج الصاع بمثابة الجزاف.

стр. 1523

ولأن القاعدة تقول: ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده، صح استثناؤه منه، وبيع صاع من صبرة جائز، فكذا استثناؤه، بخلاف استثناء الحمل من الشاة، فإنه لا يجوز استثناؤه؛ لأن إفراده بالعقد غير جائز. دليل من قال: يصح البيع بشرط ألا يتجاوز المستثنى مقدار الثلث: الدليل الأول: استدل مالك بعمل أهل المدينة، قال ﵀: «الأمر المجتمع عليه عندنا: أن الرجل إذا باع ثمر حائطه، له أن يستثني من ثمر حائطه ما بينه وبين ثلث الثمر، لا يجاوز ذلك، وما كان دون الثلث فلا بأس بذلك» (١). قال الحطاب: «أكثر الفقهاء على منع استثناء الكيل قليلًا كان أو كثيرًا من الصبرة والثمرة، وأجازه مالك وفقهاء المدينة فيما كان قدر الثلث فأقل، ومنعوه فيما زاد؛ لكثرة الغرر، والله أعلم» (٢). فكأن المستثنى إذا تجاوز قدر الثلث كان الباقي من الصبرة فيه غرر كثير، فيمنع، وإذا كان المستثنى من الثلث فأقل كان الغرر يسيرًا فيجوز، وقاعدة مذهب مالك في الكثير والقليل: الثلث، فما تجاوز الثلث فهو كثير، وما كان من الثلث فأقل فهو قليل، آخذًا بعموم حديث: (الثلث والثلث كثير). دليل من فرق بين الرطل والأرطال: قال ابن نجيم: «لو استثنى رطلًا واحدًا جاز اتفاقًا؛ لأنه استثناء القليل من

стр. 1524

الكثير، بخلاف الأرطال؛ لجواز أنه لا يكون إلا ذلك القدر، فيكون استثناء الكل من الكل .. » (١). قلت: حكاية الاتفاق فيها نظر كبير؛ فإن الشافعية والحنابلة منعوا استثناء الصاع ونحوه. الراجح: الجواز مطلقًا؛ لأن المستثنى معلوم، والمستثنى منه قد أحاط به علم المشتري عن طريق الرؤية، وإذا جاز استثناء جزء مشاع منه، كالثلث، والربع، فجواز استثناء صاع، أو صاعين، لا يختلف فيه الحكم، والله أعلم. * * *

стр. 1525

المطلب الخامس عشر في عقد التأمين تمهيد في تعريف التأمين وعلاقته ببيع الغرر [ن-١٧] كثير من القوانين العربية تذكر عقد التأمين تحت عنوان: عقود الغرر؛ لأنه عقد مستور العاقبة، فإن كلًا من العاقدين لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي، أو يأخذ، كما سيأتي بيانه، ولذا أدرجته تحت بيوع الغرر، ولا أظن أن أحدًا ينكر أن في هذا العقد غررًا، وإنما الخلاف، هل الغرر الموجود فيه غرر كثير، يمنع من صحة العقد، أو من الغرر اليسير؟ وإذا كان الغرر كثيرًا، فهل الحاجة العامة الملحة تبيحه، أو ليس هناك حاجة إلى مثل هذا العقد مع وجود بديل سالم من المحاذير الشرعية؟ فهذا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀، وهو من انشرح صدره للقول بجواز التأمين بجميع أنواعه يرى أن أقوى دليل لمن قال بالمنع هو وجود الغرر، فيقول ﵀ «شبهة الغرر التي هي أقوى، وأهم الشبهات التي يتذرع بها المنادون بتحريم التأمين» (١). ويقول أيضًا: «وأما شبهة الغرر - وهي الشبهة الوحيدة الجديرة بالوقوف عندها للنظر والتمحيص» (٢). ولكثرة مباحثه جعلته فصلًا، وألحقته في بيوع الغرر.

стр. 1526

تعريفه التأمين اصطلاحا (١): عقد التأمين من العقود المستحدثة، ولذا ستكون النقول عن الفقهاء المعاصرين، وعن رجال القانون في هذا العصر. يقول الشيخ الزرقاء ﵀: «إن عقد التأمين هذا لا نجد عنه نصوصًا لفقهائنا الأقدمين؛ لأنه لم يكن متعارفًا في زمانهم، وهو في بلاد الغرب حديث الولادة» (٢). ويقول الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: «عقد التأمين من العقود المستحدثة التي لم تكن معروفة قبل القرن الرابع عشر الميلادي كما قلنا؛ ولهذا فلن نجد في حكمه نصًا خاصًا، أو رأيًا خاصًا للمتقدمين من الفقهاء، كما أني لا أعتقد أن هناك عقدًا من العقود المعروفة في الفقه الإسلامي يمكن قياس عقد التأمين عليه، لا من العقود الصحيحة، ولا من العقود غير الصحيحة، وقد حاول بعض فقهاء هذا العصر قياسه على بعض العقود فلم يوفق في ذلك» (٣).

стр. 1527

«ولم يعرف المسلمون التأمين إلا في القرن الثالث عشر الهجري، ولذلك لا نجد له بحثًا ولا ذكرًا في عبارات المتقدمين، وأول الفقهاء تعرضًا لمسألة التأمين هو محمد أمين الشهير بابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ ١٨٣٦ م) في حاشيته المسماة (رد المحتار على الدر المختار) في فصل استئمان الكافر، من باب المستأمن من كتاب الجهاد، وسماه (السوكرة) وذلك عندما تعرض لضرب جديد من التعامل ظهر في القرن الثالث عشر الهجري، أي في الوقت الذي قوي فيه الاتصال التجاري بين الشرق والغرب في صورة صفقات يتوسط في إبرامها الوكلاء التجاريون الأجانب الذين دخلوا دار الإسلام مستأمنين، يقول ﵀: «مطلب مهم فيما يفعله التجار من دفع ما يسمى سوكرة، وتضمين الحربي ما هلك في المركب، وبما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا: وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبًا من حربي يدفعون له أجرته ويدفعون أيضا مالًا معلومًا لرجل حربي مقيم في بلاده يسمى ذلك المال: سوكرة، على أنه: مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق، أو غرق، أو نهب، أو غيره فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم وله وكيل عنه مستأمن في دارنا، يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان، يقبض من التجار مال السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تمامًا والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله؛ لأن هذا التزام ما لا يلزم. فإن قلت: إن المودع إذا أخذ أجرة على الوديعة يضمنها إذا هلكت. قلت: ليست مسألتنا من هذا القبيل؛ لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة، بل في يد صاحب المركب وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب، يكون أجيرًا مشتركًا قد أخذ أجرة على الحفظ

стр. 1528

وعلى الحمل وكل من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، كالموت، والغرق ونحو ذلك» (١). أردت من هذا العرض قبل تعريف التأمين أن نعرف أن المسألة من المعاملات المستحدثة، ولذا سيكون النقول في تعريف التأمين عن الكتب المعاصرة. إذا علم ذلك نأتي إلى تعريف التأمين، فالتأمين له تعريفان: أحدهما تعريف التأمين كنظام، والآخر تعريف التأمين كعقد، فأعرف كل واحد منهما حتى يتبين الفرق: تعريف نظام التأمين: يعرف الأستاذ مصطفى الزرقاء نظام التأمين بقوله: «نظام تعاوني تضامني، يؤدي إلى تفتيت أجزاء المخاطر، والمصائب، وتوزيعها على مجموع المستأمنين، عن طريق التعويض الذي يدفع للمصاب من المال المجموع من حصيلة أقساطهم، بدلًا من أن يبقى الضرر على عاتق المصاب وحده» (٢). ويقول السنهوري في تعريفه: «تعاون منظم تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم، تعاون الجميع في مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم، يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم» (٣).

стр. 1529

تعريف التأمين كعقد: تعرف القوانين العربية التأمين التجاري بأنه: «عقد يلتزم به المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال، أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث، أو تحقق الخطر المبين بالعقد، وذلك في نظير قسط، أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن» (١). شرح التعريف: تتفق جميع التعريفات التي تناولت عقد التأمين التجاري بأنه اتفاق بين طرفين: أحدهما: شركة التأمين، وهي الجهة التي تدفع التعويض عند حصول الخطر المؤمن منه. وثانيهما: المستأمن، وهو الذي يدفع قسط التأمين للشركة على شكل دفعة واحدة، أو دفعات. ويتم الاتفاق على تحديد مقدار التعويض الذي تدفعه الشركة للمستأمن وفق شروط يتفق عليها بين الطرفين، والهدف من العقد بالنسبة للشركة: هو تحقيق الربح، والذي يتكون من فائض عمليات التأمين بعد دفع التعويضات، والمصاريف الإدارية، والعمومية، وأما الهدف بالنسبة للمستأمنين: فهو حصول الطمأنينة في دخول بعض المغامرات التجارية، وإذا حصل، ووقع له مكروه فإنه سيحصل على ترميم آثار الخطر المؤمن منه عند حصوله.

стр. 1530

وينتقد السنهوري ﵀ هذا التعريف، فيقول: «التعريف على هذا النحو يصلح تعريفًا وافيًا لعقد التأمين من أحد جانبيه، جانب العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له، ولكن للتأمين جانبًا آخر، ولا يمكن فهم التأمين على الوجه الصحيح دون أن يوضع هذا الجانب محل الاعتبار الأول، فشركة التأمين لا تبرم عقد التأمين مع مؤمن له واحد، أو مع عدد قليل من المؤمن لهم، ولو أنها فعلت لكان عقد التأمين مقامرة، أو رهانًا، ولكان عقدًا غير مشروع، إذ تكون الشركة قد تعاقدت مع مؤمن له، على أنه إذا احترق منزله مثلًا - في التأمين على الحريق - دفعت له قيمته، وإذا لم يحترق كان مقابل التأمين الذي دفعه المؤمن له حقًا خالصًا لها، وهذا هو الرهان بعينه، ولكن الشركة تتعاقد مع عدد كبير من المؤمن لهم، وتتقاضى من كل منهم مقابلًا، ومن مجموع ما تتقاضاه من هؤلاء جميعًا تعوض العدد القليل الذين تحترق منازلهم، فيفي ما تتقاضاه من المؤمن لهم، بما تدفعه من التعويض لبعضهم؛ لأنها تحسب مقابل التأمين على أساس فني مستمد من الإحصاء، على النحو الذي سنبينه فيما يلي عند الكلام في الأسس الفنية للتأمين، فالتأمين إذا نظرنا إليه من الجانب الآخر، وهو العلاقة ما بين الشركة ومجموع المؤمن لهم، لا يحمل طابع المقامرة، أو الرهان، والشركة إذا حددت مقابل التأمين تحديدًا دقيقًا على الأسس الفنية الصحيحة، وأحسنت إدارة أعمالها، لا تتعرض لخطر يزيد على الخطر الذي تتحمله الشركات عادة في أعمال التجارة الأخرى غير أعمال التأمين، فالمؤمن لهم وجميعهم معرضون لخطر واحد يتحقق في العادة بالنسبة إلى عدد قليل منهم، ولا يتحقق بالنسبة إلى الغالبية العظمى، يتعاونون جميعًا في تعويض العدد القليل منهم الذين يتحقق الخطر بالنسبة إليهم،

стр. 1531

فلا يتحمل هؤلاء الأخيرون الخسارة وحدهم، وبذلك يكفل التأمين للجميع توزيع الخسارة عليهم، فلا يخسر أي منهم، إلا مقابل التأمين الذي دفعه (١). وسوف يناقش هذا التوجيه من السنهوري إن شاء الله تعالى عند الكلام على مشروعية التأمين التجاري، وإنما احتجنا كلامه هاهنا لأنه موجه إلى نقد تعريف التأمين كعقد، والله أعلم. * * *

стр. 1532

المسألة الأولى عناصر عقد التأمين [ن-١٨] من خلال التعريف المتقدم، نرى أن التعريف قد أبرز عناصر التأمين في الآتي: الأول: التراضي بين الطرفين: المؤمِّن (الشركة) والمؤمَّن له، ويتمثل ذلك في الإيجاب والقبول الصادر منهما لإنشاء عقد التأمين مما يفضي صورة قانونية على هذا النظام، تلزم كلا الطرفين بتنفيذ الاتفاق في حال توفر شروطه. الثاني: المؤمِّن: وهو الذي يمثل شركات التأمين. الثالث: المؤمَّن له، ويطلق عليه المستأمن، وهو الشخص الذي يقوم بالتعاقد مع الشركة. الرابع: المستفيد، وقد يكون المستفيد هو المؤمَّن له، وقد يكون غيره، كما لو عين المؤمَّن له زوجة، أو ولدًا ليستفيد من عقد التأمين. الخامس: قسط التأمين، وهو محل التزام المؤمَّن له، حيث يقوم بدفع مبلغ من المال للشركة بشكل دوري ومحدد، ويحسب قسط التأمين على أساس الخطر، فإذا تغير الخطر تغير معه قسط التأمين وفقًا لمبدأ عام في التأمين، هو: (مبدأ نسبة القسط إلى الخطر) ففي حرب الخليج زادت أقساط التأمين على شركات الطيران، لزيادة الخطر في حالة الحرب، ويقوم احتساب قسط التأمين على قاعدتين أساسيتين: أحدهما: قاعدة الكثرة، فكلما كان عدد المتعاقدين مع الشركة كثيرًا كان الحساب دقيقًا.

стр. 1533

يقول السنهوري: «إذا أهدى الإحصاء إلى أن كارثة واحدة من كوارث الحريق تقع في كل ألف يتعرضون لهذا الخطر، فإن هذا التقدير قلما يصدق إذا كان المؤمن لهم ألفًا فقط، إذ تكون عوامل الحظ والمفاجأة هنا لها المقام الأول، فإذا كان المؤمن لهم خمسة آلاف، ضعفت عوامل الحظ والمصادفة، واقترب التقدير قليلًا إلى الدقة، حتى إذا كان المؤمن لهم عشرة آلاف مثلًا ابتدأ الحظ ينتفي، واقترب التقدير كثيرًا إلى الدقة، وتزداد الدقة كلما ازداد العدد، وهذا هو المقصود بقانون الكثرة» (١). ثانيهما: قاعدة الإحصاءات الدقيقة. حيث تقدر الشركة احتمالات الخطر بالنسبة إلى جميع المشتركين، طبقًا لقوانين الإحصاء، واحتساب الأخطار الماضية، ومدى احتمال تحقق مثل ذلك في المستقبل، أو قريب منه. السادس: مبلغ التأمين: وهو محل التزام المؤمن (الشركة) حيث تقوم بدفعه إلى المؤمن له أو المستفيد عند وقوع الخطر، وهناك ارتباط وثيق بين مبلغ التأمين، وقسط التأمين، فكلما زاد قسط التأمين زاد المبلغ. السابع: الخطر، وهو الحادث الاحتمالي المؤمن منه، والمبين في العقد، كالحوادث والسرقات والحرائق، والمقصود بالخطر: هو حل حادث احتمالي سواء كرهه الإنسان أم أحبه، ترتب على وقوعه ضرر أم لا، فالتأمين على الحياة لحالة البقاء، وتأمين الأولاد، وتأمين الزواج كل ذلك تأمين من أخطار لا يكرهها الإنسان، ولا يترتب على وقوعها ضرر بالنفس أو بالمال، ففي التأمين على الحياة لحالة البقاء يتقاضى المستأمن مبلغ التأمين إذا بقي حيًا إلى تاريخ معين، وبقاؤه حيًا إلى هذا التأريخ أمر مرغوب فيه، وفي تأمين الأولاد يتقاضى

стр. 1534

المستأمن مبلغ التأمين كلما رزق بولد، وهكذا، ويشترط في الخطر عدة شروط، هي: (أ) - أن يكون الخطر محتمل الوقوع، أي لا يكون مستحيل الوقوع، ولا مؤكد الوقوع، أو يكون مؤكد الوقوع لكنه غير محدد الوقت كالموت. (ب) - ألا يكون الخطر محكومًا بإرادة أحد الطرفين، بل يكون ذلك موكولًا إلى القدر وحده، فإذا تعلق العقد بمحض إرادة المؤمَّن له فقد انتفى عنصر الاحتمال في الخطر، وأصبح تحقق الخطر بمشيئته. (ج) - أن يكون الخطر مشروعًا، فلا يجوز التأمين من الأخطار المترتبة على الاتجار بالمخدرات، أو التأمين على منزل يدار للدعارة، أو القمار. (د) - ألا يكون الخطر نادر الوقوع، فكون الخطر منتظم الوقوع إلى درجة مألوفة تمكن الشركة من تقدير قيمة الخسائر المالية التي تنتج عنه، وبالتالي تحديد قيمة القسط، بينما إذا كان الخطر نادرًا تعذر على الشركة تقدير قيمة الخسارة، وعمل إحصاء عنه، كما أن الناس يعزفون عن التأمين على أخطار تعتبر نادرة الوقوع (١). * * *

стр. 1535

المسألة الثانية خصائص عقد التأمين التجاري [ن-١٩] بناء على ما تقدم ذكره نستطيع أن نقول: إن أهم خصائص عقد التأمين التجاري هي: الأول: أنه عقد معاوضة . والمقصود بالمعاوضة أن كلًا من الطرفين يأخذ مقابلًا لما أعطى، يقابله التبرع، والذي يعطي فيه المتبرع للآخر دون مقابل، وكونه عقد معاوضة يستلزم أن يتم العقد برضا الطرفين، شأنه شأن أي عقد من عقود المعاوضات. الثاني: أنه عقد ملزم للطرفين . فإذا تم العقد فلا يجوز لأحدهما الرجوع عنه، أو فسخه بعد انعقاده، إلا برضا الطرفين، كما أن العقد يلزم المستأمن بدفع أقساط التأمين، ويلزم المؤمن بدفع التعويض إذا وقع الخطر. الثالث: أن عقد التأمين عقد احتمالي . ومعنى عقد احتمالي: أن كلًا من طرفي العقد (المؤمن والمستأمن) لا يعرف وقت العقد مجموع ما سيأخذ من المال، ولا مقدار ما سيدفع؛ لأن ذلك متوقف على وقوع الخطر، وهذا لا يعلمه إلا الله، ولذلك أورده القانون المدني ضمن عقود الغرر. الرابع: يعتبر التأمين من عقود الإذعان . بمعنى أن أحد الطرفين أقوى من الآخر، والجانب القوي فيه: هو شركة

стр. 1536

التأمين؛ لأنها تضع من الشروط في عقد التأمين ما لا يملك المستأمن إلا أن يقبل بها إن أراد التأمين، وهي شروط أكثرها مطبوع، وبعضها تعسفي يضر بمصالح المستأمنين، ولهذا السبب يتدخل القانون في أغلب الدول في تنظيم عقد التأمين لحماية المؤمن لهم، والتخفيف من تعسفية تلك الشروط، ومن تلك الشروط التعسفية: الشرط الذي يقضي بسقوط الحق في التأمين إذا تأخر في الإبلاغ عن الحادث للسلطات أو تقديم المستندات التي تبين أن التأخير كان لعذر (١). * * *

стр. 1537

المسألة الثالثة في أنواع التأمين التجاري [ن-٢٠] ينقسم التأمين التجاري باعتبار الأخطار المؤمن منها إلى أقسام، منها: الأول: التأمين على الممتلكات . وهو ما يكون فيه الخطر المؤمن منه يتعلق بمال المؤمن له، لا بشخصه، كالتأمين على السيارات والمتاجر والمنازل، من الحريق، أو الغرق، أو السرقة ونحو ذلك، ويهدف هذا إلى تأمين الضرر الكلي، أو الجزئي الذي يصيب مال المؤمن له. الثاني: التأمين على المسؤولية . وذلك كتأمين صاحب السيارة على مسؤوليته تجاه الغير عما تحدثه سيارته من أذى لأنفس، أو لأموال الآخرين، وكتأمين الأطباء، والجراحين مما قد يتعرضون له من مطالبات مالية نتيجة مخاطر الخطأ في مزاولة المهنة، ومثله تأمين الصيادلة مما قد يتعرضون له من مطالبات مالية نتيجة مخاطر الخطأ في تحضير الأدوية، وهكذا. الثالث: التأمين ضد الإصابات الجسدية أو المرض . وفيه يؤمن الشخص ضد الحوادث التي تمس سلامة أعضائه، والتي تؤدي إلى العاهة أو العجز الجسدي كليًا أو جزئيًا. الرابع: تأمين الزواج أو تأمين الأولاد . وفيه تقوم الشركة بتغطية نفقات الزواج للمستأمن، إذا تزوج قبل أن يبلغ سنًا

стр. 1538

معينة، وأما تأمين الأولاد: فيغطي النفقات التي تقتضيها ولادة طفل للمستأمن خلال مدة معينة. الخامس: التأمين على الحياة . وهو عقد يتعهد المؤمن بمقتضاه دفع مبلغ من المال للمؤمن له عند موته، أو عند بقائه حيًا بعد مدة معينة، وهو ثلاثة أقسام: الأول: تأمين لحال الوفاة، والثاني: تأمين لحال البقاء، والثالث: التأمين المختلط. الأول: تأمين لحال الوفاة، وله ثلاث صور: الصورة الأولى: تأمين عمري، أو التأمين مدى الحياة، ويستحق المؤمن له مبلغ التأمين الذي يدفع للورثة، أو المستفيد عند وفاة المؤمن له، ويلتزم المؤمن له بدفع قسط التأمين مدى الحياة، ويبقى العقد ساري المفعول إلى حين وفاته. الصورة الثانية: تأمين مؤقت: وهو أن يدفع المؤمن له أقساطًا إلى مدة معينة، كعشرين سنة، فإذا مات قبلها لم يستحق مبلغ التأمين، وإذا بقي حيًا استمر في الدفع، فإذا توفي استحق مبلغ التأمين، وصرف إلى ورثته، أو إلى المستفيد الذي عينه. الصورة الثالثة: تأمين البقاء . وفيه تدفع شركة التأمين مبلغ التأمين للمستفيد إذا بقي حيًا بعد موت المؤمن على حياته، فإذا مات المستفيد قبل موت المؤمن على حياته انتهى التأمين، وبرئت ذمة شركة التأمين، واحتفظت لنفسها بالأقساط التي قبضتها من المؤمن على حياته.

стр. 1539

القسم الثاني: التأمين على الحياة لحالة البقاء . وهو أن يدفع المؤمن له أقساطًا لمدة معينة، فإذا انتهت تلك المدة تدفع الشركة للمؤمن له مرتبًا شهريًا في حالة بقائه على قيد الحياة، أما إذا مات المؤمن على حياته قبل ذلك الأجل فإن التأمين ينتهي، وتبرأ ذمة شركة التأمين، وتحتفظ لنفسها بالأقساط التي قبضتها. القسم الثالث: التأمين المختلط . وهو عقد تلتزم بموجبه شركة التأمين بدفع مبلغ محدد إلى المؤمن له في حالة بقائه على قيد الحياة عند انقضاء المدة المتفق عليها، أو إلى المستفيد في حال وفاة المؤمن له خلال مدة معينة، وسمي هذا النوع مختلطًا؛ لأنه يجمع بين التأمين حالة الوفاة إذا مات المؤمن على حياته خلال مدة معينة، والتأمين لحالة البقاء إذا بقي المؤمن على حياته حيًا عند انقضاء تلك المدة (١). وقد تحدث صور أخرى للتأمين بحسب ما يتجدد من أخطار محتملة، ويحتاج الناس للتأمين عليها، فالصور المذكورة ليست صورًا يقصد منها الحصر، وإنما المقصود ذكر ما شاع منها واشتهر خلال المدة الماضية، والله أعلم. السادس: إعادة التأمين من أنواع التأمين التجاري، ما يسمى إعادة التأمين، وقد عرفه بعضهم بأنه: عقد بين شركة التأمين المباشر، وشركة إعادة التأمين تلتزم بمقتضاه شركة التأمين

стр. 1540

المباشر بدفع حصة من أقساط التأمين المستحقة لها من المستأمنين لشركة إعادة التأمين مقابل التزام شركة إعادة التأمين بتحمل حصة من المخاطر التي تلتزم بها شركة التأمين المباشر (١). وحكم إعادة التأمين حكم التأمين التجاري، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى بالمسألة التالية. * * *

стр. 1541

المسألة الرابعة حكم التأمين التجاري قال ابن تيمية: مفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه (١). وقال أيضًا: المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم (٢). ويقول ابن تيمية أيضًا: «والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه من ذلك» (٣). قلت: المعاملة المالية إذا تنازعها موجبان: أحدهما يدعو إلى التحريم، وهو وجود الغرر، والآخر يدعو إلى الإباحة، وهو قيام الحاجة العامة الملحة، كانت للأقوى منهما، وهو الإباحة. وقال الصديق الضرير «إذا كانت هناك حاجة إلى العقد لم يؤثر الغرر مهما كانت صفة الغرر، وصفة العقد؛ لأن العقود كلها شرعت لحاجة الناس إليها، ومن مبادئ الشريعة العامة المجمع عليها، رفع الحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ومما لا شك فيه أن منع الناس من العقود التي هم في حاجة إليها، يجعلهم في حرج، ولهذا كان من عدل الشارع، ورحمته بالناس، أن أباح لهم العقود التي يحتاجون إليها، ولو كان فيها غرر» (٤).

стр. 1542

[ن-٢١] لقد تعرض الفقهاء المعاصرون لحكم التأمين باختلاف أنواعه، قيامًا بالواجب، وبلاغًا للأمة، وكانت هذه المسألة محلًا للعناية في أكثر من محفل علمي، ومركز بحثي في العالم الإسلامي، ومن ذلك: الأول: أسبوع الفقه الإسلامي والذي عقد بدمشق عام ١٣٨٠ هـ (١٩٦١ م). وهو أول مؤتمر علمي ناقش موضوع التأمين. الثاني: مؤتمر علماء المسلمين الثاني بالأزهر، بالقاهرة، عام ١٣٨٥ هـ (١٩٦٥ م). الثالث: ندوة التشريع الإسلامي بالبيضا في ليبيا عام ١٣٩٢ هـ الرابع: مؤتمر علماء المسلمين السابع بالقاهرة ١٣٩٢ هـ. ولم يتفق الباحثون في هذه المؤتمرات على رأي، غير أنهم اتفقوا على أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة. بعد هذا التاريخ صدر من المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة عام ١٣٩٦ هـ ما يفيد اتفاقهم على أن التأمين التجاري، الذي تمارسه شركات التأمين التجاري في هذا العصر، لا يحقق الصيغة الشرعية للتعاون والتضامن؛ لأنه لم تتوافر فيه الشروط الشرعية التي تقتضي حله ... وصدر مثل ذلك عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وقد أفتوا بجواز التأمين التعاوني؛ لأنه من عقود التبرع، ومثل ذلك صدر عن المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي عام ١٣٩٨ هـ، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام ١٤٠٦ هـ وأصدرت هيئة رقابة بنك فيصل الإسلامي السوداني عدة فتاوى حول موضوع التأمين، مؤداها، أنه غير جائز،

стр. 1543

إلا إذا نص في العقد على أنه تبرع، وأنه يدفع القسط للشركة لإعانة من يحتاج إليه من المشتركين (١). وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم التأمين التجاري على النحو التالي: القول الأول: ذهب أكثر أهل العلم إلى القول بتحريم التأمين مطلقًا، ومن أشهرهم ابن عابدين الحنفي (٢)، ومحمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية (٣)، وأبو زهرة (٤)، وأحمد إبراهيم الحسيني (٥)، والصديق الضرير (٦)، وعلي القرة داغي (٧)، والشيخ تقي العثماني (٨)، وبه أوصى المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في ١٣٩٦ هـ وبه أخذ مجلس هيئة كبار العلماء في السعودية (٩)،

стр. 1544

وغالب أعضاء المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (١)، وغالب أعضاء مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٢). القول الثاني: ذهب فريق من أهل العلم إلى جواز التأمين مطلقًا. وعلى رأسهم: العلامة مصطفى الزرقاء (٣)، والشيخ عبد الله صيام (٤)، والشيخ عبد الوهاب خلاف (٥)، والشيخ علي الخفيف (٦)، وعبد الرحمن عيسى (٧)، ومحمد يوسف (٨)، والشيخ محمد أحمد فرج السنهوري (٩)، والشيخ عبد الله بن

стр. 1545

منيع (١)، والأستاذ رفيق ابن يونس المصري (٢)، وغيرهم. القول الثالث: ذهب إلى أن التأمين ينقسم إلى قسمين: الأول: ما كان التأمين فيه من عقود الغرر، كالتأمين التجاري على السلع والمنشآت، ومنه التأمين الصحي. وهو عقد قائم على جبر الأضرار، فهذا يدخل في العقود المباحة، والغرر الموجود في هذا العقد إما غرر يسير على قول، وإما غرر كثير تبيحه الحاجة العامة وهو الصحيح. الثاني: ما كان التأمين فيه من عقود الربا، كالتأمين على الحياة، فهذا التأمين لا يقوم على جبر الأضرار، بل يدفع المستأمن دراهم للمؤمن، وإذا بلغ سنًا معينًا أو مضى وقت معين دفع المؤمن للمستأمن دراهم عوضًا عنها إما دفعة واحدة، وإما على شكل رواتب وأقساط، وهذا العقد محرم. وقد توجت إلى هذا القول الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية (٣)،
следующие страницы →