← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

فقال ﷺ : لا تبع ما ليس عندك. فهذا عموم في كل بيع لما ليس عند الإنسان سواء، كان عينًا أو في الذمة» (١). ورأى الجمهور أن عموم حديث لا تبع ما ليس عندك يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم مطلقًا، لكن جاءت الأحاديث في جواز السلم المؤجل، فبقي النهي عن السلم الحال. قال ابن العربي: «المراد بقوله في الحديث: نهى النبي ﷺ عن بيع ما ليس عندك، يعني في ملكك» (٢). وقد انتقد ابن تيمية المنع من بيع السلم الحال إذا كان المبيع في ملك البائع، والبائع قادر على تسليم المبيع، وبين أن حكيم بن حزام إنما سأله عن بيع شيء في الذمة يبيعه حالًا؛ لأنه قال: أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: لا تبع ما ليس عندك، فلو كان السلم الحال لا يجوز مطلقًا، لقال له ابتداء: لا تبع هذا، سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة حالًا لا يجوز، ولو كان عنده ما يسلمه (٣). القول الثالث: يرى ابن تيمية أن النهي في حديث لا تبع ما ليس عندك، يشمل أمرين: الأول: النهي عن بيع المعين إذا لم يكن عنده. الثاني: النهي عن بيع السلم الحال إذا لم يكن عنده، فإن كان عنده وقت العقد جاز.

стр. 1682

قال ابن تيمية: أظهر الأقوال: أن الحديث لم يرد به النهي عن السلم المؤجل ولا الحال مطلقًا، وإنما أريد به النهي عن بيع ما في الذمة مما ليس مملوكًا له، ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه، ويقدر على تسليمه، فقول الرسول ﷺ في حديث حكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» العندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، ولهذا جاز بيع المعدوم الموصوف في الذمة إذا كان وقت التسليم قادرًا على تسليمه كبيع السلم، فمعنى حديث حكيم بن حزام: لا تبع ما ليس عندك، أن يبيعه شيئًا موصوفًا حالًا، وهو لم يملكه، ويربح فيه قبل أن يدخل ضمانه، وقبل أن يكون قادرًا على تسليمه، أما إذا باعه موصوفًا في الذمة حالًا، وهو عند بائعه قادرًا على تسليمه، فلا حرج إن شاء الله تعالى. وإذا لم يكن جائزًا بيع ما في الذمة مما ليس هو مملوكًا للبائع، ولا يقدر على تسليمه، فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع (١). فتلخص لي أن ابن تيمية يرى أن بيع ما ليس عند الإنسان، إن كان معينًا ليس مملوكًا له، فهو ممنوع، وإن كان موصوفًا في الذمة اشترط أن يكون عنده في ملكه. فتلخص من هذا: أن الأقوال متفقة على منع بيع المعين الذي لا يملكه الإنسان، فيبيعه، ثم يذهب يشتريه. وأما بيع الموصوف في الذمة مما ليس عند البائع، فإن كان مؤجلًا جاز بالإجماع، وهو السلم المؤجل. وإن كان حالًا، فقد اختلفت الأقوال:

стр. 1683

فقيل: يجوز مطلقًا، وهو قول الشافعي. وقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو قول الجمهور. وقيل: يجوز إن كان عنده في ملكه، ولا يجوز إن لم يكن عنده، وهو اختيار ابن تيمية. الراجح: أرى أن الراجح في ذلك قول الشافعي ﵀، والذي حمل ابن تيمية على منع السلم الحال إذا لم يكن عند البائع هو لفظ حديث حكيم بن حزام: (أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: لا تبع ما ليس عندك) قال ابن تيمية: فلو كان السلم الحال لا يجوز مطلقًا، لقال له ابتداء: لا تبع هذا، سواء كان عنده، أو ليس عنده (١). وإذا عرفنا أن حديث حكيم بن حزام بهذا اللفظ ليس محفوظًا- كما بينته عند الكلام على أحاديث الباب في المبحث السابق- لم يكن في المسألة حرج من حمل حديث: (لا تبع ما ليس عندك) على الشيء المعين؛ ولأن السلم الحال كالسلم المؤجل مضمون على صاحبه، فلا حرج في الربح فيه؛ لأن الربح إنما نهي عنه، إذا كان في شيء لم يضمنه، أما إذا كان عليه ضمانه، فالغنم بالغرم، وكونه قد لا يقدر على تسليمه، فهذه العلة موجودة في السلم المؤجل، بل هي أظهر منها في السلم الحال، ولم يمنع ذلك من جواز المعاملة، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى مزيد بسط لهذه المسألة في بحث: خلاف العلماء في السلم الحال، في هذا البحث. * * *

стр. 1684

الفصل الثالث في بيع مالا يملكه البائع بيع ما لا يملكه البائع يقع على صفتين: الصفة الأول: أن يبيعه سلعة موصوفة في الذمة، وليست معينة. الصفة الثانية: أن يبيعه سلعة معينة بعينها، وهو لا يملكها، فيذهب ليشتريها، ويسلمها له. وهذا يقع على طريقتين: الطريقة الأولى: أن يبيع ملك غيره لحظ مالكه، وهذا ما يسمى لدى الفقهاء في بيع الفضولي، فقد يحتاج الإنسان إلى بيع ملك غيره أو يشتري منه ماله قبل أن يرجع إلى المالك، بحيث لو انتظر ورجع إلى المالك لفاتت الصفقة على المالك، ويكون الباعث على ذلك تحقيق مصلحة للمالك، بحيث يلحظ المتصرف غبطة للمالك في البيع، أو يغلب على ظنه أنه يسر بذلك، وهذا نوع من الوكالة بدون تفويض، وقد سبق بحث هذه المسألة عند الكلام على أحكام العاقد. الطريقة الثانية: أن يبيع ملك الغير لحظ نفسه، وليس لحظ المالك، وهذا يقع على ضربين: غاصب يبيع عينًا مغصوبة ليست ملكه. وتاجر يبيع ملك غيره، ثم يذهب ليشتريها من المالك. وهذا يقع على صورتين: الصورة الأولى: أن يبيعه عينًا معينة يملكه الغير، ثم يذهب ليشتريها، وهذا يصدق عليه أنه باع ما لا يملكه، وما ليس عنده.

стр. 1685

الصورة الثانية: أن يأخذ البائع وعدًا من المشتري على الشراء إذا اشتراها من مالكها، وهو ما يسمى في عصرنا (بيع المرابحة للواعد بالشراء). وأكثر ما يمارس هذه الصورة المصارف الإسلامية والتقليدية، وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله في أحكام المعاملات المصرفية هذه قسمة ما يبيعه الإنسان مما لم يملكه. * * *

стр. 1686

المبحث الأول أن يبيعه سلعة ليست عنده موصوفة في ذمته الفرع الأول أن يكون المبيع حالًا [م -٣٣٥] إذا كان المبيع حالًا، والسلعة المباعة موصوفة، وهو ما يسمى اصطلاحًا بالسلم الحال، فقد اختلف العلماء في مثل هذا البيع على أربعة أقوال: القول الأول: لا يجوز البيع مطلقًا، سواء كانت السلعة عنده أو ليست عنده، وهذا مذهب الجمهور (١).

стр. 1687

القول الثاني: البيع جائز مطلقًا، وهو مذهب الشافعي (١). القول الثالث: يجوز البيع إن كانت السلعة عنده، ولا يجوز إن لم تكن عنده، وهذا اختيار ابن تيمية (٢).

стр. 1688

القول الرابع: يجوز السلم الحال بلفظ البيع، ولا يجوز بلفظ السلم، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (١). دليل من قال: لا يجوز السلم حالًا: الدليل الأول: (ح-٢٣٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبدالله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أوجب مراعاة الأجل في عقد السلم كما أوجب مراعاة القدر فيه (في كيل معلوم ووزن معلوم)، فإذا كان القدر المعلوم شرطًا في عقد السلم، وجب أن يكون الأجل شرطًا فيه أيضًا. وأجاب النووي: بأن ذكر الأجل في الحديث ليس من أجل اشتراط الأجل في العقد، وإنما معناه: إن كان هناك أجل، فليكن معلومًا، كما أن الكيل والوزن ليس بشرط، بل يجوز السلم في الثياب بالذراع، وإنما ذكر الكيل بمعنى: أنه إن أسلم في مكيل، فليكن كيله معلومًا، وإن كان في موزون، فليكن وزنه معلومًا، وإن كان

стр. 1689

مؤجلًا، فليكن أجله معلومًا، ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم مؤجلًا، بل يجوز حالًا (١). الدليل الثاني: روى عن النبي ﷺ النهي عن بيع ما ليس عند البائع، ورخص في السلم. وعليه فعقد السلم بيع معدوم ليس عند البائع وقت العقد، ولكنه شرع رخصة؛ ليدفع به حاجة كل من المتعاقدين، فصاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة بأرخص من قيمتها ليربح فيها، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه بعض الفقهاء بيع المحاويج، فإذا جاز حالًا بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عند البائع فائدة (٢). يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: قوله: ورخص في السلم لا أصل له بهذا اللفظ، وهو لا يثبت إلا من كلام الفقهاء (٣). الجواب الثاني: قولكم: بأن السلم لم يشرع إلا رخصة، إن كنتم تقصدون بذلك كما يقول بعضهم: إن السلم على خلاف القياس؛ لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم لا يجوز، وإذا كان الحال كذلك اقتصر بالسلم على صفته، فلم يجز حالًا، فيقال:

стр. 1690

القول بأن السلم على خلاف القياس غير صحيح، بل يقال: من رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. نعم في الشريعة ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده، فالسلم جار على وفق القياس، وذلك أن السلم المؤجل دين من الديون، فكما أن الثمن قد يؤجل في الذمة، وهو أحد العوضين، فكذلك المثمن قد يؤجل في ذمة البائع، فأي فرق بين كون أحد العوضين يصح أن يكون مؤجلًا في الذمة، ولا يصح أن يكون العوض الآخر مؤجلًا في الذمة. فالسلم بيع مضمون في الذمة، موصوف، مقدور على تسليمه غالبًا، فهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، فقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لايدرى أيقدر على تحصيلها، أم لا؟ والمشتري منها على غرر من أفسد القياس، وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه، ولا ما هو مقدور عليه، وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته، مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى (١). وقد عقدت فصلًا مستقلًا في عقد السلم بينت الأدلة على أن هذا العقد جار على وفق القياس فراجعه مشكورًا. وأما قولكم: إذا جاز حالًا بطلت الحكمة من مشروعية السلم، فيقال: على التسليم بقولكم، فإن الحكمة إذا بطلت من مشروعية السلم، فلم تبطل حكمة الشرع من مشروعية المعاوضة، فإن البائع انتفع بالثمن، والمشتري

стр. 1691

انتفع بالمبيع بعد استلامه، وهذا هو المقصود الأعظم للشرع من إباحة تبادل الأموال عن طريق المعاوضة، وما جاز في المعاوضات مؤجلًا جاز حالًا، وليس العكس، فإن هناك من المعاملات ما لا تصح إلا حالة مقبوضة في مجلس العقد. الدليل الثالث: الحلول في السلم يخرج العقد عن اسمه ومعناه: أما إخراجه عن اسمه، فظاهر، فإن معنى السلم والسلف: أن يعجل أحد العوضين، ويتأخر الآخر، فإذا لم يكن هناك تأجيل، وكان حالًا خرج السلم عن اسمه. وأما خروجه بالتعجيل عن معناه: فإن الشارع إنما أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، كما بينت فيما سبق، ومع حضور ما يبيعه حالًا لا حاجة إلى السلم، فإن البائع والحالة هذه لا يبيع إلا معينًا، لا يبيع شيئًا في الذمة، وهذا لا يقال له سلم (١). ويجاب عنه: قال ابن تيمية: «بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضها يسمى سلفًا إذا عجل له الثمن، كما في المسند عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه» (٢).

стр. 1692

فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز (١). مع أن السلم في شيء معين لا يجوز. فإن قيل: ما فائدة العدول من البيع إلى السلم الحال؟ أجيب: بأن في ذلك أكثر من فائدة: الفائدة الأولى: في باب الضمان، فإن المشتري إذا اشترى سلعة معينة، ولم تكن بحاجة إلى استيفاء من كيل أو وزن، فهلكت قبل قبضها، فإن ضمانها على المشتري، وإذا اشترى شيئًا موصوفًا في ذمة البائع، فهلكت قبل قبضها كان ضمانها على البائع. الفائدة الثانية: أن الشافعية يمنعون بيع العين الغائبة، ولو كانت موصوفة ما دامت معينة، فإذا كانت السلعة المعينة غير حاضرة عند العقد لم يصح العقد عليها عندهم، لكنهم يجوزن السلم الحال مع غيبة المبيع، لأن المبيع في مثل هذا لا يكون متعلقًا بسلعة معينة، بل يكون موصوفًا، متعلقًا في ذمة البائع، مضمونًا عليه (٢). دليل الشافعي على جواز السلم حالًا: الدليل الأول: قالوا: إذا جاز السلم مؤجلًا مع الغرر، فجواز الحال أولى؛ لأنه أبعد عن الغرر، أو نقول بلفظ آخر: كل بيع صح مع التأجيل، ينبغي أن يصح مع التعجيل؛ لأن التعجيل زيادة مطلوبة، تحقق الغرض من مقصود البيع، وهو انتفاع البائع بالثمن، وانتفاع المشتري بالمبيع.

стр. 1693

وأجاب الجمهور: لا نسلم عدم الغرر مع الحلول؛ لأنه إن كان عنده فهو قادر على بيعه معينًا، فعدوله إلى السلم قصد للغرر، وإن لم يكن عنده، فالأجل يعينه على تحصيله، والحلول يمنع ذلك، فبقي الغرر (١). ويرد على هذا: بأن يقال: قد أجبنا عن فائدة العدول إلى السلم في بيع الحال، فإن المشتري والبائع مستفيدان من هذه الصيغة، فالمشتري يريد أن يتعلق الضمان بعين موصوفة، ليكون ضمانها على البائع، والبائع إن كانت سلعته موجودة عنده، فقد لا تكون حاضرة في مجلس العقد، وإن كانت ليست عنده كان له من الوقت ما يذهب، ويحضرها، والحلول لا يعني وجوب التقابض في مجلس العقد، كما لو باعه عينًا معينة غائبة موصوفة، فإن البيع يعتبر حالًا، ويعطى من الوقت ما يمكنه من إحضار السلعة، وأخطر ما في ذلك أن يعجز البائع عن تحصيل المبيع، فإن عجز انفسخ العقد، كما أن العقد ينفسخ في السلم المؤجل إذا عجز البائع عن تحصيل المبيع، والضرر في السلم الحال أخف، لأن المشتري في السلم المؤجل قد ينتظر السنة والسنتين، ويعجز البائع عن تسليم المبيع، فينفسخ العقد، أو ينتظر إلى حين تمكن البائع من تحصيل المبيع، ففي الحالة هذه يكون الضرر أبلغ على المشتري، ومع هذا الاحتمال لم يمنع ذلك من صحة البيع، فكذلك لا يمنع صحته في السلم الحال. الدليل الثاني: عقد السلم الحال عقد من عقود المعاوضات، وعقود المعاوضات ليس من شرط صحتها التأجيل كالبيع.

стр. 1694

الدليل الثالث: البيع نوعان: بيع عين، وبيع صفة، وبما أنه يصح بيع العين حالًا، فإنه يجب أن يصح بيع الصفة حالًا مثله، غاية ما في ذلك أن بيع الصفة لا يتعلق المبيع فيه بسلعة معينة، وإنما يكون تعلقها بذمة البائع، وهذا لا يوجب فرقًا مؤثرًا في صحة البيع. دليل ابن تيمية على اشتراط كون المسلم فيه مملوكًا: استدل الشيخ ﵀ بعدة أدلة، منها: الدليل الأول: (ح-٢٣٦) ما رواه أحمد من طريق أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك (١). وقد وجه ابن تيمية ﵀ هذا الحديث على تحريم السلم الحال إذا لم يكن عنده بالآتي: الأول: الحديث في النهي عن بيع شيء في الذمة، وليس النهي عن بيع شيء معين يملكه زيد أو عمرو، وبينا فيما سبق أن حكيمًا لم يكن يبيع شيئًا معينًا يملكه غيره، ولا كان الذي يأتيه يقول: أريد سلعة فلان، أو سيارة فلان، وإنما كان الذي يأتيه يقول: أريد طعام كذا وكذا، ثم يذهب فيحصله من غيره، فدل على أن النهي إنما هو في بيع شيء في الذمة ليس عنده. الثاني: أنه يبيعه حالًا، وليس مؤجلًا، فإنه قال: أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه،

стр. 1695

فقال له: لا تبع ما ليس عندك، فلو كان السلم الحال لا يجوز مطلقًا، لقال له: لا تبع هذا، سواء كان عنده أو ليس عنده، فلما قال: لا تبع ما ليس عندك، كان هذا دليلًا على جواز السلم الحال إذا كان عنده، وكان الحديث دليلًا على اشتراط وجود المسلم فيه مملوكا له وقت العقد، فهو نهي عن السلم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمته بشيء حال، ويربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه (١). المناقشة: كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يصح توجيهه لو كان حديث حكيم ابن حزام محفوظًا باللفظ الذي استشهد به ابن تيمية ﵀، وإذا كان المحفوظ في حديث حكيم - كما بينته عند تخريج الحديث - إنما هو بالنهى عن بيع الطعام حتى يستوفى لم يكن فيه دليل على اشتراط وجود المسلم فيه مملوكًا عند البائع، وإنما النهي عن بيع ما ليس عندك ثبت من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وليس فيه القصة التي ذكرها حكيم، وهو مطلق، ويمكن حمله على النهي عن بيع شيء معين لا يملكه، كما حمله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وأما قوله «فيربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه». فيقال: نحن نشترط ألا يسلم في شيء حال إلا إذا كان يغلب على ظنه وجوده، وما غلب على الظن وجوده كان قادرًا على تسليمه، ولذلك أجاز بعض الفقهاء السلم في الخبز واللحم يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة، إذا غلب على الظن وجوده عنده، وهذا يمكن إلحاقه بالسلم الحال؛ لأنه يمكن له أن يشرع في قبض الحصة الأولى مع العقد.

стр. 1696

وأما قول الشيخ ﵀ «فيربح فيه وليس هو قادرًا على إعطائه» أما الربح فيه فليس منهيًا عنه ما دام مضمونًا عليه؛ لأن المحذور أن يربح فيما لم يضمن، كما لو باعه شيئًا معينًا لم يدخل ملكه، فيربح فيه قبل أن يدخل في ضمانه، وأما السلم الحال والمؤجل فهو بيع شيء موصوف في ذمته، مضمون عليه، فلا حرج في الربح فيه. وأما قول الشيخ: «وليس هو قادرًا على إعطائه» إن كان المقصود ليس قادرًا على إعطائه في مجلس العقد فمسلم، وهذا لا يمنع صحة السلم؛ لأن حلول السلم لا يعني وجوب التقابض في مجلس العقد، كما لو باعه عينًا معينة غائبة موصوفة، فإن البيع يعتبر حالًا، ويعطى من الوقت ما يمكنه من إحضار السلعة، وإن كان المقصود ليس قادرًا على إعطائه مطلقًا فغير مسلم؛ لأننا نشترط في السلم الحال أن تكون السلعة موجودة في السوق، فلا يسلم حالًا في وقت الصيف في فاكهة لا توجد إلا في الشتاء أو العكس. الدليل الثاني لابن تيمية: ذكر ﵀ بأن السلعة إذا لم تكن عنده، فقد يحصل عليها، وقد لا يحصل عليها، وهذا نوع من الغرر، وإن حصله، فقد يحصله بثمن أعلى مما تسلفه، فيندم، وقد يحصله بسعر أرخص من ذلك، فيندم المسلف؛ لأنه كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الرخص، فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد، يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري (١).

стр. 1697

المناقشة: قول ابن تيمية ﵀: السلعة إذا لم تكن عنده فقد يحصل عليها، وقد لا يحصل عليها، وهذا نوع من الغرر: يقال: هذا الغرر موجود في السلم المؤجل من باب أولى، فإن البائع قد يحصل على المبيع وقد لا يحصل عليه، والتأجيل: ليس مظنة الحصول عليه، ولأن الشأن في حال السلم المعجل قد يتصل البائع بالمورد، ويسأله عن وجود البضاعة، ويتأكد من وجودها قبل دخوله في الصفقة، بخلاف المؤجل فإنه غيب لا يعلمه إلا الله، وعلى كل حال نحن نشترط لصحة السلم الحال أن تكون البضاعة موجودة، وفرق بين اشتراط وجود البضاعة في السوق، وبين اشتراط وجودها في ملكه. وأما قول الشيخ: بأنه قد يحصل عليها بثمن أقل، فيندم المشتري إذ كان يمكنه تحصيل السلعة من المصدر، وقد يحصل عليها بثمن أكثر من قيمتها، فيندم البائع، فيكون هذا كبيع العبد الآبق، والجمل الشارد. فيقال: قد يكون كلام الشيخ ﵀ مناسبًا للعصر الذي كان فيه، أما اليوم فقد يحرص المشتري أن يحصل على البضاعة من خلال التاجر، ولا يرغب في الحصول عليها من خلال الموزع، وذلك ليستعين بخبرة التاجر من خلال معرفته للسلع الجيدة من السلع المقلدة، فهو يعرف السلع جيدًا والفروق بينها، ومدى جودة كل سلعة، وملاءمتها للظروف، كما يرغب المشتري أن يكون الضامن للسلعة رجلًا معروفًا في السوق يستطيع أن يرجع إليه إذا تبين وجود عيب أو خلل، أو قامت حاجة إلى قطع غيار ونحوه، كما أن في الناس من لا يعرف قيمة الأشياء، فيستعين بمن يعرفها، فالتاجر يستطيع أن يشتري البضاعة بأقل سعر ممكن مما لو اشتراها الرجل العادي، فيطيب المشتري نفسًا أن يدفع ربحًا

стр. 1698

معلومًا فوق الثمن الذي دفعه البائع، ومع كل هذا فإن العرف التجاري اليوم، أن المنتج إذا باع بضاعته على الباعة أعطاهم إياها بسعر الجملة، وإذا باع على الأفراد كان لها سعر آخر، وهو سعر الاستهلاك، فلو رجع المستهلك إلى المصدر وجد تطابقًا بالسعر بين البائع والمنتج أو الموزع، وهذا عرف يحترمه التجار بينهم، لينتفع أهل السوق من جهة، ويكون سعر البضاعة موحدًا من جهة أخرى. دليل من قال: يصح بلفظ البيع، ولا يصح بلفظ السلم . ربما استدل صاحب هذا القول بأن الألفاظ لها دور كبير في توصيف المعاملة من الإباحة إلى التحريم، فمن دفع درهمًا، وأخذ درهمًا بدلًا عنه: إن كان ذلك بلفظ البيع اشترط التقابض في مجلس العقد، وإن كان بلفظ القرض جاز التأجيل، والذي فرق بينهما هو اللفظ، فالسلم اسمه ومعناه: أن يسلم الثمن، ويتأخر المثمن، فهو أخص من البيع، فإذا جرت المعاوضة بدفع الثمن، وكان المثمن حالًا لم يصدق عليه أنه من باب السلَم، وصدق عليه أنه بيع، فنشترط أن يكون بلفظ البيع، ولا يكون بلفظ السلم. فيقال: فرق بين عقد القرض، وعقد المعاوضة، فعقد القرض من عقود الإرفاق والإحسان، لم يقصد به الربح، بخلاف عقود المعاوضات، والسلم والبيع من عقود المعاوضات، فما يشترط في البيع يشترط في السلم، من العلم في المبيع والعلم بالثمن، وانتفاء الجهالة والغرر ... الخ شروط البيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العبرة في ألفاظ العقود بمعانيها لا بألفاظها وقد قدمت فصلًا مستقلًا بأنه: إذا تعارض اللفظ والمعنى، قدم المعنى على الصحيح من أقوال أهل العلم، وقد انتقد ابن تيمية من فرق بين السلم الحال بلفظ البيع وبين السلم الحال بلفظ السلم، فقال: «مستند هذا الفرق ليس مأخذًا شرعيًا،

стр. 1699

فإن أحمد لا يرى اختلاف أحكام العقود باختلاف العبارات، كما يراه طائفة من أصحابه .... يُجَوُّزن بيع ما في الذمة بيعًا حالًا بلفظ البيع، ويمنعونه بلفظ السلم؛ لأنه يصير سلمًا حالًا، ونصوص أحمد وأصوله تأبى هذا كما قدمناه عنه بصيغ العقود، فإن الاعتبار في جميع التصرفات القولية بالمعاني، لا بما يحمل على الألفاظ، كما تشهد به أجوبته في الأيمان والنذور، والوصايا، وغير ذلك من التصرفات، وإن كان هو قد فرق بينهما كما فرق طائفة من أصحابه، فيكون هذا التفريق رواية عنه مرجوحة ... » (١). الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأقوال أجد أن أقوى الأقوال في المسألة هو مذهب الشافعية، وهو جواز السلم الحال مطلقًا، سواء كان عند البائع، أو ليس عنده، بشرط أن يغلب على الظن وجوده في السوق، وإذا كان السلم المؤجل لا يدخل في قوله: لا تبع ما ليس عندك، لم يدخل السلم الحال من باب أولى، والله أعلم. * * *

стр. 1700

الفرع الثاني أن يكون المبيع مؤجلا [م-٣٣٦] تبين لنا خلاف العلماء في بيع ما ليس عند الإنسان، إذا كان المبيع موصوفًا في الذمة، حالًا، وفي هذا المبحث نريد أن نقف على حكم بيع الإنسان ما ليس عنده، إذا كان المبيع مؤجلًا موصوفًا في الذمة، والثمن مقدم في مجلس العقد، وهو ما يسمى لدى الفقهاء بالسلم، فهذا البيع جائز بالاتفاق، قال القرطبي ﵀: «والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه ﵇، عن بيع ما ليس عندك ... » (١). وقال النووي: «أجمع المسلمون على جواز السلم» (٢). وقال ابن حجر: «اتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب» (٣). وممن حكى الإجماع ابن قدامة في المغني (٤)، وابن رشد في بداية المجتهد (٥)، وغيرهم. وفيه خلاف شاذ سوف نعرض له في عقد السلم إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 1701

المبحث الثاني في بيع الرجل سلعة معينة لا يملكها الفرع الأول أن يبيع ملك غيره لحظ مالكه قد يتقدم الرجل للسلعة، فلا يجد صاحبها، ويسأل عنها، فيتطفل بعض الناس، فيبيعه إياها دون تفويض من صاحبها، وهو ما يسميه الفقهاء (تصرف الفضولي)، وقد اختلف العلماء في حكم هذا التصرف، هل يحرم، أو يجوز؟ وإذا قلنا: بالجواز، هل يترتب على هذا التصرف أثر، أو هو تصرف ملغى باعتبار أنه صادر من رجل لا يملك السلعة؟ وقد تكلمنا في أحكام العاقد عن حكم تصرف الفضولي وشرائه، فارجع إليه إن شئت. * * *

стр. 1702

الفرع الثاني أن يبيع ملك غيره لحظ نفسه [م-٣٣٧] إذا كان المبيع معينًا، أي ليس موصوفًا، ولم يملكه البائع، ولم يبعه لصاحبه، وإنما باع البائع تلك السلعة قبل تملكها طلبًا للربح، ثم يذهب ليشتريها، ويعطيها المشتري، فالعلماء متفقون على عدم جواز بيعه. وقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على بطلان البيع، قال الزيلعي: «والمراد بالنهي عن بيع ما ليس عند الإنسان ما ليس في ملكه، بدليل قصة الحديث - يعني حديث حكيم بن حزام - ثم قال: أجمعنا على أنه لو باع عينًا حاضرة غير مملوكة له لا يجوز، وإن ملكها فيما بعد» (١). وقال ابن الهمام: «أما النهي عن بيع ما ليس عندك، فالمراد منه ما ليس في الملك اتفاقًا ... » (٢). وقال ابن قدامة: «ولا يجوز أن يبيع عينًا لا يملكها، ليمضي، ويشتريها، ويسلمها رواية واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا ... ثم ذكر حديث حكيم: لا تبع ما ليس عندك» (٣). وقال ابن حزم عن حديث حكيم بن حزام بعد أن صححه، قال: «وبه نقول، وهو بين كما تسمع، إنما هو نهي عن بيع ما ليس في ملكك، كما في الخبر نصًا، وإلا فكل ما يملكه المرء فهو عنده، ولو أنه بالهند ... » (٤).

стр. 1703

وذكر ابن عبد البر أن بيع ما ليس عند الإنسان من الأصول المجتمع على تحريمها (١). ومستند الإجماع: (ح-٢٣٧) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢). [إسناده حسن، وسبق تخريجه] (٣). وفي الباب حديث حكيم بن حزام وغيره، وقد سبق تخريجها في الفصل الأول. وفي هذا البيع محذوران شرعيان: الأول: أنه باع ما لا يملك، ومن شروط صحة البيع أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، أو مأذونًا له في بيعه، ومثل هذا البيع لا يجوز؛ لأنه قد يحصل على المبيع، وقد لا يحصل عليه، فيكون في ذلك نوع من الغرر.

стр. 1704

قال ابن القيم: «وأما قوله: «لا تبع ما ليس عندك» فمطابق لنهيه عن بيع الغرر؛ لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس هو على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له، وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق والشارد، والطير في الهواء، وما تحمله ناقته» (١). وعلى تقدير تحصيل السلعة، فقد يكون بثمن مثل الأول، أو أقل، أو أكثر، فإن أخذها من صاحبها بأكثر مما باعها به للأجنبي، فيضيع عليه الزائد، وهو سفه، وإن اشتراها من صاحبها بأقل مما باعها به، فإن الحزن يدخل على المشتري إذ كان يمكنه تحصيل السلعة بأقل مما اشترها به. الثاني: أنه ربح فيما لم يضمن. (ح-٢٣٨) وقد روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢). [إسناده حسن]. * * *

стр. 1705

المطلب السادس في النهى عن القمار المسألة الأولى تعريف القمار وعلاقته بالغرر تعريف القمار اصطلاحًا (١): عرفه بعض الحنفية بقولهم: «تمليك المال على المخاطرة» (٢). وقال ابن عابدين: «تمليك على سبيل المخاطرة» (٣). وعرفه الإمام مالك بقوله: «ميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه». وقال القرطبي: «الميسر: مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب، فكانوا يشترون الجزور، ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم، ولا يكون عليه من الثمن شيء، ومن بقي سهمه آخرًا كان عليه ثمن الجزور كله، ولا يكون له من اللحم شيئ» (٤).

стр. 1706

وقال ابن حزم: «الميسر الذي حرمه الله هو القمار: وذلك ملاعبة الرجل صاحبه على أن من غلب منهما أخذ من المغلوب قمرته التي جعلها بينهما كالمتصارعين يتصارعان والراكبين يتراكبان على أن من غلب منهما فللغالب على المغلوب كذا وكذا خطارًا وقمارًا، فإن ذلك هو الميسر الذي حرمه الله» (١). وعرفه ابن تيمية بقوله: «القمار معناه: أن يؤخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة، هل يحصل له عوضه، أو لا يحصل، كالذي يشتري العبد الآبق، والبعير الشارد، وحبل الحبلة ونحو ذلك مما قد يحصل له، وقد لا يحصل، وعلى هذا فلفظ الميسر في كتاب الله يتناول ذلك كله» (٢). وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الميسر هو القمار. (ث-٣١) والحجة في ذلك ما رواه ابن أبي حاتم (٣)، والطبري (٤) من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد، قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: الميسر هو القمار. [وسنده حسن]. وقال ابن حزم: «أجمعت الأمة التي لا يجوز عليها الخطأ فيما نقلته مجمعة عليه أن الميسر الذي حرمه الله هو القمار ..... » (٥). وقيل: إن الميسر ينقسم إلى قسمين:

стр. 1707

(أ) ميسر لهو، وهو ما ليس فيه مال. (ب) وميسر قمار، وهو ما فيه مال. وهذا القول منسوب إلى مالك، قال القرطبي: «قال مالك: الْمَيْسِر مَيْسِران: مَيْسِر اللهو، وميسر القِمار؛ فمن مَيْسر اللّهوِ النَّرْد والشَّطْرنج والملاهي كلها. وميسر القمار. ما يتخاطر الناس عليه» (١). علاقة القمار بالغرر: ذكرنا من تعريفات الغرر: بأنه ما كان مستور العاقبة. وهو ما اختاره السرخسي (٢)، والزيلعي (٣)، من الحنفية، وهو موافق لتفسير الإمام مالك ﵀ (٤)، واختاره بعض الشافعية (٥)، وابن تيمية من الحنابلة في أحد قوليه (٦). ورجحه الخطابي في معالم السنن. ومستور العاقبة يشمل أمرين: الأمر الأول: ما تردد بين الحصول وعدمه. الأمر الثاني: ما كان مجهول الصفة أو المقدار أو الأجل، وإن تحقق حصوله. والأمر الأول علاقته بالقمار ظاهرة؛ لأن كلًا منهما مبني على المخاطرة.

стр. 1708

ولذلك قال القاضي عبد الوهاب البغدادي: «يجمع بين الغرر ثلاثة أوصاف: أحدهما تعذر التسليم غالبًا. والثاني: الجهل. والثالث: الخطر والقمار» (١). فالأول والثالث عاقبته مستورة بسبب التردد بين الحصول وعدمه. والثاني: عاقبته مستورة بسبب الجهل في صفته أو مقداره، أو أجله. فتبين بهذا أن القمار نوع من الغرر، وأن الغرر أعم من القمار. وجاء في التاج والإكليل: «بيع الدنانير والدراهم جزافا قمار ومخاطرة ... لأن الغرر يدخلها من وجهين: من جهة خفة الدراهم، ومن جهة المبلغ فلم يجز ذلك لكثرة الغرر» (٢). وقال ابن تيمية: «والغرر هو المجهول العاقبة فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار» (٣). وقال أيضًا: «والنبي ﷺ حرم بيوع الغرر؛ لأنها من نوع القمار مثل أن يشتري العبد الآبق، والبعير الشارد، فإن وجده كان قد قمر البائع، وإن لم يجده كان البائع قد قمره» (٤). * * *

стр. 1709

المسألة الثانية في حكم القمار [م -٣٣٨] القمار محرم بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل العلم. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠: ٩١]. وجه الاستدلال: أخبر الله بأن الميسر رجس، وأنه من عمل الشيطان مستخدمًا أداة الحصر (إنما)، وأمر باجتنابه والأصل في الأمر الوجوب لاسيما وقد علق عليه الفلاح، ورغب في تركه بذكر المفاسد المترتبة على تعاطيه من وقوع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، ثم ختم الآية بالاستفهام الدال على النهي، فهل أنتم منتهون. وأما السنة: (ح-٢٣٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق (١).

стр. 1710

فإذا كانت الدعوة إلى القمار توجب الصدقة، فما بالك بمباشرة القمار نفسه. وأما الإجماع فقد نقله طائفة كثيرة من أهل العلم، أذكر بعضهم: من الحنفية، قال الجصاص: «ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار، وأن المخاطرة من القمار» (١). وحكاه أيضًا منهم العيني في عمدة القارئ (٢)، وبرهان الدين ابن مازة (٣). ومن المالكية نقل الإجماع القرطبي (٤)، وابن العربي (٥). ومن الشافعية حكاه الحافظ ابن حجر (٦). ومن الحنابلة حكاه ابن تيمية (٧). ومن الظاهرية حكاه ابن حزم (٨). * * *

стр. 1711

المسألة الثالثة الحكمة من تحريم القمار القمار حرام لأنّ الله حرّمه وهو يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد. قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. وأما الحكمة في تحريمه فإن العاقل يرى في ذلك أسبابا كثيرة منها: ١ - القمار من أكل أموال الناس بالباطل، قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فالكسب والخسارة في القمار لا يقوم على تبادل المنافع بالطرق المشروعة، بل يقوم على المخاطرة والمصادفة والحظ وترك العمل والجد، وأخذ المال بلا مقابل. ٢ - القمار يورث العداوة والبغضاء بين المتلاعبين، وذلك أن القمار سبب في سلب الأموال بلا مقابل؛ وذلك أن الإنسان إذا غلب في القمار دعاه ذلك إلى الدخول فيه مرة أخرى طمعًا في تعويض خسارته، وقد يتفق ألا يحصل له ما أراد، بل تزداد خسارته، وتتفاقم مشاكله وما يزال يدخل في ذلك مرة بعد مرة

стр. 1712

طمعًا في التعويض حتى يصل إلى حال لا يبقى معه شيء من المال، فيصير معدمًا، ينظر إلى أولئك الناس الذين كانوا سببًا في خسارته وسلب أمواله بلا مقابل على أنهم من ألد أعدائه، فظهر بذلك أن القمار سبب عظيم في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس. ٣ - القمار يصد عن ذكر الله وعن الصلاة بنص القرآن، فإذا كان الإنسان مأمورًا إذا سمع النداء يوم الجمعة أن يسعى لذكر الله ويذر البيع المباح، فكيف إذا كان الشاغل عن ذكر الله وعن الصلاة أمرًا محرمًا كالقمار. ٤ - القمار أداة لهدم البيوت العامرة، وفقد الأموال في وجوه محرمة، وافتقار العوائل الغنية، وإذلال النفوس العزيزة. كم من بيوت افتقرت بسبب القمار، وكم من بطون جاعت وأجسام عريت أو لبست الأسمال وكم من زواج فشل، ووظيفة ضاعت؛ لأن صاحبها اختلس ليقامر، وكم من رجل باع دينه وعِرضه على مائدة القمار، فالقمار يدمر كل شيء وهو إن كان هدفه المال ولكنه يشمل الخمر والتدخين ورفاق السوء والظلام والغموض والغش والكراهية والتربص والاختلاس وكل صفات الشر (١). * * *

стр. 1713

المسألة الرابعة المعاملات المحرمة بسبب القمار لا يمكن حصر المعاملات التي فيها قمار، وذلك أن الناس يحدثون في كل عصر أنواعًا من المعاملات المشتملة على القمار مما لم يكن معروفًا في العصور السابقة، ولذلك يمكن تقسيم المعاملات التي يقع فيها القمار إلى قسمين: القسم الأول: القمار في المسابقات والمغالبات، وهذا سوف يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في كتاب خاص. القسم الثاني: القمار في المعاملات المالية، وهذه المعاملات منها ما هو متفق على منعه، كبيع الحصاة، والمنابذة، والملامسة، والمزابنة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الثمار قبل أن تزهو أو قبل أن تحمر أو تصفر بشرط البقاء، وهذه المعاملات سبق بحثها، ولله الحمد. ومنها ما هو مختلف فيه: كبيع المعدوم، وبيع الغائب، وبيع المغيبات في الأرض، وبيع العبد الآبق، والجمل الشارد، ومعاملات التأمين، وقد سبق بحث هذه المسائل ولله الحمد. ومنها ما سوف نتعرض له بالبحث إن شاء الله تعالى في المباحث التالية كالحوافز المالية. وينبغي أن ألفت النظر مرة أخرى أن الغرض من ذكر هذا التقسيم هو المثال،

стр. 1714

وإلا فمعاملات القمار أكثر من أن تحصى، ولم أحاول الاستيعاب لأن البحث لم يقتصر على دراسة هذا النوع من المعاملات دون غيرها، والله وحده هو الموفق والمعين. * * *

стр. 1715

المطلب الأول تعريف الحوافز المالية في المعاملات التجارية تعريف الحوافز المالية اصطلاحًا (١): بعض العلماء يطلق عليها اصطلاح الجوائز. والجائزة في الاصطلاح (٢): هي العطية على معروف. وتعتبر الحوافز التجارية من المسائل النازلة لذا سوف نرقم هذه المسائل ضمن المعاملات المعاصرة. يقول أخونا الشيخ خالد المصلح: «ما تشهده الأسواق والمراكز التجارية ومحلات البيع صغيرها وكبيرها من الحوافز الترغيبية في السلع والخدمات، ووسائل ترويجها فإنها من أبرز سمات الأسواق والمراكز التجارية المعاصرة، وهي لا شك بحاجة إلى دراسة خاصة» (٣). وقد عرفت الحوافز بأنها: «كل ما يقوم به البائع أو المنتج من أعمال تعرف

стр. 1716

بالسلع، أو الخدمات، وتحث عليها، وتدفع إلى اقتنائها وتملكها من صاحبها بالثمن، سواء كانت تلك الأعمال قبل عقد البيع أو بعده» (١). * * *

стр. 1717

المطلب الثاني الأصل في الحوافز التجارية [ن-٢٥] الأصل في الحوافز التجارية الحل إذا روعي فيها الضوابط الشرعية وذلك بمراعاة ما يلي: الأول: أن يكون ذلك عن رضا وطيب نفس من العاقدين، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. الثاني: ألا توقع في الربا، وذلك بألا تكون المسألة من مسائل ما يعرف بمد عجوة ودرهم، فإن كانت من هذه المسائل وجب أن يراعى في ذلك شرط الجواز كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كتاب الربا. الثالث: أن تكون المعاملة خالية من القمار والمخاطرة، والغرر الفاحش، والخداع والتدليس. الرابع: ألا يؤدي ذلك إلى التغرير بالمشترين كأن يرخص سلعة، ويزيد في أسعار السلع الأخرى عن سعر السوق. الخامس: ألا يؤدي ذلك إلى الإضرار بالسوق وصغار المستثمرين. السادس: أن تكون الحوافز مما أباح الله، فلا يضع حوافز تؤدي إلى الوقوع في الحرام، من ذلك صرف تذاكر للمراهقين والمراهقات للسفر إلى بلاد الكفار، أو توزيع أفلام ساقطة، أو مجلات خليعة، أو الدخول في الحفلات المختلطة، أو غيرها من المحرمات. السابع: أن يكون التاجر ملتزمًا ببذل ما وعد؛ لأن هذه العدة جزء من المعاوضة لا يجوز الخروج منها، أو التحايل على إسقاطها، لأن التاجر عندما

стр. 1718

وعد ببذل هذه الحوافز لا يبذلها هدية للمشتري أو إحسانًا عليه، وإنما كان الغاية منها والباعث عليها ترويج السلع، وإغراء الناس في الشراء، وهذا يلحقها بعقود المعاوضات لا عقود التبرعات؛ لأن التبرع والهبة إذا رتب على عمل خرج من كونه تبرعًا إلى كونه معاوضة. قال ابن تيمية: «الواهب لا يهب إلا للأجر فتكون صدقة، أو لكرامة الموهوب له فتكون هدية، أو لمعنى آخر فيعتبر ذلك المعنى» (١). * * *

стр. 1719

المطلب الثالث في حكم الحوافز إذا تضمنت إلحاق الضرر بصغار المستثمرين [ن-٢٦] بعض المحلات التجارية الكبرى ذات الفروع الكثيرة تستطيع أن تحصل على السلع بسعر أقل من سعر الجملة لقدرتها على الشراء بكميات كبيرة، ومن ثم بيعها بالتجزئة بأقل من سعر الجملة أيضًا بعد توزيعها على فروعها المنتشرة في المدن، وهذا التصرف لا يستطيع معه صغار المستثمرين الدخول في المنافسة؛ لأن ذلك يعني خسارتهم المؤكدة، وبعض التجار قد يكون محكومًا بسعر معين من قبل المنتج لا يستطيع البيع بأقل منه، فيعمد إلى وضع جوائز مع السلعة تكون محصلته أنه باع بأقل من سعر السوق، وبأقل من السعر المتفق عليه مع المنتج، والسؤال ما حكم هذه الحوافز في هذه الحالة؟ وللجواب على ذلك أن يقال: البيع بمثل هذه الحوافز إما أن يقلل أرباح بقية التجار أو يتسبب بالخسارة لهم. فإن كان البيع بمثل هذه الحوافز يعني التقليل من أرباح التجار، ولو باعوا بمثل ما باع به هذا التاجر لم يلحق التجار خسارة في تجارتهم؛ فإن هذا التصرف جائز؛ لأن التعدي كان من التجار أنفسهم بسبب طمعهم وجشعهم ورفعهم الأرباح فوق المقدار المطلوب. ولأن أسعار السلع حق لأربابها فلا يحجر عليهم فيها ما دام أن هذا التصرف لا يلحق الضرر بالآخرين. وقد أجاز الفقهاء بيع الوضيعة، وهو بيع السلعة بنقيصة عن الثمن الأول.

стр. 1720

ويعتبر هذا التاجر محسنًا في تصرفه هذا؛ لأن هذا التصرف يؤدي إلى مصلحتين: الأولى: انتفاع الناس بالحصول على السلع في سعر أقل. الثانية: الحد من طمع التاجر في سعيهم إلى رفع أسعار السلع على الناس. وهاتان المصلحتان مقصودتان للشارع. وإن كان البيع بمثل هذه الحوافز يعني أن هذا التاجر يبيع بسعر لا يمكن لبقية التجار أن يبيعوا بمثله، ولو باعوا بمثله لخسروا، فإن هذا الفعل لا يجوز، ويجب على وزارة التجارة أن تتدخل لوضع حد لمثل هذا السلوك، فإن حرية الإرادة ليست مطلقة، فحرية الإنسان يجب ألا تسبب في إلحاق الضرر بالسوق، ولا في كساد تجارة صغار المستثمرين، والتسابق في التنافس في جذب المستهلك والاستئثار به يجب أن يكون متوازنًا بين مصلحة المستهلك ومصلحة التاجر. قال ابن القيم «أنه ﷺ نهى عن طعام المتباريين (١)، وهما الرجلان يقصد
следующие страницы →