← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

المسألة الرابعة حكم التأمين التجاري قال ابن تيمية: مفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه (١). وقال أيضًا: المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم (٢). ويقول ابن تيمية أيضًا: «والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه من ذلك» (٣). قلت: المعاملة المالية إذا تنازعها موجبان: أحدهما يدعو إلى التحريم، وهو وجود الغرر، والآخر يدعو إلى الإباحة، وهو قيام الحاجة العامة الملحة، كانت للأقوى منهما، وهو الإباحة. وقال الصديق الضرير «إذا كانت هناك حاجة إلى العقد لم يؤثر الغرر مهما كانت صفة الغرر، وصفة العقد؛ لأن العقود كلها شرعت لحاجة الناس إليها، ومن مبادئ الشريعة العامة المجمع عليها، رفع الحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ومما لا شك فيه أن منع الناس من العقود التي هم في حاجة إليها، يجعلهم في حرج، ولهذا كان من عدل الشارع، ورحمته بالناس، أن أباح لهم العقود التي يحتاجون إليها، ولو كان فيها غرر» (٤).

стр. 1542

[ن-٢١] لقد تعرض الفقهاء المعاصرون لحكم التأمين باختلاف أنواعه، قيامًا بالواجب، وبلاغًا للأمة، وكانت هذه المسألة محلًا للعناية في أكثر من محفل علمي، ومركز بحثي في العالم الإسلامي، ومن ذلك: الأول: أسبوع الفقه الإسلامي والذي عقد بدمشق عام ١٣٨٠ هـ (١٩٦١ م). وهو أول مؤتمر علمي ناقش موضوع التأمين. الثاني: مؤتمر علماء المسلمين الثاني بالأزهر، بالقاهرة، عام ١٣٨٥ هـ (١٩٦٥ م). الثالث: ندوة التشريع الإسلامي بالبيضا في ليبيا عام ١٣٩٢ هـ الرابع: مؤتمر علماء المسلمين السابع بالقاهرة ١٣٩٢ هـ. ولم يتفق الباحثون في هذه المؤتمرات على رأي، غير أنهم اتفقوا على أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة. بعد هذا التاريخ صدر من المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة عام ١٣٩٦ هـ ما يفيد اتفاقهم على أن التأمين التجاري، الذي تمارسه شركات التأمين التجاري في هذا العصر، لا يحقق الصيغة الشرعية للتعاون والتضامن؛ لأنه لم تتوافر فيه الشروط الشرعية التي تقتضي حله ... وصدر مثل ذلك عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وقد أفتوا بجواز التأمين التعاوني؛ لأنه من عقود التبرع، ومثل ذلك صدر عن المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي عام ١٣٩٨ هـ، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام ١٤٠٦ هـ وأصدرت هيئة رقابة بنك فيصل الإسلامي السوداني عدة فتاوى حول موضوع التأمين، مؤداها، أنه غير جائز،

стр. 1543

إلا إذا نص في العقد على أنه تبرع، وأنه يدفع القسط للشركة لإعانة من يحتاج إليه من المشتركين (١). وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم التأمين التجاري على النحو التالي: القول الأول: ذهب أكثر أهل العلم إلى القول بتحريم التأمين مطلقًا، ومن أشهرهم ابن عابدين الحنفي (٢)، ومحمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية (٣)، وأبو زهرة (٤)، وأحمد إبراهيم الحسيني (٥)، والصديق الضرير (٦)، وعلي القرة داغي (٧)، والشيخ تقي العثماني (٨)، وبه أوصى المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في ١٣٩٦ هـ وبه أخذ مجلس هيئة كبار العلماء في السعودية (٩)،

стр. 1544

وغالب أعضاء المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (١)، وغالب أعضاء مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٢). القول الثاني: ذهب فريق من أهل العلم إلى جواز التأمين مطلقًا. وعلى رأسهم: العلامة مصطفى الزرقاء (٣)، والشيخ عبد الله صيام (٤)، والشيخ عبد الوهاب خلاف (٥)، والشيخ علي الخفيف (٦)، وعبد الرحمن عيسى (٧)، ومحمد يوسف (٨)، والشيخ محمد أحمد فرج السنهوري (٩)، والشيخ عبد الله بن

стр. 1545

منيع (١)، والأستاذ رفيق ابن يونس المصري (٢)، وغيرهم. القول الثالث: ذهب إلى أن التأمين ينقسم إلى قسمين: الأول: ما كان التأمين فيه من عقود الغرر، كالتأمين التجاري على السلع والمنشآت، ومنه التأمين الصحي. وهو عقد قائم على جبر الأضرار، فهذا يدخل في العقود المباحة، والغرر الموجود في هذا العقد إما غرر يسير على قول، وإما غرر كثير تبيحه الحاجة العامة وهو الصحيح. الثاني: ما كان التأمين فيه من عقود الربا، كالتأمين على الحياة، فهذا التأمين لا يقوم على جبر الأضرار، بل يدفع المستأمن دراهم للمؤمن، وإذا بلغ سنًا معينًا أو مضى وقت معين دفع المؤمن للمستأمن دراهم عوضًا عنها إما دفعة واحدة، وإما على شكل رواتب وأقساط، وهذا العقد محرم. وقد توجت إلى هذا القول الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية (٣)،

стр. 1546

والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود (١). ويلحق بالتأمين المحرم في رأيي ما يسمى بالتأمين الاجتماعي (نظام التقاعد)، لأنه نوع من التأمين على الحياة، وقد أفردته بالبحث لأهميته. وبعضهم يسوق قولًا رابعًا، وهو التوقف في المسألة، والحقيقة أن المتوقف ليس له قول، ولا يعتبر التوقف قولًا، لا في هذه المسألة، ولا في غيرها، فالمسألة ليست خلوًا من الحكم الشرعي، والشريعة فيها بيان كل شيء، ولكن التوقف قد يصيب الباحث لتردد الأدلة، ولعدم وضوحها بالنسبة إليه، وهذا لا ينسب إلى حكم المسألة من الناحية الفقهية.

стр. 1547

دليل من ذهب إلى منع التأمين التجاري مطلقًا . الدليل الأول: (ح-٢١٨) ما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، وعقد التأمين مشتمل على غرر فاحش، في وجوده، وفي مقداره، وفي أجله. أما الغرر في وجوده، وهو أشد أنواع الغرر، وذلك أن العوض في التأمين، وهو المقصود من التعاقد قد يتحقق، وقد لا يتحقق؛ لأن استحقاقه متوقف على حدوث الخطر المؤمن منه، فإن وجد كان مستحقًا، وإلا فلا. وأما الغرر في مقداره: فإن مقدار العوض المستحق يتوقف على مقدار الضرر، وكلا الطرفين لا يعلم مقدار الضرر، حتى يعلم مقدار العوض، وإنما يعلم ذلك إذا وقع الخطر، فعرف حجم الضرر. والجهل في مقدار العوض يجعل العقد باطلًا. قال ابن رشد في بداية المجتهد: «والغرر ينتفي عن الشيء بأن يكون معلوم الوجود، معلوم الصفة، معلوم القدر، مقدورًا على تسليمه» (٢). وجاء في الفتاوى الهندية: «ويبطل الشرط الفاسد وجهالة البدل البيع، والإجارة، والقسمة، والصلح عن دعوى المال» (٣).

стр. 1548

وهذا يعني أن جهالة البدل تبطل مبادلة المال بالمال. وأما الغرر في الأجل: فإن ذلك يتمثل في الجهالة به، فإن استحقاق العوض مبني على وقوع الخطر، وكلا المتعاقدين لا يستطيعان أن يعلما وقت حدوثه، فقد يقع بعد عقد التأمين مباشرة، وقد يتأخر وقوعه، وقد لا يقع أصلًا. فالأجل الذي به يستحق المستأمن ذلك العوض غير معلوم، هذا إذا كان مؤكد الوقوع، كالتأمين على الوفاة، فما بالك بغيره، فقد يدفع المستأمن قسطًا، أو قسطين، ثم تقع الكارثة، فيستحق العوض، وقد لا تقع الكارثة أصلًا، فيدفع جميع الأقساط، ولا يأخذ شيئًا، وقد يتأخر حدوث الخطر تأخرًا كثيرًا (١). مناقشة وجود الغرر الفاحش: ستتم مناقشة وجود الغرر في عقد التأمين من ثلاثة وجوه: الأول: هل هناك تسليم بأن عقد التأمين فيه غرر. الثاني: على التسليم بأن هناك غررًا في العقد، فهل هو غرر كثير مؤثر، أو من قبيل الغرر اليسير. الثالث: وإذا كان الغرر كثيرًا، فهل تبيحه الحاجة العامة الملحة. وألتمس من القارئ ألا يستطيل الحديث عن الغرر، فإن هذا الدليل، هو أقوى دليل للمانعين، أو لعله هو الدليل الوحيد الذي يستحق الوقوف عنده، والمناقشة. الوجه الأول: عدم التسليم بوجود الغرر في عقد التأمين . وذلك أن عقد التأمين يقوم بين طرفين: المستأمن والمؤمن، والسؤال: هل

стр. 1549

الغرر الموجود في عقد التأمين هو في حق المستأمن، أو في حق شركة التأمين، أو في كليهما؟ فإن قيل: إن الغرر في جانب المستأمن قلت: إن الغرر في حق المستأمن يجب أن يكون يسيرًا جدًا؛ لأن المبلغ الذي سوف يدفعه، هو مبلغ زهيد جدًا، مقابل إقدامه على المخاطرة بنفس مطمئنة، فلو أخذنا تأمين الرخصة مثالًا، لرأينا أن سائق حافلة يحمل معه يوميًا أربعين طالبًا، أو طالبة، وراتبه بمقدار ألف ريال، ومع كثرة الحوادث على الطرق، سيتحمل مسؤولية عظيمة، فيما لو تعرض له حادث، وتلف مَنْ معه مِن النفوس، فيدفع ريالًا واحدًا يوميًا، ليقدم على القيادة بنفس مطمئنة، ويقبل المغامرة بقبول هذه المهنة بهذا الراتب اليسير، وهذا المبلغ يدفعه المستأمن مقابل مشروب غازي واحد، فإن لم يتعرض للخطر فالحمد لله، فهذا ما كان يرغب فيه، وإن تعرض للخطر كان له من يحمل عنه هذه المبالغ الهائلة. وإن قيل: إن الغرر في جانب الشركة المؤمنة، فإنه من المعلوم أن شركات التأمين هي من أكثر الشركات ربحًا في السوق، ولو كانت قائمة على الغرر لوجدتها شركات خاسرة، فالشركة تتعاقد مع عدد كبير من المؤمن لهم، وتتقاضى من كل منهم مقابلًا، ومن مجموع ما تتقاضاه من هؤلاء جميعًا، تعوض العدد القليل، الذين تحترق منازلهم، فيفي ما تتقاضاه من المؤمن لهم، بما تدفعه من التعويض لبعضهم؛ لأنها تحسب مقابل التأمين على أساس فني مستمد من قواعد الإحصاء، وحساب الاحتمالات، وقانون الكثرة، فالتأمين إذا نظرنا إليه من الجانب الآخر، وهو العلاقة ما بين الشركة، ومجموع المؤمن لهم، لا يحمل طابع المقامرة، أو الرهان.

стр. 1550

والشركة إذا حددت مقابل التأمين تحديدًا دقيقًا، على الأسس الفنية الصحيحة، وأحسنت إدارة أعمالها، لا تتعرض لخطر يزيد على الخطر الذي تتحمله الشركات عادة في أعمال التجارة الأخرى غير أعمال التأمين، فالمؤمن لهم جميعهم معرضون لخطر واحد، يتحقق في العادة بالنسبة إلى عدد قليل منهم، ولا يتحقق بالنسبة إلى الغالبية العظمى، يتعاونون جميعًا في تعويض العدد القليل الذين يتحقق الخطر بالنسبة إليهم، فلا يتحمل هؤلاء الخسارة وحدهم، وبذلك يكفل التأمين للجميع توزيع الخسارة عليهم، فلا يخسر أي منهم، إلا مقابل التأمين الذي دفعه (١). ويدل على ذلك: أنه بالرجوع إلى نسبة الحوادث التي حصلت في المملكة العربية السعودية هذا العام، تجدها قريبة من نسبة الحوادث التي حصلت في العام الماضي، إذا أخذنا في الاعتبار الزيادة المطردة في عدد السائقين كل عام، والزيادة في عدد السيارات. كما أن شركات التأمين لا تقبل التأمين على الأمور التي لا تخضع للإحصاء الفني، فالمحاصيل الزراعية لا تقبل شركات التأمين أن تؤمن عليها؛ لأن الآفات والنقص التي تتعرض لها المحاصيل الزراعية لا يخضع للحساب الفني الدقيق. وإذا انتفى الغرر في حق المستأمن، وفي حق شركات التأمين انتفى الغرر عن مجموع العاقدين. وممن يرى هذا الرأي فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀، والدكتور السنهوري (٢).

стр. 1551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1552

جواب القائلين بالتحريم: أجاب القائلون بالتحريم على ما سبق بما يلي: (أ) أن عقد التأمين الذي تبرمه الشركة مع مؤمن له معين، لا ينشئ علاقة بين هذه الشركة، ومجموع المؤمن لهم، فالعلاقة بين شركة التأمين، ومجموع المؤمن لهم علاقة مفترضة، لا وجود لها في الواقع، فعقود التأمين إذن ليس لها إلا جانب واحد، هو جانب العلاقة التي تنشئها هذه العقود بين شركة التأمين، والمؤمن له المعين، وإذا كان الأمر كذلك، وجب على الفقيه أن ينظر ـ عند الحكم على عقد التأمين بالجواز، أو المنع ـ إلى ما ينشئه هذا العقد من علاقة بين طرفيه، وما يترتب على هذه العلاقة من حقوق، والتزامات متبادلة، وليس في أصول الاجتهاد الإسلامي، ما يجيز لهذا الفقيه، أن يؤسس هذا الحكم على علاقة وهمية (بين الشركة ومجموع المؤمن لهم) لم ينشئها عقد التأمين، وبالتالي يتعذر عليه معرفة ما ترتبه مثل هذه العلاقة من حقوق، والتزامات متبادلة بين طرفيها، هذه المعرفة التي تعد لازمة لمثل هذا الحكم (١).

стр. 1553

ورد هذا: بأن المستأمن، وإن لم يكن له علاقة مع مجموعة المؤمنين، إلا أن الشركة لها تلك العلاقة، فهي لم تدخل في هذا العقد إلا عندما توفر لها مجموعة كبيرة من المستأمنين، مما جعلها تطمئن، أن عقد التأمين يمكن أن يكون عقدًا مربحًا. ألم يدع القائلون بجواز التأمين التعاوني، بوجود تلك العلاقة بين مجموعة المستأمنين أنفسهم، مع أنه لا يعرف بعضهم بعضًا، ومع أن العقد القانوني إنما هو قائم بين المستأمن وحده، وبين المؤسسين، ولا علاقة قانونية البتة بين مجموع المستأمنين بعضهم مع بعض. ومثلها في ذلك شركات المساهمة: فإن شركات المساهمة وإن كان العقد بين الشركة، وبين المساهم على انفراد، إلا أن الشركة لا تنظر إلى عقد المساهم وحده، بل تنظر إلى مجموعة المساهمين، فإذا توفر لها العدد الذي يكفي للقيام برأس المال مضت في تنفيذ عقد الشركة، وإلا حلت الشركة. وبناء عليه فإنه فلا يمكن أن ينكر أحد أن شركات التأمين لم تقبل الدخول في هذا العقد إلا بعد أن توفر لها مجموعة من المستأمنين، وإذا كان الشأن كذلك أصبح مجموع المؤمن لهم مقصودًا في الدخول في العقد، وقبول الالتزام به. (ب) لو سلمنا وجود مثل هذه العلاقة بين شركات التأمين، ومجموع المؤمن لهم، فإننا لا نسلم أن الوسائل العلمية المتاحة لشركات التأمين، كحساب الاحتمالات، وقانون الكثرة، وقواعد الإحصاء، تمكن هذه الشركات من تحديد ما يمكن أن تدفعه لجماعة المؤمن لهم، وما تأخذه منهم في مدة معينة، تحديدًا يمنع الغرر، والاحتمال، فقد تحدث كوارث لا تتوقعها شركات

стр. 1554

التأمين، كالحروب، والفيضانات، والأوبئة، وغيرها مما يعرض شركات التأمين للإفلاس، كما حدث في حالات كثيرة (١). ويجاب: بأن المخاطر التي لا تتوقع، كالكوارث، والحروب، والأوبئة، والآفات السماوية، من أعاصير، وفيضانات، مما لا دخل للإنسان فيها لا يسلم منها النشاط الإنساني من تجارة، وزراعة، وصناعة، وغيرها، ولم تكن يومًا سببًا في تحريم تلك الأنشطة، والتأمين لا يختلف عنها، فالحكم في النشاط الإنساني إنما هو في الظروف العادية المعتادة. (ج) يسلم الشيخ الصديق الضرير بأن الغرر بالنسبة للمؤمن قد ينتفي بنسبة كبيرة بالنسبة لمجموع المستأمنين، وذلك عن طريق الاستعانة بقواعد الإحصاء، فإذا تجاوزنا في الأمر، ولم ننظر إلى علاقة المؤمن بكل مستأمن على حدة، ونظرنا إلى علاقته بمجموع المستأمنين فقط، أمكننا أن نقول بانتفاء عنصر الغرر بالنسبة للمؤمن في الظروف العادية. إلا أن الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير لا يرى انتفاء الغرر عن المؤمن وحده كافيًا، فلا بد أن ينتفي الغرر بالنسبة للمستأمن أيضًا. يقول الشيخ وفقه الله: «انتفاء الغرر بالنسبة للمؤمن وحده لا يكفي لانتفاء الغرر عن عقد التأمين، فلا بد من أن ينتفي الغرر بالنسبة للمستأمن أيضًا، وهو ما لم يستطع الأستاذ الزرقاء إثباته، فقد اعتمد في ذلك على حجة واهية، هي: أن العوض المقابل للأقساط، هو الأمان (الضمان)، أي أن محل العقد في التأمين، هو الأمان (الضمان)، وهذه حجة لا تستند على فقه، ولا على قانون،

стр. 1555

فإن الأمان كما لا يخفى هو الباعث على عقد التأمين، ومحل العقد: هو ما يدفعه كل من المؤمن والمؤمن له، أو ما يدفعه أحدهما؛ إذ لو قلنا: إن الأمان هو المحل لكان عقد التأمين باطلا قانونًا وفقهًا، فإن من الشروط المسلم بها في القانون، والفقه أن محل العقد لا بد أن يكون ممكنًا، فإذا كان المحل مستحيلًا، فالعقد باطل، ومن البدهي أن الأمان في عقد التأمين يستحيل الالتزام به، وهذا يدفع قول الأستاذ الزرقاء: إنه ليس هناك دليل يثبت، أن الأمان (الضمان) لا يجوز الحصول عليه لقاء مقابل» (١). ويجاب عن هذا: أولًا: قول الشيخ الصديق محمد الضرير بأن الأمان في عقد التأمين يستحيل الالتزام به، فيقال: لم يقصد الشيخ الزرقاء أن يقول: إن عقد التأمين هو التزام بعدم حدوث خطر للمستأمن، حتى يقول: إنه يستحيل الالتزام به، وإنما يقصد أن الضمان القائم بعقد التأمين يحصل له منه الأمان، والإقدام على المخاطرة بنفس مطمئنة، وسواء حصل الخطر له، أو لم يحصل، فالأمر سيان عنده؛ لأن بضاعته والذي هو حريص على سلامتها، قد ضمن له سلامتها، وذلك بدفع مثلها إن تلفت، أو إتمامها إن نقصت، شأنه في ذلك شأن البضائع التي تشترى في السوق، وقد تعهدت الشركة المنتجة بالضمان لمدة معينة، وذلك باستبدال قطع الغيار التالفة، وكل ما زادت مدة الضمان، زادت قيمة السلعة، والشركة ليست مغامرة في هذا؛ لأنها تعرف بضاعتها، ونسبة ما قد يتعرض للتلف في مقابل رواج السلعة، وزيادة سعرها عن السلع غير المضمونة، فما تأخذه في مقابل زيادة السلعة، وزيادة رواجها، يغطي بعضه ما قد يحدث من تلف،

стр. 1556

وتستطيع من خلال الإحصاءات الدقيقة والأسس الفنية أن تعرف نسبة ما قد تنفقه من تعويضات، مقابل هذا الضمان، وما تربحه مقابل ذلك. فإن قيل: هل يجوز التعاقد على الضمان، أو لا يجوز بذل العوض إلا إذا كان في مقابلته إما مال، وإما عمل؟ فالجواب: لا مانع شرعًا من دفع المال في مقابل ضمان الأعيان، إذا كان لا يترتب على ذلك محذور شرعي، حتى ولو لم يحصل تعويض، فالضمان بحد ذاته له قيمة مالية، كما سيتبين لك من خلال مناقشة الأدلة القادمة، فإن ترتب على الضمان محذور شرعي كما لو أدى الضمان إلى قرض جر نفعًا حرم أخذ العوض على الضمان، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة إن شاء الله تعالى. ثانيًا: إذا سلم الشيخ الصديق محمد الضرير بأن الغرر في جانب المؤمن (شركة التأمين) هو غرر يسير، مع أن شركة التأمين هي في الحقيقة من يتحمل تبعات الأخطار، والغرم في حقها قد يكون كبيرًا جدًا، فإن الغرر في جانب المستأمن يجب أن يكون يسيرًا جدًا من باب أولى؛ لأن المبلغ الذي سوف يدفعه، هو مبلغ زهيد جدًا، مقابل إقدامه على المخاطرة بنفس مطمئنة، وقد أخذنا تأمين الرخصة مثالًا لذلك، وبينا انتفاء الغرر في حق المستأمن فأغنى ذلك عن تكراره. الوجه الثاني: التسليم بأن عقد التأمين فيه غرر، ولكنه غرر غير مؤثر . هناك فريق من العلماء ممن أجاز التأمين يسلم بأن عقد التأمين فيه غرر، ولكنه يقول: ليس كل غرر مؤثرًا في صحة العقد، وإنما الغرر المؤثر في العقد هو الغرر الذي يؤدي إلى التنازع، والغرر الذي في عقد التأمين لا يؤدي إلى نزاع.

стр. 1557

(ح-٢١٩) ويستدل لذلك بما رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، قال: وقال الليث، عن أبي الزناد، كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري من بني حارثة، أنه حدثه عن زيد بن ثابت ﵁، قال: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس، وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك، فإما لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة يشير بها، لكثرة خصومتهم (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: أن بيع الثمار قبل بدو صلاحها يوقع في الغرر؛ لأن الثمرة عرضة للهلاك بسبب العاهة، ولم ينه رسول ﷺ عن هذا البيع ابتداء، وإنما لما كثرت الخصومات بسبب هذا البيع، بسبب الوقوع في الغرر، الذي قد يلحق المشتري؛ لأن الثمرة قد تسلم له، وقد لا تسلم، عند ذلك نهى عنه الرسول ﷺ . فدل على أن الغرر المنهي عنه، هو الغرر الذي يوقع في الخصومات والمنازعات.

стр. 1558

يقول الأستاذ علي الخفيف: «وما يظن أن الناس يتعارفون عقدًا يحوي غررًا يؤدي إلى نزاعهم، ثم يشيع بينهم، ولا يتركونه؛ إذ المقبول أنهم إذا تعاملوا به، فتنازعوا، تركوه» (١). مناقشة هذا الكلام: يرد الشيخ الصديق الضرير هذا الكلام، فيقول: «كون الغرر الذي في التأمين لا يؤدي إلى نزاع، أمر غير مسلم، فإن كثيرًا من الحالات التي يطالب فيها المؤمن له بالتعويض، لا تمر من غير نزاع، واتهام للمؤمن له، بأنه افتعل الحادث ليحصل على المبلغ المؤمن به، وما أظن أن استمرار الناس في التعامل بعقد من العقود دليل على أن ذلك العقد لا يؤدي إلى نزاع بينهم، فقد تعارف الناس الميسر، ولم يتركوه حتى جاء الإسلام، فحرمه، وتعارفوا بيع الثمار قبل بدو صلاحها، مع أنه كان سببًا للنزاع، ولم يتركوه حتى نهاهم الرسول ﷺ عنه، فشيوع التأمين، وانتشاره، لا يعني أن الغرر الذي فيه، لا يؤدي إلى نزاع» (٢). وأجيب: بأن النزاع الموجود في التأمين موجود أيضًا في البيوع المباحة، ومعاملات الناس لا تسلم من النزاع، والاختلاف، ولكن الكلام، هل المعاملة نفسها سبب للوقوع في النزاع، بحيث لا يعرف المؤمن، والمستأمن ما له، وما عليه؟ أو أن النزاع يرجع إلى طبيعة شح الناس، وطمعهم، وهو ما يوجد في كثير من المعاملات المباحة.

стр. 1559

الوجه الثالث: التسليم بأن التأمين فيه غرر كثير، والأصل فيه التحريم، ولكن أباحته الحاجة . نسلم بأن عقد التأمين ينطوي على غرر كثير، وأن الأصل فيه التحريم، ولكن أباحته الحاجة الملحة العامة. وهذا ما أميل إليه. يقول ابن تيمية: «مفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من كونه غررًا، مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل، أو اللبن، وإن كان قد نهي عن بيع الحمل منفردًا، وكذلك اللبن عند الأكثرين .. » (١). وابن تيمية، وإن مثل لقاعدته في الغرر التابع، والغرر اليسير؛ لأن ابن تيمية من عادته إذا ساق الأمثلة، اختار من الأمثلة ما لا نزاع فيه، ولكن العبرة بالقاعدة التي ساقها ابن تيمية، فإنه رخص في الغرر إذا دعت إليه الحاجة، والغرر الذي تبيحه الحاجة أعم من الغرر اليسير أو التابع، فهذان يباحان مع قيام الحاجة، وبدونها. ويقول ابن تيمية أيضًا: «من أصول الشرع، أنه إذا تعارضت المصلحة، والمفسدة قدم أرجحهما، فهو إنما نهى عن بيع الغرر، لما فيه من المخاطرة التي تضر بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ذلك، فلا يمنعهم الضرر اليسير، بوقوعهم في الضرر الكثير، بل يدفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما، ولهذا لما نهاهم عن المزابنة، لما فيها من نوع ربا، أو مخاطرة، أباحها لهم في العرايا للحاجة؛ لأن ضرر المنع من ذلك أشد،

стр. 1560

وكذلك لما حرم عليهم الميتة؛ لما فيها من خبث التغذية، أباحها لهم عند الضرورة؛ لأن ضرر الموت أشد، ونظائره كثيرة ... » (١). ويقول ابن تيمية أيضًا: «وإذا كانت مفسدة بيع الغرر، هي كونه مظنة العداوة، والبغضاء، وأكل الأموال بالباطل، فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة، قدمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام، والإبل لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض، وإن لم يجز غيره بعوض» (٢). وهذه المفاسد التي ساقها ابن تيمية في عقد الغرر من كونه مظنة العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل إنما توجد في الغرر الكثير، وليس في الغرر اليسير أو التابع، ومع ذلك رأى ابن تيمية أن المصلحة الراجحة إذا عارضت تلك المفاسد فإنها مقدمة عليها. ويقول ابن تيمية أيضًا: «والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه من ذلك» (٣). ويقول ابن تيمية أيضًا: «المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم» (٤). وهذا يدل على أن المعاملة المالية قد يتنازعها موجبان: أحدهما يدعو إلى التحريم، وهو وجود الغرر، والآخر يدعو إلى الإباحة، وهو قيام الحاجة العامة الملحة، وتكون للأقوى منهما.

стр. 1561

ويقول الشيخ الصديق الضرير في كتابه القيم الغرر وأثره في العقود: «يشترط لتأثير الغرر في العقد ألا يكون الناس في حاجة إلى ذلك العقد، فإن كانت هناك حاجة إلى العقد لم يؤثر الغرر مهما كانت صفة الغرر، وصفة العقد؛ لأن العقود كلها شرعت لحاجة الناس إليها، ومن مبادئ الشريعة العامة المجمع عليها، رفع الحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ومما لا شك فيه أن منع الناس من العقود التي هم في حاجة إليها، يجعلهم في حرج، ولهذا كان من عدل الشارع، ورحمته بالناس، أن أباح لهم العقود التي يحتاجون إليها، ولو كان فيها غرر» (١). ويقول أخونا الشيخ خالد المصلح: «ألا تدعو إلى الغرر حاجة عامة، فإن الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورات .... فإذا دعت حاجة الناس إلى معاملة فيها غرر لا تتم إلا به فإنه يكون من الغرر المعفو عنه ... » (٢). وقد أجمع العلماء على جواز الغرر التابع وإن كان كثيرًا، فلو أن رجلًا باع ألف نخلة، وفي كل نخلة ثمر لم يبد صلاحه، جاز دخول الثمرة في الصفقة، مع أنه لا يجوز بيعه منفردًا؛ لوجود الغرر فيه، ومع أن الغرر كثير، وقيمة الثمر في العقد كبيرة جدًا، ومع ذلك جاز بيعه، لقيام الحاجة إلى جوازه. فكذلك الغرر في التأمين مقيس عليه، وإن كان كثيرًا، بجامع الحاجة العامة، فالناس اليوم بأشد الحاجة إلى التأمين. وقد نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة لما فيها من الربا، ورخص في العرايا لحاجة الناس فالضرر الحاصل بترك التأمين أكثر من الضرر الحاصل في الوقوع

стр. 1562

في الغرر، والتاجر اليوم يختلف كثيرًا عن التاجر بالأمس، وقد أصبح الكون كالقرية الواحدة بفضل سهولة الاتصال، وتشابك المصالح، والمنتج الذي ينزل لأول مرة في أمريكا أو في أوربا يعرض بنفس اليوم في دبي وفي عواصم العالم المختلفة، والمخاطر التي تحيط بالتاجر اليوم لا تقارن بالمخاطر التي تحيط به بالأمس، وإذا علمنا أن الشخص قد يعرض تجارته للإفلاس، وينتهي به الحال إلى دخول السجن، خاصة مع كثرة الحوادث. والسجن لا يعطل المسجون وحده، بل تتضرر أسرته، ممن يقوم على إعالتها، والنفقة عليها. وما تنفقه الدولة على سجناء الحوادث، وما تسخره من إمكانيات للقيام على السجناء ربما يفوق بكثير الخسائر التي تدفعها شركات التأمين للمستأمنين، وقد لا يحمي التأمين التاجر فحسب، بل يحمي أسواق المسلمين من الكوارث، ويضمن الاستقرار لها. ولذلك لما قال رسول الله ﷺ كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها - يعني: شجر الحرم، قال رجل من قريش: إلا الإذخر، فإنما نجعله لبيوتنا، وقبورنا. فقال ﷺ : إلا الإذخر (١). فدل على أن الشريعة قد اعتبرت حاجة الناس في الترخيص لهم، وإن كان في ذلك ما يدعو إلى التحريم إذا كانت حاجة الناس عامة. ويظهر ذلك جليًا في عقد الجعالة، فإن عقد الجعالة فيه غرر واضح، فإن قول القائل: من رد علي بعيري الشارد فله كذا، فالباحث عنه، قد يجده، وقد لا يجده، وهو غرر في وجوده، وهو أشد أنواع الغرر. وقد يعمل قليلًا لمدة قصيرة ويستحق الجعل، وقد يعمل كثيرًا، ولمدة طويلة، ومع ذلك لا يجده، ولا

стр. 1563

يستحق الجعل، وهذا غرر في أجله، وهو غرر مؤثر في بطلان العقد. وقد يقول القائل: من وجد سيارتي المسروقة فله عشر قيمتها، فهذا جائز، ولو لم يعلم الطرفان قيمة السيارة، فالغرر في الجعالة غرر في حصول الشيء، وغرر في مقدار العمل، وغرر في أجله، ولم يمنع هذا الغرر جواز هذه المعاملة، لما كانت الحاجة قائمة إلى عقد الجعالة، وهي من عقود المعاوضات، وليست من عقود التبرعات. والذي ينبغي للفقيه أن يقف على مقدار حاجة السوق إلى التأمين، فإن غالب الفقهاء إن لم يكن كلهم، لا يمارسون التجارة بمفهومها الواسع من إيراد، أو تصدير، فاليوم لا يمكنك أن تصدر أو تستورد شيئًا، إلا عن طريق التأمين، والتاجر اليوم يغامر مغامرة كبيرة، وهو يحمل بضاعته من شتى أصقاع الأرض، ليأتي بها إلى سوق بلاده، فحاجة السوق إلى هذه المعاملة، ومقدار الضرر بمنعها، إنما يقدره التجار المسلمون، وليس الفقهاء المنشغلون بمسائل العلم عن الاطلاع على حاجة السوق، وربما كنت في يوم من الأيام وأنا أقرأ عبارة لابن القيم لم ترق لي، وعندما بحثت في التأمين اشتدت حاجتي إليها للاستدلال بأن الفقيه بحاجة إلى تقدير التاجر، فهو أعلم منه بما يحتاجه السوق، وما يتضرر منه التجار المسلمون لو منعوا من هذه المعاملة. يقول ابن القيم: «قول القائل: إن هذا غرر ومجهول، فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدوه قمارًا، أو غررًا، فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا؛ لأن الله أباحه، ويحرم كذا؛ لأن الله حرمه، وقال الله وقال رسوله، وقال الصحابة، وأما أن هذا يرى خطرًا، وقمارًا، وغررًا، فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا، أم لا، وكون هذا البيع

стр. 1564

مربحًا، أم لا، وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا، وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية ... » (١). وما تكلمت مع تاجر إلا وهو يتمنى لو جعل له مخرج في إباحة التأمين، ليدخل السوق، وهو مطمئن من أن الكوارث والتقلبات لن تعصف بتجارته، فالتأمين يحفظ له إمكانية البقاء غنيًا فيما لو تعرض لحادثة من الحوادث، والله أعلم. ولو علم المشايخ بمقدار حاجة التجار الملحة إلى التأمين، بالقدر الذي أحسوه، ولمسوه من منفعة التأمين الاجتماعي (التقاعد) لوجدت الدفاع عن التأمين التجاري بقدر دفاعهم عن نظام التقاعد، فإذا عرفت أن التأمين التجاري ليس فيه ربا كما هو الحال في نظام التأمين الاجتماعي، ومنافع التأمين ليس في دفع الفقر عن التاجر، وإن كان هذا مطلوبًا، وإنما في المحافظة على كونه غنيًا في السوق كما لو لم يتعرض للجائحة، ويحمي التأمين أسواق المسلمين من الكوارث التي تحاك من المتلاعبين، والمضاربين، وحماية السوق من المقاصد الشرعية، إذا عرفت ذلك أدركت أن القول بجواز التأمين التجاري، هو عين الصواب، خاصة أن تحريمه من باب تحريم الغرر، والغرر أمر نسبي تبيحه الحاجة. مناقشة هذا الكلام: يسلم الشيخ الصديق الضرير الحاجة إلى التأمين في تعامل الناس في هذا العصر، ولكنه يرى أن التأمين التعاوني يقوم بالمهمة، وهو مباح، فلا حاجة إلى التأمين التجاري.

стр. 1565

يقول الشيخ وفقه الله: «أرى أن الحاجة إلى التأمين حاجة عامة، فإن كل إنسان في حاجة إلى نظام يكفل له من الأمن، والطمأنينة ما يستطيع البشر تحقيقه، ولاسيما في هذا العصر، الذي كثرت فيه مطالب الحياة، ومتاعبها، وامتلأ بالكوارث، والمفاجآت، والتأمين سواء كان تأمينًا تعاونيًا، أو تأمينًا ثابتًا بقسط ثابت يسد هذه الحاجة، وقد رأينا أن التأمين التعاوني لا شبهة في جوازه، وأنه يتفق مع دعوة الإسلام إلى التعاون، وتفريج كرب المكروبين، ولذا فإني أرى أن الحاجة إلى التأمين بقسط ثابت في صورته الحاضرة، وإن كانت عامة، إلا أنها غير متعينة، وعلى هذا فإن قواعد الفقه الإسلامي تقضي بمنعه؛ لأنه عقد معاوضة فيه غرر كثير من غير حاجة، إذ من الممكن أن نحتفظ بعقد التأمين في جوهره، ونستفيد بكل مزاياه مع التسمك بقواعد الفقه الإسلامي، وذلك بإبعاد الوسيط الذي يسعى إلى الربح، وجعل التأمين كله تعاونيًا، وأرى أن خير وسيلة إلى ذلك هي أن تتولى الحكومات في البلاد الإسلامية أمر التأمين بكافة أنواعه، فتجعل له منظمة خاصة تشرف عليه، على أن يكون المعنى التعاوني بارزًا فيه بروزًا واضحًا، وذلك بالنص صراحة في عقد التأمين، على أن المبالغ التي يدفعها المشترك تكون تبرعًا منه للشركة، يعان منها من يحتاج إلى المعونة من المشتركين حسب النظام المتفق عليه» (١). وهذا الاقتراح جيد، والتأمين التعاوني بالصورة التي يذكرها فضيلة الشيخ جائزة، وينبغي ألا يكون فيها خلاف، وهو خير من التأمين التجاري القائم على الغرر ولكني أقول بمسئولية: إن هذا النظام بهذه الصورة غير موجود، وحتى يقوم ذلك النظام، فما المخرج للناس؟ فإن أكثر شركات التأمين، والتي تسمي

стр. 1566

نفسها تعاونية، هي شركات تجارية، وهمها هو الربح فقط، ثم لو سلمنا أن التأمين المسمى بالتعاوني الموجود في أسواق المسلمين خال من المحذورات الموجودة في التأمين التجاري، فماذا نعمل في بلاد ليس فيها تأمين تعاوني، هل نقول بأن لهم أن يدخلوا في شركات التأمين التجارية للحاجة الماسة إلى ذلك، أو نحرم عليه التأمين التجاري، مع قيام الحاجة الملحة إلى ذلك؟ مع أني أجزم أن التأمين التعاوني هو إلى الآن قائم كفكرة، ولم يوجد حتى الآن في أسواق المسلمين كممارسة، وما يسمى بالتأمين التعاوني القائم في السوق لا يختلف في وجوه من الوجوه عن التأمين التجاري، بل هو أسوأ (١)، وسوف نناقش التأمين التعاوني في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. هذا فيما يتعلق بالاستدلال بالغرر على تحريم التأمين، وهو أقوى دليل للمانعين، وأرجو أن أكون قد أجبت عنه. الدليل الثاني للقائلين بتحريم التأمين التجاري . اشتمال عقد التأمين على الربا بنوعيه (ربا الفضل وربا النسيئة). فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن، أو لورثته، أو للمستفيد، أكثر مما دفعه من

стр. 1567

النقود، فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة، فيكون ربا نسيئة، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها، يكون ربا نسيئة فقط، وكلاهما محرم بالنص، والإجماع. ويناقش هذا الكلام: بأن ما تدفعه الشركة ليس من قبيل الصرف، حتى يقال: دراهم بدراهم مع التفاضل والنسأ، وليس من قبيل القرض الذي جر نفعًا، وإنما عقد التأمين قائم على جبر الأضرار. فما تدفعه الشركة إنما تدفعه مقابل عروض تالفة، لا ربا بينها وبين ما أخذت الشركة، فإذا كان المؤمن عليه سيارة، والقسط دراهم، لم يكن بين الدراهم والسيارة أي نوع من الربا، فإذا تلفت السيارة دفعت شركة التأمين سيارة بديلة، وإذا نقصت العين دفعت له قطع الغيار اللازم، وفي التأمين الصحي تدفع له العلاج اللازم من كشف، وأدوية، وتحاليل، ولذلك لو لم تتلف العين أو تنقص لم تتحمل الشركة الغرم، نعم يصح هذا دليلًا لو كان التأمين منصبًا على الدراهم نفسها، لقيل دراهم بدارهم مع النسأ، كما هو في التأمين على الحياة. فتبين بهذا أن التأمين الذي تدفعه الشركة ليست المعاوضة فيه قائمة على دراهم بدراهم، وإنما دراهم في مقابل عروض، وهذه العروض لا تدفع إلا إذا وقع الخطر، وبمقدار الضرر من غير زيادة، وما أبعد ذلك عن الربا والصرف (١). الدليل الثالث للمانعين: التأمين نوع من القمار، يقول الشيخ محمد بخيت المطيعي: «عقد التأمين

стр. 1568

عقد فاسد شرعًا، وذلك لأنه معلق على خطر، تارة يقع، وتارة لا يقع، فهو قمار معنى» (١). وفي مجلة مجمع الفقه الإسلامي: «عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية، أو تسبب فيها، ومن الغنم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافئ، فإن المستأمن قد يدفع قسطًا من التأمين ثم يقع الحادث، فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر، ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل، وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارًا، ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] (٢). مناقشة هذا الدليل: مع أن الشيخ الصديق محمد الضرير لا يرى مشروعية التأمين التجاري، إلا أنه لا يسلم بأن في التأمين قمارًا، يقول وفقه الله: «وأرى أن حقيقة التأمين تختلف عن حقيقة القمار شرعًا، وقانونًا، وإن كان في كل منهما غرر، فالقمار ... ضرب من اللهو، واللعب، يقصد به الحصول على المال، عن طريق الحظ والمصادفة، وهو يؤدي دائمًا إلى خسارة أحد الطرفين، وربح الطرف الآخر، ولهذا وصفه القرآن بأنه موقع في العداوة والبغضاء، وصاد عن ذكر الله وعن الصلاة، والقانون كما رأينا - يحرم المقامرة - في حين أنه يجيز عقد التأمين، ولا يعتبره من القمار، ويفرق شراح القانون بين التأمين والقمار:

стр. 1569

بأن التأمين يقوم على التعاون بين المستأمنين، ذلك التعاون الذي يؤدي إلى توزيع المخاطر بين أكبر عدد ممكن من الأفراد، بدلًا من أن يتحمل كل فرد عبء ما يصيبه من كارثة واحدة، ويؤدي أيضًا إلى كفالة الأمان للمستأمن، والمؤمن معًا، فالمستأمن واثق من الحصول على ما التزم به المؤمن بأدائه، والمؤمن مطمئن أيضًا إلى أنه سيفي بما التزم به؛ لأن التعويض سيدفع من الرصيد المشترك الذي تعاون المستأمنون على جمعه، لا من مال المؤمن الخاص. وهذا الأمان هو الغاية التي يسعى إليها كل مستأمن، فالشخص الذي ... يؤمن على ماله ضد الحريق مثلًا إنما يفعل ذلك بغرض التحصن من خطر محتمل، لا يقوى على تحمله وحده، وهذه المعاني غير موجودة في المقامرة، فإن المقامر لا يتحصن من خطر، وإنما يوقع نفسه في الخطر، وهو عرضة لأن يفقد ماله جريًا وراء ربح موهوم، موكول لمجرد الحظ، وعلى هذا فلست أرى ما يبرر قياس التأمين على القمار، فالتأمين جد، والقمار لعب، والتأمين يعتمد على أسس علمية، والقمار يعتمد على الحظ، وفي التأمين ابتعاد عن المخاطر، وكفالة للأمان، واحتياط للمستقبل بالنسبة للمستأمن، كما فيه ربح محقق عادة بالنسبة للمؤمن، وفي القمار خلق للمخاطر، وابتعاد عن الأمان، وتعرض لمتاعب المستقبل، فكيف يستويان» (١). وهذا الكلام شبيه بكلام أبي عبيدة في كتابه الأموال عندما ذهب أهل العراق إلى إنكار الخرص والقرعة، وأنهما نوع من القمار، قال ﵀: «وأما قوله: إن الخرص كالقمار فكيف يتساوى هذان القولان، وإنما قصد بالخرص قصد البر

стр. 1570

والتقوى، ووضع الحقوق في مواضعها، والقمار إنما يراد به الفجور، والزيغ عن الحق، واجتياح الأموال بغير حلها، فكم بين هذين، ومتى سوي الغي بالرشاد، مع أن الذي جاء بتحريم القمار، هو الذي سن الخرص، وأباحه، وأذن فيه، فما جعل قوله هاهنا مقبولًا، وهاهنا مردودًا» (١). الدليل الرابع للمانعين من التأمين التجاري . عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذه بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وجه كون التأمين فيه أكل مال الغير بالباطل: أن الخطر المؤمن عنه إذا لم يقع فإن الأقساط التي دفعها المستأمن أصبحت حقًا خالصًا للمؤمن بدون مقابل. وقد يدفع المستأمن قسطًا، أو قسطين، فيقع الخطر، فيأخذ مبلغ التأمين بالكامل، ويكون أضعاف ما دفع، وهذا من قبيل أكل المال بالباطل (٢). ويناقش هذا الدليل: بأن المخالف ينازع في دعوى أن عقد التأمين فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، فالضمان الذي يلتزمه المؤمن بتحمل تبعات الأخطار التي تجري على مال المستأمن، هذا الضمان، هو شغل لذمته إلى أن يبرأ منه بتحمل الخطر عند

стр. 1571

وجود سببه، وهذا الالتزام هو الذي دفع المستأمن إلى قبول المغامرة في ماله، سواء في نقله من دولة إلى دولة، أو الدخول في صفقات تجارية، أو تعرضه للحوادث بسبب مخاطر محتملة، فكيف يقال: إن ذلك بدون مقابل. فمحض الالتزام فيه منفعة مقصودة، ومصلحة مشروعة، والمنافع تعتبر من الأموال، وقد أجاز الحنفية والحنابلة أخذ الربح مقابل الضمان، حيث أجازوا شركة الوجوه، وهي شركة على الذمم من غير صنعة، ولا مال، حيث يتعاقد اثنان فأكثر، بدون رأس مال، على أن يشتريا نسيئة، ويبيعا نقدًا، ويقتسما الربح بينهما بنسبة ضمانهما للثمن، ويتخرج على مذهبهم، أنه لو اشترك وجيه مع آخر على الضمان، والربح مناصفة، ولم يشتر الثاني، ولم يبع شيئًا، فإنه يستحق الربح لمجرد الضمان (الذي هو مجرد التزام مال في الذمة) بدون بذل مال، أو عمل، وقد جاء في مجلة الأحكام العدلية «استحقاق الربح في الوجوه إنما هو بالضمان» (١). كما أن حديث الخراج بالضمان دليل قوي جدًا، على أن الضمان له قيمة مالية، فالخراج يراد به: ما يخرج، ويحصل من غلة العين، وذلك بأن يشتري الرجل سلعة، فيستغلها زمنًا، ثم يعثر فيها على عيب فيها، فله رد العين المعيبة، وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو تلف في يده، لكان في ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، والباء في قوله: «بالضمان» سببية، أي الخراج مستحق بسبب الضمان (٢). وهذا التلف احتمالي، وقد يكون نادرًا، ومع ذلك فالخراج له بسبب أنه قد شغل ذمته بالضمان لهذا الخطر الاحتمالي النادر، وهو ضمان مجرد ما دام أن

стр. 1572

السلعة قد تبين وهو يردها، أنها لم ينقصها شيء، ومع ذلك فقد استحق هذا الخراج بمجرد هذا الضمان، فدل على أن التزام الضمان له قيمة مالية مقصودة، وأنه يسوغ بذل العوض في مقابل تحصيلها. ومثله ما أفتى فيه بعض العلماء المعاصرين من جواز ما يسمى بتغطية الإصدار: وهو ضمان المصرف، أو بنك الاستثمار تغطية الأسهم للشركة المساهمة، مقابل عمولة على ذلك. كما صحح المالكية بذل المال مقابل إحضار كفيل بالدين. قال الدردير: «وإن كان الجعل من رب الدين، أو من أجنبي للمدين على أن يأتيه بحميل، فإنه جائز» (١). وقال الخرشي مثله (٢). فهذا يدل على أن مجرد التزام الكفيل بالدين له قيمة مالية في ذاته، وإلا لما جاز أن يبذل رب الدين، أو الأجنبي الجعل للمدين، في مقابل تقديم كفيل بدينه، صحيح أن آخذ الجعل في هذه الصورة هو المدين، وليس الكفيل، ولكنه يشهد بكون الالتزام في عقد الكفالة، مما يصح بذل المال في مقابلته، والجعل من أجله (٣). وإذا كان الحال كذلك، فكيف يقال: إن شركة التأمين قد أخذت المال بلا مقابل، مع قيامها بهذا الضمان الواجب عليها، وهو ليس ضمانًا مجردًا كما هو

стр. 1573

الحال في استحقاق الخراج مقابل الضمان، بل هو ضمان يكف يدها عن التصرف في جزء من مالها، يظل حبيسًا لما قد يجب عليها من تعويضات، ويترتب عليها من استحقاقات، وهذا الكف لهذا المقدار من المال، هو عمل منها أيضًا، ولو اشتغلت بكل المال لضاعفت من أرباحها، والله أعلم. الدليل الخامس للمانعين: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعًا، فإن المؤمن لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه، مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له، والمؤمن لم يبذل عملًا للمستأمن، فكان حرامًا (١). وذكر القرافي في الفروق أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة: الأول: العدوان، كالقتل، والإحراق، وهدم الدور، وأكل الأطعمة ... الثاني: التسبب للإتلاف، كحفر الآبار في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر، أو في أرضه، ولكن حفرها لهذا الغرض ... الثالث: وضع اليد التي ليست بمؤتمنة، كالسارق، والغاصب، ومن قبض المال بغير إذن المالك ... الخ كلامه ﵀ (٢). ويجاب عن ذلك: أولًا: أن الضمان الذي ذكره القرافي إنما هو الضمان الواجب بسبب العدوان والتغرير والغصب، وأهمل القرافي نوعًا آخر من الضمان سببه العقد،

стр. 1574

كالكفالة، وهو التزام ما ليس بواجب عليه التزامه أصلًا، ومع ذلك إذا التزمه صح التزامه، ومنه التأمين. ثانيًا: لم يرد دليل على أن أسباب الضمان محصورة في الإتلاف والتغرير، ووضع اليد غير المؤتمنة، والكفالة، بل إن الفقهاء ضمنوا وضع اليد، ولو كانت مؤتمنة كتضمين الصناع. يقول الشيخ علي الخفيف: «لم يظفر هذا الموضوع - يعني الضمان - في الفقه ببحث خاص مستقل يتناول جميع عناصره، وأسبابه، وشروطه، وأنواعه، وموضوعاته، وأحكامه، وإنما جاء ذكره عرضًا كأصل بنيت عليه حلول كثير من المسائل عند بحثها، وتعرف الحكم فيها» (١). فالضمان: تارة يكون سببه إلزام الشارع، كما في ضمان الديات، والأروش، وضمان قيمة صيد الحرم عند الاعتداء عليه، وضمان ما يجب من كفارات الأيمان، والظهار، والإفطار عمدًا في رمضان. وتارة يكون سببه التزام العاقد نفسه، بحيث ألزم نفسه بالضمان بعقد رضائي، كالكفالة، وعقد التأمين، ولا يوجد دليل شرعي يوجب بطلان ما التزم به الإنسان من قبل نفسه، ولا يترتب على هذا الالتزام أي مفسدة شرعية حتى يقال بالبطلان، وإذا كان الإنسان له أن يلزم نفسه بالضمان بدون مقابل، كما في الكفالة، فكونه يجب مع بذل العوض من باب أولى، وقد سقت في الدليل السابق أنواعًا من الالتزامات التي صحح المالكية أخذ الجعل عليها، ولم يأت النص الشرعي بجواز أخذ المال مقابل هذه الالتزامات، وإنما قال المالكية بجوازها جريًا على قاعدة: الأصل في مثل ذلك الحل، حتى يأتي نص من

стр. 1575

الشارع بتحريم مثل ذلك، أو يترتب على الالتزام بها الوقوع في مفسدة شرعية منهي عنها، ولم يوجد مثل ذلك في التأمين. وقد ذكر الحنفية والحنابلة ومن وافقهم أن استحقاق الربح في الشركة يكون بأحد أمور ثلاثة: المال، أو العمل، أو الضمان (١). بل إن الشارع علق استحقاق الربح بالضمان، فنهى الشارع عن ربح ما لم يضمن (٢)، كل ذلك دليل على أن الضمان له قيمة معتبرة شرعًا. الدليل السادس للمانعين: الضمان من قبيل البر والخير والإحسان، فلا يجوز أخذ العوض عنه. ويناقش هذا الدليل من وجوه: الوجه الأول: أخذ العوض على الضمان محل خلاف بين العلماء المعاصرين، فقد قال بجواز أخذ الأجرة على الضمان شيخ شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٣)، والشيخ علي الخفيف، وعبد الرحمن عيسى، ومحمود عبد الحليم، وعبد الله البسام، وعبد الله بن منيع (٤)،

стр. 1576

والدكتور نزيه حماد (١)، ونسب هذا القول لبعض العلماء المتقدمين كالإمام إسحاق بن راهوية، ولا يثبت عنه (٢). الوجه الثاني: أن الفقهاء المتقدمين عندما منعوا أخذ العوض على الضمان إنما منعوه في باب ضمان الديون، وهو الذي قد يؤدي إلى الربا باعتبار أن المضمون قد يعجز عن السداد، فيقوم الضامن بالسداد عنه، ويكون العوض حينئذ من قبيل القرض الذي جر نفعًا للمقرض وحده، فهذا هو الضمان الذي حرم العلماء أخذ العوض عليه، وليس الضمان في التأمين من هذا النوع؛ لأنه ليس فيه

стр. 1577

مدين أصلًا، وإنما فيه التزام بجبر الضرر مقابل عوض مالي، والتزام مثل هذا لا يوقع في الربا. لهذا لا أرى مانعًا من أخذ العوض على الضمان إذا لم يترتب على ذلك محذور شرعي، وإذا ترتب على ذلك محذور شرعي منع لا من أجل الضمان، ولكن لأن المعاملة تؤدي إلى الوقوع في ذلك المحذور مثله تمامًا سائر المعاملات المباحة إذا ترتب عليها محذور شرعي منعت، وينبغي أن يكون المنع في أخذ العمولة على ضمان الديون محل اتفاق بين الفقهاء حيث لم يخالف في ذلك أحد من العلماء المتقدمين، ومن حكا من المتأخرين جوازه فهو محجوج بالإجماع، وما حكي عن إسحاق ابن راهوية فلا أظن أنه يخرق الإجماع لعدم فهم المتأخرين لقول إسحاق، وربما كان العذر للمشايخ أنهم لم يقفوا على عبارة إسحاق، أما وقد طبع كتاب مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج فأعتقد أن كثيرًا منهم سوف يراجع قوله. وهذا هو الظن فيهم. وبناء على هذا فيجوز أخذ العوض على الضمان في الحالات التالية: الحال الأولى: إذا كان الضمان تبعًا، ولم يكن مفردًا بالذكر، ولا مخصوصًا بالأجر. كما لو اشترى الإنسان سلعة، وكانت مضمونة لمدة معينة مقابل زيادة في القيمة، فإن الضمان هنا تابع، وليس مستقلًا فلا أرى مانعًا من جواز تلك الزيادة في القيمة في مقابل الضمان، وجوازه ليس لأنه تابع فقط، بل لأن أخذه لا يؤدي إلى قرض جر نفعًا، ولو أدى إلى ذلك لحرم ولو كان تابعًا بدليل حديث القلادة. الحال الثانية: يجوز أخذ العوض على الضمان إذا لم يكن ناشئًا عن دين أصلًا، وذلك مثل تغطية الإصدار في طرح الاكتتاب. وسيأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى عند الكلام على سوق المال.

стр. 1578

الحال الثالثة: يجوز أخذ العوض على الضمان فيما لو كان الكفيل مدينًا للمكفول بمثل المال المضمون، وهو ما يسمى بالضمان المغطى، فإن هذا لا يؤول إلى قرض جر نفعًا سواء سمينا هذه الصورة بالضمان، أو اعتبرناها وكالة بالدفع، وإن كنت أميل إلى اعتبار العقد من عقود الضمان؛ لأن الضمان في حالة كون قيمته مغطاة لا يخرج عن الضمان (١).

стр. 1579

الحال الرابعة: يجوز أخذ العوض على الضمان في عقود التأمين القائم على جبر الأضرار، دون الضمان في عقود التأمين على الحياة، والتأمين الاجتماعي؛ فإن الضمان في هذه العقود لم يكن ناشئًا عن دين. وانظر أخذ العمولة على الضمان ضمن مباحث كتاب الربا، فقد بحثت الخلاف في المسألة، وناقشت الأدلة هناك ولله الحمد وحده. الوجه الثالث: على التنزل بأن عقد الضمان عقد إرفاق وإحسان، فمن قال: إن عقد البر والإحسان لا يجوز أخذ العوض عنه. (ح-٢٢٠) فقد صح عن النبي ﷺ جواز اشتراط الأجر على الرقية بالقرآن (١). (ح-٢٢١) وجاز جعل تعليم القرآن عوضًا عن دفع المهر في النكاح، كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين (٢). وجاز الاستئجار على تعليم الفقه، والحديث، وغيرهما من العلوم الشرعية، وهي من أعمال الخير، والبر. وإذا كان الضمان الأصل فيه أنه عقد إرفاق وإحسان، فلا مانع من قلبه إلى عقد معاوضة، كما يجوز في عقود التبرعات أن تنقلب إلى معاوضات، وتترتب عليها أحكامها الشرعية، فالأصل في الوديعة أنها تبرع بالحفظ، وبالالتزام بالحفظ كما قال الكاساني: «الإيداع من جانب المالك استحفاظ، ومن جانب المودَع التزام بالحفظ» إذ في كثير من صورها لا يقوم المستودَع بأي عمل لحفظ الوديعة، ولا حتى بشغل مكان لصونها، كما في إيداع وثيقة، أو صك، وعلى

стр. 1580

هذا فلو طلب الأجر مقابل الوديعة جاز ذلك، وانقلب العقد إلى عقد معاوضة (١).
следующие страницы →