← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

والدكتور نزيه حماد (١)، ونسب هذا القول لبعض العلماء المتقدمين كالإمام إسحاق بن راهوية، ولا يثبت عنه (٢). الوجه الثاني: أن الفقهاء المتقدمين عندما منعوا أخذ العوض على الضمان إنما منعوه في باب ضمان الديون، وهو الذي قد يؤدي إلى الربا باعتبار أن المضمون قد يعجز عن السداد، فيقوم الضامن بالسداد عنه، ويكون العوض حينئذ من قبيل القرض الذي جر نفعًا للمقرض وحده، فهذا هو الضمان الذي حرم العلماء أخذ العوض عليه، وليس الضمان في التأمين من هذا النوع؛ لأنه ليس فيه

стр. 1577

مدين أصلًا، وإنما فيه التزام بجبر الضرر مقابل عوض مالي، والتزام مثل هذا لا يوقع في الربا. لهذا لا أرى مانعًا من أخذ العوض على الضمان إذا لم يترتب على ذلك محذور شرعي، وإذا ترتب على ذلك محذور شرعي منع لا من أجل الضمان، ولكن لأن المعاملة تؤدي إلى الوقوع في ذلك المحذور مثله تمامًا سائر المعاملات المباحة إذا ترتب عليها محذور شرعي منعت، وينبغي أن يكون المنع في أخذ العمولة على ضمان الديون محل اتفاق بين الفقهاء حيث لم يخالف في ذلك أحد من العلماء المتقدمين، ومن حكا من المتأخرين جوازه فهو محجوج بالإجماع، وما حكي عن إسحاق ابن راهوية فلا أظن أنه يخرق الإجماع لعدم فهم المتأخرين لقول إسحاق، وربما كان العذر للمشايخ أنهم لم يقفوا على عبارة إسحاق، أما وقد طبع كتاب مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج فأعتقد أن كثيرًا منهم سوف يراجع قوله. وهذا هو الظن فيهم. وبناء على هذا فيجوز أخذ العوض على الضمان في الحالات التالية: الحال الأولى: إذا كان الضمان تبعًا، ولم يكن مفردًا بالذكر، ولا مخصوصًا بالأجر. كما لو اشترى الإنسان سلعة، وكانت مضمونة لمدة معينة مقابل زيادة في القيمة، فإن الضمان هنا تابع، وليس مستقلًا فلا أرى مانعًا من جواز تلك الزيادة في القيمة في مقابل الضمان، وجوازه ليس لأنه تابع فقط، بل لأن أخذه لا يؤدي إلى قرض جر نفعًا، ولو أدى إلى ذلك لحرم ولو كان تابعًا بدليل حديث القلادة. الحال الثانية: يجوز أخذ العوض على الضمان إذا لم يكن ناشئًا عن دين أصلًا، وذلك مثل تغطية الإصدار في طرح الاكتتاب. وسيأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى عند الكلام على سوق المال.

стр. 1578

الحال الثالثة: يجوز أخذ العوض على الضمان فيما لو كان الكفيل مدينًا للمكفول بمثل المال المضمون، وهو ما يسمى بالضمان المغطى، فإن هذا لا يؤول إلى قرض جر نفعًا سواء سمينا هذه الصورة بالضمان، أو اعتبرناها وكالة بالدفع، وإن كنت أميل إلى اعتبار العقد من عقود الضمان؛ لأن الضمان في حالة كون قيمته مغطاة لا يخرج عن الضمان (١).

стр. 1579

الحال الرابعة: يجوز أخذ العوض على الضمان في عقود التأمين القائم على جبر الأضرار، دون الضمان في عقود التأمين على الحياة، والتأمين الاجتماعي؛ فإن الضمان في هذه العقود لم يكن ناشئًا عن دين. وانظر أخذ العمولة على الضمان ضمن مباحث كتاب الربا، فقد بحثت الخلاف في المسألة، وناقشت الأدلة هناك ولله الحمد وحده. الوجه الثالث: على التنزل بأن عقد الضمان عقد إرفاق وإحسان، فمن قال: إن عقد البر والإحسان لا يجوز أخذ العوض عنه. (ح-٢٢٠) فقد صح عن النبي ﷺ جواز اشتراط الأجر على الرقية بالقرآن (١). (ح-٢٢١) وجاز جعل تعليم القرآن عوضًا عن دفع المهر في النكاح، كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين (٢). وجاز الاستئجار على تعليم الفقه، والحديث، وغيرهما من العلوم الشرعية، وهي من أعمال الخير، والبر. وإذا كان الضمان الأصل فيه أنه عقد إرفاق وإحسان، فلا مانع من قلبه إلى عقد معاوضة، كما يجوز في عقود التبرعات أن تنقلب إلى معاوضات، وتترتب عليها أحكامها الشرعية، فالأصل في الوديعة أنها تبرع بالحفظ، وبالالتزام بالحفظ كما قال الكاساني: «الإيداع من جانب المالك استحفاظ، ومن جانب المودَع التزام بالحفظ» إذ في كثير من صورها لا يقوم المستودَع بأي عمل لحفظ الوديعة، ولا حتى بشغل مكان لصونها، كما في إيداع وثيقة، أو صك، وعلى

стр. 1580

هذا فلو طلب الأجر مقابل الوديعة جاز ذلك، وانقلب العقد إلى عقد معاوضة (١).

стр. 1581

وكذلك العارية: الأصل فيها أنها عقد تبرع، ولو طلب العوض في العارية وتراضيا على ذلك جاز، وانقلبت إلى إجارة، مع أن الأصل فيها أنها تبرع بمنافع العين المعارة، وكذا جواز الوكالة بأجر، مع أن الأصل فيها أن يبذل الوكيل منافعه مجانًا لموكله، قال السرخسي: «الوكيل معير لمنافعه» (١). فإذا جاز انقلاب عقود التبرعات إلى معاوضات بالتراضي، فلا مانع أن يؤخذ العوض على الضمان، وإن كان الأصل فيه أنه من عقود الإرفاق. فالذي يمنع الضمان بأجر، لوجود الضمان بدون أجر، كالذي يمنع الوكالة بأجر، لمجرد جواز الوكالة بلا أجر، أو كالذي يمنع جواز الإجارة، لمجرد جواز الإعارة، أو يمنع جواز البيع، لمجرد جواز الهبة.

стр. 1582

فالمعاوضة إذا كانت حلالًا لا تفسد العقد إذا انقلب حالها من التبرع إلى المعاوضة، نعم لو كانت المعاوضة حرامًا بذاتها، كان انقلابها إلى معاوضة يصيرها من الحلال إلى الحرام، فطلب الربح بالشريعة ليس من المحرمات، بل إن طلب الربح يعتبر من المحفزات على النماء، لا غنى عنه في الأنشطة الاقتصادية، وهو الأساس، وأما التبرع فهو نادر، واستثناء. يقول العز بن عبد السلام: «البيع لو لم يشرعه الشارع لفاتت مصالح الخلق فيما يرجع إلى أقواتهم، ولباسهم، ومساكنهم، ومزارعهم، ومغارسهم وسواتر عوراتهم، وما يتقربون به إلى عالم خفياتهم، ولا عبرة بالهبات، والوصايا، والصدقات؛ لأنها نادرة لا يجود بها مستحقها إلا نادرًا» (١). «وكذلك الإجارات، لو لم يجوزها الشارع لفاتت مصالحها من الانتفاع بالمساكن، والمراكب، والزراعة، والحراثة، والسقي، والحصاد، والتنقية، والنقل والطحن، والعجن، والخبز، ولا عبرة بالعواري (جمع عارية) وبذل المنافع كالخدمة ونحوها، فإنها لا تقع إلا نادرًا لضنة أربابها بها، مع ما فيه من مشقة المنة على من بذلت له .. » (٢). فهل نترك التأمين مع قيام الحاجة التي قد تصل إلى حد الضرورة في سائر المرافق الاقتصادية الحيوية والتي هي بحاجة ماسة إلى تخفيف آثار الكوارث الماحقة، إلى وجود متبرع بالضمان من أهل الخير، وإذا وجد هذا المتبرع، فهل يستطيع أن يوفر الضمان في جميع المشاريع الاقتصادية الحيوية.

стр. 1583

الدليل السابع للمانعين: عقد التأمين يتضمن بيع دين بدين، وهذا منهي عنه؛ لأن الأقساط التي سيدفعها المستأمن دين في ذمته، ومبلغ التأمين الذي ستدفعه الشركة دين في ذمتها، فهو دين بدين، فلا يصح. مناقشة هذا الدليل: لا يعتبر الالتزام بالضمان دينًا قبل استحقاقه، ولو اعتبر الالتزام دينًا لم يجز ضمان الديون مطلقًا؛ لأنه سيكون دينًا بدين، ولا قائل به، وإذا استحق التعويض لقيام سببه، من إتلاف، أو نقص، ستكون الأقساط التي موجبها يستحق التعويض قد دفعت، فلا يكون دينًا بدين. هذه أدلة المانعين التي وقفت عليها، وأقوى دليل لهم هو القول بوجود الغرر الفاحش، وقد تمت مناقشته، وتحريم الغرر ليس كتحريم الربا، على أن القائلين بجواز التأمين التجاري لا يسلمون بوجود الغرر، وإن سلم بعضهم بوجوده، لا يرون الغرر مانعًا من مشروعية المعاملة، باعتبار أنْ منع الناس من التأمين أشد ضررًا عليهم من وقوعهم في الغرر الموجود في التأمين، وذلك أن الغرر مفسدته محتملة، وليست حتمية، ومنع الناس من التأمين مع قيام حاجتهم إليه مفسدته قائمة، ولا تدفع المفسدة المتيقنة بالمفسدة المتوقعة. دليل القائلين بجواز التأمين التجاري . الدليل الأول: لا يطالب من قال بالجواز بدليل إيجابي، بل يكفيه الدليل السلبي، وهو عدم وجود دليل صحيح يقتضي التحريم، وقد أجاب القائلون بالجواز عن جميع أدلة المانعين، وهذا بحد ذاته كاف ليكون دليلًا على جواز التامين التجاري، فإن

стр. 1584

الأصل في المعاملات الحل، وهذا أقوى دليل للقائلين بالجواز، وهو الدليل الذي أراه سالمًا من المعارضة، ومحاولات القائلين بالجواز في إيجاد دليل إيجابي لمعاملة مستحدثة على غير مثال سابق لها في المعاملات القديمة، قد يكون فيه تكلف، وربما إذا رأى القارئ سلامة الاعتراضات على أكثر الأدلة يعتقد ضعف القول، وهذا من الخطأ؛ لأن المعاملات، والعقود، والشروط، الأصل فيها الحل، حتى يقوم دليل شرعي صحيح على تحريمها. وهذا الذي حمل الدكتور رفيق المصري أن يقول: «أنا لا أشك أن بعض المجيزين للتأمين التجاري قد استدلوا بأدلة ضعيفة، وأن بعضهم كان يريد إباحته بأدلة متكلفة، وبأي ثمن، وبناء على أحكام مسبقة، ولكن خصومهم إذ شعروا بأنهم قد استطاعوا رد مثل هذه الأدلة، ضنوا أنهم قد ردوا التأمين، والحال أن التأمين يمكن أن يستدل له بأدلة أخرى قوية، يصعب ردها» (١). بل كنت أتمنى لو اكتفى القائلون بالجواز بهذا الدليل، ولم يتكلفوا غيره من الأدلة التي لا تسلم من النقاش، ومع ذلك أوردت أكثر هذه الأدلة وإن كنت غير مقتنع بها؛ لأن هذا ما يقتضيه البحث العلمي، ورب دليل رأيته غير مقنع كان مقنعًا لغيري. مناقشة هذا الاستدلال: المانعون لا يسلمون بهذا الدليل، كما لا يسلمون بغيره، ويرون أن الإباحة الأصلية لا تصلح دليلًا هنا؛ لأن عقود التأمين التجاري - فيما يرون - قد قامت الأدلة عندهم على مناقضتها لأدلة الكتاب، والسنة، والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم الناقل عنها، وقد وجد عندهم، فبطل الاستدلال.

стр. 1585

وإذا كنا قد وفقنا في مناقشة هذه الأدلة التي يظن أنها ناقلة من الإباحة إلى التحريم، فإن للمجيز أن يقول: لم تسلم أدلتكم من الاعتراض، فلم تبق عندي ناقلة عن الأصل العظيم، وهو أن الأصل في معاملات المسلمين الحل، حتى يقوم الناقل الصحيح الصريح السالم من الاعتراض، وهذا ما لم يوجد، والله أعلم. الدليل الثاني: قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب، وقد صحح الحنابلة مثل ذلك. قال في المغني: «ويصح ضمان أرش الجناية، سواء كانت نقودًا، كقيم المتلفات، أو حيوانًا كالديات» (١). لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف، فلم يمنع جوازه بالالتزام. وقال أيضًا: «وقد دلت مسألة الخرقي على أحكام منها، صحة ضمان المجهول: لقوله: ما أعطيته فهو علي، وهذا مجهول، فمتى قال: أنا ضامن لك ما على فلان، أو ما يقضي به عليه، أو ما تقوم به البينة، أو ما يقر به لك، أو ما يخرج في روز مانحك صح الضمان، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة ومالك» (٢). وقال ابن تيمية: «ضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون، وما يقبضه من الأعيان المضمونة ضمان صحيح، وهو ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول، وذلك جائز عند جمهور العلماء كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل» (٣).

стр. 1586

وقال أيضًا: «ويصح ضمان المجهول، ومنه ضمان السوق، وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين، وما يقبضه من عين .. » (١). قلت: على أن أخذ العوض على الضمان تارة يؤدي إلى الوقوع في الربا فيحرم، كما هو في ضمان الديون، لأنه قد يعجز المدين عن السداد، فيؤدي الضمان إلى أن يكون قرضًا جر نفعًا، وقد لا يؤدي أخذ العوض عن الضمان إلى الوقوع في الربا فلا يحرم، كما هو الحال في التأمين، وضمان تغطية الإصدار، ونحوها من سائر الالتزامات. مناقشة هذا الدليل: قالوا: قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب قياس غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق أن الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض، بخلاف التأمين فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها الكسب المادي، فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود، والأحكام يراعى فيها الأصل (٢). وقد بينت فيما سبق، أن الضمان كونه من عقود الإرفاق، لا يمنع أن ينقلب إلى عقد معاوضة، كالعارية، والوديعة، والوكالة فهذه كلها من عقود التبرعات، ولو انقلبت إلى عقود معاوضات لم يمنع محذور شرعي من ذلك. ويختلف الضمان بين الموجب والقابل، فالقابل إذا قبل الضمان لم ينقصه شيء، كقابل الهبة، إن زاد حاله، وإلا لم يغرم شيئًا، وأما من يوجب الضمان فهو غارم، وقد يغرم أكثر مما يغرم العاقدان في عقود المعاوضات، وإيجابه

стр. 1587

للضمان على ما يجب على الشخص كائنًا ما كان فيه شغل لذمته، والغرر فيه ليس باليسير، ومع ذلك صحح بعض الفقهاء هذا الضمان، فالجامع بين التأمين والضمان شغل الذمة بالغرم بشيء مجهول، بل إن التأمين أقل غررًا؛ لأن سقف الغرم في التأمين له حد في الغالب، وهو قيمة السلعة المؤمنة، وهذا شيء معلوم، والله أعلم. ثم إن المعاوضة إذا كانت حلالًا فإنها لا تفسد العقد إذا انقلب إليها من التبرع، كما ذكرنا ذلك فيما سبق، نعم لو كانت المعاوضة حرامًا بذاتها، كما في مبادلة ريال بريال مع النسيئة، فإنه يجوز ذلك في القرض، ولا يجوز في البيع، ففي هذه الحالة يكون انقلابها إلى معاوضة يصيرها من الحلال إلى الحرام، أما إذا لم يتضمن ذلك فإنها لا تحرم، وذلك أن طلب الربح بالشريعة ليس من المحرمات، بل إن طلب الربح يعتبر من المحفزات على النماء، لا غنى عنه في الأنشطة الاقتصادية، وهو الأساس، وأما التبرع فهو نادر، واستثناء. الدليل الثالث: قياس عقد التأمين على خطر الطريق، فقد نص الحنفية على جواز مسألة ضمان خطر الطريق، وصورتها: أن يقول رجل لآخر: اسلك هذا الطريق، فإنه آمن، وإن أُخِذ مالك فأنا ضامن (١)، فلو أخذ ماله ضمن، فالتزام القائل بالضمان هو نفس التزام المؤمن بضمان المؤمن له عند وقوع الخطر. وأجيب: بأن الضمان في ضمان خطر الطريق من عقود التبرع، وعقد التأمين من عقود المعاوضات، ويغتفر في عقود التبرع ما لا يغتفر في عقود المعاوضات.

стр. 1588

وقد ناقشت القول بأن عقد الضمان من عقود التبرع، وأنه لا مانع من انقلاب عقد التبرع إلى عقد معاوضة، بشرط ألا يكون فيه محذور شرعي، وكون الضمان في عقد التأمين من باب المعاوضات لا يترتب عليه محذور شرعي، فلا حرج فيه، وليس كل ضمان هو عقد تبرع، ولذا كان استحقاق الخراج بسبب الضمان كما هو معروف، والضمان فيه ليس من قبيل التبرع. وضمان ما قبض بسوم، ليس من قبيل التبرع. وضمان السلعة المعيبة كذلك. الدليل الرابع: قياس عقد التأمين على عقد الموالاة. والمولاة: أن يقول رجل مجهول النسب لرجل معروف النسب، أنت وليي ترثني إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت. وقد سماه الحنفية: ولاء الموالاة، وهو جائز، ويقع به التوارث عند الحنفية، مستدلين على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]. والنصيب: هنا الميراث، قال الجصاص: «ثبت مما قدمنا من قول السلف أن ذلك كان حكمًا ثابتًا في الإسلام، وهو الميراث بالمعاقدة، والموالاة» (١). وعقد التأمين من المسؤولية يشبه عقد الموالاة من حيث طرفا العقد، وعوضاه فشركة التأمين يقابلها مولى الموالاة. والمستأمن يقابل المعقول عنه. والعوض الذي تلتزم به شركة التأمين يقابل الدية التي يدفعها مولى الموالاة.

стр. 1589

وأقساط التأمين التي يدفعها المؤمن، في مقابل العوض الذي يلتزم به المعقول عنه، وهو التركة. قال الشيخ علي الخفيف: هو أشبه العقود بعقد التأمين، وقد قال به بعض كبار الصحابة مثل ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وبه أخذ الحنفية (١). يقول الشيخ أحمد السنوسي: «عقد الموالاة يكون نصًا صريحًا في التأمين من المسؤولية. قال الزرقاء تعليقًا على هذا: من غريب المصادفة، أني كنت منذ زمن طويل أرى في عقد الموالاة هذه الدلالة على جواز عقد التأمين، وقد سجلتها في كتابي المدخل الفقهي العام» عند ذكري عقد الموالاة بين العقود المسماة المعروفة في الفقه الإسلامي، وكنت مترددًا في صحة ملاحظتي لهذه الدلالة، حتى رأيت فيما بعد مقالة الأستاذ السنوسي التي تحط على الملاحظة نفسها ببسط وتفصيل، وبتاريخ أسبق من تاريخ الطبعة التي سجلت فيها ملاحظتي في عقد الموالاة، قبل أن أطلع على مقالته المذكورة، فعجبت من التوارد في الخواطر بيني وبينه، ورأيت في هذا التوارد دليلًا على صحة الملاحظة» (٢). ورد هذا الاستدلال: بأن قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به غير صحيح، فإنه قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر، والقمار، وفاحش الجهالة، بخلاف عقد ولاء الموالاة فالقصد

стр. 1590

الأول فيه: التآخي في الإسلام، والتناصر، والتعاون في الشدة، والرخاء، وسائر الأحوال، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع. ولأن كثيرًا من العلماء يرى أن التوريث بعقد الموالاة منسوخ. وكنت أتمنى ألا يقاس عقد التأمين على غيره من العقود، فليست الإباحة محصورة في العقود القديمة، ولا ما نع أن يحدث المسلمون من العقود والشروط والمعاملات ما لم يكن له مثال سابق، ما دام أن القول بها لا يترتب عليه محذور شرعي، وهذا هو ما يتمشى مع صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وقيامها بمصالح الخلق في المعاش، والمعاد، ولأن المعترض سيوجد فرقًا بين المقيس والمقيس عليه، مهما كان هذا الفرق، ثم يرتد هذا على حكم التأمين، فالتأمين عقد مستحدث على غير مثال سابق، وإباحته لا تستلزم أن يكون له مثال سابق، إلا عند من يرى أن الأصل في العقود التحريم، حتى يأتي دليل على إباحتها، وهو قول ضعيف جدًا، وأما من يرى أن الأصل في العقود الجواز والصحة حتى يقوم دليل صحيح صريح على التحريم فلا يتكلف قياس عقد التأمين على غيره من العقود، وهذا يطرح عنك تكلفًا كثيرًا في الاستدلال على جواز التأمين، والله أعلم. يقول الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: «عقد التأمين من العقود المستحدثة التي لم تكن معروفة قبل القرن الرابع عشر الميلادي كما قلنا؛ ولهذا فلن نجد في حكمه نصًا خاصًا، أو رأيًا خاصًا للمتقدمين من الفقهاء، كما أني لا أعتقد أن هناك عقدًا من العقود المعروفة في الفقه الإسلامي يمكن قياس عقد التأمين عليه، لا من العقود الصحيحة، ولا من العقود غير الصحيحة، وقد حاول بعض فقهاء هذا العصر قياسه على بعض العقود، فلم يوفق في ذلك» (١).

стр. 1591

وأما القول بأن عقد التأمين هدفه الربح، فهذا ليس عيبًا، بل الربح هو من فضل الله، ولقد قسم الله من يضرب في الأرض على قسمين: مجاهدين لإعلاء كلمة الله، وآخرين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله لعمارة الأرض، والقيام على مصالح الخلق. قال تعالى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] وأما كون الربح مشوبًا بالغرر، أو مشتملًا على القمار فقد أطلت النقاش في ذلك فيما سبق فلا داعي للتكرار. الدليل الخامس: قياس عقد التأمين التجاري على عقد ما يسمى بالتأمين التعاوني، وسيأتي الكلام عن التأمين التعاوني إن شاء الله تعالى في فصل مستقل. فإذا كان عقد التأمين التعاوني جائزًا عند غالب الفقهاء المعاصرين، لزم منه القول بجواز التأمين التجاري، حيث لا يختلف التأمين التجاري عن التأمين التعاوني. والدليل على وجود الشبه بينهما: «أن التأمين التعاوني يعتمد في إجرائه وترتيب أحكامه ... على ما يعتمد عليه التأمين التجاري من إجراءات، حيث إن التأمين مطلقًا يعتمد على خمس ركائز هي: المؤمن، المؤمن له، محل التأمين، القسط التأميني، التعويض في حال الاقتضاء» (١).

стр. 1592

«وكلاهما شركة تأمين تتفق إحداهما مع الأخرى في جميع خصائص التأمين من حيث عناصره، ومن حيث الإلزام والالتزام، والصفة القانونية لكلا القسمين. فشركة التأمين التجارية شركة قائمة على الإلزام، والالتزام، والحقوق والواجبات، وكذلك الأمر بالنسبة لشركة التأمين التعاونية، فهي شركة قائمة على الإلزام، والالتزام، والحقوق والواجبات ... » (١). ورد هذا: بأن هناك فرقًا كبيرًا بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني من ذلك: الفارق الأول: أن التأمين التعاوني يختلف عن التأمين التجاري في أن الفائض من التزامات صندوق التأمين التعاوني يعود إلى المشتركين فيه، كل بحسب نسبة اشتراكه. وهذا أثر من آثار وصف هذا النوع بالتأمين التعاوني، فهو تعاون بين المشتركين فيه على رأب الصدوع، وجبر المصائب، وما زاد عن ذلك رجع إليهم، وما ظهر من عجز تعين عليهم سداده من أموالهم، كل بقدر نسبة اشتراكه. فالتأمين التعاوني تجد طرفي العقد فيه: هم المستأمنون أنفسهم، فكل مستأمن له صفتان في آن واحد: صفة المؤمِّن لغيره، والمؤمن له. وأما التأمين التجاري فليس فيه هذا التوجه، حيث يعتبر الفائض في صندوقه ربحًا لشركة التأمين التجارية، وفي حال وجود عجز في هذا الصندوق، فيعتبر خسارة على شركة التأمين التجارية، وعليها الالتزام بتغطية هذا العجز من رأس مال الشركة، أو من احتياطياتها، حيث تعتبر هذه الخسارة دينًا على الشركة.

стр. 1593

فالتأمين التجاري تجد طرفي العقد: أحدهما: المستأمن بوصفه طالب التأمين، والثاني: شركة التأمين، بوصفها الطرف المؤمِّن، وتكون أقساط التأمين التي يلتزم بدفعها المستأمن ملكًا للشركة، تتصرف فيها كما تشاء، وتستغلها لحسابها. ويجاب: من خلال هذا العرض يظهر أن دعوى اختلاف التأمين التعاوني عن التأمين التجاري في موضوع الفائض دعوى غير صحيحة، فالفائض في القسمين ربح، يعود في التأمين التعاوني إلى المشتركين باعتبارهم مؤمنين، وفي التأمين التجاري إلى شركة التأمين لنفس الاعتبار، والعجز في صندوق كل منهما خسارة، يعود في شركة التأمين إلى الشركة نفسها، ويعود في التأمين التعاوني إلى الأعضاء المشتركين أنفسهم حيث إنهم أصحاب الشركة، وملاكها، فيجب على كل واحد منهم أن يسهم في تغطية العجز كل بقدر نسبة اشتراكه فيها. يقول الشيخ عبد الله بن منيع: «التأمين التعاوني في واقعه شركة تأمين مكونة من المشتركين أعضاء فيها. فكل مشترك يحمل في الشركة صفتين: صفة المؤمِّن، باعتباره باشتراكه فيها عضوًا، له حق في الفائض بقدر نسبة اشتراكه، وعليه الالتزام بالمشاركة في سداد عجز صندوق الشركة عن الالتزام بالتعويضات بنسبة مشاركته، وله صفة المؤمَّن له، باعتباره باشتراكه أحد عملاء الشركة، ملتزمًا بدفع القسط التأميني، وتلتزم الشركة له بدفع تعويضه عما يلحقه من ضرر مغطى بموجب تعاقده مع الشركة، وبهذا ينتفي وجه التفريق بين التأمين التعاوني، والتأمين التجاري، فكلاهما شركة تأمين، تتفق إحداهما مع الأخرى في جميع خصائص التأمين من حيث عناصره، ومن حيث الإلزام

стр. 1594

والالتزام، والصفة القانونية لكلا القسمين. فشركة التأمين التجارية شركة قائمة على الإلزام والالتزام والحقوق والوجبات، وكذلك الأمر بالنسبة لشركة التأمين التعاونية، فهي شركة قائمة على الإلزام والالتزام والحقوق والواجبات .... كما أن شركة التأمين التجارية ملزمة بدفع التعويضات المستحقة عليها للمشتركين، عند الاقتضاء والوجوب، سواء أكانت الشركة رابحة، أم خاسرة، فكذلك الأمر بالنسبة لشركات التأمين التعاونية، فهي ملزمة كذلك بدفع التعويضات المستحقة عليها للمشتركين عند الاقتضاء والوجوب، وإذا كان صندوق الشركة فيه عجز يحول دون كامل التزاماته، أو بعضها، تعين الرجوع إلى المشتركين فيها لسد عجز الصندوق، حتى يكون قادرًا على الوفاء بتغطية كامل التزاماته، حيث إنهم أصحاب الشركة وملاكها، فيجب على كل واحد منهم أن يسهم في تغطية العجز كل بقدر نسبة اشتراكه فيها. وقد جاء النص على ذلك في الأنظمة الأساسية لشركات التأمين التعاونية، وصدرت قرارات، وفتاوى الهيئات الشرعية الرقابية بذلك، كما صدرت قرارات مجموعة من المجالس، والمجامع الفقهية، والندوات العلمية بإلزام المشتركين في شركات التأمين التعاونية بسد عجز صناديقها، وهذا مما تزول به الحواجز المفتعلة بين شركات التأمين التجارية، وشركات التأمين التعاونية» (١). وحتى هذا الفارق الشكلي بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري لم يعد قائمًا بعد صدور اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التأمين التعاوني، ففي المادة (٧٠) من اللائحة التنفيذية تقضي بأن يصرف فائض التأمين والذي يمثل الفرق بين مجموع الاشتراكات، ومجموع التعويضات بإعادة ١٠% للمؤمن

стр. 1595

لهم، وأما الباقي وهو ما يعادل ٩٠% من الفائض الصافي فيكون ممن نصيب المساهمين نتيجة تعريض حقوقهم لمخاطر التأمين، وهذا يعني أن نظام التأمين التعاوني قائم على الالتزام التعاقدي، فالأرباح يستحقها المساهمون عوضًا عن التزامهم بالتعويض، وهذا هو حقيقة التأمين التجاري، وما إعادة جزء من الفائض إلا محاولة لإضفاء الصبغة الشرعية على العقد، والواجب في التأمين التعاوني أن يرحل جميع الفائض في حساب احتياطات عمليات التأمين. ثانيًا: القول بأن شركات التأمين تأخذ أموال المستأمنين، وتتصرف فيها كيفما تشاء لحسابها، هو من إلقاء القول جزافًا، فإن التزام الشركة بدفع التعويضات يحملها مسؤولية كبيرة، ويكف يدها عن التصرف في هذه الأموال كيفما تشاء، وإلا فكيف تؤمن التعويضات الباهظة التي تدفعها لمن يتعرض للخطر منهم. ولذلك رأى الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀ أن شركات التأمين هي شركات تعاونية (١): فهو يرى أن التأمين التجاري: يؤدي إلى تفتيت المصيبة وتوزيعها على أكبر عدد من الرؤوس، وهم عدد المستأمنين الآخرين الذين دفعوا أقساط التأمين، فترميم الحوادث، أو التعويض عنها، إنما يدفع من هذه الأقساط

стр. 1596

المدفوعة، وبذلك تكون المصيبة قد وزعت على مجموعة كبيرة من الرؤوس، لا تثقل أحدًا، فنظام التأمين إنما يقوم على هذا الأساس (١). ويقول السنهوري: «المؤمن لهم، وجميعهم معرضون لخطر واحد يتحقق في العادة بالنسبة إلى عدد قليل منهم، ولا يتحقق بالنسبة إلى الغالبية العظمى، يتعاونون جميعًا في تعويض العدد القليل منهم الذين يتحقق الخطر بالنسبة إليهم، فلا يتحمل هؤلاء الأخيرون الخسارة وحدهم، وبذلك يكفل التأمين للجميع توزيع الخسارة عليهم، فلا يخسر أي منهم إلا مقابل التأمين الذي دفعه» (٢). وبعد دفع جميع التعويضات المستحقة عليها لأصحابها، ودفع المصاريف الإدارية والعمومية، فما تبقى بعد ذلك يعتبر فائضًا، وهو الربح الذي تأخذه شركة التأمين التجارية، ويأخذه الأعضاء المشتركون في شركة التأمين التعاونية. فالربح في الشركتين: هو فرق الأقساط بين ما تأخذه الشركة، وبين ما تدفعه من تعويضات ومصاريف، فإن كانت الشركة في التأمينات التجارية تملك الأقساط، فإن تلك الأقساط في التأمينات التعاونية تكون ملكًا للأعضاء المشتركين، ولهذا استحقوا الربح بحسب اشتراكهم، وتحملوا الخسارة بحسب ذلك. الفارق الثاني بين شركات التأمين التجاري والتعاوني: أن عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات، بينما عقد التأمين التعاوني من عقود التبرعات، فالغرر الموجود في عقود المعاوضات لا يغتفر، بينما الغرر الموجود في عقود التبرعات مغتفر على الصحيح. ويقول أحد الباحثين: «في التأمين التجاري الهدف الأساسي لشركة التأمين

стр. 1597

هو تحقيق أكبر قدر من الربح على حساب المستأمنين، وتحقيق الأمان إن كان مقصودًا، فإنه يقصد تبعًا، واستثناء، لا أصالة. أما في التأمين التعاوني، فإن المقصد الأساسي منه، هو تحقيق الأمان من خلال التعاون بين المستأمنين على ترميم آثار المخاطر التي تصيب أيًا منهم على أساس التبرع، فما يدفعه كل مستأمن، إنما يريد به التعاون مع إخوانه المستأمنين في تخفيف الضرر، أو رفعه عن أحدهم إذا ما نزل به بحدوث الكارثة المؤمن منها». ويقول شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى: «التأمين التعاوني لا يقصد به المعاوضة، وإنما يقصد به التعاون على النكبات والحوادث، وأما التأمين التجاري فالغرض منه المرابحة، وهو من الميسر الذي حرمه الله في كتابه ... هذا هو الفرق، ولذلك تجد الرجل لو أقرض شخصًا دينارًا، ولم يسلمه المقترض إلا بعد سنة، أو أقل، أو أكثر، كان هذا صحيحًا، ولو أعطاه دينارًا بدينار، على سبيل المعاوضة، كان هذا فاسدًا حرامًا، فالنية لها أثر في تحويل المعاملات من حرام إلى حلال» (١). والقاعدة في هذا: أن المتبرع لجهة، أو لجماعة تجمعهم صفة معينة، فإنه يدخل في الاستحقاق مع هذه الجماعة، إذا توافرت فيه هذه الصفة، كمن تبرع لطلاب العلم، فإنه يستحق نصيبًا من هذا التبرع، إذا طلب العلم، فلا يقال في هذه الحالة: إنه يأخذ مقابلًا، أو عوضًا لما بذل، وإنما يقال: إنه يستحق نصيبًا من المال المتبرع به لتوافر صفة الاستحقاق فيه، فهو يدفع متبرعًا، ويأخذ من مال التبرع، فانتفت المعاوضة تمامًا في مثل هذه الحالة (٢).

стр. 1598

مناقشة هذا الفارق: هذا الفارق يدور حول دعوى واحدة، أن المشترك في التأمين التعاوني قصد أمرين: التعاون، والتبرع، بخلاف المشترك بالتأمين التجاري، فإنه قصد المعاوضة، ولم يقصد التعاون. وهذه دعوى مجافية للحقيقة لأمور، منها: الأمر الأول: أن المستأمن في الشركتين: التجاري والتعاوني ليس لواحد منهم قصد التعاون بينه وبين بقية المستأمنين، فهو لا يعرف أعيانهم، ولكن التعاون الموجود في التأمين يتم بغير قصد كالحال بالنسبة للمشتركين في التأمين التجاري. يقول الشيخ عبد الله بن منيع: القول «بأن المشترك في التأمين التعاوني يقصد التعاون على البر والتقوى محتسبًا الأجر في ذلك عند الله بخلاف المشترك في التأمين التجاري فليس له قصد في التعاون، لا شك أن القول بذلك دعوى موغلة في الوهم، وعدم الانفكاك عما يكذبها من حيث الحس والعقل ... وبهذا يظهر أن وصف التأمين التعاوني بالتعاون المقصود قول لا حقيقة له، وأن الصحيح أنه تعاون غير مقصود، كالتعاون التجاري، فبطل القول بذلك كفرق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني» (١). الأمر الثاني: قولهم: إن تحقيق الأمان في شركات التأمين إن كان مقصودًا فإنه يقصد تبعًا، واستثناء، لا أصالة، أما في التأمين التعاوني فإن المقصد الأساسي منه هو تحقيق الأمان ... الخ.

стр. 1599

فهذا الكلام ليس دقيقًا، فالضمان في كلا النظامين هو الباعث على التعاقد، فالمستأمن حين دفع ماله على حبه له، إنما دفعه من أجل هدف واحد، سواء كان ذلك في التأمين التعاوني أو التجاري، لم يدفعه بقصد الإحسان، ولا بنية التعاون على البر والتقوى، وإنما دفعه طلبًا للضمان، وتحصينًا لماله من التعرض للهلاك، وهو طلب مشروع، لا يقدح في صحة المعاملة. الأمر الثالث: أن حقيقة المتبرع هو من يبذل ماله بغير عوض، بخلاف المعاوض: فإنه يبذل ماله بعوض. فالتأمين التعاوني حقيقته: أتبرع لك بشرط أن تتبرع لي، ولولا هذا الالتزام لم أتبرع، ولولا الطمع في أن يكون هناك تعويض لم ألتزم بدفع أقساط التأمين، فهناك فرق بين من يتبرع، ولا يتطلب استحقاقًا، ثم قد توجد به صفة الاستحقاق دون قصد، فيأخذ، ومن يدفع من أجل الأخذ، ولولا الأخذ ما دفع، فلو أوصى رجل على أن ثلث ماله يصرف على الفقراء، أو على طلبة العلم، وكان أحد أولاده فقيرًا، أو طالب علم استحق بهذا الوصف، ولم يدخل في الوصية للوارث، ولو أراد بتلك الوصية التحايل لإعطاء أحد ورثته دون آخر، أثم بذلك، ولم يحل له أخذ المال، فعقد التأمين التعاوني أعطيكم بشرط أن تعطوني، هذه حقيقة المعاوضة، والأشياء بمعانيها لا بأسمائها، وإذا كان الفقهاء يعدون هدية الثواب معاوضة؛ لأن الإنسان إنما بذل هديته طلبًا للثواب، فأخذت حكم المعاوضة، ولم ينظر إلى كونها قدمت باسم الهدية، فكيف لا يكون التبرع للآخرين بشرط أن يتبرعوا له، لا يكون معاوضة. ثم إن التبرع ليس من عقود الإلزام، وهذا عقد ملزم، فطبيعة العقد: التزام

стр. 1600

المؤمن بتحمل الخسائر الناجمة عن الأضرار المؤمن عنها عند حدوثها، والتزام المستأمن بدفع قسط التأمين. «فمن خصائص التبرع أن المتبرع له حق العدول عن التبرع بكامل ما يتبرع به، أو بجزئه، فما على المحسنين من سبيل، كما أن له حق الامتناع عن الاستمرار بما وعد به من تبرع بالأقساط، أو بالمشاركة في سد عجز الصندوق، فهل يقبل من المشترك في التأمين التعاوني هذا الحكم، على اعتبار أن مشاركته كانت على سبيل التبرع؟ أم أن امتناعه عن الاستمرار في دفع الأقساط، أو الامتناع عن المشاركة في تغطية عجز الصندوق يعرضه للمساءلة، كما يسقط حقه في التعويض وفي الأرباح، وفي المطالبة بما مضى منه دفعه، ويعطي القائمين على إدارة التأمين التعاوني حق فسخ العقد معه؟» (١). ثم لو كان إطلاق اسم التبرع على العقد يغير حكمه، كان من الممكن في التأمين التجاري أن نقول: ادفع قسط التأمين التجاري بنية التبرع للشركة، ثم على الشركة أن تدفع من أموال المتبرعين ما يصيبهم من أضرار، وما بقي بعد خصم المصاريف الإدارية والعمومية فهو على القائمين على الشركة بمثابة الجعل أو الأجرة لهم على ما قاموا به من إدارة لأموال المتبرعين، واستثمارها. يقول الدكتور رفيق المصري: «ومما يؤخذ على رأي المجيزين للتأمين التعاوني، والمانعين للتأمين التجاري: أنهم رأوا أن التعاونيات كالتبرعات، يغتفر فيها من الغرر ما لا يغتفر في المعاوضات، وهذا فيه نظر؛ لأن (أتبرع لك على أن تتبرع لي) ليس من التبرعات، بل هو من المعاوضات» (٢).

стр. 1601

وإن كان المقصود من التعاون أن يؤخذ من مجموع مال المستأمنين فيدفع إلى من يحتاج منهم، فهذا موجود في التأمين التجاري، كما هو موجود في التأمين التعاوني؛ لأن التأمين لا يمكن أن يقوم بين مستأمن ومؤمن وحده، وإلا كانت العملية خاسرة من كل الوجوه، وإنما العقد يقوم بين شركة التأمين وبين مجموعة كبيرة من المستأمنين، بحيث من تعرضت منهم بضاعته للتلف أمكن تعويضه من مجموع مال المستأمنين، وهذا حقيقة التعاون، وهو موجود فيهما (التجاري والتعاوني) (١). الأمر الرابع: كون الهدف من التأمين تحقيق أكبر قدر من الربح، فهذا لا يقتضي أبدًا تحريم المعاملة، لأن طلب الربح أمر مشروع كما بينت سابقًا، ولولا طلب الربح ما قام التأمين التعاوني أيضًا، لأن التأمين التعاوني نفسه لا يمكن أن يتم طوعًا بلا أجر، ولولا ذلك لما رضي أحد بالعمل به، ولو رضي لما قام به على الوجه المطلوب، فالربح الموجود في التأمين التجاري، يقابله الأجر الموجود بالتأمين التعاوني، إذا كان نصيب شركات التأمين التعاونية العمل بالأجرة، أو الربح إن عملوا فيه بالمضاربة، فالربح موجود في التأمين التعاوني كما هو موجود في التأمين التجاري، وإذا كان التأمين التجاري أكثر ربحًا، فيمكن العمل على أن يكون الربح معتدلًا وذلك عن طريق فتح باب المنافسة لشركات التأمين الأخرى، ومراقبة الدولة وذلك بوضع الأنظمة التي تحد من استغلالها. ونتيجة هذا النقاش أرى أن قياس التأمين التجاري على التأمين التعاوني بالحكم قياس صحيح، وأن القول بجواز التأمين التعاوني يؤدي إلى القول

стр. 1602

بجواز التأمين التجاري، لأن الفرق بين النظامين ليس كبيرًا، وإذا وجد فرق فإنما هو في المحسنات ليس إلا، أي أنه أكثر انضباطًا في تحديد نسبة الربح من شركات التأمين التجارية، لا أكثر، والله أعلم. وعلى فرض أن يكون هناك فارق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري، في التكييف، فإنه لا يوجد فارق في الممارسة، وهو المهم، فإنه ما من شركة تأمين تعاوني إلا وتمارس التأمين التجاري فيما يسمى بإعادة التأمين، فرجع التأمين التعاوني إلى التأمين التجاري، فشركات التأمين التعاونية تقوم بإعادة التأمين عند شركات تجارية، فحرَّموا على المستأمن ما سمحوا لأنفسهم بالوقوع فيه، بعد ما أخذوا أمواله، واستفادوا منها، ذهبوا يؤمنون عليها عند شركات تجارية، وإذا كان الحال كذلك فلم يعملوا شيئًا. يقول الشيخ الصديق الضرير عن شركة التأمين التعاونية الإسلامية في السودان: «والعقبة التي اصطدمنا بها: هي موضوع إعادة التأمين، وهنا طبقنا أيضًا نفس القاعدة، والتي هي قاعدة الغرر لإعادة التأمين، لم نجد في ذلك الوقت شركة إعادة تأمين إسلامية، فليس هناك إلا الشركات التجارية، شركات إعادة التأمين، أيضًا صدرت فتوى بجواز إعادة التأمين في الشركات التجارية عملًا بمبدأ الحاجة، ومبدأ الحاجة التي تجعل الغرر غير مؤثر؛ لأنه ليست هناك شركة إسلامية يمكن أن يعاد فيها التأمين (١)، وتبين لنا من أقوال المتخصصين

стр. 1603

في التأمين أنه لا يمكن قيام شركة تأمين من غير أن نعيد التأمين في شركات أخرى؛ لأنه سيكون مصيرها الفشل والخسارة ... » (١). وإذا كان لا بد من إعادة التأمين عند شركات التأمين التجارية فلماذا نرهق المستأمن، ونحمله على طلب محلل، وذلك بكونه يؤمن مرتين، مرة مع شركات التأمين التعاوني كل مستأمن على حدة، ومرة نقوم بالتأمين على مجموع ما دفعه المستأمنون لدى شركات التأمين التجارية، فليذهب المستأمن مباشرة إلى التأمين التجاري، ولا نرهقه بإعادة التأمين، أليس هذا من الظلم للمستأمن الحريص على التأمين الحلال أن نحمله على أن يؤمن مرتين، مرة لدى التأمين التعاوني، ومرة لدى التأمين التجاري، وهذا سيكون على حساب مقدار القسط المدفوع إذا تقاسمته شركات التأمين. الدليل السادس: قياس عقد التأمين التجاري على نظام التقاعد باعتباره نوعًا من التأمين يسميه بعضهم بالتأمين الاجتماعي. وذلك لأن حقيقة التقاعد تقوم على أساس: أن يقتطع من المرتب الشهري للموظف في الدولة جزء محدود بمقدار ٩% لصالح مصلحة التقاعد، أو مؤسسة تسمى بالتأمينات الاجتماعية. وتقوم دولة الموظف، أو المؤسسة الأهلية بدفع مبلغ مماثل لصالح المؤسسة. ويقوم على هذه المؤسسة موظفون من قبل الدولة للعمل على نماء هذا المال، ويجمع هذا المال مع نمائه في صندوق لحساب المؤسسة، فإذا بلغ

стр. 1604

الموظف سنًا معينة أحيل إلى التقاعد، واستحق راتبًا شهريًا من قبل المؤسسة، دون أن يقوم الموظف بأي عمل، وقد يبلغ ذلك الراتب أضعاف ما كان يقتطع من راتبه، وقد يموت قريبًا، وتستغني ذريته، وهذا هو الغالب، فيذهب ما أخذ منه بلا مقابل. ويستمر المرتب التقاعدي ما دام حيًا مهما طالت حياته، وينقل هذا الحق إلى أسرته التي يعولها بشرائط معينة بعد وفاته، وعندما تعجز المخصصات (وهي ما يؤخذ من راتب الموظف وأرباح المؤسسة) عن القيام بتعويض الموظف تتبرع الدولة عندئذ بسد العجز، وقد أجازه فضيلة الشيخ عبد الله بن حميد وسماحة الشيخ ابن باز. وتعتبر مصلحة التقاعد، والتأمينات الاجتماعية في عالم الاقتصاد اليوم من أكبر مؤسسات الاستثمار في سوق المال. فعقد التأمين التجاري يشبه نظام التقاعد إلى حد كبير. فالموظف أو العامل هو المستأمن. والدولة ممثلة بمصلحة التقاعد أو مؤسسة التأمينات الاجتماعية هي (شركة التأمين التجارية). وقسط التأمين: هو وما يقتطع من راتب الموظف. والتعويض: هو ما يدفع للمتقاعد من راتب شهري طيلة حياة الموظف، ويدفع للقاصرين من ذريته بعد وفاته. وهو نفس ما تدفعه شركات التأمين للمستأمن من تعويضه عن الشيء المؤمن عنه. والأرباح التي تجنيها شركات التأمين التجارية، تجنيها مصلحة التقاعد والتأمينات الاجتماعية من وراء تشغيل الأقساط. ولا يختلف الحكم الشرعي بكون المالك هي الدولة ممثلة بمصلحة التقاعد

стр. 1605

أو مؤسسة التأمينات، أو كان المالك فردًا، فماذا لو كانت شركات التأمين التجارية هي شركات حكومية هل سيجعل الحكم الشرعي مختلفًا لدى من يقول بتحريم التأمين التجاري. يقول الشيخ مصطفى الزرقاء: «وفي كليهما - يعني التأمين ونظام التقاعد - يدفع الشخص قسطًا ضئيلًا دوريًا، لا يدري كم يستمر به دفعه، وكم يبلغ مجموعه عند التقاعد، وفي كليهما يأخذ الشخص، أو أسرته في مقابل هذا القسط الدوري الضئيل مبلغًا دوريًا أيضًا في التقاعد، وفوريًا في التأمين على الحياة، قد يتجاوز كثيرًا مجموع الأقساط، ولا يدرى كم يبلغ مجموعه في التقاعد إلى أن ينطفئ الاستحقاق وانتقالاته، بينما هو محدد، معلوم المقدار في التأمين على الحياة، فالغرر والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة» (١). بل إني أرى أن التأمين الاجتماعي، هو صورة من التأمين على الحياة، وهو محرم كما سيأتي بيانه إن شاء الله في مبحث مستقل، والفرق بين نظام التقاعد وبين التأمين التجاري من ناحيتين: الأولى: أن عقد التأمين التجاري هو عقد رضائي، يتم بين طرفين بالتراضي، وأما نظام التقاعد فهو من عقود الإذعان حيث يقتطع جزء من راتب الموظف بدون اختياره. وهذا الفارق يسجل لصالح التأمين التجاري، وهو قد يرفع الإثم عن الموظف في الوقوع في ربا النسيئة، ولكن لا يستحق أن يأخذ أكثر مما أخذ منه، وإلا وقع منه ربا الفضل باختياره. الثانية: أن التعويض في التأمين التجاري يكون في مقابل عروض تعرضت للتلف أو النقص، فهو دراهم في مقابل عروض، ولا ربا بين الدراهم

стр. 1606

والعروض، بينما نظام التقاعد: هو دراهم في مقابل دراهم، وهذا أسوأ من التأمين التجاري. وقد اعترض على هذا الاستدلال: ففي قرار مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما نصه: «قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح، فإنه قياس مع الفارق أيضًا؛ لأن ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولي الأمر، باعتباره مسئولًا عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة، ووضع له نظامًا راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظرًا إلى مظنة الحاجة فيهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة؛ لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقًا التزم به من حكومة مسئولة عن رعيتها، وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه، وتعاونًا معه من جراء تعاونه ببدنه وفكره وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة» (١). وقد أجبت ولله الحمد على قول المجمع الفقهي في مبحث حكم التأمين الاجتماعي، فانظره هناك وفقك الله. الدليل السابع: قياس عقد التأمين التجاري على عقد الحراسة. يقول الزرقاء ﵀: «الأجير الحارس، وإن كان مستأجرًا على عمل يؤديه، وهو القيام بالحراسة، نجد أن عمله المستأجر عليه ليس له أي أثر أو نتيجة سوى

стр. 1607

تحقيق الأمان للمستأجر على الشيء المحروس، واطمئنانه إلى استمرار سلامته من عدوان شخص، أو حيوان يخشى أن يسطو عليه ... فكذا الحال في عقد التأمين يبذل فيه المستأمن جزءًا من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار التي يخشاها» (١). واعترض على هذا الاستدلال: جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: «قياس عقود التأمين على عقود الحراسة غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق: أن الأمان ليس محلًا للعقد في المسألتين، وإنما محله في التأمين الأقساط، ومبلغ التأمين، وفي الحراسة: الأجرة، وعمل الحارس، أما الأمان فغاية ونتيجة، وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس» (٢). ويقول الشيخ الصديق الضرير: «على أنا لو سلمنا بجواز شراء الأمان في عقد الحراسة، فإنه لا يلزم من ذلك جواز شرائه في عقد التأمين، للفارق الكبير بين العقدين، ففي عقد الحراسة يقوم الحارس بعمل: هو حفظ العين، وحراستها في حدود الطاقة البشرية، ونتيجة لتلك الحراسة، يحصل الأمان للمستأجر، فهناك ارتباط وثيق بين عمل الحارس، والأمان الذي يحصل للمستأجر، أما في عقد التأمين، فإن المؤمن لا يقوم بأي عمل يؤدي إلى الأمان، فإن الشيء المؤمن عليه يكون في يد صاحبه، وتحت حراسته، لا في يد المؤمِّن، والمؤمِّن يكون ضامنًا لسلامته مما يمكن الاحتراز منه، ومما لا يمكن الاحتراز منه على السواء» (٣).

стр. 1608

ومع أني لست ممن يستريح لهذا القياس، وسبق أن نبهت عليه، إلا أن ما أثاره فضيلة الشيخ الصديق محمد الضرير في التفريق بين العقدين تفريق صحيح، إلا أنه لا يؤثر في الحكم فيما أرى والله أعلم، فإن الضمان قد دللت على جواز المعاوضة عليه فيما سبق، وأن له قيمة شرعية، كما أن الضمان لا يشترط فيه أن يكون المضمون في يد الضامن، وحصر الضمان في أسباب خاصة، وتحريم الضمان فيما عداها قول لا تساعده أدلة شرعية، ولم يأت نص قط في حصر الضمان في عقد من العقود، والضمان تارة يكون بإلزام الشارع، وتارة يكون بإلزام العاقد نفسه، وقد دللت على ذلك فيما سبق، والله أعلم. الدليل الثامن: قياس عقد التأمين التجاري على العاقلة. والعاقلة في اللغة: مأخوذة من العقل، وهو الدية، سميت بذلك؛ لأن أهل القاتل كانوا يأتون بالدية من الإبل، فيعقلونها بفناء ولي المقتول. والعاقلة تطلق على الجماعة التي تغرم الدية، وهم عشيرة الرجل، أو أهل ديوانه: أي الذين يرتزقون من ديوان على حدة، أو الموظفين في دائرة واحدة. وقد اتفق الفقهاء على مشروعية نظام العاقلة في القتل الخطأ. (ح-٢٢٢) ما روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. أن أبا هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد، أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها، ورواه مسلم (١).

стр. 1609

فإذا جنى أحد جناية قتل غير عمد، بحيث يكون موجبها الأصلي الدية، وليس القصاص، فإن دية النفس توزع على أفراد عاقلته الذين يحصل بينه وبينهم التناصر عادة، وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته، والغاية من هذا التشريع حكم منها: أولًا: تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ. ثانيًا: صيانة دماء ضحايا الخطأ أن تذهب هدرًا؛ لأن الجاني المخطئ قد يكون فقيرًا، لا يستطيع التأدية، فتضيع الدية. ووجه الشبه بين عقد التأمين ونظام العاقلة: هو في تخفيف أثر المصيبة عن المصاب عن طريق توزيع العبء المالي على جميع المشاركين، مما يحول دون دم المقتول هدرًا. فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث المالية، بجعله ملزمًا بطريق التعاقد، والإرادة الحرة، كما جعله الشارع إلزاميًا دون تعاقد في نظام العاقلة، كما هو معمول به في عقد التأمين التجاري، يقول ابن القيم ﵀ في صدد ما يجوز من المشارطات العقدية شرعًا «كل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط، لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط، وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد، وليس بمشروط، فكيف الوعد المؤكد بالشرط، بل ترك الوفاء بالشرط يدخل بالكذب، والخلف، والخيانة، والغدر» (١). ونوقش هذا الدليل: بأن ما تدفعه العصبة ليس من باب المعاوضة، فعصبة الجاني لم تتلق منه

стр. 1610

مبالغ، أو أقساطًا تلتزم بعدها بتسليم دية المجني عليه، فهو من باب التعاون بين العاقلة التي تربط بينهم رابطة الدم، والرحم، والقرابة التي تدعو إلى النصرة، والتواصل، والتعاون، وإسداء المعروف، ففيه فرق بينه وبين عقد التأمين القائم على عقد المعاوضة، والاستغلال. وكما قلت فيما سبق أن محاولة التكلف في تخريج عقد التأمين على عقد من العقود السابقة عمل ليس بجيد، فلسنا مكلفين بتكييف عقد التأمين على أنه عقد كفالة، أو عقد وكالة، أو مضاربة، أو مرابحة، أو قياسه على الوعد الملزم عند المالكية، أو على أي عقد من العقود المعروفة من المسميات القديمة، ولذا سوف أعرض عن هذه الأدلة صفحًا تجنبًا للتكلف في رد الاعتراض عليها، وإنما علينا أن ندرس عقد التأمين من حيث هو، بصرف النظر عن العقود السابقة، وهل القول بجوازه يتمشى مع الأصل، وأن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، أو أن هذا العقد يخالف حكم الله، فيكون باطلًا لمخالفته حكم الله، هذا هو مناط التحقيق، والله أعلم. دليل من قال: لا يجوز التأمين على الحياة . حقيقة التأمين على الحياة: أنه شراء دين بدين، وشراء دراهم بدراهم أكثر منها، وذلك أن المؤمن على حياته يدفع نقودًا مقسطة، مقابل نقود كثيرة مؤجلة، فيقع في نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسيئة، كما أن هذا العوض غير موثوق في الحصول عليه، فقد يفوت عليه بعجزه عن دفع بقية الأقساط. ويختلف هذا التأمين عن التأمين على البضائع، فإن المؤمن على سيارته لا يريد الحصول على نقود أكثر مما دفع، ولا أقل، لا في حياته، ولا بعد مماته، وإنما يريد الاطمئنان عن الحوادث منها أو عليها، وإذا تلفت السيارة تعوضه

стр. 1611

الشركة بسيارة مثلها، أو تصلحها وهذا هو الأمان والاطمئنان مما يستوجب أن يدفع فيه نفيس الأثمان. الراجح من الخلاف: بعد هذا النقاش، واستعراض الأدلة، أريد أن أسجل بعض النتائج من ذلك: أولًا: أجد أن الخلاف في التأمين هو خلاف قوي، والترجيح إنما هو بين قول قوي وآخر أقوى منه، ولا يحسن من بعض المشايخ عند التعرض له، أن يقول أحدهم: دحض شبه القائلين بكذا، من القولين، فليس القول الذي لا نشتهيه: هو القول الساقط، وأدلته مجرد شبه، بل لكل قول وجهته، وأدلته القوية. ثانيًا: أن بعض المعاملات المالية قد يتنازعها موجبان، موجب يقول بالتحريم، وموجب آخر يقول بالإباحة، والأخذ إنما هو بأقوى الداعيين بمقتضى اجتهاد الباحث، ولا يطلب من كل المعاملات المالية الحلال ألا يكون فيها ما يوجب التحريم، وهذه من مرونة الشريعة الإسلامية وتقديرها لمصالح العباد، فعقد السلم يتنازعه المبيح والمانع، فالمانع لأنه بيع معدوم، وقد لا يوجد المعقود عليه مستقبلًا فيتعذر التسليم، ويفسخ العقد، ويكون انتظار المشتري بلا مقابل، وإن وجد المعقود عليه فقد تتغير قيمته هبوطًا أو ارتفاعًا، وكل هذا مما يستدعي المنع، وأما الداعي للإباحة: فإن البيع واقع في الذمة، وليس على شيء معين، والناس بحاجة إلى هذه المعاملة لحاجة المزارعين إلى السيولة لاستصلاح الأرض والزرع والثمار، وحاجة التجار إلى الحصول على هذه المحاصيل بسعر أقل، فيرتفق المزارعون بحصولهم على الأموال، ويرتفق التجار بحصولهم على السلع بقيمة أقل، وهكذا.

стр. 1612

ومن ذلك إباحة الغرر التابع، فإن الغرر التابع قد يكون كثيرًا، ومؤثرًا في قيمة الصفقة، ومع ذلك إرفاقًا بالناس أجازت الشريعة هذه المعاملة، وبقيت المفسدة مغمورة في جانب الضرر الواقع على الناس فيما لو منعوا من تبادل مثل ذلك. ومن ذلك النهي عن بيع الحاضر للباد، فإنه يتنازعه مبيح ومانع أيضًا: فالنصيحة للمسلم البادي، والذي قدم من مكان بعيد، متحملًا عناء الأسفار، والابتعاد عن الأهل، مع جهله بالأسعار، وتشوفه للتعويض مقابل ما أنفقه على بهائمه لاسيما مع قلة الأمطار، وغلاء الأعلاف، وصعوبة التنقل بالمواشي طلبًا للكلأ، وبحثًا عن الماء، كل ذلك يحمل المسلم أن يبيع له بسعر السوق لينفعه، وليعود ذلك بالنفع عليه وعلى أهله، وعلى مواشيه. ينازع ذلك مصلحة السوق، وأن يرزق الله العباد بعضهم من بعض، وهذه مصلحة عامة في مقابل مصلحة خاصة، والعام مقدم على الخاص، ولهذا قدمت هذه المصلحة على تلك، وهكذا كثير من المعاملات قد يتنازعها موجبان، مبيح وحاضر، وتلحق بأقواهما، والله أعلم. ثالثًا: أن التأمين التجاري وإن قلت بجوازه لكونه من عقود الغرر فإن الغرر في عقد التأمين أرى أنه من الغرر الكثير وليس من الغرر اليسير، ولكن أباحته عندي حاجة الناس إلى هذه المعاملة بخلاف التأمين على الحياة و التأمين الاجتماعي فإن الحاجة لا تبيحه مطلقًا؛ لأنه من عقود الربا، لكونه دراهم بدراهم مؤجلة مع التفاضل. رابعًا: أن على طالب العلم إذا لم يغلب على ظنه القول بالتحريم فعليه أن يفتي بجواز التأمين حتى يتبين له القول بالتحريم؛ لأن الأصل في المعاملات الإباحة حتى نتيقن المانع، أو يغلب على الظن قيامه، والاحتياط للنفس غير

стр. 1613

الاحتياط للخلق، فإن الاحتياط للخلق ألا يحرم طالب العلم على الناس ما يشك في تحريمه. ومع هذا الترجيح، فإن عقلي، وقلبي مفتوحان لتقبل ما قد يكشفه اعتراضات الإخوة على هذا الترجيح، لو بان لي أنني لم يحالفني الصواب، وقد قلت ذلك عن اجتهاد، فإن يكن صوابًا فالحمد لله على فضله، وإن يكن غير ذلك، فأستغفر الله، والذي يجب أن ندركه أن هذه المسألة أعني مسألة التأمين أصبحت قدرًا من مسائل الخلاف، ولم يحصل عليها إجماع، وهذا من سعة رحمة الله على عباده، فمن لم ينشرح صدره للقول بالجواز، فعليه أن ينشرح صدره لتقبل الخلاف فيها، ولكل دليله، ولا ينكر على من تبنى أحد القولين باجتهاد، ومن أنكر عليه فقد أساء وتعدى وظلم. * * *

стр. 1614

المسألة الخامسة في التأمين الاجتماعي (نظام التقاعد) حقيقة التقاعد: [ن-٢٢] حقيقته: تقوم على أساس: أن يقتطع من المرتب الشهري للموظف في الدولة جزء محدود بمقدار ٩% لصالح مصلحة التقاعد أو مؤسسة تسمى بالتأمينات الاجتماعية. وتقوم دولة الموظف بدفع مبلغ مماثل لصالح المؤسسة. ويقوم على هذه المؤسسة موظفون من قبل الدولة للعمل على نماء هذا المال، ويجمع هذا المال مع نمائه في صندوق لحساب المؤسسة، فإذا بلغ الموظف سنًا معينة أحيل إلى التقاعد، واستحق راتبًا شهريًا من قبل المؤسسة، دون أن يقوم الموظف بأي عمل، وقد يبلغ ذلك الراتب أضعاف ما كان يقتطع من راتبه، ويستمر المرتب التقاعدي ما دام حيًا مهما طالت حياته، وينقل إلى أسرته التي يعولها بشرائط معينة بعد وفاته (١)، وعندما تعجز المخصصات (وهي

стр. 1615

ما يؤخذ من راتب الموظف وأرباح المؤسسة) عن القيام بتعويض الموظف تتبرع الدولة عندئذ بسد العجز، وقد أجازه فضيلة الشيخ عبد الله بن حميد وسماحة الشيخ ابن باز (١). فعقد التأمين التجاري يشبه نظام التقاعد إلى حد كبير، لكنه عقد بين الموظف من جهة يقابله في التأمين التجاري المستأمن. وبين الدولة من جهة أخرى ممثلة بمصلحة التقاعد أو مؤسسة التأمينات الاجتماعية يقابلها (شركة التأمين التجارية). وما يقتطع من راتب الموظف يقابل قسط التأمين. والتعويض: وهو دفع راتب شهري طيلة حياة الموظف، ويدفع للقاصرين من ذريته بعد وفاته، يقابله ما تدفعه شركات التأمين للمستأمن من تعويضه عن الشيء المؤمن عنه.
следующие страницы →