الدليل الثاني:
أن بيع السمك في الماء من الغرر بحيث لا يمكن معرفته جيدًا، ما دام داخل الماء.
стр. 1647
ويناقش:
لو كان هذا مسلمًا لكان حكم بيعه حكم بيع العين الغائبة، والمالكية أجازوا بيع العين الغائبة إذا أمكن معرفة صفتها، مع أن القائلين بالجواز، إما اشترطوا أن يكون الماء رقيقًا بحيث لا يمنع من رؤية السمك، كما هو مذهب الشافعية، والحنابلة، أو جعلوا له خيار الرؤية عند التسليم كالحنفية.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الفريقين أجد أن القول بجواز بيع السمك في الماء إذا كان مملوكًا ومقدورًا على تسليمه أقوى من قول المانعين.
стр. 1648
المطلب الثالث
بيع المعدوم
[م -٣٣٠] يشترط جمهور الفقهاء في المعقود عليه أن يكون مقدورًا على تسليمه، فهل يصح بيع المعدوم باعتبار أن ذلك لا يمكن تسليمه على الأقل في الحال، وإن أمكن ذلك في المآل؟ (١).
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
بيع المعدوم لا يجوز، وبه قال الجمهور (٢).
стр. 1649
القول الثاني:
يجوز بيع المعدوم إذا كان ذلك لا يتضمن محذورًا آخر من غرر، ونحوه، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (١).
أدلة الجمهور على عدم جواز بيع المعدوم .
الدليل الأول:
(ح-٢٢٧) ما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (٢).
وجه الاستدلال:
يقول الشيرازي: «والغرر: ما انطوى عنه أمره، وخفيت عليه عاقبته ... والمعدوم قد انطوى أمره، وخفي عليه عاقبته، فلم يجز بيعه» (٣).
وقال النووي: «وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب
стр. 1650
البيوع .... ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول ... » (١).
ويناقش:
بأننا نسلم أن المعدوم الذي فيه غرر لا يجوز بيعه، ولكن ليس كل معدوم تخفى علينا عاقبته؛ لأن من المعدوم ما لا غرر في بيعه، ولا تخفى علينا عاقبته، كما في بيع الأشياء المعدومة وقت العقد، ولكنها متحققة الوجود في المستقبل بحسب العادة، كما في السلم والاستصناع، وبيع الأشياء المتلاحقة الوجود (٢).
الدليل الثاني:
علل الفقهاء النهي عن بيع بعض الأشياء لكونها معدومة، وبالتالي قالوا: ببطلان بيع المعدوم مطلقًا، من ذلك: النهي عن بيع السنين (٣).
(ح-٢٢٨) فقد روى مسلم، قال: حدثنا سعيد بن منصور، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق.
عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع السنين. وفي رواية ابن أبي شيبة: عن بيع الثمر سنين (٤). اهـ
стр. 1651
قال النووي: «وأما النهي عن بيع المعاومة: وهو بيع السنين، فمعناه: أن يبيع ثمر الشجرة عامين، أو ثلاثة، أو أكثر، فيسمى بيع المعاومة، وبيع السنين، وهو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره، لهذه الأحاديث؛ ولأنه بيع غرر؛ ولأنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مقدور على تسليمه، وغير مملوك للعاقد» (١).
ومن ذلك أيضًا: النهي عن بيع حبل الحبلة.
(ح-٢٢٩) فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله من طريق نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة (٢).
زاد البخاري: وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها (٣).
стр. 1652
وقد فسره العلماء بتفسيرين:
الأول: التفسير الوارد في سياق الحديث، ومعناه: البيع بثمن مؤجل إلى أجل مجهول، وهو أن تلد الناقة، ويلد ولدها.
قال ابن عبد البر: «وقد جاء تفسير هذا الحديث كما ترى في سياقه، وإن لم يكن تفسيره مرفوعًا، فهو من قبل ابن عمر وحسبك، وبهذا التأويل قال مالك والشافعي، وأصحابهما، وهو الأجل المجهول. ولا خلاف بين العلماء أن البيع إلى مثل هذا من الأجل لا يجوز» (١).
الثاني: أن المقصود في الحديث بيع ولد نتاج الدابة، وبه قال أحمد وإسحاق، وابن حبيب المالكي، وأكثر أهل اللغة، وبه جزم الترمذي، والمنع في هذا من جهة أنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مقدور على تسليمه، فيدخل في بيوع الغرر.
وقال ابن التين: محصل الخلاف: هل المراد: البيع إلى أجل، أو بيع الجنين، وعلى الأول: هل المراد بالأجل: ولادة الأم، أو ولادة ولدها، وعلى الثاني: هل المراد بيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين ... (٢).
وأرى أن تفسير الراوي خاصة من صحابي فقيه أولى بالقبول من غيره، وهل كان الصحابة رضوان الله عليهم إلا أئمة في اللغة والفقه.
وتعقب هذا الاستدلال:
بأن النهي عن بيع السنين، وعن بيع حبل الحبلة، ليس العلة في كونه
стр. 1653
معدومًا، فسبب النهي عن بيع السنين هو الغرر الناشئ عن الجهل بوجوده في المستقبل، لا كونه معدومًا.
والنهي عن بيع الجزور إلى حبل الحبلة: هو الأجل المجهول، وقد أجمع العلماء على أن الأجل في البيع يجب أن يكون معلومًا، كما في السلم وغيره، وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على أن الأجل المجهول لا يجوز في البيوع، ونقلنا كلامه قبل قليل، وإذا فسرنا حديث النهي عن بيع حبل الحبلة بالنهي عن بيع الجنين، كان علة النهي ليس كونه معدومًا، وإنما العلة كونه مجهولًا.
قال مالك: «والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإناث من النساء والدواب؛ لأنه لا يدرى أيخرج أم لا يخرج، فإن خرج لم يدر أيكون حسنًا، أم قبيحًا، تامًا، أم ناقصًا، ذكرًا، أم أنثى، وذلك كله يتفاضل إن كان على كذا، فقيمته كذا، وإن كان على كذا فقيمته على كذا» (١).
وقال ابن عبد البر: «هذا مما لا خلاف فيه - يعني بيع الأجنة - وقد اتفق العلماء على أن بيع ما في بطون الإناث لا يجوز؛ لأنه غرر، وخطر ومجهول .... » (٢).
وإذا كان ذلك كذلك لم تكن العلة كونه معدومًا، وبالتالي لا يصح سحب الحكم على كل معدوم، حتى ولو لم يكن في ذلك غرر وجهالة.
الدليل الثالث:
(ح-٢٣٠) ما رواه أحمد من طريق يونس، عن يوسف بن ماهك،
عن حكيم
стр. 1654
بن حزام، قال، قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق، فقال: لا تبع ما ليس عندك (١).
[منقطع، يوسف لم يسمع من حكيم بن حزام] (٢).
وجه الاستدلال:
إذا كان بيع الموجود غير المملوك لا يجوز، فمن باب أولى لا يجوز بيع المعدوم؛ لأنه غير مملوك حتمًا.
ويجاب عنه:
هناك فرق كبير بين بيع ما لا يملكه الإنسان، ولا هو قادر على تسليمه، وبين بيع معدوم موصوف في ذمته، قادر في العادة على تسليمه في وقته، فعلة النهي في بيع غير المملوك: هو كونه غير مقدور على تسليمه، كما ذهب إلى ذلك ابن تيمية، وابن القيم، ونقلناه عنهم في مسألة مستقلة سابقة، فالمعدوم إذا كان قادرًا على تسليمه جاز بيعه، ولا إشكال فيه.
قال الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: «ربما يقال: وإذا لم يجز بيع الموجود غير المملوك، فمن باب أولى لا يجوز بيع المعدوم؛ لأنه غير مملوك حتمًا، أقول: هذا منطق سليم، ولكن يجب أن يقيد عدم جواز بيع المعدوم بما قيدته به في بيع ما ليس عندك، وهو كون البيع وقع على أن يسلم المبيع في الحال، فإنه مع هذا القيد لا يختلف اثنان في أن بيع المعدوم لا يجوز» (٣).
стр. 1655
الدليل الرابع:
قال في تهذيب الفروق: «بيع المجهول الموجود باطل قطعًا، فيبطل بطريق الأولى بيع المعدوم» (١).
ويناقش:
بأن يقال: هذا قياس غير سليم؛ فإن المجهول فيه غرر وخطر، ولا يمكن معرفة قيمة عين مجهولة القدر أو الصفة، وأما المعدوم، فهو معلوم القدر والصفة، وكونه غير موجود لا يؤثر في صحة البيع، فكما أن الثمن قد يكون غير موجود في بيع التأجيل، ولا يمنع ذلك من صحة البيع، وإذا صح ذلك في الثمن، وهو أحد العوضين، صح ذلك في المبيع إذا كان مما يمكن ضبطه ومعرفة صفاته، ولذلك جاز بيع السلم، وهو غير موجود.
الدليل الخامس:
موجب العقد التسليم في الحال، وبيع المعدوم لا يتمكن العاقد من التسليم في الحال.
ويناقش:
قال ابن القيم: «قوله: إن موجب العقد التسليم في الحال، جوابه: أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد، أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه وكلاهما منتف في هذه الدعوى; فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقيب العقد ولا العاقدان التزما ذلك بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في
стр. 1656
المثمن وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع كما كان لجابر ﵁ غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة .. » (١).
دليل ابن تيمية وابن القيم على جواز بيع المعدوم:
الدليل الأول:
قال ابن القيم: «ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة; فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر وهو: ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودًا أو معدومًا، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد إن كان موجودًا; إذ موجب البيع تسليم المبيع فإذا كان البائع عاجزًا عن تسليمه فهو غرر ومخاطرة وقمار، فإنه لا يباع إلا بوكس فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة، أو هذه الشجرة ; فالبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته; وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله» (٢).
الدليل الثاني:
صحح الشارع بيع المعدوم في بعض المواضع، كما في عقد السلم والاستصناع، والإجارة، فإن المنافع فيها تولد شيئًا فشيئًا، وبيع الثمر بعد بدو صلاحه، والحب بعد اشتداده بشرط الاستبقاء إلى كمال الصلاح، فإن العقد قد
стр. 1657
ورد على الموجود، والمعدوم الذي لم يخلق بعد، وأجاز المالكية بيع ما لم يوجد من البطيخ والقثاء والباذنجان والقرع مع ما وجد منه إذا بدا صلاحه؛ لأنه لا يمكن حبس أوله على آخره، وكل ذلك دليل على أن القول بأن بيع المعدوم لا يجوز قول مرجوح.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال، أجد أن قول ابن تيمية وابن القيم قول تؤيده الأدلة، ويعضده القياس الصحيح، كما لو كان الثمن معدومًا، فإذا جاز أن يكون الثمن معدومًا، جاز أن يكون المبيع معدومًا؛ لأنه أحد العوضين، والله أعلم.
стр. 1658
المطلب الرابع
في بيع المغصوب
المسألة الأولى
بيع المغصوب على غاصبه
[م-٣٣١] بيع المغصوب على غاصبه، حكي في جوازه الإجماع.
قال في الإنصاف: «وبيع المغصوب من غاصبه صحيح بلا نزاع» (١).
وقد أطلق الجمهور جواز بيع المغصوب على غاصبه، وظاهر إطلاق كلامهم، أنه سواء رده إليه قبل البيع، أو لم يرده إليه، وسواء باعه بثمن المثل أو أقل أو أكثر (٢).
واختار بعض المالكية: أنه لا يجوز البيع للغاصب، إلا بعد أن يقبضه ربه، ويبقى بيده مدة طويلة، حدها بعضهم بستة أشهر فأكثر، ورأى أن بائعه إذا باعه على غير ذلك، وهو مضغوط أن يبيعه ببخس مكرهًا، استخلاصًا لبعض حقه (٣).
ولم ير ابن رشد اشتراط الرد، وإنما قسم بيع المغصوب على غاصبه إلى ثلاثة أقسام:
стр. 1659
الأول: أن يعلم أنه عازم على رده لصاحبه، فيجوز بيعه اتفاقًا.
الثاني: أن يعلم أنه غير عازم على رده، وإن طلبه ربه، فلا يجوز بيعه اتفاقًا.
الثالث: أن يشكل أمره، وفيه قولان، وبالفساد قال مطرف، ورواه عن مالك (١).
قال الحطاب: «حيث قلنا: لم يجز البيع، فالمعنى أنه لا يصح، ولا يلزم البائع، وليس المراد أنه يحرم عليه أن يأخذ من الغاصب ثمنًا؛ لأنه يستخلص من حقه ما قدر عليه» (٢).
واشترط بعض الحنابلة ألا يكون قصده من غصبه حمل صاحبه على بيعه.
قال في مطالب أولي النهى: «ولا يصح بيع مغصوب إلا لغاصبه الذي لم يقصد بغصبه الاستيلاء عليه، حتى يبيعه له ربه، لانتفاء الغرر» (٣).
وينبغي أن يزاد على ذلك، وأن يكون بيعه بسعر المثل، بحيث لا يكون في ذلك ظلم للبائع بسبب الغصب.
* * *
стр. 1660
المسألة الثانية
بيع المغصوب على غير غاصبه
[م-٣٣٢] اختلف الفقهاء في حكم بيع المغصوب على غير غاصبه على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية: إلى أن بيع المغصوب من غير الغاصب، صحيحٌ موقوفٌ على التسليم، فإن أقر الغاصب، أو جحد، وكان للمغصوب منه بينة، صح البيع، ولزم بالتسليم، وإن جحد الغاصب، ولم يكن للمغصوب منه بينة لم يصح البيع لعدم القدرة على التسليم (١).
فإن قيل: لماذا بيع الآبق يقع باطلًا على ما في ظاهر الرواية، وبيع المغصوب صحيحًا موقوفًا على التسليم، مع أن كلا منهما غير مقدور على تسليمه؟
أجاب صاحب بدائع الصنائع:
بأن المالك في بيع المغصوب قادر على التسليم بقدرة السلطان والقاضي وجماعة المسلمين، إلا أنه لم ينفذ في الحال؛ لقيام يد الغاصب صورة، فإذا سلم الغاصب المبيع زال المانع، فنفذ البيع، وأما الآبق، فإنه معجوز عن التسليم على الإطلاق، لا تصل إليه يد أحد؛ لأنه لا يعرف مكانه، فكان العجز متيقنًا، والقدرة محتملة، لم ينعقد البيع مع الاحتمال (٢).
стр. 1661
القول الثاني:
ذهب المالكية: إلى أن بيع المغصوب لغير الغاصب صحيح، إذا كان الغاصب تأخذه الأحكام، وكان مقرًا بالغصب، وإن كان الغاصب لا تأخذه الأحكام، أو كان منكرًا للغصب، ولو كان للمدعي بينة لم يصح البيع. وهذا مذهب المالكية (١).
ووجهه:
أن الغاصب إذا كان مقرًا بالغصب، وتأخذه الأحكام، لم يكن هناك عجز عن تسليم المبيع، وإذا كان قادرًا على تسليم المبيع، صح البيع بلا إشكال.
وأما إذا كان منكرًا، لم يصح البيع مطلقًا، سواء كان هناك بينة أو لم تكن هناك بينة؛ لأن البينة إن لم تكن موجودة تجعل المسألة مجرد دعوى غصبٍ، لا دليل عليها.
وإن كانت هناك بينة، وكان الغاصب ممن تأخذه الأحكام، كان المنع بسبب آخر، وهو منع بيع ما فيه خصومة، والمشهور منع بيعه على المذهب.
القول الثالث:
وذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى أن بيع المغصوب لغير غاصبه يصح، بشرط أن يكون المشتري قادرًا على أخذه من الغاصب، ولم يشترطوا أكثر من ذلك، ولم يلحظوا عجز البائع، وإنما علقوه بقدرة المشتري على أخذه، لأن
стр. 1662
المانع إنما هو لفقد شرط: وهو القدرة على تسليم المبيع، فإذا تحقق ذلك ارتفع المانع.
القول الرابع:
لا يصح بيع المغصوب على غير غاصبه؛ لعجز البائع بنفسه عن تسليم المبيع، وهو قول للشافعية (١)، ورواية عن أحمد (٢).
[م-٣٣٣] فإن عجز المشتري عن أخذه من يد الغاصب، فاختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
لا خيار له إن كان عالمًا بالحال، إلا أن يكون عجزه لضعف عرض له، أو قوة عرضت للغاصب، فحينئذ له الخيار على الصحيح من مذهب الشافعية (٣).
القول الثاني:
له الفسخ مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (٤).
الراجح:
أرى جواز بيع المغصوب على غير غاصبه بشروط:
أولا: أن يكون المشتري قد دخل على بينة.
ثانيًا: أن يكون المغصوب مما يجوز بيعه قبل قبضه؛ أي ليس فيه حق توفية،
стр. 1663
فلو أن الغاصب غصب صبرة من الطعام، وكان المغصوب منه يملك أصواعًا منه لم يستوفه بعد، لم يجز للمالك أن يبيعه على غير غاصبه قبل أن يستوفيه.
ثالثًا: وألا يكون العوضان من الأصناف الربوية؛ لاشتراط التقابض في بيعها.
رابعًا: أن يكون المشتري قادرًا على أخذه بلا مئونة، ومشقة كبيرة.
خامسًا: أن يكون الغاصب مقرًا بغصبه؛ لأنه إذا لم يكن مقرًا بالغصب كان الأمر مجرد دعوى، فإذا توفرت هذه الشروط صح البيع، فإن تمكن من استلام المبيع، وإلا فله الفسخ.
* * *
стр. 1664
المطلب الخامس
بيع ما ليس عند البائع
بيع ما ليس عند البائع تدخل فيه صور كثيرة جدًا، وقد كان محل عناية لي في بحث خاص، وقد جاءت أمهات مسائله أكثر من أربعين مسألة فقهية، منها القديم، ومنها المعاصر، وتأتي مجموع مسائله الفرعية أكثر من مائة مسألة فقهية، وغالب هذه المسائل التي ذكرتها في رسالتي هي مبثوثة في هذه الموسوعة إلا أنها مفرقة فيه بحسب مظانها، وسوف أختار تحت هذا العنوان ما هو ألصق به من هذه المسائل، وأقسمه إلى فصول، ومباحث، ومن أراد أن يطلع على صور بيع ما ليس عند البائع فليرجع إلى الكتاب الخاص، أسأل الله أن ييسر لي طبعه، لينفع الله به.
* * *
стр. 1665
الفصل الأول
الأحاديث الواردة في النهي عن بيع ما ليس عند البائع
الحديث الأول:
(ح-٢٣١) روى أحمد من طريق أبي بشر، عن يوسف بن ماهك،
عن حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك.
ورواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عصمة،
عن حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله إني اشتري بيوعًا، فما يحل لي، وما يحرم علي؟ فقال لي: إذا بعت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه (١).
ورواه ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عصمة،
عن حكيم بن حزام، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبع طعامًا حتى تشتريه وتستوفيه.
رواه الشافعي، وأحمد، والنسائي، والبيهقي وغيرهم، واللفظ للنسائي (٢).
[المحفوظ في إسناده أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى] (٣).
الحديث الثاني:
(ح-٢٣٢) روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
الحديث الثالث:
(ح-٢٣٣) رواه الطبراني من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله ابن عبيدة.
عن عتاب بن أسيد، أن النبي ﷺ قال له حين أمره على مكة، هل أنت مبلغ عني قومك ما آمرك به، قل لهم: لا يجمع أحد بيعًا ولا سلمًا، ولا بيع أحد بيع غرر، ولا بيع أحد ما ليس عنده (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
стр. 1677
الحديث الرابع:
(ح-٢٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، ثنا مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده أن رسول الله ﷺ قال: لا يجوز طلاق، ولا بيع، ولا عتق، ولا وفاء نذر فيما لا يملك (١).
ورواه أبو داود من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد به، بلفظ: (لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك .. ) الحديث (٢).
[ذكر بيع ما لا يملك تفرد بها مطر الوراق، وهو سيء الحفظ، وقد رواه غيره عن عمرو بن شعيب ولم يرد فيه ذكر النهي عن بيع ما لا يملك] (٣).
* * *
стр. 1678
الفصل الثاني
خلاف العلماء في تفسير حديث (لا تبع ما ليس عندك)
[م -٣٣٤] اختلف الناس في تفسير حديث: «لا تبع ما ليس عندك «إلى ثلاثة أقوال، ذكرها ابن تيمية في مواضع من كتبه، ونقله عنه موافقًا له تلميذه ابن القيم (١)،
خلاصتها:
القول الأول:
ذهب الشافعي ﵁ إلى أن حديث حكيم بن حزام إنما ينهى عن بيع الأعيان المعينة، ليكون بيع الموصوف في الذمة ليس داخلًا تحته مطلقًا، لا حالًا، ولا
стр. 1679
مؤجلًا، ويستدل لذلك بأنه إذا جاز بيع السلم المؤجل بالإجماع، مع كونه ليس عند البائع، وقت العقد، جاز السلم الحال من باب أولى (١).
وأجاب ابن تيمية:
بأن هذا ضعيف جدًا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئًا معينًا، هو ملك لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون له: نطلب عبد فلان أو دار فلان، وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب، فيقول: أريد طعام كذا، وكذا، وثوبًا صفته كذا وكذا، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه منه، ثم يذهب، فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، ولهذا قال: يأتيني، فيطلب البيع ليس عندي، لم يقل: يطلب مني ما هو مملوك لغيري.
فالطالب قد طلب الجنس، ولم يطلب شيئًا معينًا، كما جرت عادة الطالب (٢).
стр. 1680
وأرى أن قول الشافعي أقوى، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى أن النهي عن بيع ما ليس عند البائع يشمل أمرين:
بيع المعين مما ليس مملوكًا له.
وبيع الموصوف في الذمة إذا كان حالًا، وهو ما يسمى بالسلم الحال (١).
قال الجصاص: «ومنه ما روي أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، إني أرى الشيء في السوق ثم يطلبه مني طالب، فأبيعه، ثم أشتريه، فأسلمه،
стр. 1681
فقال ﷺ : لا تبع ما ليس عندك. فهذا عموم في كل بيع لما ليس عند الإنسان سواء، كان عينًا أو في الذمة» (١).
ورأى الجمهور أن عموم حديث لا تبع ما ليس عندك يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم مطلقًا، لكن جاءت الأحاديث في جواز السلم المؤجل، فبقي النهي عن السلم الحال.
قال ابن العربي: «المراد بقوله في الحديث: نهى النبي ﷺ عن بيع ما ليس عندك، يعني في ملكك» (٢).
وقد انتقد ابن تيمية المنع من بيع السلم الحال إذا كان المبيع في ملك البائع، والبائع قادر على تسليم المبيع، وبين أن حكيم بن حزام إنما سأله عن بيع شيء في الذمة يبيعه حالًا؛ لأنه قال: أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: لا تبع ما ليس عندك، فلو كان السلم الحال لا يجوز مطلقًا، لقال له ابتداء: لا تبع هذا، سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة حالًا لا يجوز، ولو كان عنده ما يسلمه (٣).
القول الثالث:
يرى ابن تيمية أن النهي في حديث لا تبع ما ليس عندك، يشمل أمرين:
الأول: النهي عن بيع المعين إذا لم يكن عنده.
الثاني: النهي عن بيع السلم الحال إذا لم يكن عنده، فإن كان عنده وقت العقد جاز.
стр. 1682
قال ابن تيمية: أظهر الأقوال: أن الحديث لم يرد به النهي عن السلم المؤجل ولا الحال مطلقًا، وإنما أريد به النهي عن بيع ما في الذمة مما ليس مملوكًا له، ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه، ويقدر على تسليمه، فقول الرسول ﷺ في حديث حكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» العندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، ولهذا جاز بيع المعدوم الموصوف في الذمة إذا كان وقت التسليم قادرًا على تسليمه كبيع السلم، فمعنى حديث حكيم بن حزام: لا تبع ما ليس عندك، أن يبيعه شيئًا موصوفًا حالًا، وهو لم يملكه، ويربح فيه قبل أن يدخل ضمانه، وقبل أن يكون قادرًا على تسليمه، أما إذا باعه موصوفًا في الذمة حالًا، وهو عند بائعه قادرًا على تسليمه، فلا حرج إن شاء الله تعالى.
وإذا لم يكن جائزًا بيع ما في الذمة مما ليس هو مملوكًا للبائع، ولا يقدر على تسليمه، فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع (١).
فتلخص لي أن ابن تيمية يرى أن بيع ما ليس عند الإنسان، إن كان معينًا ليس مملوكًا له، فهو ممنوع، وإن كان موصوفًا في الذمة اشترط أن يكون عنده في ملكه.
فتلخص من هذا: أن الأقوال متفقة على منع بيع المعين الذي لا يملكه الإنسان، فيبيعه، ثم يذهب يشتريه.
وأما بيع الموصوف في الذمة مما ليس عند البائع، فإن كان مؤجلًا جاز بالإجماع، وهو السلم المؤجل.
وإن كان حالًا، فقد اختلفت الأقوال:
стр. 1683
فقيل: يجوز مطلقًا، وهو قول الشافعي.
وقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو قول الجمهور.
وقيل: يجوز إن كان عنده في ملكه، ولا يجوز إن لم يكن عنده، وهو اختيار ابن تيمية.
الراجح:
أرى أن الراجح في ذلك قول الشافعي ﵀، والذي حمل ابن تيمية على منع السلم الحال إذا لم يكن عند البائع هو لفظ حديث حكيم بن حزام: (أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: لا تبع ما ليس عندك) قال ابن تيمية: فلو كان السلم الحال لا يجوز مطلقًا، لقال له ابتداء: لا تبع هذا، سواء كان عنده، أو ليس عنده (١). وإذا عرفنا أن حديث حكيم بن حزام بهذا اللفظ ليس محفوظًا- كما بينته عند الكلام على أحاديث الباب في المبحث السابق- لم يكن في المسألة حرج من حمل حديث: (لا تبع ما ليس عندك) على الشيء المعين؛ ولأن السلم الحال كالسلم المؤجل مضمون على صاحبه، فلا حرج في الربح فيه؛ لأن الربح إنما نهي عنه، إذا كان في شيء لم يضمنه، أما إذا كان عليه ضمانه، فالغنم بالغرم، وكونه قد لا يقدر على تسليمه، فهذه العلة موجودة في السلم المؤجل، بل هي أظهر منها في السلم الحال، ولم يمنع ذلك من جواز المعاملة، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى مزيد بسط لهذه المسألة في بحث: خلاف العلماء في السلم الحال، في هذا البحث.
* * *
стр. 1684
الفصل الثالث
في بيع مالا يملكه البائع
بيع ما لا يملكه البائع يقع على صفتين:
الصفة الأول: أن يبيعه سلعة موصوفة في الذمة، وليست معينة.
الصفة الثانية: أن يبيعه سلعة معينة بعينها، وهو لا يملكها، فيذهب ليشتريها، ويسلمها له. وهذا يقع على طريقتين:
الطريقة الأولى: أن يبيع ملك غيره لحظ مالكه، وهذا ما يسمى لدى الفقهاء في بيع الفضولي، فقد يحتاج الإنسان إلى بيع ملك غيره أو يشتري منه ماله قبل أن يرجع إلى المالك، بحيث لو انتظر ورجع إلى المالك لفاتت الصفقة على المالك، ويكون الباعث على ذلك تحقيق مصلحة للمالك، بحيث يلحظ المتصرف غبطة للمالك في البيع، أو يغلب على ظنه أنه يسر بذلك، وهذا نوع من الوكالة بدون تفويض، وقد سبق بحث هذه المسألة عند الكلام على أحكام العاقد.
الطريقة الثانية: أن يبيع ملك الغير لحظ نفسه، وليس لحظ المالك،
وهذا يقع على ضربين: غاصب يبيع عينًا مغصوبة ليست ملكه.
وتاجر يبيع ملك غيره، ثم يذهب ليشتريها من المالك.
وهذا يقع على صورتين:
الصورة الأولى: أن يبيعه عينًا معينة يملكه الغير، ثم يذهب ليشتريها، وهذا يصدق عليه أنه باع ما لا يملكه، وما ليس عنده.
стр. 1685
الصورة الثانية: أن يأخذ البائع وعدًا من المشتري على الشراء إذا اشتراها من مالكها، وهو ما يسمى في عصرنا (بيع المرابحة للواعد بالشراء). وأكثر ما يمارس هذه الصورة المصارف الإسلامية والتقليدية، وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله في أحكام المعاملات المصرفية
هذه قسمة ما يبيعه الإنسان مما لم يملكه.
* * *