← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الشركة بسيارة مثلها، أو تصلحها وهذا هو الأمان والاطمئنان مما يستوجب أن يدفع فيه نفيس الأثمان. الراجح من الخلاف: بعد هذا النقاش، واستعراض الأدلة، أريد أن أسجل بعض النتائج من ذلك: أولًا: أجد أن الخلاف في التأمين هو خلاف قوي، والترجيح إنما هو بين قول قوي وآخر أقوى منه، ولا يحسن من بعض المشايخ عند التعرض له، أن يقول أحدهم: دحض شبه القائلين بكذا، من القولين، فليس القول الذي لا نشتهيه: هو القول الساقط، وأدلته مجرد شبه، بل لكل قول وجهته، وأدلته القوية. ثانيًا: أن بعض المعاملات المالية قد يتنازعها موجبان، موجب يقول بالتحريم، وموجب آخر يقول بالإباحة، والأخذ إنما هو بأقوى الداعيين بمقتضى اجتهاد الباحث، ولا يطلب من كل المعاملات المالية الحلال ألا يكون فيها ما يوجب التحريم، وهذه من مرونة الشريعة الإسلامية وتقديرها لمصالح العباد، فعقد السلم يتنازعه المبيح والمانع، فالمانع لأنه بيع معدوم، وقد لا يوجد المعقود عليه مستقبلًا فيتعذر التسليم، ويفسخ العقد، ويكون انتظار المشتري بلا مقابل، وإن وجد المعقود عليه فقد تتغير قيمته هبوطًا أو ارتفاعًا، وكل هذا مما يستدعي المنع، وأما الداعي للإباحة: فإن البيع واقع في الذمة، وليس على شيء معين، والناس بحاجة إلى هذه المعاملة لحاجة المزارعين إلى السيولة لاستصلاح الأرض والزرع والثمار، وحاجة التجار إلى الحصول على هذه المحاصيل بسعر أقل، فيرتفق المزارعون بحصولهم على الأموال، ويرتفق التجار بحصولهم على السلع بقيمة أقل، وهكذا.

стр. 1612

ومن ذلك إباحة الغرر التابع، فإن الغرر التابع قد يكون كثيرًا، ومؤثرًا في قيمة الصفقة، ومع ذلك إرفاقًا بالناس أجازت الشريعة هذه المعاملة، وبقيت المفسدة مغمورة في جانب الضرر الواقع على الناس فيما لو منعوا من تبادل مثل ذلك. ومن ذلك النهي عن بيع الحاضر للباد، فإنه يتنازعه مبيح ومانع أيضًا: فالنصيحة للمسلم البادي، والذي قدم من مكان بعيد، متحملًا عناء الأسفار، والابتعاد عن الأهل، مع جهله بالأسعار، وتشوفه للتعويض مقابل ما أنفقه على بهائمه لاسيما مع قلة الأمطار، وغلاء الأعلاف، وصعوبة التنقل بالمواشي طلبًا للكلأ، وبحثًا عن الماء، كل ذلك يحمل المسلم أن يبيع له بسعر السوق لينفعه، وليعود ذلك بالنفع عليه وعلى أهله، وعلى مواشيه. ينازع ذلك مصلحة السوق، وأن يرزق الله العباد بعضهم من بعض، وهذه مصلحة عامة في مقابل مصلحة خاصة، والعام مقدم على الخاص، ولهذا قدمت هذه المصلحة على تلك، وهكذا كثير من المعاملات قد يتنازعها موجبان، مبيح وحاضر، وتلحق بأقواهما، والله أعلم. ثالثًا: أن التأمين التجاري وإن قلت بجوازه لكونه من عقود الغرر فإن الغرر في عقد التأمين أرى أنه من الغرر الكثير وليس من الغرر اليسير، ولكن أباحته عندي حاجة الناس إلى هذه المعاملة بخلاف التأمين على الحياة و التأمين الاجتماعي فإن الحاجة لا تبيحه مطلقًا؛ لأنه من عقود الربا، لكونه دراهم بدراهم مؤجلة مع التفاضل. رابعًا: أن على طالب العلم إذا لم يغلب على ظنه القول بالتحريم فعليه أن يفتي بجواز التأمين حتى يتبين له القول بالتحريم؛ لأن الأصل في المعاملات الإباحة حتى نتيقن المانع، أو يغلب على الظن قيامه، والاحتياط للنفس غير

стр. 1613

الاحتياط للخلق، فإن الاحتياط للخلق ألا يحرم طالب العلم على الناس ما يشك في تحريمه. ومع هذا الترجيح، فإن عقلي، وقلبي مفتوحان لتقبل ما قد يكشفه اعتراضات الإخوة على هذا الترجيح، لو بان لي أنني لم يحالفني الصواب، وقد قلت ذلك عن اجتهاد، فإن يكن صوابًا فالحمد لله على فضله، وإن يكن غير ذلك، فأستغفر الله، والذي يجب أن ندركه أن هذه المسألة أعني مسألة التأمين أصبحت قدرًا من مسائل الخلاف، ولم يحصل عليها إجماع، وهذا من سعة رحمة الله على عباده، فمن لم ينشرح صدره للقول بالجواز، فعليه أن ينشرح صدره لتقبل الخلاف فيها، ولكل دليله، ولا ينكر على من تبنى أحد القولين باجتهاد، ومن أنكر عليه فقد أساء وتعدى وظلم. * * *

стр. 1614

المسألة الخامسة في التأمين الاجتماعي (نظام التقاعد) حقيقة التقاعد: [ن-٢٢] حقيقته: تقوم على أساس: أن يقتطع من المرتب الشهري للموظف في الدولة جزء محدود بمقدار ٩% لصالح مصلحة التقاعد أو مؤسسة تسمى بالتأمينات الاجتماعية. وتقوم دولة الموظف بدفع مبلغ مماثل لصالح المؤسسة. ويقوم على هذه المؤسسة موظفون من قبل الدولة للعمل على نماء هذا المال، ويجمع هذا المال مع نمائه في صندوق لحساب المؤسسة، فإذا بلغ الموظف سنًا معينة أحيل إلى التقاعد، واستحق راتبًا شهريًا من قبل المؤسسة، دون أن يقوم الموظف بأي عمل، وقد يبلغ ذلك الراتب أضعاف ما كان يقتطع من راتبه، ويستمر المرتب التقاعدي ما دام حيًا مهما طالت حياته، وينقل إلى أسرته التي يعولها بشرائط معينة بعد وفاته (١)، وعندما تعجز المخصصات (وهي

стр. 1615

ما يؤخذ من راتب الموظف وأرباح المؤسسة) عن القيام بتعويض الموظف تتبرع الدولة عندئذ بسد العجز، وقد أجازه فضيلة الشيخ عبد الله بن حميد وسماحة الشيخ ابن باز (١). فعقد التأمين التجاري يشبه نظام التقاعد إلى حد كبير، لكنه عقد بين الموظف من جهة يقابله في التأمين التجاري المستأمن. وبين الدولة من جهة أخرى ممثلة بمصلحة التقاعد أو مؤسسة التأمينات الاجتماعية يقابلها (شركة التأمين التجارية). وما يقتطع من راتب الموظف يقابل قسط التأمين. والتعويض: وهو دفع راتب شهري طيلة حياة الموظف، ويدفع للقاصرين من ذريته بعد وفاته، يقابله ما تدفعه شركات التأمين للمستأمن من تعويضه عن الشيء المؤمن عنه.

стр. 1616

والأرباح التي تجنى من وراء تشغيل الأقساط أرباح طائلة، سواء كان المالك الدولة ممثلة بمصلحة التقاعد أو مؤسسة التأمينات، أو كان المالك فردًا، وقد لمح إلى ذلك الشيخ عبد الله بن بيه، فقال وفقه الله: «التأمين تابع لأي من الوزارات؟ هل هو تابع لوزارة الشئون الاجتماعية، أو وزارة الأوقاف، لا، هو تابع لوزارة المالية، ووزارة التجارة، إذن تأمين الشركة التجارية إذا كان للدولة فالدولة تجني من ورائه أرباحًا، وإذا كان للأفراد فالأفراد يجنون من ورائه أرباحًا، وهذه هي المهمة الكبرى، وهي الباعث» (١). والفرق الذي يمكن أن يسجل لصالح التأمين التجاري من ناحيتين: الأولى: أن عقد التأمين التجاري هو عقد رضائي، يتم بين طرفين بالتراضي، وأما نظام التقاعد فهو من عقود الإذعان حيث يقتطع جزء من راتب الموظف بدون اختياره. وهذا قد يرفع الإثم عن الموظف في الوقوع في ربا النسيئة، ولكن لا يستحق أن يأخذ أكثر مما أخذ منه، وإلا وقع معه في ربا الفضل باختياره. وهل يطالب الموظف بتقديم استقالته قبل تمام العشرين سنة ليتمكن من أخذ استحقاقه قبل إجباره على نظام التقاعد، هذه محل بحث (٢).

стр. 1617

الثانية: أن التعويض في التأمين التجاري يكون في مقابل عروض تعرضت للتلف، أو النقص، فهو دراهم في مقابل عروض، بينما نظام التقاعد: هو دراهم في مقابل دراهم، وهذا أسوأ من التأمين التجاري. الحكم الفقهي لنظام التقاعد: [ن-٢٣] ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى تحريم نظام التقاعد، وبعضهم ذهب إلى عدم وجود فرق بين التأمين التجاري ونظام التقاعد بجامع أن كلًا منهما نوع من التأمين (١). وقد أشارت اللجنة الدائمة إلى أن القول بالتحريم قول محفوظ، وله حظه من

стр. 1618

النظر، قالت ذلك في معرض ردها على الشيخ مصطفى الزرقاء حين احتج بأن علماء الشريعة كافة يقرون نظام التقاعد بلا نكير، ولا يرون فيه أية شبهة شائبة من الناحية الشرعية مع أنه نظام تأميني بكل ما في كلمة تأمين من معنى. وقد ناقشت اللجنة هذا القول بما يأتي: «أولًا: إن قول المستدل: قد شهدت جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها بجواز نظام التقاعد مجرد دعوى مبالغ فيها ليس معه من الأدلة الصحيحة ما يعتمد عليه فيها فضلًا عن أن يكون لها أدلة لا تقوم أمامها شبهة توهم المنع. ثانيًا: ادعى المستدل أن علماء الشريعة كافة في عصرنا أقروا نظام التقاعد دون أية شبهة، وفي هذا من المبالغة ما في سابقه، وإنما هي دعوى يردها الواقع، فإن المسألة نظرية، ويوجد من العلماء المعاصرين من يخالف فيها .... رابعًا: قد يقال: إن كان ما اقتطع من مرتب الموظف لا يزال باقيًا على ملكه مع ما قد ضم إليه إلا أنه قيد صرفه بزمن محدد، وكيفية محدودة، فالكلام في حكمه كالكلام في حكم التأمين، وقد تقدم، وربما كان التقاعد أشد؛ لأن ما فيه من الغرر والمخاطرة، والمغامرة أشد؛ ولأن توزيعه يجري على غير سنن المواريث عطاء مستمرًا، أو مؤقتًا، أو حرمانًا .... الخ كلام اللجنة (١). والمهم في هذا النص الإقرار بأن القول بتحريم التقاعد محفوظ لدى أهل العلم في هذا العصر، ولم يجمع العلماء على جوازه كما توهم بعضهم. وقد أخبرني سماحة الوالد فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين بأن الشيخ

стр. 1619

عبد الرزاق عفيفي ﵀ رفض أن يستلم من تقاعده شيئًا حتى ولا مقدار المبلغ الذي أخذ منه، كل ذلك يدل على أن القول بالتحريم قول محفوظ. وذهب عامة أهل العلم إلى القول بجواز التقاعد: فـ «قد أجاز مؤتمر علماء المسلمين الثاني في القاهرة عام ١٣٨٥ هـ (١)، ومؤتمر علماء المسلمين السابع عام ١٣٩٢ هـ كلًا من التأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة عام ١٣٩٨ هـ» (٢). وتبنى القول بالجواز هيئة كبار العلماء في البلاد السعودية (٣). وقد بنوا قولوهم على تصور غير صحيح حيث اعتبروا أن الخصم من راتب الموظف هو خصم صوري، وأن حقيقة التقاعد هو هبة من ولي الأمر، مكافأة للموظف على خدمته للدولة، وهذا تكييف للمسألة بخلاف الواقع. والدليل على ذلك: أولًا: لا تدعي الحكومات، وهي الجهة التي تتولى الخصم من الرواتب بأن

стр. 1620

العقد صوري، فمن أين أتت دعوى أن العقد في التقاعد صوري، ولعل ما زين هذا التصور أن المعطي والخاصم جهة واحدة، لكن هذا لا يستقيم مع تأمين العمال من أصحاب القطاع الخاص كما سيأتي بيانه. ثانيًا: أن الموظف إذا أنهى عمله قبل عشرين سنة له أن يأخذ جميع ما أخذ منه من استحقاقات، ولو كان الخصم صوريًا لم يستحق شيئًا. ثالثًا: لو قصرت مصلحة المعاش والتقاعد، فلم تدفع للموظف شيئًا، كان للموظف أن يحاكم الجهة المقصرة بعدم السداد، ولو كانت هبة لم تلزم إلا بالقبض. رابعًا: أن مقدار الراتب في التقاعد يحدده المبلغ المخصوم من راتبه، فكلما كان الراتب كبيرًا، كان الخصم منه أكثر، وبالتالي يكون المرتب في التقاعد أكثر، ولو كان الأمر من قبيل المكافأة لم يعلق مقدار التقاعد على مقدار الخصم من الراتب. خامسًا: العامل في المؤسسات الخاصة يدفع له تأمين من قبله، ومن قبل الجهة التي يعمل فيها، ولو قصرت تلك الجهة تعرضت لغرامات مالية، وهو لا يأخذ راتبه من قبل الدولة حتى يقال: إن الخصم صوري، مما يدل على أن الأمر ليس من قبيل الهبة، ولا المكافأة، وإنما هو من قبيل المعاوضة. يقول الشيخ مصطفى الزرقاء: «وفي كليهما - يعني التأمين ونظام التقاعد- يدفع الشخص قسطًا ضئيلًا دوريًا لا يدري كم يستمر به دفعه، وكم يبلغ مجموعه عند التقاعد، وفي كليهما يأخذ الشخص، أو أسرته في مقابل هذا القسط الدوري الضئيل مبلغًا دوريًا أيضًا في التقاعد، وفوريًا في التأمين على الحياة، قد يتجاوز كثيرًا مجموع الأقساط، ولا يدرى كم يبلغ مجموعه في التقاعد، إلى

стр. 1621

أن ينطفئ الاستحقاق وانتقالاته، بينما هو محدد معلوم المقدار في التأمين على الحياة، فالغرر، والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة» (١). ويقول الدكتور السنهوري: «لا تصح التفرقة بين التأمين الاجتماعي، والتأمين الفردي، فكلاهما يقوم على أساس واحد، ولا يختلفان إلا في أن الدولة في التأمين الاجتماعي هي التي تقوم بدور المؤمن، فمن قال: بجواز التأمين الاجتماعي، وجب أن يقول بجواز التأمين الفردي» (٢). وقد اعترض على هذا الاستدلال: ففي قرار مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما نصه: «قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح، فإنه قياس مع الفارق أيضًا؛ لأن ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسئولًا عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة، ووضع له نظامًا راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظرًا إلى مظنة الحاجة فيهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين، والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة؛ لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقًا التزم به من حكومة مسئولة عن رعيتها، وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه، وتعاونًا معه جزاء تعاونه ببدنه، وفكره، وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة» (٣).

стр. 1622

الجواب على رد المجمع: القول بأن التقاعد التزم به ولي الأمر في مقابل ما قام به الموظف من خدمة الأمة، هذا قول غير صحيح، فإنه التزم به في مقابل الأقساط التي تؤخذ من راتب الموظف والعامل، وليس مكافأة على خدمته في مجال عمله، ولو كان مكافأة له على خدمته لم يُقْتَطع جزء من راتبه لمصلحة التقاعد، أو لمؤسسة التأمينات الاجتماعية، ولو كان مكافأة لم يعاقب العامل لدى القطاع الخاص إذا لم يدفع قسط التأمين بغرامة مالية. ولو كان مكافأة لم يطالب من أخذ إجازة بدون راتب، أن يسدد من قِبَله فترة إجازته جميع الأقساط التي كان من المفترض أن تخصم من راتبه لمصلحة التقاعد. والقول بأن نظام التقاعد ليس من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية من غريب القول، فما هي المعاوضات المالية في تعريف المشايخ الفضلاء، أليس كل واحد من طرفي العقد يأخذ مقابلًا لما أعطى؟ أليس الموظف يبذل عوضًا ماليًا، وتلتزم الدولة بالمقابل بدفع عوض مالي آخر، على شكل راتب يأخذه مدى حياته، وبعد وفاته بشروط معينة، أليس هذا هو حقيقة المعاوضة، الفرق أن المعاوضة في التأمين بين فرد وشركة، وأما في التقاعد فهو بين موظف أو عامل وبين الدولة ممثلة بمؤسسة التأمينات الاجتماعية، أو مصلحة التقاعد، وهذا لا يشكل فارقًا جوهريًا. ولو سلم أن الربح غير مقصود، فالمعاوضة المالية ليست متوقفة على الربح، حتى يقال: إذا لم يقصد الربح انتفت المعاوضة، فالبيع بالتولية معاوضة على الصحيح عند جمهور العلماء، والربح منتف، وبيع الوضيعة معاوضة، والخسارة معلومة.

стр. 1623

والقول بأن الدولة ليست في مركز المعاوض، ولا تطلب مقابلًا لما تبذل، فلماذا إذا تعمل الدول على نماء هذا المال، واستثماره فيما يجوز، ومالا يجوز، وتقترض منه إذا احتاجت إليه، أليس هذا يعود عليها بالنفع، وهو عين ما يطلبه صاحب المال من ماله. ولماذا لا يشرف على نظام التقاعد وزارة الأوقاف، إذا كان صندوق مؤسسة التأمينات الاجتماعية أو مصلحة التقاعد صندوقًا وقفيًا خيريًا تعاونيًا، لماذا يربط في بعض الدول بوزارة التجارة، أو بوزارة المالية، فربطه بإحدى هاتين الوزارتين دليل على أن سبيله التجارة ليس إلا، والله أعلم. فالذي يحرم التأمين التجاري يلزمه القول بتحريم نظام التقاعد، فإنه نوع من التأمين، ومن أجاز التأمين الاجتماعي يلزمه القول بجواز التأمين التجاري، حيث لا فرق (١).

стр. 1624

وكون الدولة تدفع نسبة من قسط التأمين لا يعني أنها متبرعة بها؛ لأن هذا المبلغ إنما دفع بشرط أن يكون موظفًا لديها، فهو جزء من التزامات العقد بين الموظف وبين الدولة، فهو داخل في المعاوضة، بدليل أن أصحاب المؤسسات الخاصة ملزمون بدفع نفس النسبة عن عمالهم، ويعاقبون إذا تخلفوا عن دفع تلك النسبة، فلو لم يكن ذلك جزءًا من التزام العقد لم يلزموا، ولم يغرموا إذا تأخروا. ولو صح أن يقال: إن ما تدفعه الدولة من قبيل التبرع، لكانت القروض الربوية، يمكن أن يقال عنها: إن ما زاد عن قيمة القرض فإن المقترض متبرع به للمقرض. ولو سلمنا أن ما تدفعه الدولة يعتبر من قبيل التبرع المحض، فهذا لا ينطبق على ما يدفعه الموظف، فإن ما يدفعه الموظف هو من قبيل المعاوضة، لأن ما يدفعه الموظف سوف يأخذ مقابلًا لما يدفعه، ووجود طرف ثالث متبرع لا يجعل المعاملة كلها من قبيل التبرع الجائز. إنني أضع هذه التساؤلات أمام نظر مشايخنا، وفقهائنا للنظر فيها وإبداء الرأي، والنقد لما جاء فيها قيامًا بواجب العلم وأداء للأمانة، ولا أعتقد أن الدولة ملومة وقد أفتاها كثير من أهل العلم والفضل بجواز ذلك، ولكن المسئولية تقع على أهل العلم وذلك بتقديم بديل شرعي صحيح للوضع القائم لذلك كان هذا القول مني تسجيلًا لرأيي في المسألة حتى لا يقال: إن المسألة فيها إجماع على القول بالجواز، وأظن ولاة الأمر حريصين على البديل الشرعي

стр. 1625

السليم الذي يحقق الأهداف التي من أجلها قام نظام التقاعد، مع تحقيق نظام عادل يحفظ للموظف والعامل حقه المالي المأخوذ منه، ويحفظ حسن رعايته ورعاية من يعول في كبره، فالمسؤولية الكبرى على الفقيه المسلم في إيجاد بديل شرعي سالم من المخالفات، وإني مستعد للمشاركة في وضع بديل شرعي متوازن في حال طلب مني ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 1626

المسألة السادسة في التأمين التعاوني الحكم الأول في تعريف التأمين التعاوني وبيان أقسامه [تعريف التأمين التعاوني]. [ن-٢٤] للتأمين التعاوني صورتان: الأولى: التأمين التعاوني البسيط . وتعريفه: بأنه عقد تأمين جماعي، يلتزم بموجبه كل مشترك بدفع مبلغ من المال على سبيل التبرع لتعويض الأضرار التي قد تصيب أيًا منهم عند تحقق الخطر المؤمن منه (١). مثال ذلك: أن يقوم مجموعة من الناس بتشكيل جمعية تعاونية، كما لو قام أهل سوق الذهب مثلًا، أو بعض العائلات الكبيرة بإنشاء صندوق تعاوني من أموالهم، بحيث يقدم كل منهم حصته من قسط التأمين، ويرصد المبلغ في صندوق للطوارئ بحيث يؤدى منه تعويض لأي مشترك منهم، عندما يقع الخطر الذي أسس الصندوق لدفعه كخطر السرقة، أو الاحتراق، أو دفع حاجة خاصة كمن يحتاج إلى زواج، أو بناء مسكن، أو غيرها من الحاجات. وقد يعطى المبلغ كاملًا، أو يعطى بعضه مجانًا، وبعضه على شكل قروض ميسرة السداد على حسب شروط ذلك الصندوق.

стр. 1627

الثانية: التأمين التعاوني المركب الفرق بين التأمين التعاوني البسيط والتأمين التعاوني المركب: هو أن التأمين التعاوني البسيط يكون فيه عدد المستأمنين محدودًا، يعرف بعضهم بعضًا، فإذا كثر عددهم ليبلغ الآلاف، وتعددت الأخطار المؤمن منها، لتشمل أنواعًا كثيرة، اقتضى الأمر وجود جهة تتولى إدارة التأمين التعاوني، اكتتابًا، وتنفيذًا بصفة الوكالة بأجر معلوم، وهذه الجهة هي شركات التأمين أو المنظمات التعاونية، ونظرًا لتعدد العقود التي يتكون منها التأمين التعاوني بهذه الصورة، وتداخلها استحق أن يسمى بالتأمين المركب. وعليه فيمكن تعريف التأمين التعاوني المركب بقولك: هو عقد تأمين جماعي يلتزم بموجبه كل مشترك فيه بدفع مبلغ معين من المال على سبيل التبرع، لتعويض المتضررين منهم على أساس التكافل والتضامن عند تحقق الخطر المؤمن منه، وتدار فيه العمليات التأمينية من قبل شركة متخصصة على أساس الوكالة بأجر معلوم (١). طبيعة عقد التأمين التعاوني المركب: اختلف العلماء في تكييف عقد التأمين التعاوني. فذهب كثير منهم وعلى رأسهم هيئة كبار العلماء في السعودية، ومجمع الفقه الإسلامي، إلى أن عقد التأمين التعاوني هو في حقيقته عقد تبرع يقدمه المشتركون في هذا التأمين، ولكن من هو المتبرع له؟ قد يكون المتبرع له، هم المشتركون في هذا التأمين، كما هو الحال في التأمين التعاوني في شركات التأمين التعاوني على الحوادث المنتشرة اليوم، وقد يكون المتبرع له هو مؤسسة

стр. 1628

التأمين التعاوني، كما هو الحال في التأمينات الاجتماعية، ورواتب التقاعد، والتأمين الصحي وغيرها (١). وخالف آخرون، فهم يرون أن عقد التأمين التعاوني، هو من عقود المعاوضات المالية، لا يختلف عن التأمين التجاري، لأن حقيقته: أتبرع لك بشرط أن تتبرع لي، وهذه معاوضة، والأشياء بمعانيها لا بأسمائها، وإذا كان الفقهاء يعدون هدية الثواب معاوضة، لأن الإنسان إنما بذل هديته طلبًا للثواب، فأخذت حكم المعاوضة، ولم ينظر إلى كونها قدمت باسم الهدية، فكيف لا يكون التبرع للآخرين بشرط أن يتبرعوا له لا يكون معاوضة. يقول الدكتور رفيق المصري: «ومما يؤخذ على رأي المجيزين للتأمين التعاوني، والمانعين للتأمين التجاري: أنهم رأوا أن التعاونيات كالتبرعات يغتفر فيها من الغرر ما لا يغتفر في المعاوضات، وهذا فيه نظر؛ لأن (أتبرع لك على أن تتبرع لي) ليس من التبرعات، بل هو من المعاوضات» (٢). ولا يختلف الحكم بين كون المؤمِّن هو شركة التأمين، أو المؤمن هم الأعضاء أنفسهم. يقول الشيخ عبد الله بن منيع: «التأمين التعاوني في واقعه شركة تأمين مكونة من المشتركين أعضاء فيها. فكل مشترك يحمل في الشركة صفتين: صفة المؤمِّن، باعتباره باشتراكه فيها عضوًا له حق في الفائض بقدر نسبة اشتراكه، وعليه الالتزام بالمشاركة في سداد عجز صندوق الشركة عن الالتزام

стр. 1629

بالتعويضات بنسبة مشاركته، وله صفة المؤمَّن له، باعتباره باشتراكه أحد عملاء الشركة، ملتزمًا بدفع القسط التأميني، وتلتزم الشركة له بدفع تعويضه عما يلحقه من ضرر مغطى بموجب تعاقده مع الشركة، وبهذا ينتفي وجه التفريق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري، فكلاهما شركة تأمين، تتفق إحداهما مع الأخرى في جميع خصائص التأمين من حيث عناصره، ومن حيث الإلزام والالتزام، والصفة القانونية لكلا القسمين. فشركة التأمين التجارية شركة قائمة على الإلزام والالتزام والحقوق والوجبات، وكذلك الأمر بالنسبة لشركة التأمين التعاونية، فهي شركة قائمة على الإلزام والالتزام والحقوق والواجبات .... كما أن شركة التأمين التجارية ملزمة بدفع التعويضات المستحقة عليها للمشتركين، عند الاقتضاء والوجوب، سواء أكانت الشركة رابحة أم خاسرة، فكذلك الأمر بالنسبة لشركات التأمين التعاونية، فهي ملزمة كذلك بدفع التعويضات المستحقة عليها للمشتركين عند الاقتضاء والوجوب، وإذا كان صندوق الشركة فيه عجز يحول دون كامل التزاماته أو بعضها، تعين الرجوع إلى المشتركين فيها لسد عجز الصندوق، حتى يكون قادرًا على الوفاء بتغطية كامل التزاماته، حيث إنهم أصحاب الشركة وملاكها، فيجب على كل واحد منهم أن يسهم في تغطية العجز كل بقدر نسبة اشتراكه فيها. وقد جاء النص على ذلك في الأنظمة الأساسية لشركات التأمين التعاونية، وصدرت قرارات، وفتاوى الهيئات الشرعية الرقابية بذلك، كما صدرت قرارات مجموعة من المجالس، والمجامع الفقهية، والندوات العلمية بإلزام المشتركين في شركات التأمين التعاونية بسد عجز صناديقها، وهذا مما تزول به الحواجز المفتعلة بين شركات التأمين التجارية، وشركات التأمين التعاونية» (١). * * *

стр. 1630

الحكم الثاني في حكم التأمين التعاوني الكلام في حكم التأمين التعاوني هو من حيث التصور الفقهي، أما الممارسة والتطبيق فلا أعلم في بلادي اليوم أن هناك شركة تطبق التأمين التعاوني بالصورة التي أجازها علماؤنا الفضلاء، وقد أعلن المشايخ بأن ما يمارس اليوم ليس من التأمين التعاوني في شيء (١)، كما أن طبيعة النظام المطبق على شركات التأمين التعاونية لا يُمَكِّن من قيام نظام تأمين تعاوني،

стр. 1631

فالمادة ٧٠ من اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التأمين التعاوني تقضي بأن يصرف فائض التأمين الذي يمثل الفرق بين مجموع الاشتراكات ومجموع التعويضات بإعادة ١٠% للمؤمن لهم، وأما الباقي، وهو ما يعادل ٩٠% من الفائض الصافي فيكون من نصيب المساهمين (ملاك الشركة) نتيجة تعرض حقوقهم لمخاطر التأمين. وهذا يعني أن نظام التأمين في الشركة قائم على الالتزام التعاقدي، وهذا هو حقيقة التأمين التجاري. إذا علم ذلك نأتي إلى حكم التأمين التعاوني بالصورة المفترضة. [ن-٢٧] اختلف العلماء في حكم التأمين التعاوني. فذهب الأكثرون إلى إباحة التأمين التعاوني، وعلى رأسهم: هيئة كبار العلماء في السعودية (١)، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٢)، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٣)، وبه صدر قرار المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية (٤). كما أن كل من أباح التأمين التجاري، فقد أباح التأمين التعاوني.

стр. 1632

وخالف آخرون، فقالوا: لا يجوز التأمين التعاوني، منهم الدكتور سليمان الثنيان (١)، والأستاذ عيسى عبده (٢)، والشيخ شوكت عليان (٣)، مع آخرين. دليل من قال بجواز التأمين التعاوني . الدليل الأول: كل دليل استدللنا به على جواز التأمين التجاري فهو دليل على جواز التأمين التعاوني من باب أولى. الدليل الثاني: (ح-٢٢٣) ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم) من طريق حماد ابن أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم (٤). وهذا ظاهر في أنه نوع من التأمين التعاوني البسيط، ولو اتبعنا منهج المخالف في البحث عن أدنى فارق ليرد به الاستدلال لوجد أن المخالف قد يقول: إن هذا العقد تبرع محض، وليس من قبيل المعاوضة، فلا يشترط للمستفيد أن يدفع مقدارًا معينًا، بل لو لم يدفع شيئًا البتة لعجزه ناله ما نال غيره من القسمة، فهو تبرع محض ليس فيه: أتبرع لك بشرط أن تتبرع لي، ومع ذلك أرى أن هذا الدليل يصح للاستدلال على التأمين بنوعيه، وأن انقلاب عقد

стр. 1633

التبرع إلى عقد معاوضة لا يقدح في صحتها، إلا إذا ترتب على ذلك محذور شرعي، ولا محذور هنا إن شاء الله. دليل من قال: لا يجوز التأمين التعاوني. الدليل الأول: استدل أصحاب هذا القول بالأدلة نفسها التي استدل بها من قال: بتحريم التأمين التجاري. من ذلك: اشتمال التأمين التعاوني على الربا بنوعيه: أما ربا التأجيل، فللفارق الزمني بين دفع القسط، واستلام العوض إذا وقع الحادث، فلا يوجد قبض العوضين الربويين في مجلس العقد. وأما ربا الفضل فلأنه يدفع القليل، ويأخذ الكثير. ومن ذلك قيام التأمين التعاوني على القمار، والغرر الفاحش. وقد تم مناقشة ذلك في الكلام على التأمين التجاري فيغني عن إعادته هنا. كما أن من يبيح التأمين التعاوني وحده دون التأمين التجاري، لا ينكر وجود الغرر في عقد التأمين التعاوني؛ لكنه يرى أن الغرر مغتفر فيه؛ لأنه من عقود التبرعات. وقد تمت مناقشة ذلك، وإن كنت أرجح أن التأمين التعاوني من عقود المعاوضات، لكن لا أرى أن الغرر وإن كان كثيرًا يمنع من إباحة المعاملة لقيام الحاجة إلى هذه المعاملة، والضرر الواقع على الناس في منعهم من هذه المعاملة أشد من ضرر الغرر الذي قد يقع وقد لا يقع، وقد دللت على ذلك من كلام أهل العلم في الكلام على التأمين التجاري فأغنى عن إعادته هنا.

стр. 1634

وأما الربا فليس المبلغ المدفوع قيمة للقسط المدفوع، وإنما هو قيمة للعروض المؤمنة، من أثاث، وسيارات، ومحلات تجارية، وبضائع استهلاكية، وأدوية ونحوها، وهذه الأموال لا يجري الربا في تبادلها، وإنما الربا يجري في أموال خاصة. الدليل الثاني: التأمين التعاوني محاولة لأسلمة التأمين التجاري، فهو ليس إلا مجرد محاولة لإلباس التأمين التجاري العمة الإسلامية، ثم نقول: الآن أسلمت. ويمكن مناقشة هذا: بأن أسلمة العقود المستوردة عمل محمود، ولم يرفض الإسلام جميع المعاملات التي كانت تمارس في الجاهلية، وإنما قبل منها ما كان حلالًا، وما كان حرامًا صرفًا رده، وما كان الخلل يتطرق إلى شرط أبطل الشرط وحده دون المعاملة، فالأصل في معاملات الناس الحل. الدليل الثالث: يرى أصحاب هذا القول بأن فريضة الزكاة تقوم برسالة التأمين، فيكتفى بها عن غيرها من الحلول المستوردة، ويستدلون لهذا (ث- ٢٩) بما رواه الطبري عن مجاهد في تفسير كلمة الغارمين حيث يقول: «من احترق بيته، أو يصيبه سيل، فيذهب متاعه، ويدان على عياله، فهذا من الغارمين» (١). [صحيح].

стр. 1635

فالحريق والسيل موضوعان من مواضيع التأمين. وروى القاسم بن سلام في كتابه الأموال، قال: حدثني يحيى بن بكير، قال: سمعت الليث بن سعد يقول: كتب عمر بن عبد العزيز أن اقضوا عن الغارمين. فكتب إليه: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والآثاث، فكتب عمر: أنه لا بد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته، نعم فاقضوا عنه، فإنه غارم (١). والرسول ﷺ كما روى مسلم أباح لمن أصابته جائحة، فاجتاحت ماله، أن يسأل ولي الأمر حقه من الزكاة. يقول الشيخ القرضاوي: «والزكاة بهذا تقوم بنوع فريد من التأمين الاجتماعي ضد الكوارث، ومفاجآت الحياة، وسبق كل ما عرفه العالم بعد من أنواع التأمين، وفضلًا عن السبق الزمني لهذا التأمين الذي حققه الإسلام لأبنائه بنظام الزكاة، نراه أسمى وأكمل وأشمل من التأمين الذي عرفه الغرب في العصر الحديث بمراحل ومراحل، فالتأمين على الطريقة الغربية لا يعوض إلا من اشترك بالفعل في دفع أقساط محددة لشركة التأمين، وعند إعطاء التعويض يعطى الشخص المنكوب على أساس المبلغ الذي أمن به، لا على أساس خسائره وحاجته، فمن كان قد أمن بمبلغ أكبر أعطي تعويضًا أكبر، ومن كان مبلغه أقل كان نصيبه أقل، مهما عظمت مصيبته، وكثرت حاجته، وذوو الدخل المحدود يؤمنون عادة بمبالغ أقل، فيكون حظهم إذا أصابتهم الكوارث أدنى، وذلك أن أساس التأمين الغربي التجارة، والكسب من وراء الأشخاص المؤمن لهم، أما

стр. 1636

التأمين في الإسلام فلا يقوم على اشتراط دفع أقساط سابقة، ولا يعطى المصاب بالجائحة إلا أساس حاجته، وبمقدار ما يجبر كسره، ويفرج ضائقته» (١). ويناقش هذا: بأن دور الزكاة دور تأميني في المجتمع في محاربة آثار الفقر، هذا أمر لا شك فيه، ولكن الزكاة لا تعوض المصاب إلا إذا أصابه فقر، وتعطيه قدر ما يسد فقره وحاجته، ولا تجعل منه غنيًا، وأما التأمين التعاوني والتجاري فهما يعوضان المصاب ولو لم يصبه فقر؛ لأن الغرض منه هو رده إلى مستواه السابق من الغنى والكفاءة الإنتاجية، فالهدف من التأمين التجاري والتعاوني هدف اقتصادي تنموي، من رفع الكفاءة الاقتصادية في المجتمع، ومنع الكوارث الاقتصادية. الراجح: إذا كنت رجحت جواز التأمين التجاري على البضائع، فهذا من باب أولى، وما منع منه التأمين التجاري يمنع منه التأمين التعاوني إذ لا فرق، فلا أرى جواز التأمين على الحياة، ولو كان بصورة التأمين التعاوني؛ لأن حقيقة العقد فيه أنه من عقود المعاوضات إلا أن يكون المدفوع للمؤمن ليس نقودًا، بحيث يخرج العقد عن كونه دراهم بدراهم مع التفاضل والتأجيل، والله أعلم. * * *

стр. 1637

الفرع الثاني الغرر بسبب عدم القدرة على عدم التسليم سبق لنا في الفصل السابق أن تناولنا أحكام المسائل التي ترجع إلى الغرر بسبب الجهالة، سواء كانت الجهالة بالثمن، أو كانت الجهالة بالمثمن. ونتناول في هذا الفصل إن شاء الله تعالى قسمًا آخر من الغرر يرجع إلى عدم القدرة على تسليم المعقود عليه، من ذلك: (١) بيع الآبق والشارد. (٢) بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء. (٣) بيع المعدوم. (٤) بيع المغصوب. (٥) بيع الرجل ما ليس عنده. (٦) بيوع القمار. * * *

стр. 1638

المطلب الأول خلاف العلماء في بيع الضال والمفقود . [م - ٣٢٨] اختلف العلماء في بيع العبد الآبق، والجمل الشارد، ويقاس عليه السلعة المفقودة. فقيل: لا يجوز، وهو مذهب الجمهور في الجملة (١).

стр. 1639

وقيل: يجوز بيع العبد الآبق، وهو قول ابن سيرين، وشريح القاضي (١)، وعثمان البتي (٢)، وابن حزم (٣).

стр. 1640

واشترى ابن عمر بعيرًا، وهو شارد (١). دليل الجمهور على عدم صحة بيع العبد الآبق . الدليل الأول: (ح-٢٢٤) استدلوا بحديث أبي هريرة في مسلم في النهي عن بيع الغرر (٢). ووجه الغرر في هذا البيع: أن هذا البيع فيه مخاطرة، فقد يستلمه المشتري، وقد لا يستلمه، ومن عادة الناس أن تبيع الشيء الضال والشارد والآبق بأقل من قيمته، فإن حصل عليه المشتري كان في ذلك غبن للبائع، وإن ضاع على المشتري كان فيه غبن على المشتري، وهذا هو الميسر الذي نهى الله عنه. يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: «ومن الغرر والمخاطرة، أن يعمد الرجل قد ضلت دابته، أو أبق غلامه، وثمن الشيء من ذلك خمسون دينارًا، فيقول رجل: أنا آخذه منك بعشرين دينارًا، فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارًا، وإن لم يجده ذهب البائع من المبتاع بعشرين دينارًا. قال مالك: وفي ذلك عيب آخر: أن تلك الضالة إن وجدت لم يدر أزادت أم نقصت، أم ما حدث بها العيوب؟ فهذا أعظم المخاطرة» (٣). الدليل الثاني: (ح-٢٢٥) ما رواه أحمد من طريق جهضم - يعني اليمامي- حدثنا محمد ابن إبراهيم، عن محمد بن زيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد

стр. 1641

الخدري ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد، وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الثالث: أن المانع من صحة بيع العبد الآبق ليس الإباق، فإن كون العبد عاصيًا لا يمنع من صحة البيع، وإنما المانع من صحة البيع، هو عدم القدرة على التسليم، والذي هو شرط في صحة البيع - وقد ذكرنا أدلته في المسألة السابقة- فيدخل في ذلك بيع الطير في الهواء، وبيع السمك في البحر، وبيع الضالة ونحوها. دليل من قال: يجوز بيع العبد الآبق، والجمل الشارد ونحوهما . الدليل الأول: (ث-٣٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه اشترى بعيرًا، وهو شارد. [إسناده صحيح] (٣). وحكم البعير الشارد، والعبد الآبق واحد من جهة القياس، وابن عمر من فقهاء الصحابة ﵃، وهو إمام في زهده وورعه، ولا يعلم له مخالف من الصحابة.

стр. 1642

الدليل الثاني: أن العبد الآبق مال مملوك لسيده بالاتفاق، وإذا ثبت ملكه عليه صح تصرفه فيه بالبيع، والهبة وغيرهما، ولا غرر في ذلك لكون المبيع معلوم الصفة والمقدار، وإنما الغرر ما عقد على جهل بمقداره، وصفاته حين العقد، وقد دخل المشتري، وهو يعلم أن العبد آبق. الدليل الثالث: القدرة على التسليم لا يوجبه قرآن ولا سنة، ولا دليل أصلًا وإنما اللازم ألا يحول البائع بين المشتري وبين ما اشترى منه فقط، فيكون إن فعل ذلك عاصيًا ظالمًا. الراجح من الخلاف: القول بتحريم البيع، والجمل شارد أقوى حجة، وأقرب لقواعد الشرع، حيث حرم الشارع أكل أموال الناس بالباطل، فأخذ العوض مقابل عين لا يدرى، هل يحصل عليها أو لا يحصل عليها، من الغرر البين، والله أعلم. * * *

стр. 1643

المطلب الثاني في بيع السمك في الماء [م-٣٢٩] لا يجوز بيع السمك قبل صيده؛ لأنه مال مباح غير مملوك لأحد، فلا يكون محلًا للبيع. وأما بيعه في الماء بعد أن يحاز، ويملك فقد اختلف العلماء فيه على أربعة أقوال: القول الأول: يجوز بيعه، إن كان لا يحتاج في أخذه إلى اصطياد، ولمن اشتراه خيار الرؤية بعد اصطياده؛ ولا يعتد برؤيته، وهو في الماء؛ لأن السمك يتفاوت في الماء، وخارجه، وأما إذا كان أخذه يحتاج إلى حيلة واصطياد، فلا يصح بيعه، لعدم القدرة على التسليم عقيب البيع، وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: لا يجوز بيع السمك في البركة، وهذا مذهب مالك (٢).

стр. 1644

القول الثالث: لا يصح بيع سمك في ماء، ولو في بركة إن شق تحصيله منها، لعدم قدرته على تسليمه، فإن سهل تحصيله، ولم يمنع الماء رؤيته صح بيعه، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). زاد بعض الشافعية والحنابلة: بشرط ألا تكون البركة متصلة بالنهر (٣). القول الرابع: يجوز بيعه ولو كان أخذه يحتاج إلى كلفة، ومئونة، وهو ظاهر قول عمر ابن عبد العزيز وابن أبي ليلى (٤). وباستعراض هذه الأقوال نجد أننا أمام قولين متقابلين: قول يجيز بيع السمك في البركة، وهم الجمهور، ويتفقون على اشتراط إمكانية أخذه من الماء دون كلفة، أو مشقة، إلا ما يروى عن عمر بن عبد العزيز

стр. 1645

وابن أبي ليلى، وأجد أن اشتراط إمكانية أخذه بلا كلفة لا دليل عليها، ما دام أنه يمكنه اصطياده وأخذه ولو كان ذلك بكلفة، ومشقة، أشبه بعض المبيعات مما يحتاج إلى مئونة في كيله، ووزنه، ونقله، بل إن بعض بهيمة الأنعام ولو كانت محوطة بسياج محدود يكون في إمساكها كلفة، ومشقة، ومع ذلك لا يمنع ذلك من بيعها. وينفرد الحنفية بإثبات خيار الرؤية عند استلامه؛ لأن رؤية السمك في الماء تختلف عن رؤيته خارج الماء. وقول يمنعه مطلقًا، وهم المالكية، وإليك أدلة الفريقين: دليل من أجاز بيع السمك في البركة . أن السمك في البركة مال مملوك، معلوم القدر والصفة عن طريق الرؤية، مقدور على تسليمه، فجاز بيعه كغيره من الأموال. دليل من قال: لا يجوز بيع السمك في الماء . (ح-٢٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن السماك، عن يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر (١). [إسناده ضعيف، والمعروف وقفه] (٢).

стр. 1646

الدليل الثاني: أن بيع السمك في الماء من الغرر بحيث لا يمكن معرفته جيدًا، ما دام داخل الماء.

стр. 1647

ويناقش: لو كان هذا مسلمًا لكان حكم بيعه حكم بيع العين الغائبة، والمالكية أجازوا بيع العين الغائبة إذا أمكن معرفة صفتها، مع أن القائلين بالجواز، إما اشترطوا أن يكون الماء رقيقًا بحيث لا يمنع من رؤية السمك، كما هو مذهب الشافعية، والحنابلة، أو جعلوا له خيار الرؤية عند التسليم كالحنفية. الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الفريقين أجد أن القول بجواز بيع السمك في الماء إذا كان مملوكًا ومقدورًا على تسليمه أقوى من قول المانعين.

стр. 1648

المطلب الثالث بيع المعدوم [م -٣٣٠] يشترط جمهور الفقهاء في المعقود عليه أن يكون مقدورًا على تسليمه، فهل يصح بيع المعدوم باعتبار أن ذلك لا يمكن تسليمه على الأقل في الحال، وإن أمكن ذلك في المآل؟ (١). اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: بيع المعدوم لا يجوز، وبه قال الجمهور (٢).

стр. 1649

القول الثاني: يجوز بيع المعدوم إذا كان ذلك لا يتضمن محذورًا آخر من غرر، ونحوه، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (١). أدلة الجمهور على عدم جواز بيع المعدوم . الدليل الأول: (ح-٢٢٧) ما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (٢). وجه الاستدلال: يقول الشيرازي: «والغرر: ما انطوى عنه أمره، وخفيت عليه عاقبته ... والمعدوم قد انطوى أمره، وخفي عليه عاقبته، فلم يجز بيعه» (٣). وقال النووي: «وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب

стр. 1650

البيوع .... ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول ... » (١). ويناقش: بأننا نسلم أن المعدوم الذي فيه غرر لا يجوز بيعه، ولكن ليس كل معدوم تخفى علينا عاقبته؛ لأن من المعدوم ما لا غرر في بيعه، ولا تخفى علينا عاقبته، كما في بيع الأشياء المعدومة وقت العقد، ولكنها متحققة الوجود في المستقبل بحسب العادة، كما في السلم والاستصناع، وبيع الأشياء المتلاحقة الوجود (٢). الدليل الثاني: علل الفقهاء النهي عن بيع بعض الأشياء لكونها معدومة، وبالتالي قالوا: ببطلان بيع المعدوم مطلقًا، من ذلك: النهي عن بيع السنين (٣). (ح-٢٢٨) فقد روى مسلم، قال: حدثنا سعيد بن منصور، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق. عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع السنين. وفي رواية ابن أبي شيبة: عن بيع الثمر سنين (٤). اهـ
следующие страницы →